← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وصورة المسألة/ أن يقول وكلتك في شراء شيء: إذهب إلى السوق واشتري لي شيئاً. ماهو الشيء؟ لم يحدد العين لا من حيث الجنس ولا من حيث العين. فالوكالة باطلة. لأن في هذا أيضا غرر كبير وقد يكون فيه ضرر وقد لا يكون. بحسب ما يشتري. إذاً: نقول في هذا العقد غرر ظاهر واضح. والنبي ﷺ في هذا الحديث الجامع المانع: نهى عن الغرر. - قال ﵀: - أو عيناً بما شاء ولم يعين: لم يصح. أي طلب منه أو وكله أن يشتري له شيئاً معيناً. ولذلك يقول: (عيناً) أي حدد الذي حدد الذي يشتريه - العين التي تشتري. لكنه لم يحدد الثمن فقال إشتر هذه العين بما شئت. فالعقد باطل ولا يصح. - لأنه ربما زاد في الثمن في هذه السلعة زيادة فاحشة مما يدخل الضرر والنزاع بين الاثنين: الموكل. والوكيل. هكذا قرر الحنابلة حكم هذه المسألة. وفي الحقيقة الضرر في هذه المسألة أخف من الضرر في المسألة السابقة. ومن الضرر في المسألة التي قبلها. لأنه في الغالب الموكل لا يقول لأحد اشتر لي هذه السلعة مهما بلغت إلا وهو يتصور نطاق ثمن هذه السلعة لا سيما إذا كانت منخفضة السعر. ولا يريد أن يحدد ثمناً لئلا تفوته السلعة مع أن الاختلاف يسير. فمثلاً: لا يريد أن يقول: اشتر لي هذه السلعة بمائة ريال ثم تباع بمائة وريال. هو يريد أن يخرج من هذا المأزق فيقول: اشتر لي هذه السلعة وهو يعلن أن هذه السلعى لن تزيد عن حد معين مهما كان. وسعر هذه السلعة معروف في السوق. فالمنع من هذه الصورة - بالذات: الذي ذكرت - فيه نظر. إلا أنه مع ذلك تحتاج المسألة إلى ضبط. فلو يقال: أن التوكيل في شراء عين بلا تحديد السعر يجوز في المحقرات والأشياء اليسيرة. ويمنع في الأشياء الكبيرة: لكان هذا القول متوافق إن شاء الله مع الشرع وفيه فسحة للناس وبعد عن التضييق عليهم وفي نفس الوقت بعد عن الأضرار الشرعية من وجود الغرر أو وجود الضرر. - ثم قال ﵀: - والوكيل في الخصومة لا يقبض. معنى العبارة: أنه إذا وكل شخص شخصاً في الخصومة فليس من صلاحياته أن يقبض بعد انتهاء الخصومة. استدل الحنابلة على هذا:

стр. 1717

- بأن الإنسان قد يوكل غيره في الخصومة لكونه يتقن الخصومة ويعرف البينات والأدلة. ولكن لا يريد منه أن يقبض. لأحد سببين: ـ السبب الأول: أنه لا يأتمنه على ثمن العين محل الخصومة. ـ والسبب الثاني: يخشى أن يموت الخصم فتنتقل العين إلى الورثة وهو يحب بقاء العين مع الورثة ولا يريد التضييق على الورثة. فهو لهذين الأمرين وكله في الخصومة دون القبض. = والقول الثاني: أنه إذا وكله في الخصومة ودلت القرائن والأعراف على أن مثله يقبض فإنه يقبض. وربط هذه المسائل بالأعراف هو الصحيح. لأنه ليس في النصوص وصف تفصيلي للأحكام فنرجع إلى عرف الناس إذ سيتعامل الناس غالباً على وفق العرف. - قال ﵀: - والعكس بالعكس. فإذا وكله في القبض فله أن يخاصم. واستدلوا على هذا: - بأن القبض لا يتم إلا بالخصومة. ((الأذان)). إذاً يقول المؤلف ﵀: والعكس بالعكس. فإذا وكله بالقبض ملك الخصومة. واستدلوا على هذا: - أن القبض لا يتم إلا بالخصومة. يعني: إلا بعد الخصومة. وبهذا فرق الحنابلة بين هذه المسألة والمسألة السابقة. = القول الثاني: أنه إذا وكله في القبض فإن هذا لا يعتبر توكيلاً بالخصومة إلا إذا علم الموكل من دلالة الحال أن القبض لن يكون إلا بعد خصومة. كأن يعلم الموكل أن المدين مماطل أو جاحد أو يتهرب فحينئذ إذا وكله في القبض فهو توكيل في الخصومة. وهذا القول الثاني هو الصحيح. أن التوكيل بالقبض ليس توكيلاً بالخصومة مطلقاً. بل ربما كره الموكل أن يخاصم الوكيل الدائن وقال له: إنما وكلتك بالقبض فقط. فهذا القول الثاني: هو الصحيح وهو أقوى من المذهب. وعليه عمل الناس. إذ ليس التوكيل في القبض توكيل مباشر بالخصومة. هذا أمر ظاهر. - ثم قال ﵀: - و ((اقْبِضْ حَقِّي مِنْ زَيْدٍ)) لا يقبض من ورثته. يعني: وإذا قال الموكل للموكل اقبض حقي من زيد. فهذا ليس توكيلاً بقبض الحق من الورثة. - لأنه إنما وكله بقبض الحق من زيد ونص عليه. فلا تتجاوز الوكالة زيد. - ولأنه رما كره أن يطالب الورثة بالدين بعد موت المدين. = والقول الثاني: أن التوكيل بالقبض من زيد توكيل بالقبض من ورثته.

стр. 1718

وعلى هذا العمل. أنه إذا وكل شخص بمطالبة زيد ثم مات فله أن يطالب الورثة. وهذا القول هو الصحيح. وعلى الموكل إذا أراد من الوكيل أن لا يطالب أن يبين ذلك في الوكالة. لأن هذا خلاف المعهود وخلاف العرف. - ثم قال ﵀: - إلاّ أن يقول: ((الَّذِي قَبْلَهُ)). أي: إلا أن يقول الموكل اقبض ديني الذي قبل زيد. يعني: الذي عند زيد. - لأن هذا اللفظ يتناول ما إذا كان الدين عند زيد أو عند الورثة لأنه يريد أن يقبض الدين الذي قبل هذا الشخص. وهذا يتساوى فيه المدين والورثة. ففرق الحنابلة بين العبارتين. لأن العبارة الثانية: تركز على الدين. والعبارة الأولى: تركز على قبضه من زيد. فالحنابلة عندهم دقة في ألفاظ التوكيل لأنه سبق معنا أنه عقد من العقود المعتبرة. - ثم قال ﵀: - ولا يضمن وكيل الإيداع: إذا لم يشهد. يعني: إذا وكل زيد عمراً أن يودع هذه السلعة عند آخر. فأودعها ولم يشهد. فإن الوكيل لا يضمن ولو ترك الإشهاد. استدل الحنابلة على هذا: - بأن هذا الإشهاد لا فائدة منه. لأن المودَع لا يضمن مطلقاً. - ولأن قول المودَع مقبول دائماً. = والقول الثاني: أن الوكيل إذا أودع ولم يشهد فهو ضامن. واستدلوا على هذا: - بأن هذا الاشهاد ينتفع منه فيما إذا نسي المودَع. فإذا نسي المودَع وكان المودِع أشهد نفعت الشهادة. وهذا القول الثاني هو الصحيح. والمذهب في هذه المسألة: ضعيف. ففي ترك الإشهاد تفريط ظاهر. هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابة أجمعين ...

стр. 1719

الدرس: (٣٢) من البيع قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. - قال ﵀: - (فصل). هذا الفصل عقده المؤلف ﵀ لبيان غالب أحكام الضمان بين الوكيل والموكل. ولذلك بدأ بقاعدة الباب: - فقال ﵀: - والوكيل أمين: لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط. هذه هي القاعدة أن الوكيل: أمين لا يضمن إلا بالتفريط. = وعند الحنابلة لا يضمن إلا بالتفريط ولو كان وكيلاً بأجرة أو بجعل. فعدم الضمان مطلقاً ما لم يفرط. واستدلوا على هذا: - بأنه - أي الوكيل - يقوم مقام المالك., والتلف في يد المالك لا يوجب ضماناً لأنه تلف في يد المالك فكذلك التلف في يد الوكيل. وهذا التعليل صحيح. وهذا هو تعليل القول بأن يده يد أمانة. - قال ﵀: - إلا بلا تفريط. يعني: أو تعدي. وإنما اقتصر على التفريط لأنه أقل من التعدي. فإذا كان يضمن بالتفريط فبالتعدي من باب أولى. ولذلك اقتصر عليه المؤلف ﵀. قبل أن نتجاوز المسألة السابقة: هذا الحكم المذكور فيها هو قاعدة الأعيان المقبوضة بيد أمانة: كالأب والوصي والمضارب والشريك. وكل من يده يد أمانة. فهي في الحقيقة قاعدة تشمل جميع الذين تعتبر أيديهم يد أمانة وهذا الحكم ينطبق عليهم. - ثم قال ﵀: - ويقبل قوله في نفيه والهلاك مع يمينه. يعني: ويقبل قول الوكيل في نفي التفريط والتعدي. ويقبل قوله أيضاً في التلف. فإذا ادعى الوكيل أنها تلفت وادعى الموكل أنها باقية. فالقول قول الوكيل. واستدلوا على هذا بأمور: - الأمر الأول: أن يده يد أمانة. - الأمر الثاني: أنا لو ألزمنا الوكيل بالبينة لكنا ألزمناه بأمر يتعذر ولأدى هذا إلى انقطاع يد الأمانة في تعامل الناس. (لأنا لو ألزمناه بالبينة لألزمناه بأمر يتعذر غالباً ولأدى ذلك إلى انقطاع يد الأمانة في تعامل الناس). - الأمر الثالث: أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر). فهذه الأدلة مجتمعة تدل على قوة ما ذهب إليه الحنابلة. وهو: أن قوله مقبول في نفي التعدي والتفريط وفي وجود التلف. - يقول ﵀: - مع يمينه. يعني: أنه يقبل لكن مع اليمين. لأمرين: - الأول: الحديث: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وهو منكر الآن فعليه اليمين. - الثاني: احتمال صدق الموكل. * * مسألة/ فإن اختلف الوكيل والموكل في رد السلعة أو الثمن إلى الموكل: = فعند الحنابلة أيضاً القول قول الوكيل بشرط أن يكون وكيلاً مجاناً. فإن كان وكيلاً بأجرة فالقول قول الموكل. واستدلوا على هذا: - بأنه إذا كان وكيلاً بأجرة فقد قبض المال لمصلحة نفسه فضمن.

стр. 1720

= والقول الثاني: أن القول قول الوكيل مطلقاً. - لأنه وإن أخذ أجرة فما زالت يده يد أمانة. كالمضارب. فالمضارب يأخذ كما سيأتينا مقابل عمله - ولا نقول أجره وإنما هو جزء من الربح - مع ذلك يده يد أمانة ولا يضمن. والأقرب والله اعلم ان الوكيل لا يضمن ولو كان بأجره مطلقاً. فإن هذا هو المتوافق مع حقيقة وضع الوكيل ولا يخرجه عن ذلك أنه يأخذ أجرة مقابل عمله. - ثم قال ﵀: - ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو: لم يلزمه دفعه إن صدقه. يعني: إذا ادعى شخص أنه وكيل لزيد في القبض من عمرو وصدقه عمرو فإنه لا يلزم عمرو أن يعطيه الدين. وعلم من المثال أن الدائن زيد والمدين عمرو. إذاً: إذا ادعى أنه وكيل زيد في قبض الدين وصدقه عمرو فإنه لا يلزمه مع أنه مصدق أن يدفع إليه ماله. التعليل: - قالوا: التعليل أنه ربما أنكر زيد فرجع الحق في ذمته. يعني في ذمة المدين. وهو عمرو في المثال. واستثنى الحنابلة من هذا الحكم ما إذا أتى ببينة على أنه وكيل لزيد فحينئذ يلزم عمرو أن يدفع له الدين لأنه لا توجد تبعه على عمرو مهما حصل لأنه أثبت الأمر ببينة. إذاً عرفنا الآن أنه إذا صدقه لا يلزمه أن يعطيه. = والقول الثاني: أنه إذا ادعى أنه وكيل لزيد وصدقه عمرو فيجب أن يعطيه - يجب أن يقبضه الدين. - لأنه صدقه. والراجح: المذهب. لأن المدين قد يصدق أنه وكيل لزيد لكنه لا يثق بزيد فيحتمل أن ينكر وإن كان فعلاً أرسل هذا الوكيل. ولهذا لا يلزمه وإن صدق. - ثم قال ﵀: - ولا اليمين إن كذبه. يعني: ولا يلزم عمرو في المثال اليمين إن كذب وكيل زيد. لماذا؟ - قالوا: لأن هذا اليمين لا فائدة منها. وجه ذلك: أن الفائدة من اليمين في جميع الدعاوى القضاء عليه حين النكول. وفي هذه الصورة إذا نكل عن اليمين فسنقضي عليه بأن الوكيل صادق. وتقدم معنا أنه إذا صدقه لا يلزم أن يعطيه الدين.

стр. 1721

فإذاً لا فائدة من اليمين. وهذا صحيح لأن الفائدة دائماً في الدعاوى من اليمين القضاء بالنكول. وهنا إذا قضينا عليه بالنكول فغاية ما هنالك أن نقول: جكمنا عليك بأنك مصدق للوكيل وإذا صدقه أيضاً لا يلزمه أن يدفع إليه الدين لأنه تقدم أنه إذا صدقه لا يلزم أن يعطيه الدين. فإذاً تبين معنا أن ما ذكره الحنابلة: صحيح. أنه لا يلزمه اليمين وذلك لأنه لا فائدة منها في هذا المقام. - ثم قال ﵀: - فإن دفعه فأنكر زيد الوكالة: حلف وضمنه عمرو. (فإن دفعه) يعني: فإن دفع المدين وهو عمرو في المثال الدين إلى وكيل زيد بعد أن صدقه ثم أنكر زيد أنه وكَّل هذا الشخص فحينئذ يترتب على هذا حكمان: ـ الأول: أن يحلف زيد. ـ الثاني: إذا حلف زيد: ضمن عمرو جميع المال. فيرجع زيد على عمرو ويطالبه بالدين. وليس لعمرو أن يطالب هذا الوكيل بالدين. لماذا؟ - لأنه صدقه فهو أمين والقول قوله وهو يعتبر - أي: الوكيل - زيد هو الظالم. (مرة أخرى: إذا دفع عمرو وهو المدين: الدين إلى وكيل زيد ثم أنكر زيد أنه وكل أحداً في قبض الدين. حينئذ نقول: على زيد اليمين. وعلى عمرو الضمان مطلقاً. فيرجع زيد وهو الدائن على عمرو بالدين الذي كان في ذمته لأنه ما زال في ذمته وليس لعمرو وهو المدين أن يرجع على من زعم أنه وكيل عن زيد. لماذا؟ لأنه صدقه فأصبح أميناً - لأن عمرو صدقه فأصبح هذا الوكيل أميناً والأمين لا يطالب بالضمان. وهو يعتبر أن زيداً هو الظالم. فعمرو الآن في المثال يعتقد أن زيد كذب وأنه ظلم هذا الوكيل. لماذا؟ لأنه صدق الوكيل. وهذا صحيح. لأنه لا مجال للرجوع على عمرو لأنه ينكر التوكيل ولا مجال للرجوع على الوكيل لأنه لم يكذب. فبقي الدين كما هو. وهذه المسألة - المسألة الثانية - مما يقوي قول الحنابلة في المسألة السابقة اتي قد يستغربها البعض. فنقول وإن صدقه فله أن لا يدفع الدين. لأنه سيترتب على دفع الدين المسألة الثانية. - ثم قال ﵀: - وإن كان المدفوع وديعة: أخذها. (وإن كان المدفوع وديعة) يعني: وليس ديناً ثابتاً في الذمة. وهذا هو الفرق بين المسألتين. ويوجد فرق آخر سيأتينا.

стр. 1722

إذاً: إذا كان المدفوع وديعة وليس ديناً كما في المسألة السابقة. يقول ﵀: (أخذها). يعني أخذها ربها ممن هي بيده سواء كانت بيد الوكيل الذي زعم أنه وكيل أو بقيت في يد المودع. إذاً: يأخذها ممن هي بيده وهذا الحكم لا إشكال فيه. - قال ﵀: - فإن تلفت ضمّن أيهما شاء. إن تلفت الوديعة فللمودع أن يضمن أياً منهما. ـ فإن شاء ضمن المودع. ـ وإن شاء ضمن مدعي الوكالة. التعليل: - قالوا: أما المودع: فلأنه فرط حيث دفع الوديعة بغير إذن شرعي فيلزمه الضمان. - وأما الموكل فإنه يضمن لأنه استلم ما لا يستحق. وبهذا عرفنا الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة الدين الذي في الذمة والفرق هو أنه في المسألة الثانية له أن يضمن أيهما شاء وفي المسألة الأولى: لا يضمن إلا المدين. - يعني: عمرو في المثال. وهذا هو الفرق بين المسألتين. وبهذا انتهى الكلام ولله الحمد على الوكالة وننتقل إلى باب مهم وهو الشركة. باب الشركة - يقول ﵀: - باب الشركة. الشركة معناها في لغة العرب: الاختلاط. ومعنى شارك غيره: يعني: دخل معه في عمل أو في غيره. هذا معنى المشاركة. والمؤلف ﵀ على غير عادته عرف الشركة مع أنه لا يعرف في العادة. - يقول ﵀: - وهي: اجتماع في استحقاق أو تصرف. عرف المؤلف ﵀ الشركة مع أنه ليس من عادته التعريف ولعل السبب أن الشركة لها خمسة أنواع كما سيأتينا. فذكر التعريف في بداية الباب يغني عن تكراره في الأنواع الخمسة. أو لعله عرف الشركة لأهميتها وليتصور القارئ معناها. أو عرف الشركة لا لسبب واضح. يقول ﵀: (هي: اجتماع في استحقاق أو تصرف). دل تعريف المؤلف ﵀ على أن للبيع نوعين: ـ النوع الأول: الشركة في المال - أو تسمى الشركة في الملك. أو تسمى شركة الأملاك. ونقول الشركة في المال ولا نقول شركة الأموال وإنما نقول الشركة في المال. أو شركة الأملاك. وهو الذي دل عليه المؤلف ﵀: (اجتماع في استحقاق). ومعنى شركة التملك: أن يشترك اثنان في ملك عين بأي سبب شرعي. سواء كان السبب شراء أو هبة أو إرث أو أي سبب شرعي لتملك الأعيان. وهذا هو النوع الأول.

стр. 1723

وهذا النوع غير مراد في الباب مطلقاً ولن يتحدث عنه المؤلف أبداً لكنه يذكر للتفريق بين أنواع الشركة. ـ أما النوع الثاني: فهو شركة العقود وهو الذي عبر عنه المؤلف ﵀ بقوله: (تصرف). شركة العقود هي اجتماع في تصرف. والمقصود بالتصرف نحو أن يبيع أن يستأجر أو أن يضارب على تفصيل سيأتينا. هذا هو المقصود بالتصرف. ما هو الفرق بين النوعين؟ إذا لاحظت ودققت ستجد أن الفرق بن النوعين هو في وجود العقد في الثاني وعدم وجوده في الأول. ففي الأول لا يوجد عقد. في الثاني: لا توجد الشركة إلا من خلال عقد. وهذا هو روح الفرق بين النوعين. - ثم قال ﵀: - وهي أنواع، فشركة عنان. النوع الأول: شركة عنان. والعنان مشتقة في لغة العرب من: (عَنَّ الأمر) لأنه عَنَّ لكل واحد منهما أن يشارك صاحبه. وقيل: مشتقة من: عنان الفرس. ووجه الاشتقاق أن كل واحد من الشريكين يتصرف بنصيب شريكه كما يتصرف الفارس بعنان الفرس. والراجح: الاشتقاق الثاني. والسبب: السبب في ترجيح هذا الاشتقاق من وجهين: ـ الوجه الأول: أن هذا الاشتقاق اختاره الإمام الكسائي والأصمعي. وهما إماما هدى في اللغة ولقولهما ثقل. لا سيما الكسائي. ـ الثاني: أن المعنى الثاني: أخص بشركة العنان بالذات من المعنى الأول. لأن الأول. فيه أنه عَنَّ لهما وكونه يعرض للإنسان أن يشارك غيره هذا موجود في جميع أنواع الشركات. وإنما الشيء الخاص هو المعنى الثاني. وأما في الاصطلاح فتكفل المؤلف بالبيان: - فيقول ﵀: - أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم. تعريف شركة العنان: أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم. ففي شركة العنان مال وبدن. وقول المؤلف ﵀ (بدنان). لا يريد التقييد وإنما يقصد التمثيل يعني ولو أكثر. ولو كان المشتركون أكثر من اثنين ثلاثة أو أربعة أو خمسة. وقوله: (بماليهما المعلوم). عرفنا من كلام المؤلف أنه لابد أن يكون المال معلوماً. فإن لم يكن معلوماً: بطلت الشركة. والسبب في ذلك: أن الاشتراك بمال مجهول يؤدي إلى الغرر والاختلاف والجهالة.

стр. 1724

والسبب الثاني: أن الاشتراك بمال مجهول يمنع الرجوع عند فسخ الشركة لأنه لا يعرف ما لكل واحد من مال حتى يرجع بماله بعد فسخ الشركة. وهذا لا إشكال فيه. أن الاشتراك بمال مجهول لا تصح معه الشركة. - ثم قال ﵀: - ولو متفاوتاً. يعني: يجوز الاشتراك بالمال ولو كان المال متفاوتاً. بأن يحضر أحدهما أكثر مما يحضر الآخر. فإذا تفاوت المال جازت الشركة. - لأنه لا دليل على اشتراط تساوي المالين. - ثم يقول ﵀: - ليعملا فيه ببدنيهما. لابد في شركة العنان أن يعمل كل من الطرفين ولا يجوز أن يعمل أحدهما. - لأن مبناها على الاشتراك في المال والبدن. واسنثنى الحنابلة صورة واحدة ففيها يجوز أن يعمل أحدهما دون الآخر وهذه الصورة هي: أن يشترط مع ذلك أن يكون للعامل ربح أكثر من الآخر ليكون الربح الزائد مقابل العمل. وإذا صححنا هذه الشركة التي يعمل فيها واحد مع وجود مالين فتخريجها الصحيح أنها عنان ومضاربة. أما أنها عنان: فلأن المال من الاثنين. وأما أنها مضاربة فلأن العمل من واحد فليست هي عنان من كل وجه ولا مضاربة من كل وجه بل هي عنان ومضاربة. فيما عدا هذه الصورة لا يجوز أن يتولى العمل أحدهما دون الآخر عند الحنابلة. = والقول الثاني: النه يجوز مطلقاً. سواء كان الربح أكثر له أو لم يكن. فيجوز أن يشارك زبد وعمرو من كل واحد منهما مائة ألف والذي يعمل بالمال عمرو والربح مناصفة بينهما. فهذه الصورة التي ذكرت صحيحة على القول الثاني باطلة عند الحنابلة. والصحيح: الجواز. لأنه لا دليل على المنع ولأن مبنى المعاملات على الرضا فما دام الرضا موجوداً مع عدم وجود غرر ولا جهالة ولا ربا فلا يوجد ما يمنع. وقد يكون السبب في هذا: شهرة صاحب المال الأول أو استشارته أحياناً أو إرادة العانل نفع صاحب المال. أياً كان السبب فلا يوجد مانع شرعي. وهذا كما قلت هذا القول هو الراجح إن شاء الله. - قال ﵀: - فينفذ تصرف كل منهما فيهما: بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه. ينفذ تصرف كل واحد منهما في نصيبه بحكم الملك وهذه لا تحتاج إلى تعليق لأنه يتصرف في ملكه وهذا أمر ظاهر. وفي نصيب شريكه بعقد الوكالة.

стр. 1725

وهذا يفيد أموراً: ـ الأمر الأول: أن مبنى الشركة على الوكالة. ـ الثاني: - وهو مفرع من الأول - أن مبنى الشركة على الأمانة. ـ الأمر الثالث: أن لكل واحد منهما أن يتصرف في المالين بمجرد العقد ولو قبل اختلاط المال. ـ الأمر الرابع: وهو مهم. أن كل ما يشترى بعد العقد فهو ملك للجميع. وكل ما يتلف بعد العقد فهو من ضمان الجميع. ولو كان مال أحدهما قبل العقد. وهذه المسائل تعتبر كالقواعد في الشركات. وسيأتينا أن المؤلف ﵀ وغيره بعد شركة العنان يبدأون بالإحالة على أحكام العنان والمضاربة لأن الأحكام متفقة. المهم هذه أربع مسائل هي كالقواعد لمسألة الشركة. لم نذكر الدليل على المسألة - السابقة - الأصل وهي أنه يتصرف في ملك شريكه بالوكالة. الدليل على هذا: - أن كل واحد من الشريكين أذن لصاحبه في التصرف. والإذن في التصرف هو حقيقة الوكالة. نحن تقدم معنا أن الوكالة إذن في التصرف. إذاً: نقول نحن: لما أذن كل واحد منهما لأخيه بالتصرف فهذه هي حقيقة الوكالة. - ثم قال ﵀: - ويشترط (١) أن يكون رأس المال: من النقدين المضروبين. يشترط لصحة الشركة: ـ أن تكون في النقدين المضروبين. فلا يصح أن يشتركا في عروض. استدل الحنابلة على هذا بأمرين: - الأول: أن النقود هي قيم الأشياء. فهي موضوع الشركة. - الثاني: أن الاشتراك بالعروض يؤدي إلى الاختلاف والتنازع. لأن الاشتراك فيها مبني على تقدير القيمةوتقدير القيمة فيه اختلاف وتفاوت. والقاعدة الشرعية: أن المعاملات المالية التي تؤدي إلى التنازع يمنع منها الشارع. = والقول الثاني: جواز الاشتراك بكل أنواع المال. من نقد وعرض وغيره ومنفعة وغيرها. واستدلوا على هذا: - بأن الأصل في المعاملات الحل. - وبأن المفسدة المذكورة من قبل أصحاب القول الأول تندفع بتقدير قيمة العرض من قبل من يرض به الشريكان وتكون الشركة مبنية على القيمة لا على العرض. مثال ذلك/ إذا اشترك كل واحد منهما بسيارة - كل واحد أحضر سيارة - إذا أردنا إجراء العقد نقول: كم قيمة سيارة زيد؟ قالوا خمسين. كم قيمة سيارة عمرو؟ قالوا سبعين. مبلغ الشركة كم؟ مائة وعشرين.

стр. 1726

لزيد خمسين ولعمرة سبعين. ولا ننظر بعد إتمام العقد إلى العرض. إلى السيارة. وبهذا نخرج من إشكال الاختلاف. وهذا القول هو الصحيح. وعليه العمل من قديم وحديث. إذ قد لا يجد الناس نقداً يشتركون فيه لكن يجدا عرضاً يشتركان فيه والربح بينهما مناصفة. - قال ﵀: - ولو مغشوشين يسيراً. يعني: ويعفى الغش اليسير في النقدين. وعلة ذلك: - أن الغش اليسير يصعب ويتعذر التحرز منه فعفي عنه لأن المشقة في الشرع تجلب التيسير ولو شرطنا على المتشاركين أن لا يشتركوا إلا بنقود خالصة لا غش فيها لأدى هذا إلى تضييق الشركة. وفهم من كلام المؤلف ﵀ أنه إذا كان الغش كثيراً فإنه لا يجوز وهو كذلك لأنه إذا كثر الغش وجدت الجهالة في النقدين وتقدم معنا أن الجهالة تمنع عقد الشركة. - ثم قال ﵀: - (٢) وأن يشترطا لكل منهما: جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً. يعني: ويشترط لصحة الشركة أن يشترط لكل واحد من الشريكين ربحاً وأن يكون هذا الربح مشاعاً معلوماً. مثال ذلك/ أن يقول لأحدهما الربع وللآخر ثلاثة أرباع. أو أن يقول لأحدهما النصف وللآخر النصف. فالنصف والربع في الأمثلة جزء معلوم ولكنه مشاع. فهم من إطلاق عبارة المؤلف ﵀ أنه يجوز التفاوت في الجزء المشاع ولو مع التساوي في قدر المال. فإذا أخرج زيد خمسين وعمرو خمسين فيجوز أن نشترط لعمرو سبعين في المائة. وفهم من إطلاق كلام المؤلف ﵀ أنه يجوز أن نشترط الأكثر للأقل يعني: يجوز أن نشترط الربح الأكثر لمن ماله أقل. لأن هذا مفهوم من إطلاق عبارة المؤلف ﵀. وهذا صحيح. إذ لا يوجد في الأدلة الشرعية ما يدل على أنه يجب أن يكون الربح المشترط متناسباً مع قدر المال. لأنه قد يكون أحدهما أحذق بالعمل من الآخر وأقدر على تصريف الأمور فيشترط ربحاً زائداً ولو كان ماله أقل من مال صاحبه. - ثم قال ﵀: - فإن لم يذكرا الربح أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً أو دراهم معلومة أو ربح أحد الثوبين: لم تصح. يقول ﵀: (فإن لم يذكرا الربح) يعني: بطلت الشركة.

стр. 1727

وينبني على البطلان: أن يكون لكل واحد منهما ربح ماله وأجرة مثله مخصوماً منها أجرة تشغيل ماله. إذاً ينبني على هذا - كما قلت -: أن يكون لكل واحد ربح ماله وأجرة مثله لكن يخصم من أجرة المثل ما يقابل العمل في ماله. وينبني على هذا: أنه لا يضمن أي منهما مال الآخر لأنا حكمنا على الشركة بالفساد. دليل الفساد إذا لم يذكرا ربحاً: - استدلوا على هذا: بأن المقصود الأساس من الشركة الربح. فإذا أهمل بطلت الشركة. وهذا الحكم: صحيح إلا إذا دل العرف على أن الشريكين إذا لم يذكرا الربح فالأصل أنه بينهما مناصفة. إذا كان العرف يدل على هذا فالشركة صحيحة والحكم أنه بينهما مناصفة. قال ﵀: (أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً). كأن يقول: لك جزء من الربح ولي الباقي: فهذه الشركة فاسدة. لأنه كما تقدم المقصود من هذا العمل الربح. فإذا أهمل بطلت الشركة. وهذا مع أن العقل يستبعد وقوعه بين الناس إلا أنه يقع الآن كثيراً فيقول: فلنشترك وسأعطيك بعض الربح. هذا هو الربح المجهول. فالشركة بناء على هذا باطلة. والحكم كما تقدم. كل واحد يأخذ ربح ماله. يقول ﵀: (أو دراهم معلومة). لاشتراط الدراهم المعلومة: صورتان. ـ الصورة الأولى: أن يقول: لك الربع - يعني: من الربح - وعشرين درهماً. أو يقول: لك عشرون درهماً. يعني: سواء كانت الدراهم المعلومة مع وجود نسبة مشاعة أو بدون وجود نسبة مشاعة في الكل الشرط باطل والشركة باطلة. السبب: السبب: أنه ربما أن هذه الشركة لم تربح إلا هذه العشرين دينار. فيدخل الضيم والنقص على الآخر وربما ربحت الشركة ربحاً كبيراً جداً فيدخل النقص والضيم على من اشترط له دراهم معلومة. قال ﵀: (أو ربح أحد الثوبين: لم تصح) أو اشترط ربح أحد الثوبين أو أحدى السفرتين أو جزءاً معيناً من البضاعة كما يحصل أحياناً ففي الكل: لا يجوز والشرط والعقد فاسد. والتعليل: هو ما تقدم. إذ ربما لا يربح إلا في إحدى السفرتين دون الأخرى وربما لا يربح إلا في أحد الثوبين دون الآخر. فالتعليل في المسائل هذه واحد.

стр. 1728

وهذا: - أي تحديد ربح أحدهما بأس نوع من أنواع التحديد - من أشهر القوادح في الشركات ولو استمرأة بعض الناس فهو عقد باطل مخالف لمقتضى الشرع وخالف لموضوع الشركة. ما هو موضوع الشركة؟ موضوع الشركة: الاشتراك المشاع في الأرباح. فهذا الشرط في الحقيقة يتعارض ويناقض الأصل المقصود من الشركة. ولو كان كما قلت كثير من الناس يرى أنه لا بأس به وقد يتعامل بمقتضاه وهو باطل ومبطل للشركة. - ثم قال ﵀: - وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة. يعني: ويشترط فيها أن يكون الربح جزءاً مشاعاً. ولا يجوز في المساقاة ولا المزارعة أن يختار جزءاً معيناً من المزرعة يكون نتاجه له. وسيخصص المؤلف ﵀ باباً مستقلاً للمساقاة والمزارعة. والمساقاة والمزارعة والمضاربة حكمها واحد وهو أنه يشترط أن يكون فيها جزءاً مشاعاً وكما قلت المساقاة والمزارعة سيفرد لها المؤلف ﵀ باباً مستقلاً. - ثم قال ﵀: - والوضيعة: على قدر المال. الوضيعة: هي الخسارة. والمؤلف ﵀ يقول: أنها على قدر المال. يعني: تحسب بالنسبة فلكل منهما من الخسارة بقدر ماله. فمن دفع ثلاثة أرباع المال: فعليه من الخيارة ثلاثة أرباع. ومن دفع الربع فعليه الربع. وإذا كان المال مناصفة فالخسارة أيضاً مناصفة. وهذا الحكم وهو أن الخسارة على قدر المال مطلقة مهما كان سبب الخسارة. سواء كان سبب الخسارة أن تنقص أسعار السلع أو كان سبب الخسارة أن تتلف السلع فالأمر واحد. فالخسارة على قدر المال. وهذا الحكم بالإجماع أن الخسارة على قدر المالين. فلا يجوز أبداً أن يقول: فلنشترك ولنعمل فإن كانت خسارة فهي علي. هذا الشرط باطل لا يجوز - كما يصنعه بعض الناس - أن يقول فلنشترك وندخل في هذه المتاجرة فإن وجدت الخسارة فهي علي ومن مالي. هذا الشرط باطل فإذا وجدت الخسارة فهي على قدر المالين. وهذا الشرط مهم في الحقيقة: والسبب أنه إيضاً كثيراً ما يقع الإخلال فيه من المشتركين. - ثم قال ﵀: - ولا يشترط: خلط المالين. = ذهب الأئمة الثلاثة: أحمد ومالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يشترط خلط المالين.

стр. 1729

ومعنى هذا: أن الشركة تبدأ وتنفذ بمجرد العقد ولكل منهما أن يتصرف بعد العقد مباشرة. = وذهب الإمام الشافعي: إلى أنه يشترط لصحة الشركة خلط المالين قبل التصرف. فعند الإمام الشافعي تضييق في هذا الباب. وإذا قيل عند فلان تضييق في مسألة فإن هذا لا يعني أن قوله مرجوح. التضييق والتوسيع تتبع فيه النصوص. الذي يدل على أن قول أحدهم مرجوح وجود الحرج والمشقة أما التضييق فليس من أسباب الترجيح. ((الأذان)). والراجح قول الأئمة الثلاثة. الدليل: الدليل أن المقصود من الشركة هي الإذن بالتصرف بتقليب المال لتحقيق الربح وهذا يتحقق مع الخلط وبدونه. وأنا نبهت مراراً إلى كيفية الاستفادة من الأصل المقرر في الترجيح. هنا نستفيد من الأصل: نحن نقول أن موضوع الشركة والأصل من مشروعيتها هو الإذن في التصرف والمقصود من التصرف تحقيق الربح وهذا يكون مع الخلط وبدونه فإذا تحقق الأصل المقصود من الشركة مع الخلط وبدونه دل على رجحان قول الأئمة الثلاثة. لا سيما ونحن نبطل الشركة التي لا يراعى فيها شروط الربح ونعلل ذلك بأن الربح هو المقصود من الشركة. وبهذا استطعنا أن نسخر معرفة المقاصد في الترجيح. - ثم قال ﵀: - ولا كونهما من جنس واحد. ولا يشترط أن يكون المالان من جنس واحد فيجوز أن يأتي أحدهما بدراهم والآخر بدنانير أو أحدهما بريالات والآخر بجنيهات. = وذهب الإمام الشافعي إلى أنه يشترط اتحاد النقدين. فلابد أن يحضر كل منهما نقداً متحداً. وهذه المسألة مبنية على المسألة السابقة وهي مسألة الاختلاط. فإذا كان الراجح أنه لا يجوز الخلط فالراجح أنه لا يشترط اتحاد النقدين. وبهذا انتهى الكلام عن شركة العنان. وننتقل إلى المضاربة. فصل - قال ﵀: -) فصل) الثاني: المضاربة لمتجر به ببعض ربحه. المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض. والضرب في الأرض هو المشي فيها بقصد السفر. والمضاربة مشروعة بالإجماع وبالسنة التقريرية وبالآثار الصحيحة عن أصحاب النبي ﷺ . ـ أما الإجماع. فحكاه غير واحد من أهل العلم. ـ أما السنة التقريرية فإن النبي ﷺ جاء والناس يتعاملون بالمضاربة وأقرهم على ذلك.

стр. 1730

ـ وأما الآثار الصحيحة: فثبت أن عمر ﵁ وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وعائشة كلهم عامل بالمضاربة. ولا شك إن شاء الله في أنه مشروع لهذه الأدلة القوية. وإن وقع خلاف في بعض صوره. وإنما الكلام على أصل المشروعية. يقول ﵀: (المضاربة لمتجر به ببعض ربحه) أي: أن المضاربة هي دفع المال لمن يتجر به ببعض ربحه. وقول المؤلف ﵀ هنا: (ببعض ربحه) أي: أنه لابد من تقدير نصيب العامل. يشترط لصحة المضاربة أن يقدر نصيب العامل فإن لم يقدر لم تصح المصاربة. الدليل على هذا: - أن العامل لا يستحق الربح إلا بالشرط فإذا لم يشترط لم يصر له ربحاً وفسدت المضاربة. وقاعدة الحنابلة أن أي مضاربة تفسد تنقلب إلى عقد الإجارة ويعطى المضارب أجرة المثل. = والقول الثاني: أن له ربح المثل. ولو قلنا بفساد المضاربة. وهذا القول الثاني اختاره شيخ الإسلام ﵀ وهو مقتضى العدل لأنه عمل على أساس أن له ربحاً لا على أن له أجره .. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1731

الدرس: (٣٣) من البيع قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. بالأمس توقفنا عند مسألة أن الحنابلة يرون أنه لابد من أن يفرض للعامل في المضاربة نصيباً محدداً وأنه من شروط صحة المضاربة. وأخذنا دليلهم على هذا الشرط وتطرقنا لمسألة الأصل في المضاربة الفاسدة. ومذهب الحنابلة في هذا الأصل والقول الثاني. وانتهينا من هذا كله. اليوم نبدأ بتكميل المسألة: فنقول: = القول الثاني: انه إذا لم يذكر نصيباً للمضارب فالأصل أن الربح بينهما نصفين ولا تبطل المضاربة. والدليل على ذلك: - أنهما عقدا عقد مضاربة وأطلقا فانصرف إلى المناصفة. فصل - وقوله ﵀: - (المضاربة لمتجر به ببعض ربحه). قوله: (ببعض ربحه) يدخل فيه: مسألة/ وهي: إذا قال: خذ هذا المال واتجر به والربح كله لي: فالعقد صحيح. وهو إبضاع.

стр. 1732

والإبضاع هو: دفع لاالمال لمن يعمل به مجاناً. وإن قال: (خذ هذا المال واتجر به والربح كله لك). فالعقد: صحيح. والعقد: عقد قرض. وإن قال: (خذ هذا المال مضاربة والربح لك) أو قال: (خذ هذا المال مضاربة والربح لي) فهو عقد: فاسد. - لأنه جمع بين عقد المضاربة والقرض والأصل في المضاربة الاشتراك في الربح. والفرق بين المسألتين: ـ في اللفظ فقط. ففي الأول يقول: (خذ هذا المال واتجر به والربح لك) لم يذكر كلمة مضاربة. وفي الثانية يقول: (خذ هذا المال مضاربة واتجر به والربح لك). = والقول الثاني: أنه إذا قال: (خذ هذا المال مضاربة والربح لك أولي) فالعقد: صحيح. ولا يفسد بذلك. - لأن العبرة في العقود بالمعاني والقصود لا بالألفاظ والمباني. فإذا عرفنا أن قصده أن يكون العقد قرضاً أو إبضاع صححنا العقد ولو مع وجود كلمة مضاربة نظراً للمعنى وإهمالاً للفظ. وهذا القول الثاني هو الصحيح. إن شاء الله. بناء عليه: صار حكم المسألة واحد سواء قال: مضاربة أو لم يقل: مضاربة والتفريق على المذهب وهو ضعيف. - ثم قال ﵀: - فإن قال: ((وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا)) فنصفان. إذا قال: (خذ هذا المال مضاربة والربح بيننا) فهو مناصفة. والدليل على هذا: - أنه أضاف الربح إليهما ولا يوجد في اللفظ مرجح لأحدهما فاقتسماه على التساوي. وهذا صحيح: فإذا قال: الربح بيننا انصرف إلى المناصفة. - ثم قال ﵀: - وإن قال: ((وَلِي أَوْ لَكَ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِهِ أَوْ ثُلُثُهُ)) صح والباقي للآخر. إن قال رب المال: خذ هذا المال مضاربة وثلث الربح لي. فللعامل ثلثاه. وإن قال العكس فالعكس. وتعليل ذلك: - أن الربح حق منحصر في هما فإذا بين نصيب أحدهما صار الباقي للآخر. وقال بعض الحنابلة: إذا قال: خذ هذا المال مضاربة والربع لي - يعني لرب المال -: فهي فاسدة. لأنه لم يسم نصيب العامل ونحن نقول لابد من تسمية نصيب العامل. والصواب أنه صحيح وأنه في الواقع سمى نصيب العامل: لأن نصيب العامل هو: المتبقي. * * مسألة/ فإن قال: خذ هذا المال ونصف الربح لك وربعه لي. كم الباقي؟ ربع. فهو عند الحنابلة: لرب المال. فالذي لم يسمى لرب المال.

стр. 1733

وعللوا ذلك: - بأن العامل ليس له إلا ما شرط له. فما لم يشرط فهو مباشرة لرب المال. هكذا قال الحنابلة. ولو قيل: أن هذا الشرط يبطل العقد لأنه يؤدي إلى النزاع وإلى جهالة الربح وجهالة الربح تخل بمقصود الشركة وما يخل بمقصود الشركة يؤدي إلى البطلان. فلو قيل بهذا لكان هو المتوجه. لكن الحنابلة بنوا هذا على أصل صحيح عندهم وهو: أن العامل لا يستحق الربح إلا بالشرط فكل شيء لم يشرط له فهو لرب المال. - قال ﵀: - وإن اختلفا لمن المشروط: فلعامل. في هذه المسألة: اتفقوا على الجزء المشروط يعني: على تسمية الجزء المشروط فاتفقوا على أن المشروط هو النصف لكن اختلفوا لمن هذا الجزء المشروط؟ = فعند الحنابلة: أن الجزء المشروط للعامل. واستدلوا على هذا بدليلين: - الدليل الأول: أن العامل لا يستحق الربح إلا بالشرط. فالأصل أن الشرط في حق العامل. - الدليل الثاني: أن العامل يختلف ربحه تبعاً لقة وكثرة العمل بينما رب المال لا يختلف لأن رأس المال ثابت. وما يختلف ربحه هو الذي يحتاج إلى اشتراط. وهو العامل. وهذه المسألة قد تكون قليلة الوقوع. * * المسألة الثانية/ وهي التي محل إشكال: أن يختلفوا في مقدار الجزء المشروط. وهذا هو الإشكال. وهو الذي يقع. فيقول رب المال: اشترطت لك الربع فقط. ويقول العامل: بل اشترط لي: النصف. وهنا تقع المشكلة الحقيقية. ولو أن المؤلف ﵀ ذكر هذه المسألة الثانية وترك المسألة التي ذكرها لكان أنفع. حكمها: = عند الحنابلة: إذا اختلفوا في مقدار الجزء المشروط واتفقوا لمن هو؟ فالقول قول رب المال. واستدلوا على هذا: - بأنه منكر للزيادة ومنكر الزيادة القول قوله. = القول الثاني: وفيه تفصيل: قالوا: إذا اختلفا فالقول قول من يوافق العرف والعادة في مثل هذه المضاربة إن كان رب المال أو العامل. فإن كان قول رب المال والعامل الجميع يوافق العرف والعادة واختلفوا أيضاً فالقول قول العامل. - لأن المال بيده والربح من إنتاجه فقدم قوله.

стр. 1734

وهذا التفصيل الجميل هو مذهب المالكية. وهو الراجح إن شاء الله. فنرجع إلى العرف إذا اختلفا ولا نقدم قول أحد على أحد فإن وافق العرف القولين لرب المال والعامل قدمنا قول العامل. - ثم قال ﵀: - وكذا مساقاة ومزارعة. يعني في المسألتين السابقتين. إذا اختلفوا في الجزء المشروط من الثمر في المساقاة أو من الزرع في المزارعة فهو للعامل. وإن اختلفا في مقدار الجزء المشروط فالقول قول رب الأرض في مسأة المساقاة والمزراعة. نقول رب الأرض ولا نقول رب المال إذ لا يوجد مال كما سياتينا. والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة تماماً بلا زيادة ولا نقص والراجح فيها هو الراجح في تلك. - قال ﵀: - ولا يضارب بمال لآخر: إن أضر الأول ولم يرض. في هذه المسألة تفصيل: ـ إذا ضارب العامل لرجل آخر بلا مضرة بالأول أو معها لكن برضى رب المال الأول: جاز بالإجماع. ولهذا لو أن المؤلف ﵀ استبدل الواو بأو لكن أنسب للحكم لأنه هو في الواقع يجوز إذا لم يضر أو رضي ولا نشترط أن لا لا يضر وأن يرضى. المهم: إذا ضارب لرجل آخر بلا مضرة أو معها برضى الأول: جاز بالإجماع. ـ وإذا ضارب لرجل آخر مع المضرة بلا رضى الأول: فإنه لا يجوز: = عند الحنابلة. وهو منصوص الإمام أحمد ﵀. هذه المسألة من المسائل التي تبناها الإمام أحمد شخصياً وأفتى فيها مراراً. الدليل: - قالوا: الدليل: أن مبنى الشركة على تحقيق الربح والسعي في تكميله واستغاله بمضاربة أخرى يضر بهذا المقصود. - واستدلوا أيضاً: بأن منافع العامل مستحقة بالعقد الأول. = والقول الثاني: وهو مذهب الجماهير: أن العامل له أن يعمل بالمضاربة مع رجل آخر بشرط: أن لا ينص في العقد الأول على المنع من ذلك. واستدلوا على هذا: - بأن عقد المضاربة لا يستلزم استغراق منافع المضارب كلها بل هو عقد على عمل معين. وهذا القول هو الصحيح. إذ ليس في الأدلة شيء واضح يدل على تحريم عمل المضارب بمضاربة أخرى. لكن نقول أن ما ذهب إليه اإمام أحمد ﵀ وجيه فيما إذا تبين لنا أن العقد الثاني أخل وأضر بالعقد الأول. فلرب المال الأول أن يمنع الثاني من المضاربة.

стр. 1735

والأحوط في الحقيقة أن يكون هتاك شرط في العقد الأول فحينئذ يصبح لا يجوز له ان يضارب عند جميع الفقهاء. عرفنا الآن أن الحنابلة يرون أنه لا يجوز أن يضارب فإن ضارب فقد بين المؤلف ﵀ ماذا يفعل بالربح: - قال ﵀: - فإن فعل: رد حصته في الشركة. يعني: فإن خالف وضارب لرجل آخر وحصل ربح فإن نصيب رب المال الثاني يبقى له حتى عند الجنابلة ونصيب المضارب من المضاربة الثانية يرد في الشركة الأولى ويدخل في أرباحها فيقتسمه هو ورب المال الأول على ما اتفقا عليه. واستدلوا على هذا: - بما تقدم: انه عمل - أي المضارب - لرجل آخر في وقت مستحق بالعقد الأول. فصارت المنافع والأرباح للعقد الأول. ونحن الآن نناقش داخل مذهب الحنابلة - التفريع على مذهب الحنابلة. = والقول الثاني: على القول بالمنع. أن الربح لا يشاركه رب المال الأول فيه فهو للمضارب كاملاً مع الإثم. وعللوا هذا: ((وهذا مبدأ مهم لطالب العلم)) - بأن الإنسان لا يستحق الربح أبداً في الشركات إلا بأحد أمرين مال أو عمل. وفي هذه الصورة ليس من رب المال الأول لا مال ولا عمل فلا يستحق الربح. وهذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام بن تيمية واختيار تلميذه النجيب ابن قاضي الجبل واختيار عدد من المحققين. وهو بلا شك: إن شاء الله، الراجح. - ثم قال ﵀: - ولا يقسم مع بقاء العقد إلاّ باتفاقهما. الربح لا يجوز أن يقسم مع بقاء العقد - ولاحظ أن هذه عبارة دقيقة من المؤلف ﵀ - الربح لا يملك أحد الشريكين أن يجبر الآخر على قسمته مع بقاء العبد. وإنما يشترط رضى الطرفين. فما دام العقد موجوداً لم يفسخ فليس لأحدهما أن يلزم الآخر بتقسيم الأرباح ولو ظهرت أرباح كبيرة. إنما يجوز أن يقسم في حال واحدة إذا رضي كل منهما. الدليل: الدليل على ذلك: - أنه من جهة رب المال له أن يمتنع لأن الربح في حقه وقاية لرأس المال. وأما من جهة العامل فلأنه ربما قسم الربح ثم صارت خسارة فألزم برد ما أخذ فوقع في حرج. فليس لأحدهما أن يجبر الآخر.

стр. 1736

ونحن نقول مع بقاء العقد. لأنه تقدم معنا أن شركة المضاربة شركة: جائزة. لكل منهما أن يفسخ العقد. فلا نقول ما دام العقد لم يفسخ يجب أن لا يقسم الربح إلا برضا الجميع فإذا اختار أحدهما فسخ العقد فحينئذ سياتينا أنه يقسم الربح بطريقة معينة. إذاً: عرفنا الآن أنه لا يمكن القسمة إلا برضى الجميع. قوله ﵀: (إلا باتفاقهما) وهذا معلوم وعلته الفقهية: أن الحق لا يخرج عنهما. وإذا كان الحق لا يخرج عنهما جاز برضى الطرفين. - ثم قال ﵀: - وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف. فهم من كلام المؤلف ﵀ أن الحكم قبل التصرف يختلف عنه بعد التصرف وإن كان لم يذكر الحكم قبل التصرف. فالحكم قبل التصرف: أنه إذا تلف كل المال بطل عقد الشركة من أساسه. وإذا تلف بعض المال بطلت الشركة في هذا الجزء التالف. لأنه إذا بطل المال لم يعد هناك رأس مال لتقليبه في التجارة. فانفسخ عقد المضاربة. هذا الحكم فيما إذا كان قبل التصرف. - يقول ﵀: - وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف. أو خسر: جبر من الربح. يجب أن تجبر الخسارة من الربح ولا يجوز للعامل أن يأخذ الربح مع وجود خسارة. وعلل الفقهاء هذا بتعليل جميل جداً: - فقالوا: الربح اسم للمال الذي يأتي بعد رأس المال. فإذا لم يأت رأس المال فليس هناك ربح والعامل إنما له جزء من الربح لا من رأس المال. وتبين معنا أنه لا ربح لأن الربح في الشرع هو ما يأتي بعد رجوع رأس المال. وهذا في الحقيقة لفتة جيدة وقوية وفيها ترك للمسميات التي تغر طالب العلم. لأنه قد يسمى عند الناس ربح وإن لم يرجع رأس المال وهو في الحقيقة ليس بربح. وإنما ما زال الذي يأتي هو رأس المال. - قال ﵀: - قبل قسمته أو تنضيضه.

стр. 1737

أريد أن أنبه إلى مسألة:/ ما ذكره الفقهار من قضية أنه لا يقسم الربح إلا بعد عدم وجود خسارة هذا الحكم يستوي فيه أن تكون الخسارة في صفقة واحدة والربح في صفقة أخرى أو الخسارة والربح في صفقة واحدة فكل ذلك ما دام العقد موجوداً. فما دام العقد وهو عقد المضاربة موجوداً فلا ربح وإن كانت الخسارة من صفقة والربح من صفقة أخرى. فكل ذلك - كما قلت - ما دام العقد موجوداً لا كما يتصور البعض أن لكل صفقة حسابها الخاص فهذا خطأ بل الصفقات كلها حسابها واحد ما دام العقد موجوداً. - يقول ﵀: - قبل قسمته. يعني: يجب أن نسدد رأس المال قبل قسمة الأرباح. ومقصود المؤلف ﵀ هنا قبل القسمة مع انتهاء العقد ومع بقائه. فالقسمة تنقسم إلى نوعين: ـ قسمة قبل انتهاء العقد. فالقسمة التي قبل انتهاء العقد لا تجوز ولا تعتبر ملكاً تاماً. (وقولي لا تجوز يعني: لا تمضى). فإذا قسموا مع وجود العقد ثم حصلت خسارة فإنا نرجع على من أخذ الربح وهذا معنى قولي فيما تقدم أنه سواء كان الربح والخسارة في صفقة أوم في صفقتين. ـ النوع الثاني: ان تكون القسمة بعد انتهاء العقد. فإذا كانت القسمة بعد انتهاء العقد فإنه لا شأن للأرباح المقبوضة بالخسائر التي تأتي بعد ذلك ولو بنفس رأس المال ولو من قبل نفس المضارب ورب المال. إذاً القسمة: إذا قيل لك القسمة فالفقسمة لفظ مطلق يجب أن تستفصل هل هي قسمة مع بقاء العقد أو قسمة انتهاء العقد. فالقسمة قبل انتهاء العقد لا تعتبر قسمة حقيقية ونرجع على القابض إن حصلت خسارة. وبعد العقد لا نرجع. - يقول المؤلف ﵀: - أو تنضيضه. التنضيض هو عملية تحويل السلع إلى النقود. والتنضيض ينقسم إلى قسمين: ـ إما أن يكون تنضيض مع محاسبة. ـ أو تنضيض بلا محاسبة. والمقصود بالمحاسبة: معرفة نصيب كل واحد من الطرفين. - - فإن كان التنضيض بعد المحاسبة فهو كالقسمة تماماً - فحكمه حكم القسمة -. فتنقسم إلى: ـ ما بعد العقد. ـ وما قبل العقد. - - وإن كان قبل: فلا حكم له. لأن التنضيض بدون محاسبة لا يعرف به أصلاً نصيب كل واحد ولا ربح كل واحد. إذاً: عرفنا الآن القسمة وأنواعها. والتنضيض وأنواعه.

стр. 1738

والذي يهمنا الآن أن التنضيض مع المحاسبة حكمه حكم القسمة. وبهذا نتهينا من الباب - من الفصل المخصص للمضاربة. والمؤلف ﵀ خصص فصلاً كاملاً للمضاربة لأهميته ولكثرة وقوعه. وستلاحظ أنه في الفصل الثاني أدرج النوع الثالث والرابع والخامس بفصل زاحد لقلة المباحث وقلة الوقوع. فصل - قال ﵀: - (الثالث) شركة الوجوه. الثالث من أنواع الشركات: شركة الوجوه. والوجه: معناه الجاه. يعني: إذا قيل شارك بوجهه يعني: بجاهه. وسياتينا معنى الجاه. وشركة الوجوه مشروعة. والدليل على مشروعيتها: - الأدلة العامة الدالة على مشروعية الشركة من حيث هي. وسيبين المؤلف ﵀ معناها. - قال ﵀: - أن يشتريا في ذمتيهما بجاههما فما ربحا فبينهما. هذه هي شركة الوجوه. ومعناها: أن يشتريا بذمتيهما وما كان من ربح فهو بينهما. فعرفنا من ذلك: أنه ليس في شركة الوجوه مال. وإنما يكون الشراء في الذمة. وعرفنا كذلك: أن مبنى شركة الوجوه على عقدين: ١ - الوكالة. ٢ - والكفالة. فحقيقة شركة الوجوه هي انها مكونة من عقدين: - عقد الوكالة. - وعقد الكفالة. إذاً: تبين معنا الآن حقيقة هذه الشركة ومعناها وهي أن يشترك اثنان في اقتراض مال أو سلع والاتجار به وما يكون من ربح فهو بينهما. - يقول ﵀: - في ذمتيهما بجاهيهما. الجاه في الاصطلاح هو المكانة والقدر والرفعة. وطلبها: طلب الجاه والمكانه من مفسدات القلوب. وإذا حصلت بلا طلب وتاجر بها يعني بذمته - لا أقصد تاجر بها يعني: يتاجر بجاهه - لكن إذا تاجر معتمداً على جاهه وأخذ الأموال في ذمته فتصرفه صحيح ولا لوم عليه. عرفنا الآن إذاً وتصورنا ما هي شركة الوجوه. - قال ﵀: - فما ربحا فبينهما. يعني على حسب ما شرطاه. وليس مقصود المؤلف ﵀: (بينهما) بدون ضابط ولكن حسب ما شرطاه. - قال ﵀: - وكل واحد منهما: وكيل صاحبه. يعني: في شراء نصيبه. فما يشتريه هو في الواقع وكيل عن شريكه فيه. لكن هو وكيل عن شريكه في نصف ما يشتري. والنصف الآخر يشتريه بالأصالة. إذاً هذا الجزء الأول وهو أنه وكيل. - قال ﵀: - وكفيل عنه بالثمن.

стр. 1739

وكفيل عنه بالثمن كاملاً وليس بنصف الثمن. - لأن مبنى شركة الوجوه على الضمان. فإذا اشترى فقد ضمن الثمن كاملاً وشريكه ضمن الثمن كاملاً. إذاً: هو وكيل بالنصف ولكنه ضمين بكامل الثمن. - قال ﵀: - والملك: بينهما على ما شرطاه. - لقول النبي ﷺ : (المسلمون على شروطهم). ومعنى هذه العبارة: أنهما إذا اشتريا سلعاً بذمتهما وبجاههما فالملك بينهما على ما شرطاه ولا يقال لكل واحد ملك ما اشتراه. فإذا اشترك زيد وعمره شركة وجوه واشترى زيد بذمته بيتاً يقدر بمائة ألف. واشترى عمرو بذمته بيتاً يقدر بخمسين ألف. المجموع: مائة وخمسين. ونصفه: خمسة وسبعون. زيد في المثال اشترى البيت الذي قيمة مائة ألف ومع ذلك لا يملك منه إلا النصف وكذلك الآخر. ولو اشترطوا لزيد ثلاثة أرباع أو أربعة أخماس أوحسب ما اشترطاه فإن الشرط صحيح ويكون أربعة أخماس هذه السلع المجتمعة للمشترط له والخمس للآخر. ولا ننظر أبداً ماذا اشترى هذا أو ماذا اشترى الآخر. - قال ﵀: - والوضيعة: على قدر ملكيهما. وهذا مبنى على المسألة السابقة. الوضيعة على قدر المال في جميع الشركات. وبالإجماع. حتى في المضاربة التي فيها المال من طرف واحد الوضيعة على المال لأن المال هنا من طرف واحد. فإذاً: قاعدة الشركات المجمع عليها أن الوضيعة على قدر المال. - قال ﵀: - والربح: على ما شرطاه. الربح على ما شرطاه: قياساً على شركة العنان. والوضيعة أيضاً قياساً على شركة العنان. تقدم معنا أن شركة العنان سيبنى عليها أحكام شركات أخرى فهنا نقول الوضيعة والربح حكمهما حكم العنان. فالوضيعة على قدر المال والربح حسب ما اتفقا. - قال ﵀: - (الرابع) شركة الأبدان. شركة الأبدان. هي: أيضاً من الشركات التي تكون بلا مال. وتنقسم إلى قسمين: ـ القسم الأول - من شركة الأبدان -: أن يشتركا في تقبل عمل في الذمة. ـ القسم الثاني: أن يشتركا فيما يملكان من العمل المباح. كالاحتطاب مثلاً. مثال القسم الأول: أن يشتركا في بناء جدار في ذمتهما ويكون الربح مقسوماً بينهما.

стр. 1740

مثال القسم الثاني: أن يقول كل ما اكتسبنا من عملنا المباح فهو بيننا. فلو فرضنا أنهما اشتركا في الصيد وأحدهما صاد مائة طير والآخر صاد طيراً واحداً فهما شركاء في المجموع يقسم بينهما بالسوية أو حسب ما اتفقا. وشركة الأبدان مشروعة عند الحنابلة. واستدل الإمام أحمد ﵀ بنفسه على مشروعية شركة الأبدان: - بالحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود ﵁ أنه اشترك يوم بدر هو وسعد وعمار في الغنيمة قال: فلم أجيء أنا وعملا بشيء وجاء سعد بأسيرين. فهم ﵃ وأرضاهم اشتركوا شركة أبدان وهي من النوع: الثاني. فدل الحديث على مشروعية هذه الشركة. وهذا الحديث صحيح وثابت ولا يعل بالانقطاع لأن أبا عبيد حفيد بن مسعود وإن لم يسمع إلا أنه سمع من ثقات اهل بيته كما قال علي بن المديني وابن رجب وغيرهم. المهم هذا الحديث صحيح ثابت. = القول الثاني: أنها شركة غير مشروعة. - لأن الشركة تبنى على المال ولا مال في هذه الشركة. والراجح مذهب الحنابلة. وقبل أن نكمل شركة الأبدان نسينا مسألة مهمة جداً في المضاربة/ مهمة جداً وودت أن المؤلف ﵀ ذكرها. * * المسألة هي/ متى يملك المضارب الربح؟ اتفق الفقهاء كلهم على أن المضارب - العامل - لا يملك الربح ملكاً مستقراً إلا بعد القسمة. والمقصود بالقسمة هنا: التي تكون بعد العقد. إذاً هذه المسألة متفق عليها. واختلفوا في زمن ملك الربح قبل ذلك: = فالحنابلة يرون أنه يملك بمجرد الظهور. فإذا ظهر الربح ملكه العامل. واستدلوا على هذا: - بأن عقد المضاربة قام على أنه للمضارب جزء من الربح مشروط. فإذا وجد الربح وجد الشرط فملك المال. = القول الثاني: أنه لا يملك إلا بعد القسمة. واستدلوا على هذا: - بأن الربح هو في الحقيقة وقاية لرأس المال وتمليك العامل إياه يفوت هذا المقصود. والراجح بإذن الله مذهب الحنابلة. والجواب على دليل القول الثاني: أن تمليك المضارب لا يفوت هذا المقصود لأنه إذا حصل خسارة نرجع على العامل ونأخذ منه ما أخذ. أو نقول: - وهو الجواب الثاني - نملك العامل المال بلا قسمة. ثمرة الخلاف: ثمرة الخلاف ثمرة كبيرة جداً:

стр. 1741

- الثمرة الأولى: إذا وطيء العامل جارية من مال الشركة: ـ فإن قلنا يملك صارت أم ولد له. ـ وإن قلنا لا يملك صارت من باقي أموال الشركة ليست ملكاً للعامل. - وإذا اشترى العامل من مال الشركة من يعتق عليه كأن يشتري أباه أو أخاه أو نحوهما: ـ فعلى القول الأول: إذا ظهر ربح في الشركة: عتق. ـ وعلى القول الثاني: يبقى عبداً لأن المضارب - العامل - لا يملك من المال شيئاً ولو بعد الربح. فبين القولين فرق واضح جداً. وكما قلت إن شاء الله الواضح القول الأول. نرجع إلى مسائل شركة الأبدان. - قال ﵀: - أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما. يعني: حسب الاتفاق. أن يشتركا في الربح حسب الاتفاق. ودل كلام المؤلف ﵀ على أن شركة الأبدان صحيحة سواء اتفقت الصنائع أو اختلفت. أي: سواء اشترك نجاران أو نجار وحداد. فالشركة صحيحة ولا يشترط اتفاق الصنعة. وسيأتينا ما العمل إذا لم يستطع النجار إكمال العمل والحداد لا يعرف النجارة. سيأتينا ما الحكم. - قال ﵀: - فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله. إذا تقبل أحدهما العمل لزم الاثنين الاتمام. ودخل وجوب إكمال العمل في ذمة كل منهما. والدليل: - أن مبنى هذه الشركة على الضمان. لأنهما يتقبلان العمل بالذمة. فكل واحد من الشريكين مطالب بإتمام العمل. بمقتضى عقد الشركة. = والقول الثاني: أنه لا يلزم من لم يجر العقد إتمام العمل ولو كان شريكاً. فإذا اشترك نجار وحداد وعقد النجار مع شخص على عمل ولم يتمه لم يلزم الحداد إتمام العمل. استدلوا على هذا: - بالقياس: فقالوا: الشركة إذا كانت موضوعة في ما يكتسبان بأبدانهما من الملك المباح فإنه لا يلزم أحدهما بإكمال العمل. فكذلك هنا. فإذا اشترك زيد وعمرو على أن ما يكتسبان من الاحتطاب بينهما وأحدهما لم يحتطب لم نلزمه بالاحتطاب لأنه عمل مباح. فكذلك هنا والصواب مع الحنابلة وبين الصورتين فرق ظاهر. فما هو الفرق؟ الفرق: في الصورة الأولى انشغلت الذمة بما التزماه جميعاً. وفي الصورة الثانية لا يوجد انشغال للذمة من الأصل. فالراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة. - ثم قال ﵀: - وتصح: في الإحتشاش والإحتطاب وسائر المباحات.

стр. 1742

يعني: تصح الشركة في كل عمل مباح. ومثل بمثالين: - الاحتشاش. - والاحتطاب. فكل عمل مباح يجوز أن يشتركا فيه. مفهوم عبارة المؤلف ﵀ أن كل عمل محرم فيحرم الاشتراك فيه. وهو كذلك إجماعاً. ودليل جواز الاشتراك في كل عمل مباح: - حديث ابن مسعود السابق. ففيه الاشتراك في عمل مباح. - قال ﵀: - وإن مرض أحدهما: فالكسب بينهما. وإن مرض أحدهما وأتم العمل الآخر فالكسب بينهما وإن لم يعمل الآخر. تعليل ذلك: - أن هذا الكسب سببه الالتزام في الذمة. والالتزام في الذمة صدر من الاثنين فيجب أن يقتسما الربح بينهما. ومذهب الحنابلة سواء امتنع أحدهما لعذر أو لغير عذر. والسبب كما قلت لك أنه حتى إذا امتنع لغير عذر فإن سبب الربح هو الالتزام في الذمة وهو صادر منهما. = والقول الثاني: أنه إذا امتنع عن العمل بغير عذر فالكسب للعامل كله. - لأن الربح يستحق بالالتزام في الذمة والعمل معاً. والعمل لم يوجد ممن لم يعمل. ((الأذان)). والخلاف في هذه المسألة قوي لأن لكل من القولين وجهة نظر قوية. ولم أر عند الحنابلة خلاف أن الربح بينهما - لم يمر علي في كتب الحنابلة أنهم ذكروا خلافاً في هذه المسألة. لكن القول الثاني أيضاً وجيه وهو أنه لم يعمل بلا عذر فلا يستحق الربح. أقول: الذي يظهر لي بوضوح قول ثالث لم أر أحداً قال به فإن قيل به فهو في الحقيقة فيه العدل وهو أن نقول: - إذا امتنع الشريك عن العمل بلا عذر أخذ نصف الربح المقرر له. وجهه أنا نقول أن هذا الربح يستحق بأمرين: - العمل. - والالتزام في الذمة. الالتزام في الذمة وقع منه فهو ملتزم في الذمة. ولو لم يتم الأول العمل لطولب هو بالعمل وهذا يجب أن تلاحظه - يعني هو ليس خالياً تماماً هو مطالب وذمته مشغوله ولذلك أعطاه الحنابلة الربح كاملاً. فنقول: بما أنه يستحق بالأمرين ووجد منه أحد الأمرين فله تبعاً لذلك: نصف الربح. فإن قيل بهذا القول فهو في الحقيقة قول فيه عدل من وجهة نظري. - قال ﵀: - وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه: لزمه. إذا طالب الصحيح المريض أن يقيم مقامه رجلاً آخر ليعمل معه لزمه. أي: لزم المريض أن يقيم رجلاً مكانه.

стр. 1743

تعليل ذلك: - أن مبنى هذه الشركة - أي: شركة الأبدان - على الاشتراك في العمل بالبدن فإذا لم يفم بما عليه وجب عليه البديل. وهذه قاعدة شرعية. كل إنسان عليه أن يقوم بالواجب أو ببديل الواجب. فنجن نقول الآن إما أن تقوم بالعمل أو تأتي بمن يقوم بالعمل بدلك. فإن امتنع فللمضارب الآخر فسخ الشركة. ومعلوم أن قولهم له فسخ الشركة يعني أنه من الأسباب الوجيهة في فسخ الشركة وإلا تقدم معنا أن الشركة من العقود الجائزة وله أن يفسخ بسبب وبدون سبب. لكن إذا وجد هذا السبب تأكد حقه في الفسخ وصار وجيها. - قال ﵀: - (الخامس) شركة المفاوضة. المفاوضة معناها العام في اللغة الاشتراك في كل شيء. أما الاشتقاق فهو من كلمة فوَّضَ والتفويض هو: إسناد التصرف إلى شخص آخر. والمفاوضة لها نوعان ذكر المرلف ﵀ النوع الأول والنوع الثاني. - قال ﵀: - أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة. هذا هو النوع الأول من أنواع الشركة وهو أن يفوض كل منهما صاحبه في كل أنواع الشركة. فيفوضه في شركة المضاربة والعنان والوجوه والأبدان. فشركة المفاوضة على هذا تشمل جميع أنواع الشركات. وشركة المفاوضة صحيحة ومشوعة عند الحنابلة. استدلوا على هذا: - بأن شركة المفاوضة تجمع أنواع الشركات وكل واحد منها جائز فإذا جمعت فهي جائزة أيضاً. لأن ما يتركب من الجائز: جائز. = والقول الثاني: أنها شركة باطلة وغير مشروعة. - لأنه يدخل فيها الغرر والجهالة لسعة نطاق التوكيل. والراجح مذهب الحنابلة لأنه لا يوجد دليل واضح على المنع والغرر منفي بتحديدها بأنواع الشركة الموجودة بأنواع الشركات المسماة في الفقه الإسلامي. - قال ﵀: - والربح: على ما شرطاه، والوضيعة: بقدر المال. تقدم معنى: أن الربح على ما شرطاه. والوضيعة على قدر رأس المال في جميع الشركات وأن دليل ذلك: القياس على شركة العنان. فالوضيعة على قدر المال والربح على قدر الاتفاق. ونقف على القسم الثاني والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ....

стр. 1744

الدرس: (٣٤) من البيع قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. كنا في آخر درس تحدثنا عن الخامس من أنواع لشركات وهو شركة المفاوضة وأخذنا النوع الأول منه وانتهينا منه وتوقفنا على النوع الثاني. والنوع الثاني: يبدأ من قول المؤلف ﵀: (فإن أدخلا فيها كسباً أو غرامة نادرين). النوع الثاني من شركة المفاوضة هو: أن يدخلا في الشركة كل كسب نادر لهما أو غرامة نادرة عليهما. فالكسب النادر: كاللقطة. فإنه يندر أن يجد الإنسان لقطه. وكذلك الميراث. وكذلك الهبة. هذه الأمور نادرة. فإذا اشتركا على هذا الكسب النادر فهي في الشرع شركة مفاوضة. النوع الثاني من القسم الثاني: أن يشتركا على غرامة نادرة. مثل: أرش جناية. فإن هذا نادر ما يقع. نادراً ما يقع أن يصيب الإنسان شخصاً بجناية ويجب عليه الأرش. ففي النوع الأول: اشتركا في المغنم. وفي النوع الثاني: اشتركا في المغرم. - ثم قال ﵀: - أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه: فسدت. كذلك الاشتراك في ضمان الغصب له نفس الحكم السابق وهو أنه يعتبر من شركة المفاوضة. = الحنابلة يرون: أن هذه شركة غير صحيحة. ولذلك يقول ﵀: (فسدت). وعرفنا الآن ما هي هذه الشركة. إذاً: الشركة أن يشتركا في المغنم أو في المغرم لكن الذين وصفا بالندرة. فالحنابلة يرون ان هذه الشركة فاسدة. عللو ذلك: - بأن في الاشتراك بهذا النوع غرر وجهالة إذ قد يجب عليه ضمان أرش أو غصب بمبلغ مرتفع جداً ولا يستطيع الشريك أن يساهم معه في سداد هذا المبلغ وفي المقابل أيضاً قد يكسب كسباً نادراً كبيراً مرتفعاً في وقت قصير فلا تسمح نفسه بأن يشاركه معه فيه أحد. ففي المغنم وفي المغرم يوجد غرر وجهالة تؤدي غالباً إلى المنازعة. ولهذا رأوا ﵏ أنها فاسدة. وما ذكره الحنابلة صحيح ودائماً العموميات في المعاملات تؤدي إلى المخاصمات في كل مغنم في كل مغرم إلى استخدام ألفاظ العموم (كل) دائماً يدخل الشريكين في متاهات.

стр. 1745

وبهذا عرفنا أن شركة المفاوضة تنقسم إلى قسمين وان القسم الأول منها صحيح وأن القسم الثاني منها باطل. باب المساقاة - قال ﵀: - باب المساقاة. المساقاة في لغة العرب: مشتقة من السقي. وسميت هذه المعاملة بهذا الاسم لأن أشق أعمال المساقي في الحجاز السقي لكثرة حاجة الشجر إلى الماء وصعوبة تحصيل الماء. وهذا المعنى يختص بالحجار. وفي غيره من الأماكن قد لا يكون سقي الشجر هو أصعب الأعمال. قد يكون هو أسهل الأعمال وفي صور كثيرة لا يسقس أصلاً وإنمات يتكفل المطر بسقي النبات ويكون عمله في جانب آخر. وهذا لا يعنينا في الأحكام الشرعية ولكن نحن نتحدث الآن من الاشتقاق وأن هذا الاشتقاق شيء أو معنى يختص بأهل الحجاز. - يقول ﵀: - باب المساقاة. المساقاة هي: دفع شجر لمن يقوم عليه بجزء من الثمر. وله صور ولكن هذا معناه العام. إذاً صورة المساقاة - حتى تتصور هذه المعاملة قبل أن ندخل في الأحكام - هي أن يعطي الإنسان الذي يملك البستان الشجر كالنخل - مثلاً - إلى شخص آخر ليقوم هذا الشخص بسقي النخل والقيام عليه ومراعاته وإصلاحه إلى أن يثمر فتكون الثمرة بينهما حسب الاتفاق. يعني: بجزء من الثمر متفق عليه. إذاً هذه هي المساقاة وما زال الناس من القديم إلى يومنا هذا يعملون بها وإن كانت في هذه الأيام خفت باعتبار أن الإنسان أصبح يستطيع أن يستأجر عمالاً بدل أن يساقي على جزء من الثمرة. لكن في القديم كانت الحاجة إليها ماسة جداً وعمل الناس عليها كثير. - يقول ﵀: - تصح. أفادنا المؤلف ﵀ أن المساقاة صحيحة وجائزة ومشروعة. وإلى هذا ذهب الجماهير من السلف والتابعين وتابعوهم والفقهاء السبعة وعامة علماء الأمة. بل حكي إجماعاً. على أنها معاملة مشروعة صحيحة. واستدلوا ﵏: - بما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. واستدلوا أيضاً: - بأن الخلفاء الراشدين ﵃ عملوا بها. وكذلك عامة الصحابة. واستدلوا على هذا الحكم: - بأن الحاجة تدعو إليها.

стр. 1746

= والقول الثاني: وهو للأحناف فقط: أن هذه المعاملة لا تصح. فذهبوا إلى إبطال المساقاة. واستدلوا على هذا: - بحديث رافع ﵁ وهو صحيح - أن النبي ﷺ قال: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكريها على الربع أو الثلث). قالوا: والحديث صريح في النهي عن المساقاة والمزارعة. ولو كانت نسبة الربح مشاعة لقوا في الحديث: (الربع أو الثلث). والراجح إن شاء الله مذهب الجماهير بلا إشكال مطلقاً إن شاء الله. وسبب الترجيح أن هذا الحديث بينت الروايات الأخرى له وأحاديث أخرى ختلف في المخرج عن هذا الحديث كل هذه الروايات والأحاديث بينت أن النهي في هذه الحديث إنما هو نهي خاص وهو عن أن يشترط لنفسه جزءاً معيناً من البستان. كأن يشترط أن له ما على الجداول لجودة ما يخرج فيه أو ما يخرج في المكان المشمس لجودة ما يخرج فيه أو أي بقعة من البستان. فنحمل هذا الحديث على هذا المعنى والذي سوغ حمله على ذلك أن الروايات الأخرى لنفس الحديث تبين هذا المعنى. إذاً الراجح إن شاء الله هو القول الأول. - يقول ﵀: - على شجر له ثمر. يعني: تجوز المساقاة لكن لابد أن تكون على شجر ولابد أن يكون هذا الشجر له ثمر. فهم من كلام المؤلف ﵀: أن الشجر الذي ليس له ثمر لا تصح المساقاة فيه. وفهم من كلام المؤلف ﵀: أن غير الشجر كالمقاثي والخضروات لا تجوز المساقاة عليها. وإنما فقط الشجر الذي له ثمر. فالشجر يخرج ما عداه. والثمر يخرج الشجر الذي ليس له ثمر. وهذا هو مذهب الحنابلة. واستدلوا على هذا: - بأن الدليل الدال على الجواز جاء في النخل فقط وهو شجر وله ثمر فنبقى مع هذا الحديث ولا نتجاوزه إلى أنواع أخرى من النباتات. هكذا قرر الحنابلة. = والقول الثاني: أن المساقاة تجوز على كل ما فيه منفعة للمتعاملين من شجر له ثمر أو ليس له ثمر أو من نباتات لا تعتبر من الأشجار كالمقاثي ونحوها. واستدل أصحاب هذا القول على قولهم:

стр. 1747

- بأن الشارع الحكيم إنما أجاز للمساقاة نظراً لحاجة الناس والحاجة موجودة في الشجر الذي لا يثمر والحكم في الشرع يدور نع علته وجوداً وعدماً. فما دامت الحاجة موجود فالحكم موجود. واستدلوا على ذلك: - بأن تخصيص بعض أفراد العام بحكم لا يقتضي تخصيصه بالحكم. فكون حديث خيبر نص على جواز المساقاة في النخل لا يعني منع المساقاة في غيره من الأشجار. وهذا القول الثاني هو الراجح وهو إن شاء الله المتوافق مع قواعد الشرع والمقاصد العامة. - قال ﵀: - وعلى ثمرة موجودة. يعني: وتجوز المساقاة على الثمرة بعد طلوعها ويكون المقصود بالمساقاة رعاية الثمرة والقيام عليها وتنميتها وحفظها من الآفات. واستدلوا على جواز المساقاة على الثمر الموجود: - بأنه إذا جازت المساقاة على الثمر المعدوم كما في قصة خيبر ففي الموجود من باب أولى. وهذا صحيح. - قال ﵀: - وعلى شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر: بجزء من الثمرة. ذكر المؤلف ﵀ الشجر قبل أن يغرس: ليغرس. وبعد أن غرس قبل أن يثمر. وبعد أن غرس وبعد أن يثمر. فذكر المراحل الثلاث للشجرة. المرحلة الأخيرة هيي أن: يساقي على شجر لم يغرس فيقوم بغرسه والعناية به إلى أن يثمر بجزء معلوم مشاع من الثمرة. استدلوا على الجواز بدليلين: - الدليل الأول: أن هذا العمل عمل معلوم مباح فجاز العقد عليه. - الدليل الثاني: القياس على الشجر المغروس الذي يساقى عليه إلى أن يثمر. سؤال: لماذا نقيس على الشجر المغروس. لماذا أصبحت أولى. فكأنها هي الأصل؟ لأنها المذكورة في الحديث - لأن هذه الصورة دل النص على جوازها فنحن نقيس على حكم دل النص على جوازه. ولهذا السبب ذاته قدم المؤلف ﵀ الحكم على الشجر الذي يساقى إلى أن يثمر وإلا فإن المنطق أن تكون أول مسألة الذي لم يغرس ثم الذي غرس ولم يثمر ثم الذي غرس وأثمر. لكنه خالف هذا الترتيب ليقدم ما ذكر في الحديث. إذاً تجوز هذه المعاملة. لكن اشترط الحنابلة لجواز هذه المعاملة أن يكون الشجر من رب الأرض. فإن كان من العامل فإنه لا يجوز. = والقول الثاني: جواز أن يكون الشجر من العامل.

стр. 1748

وهذا القول الثاني هو الراجح واختصرنا في هذه المسألة لأنها ستأتينا في المزارعة وهي أصلاً في المزارعة. إنما يعنينا الآن أن نعرف أنه عند الحنابلة: يشترط أن يكون الغرس - يعني الشجر - من رب الأرض لا من العامل. والقول الثاني أنه يجوز من العامل. وهذا القول الثاني هو الصحيح. من المعلوم أن غالب عمل الناس على المذهب. [بمعنى] هل صاحب الأرض سيكلف العامل بأن يأتي بالنخل؟ أو هو الذي يعطيه النخل ويقول له: اغرس النخل؟ حتى يبقى النخل ملكاً لصاحب الأرض. إذاً: هذا الخلاف الفقهي قد لا يكون له رصيد كبير في الواقع. في الواقع دائماً يكون الغرس من رب الأرض حتى يبقى الشجر في الأرض ملكاً له. - قال ﵀: - وهي عقد جائز. هذه المسألة انفرد بها الحنابلة: أن المساقاة من العقود الجائزة. ولا أظن اني بحاجة إلى بيان ما معنى أن يكون العقد جائز؟ يعني: أنه له الفسخ متى شاء. = الحنابلة يرون: أن عقد المساقاة من العقود الجائزة وهو من مفردات الحنابلة. ﵏. واستدلوا على هذا الحكم: - بأن النبي ﷺ قال ليهود خيبر نقركم فيها ما نشاء. يعني: نبقيكم في خيبر إلى الوقت الذي ناء ثم نخرجكم منها. وجه الاستدلال؟ وجه الاستدلال من هذا الحديث أن المساقاة لو كانت من العقود اللازمة لم يطلق النبي ﷺ لهم العقد ولوقته بوقت محدد. لأن العقود اللازمة تحتاج إلى تحديد فلما لم يحدد عرفنا أن المساقاة من العقود الجائزة. ويصدق هذا ويؤكده أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أخرجهم. كأنه فسخ المساقاة وأخرجهم وهذا يدل أيضاً على أنها من العقود الجائزة. - الدليل الثاني: قالوا: أن المساقاة أشبه ما تكون بالمضاربة وإذا كانت تشبه المضاربة تأخذ حكمها من حيث الجواز. = القول الثاني: وهو مذهب الجماهير أن عقد المساقاة من العقود اللازمة. واستدلوا أيضاً بدليلين: - الدليل الأول: القياس على عقد الإيجار. كأن رب الأرض استأجر العامل وإذا كان عقد المساقاة يشبه الإجارة فالإجارة من العقود اللازمة - كما سيأتينا. واستدلوا على هذا:

стр. 1749

- بأن القول بأن المساقاة من العقود الجائزة يفضي إلى مفسدة وهذه المفسدة هي أن يفسخ رب الأرض المعاملة قبيل أخذ الثمرة فيذهب نصيب العامل من الثمرة. هذه المسألة لاشك أنها من المسائل المشكلة والمهمة جداً وعمل الناس على أنها من العقود اللازمة لأن المزارع والعامل كل منهما يتضرر لو قيل بأنه جائز. هذا من حيث الواقع. نأتي إلى الترجيح. الترجيح بين القولين: فأيهما أرجح؟ في الحقيقة المسألة فيها إشكال. لكن يظهر لي مع ذلك مع شيء من الوضوح أنها: جائزة وليست لازمة. والدليل المرجح: النص والتعليل فكل من الدليلين المذكورين للحنابلة في الحقيقة قوي: لأنك إذا تأملت ستجد أن هذا العقد أقرب إلى المضاربة منه إلى الإيجار. ما هو الدليل على أن هذا العقد أقرب إلى المضاربة من الإيجار؟ الدليل على هذا: أن من الأمور الحاكمة في العقود والموضحة لحقيقتها بالدرجة الأولى: كيفية توزيع الأرباح - ولا يحسن أن نقول أرباح يعني: - كيفية الحصول على مقابل العوض. تجد أن كيفية الحصول على المقابل يتشابه مع المضاربة. لأنها نسبة مشاعة من الأرباح بينهما الإجارة مبلغ مقطوع. وهذا التشابه في الوارد مقابل العمل يجعل المساقاة أقرب إلى المضاربة. وفي الحقيقة هذا هو الذي أوجد بالنسبة لي أنا الترجيح أنه جائز وأن قول الإمام أحمد ﵀ هذا أرجح. - قال ﵀: - فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة: فللعامل الأُجرة. بين المؤلف ﵀ حكم الفسخ قبل ظهور الثمرة. ولم يبين حكم القفسخ بعد ظهور الثمرة. فحكم الفسخ بعد ظهور الثمرة أنه لا فسخ بل يلزم العامل بالاتمام ورب الأرض أيضاً بالإتمام. وظاهر كلام بعض الحنابلة - ألسنا نقول أن عقد المساقاة من العقود الجائزة فكيف يقول الحنابلة أنه بعد ظهور الثمرة لا فسخ.؟ ظاهر كلام بعض الحنابلة: أن الفسخ صحيح فإذا فسخا انفسخ العقد لكن مع الفسخ نلزم العامل بالاتمام ورب الأرض بالصبر.

стр. 1750

وفي الحقيقة إذا قلنا بالفسخ مع الإلزام بالاتمام أصبح الفسخ لا معنى له. (إذاً أصبح الفسخ لا معنى له إذا كنت ستلزم العامل بالاتمام ورب الأرض) لكن من وجهى نظري أن المخرج من هذا أن نقول أن عقد المساقاة عقد جائز لكن قد يعرض للجائز ما يجعله لازماً. كما تقدم معنا في الوكالة فالوكالة عقد جائز لكن لا تنفسخ قبل علم الموكل بسبب عارض وهذا العارض هو الضرر الداخل على الموكل والمشتري. كذلك نحن نقول هنا الأصل في المساقاة كما أنه بالاتفاق عقد الوكالة عقد الوكالة جائز مع ذلك في بعض الصور صار لازم فكذلك هنا نقول هو جائز لكن العكس يصبح في بعض الصور لازم. هذا الذي يظهر لي من وجه الجواب. أما كونه يصبح لازماً بعد ظهور الثمرة فهذا صحيح ولا أظن عالماً يخالف في هذا لأنه بعد ظهور الثمرة تعلق حق العامل بها ورب الأرض بها. كلاهما: لا العامل يجوز له أن ينصرف ولا رب الأرض. فإذا قال العامل أنا لا أريد جزئي من الثمرة نقول ولو كنت لا تريد جزئك من الثمرة يجب أن تبقى وأن تكمل عملك إلى أن يحصل لرب الأرض جزئه من الثمرة. وكذلك يقال لرب الأرض. - قال ﵀: - فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة: فللعامل الأُجرة. تبين معنا حكم بعد. والآن نبين الحكم قبل: إذا فسخ رب الأرض قبل فعليه أجرة عمل العامل من حين تم العقد إلى أن تم الفسخ. تعليل ذلك: - أن رب الأرض هو الذي تسبب في فسخ العقد ولولاه لاستحق العامل الثمرة. هذا الوجه الأول. - الوجه الثاني: أنه مهما يكن من أمر فإن ظهور الثمرة بعد ذلك للعامل فيه دور. فاستحق العوض على هذا الدور. إذاً استدلوا بدليلين وكلامهم صحيح. - ثم قال ﵀: - وإن فسخها هو: فلا شيء له؟ يعني: وإن فسخ العامل المساقاة فلا شيء له. - لأنه رضي بإسقاط حقه. وهذه العبارة تحمل على قبل أو بعد ظهور الثمرة؟ قبل. أما بعد فتبين معنا أنه لا يجوز له أصلاً أن يترك العمل. وقولنا: أن يترك العمل أدق من أن نقول لا يجوز أن يفسخ. - قال ﵀: - ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة. انتقل المؤلف ﵀ إلى بيان عمل كل واحد من رب الأرض والعامل وبدأ بالعامل لأن عمله هو الأكثر.

стр. 1751

والعامل عليه جل العمل. وقد اتفق الأئمة الأربعة على أن العمل كله المحدد من نصيب العامل وأنه لا يجوز أن يشترط على رب الأرض أي عمل. إذاً: اتفق الأئمة الأربعة على أن العمل يلزم به من؟ العامل وأنه لا يجوز أن نشترط على رب الأرض أي نوع من أنواع العمل. والسبب في ذلك: أن اشتراط جزءاً من العمل على رب الأرض ينافي موضوع المساقاة فإن موضوع المساقاة أن تكون الأرض من رب الأرض وأن يكون العمل من العامل. لكن المؤلف ﵀ يريد بعد أن قرر أن العمل على العامل يريد أن يضبط ما هي الأعمال التني تجب على العامل. - يقول ﵀: - كل ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها. كل ما فيه صلاح الثمرة وزيادة الثمرة فهو من مهام العامل. وهذا ضابط مريح. هناك ضابط آخر: يقرب أكثر. يقول: كل ما يتكرر كل سنة فهو من مهمام العامل وما يعمل مرة واحدة فهو من مهام رب الأرض. وهذا يعطي انطباعاً وتصوراً أوضح عن أعمال العامل. وهناك ضابط ثالث يقول: أنه كل ما دل العرف على أنه من أعمال العامل فهو من أعماله. وإلا فهو على رب الأرض. وهذه الأقوال ليست أقوالاً متناقضة بل أقوال متقابة ويصدق بعضها بعضاً وتكمل المعنى. فالذي يتكرر كل سنة هو نفسه الذي يعرف في العرف أو وجد العرف على أنه من أعمال العامل. ومع ذلك أرلد المؤلف ﵀ أن يزيد الأمر وضوحاً بالتعداد: - فقال ﵀: - من حرث. الحرث من مهام العامل بلا إشكال. وبالإجماع. والبقر الذي يحرث به عند الحنابلة على العامل. - لأن الحرث وآلته من مهام العامل. وهذا يقتضي اليوم أن آلات الحرث على العامل. لكن العرف اليوم أن السيارة الكبيرة التي تحرث الأرض تكون عادة موجودة في المزرعة. فإن تقبل العامل أرض المساقاة وليس فيها آلة حرث: فعند الحنابلة: الملزم بآلة الحرث هو العامل لأن هذا من مهامة الأساسية. - يقول ﵀: - وسقي. يعني: وعليه أن يسقي الشجر وهذا واضح. - يقول ﵀: - وزِبار. الزبار هو: تقليم الأغصان الميتة بالنسبة للعنب والسعف الميت بالنسبة للشجر. وهو بقاعدة عامة: أخذ ما يحسن أخذه من الشجر. سواء كانت عنباً أو كان نخلاً. - قال ﵀: - وتلقيح.

стр. 1752

التلقيح على العامل: عليه هو أن يلقح الشجر. إذا كانت من الأنواع التي تلقح وإذا كانت من الأنواع التي لا تلقح فليس من عمل لا رب الأرض ولا العامل لكن تلاحظ أن اتجاه المؤلف ﵀ في الكلام عن النخيل. كأنه يغلب عليه الكلام عن النخيل لأن غالب المساقاة على النخيل ولأن النص إنما جاء في النخيل. - قال ﵀: - وتشميس. وإصلاح موضعه. يعني: عليه أن يشمس ما يناسب تشميسه. وعليه أن يصلح موضع التشميس بأن يمنع الآفات عنه والدواب وأن يجعله في مكان ظاهر للشمس ... إلى آخره. - قال ﵀: - وطرق الماء. يعني وعليه إصلاح طرق الماء. يجب على العامل إصلاح طرق الماء بأن يسهل وصول الماء إلى أماكنه من الشجر. اليوم التمديدات التي تعمل في المزارع تكلف مبالغ طائلة في الحقيقة ولا أعرف العرف في هذا: هل إذا استأجر الإنسان مزرعة عليه هو أن ياتي بالتمديدات أو على رب الأرض أن تكون موجودة يعني لا أعرف العرف لكن يبدو لي أن مثل هذا الأمر لما كان باهض الثمن أصبح اليوم لابد من الاتفاق المسبق عليه. وهذا يؤكد القول الثالث: وهو أن المسألة ترجع إلى أعراف الناس ونما يتعارفوه بينهم في الأعمال المنوطة بكل من العامل ورب الأرض. - يقول ﵀: - وحصاد. عليه الحصاد. عليه أن يحصد ما يناسب الحصاد وعليه أن ينقي أخواض الجر من النباتات الصغيرة التي تفسد على الشجرةو طلعها وثمرتها. - قال ﵀: - ونحوه. يعني ونحو هذه الأعمال اتي جرى العرف بأنها من العامل. من أبرز الأعمال التي تكون على العامل: - حفظ الثمرة بعد مزجها إلى أوان التقسيم فهذا من أعمال العامل. وإن أخل أو فرط أو تعدى فيضمن. فلا تنتهي مهمة العامل بنضج الثمرة وصلاحيتها للأكل أو للبيع بل مهامه تستمر إلى أن يتم التقسيم. * * مسألة/ لم يذكر المؤلف ﵀ الجذاذ وهو أمر مهم جداً. = عند الحنابلة: أن الجذاذ ليس على العامل وليس على رب الأرض بل على كل منهما أن يجذ نصيبه. فمعنى هذا: أن العلاقة انتهت إذا حان أوان الجذاذ. فيمكن رب الأرض ويقول هذا لك وهذا لي وانتهت مهمة العامل. فعلى كل منهما أن يحذ نصيبه.

стр. 1753

= والقول الثاني: أنها من مهام العامل وأنه لا يترك العمل إلا بعد إيصال الثمرة إلى رب الأرض. مجنية من الشجرة. من حيث الدليل والتعليل والنظرة الفقهية الراجح مذهب الحنابلة. وجه ذلك: أن مهمام العامل تتعلق بتنمية الثمرة وإصلاحها إذا تم هذا الهدف انتهت مهمة العامل. والجذاذ ليس من إصلاح الشجرة ولا من القيام عليها ولا من تنمية الثمرة وإنما هو أخذ للثمرة فقط. فمن حيث الدليل الأقرب مذهب الحنابلة وهو أنه ليس من أعمال العامل بل كل واحد منهما يأخذ نصيبه. لكن بالنسبة للواقع فإني أرى أنه يجب - يكاد يقرب من الوجوب - الاتفاق المسبق على جني الثمر. وجه ذلك: أن تحصيل التمر من الشجر اليوم أصبح يكلف مبالغ طائلة جداً وإذا كان يكلف هذه المبالغ فيجب أن يكون هناك اتفاق مسبق على هذا القضية حتى لا يكون هناك اختلاف فإن لم يكن اتفاق فكما قلت لكم أرى أن مذهب الحنابلة أرجح. انتهى المؤلف ﵀ من بيان ما يلزم العامل ولاحظت أنه ختم الأعمال بقوله: (ونحوها) فإذاً هو لا يريد الحصر وإنما يريد التمثيل. - قال ﵀: - وعلى رب المال ما يصلحه: كسد حائط وإجراء الأنهار والدولاب ونحوه. أيضاً أعمال رب الأرض لها ضابط ولو أنه ذكره ﵀ كما ذكر ضابط العامل لكان أحسن وأوضح. الضابط بالنسبة لرب الأرض: أن عليه كل ما فيه حفظ الأصل. فأي عمل يتعلق بحفظ الأصل فهو من أعمال فما ذكره المؤلف ﵀ من سد الحائط فهذه من اعمال رب الأرض لأن هذا يتعلق بحفظ الأصل. - أصل الملك. - قال ﵀: - وإجراء الأنهار والدولاب. يعني أن على رب الأرض كل آلة تأتي بالماء. أو بعبارة أخرى: على رب الأرض تحصيل الماء. ولذلك كمل قلنا أن الحرث يقتضي أن البقر على العامل هنا نقول أن الحيوانات التي تدير الدولاب من مهام رب الأرض. قياساً عليه نقول: الآلات الحديثة لإخراج الماء - الدينمو والمواطير والمكائن التي تخرج الماء وما يتبعها من مواسير ونحوه هو من مهام رب الأرض وهذا لا إشكال فيه لا من حيث العرق ولا من حيث النظرة الفقهية لأن العامل لا مصلحة له بأن يؤسس في تامزرعة لإخراج الماء وهو سيمكث فيها سنة.

стр. 1754

إذاً كل ما من أنه تحصيل الماء فهو من مهام رب الأرض. والقاعدة العامة هي التي ذكرت لك وهي: أن عليه كل ما فيه حفظ الأصل. فصل [في أحكام المزارعة] - فقال ﵀: - (فصل) انتهى المؤلف ﵀ من المساقاة وانتقل لقرينتها وهي المزارعة. والمزارعة هي دفع الأرض لمن يزرعها بجزء مشاع من الزرع. فيقول رب الأرض للعامل: دونك هذه الأرض ازرعها قمحاً أو شعيراً أو غيره. وما يخرج من هذا الزرع فهو بيني وبينك مناصفة. = ذهب الجماعير إلى مشروعية المزارعة. واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر - كما تقدم معنا - بشطر ما يخرج منها - من ثمر أو زرع. فهو أيضاً ساقاهم وزارعهم ﷺ . واستدلوا على هذا: - بما أثر عن غير واحد من السلف أنهم قالوا: ما من بيت في المدينة المنورة إلى وزارع أهله. واستدلوا على هذا أيضاً: - بأن عمر ﵁ وعلي وابن مسعود وغيرهم تعاملوا بالمزارعة. = والقول الثاني: ان المزارعة لا تشرع. واستدلوا على هذا بدليلين: - الدليل الأول: ما جاء في الصحيح: ان النبي ﷺ نهى عن المحاقلة. والمحاقلة هي المزارعة. - والدليل الثاني: الحديث الذي تقدم معنا: من كان له أرض فليزرعها أو فليزرعها أخاه ولا يكريها أخاه بالثلث أو بالربع. والراجح في هذه المسألة هو الراجح في المسألة السابقة وهو أن المعاملة مشروعة عمل بها النبي ﷺ وأصحابه. وأما الأحاديث الناهية فتحمل على صورة خاصة منهي عنها وهي المزارعة على جزء معلوم من الأرض. - قال ﵀: - وتصح المزارعة: بجزء معلوم النسبة مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل، والباقي للآخر. قوله ﵀: (بجزء معلوم النسبة) يعني: مشاعاً. بجزء مشاع معلوم النسبة. وكأنه ﵀ اكتفى ببيان أن هذه الأجزاء تكون دائماً مشاعة وإلا لابد أن يعلم أن الجزء المعلوم النسبة لابد أن يكون مشاعاً. فلو أخذ ربع الأرض المحدد لبطلت بالإجماع. لو أخذ الربع الشمالي أو الشرقي أو الربع الذي في الوسط وعينه وحدده لبطلت. لكن يجب أن يأخذ جزءاً مشاعاً.

стр. 1755

لكن المؤلف ﵀ ترك كلمة مشاع لأنه بيينها في المعاملات السابقة. قوله ﵀: (مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل والباقي للآخر) يعني أنه إذا شرط لأحدهما فالباقي للآخر ولا نحتاج إلى تسميته. ودليل ذلك: - أن الحق لا يخرج عنهما فإذا حدد نصيب أحدهما فالباقي للآخر. - قال ﵀: - ولا يشترط: كون البذر والغراس من رب الأرض، وعليه عمل الناس. = ذهب الحنابلة إلى أنه لا يشترط أن يكون البذر من رب الأرض بل يجوز أن يكون من العامل. واستدلوا على هذا بدليلين: - الدليل الأول: أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من الزرع ولم يذكر اشتراط أن يكون البذر منه ﷺ . - الدليل الثاني: أنه جاء في النص ما يدل على أن البذر من اليهود - وهو قول الراوي: عن عمله ﷺ : بشطر ما يخرج منها يعتملوها بأموالهم. فدل هذا على أنهم زرعوها بأموالهم. - الدليل [الثاني]: ما صح عن عمر ﵁ أنه عامل الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر فله الشطر وإن جاءوا هم بالبذر فله كذا كذا. فدل الحديث على جواز أن يكون البذر من رب الأرض أو من العامل لأن عمر ﵁ جوَّز الأمرين. - الدليل [الثالث]: أن الحاجة تدعو إلى ذلك. إذ يكون العامل لديه البذر ورب الأرض ليس لديه بذر. = القول الثاني: أنه يشترط لصحة المزارعة أن يكون البذر من رب الأرض. واستدلوا على هذا: - بأن المزارعة والمساقاة تشبه المضاربه ونحن نشترط في المضاربة أن يكون المال من رب المال. فكذلك في المزارعة تكون الأرض والبذر من رب الأرض وإنما يكون من العامل شيء واحد فقط وهو العمل. والجواب على هذا الدليل: أن هناك فرقاً واضحاً بين المال في المضاربة والبذر في المزارعة لأن المال في المضاربة يعود إلى صاحبه وهو رب المال بينما البذر لا يعود إلى صاحبه. والراجح القول الأول ... ((الأذان)) - قوله ﵀: - والغراس. الغراس هو دفع شجر لمن يغرسه بجزء من الشجر لا من الثمر. وهذا هو الفرق بين الغراس والمساقاة.
следующие страницы →