- الدليل الثاني: أن المنع في تصرف الغاصب إنما هو لحق المغصوب وكل عقد منع منه لحق المغصوب أو لحق الآدمي فيتوقف في صحته على إذن هذا الآدمي. يعني: صاحب الحق.
= القول الثالث: التفريق بين العبادات والمعاملات فإن تصرف تصرفات مبنية على العقود فهي باطلة. وإن تصرف بالمغصوب في العبادات صحت.
- لأن النهي في تصرفه في العبادات لأمر خارج عن العبادة لا لأمر يتعلق بالعبادة والنهي في العقود لأمر يتعلق بالعبادة لأن من شروط العين محل العقد أن تكون مملوكة كما تقدم معنا في شروط البيع.
والراجح القول الثاني مع وجاهة في الحقيقة القول الثالث. لكن الراجح إن شاء الله أنه إذا أذن المغصوب فلا حرج.
* * مسألة/ إذا أبطلنا تصرفات الغاصب فهل الأولى أن يعطى نصيب من العين المغصوبة أو يحرم؟
لأنه تعلمون أن العين المغصوبة قد ينميها الغاصب وتبلغ أموالاً طائلة فهل الأولى أن نقول للمغصوب عليك أن تعطي الغاصب بعض هذه الأموال يستحب شرعاً؟ أو لا؟
الجواب: أن في هذا تفصيل: ـ فإنه كان الغاصب تاب توبة حسنة ومع ذلك يخشى من ارتداده إذا لم يعط شيئاً فإن الأولى - ولا نقول الواجب - والأحسن أن يعطى. وإلا فلا. يعني: بأن كشف وأخذ منه المال قصراً ولم يتب ولم يبد ندماً ولا رجوعاً فحينئذ لا يعطى.
- قال ﵀:
- والقول في قيمة التالف أو قدره أو صفته: قوله.
القول في هذه المسائل الثلاث قول الغاصب.
فإذا اختلفوا في قيمته أو اختلفوا في قدره أو اختلفوا في صفته فالقول قول الغاصب.
- لأن الغاصب ينكر الزيادة والأصل براءة الذمة.
فإذا اختلفوا في قيمة العين التالفة فقال المغصوب منه قيمتها مائة وقال الغاصب قيمتها خمسين فالقول قول الغاصب إلا إذا دلت القرائن وشهد أهل الخبرة بقول المغصوب فحينئذ فالقول قوله ولو زاد.
(وفي قدره) يعني: لو قال: هي مائة وخمسين المغصوبة وقال المغصوب بمنه بل مائتين فالقول قول الغاصب.
والثالثة: (صفته) بأن قال الغاصب: العبد المغصوب جاهل ولا يحسن الكتابة ولا الحساب.
وقال المغصوب منه: بل عالم. ويحسن الحساب والكتابة فالقول قول: الغاصب. ويصح جاهلاً ويسترد العين على هذا الأساس وليس له الفرق بين قيمته عالماً وجاهلاً.
стр. 1857
لما ذكر المؤلف ﵀ المسائل التي القول فيها قول الغاصب انتقل إلى المسائل التي القول فيها قول المغصوب.
- قال ﵀:
- وفي رده أو تعيبه: قول ربه.
إذا تنازع الغاصب والمالك في أن العين هل ردت أو لم ترد فالقول قول المالك.
وإذا تنازعوا هل كلن هذا العيب الموجود الآن في المغصوب من الأصل أو وجد عند الغاصب فالقول قول المالك.
- لأن الأصل في الرد عدمه والأصل في العين عدمه.
ولما كان الأصل في جانب المالك صار القول قوله.
- قال ﵀:
- وإن جهل ربه: تصدق به عنه مضموناً.
وإن جهل مالك المغصوب تصدق عنه مضموناً.
دل كلام المؤلف ﵀ على حكمين: ـ أن الحكم أنه يتصدق إذا جهل المالك.
التعليل: أنه يتصدق: - أنه تعذر على الغاصب رد المغصوب وإذا تعذر الشيء رجعنا إلى بدله. والبدل هنا أن يتصدق به مضموناً هذا هو البدل بكل ما يحمله من تفاصيل يتصدق وأيضاً مضموناً.
ما معنى مضموناً؟
يعني: إذا تصدق بالعين ثم جاء المالك أي المغصوب منه وطالب بالعين فإن المغصوب ملزم برد العين ولو كان تصدق بها على أن الثواب للمغصوب منه. فإن اختار المغصوب منه وهو المالك للعين ردها إليه والثواب يكون للغاصب وإلا بقي الثواب للغاصب.
= والقول الثاني: أنه ليس له أن يتصدق بها. ليس له أن يفعل هذا الفعل بل يجب عليه أن يدفعها إلى نائب الحاكم.
وعللوا هذا:
- بأنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملك غيره. والأمانات تحفظ عند نائب الحاكم.
والراجح: الأول. لأنه أحظ للمالك. وجه ذلك: أن السلعة إذا وضعت عند نائب الحاكم ربما تبقى هكذا لمدة سنين.
بينما إذا تصدق بها عنه فإن الأجر يجري عليه من حين الصدقة وهو مع ذلك لم يخسر العين لأنه لو جاء وطالب بها لحصلها.
فقوة هذا القول ظاهرة إن شاء الله.
تأتي معنا المسألة السابقة تماماً إذا قلنا يتصدق به فهل له أن يأخذ لنفسه؟ أو ليس له أن يأخذ لنفسه؟
= الحنابلة يرون أنه لا يأخذ لنفسه ولو كان فقيراً ولا يعطي أحداً من أقربائه أو من تربطه بهم صلة.
إذاً يجب أن يعطي شخصاً أجنبياً تماماً.
= والقول الثاني: وهو اختيار شيخ الإسلام. أن له أن أخذ من هذا المال بشرطين:
стр. 1858
ـ الشرط الأول: أن يكون محتاجاً فقيراً. ـ الشرط الثاني/ أن يكون تائباً نادماً.
إذا تحقق الشرطان فله أن يأخذ.
واستدل على هذا: - بما تقدم: أنه يخشى عليه الرجوع عن التوبة إذا ألزم بإخراج جميع المال.
واستدل بأمر آخر: - وهو قوله: أنه إذا أجزنا له أن يتصدق على الفقراء فهو من جملة الفقراء بل هو يفوق الفقراء بسبب استحقاق وهو أنه حصل هذا المال.
- قال ﵀:
- ومن أتلف محترماً، أو فتح قفصاً أو باباً، أو حل وكاء أو رباطاً أو قيداً، فذهب ما فيه، أو أتلف شيئاً ونحوه: ضمنه.
المؤلف ﵀ بدأ الكلام عن ضمان الإتلافات بغير غصب. ولذلك كانت في الحقيقة هذه المسائل جديرة بأن يضع لها المؤلف ﵀ فصلاً خاصاً وهي أجدر من تصرفات الغاصب الحكمية لأنه انتقل إلى جنس آخر جديد ليس من باب الغصب وإنما ألحق به لمشابهته إياه.
وهي الإتلافات التي ليست على سبيل الغصب. فكان من المناسب جداً فيما أرى أن يضع فصلاً لهذا دون تصرفات الغاصب الحكمية.
- يقول ﵀:
- ومن أتلف محترماً، أو فتح قفصاً ... إلى آخره.
القاعدة لهذه المسائل أن من أتلف مالاً محترماً لغيره بغير إذنه ضمنه مطلقاً.
ومعنى مطلقاً أي سواء كان جاهلاً أو عالماً أو سواء كان مكلفاً أو غير مكلف.
ففي جميع الصور يضمن.
تعليل ذلك: - أن هذا المتلف فوت المال على صاحبه فضمنه له. وهو تعليل صحيح. لأنه لما كان هو سبباً في الإتلاف فلابد أن يكون الضمان في ذمته.
وما سيذكر بعد هذا ليس إلا أمثلة. وهذه الأمثلة كما سيأتينا وستلاحظ ذلك إن شاء الله تشترك في معنىً واحد وهو أن يكون سبباً في الإتلاف فإذا كان سبباً في الإتلاف فيجب عليه أن يضمن.
وسيأتينا في بعض المسائل خلاف وستلاحظ أن الخلاف مبني على: هل يتحقق فيه أنه سبب أو لا يتحقق أنه سبب فسياتينا أنه دائماً الخلاف مبني على هذا المعنى.
* * المسألة الأولى/ يقول ﵀: (فتح قفصاً) يعني فتح القفص عن طائر فطار فالذي فتح القفص هو السبب في هروب الطير وفي تفويته على صاحبه فضمنه.
وهل هذا غصب؟ هل هو غصب الطائر؟ لا لم يغصب الطائر وإنما فوته على صاحبه.
وهو أمر ظاهر.
стр. 1859
* * قال ﵀: (أو باباً) يعني: أو فتح باباً فخرج ما كان مقفلاً عليه فيه.
يعني: يفتح باب الاصطبل فتهرب الخيول أو يفتح باب الدواجن فتهرب الدجاج أو أي مثال آخر.
المهم أن خروج من بداخل الباب كان بسبب فتح الباب.
فإن جاء وفتح الباب وكان الذي في الغرفة من الحيوان أو الطير مربوط فهل يضمن؟ ( ... ) لأن فتح الباب لم ينتج عنه ( ... ) فإن كان الباب مقفل وجاء رجل وكسر الباب ثم جاء آخر وحل رباط الخيل فالضمان على من؟ على الثاني لأنه مباشر لتفويت المالية. ودائماً الضمان على المباشر لا على المتسبب.
* * يقول: (أو حل وكاء). يعني: حل وكاء إناء فيه شيء مائع ولابد أن نقول: وانسكب المائع.
قإن حل الرباط لإناء فيه مائع وبقي المائع في الإناء فلا ضمان لأن المالية لم تفت أصلاً.
فإذاً مقصود المؤلف ﵀ أنه حله وترتب على هذا الحل الإنسكاب.
* * قال ﵀: (أو رباطاً) يعني: لو حل الرباط عن دابة أو حل الرباط عن سفينة وذهبت في البحر فإنه يضمن.
وهل من ذلك: أن تكون السيارة مسحوب ما يسمى: (بصمام الأمان) ثم لما فك هذا البريك مشت السيارة وصدمت يضمن أو لا يضمن؟
لأن تفويت المالية الخاص وهو النقص في هذه العين كانت بسبب من حل هذا الرباط.
* * قال ﵀: (أو قيداً) يعني: حل قيد العبد أو الأسير فذهب وفات وكأنه يقصد أن القيد يعبر به عمن يعقل والرباط يعبر به عمن لا يعقل وإلا المسألة واحدة.
* قال ﵀: (أو أتلف شيئاً ونحوه) هل هذه العبارة: (أو أتلف شيئاً) هو يقول: (من أتلف محترماً) لماذا يعود فيقول: (أو أتلف شيئاً) الضمير في: (أو أتلف شيئاً) لا يعود إلى الغاصب وإنما يعود إلى هذا الذي فك رباطه أو حل رباطه أو فتح بابه.
فإذا أتلف شيئاً فالغاصب يضمن وليس مالك الحيوان.
لماذا؟ لنفس العلة. وهي أن تفويت المال كان بسبب من حل الرباط. ((الأذان)).
- قال ﵀:
- وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان: ضمن.
وكذلك يضمن لو جنت الدابة برجلها أو فمها أو يدها.
وتعليل الحكم في المسألتين: يعني إذا عثر بها الشخص أو جنت هي بيدها أو رجلها:
стр. 1860
- أن هذه الجناية كانت بتعدي صاحب الدابة حيث أوقفها بطريق المسلمين. مع العلم أن الطريق ضيق.
فلما صار عمله فيه تعدي ترتب على ذلك الضمان.
وهذه المسألة ليس فيها مباشرة الإتلاف ولكن فيها التعدي الذي سبب الإتلاف فهذا هو تعليل وجوب الضمان وذكروا أيضاً حديثاً وهو أنه يروى أن النبي ﷺ قال: (من أوثق دابة في طريق المسلمين فأتلفت في يدها أو رجلها فهو ضمان) لكن هذا الحديث ضعيف ضعفه الأئمة كلهم ولا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ وإن كانت معناه صحيحاً.
وفهم من كلام المؤلف ﵀ أن الطريق إذا كان واسعاً فإنه لا ضمان.
وهذا فيه عن الإمام أحمد ﵀ روايتان:
= الأولى: أنه لا ضمان.
- لأن إيقاف الدابة في الطريق الواسع لا يعتبر من أنواع التعدي.
= والرواية الثانية: أن عليه الضمان ولو كان الطريق واسعاً.
والرواية الأولى هي الراجحة إن شاء الله ورجحها عدد من محققي الحنابلة وهي كما ترى ظاهرة القوة لأنه لا يوجد أي نوع من أنواع التعدي إذا وقف الإنسان دابته بطريق واسع.
والأحكام التي قيلت في الدابة تنطبق تماماً على السيارة فإذا أوقفها في طريق ضيق كما يحصل كثيراً الآن فهو ضامن لما يترتب على هذا الإيقاف.
وإن أوقفها في طريق واسع فلا حرج عليه.
إلا أنه يستثنى من ذلك إذا أوقف الإنسان السيارة في طريق ضيق ولكن خصص فيه أماكن رسمية للوقوف إذا أوقفها في هذه الأماكن الرسمية فلا ضمان ولو في طريق ضيق لماذا؟ لأن الحكم يدور مع علته. وهو التعدي وهو هنا لم يتعد.
- قال ﵀:
- كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقره خارج المنزل.
أي وكذلك: يضمن إذا أتلف الكلب العقور شيئاً من الآدمي في صورتين:
ـ أن يتلفه خارج البيت.
ـ الصورة الثانية: أن يتلفه داخل البيت ويكون الداخل دخل بإذنه.
ففي الصورتين يضمن صاحب الكلب ما ترتب على إتلافه.
التعليل؟ التعليل في ذلك:
- أن صاحب الكلب العقور متعد بإمساك الكلب العقور أصلاً فإذا الإمساك محرم فما يترتب على هذا الفعل المحرم مضمون لأن فعله لم يؤذن به شرعاً فما ترتب عليه فهو مضمون.
стр. 1861
ودلت عبارة المؤلف ﵀ على أنه إذا أتلف الكلب العقور مار إنسان دخل البيت بغير إذن فلا ضمان لأنه دخل بغير إذن فليس محترماً شرعاً.
وأيضاً: لو أتلف الكلب العقور مال رجل بسبب أن الرجل جاء إلى الكلب العقور وهو مربوط: فإنه لا ضمان.
والصورة الثالثة والأخيرة: لو أتلف الكلب العقور مال رجل لكن صاحب الكلب كان سبق منه التحذير فأيضاً في هذه الصورة لا ضمان.
ففي هذه الصور الثلاث لا ضمان وفي الصور الثلاث الأولى هناك ضمان.
بقينا في مسألة حفظ المواشي بالليل وحفظ الزروع في النهار وهي مسألة طويلة نجعلها في الدرس القادم.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
стр. 1862
الدرس: (٤٣) من البيع (١)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كنا توقفنا بالأمس على مسألة إتلاف البهيمة ,والتفريق بين الليل والنهار أليس كذلك؟ إنتهينا من (كالكلب العقور).
- قال ﵀ (وما أتلفت البهيمة من الزرع ليلا ضمن صاحبها وعكسه النهار).
أفاد المؤلف ﵀ أنّ ما تتلفه البهيمة بالليل فإنه يضمن وما تتلفه بالنهار فإنه لايضمن ,وهذا التفريق هو مذهب الحنابلة.
استدلوا على هذا بأدلة. الدليل الأول"ماروي أنّ النبي ﷺ قضى على أهل الأموال بحفظها في النهار ,وعلى أهل المواشي بحفظها في الليل. وهذا الحديث اتفقوا على أنه مرسل. لايصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ ومع ذلك فإنّ الإستدلال به صحيح. لأنه يتوافق مع ظاهر القرآن كما سيأتينا. بالإضافة إلى أنّ فقهاء أهل الحديث لاسيما فقهاء أهل الحجاز قبلوا هذا الحديث واستدلوا به وتداولوه وهذا عند أهل العلم يعطي الحديث المرسل قوة. قبول العلماء للحديث يعطي الحديث قوة ,فإذا تأيّد هذا المرسل بأمرين: قبول العلماء له. وتأيّد ظاهر القرآن له. ونتج من ذلك صحة الإستدلال به.
стр. 1863
الدليل الثاني" أنه جرى العرف بأنّ أصحاب المواشي يرسلون مواشيهم في النهار لترعى ,وأنّ أصحاب الأموال يحفظون أموالهم بالنهار فإذا تعدت البهيمة على المال نهاراً. فإنه لايعتبر صاحب البهيمة متعدّي فلا يضمن لأنه تقدم معنا أنّ سبب الضمان هو التعدّي.
هذا الدليل الثاني للحنابلة فتكون أدلتهم اثنان.
القول الثاني: أنّ أصحاب المواشي يضمنون ليلا ونهاراً يعني مطلقاً. واستدل أصحاب هذا القول بأنّ الجناية كانت بسبب ترك صاحب البهيمة لبهيمته ,فلما كانت الجناية أو الإتلاف بسبه ضمن ,
الدليل الثاني "القياس على جناية العبد فإنها مضمونة مطلقاً. وهذا القول ضعيف جدا.
القول الثالث " أنّ أصحاب المواشي لايضمنون مطلقاً لا ليلاً ولانهاراً. واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه (العجماء جرحها جبار) يعني هدر وهو في الحقيقة نصّ في المسألة. فدّل الحديث على أنّ ماتتلفه البهيمة فهو هدر مطلقاً. ولم يفرق الحديث بين الليل والنهار. والراجح إن شاء الله المذهب. ودليل ذلك أنّ حديث المذهب وإن كان مرسلاً إلاّ أنه أخص في المسألة من حديث أصحاب القول الثالث لأنه عام ,وتقدم معنا مراراً تكراراً أنّ الخاص مقدم على العام ,مادام صححنا الإستدلال
بهذا الحديث المرسل فهو خاص ويقدم على العام ,
مسألة /إذا حكمنا على أنّ أصحاب المواشي يضمنون بالليل ,فهذا مشروط على الصحيح من قولي أهل العلم, بأن يفرطوا ,فإن لم يفرطوا فإنهم لايضمنون ولا بالليل ,فإذا قام صاحب الماشية بحبسها والتأكد من عدم خروجها وتوثيقها ثم خرجت بعد ذلك بلا تفريط منه فلا يضمن ,ولو كان الإتلاف بالليل ,وأما إذا فرط لم يحبسها ولم يجعلها في مكان لاتخرج لتؤذي فإنه يضمن.
стр. 1864
القول الثاني: أنّ أصحاب المواشي يضمنون ماأتلفت المواشي بالليل مطلقاً ,فرطوا أو لم يفرطوا ,والصحيح إن شاء الله كما قلت القول الأول ,لأنه إذا لم يفرط فليس منه ما يوجب الضمان. والأصل كما سيأتينا إن شاء الله أنّ ماتتلفه البهيمة هدر, وبهذا عرفنا حكم مايتلف من قبل البهائم. باقي تنبيه واحد وهو أنّ إتلاف البهائم ينقسم إلى قسمين: إما أن تتلف ويد صاحبها عليها. أو تتلف ويد صاحبها ليست عليها. وهذه المسألة التي ذكرنا فيها الخلاف وتحدثنا عنها هي من القسم الذي تتلف فيه البهيمة ويد صاحبها ليست عليها, يعني أنه لايتحكم بها ,إذاً هذا الخلاف في أي النوعين ,في أن تكون يده عليها , أو ليست عليها؟ ليست عليها. فإن كانت يده عليها فهو قسم آخر سيتحدث عنه المؤلف بالتفصيل. فيجب أن تعلم أنّ هذا الكلام محمول على ما إذا كانت يده ليست على البهيمة
- ثم قال ﵀ (إلاّ أن ترسل بقرب ما تتلفه عادة).
لما قرر المؤلف أنّ أصحاب البهائم لايضمنون بالنهار مطلقاً , استثنى هذه الصورة وهي ما إذا أطلقها في النهار قرب ما تتلف. ففي هذه الحالة يضمن. والسبب أنه لما جعلها تقرب ما تتلفه عادة فرط وتعدّى ,فضمن لذلك.
والقول الثاني: وهو المذهب أنّ أصحاب البهائم لايضمنون بالنهار مطلقاً, سواء أطلقوها قرب ماتتلف عادة أو لم يطلقوها. واستدل أصحاب هذا القول وهم الحنابلة وهو المذهب المؤلف خالف المذهب في هذه المسألة. استدلوا بعموم الحديث فإنّ النبي ﷺ قضى على أصحاب الأموال بحفظها في النهار. ولم يفرق بين أن يطلق أصحاب المواشي مواشيهم قرب ماتتلف أو يطلقوها بعيداً عن ماتتلف. ولذلك نقول الراجح إن شاء الله القول الثاني. وهو المذهب ومما يدل على صحة قول الحنابلة أنه يعسر على الإنسان مراقبة البهيمة, لكي تقترب مما تتلفه في العادة ,فإنها هذه بهيمة والتحكم فيها ومراقبتها في النهار وهي ترعى فيه مشقة وعسر, فهذا ايضاً مما يدل على قوة القول الثاني وهو عدم الضمان في النهار مطلقاً.
- قال ﵀ (وإن كانت بيد راكب أو قائد أو سائق ضمن جنايتها بمقدمها لا بمؤخرها).
стр. 1865
لما ذكر المؤلف القسم الأول , وهي إذا كانت ليست عليها ذكر هذا القسم الثاني , وهي إذا كانت تحت يد المالك , وتكون تحت يد المالك في ثلاث صور: أن يكون راكب. وأن يكون قائد وهو الذي يمشي أمام البهيمة. وأن يكون سائق وهو الذي يمشي خلف البهيمة , هذه هي الصور التي تكون يد صاحب البهيمة عليها. ومعنى قول الشيخ هنا وإن كانت بيد راكبها مقصود المؤلف يعني وكان قادراً على التحكم فيها ,فثبوت حكم اليد يشترط فيه أن يكون قادراً على التحكم فيها , فإن لم يكن قادراً على التحكم فيها فتعتبر ليست تحت يده وإن كان قائداً أو سائقاً أو راكباً.
نأتي إلى الحكم يقول المؤلف ﵀ (وإن كانت بيد راكب ................. لابمؤخرها).
أفاد المؤلف أنّ الحنابلة يرون أنه إذا كانت الدابة تقاد من قبل المالك أو وكيله , فإنه يضمن ماتتلفه بمقدمها يعني بيدها أوفمها ,ولايضمن ماتتلفه بمؤخرها يعني برجلها. هذا هو المذهب. لكن الحنابلة قيّدوا عدم الضمان فيما يتلف بالرجل , أن لايكون الإتلاف بالوطء. بأن يكون بالرمح, فإن كان الإتلاف بالوطء فيضمن ولو بمؤخرها ,ولذلك كان من الأحسن أن يقول الشيخ هنا لابمؤخرها إذا كان رمحاً , فإن كان بالوطء فهو يضمن , ماهو دليل الحنابلة التفريق بين الرمح والوطء؟ قالوا أنّ سائق الدابة منعها من الوطء بالتحكم بها , ولايستطيع منعها من الرمح , لأنه لايعلم متى يصدر أليس كذلك؟ لايمكن له أن يتحكم بالرمح , هذا هو دليل التفريق في إتلاف البهيمة بمؤخرها بين الوطء والرمح.
نأتي إلى دليل الحنابلة على القول برمته , وهو التفريق بين المقدم والمؤخر , استدل الحنابلة على هذا بدليلين: الدليل الأول أنّ النبي ﷺ قال (رِجل العجماء هدر) أوقال (رِجل العجماء جبار) فهذا الحديث يدل على أنّ رِجل العجماء لاتضمن ويدل بمفهومه أنّ يدها وفمها تضمن ,به جناية البهيمة. واستدلوا بدليل آخر وهو أنّ من وضع يده على البهيمة يسهل عليه التحكم بمقدمها ومنع الجناية به ويصعب عليه التحكم بمؤخرها. إذا الآن إن شاء الله تصورنا مذهب الحنابلة ودليل الحنابلة.
стр. 1866
القول الثاني: أنّ قائد البهيمة لايضمن مطلقاً إلاّ إذا أتلفت بسبب من القائد ,فإن أتلفت بغير سبب من القائد ولاتفريط ولاتعدّي فلاضمان. وهذا مذهب المالكية واستدلوا على هذا بأنّ القائد إذا لم يفرط وليس منه سبب في جناية البهيمة فإنه لايضمن لأنه ليس سبباً في الجناية. ونحن نقول دائما سبب الضمان , أو علة الضمان. أن يكون المتلف سبباً في الإتلاف , وهنا ليس القائد سبباً في الإتلاف القول الثالث: أنه لاضمان مطلقاً , فيما أتلفته البهيمة ولو كانت يد صاحبها عليها. لعموم قوله ﷺ (العجماء جرحها جبار) والحديث لم يفرق بينما إذا كانت اليد على البهيمة أوليست على عليها, الراجح بإذن الله إن شاء الله في هذه المسألة المهمة القول الثاني وهو مذهب المالكية. وهو أنه يضمن إن كان بسببه, وإن لم يكن بسببه فإنه لايضمن.
وجه الترجيح. أنّ قائد الدابة إذا كانت يده عليها فله نوع تصريف ومنع. فإذا صرفها ومنعها عن أن تتلف ثم أتلفت فإنه لم يفرط.
стр. 1867
وإذا كانت يده عليها وتركها تتلف فإنه ماذا؟ مفرط. وهو في الحقيقة كلام جميل جداً من الإمام مالك ومتوافق إن شاءالله مع النصوص العامة. التي لاتكلف الإنسان ما لايدخل تحت قدرته. وكما قلنا في مسائل كثيرة أنّ مسائل البهيمة تنطبق على ماذا؟ على السيارات فالآن إذا حصل الحادث والسيارة ليس فيها أحد , فإنه لايحمل قائد المركبة شيء لأنه يده ليست على المركبة , إلاّ إذا تعدّى كما تقدم معنا في مكان الوقوف , فإذا جاء صاحب السيارة ووضع السيارة في مكان صحيح. لم يتعد فيه ثم صدمت السيارة ومات الصادم, فإنه ليس على صاحب السيارة المصدومة الواقفة, أيُّ تبعة لماذا؟ لأنه يده ليست على السيارة وليس منه لاتعّدي ولا تفريط, نبقى فيما إذا حصل الحادث وهو يقود السيارة , وهي التي نسميها ويده على السيارة ,فمقتضى كلام الحنابلة أنه لو انصدم مع الأمام يضمن. وإن صدم مع الخلف فإنه لايضمن , هذا مقتضى كلام الحنابلة , ومقتضى كلام المالكية أنه إن كان الحادث بنوع من التفريط فإنه يضمن. وإن كان ليس منه تفريط فإنه لايضمن , التفريط هذا يرجع في تقديره إلى العلماء. وأهل الإختصاص في آن واحد. فمثلاً من التفريط السرعة الزائدة. من التفريط ترك الكفرات وهي على وشك الفساد ,من التفريط المشي بالسيارة وهي كثيرة التوقف ,لأنّ هذا من أعظم الأخطار , لأنه إذا كانت السيارة كثيرة التوقف فمن المتوقع أن تتوقف في مكان يؤدي إلى الحادث من قبل اللي يمشي خلف السيارة ,صور التفريط كثيرة المهم إذا كان منه تفريط فإنه يضمن ,وإذا لم يكن منه أيّ تفريط بأيّ صورة من الصور فإنّ تضمينه في الحقيقة لاوجه له. أو بعبارة أهون فإنّ تضمينه مرجوح. لأنّ مذهب المالكية في هذا أقوى وأوجه وألصق بالأصول من التضمين المطلق.
- قال ﵀ (وباقي جنايتها هدر).
стр. 1868
أفادنا المؤلف أنّ الأصل في جناية الدواب أنها هدر , هذا هو الأصل , ولايستثنى من هذا إلاّ الثلاث صور التي ذكرها المؤلف. وهي ما إذا أوقفها في طريق ضيّق , وما إذا خرجت في الليل أو في النهار؟ في الليل. وما إذا كانت يده عليها. هذه ثلاث صور تضمن فيها إتلافات البهيمة. فيما عدا هذه الصور فإنّ الأصل في البهيمة عدم الضمان لعموم قوله ﷺ (جرح العجماء جبار) أو قال (العجماء جرحها جبار) هذا الحديث يؤصل هذه القاعدة , وهي أنّ الأصل في البهائم عدم الضمان.
- قال ﵀ (كقتل الصائل عليه).
يعني كما أنّ من قتل الصائل عليه لايضمن , فإذا صال زيد على عمرو وقام عمرو بقتله , فإنه لايضمن سواء كان الصائل يريد النفس أو العرض أو المال , ويشترط لهذا شرط مهم جداً , وهو أن لايمكن دفعه إلاّ بالقتل , فإن أمكن دفعه بدون القتل وقتله فإنه يضمن.
وأما ماذا يضمن؟ وهل نعتبره قتل خطأ أو عمد؟ فهذا يرجع للقاضي وملابسات القضية ,لكن نحن يعنينا الآن أنه يضمن. لماذا؟
لأنه إذا أمكن دفعه بدون القتل ودفعه بالقتل فهو متعدّي , ونحن نقول الضمان دائماً ملازم لقضية ماذا؟ لقضية التعدّي.
بناء على هذا لايقبل في المشاجرات البسيطة , الزعم أنه دفعه دفع صائل , فليس من المقبول, إذا قال رجل لآخر انصرف عن هذا المكان وأغلظ له القول أن يقوم ويقتله , ويقول هذا من دفع الصائل , كأن يتكلم عليه بغلظة , نقول هذا يمكن دفعه أصلاً بغير الضرب أليس كذلك؟ بل الواجب أن يعرض عنه الإنسان , كذلك لوقام زيد بضرب عمرو ضرباً ليس مبرح ولاخطر , ثم يزعم أنه دفعه دفع صائل بقتله , فإنه لايقبل , أما لو إعتدى عليه في بيته أو في عرضه أو في ماله , أو شعر منه أنه يريد دمه ,فإنه حينئذ إذا دفعه
بالقتل فلا حرج عليه , وهذا الحكم بالإجماع. أنّ دفع الصائل الذي لايمكن دفعه إلاّ بالقتل لايترتب عليه ضمان بالإجماع.
لأنّ فيه حفظ للنفس.
- قال ﵀ (وكسر مزمار وصليب وآنية ذهب وفضة وآنية خمر غير محترمة).
ذكر الشيخ عدة أعيان كسرها لايضمن , فإذا كسر آلة المزمار أو آنية الذهب والفضة أو آنية الخمر أوالصليب فإنه لاحرج عليه.
стр. 1869
ولايضمن, الدليل أنه لايضمن أنّ هذه الأعيان ليس لها إعتبار في الشرع من حيث المالية , ولايجوز أن تباع ولاتشترى.
وكل ما لايجوز أن يباع ولايشترى فإنه لايضمن , وهذا الأمر أشبه ما يكون بالإتفاق , أنها لاتضمن , لكن بقينا في مسألة أخرى وهي أنك تلاحظ أنّ المؤلف عبّر بقوله كسر, ولم يعبر بقوله إتلاف , والواقع أنّ المذهب يقسم هذه الأعيان إلى قسمين:
القسم الأول" آلة المعازف والصليب. والقسم الثاني" آنية الذهب والفضة وآنية ماذا؟ الخمر.
إذاً القسم الأول آلة المعازف , والشيخ إنما ذكر المزمار على سبيل التمثيل , ولو أنه قال آلة الطرب والمعازف لكان أولى لأنّ هذا مقصود الحنابلة. هذا هو القسم الأول.
القسم الثاني" الأواني الذهب والفضة وآنية الخمر والخنزير.
ففي القسم الأول يجوز عند الحنابلة الكسر والإتلاف. فلو أنه أحرقها إحراقاً بحيث تلفت لم يعد لها وجود فلا حرج عليه ولاضمان وعمله مباح , ولو أنه حطمها إلى قطع صغيرة جداً بحيث لايمكن أن ينتفع منها بشيء فلا حرج عليه ولاضمان.
والقسم الثاني" آنية الذهب والفضة وآنية الخمر, فهذه لايجوز حتى عند الحنابلة. لايجوز فيها إلاّ الكسر دون ماذا؟ دون الإتلاف
وعللوا ذلك بأنّ الآنية من الذهب والفضة. مادتها محترمة ويمكن أن تصاغ دراهم ودنانير وينتفع منها.
стр. 1870
والقول الثاني: أنه لايجوز في إنكار آلة المنكر إلاّ الكسر فقط دون الإتلاف في جميع الأعيان , بشرط أن تكون هذه الأعيان مما يمكن الإنتفاع منها بعد الكسر. فإذا كانت مما يمكن الإنتفاع منها بعد الكسر, سواء كانت صليب, أو آلة معازف أو ذهب وفضة وآنية خمر فإنه لايجوز فيها إلاّ الكسر دون الإتلاف ,واستدلوا على هذا بأدلة الدليل الأول" أنّ المقصود من كسرها إنكار المنكر , وإنكار المنكر يحصل بتغيِير الصورة التي تقع فيها المنكرات , فإذا كسرنا المزمار, بحيث لايمكن أن ينتفع منه كمزمار ويمكن أن ينتفع منه كقطع خشب زال المنكر وبقيت المالية لصاحبها , واستدلوا الدليل الثاني. بما صح عن النبي ﷺ (أنّ عيسى ﷺ ينزل في آخر الدهر حكماً عدلاً قسطاً ويكسر ماذا؟ الصليب. فعبر بقوله يكسر مع العلم أنه يكسر الصليب وهو من النوع الأول أوالثاني؟ عندالحنابلة. من النوع الأول مع ذلك عبرّ بالكسر, فدلّ هذان الدليلان على أنّ الإنسان إذا أراد أن ينكر المنكر فإنه لايجوز له أن ينكره بالإتلاف ولكن ماذا؟ بالكسر. ويرى بعض الحنابلة أنّ جواز الإنكار بالإتلاف رواية رجع عنها الإمام أحمد ﵀ فإنه سئل عن هذه المسألة, فقال يتلف ولاحرج , فقال السائل فكيف بالمالية؟ كيف بماليتها التي ينتفع منها؟
فسكت الإمام أحمد , ثم سئل في مجلس آخر, وأفتى بالكسر دون الإتلاف. فقال الحنابلة سكوته في الأول ثم فتواه الثانية تدل على أنه ماذا؟ رجع ومن هنا نفهم أنّ الإمام أحمد ليس عنه نصّ صريح في الرجوع , ولكن الرجوع يفهم من ماذا؟ من مجموع الفتاوى على كل حال رجع أو لم يرجع. الراجح إن شاء الله القول الثاني وهو أنه يكتفى بالكسر إحتراماً للمالية. ولأنّ المنكر يزول بذلك.
والنبي ﷺ لما وجد الخمر أمر بماذا؟ بكسرها أمر بكسر الخمر. ولما وجد القرب أمر بماذا؟ بقطعها ومن المعلوم أنّ القربة إذا قطعت يمكن الإستفادة منها بأن تصنّع مرة أخرى, ولم يأمر ﷺ بإحراقها.
فهذا القول الثاني لعله إن شاء الله هو الأقرب وهوأحسن من تفصيل الحنابلة, وبهذا نكون إنتهينا من باب الغصب.
стр. 1871
باب الشفعة
جعل المؤلف ﵀ الشفعة بعد باب الغصب والسبب في هذا أنّ بين باب الغصب وباب الشفعة مناسبة , ماهي؟
في كل من باب الغصب وباب الشفعة القاسم المشترك بينهما, أنّ في كل منهما أخذ مال الغير بغير رضاه. لكن في الغصب بالباطل وفي الشفعة بالحق , لكن بينهما هذا القدر المشترك وهو أنّ في كل منهما أخذ مال الغير بغير رضاه , وهي لفته لطيفة ممن بحث عن المناسبة بين باب الشفعة وباب الغصب.
والشفعة في لغة العرب: تطلق على الضم , لأنّ الشفيع يضم المال الذي اشتراه المشتري إلى ماله. فلما كان فيها معنى الضم عبرو عنها بهذا المصطلح وهو الشفعة.
- ثم عرّفها الشيخ بالإصطلاح يقول الشيخ (وهي استحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي)
حقيقة الشفعة. هي أن تكون العين مملوكة لاثنين سواء كانت أرض أوغيرها. فيقوم أحد الشريكين ببيع نصيبه. فإذا باع أحد الشريكين نصيبه على طرف ثالث , فإنّ لشريكه أن يشّفع , ويأخذ هذا الجزء بنفس القيمة التي اشترى بها المشتري هذه هي الصورة العامة. ولانستطيع أن نمضي في الشفعة إلاّ وأنت متصور هذه الصورة العامة.
نرجع إلى التعريف يقول (هي استحقاق انتزاع حصة شريكه) يعني الذي باع. (ممن انتقلت إليه) وهو المشتري ثم قال (بعوض مالي) فالشفعة إنما تثبت إذا أخذ الطرف الثالث نصيب أحد الشريكين بعوض مالي كالبيع, وفهم من كلام المؤلف أنه إذا أخذه بغير عوض , أو بعوض لكن ليس عوضاً مالياً , فإنها لاتثبت الشفعة. إذا خرج بقوله بعوض مالي. أن تأخذ بغير عوض أو تأخذ بعوض لكنه ليس عوضاً مالياً , وسيصرح المؤلف بكل قسم من هذه الأقسام.
- يقول الشيخ ﵀ (بثمنه الذي استقر عليه العقد).
يعني أنّ الشفعة تثبت كحق للشريك. لكنه لايأخذ هذا النصيب من المشتري إلاّ بنفس الثمن الذي استقرّ عليه العقد , لابالقيمة لماذا؟ قال الحنابلة أنه يستحقه بالثمن لابالقيمة , لأنّ المشتري إنما أخذه بعقد شراء , والشريك إنما شفّع بناء على هذا العقد وهو عقد الشراء , فيأخذه بنفس الثمن , لابالقيمة سواء كانت القيمة أقل أو أكثر.
- قال ﵀ (فإن انتقل بغير عوض , أو كان عوضه صداقاً أوخلعاً أو صلحاً عن دم عمد فلاشفعة).
стр. 1872
الصورة الأولى إذا انتقل بغير عوض كأن ينتقل بهبة , أو بهدية , أو بصدقة , فإنه في هذه الحالة لاتشفيع. معنى لاتشفيع أنه لايمتلك الشريك حق الشفعة , ماهو الدليل" القياس على الميراث , فإنه لو انتقل نصيب أحد الشريكين إلى طرف ثالث بالإرث. فإنه لايملك التشفيع , أي الشريك الآخر بالإجماع.
الدليل الثاني" قالوا أنّ النصوص أشارت إلى أنّ التشفيع إنما يكون بعقد البيع , كقول النبي ﷺ (هو لك بثمنه). وهذا الحديث ضعيف.
القول الثاني: أنّ الشفعة تثبت ولو انتقل الشقص أو الجزء بغير عوض مالي كالهبة والهدية , واستدلوا على هذا بأدلة:
الدليل الأول" قالوا أنّ الشارع إنما شرع الشفعة لدفع الضرر عن الشريك بمشاركة طرف ثالث لا يريده , وهذا المعنى موجود سواء انتقل النصيب ببيع أو بهبة أو بصدقة , أليس كذلك؟
الدليل الثاني" قالوا نحن نقيس قياس أولوي على البيع , وجه القياس , قالوا إذا كان الشارع انتزع النصيب من المشتري وقد دفع فيه ثمناً, فلئن انتزع ممن أخذه بلا ثمن من باب أولى , لأنّ الهبة جاءت بثمن أو غير ثمن؟ بغير ثمن. فنحن ننتزع من المشتري وقد دفع فيه ثمن فكيف لاننتزعه من الموهوب وهولم يدفع فيه ثمن , وهذا القول في الحقيقة وجيه جداً كما ترى وهويتوافق إن شاء الله مع الأصل العام الذي شرعت الشفعة من أجله , فهو إن شاء الله أقرب.
- قال ﵀ (أوكان عوضه صداقاً , أو خلعاً , أو صلحاً عن دم عمد فلا شفعة).
يعني أو كان أخذ بعوض لكنه ليس عوضاً مالياً , ففي الصورة الأولى أخذ بغير عوض وفي الصورة الثانية أخذ بعوض غير مالي كأن يدفع الشريك نصيبه من الأرض مهراً , أو يدفع نصيبه من الأرض عوضاً في الخلع , أويدفع نصيبه من الأرض مقابل الدية التي ثبتت في القتل العمد , ففي هذه الصور الثلاث , أصبح أخذ مقابل عوض لكن هذا العوض ليس عوضاً مالياً , لأنّ الوطء والخلع وما يجب بالقتل ليس عوضاً مالياً , الدليل استدل الحنابلة على هذا بالقياس على المنع من الشفعة في الهبة , يعني فيما إذا انتقل الشقص بالهبة.
стр. 1873
القول الثاني: أنّ الشفعة تثبت فيما أخذ بعوض غير مالي واستدلوا على هذا بالقياس على البيع , وجهة القياس أنّ في كل من البيع والعوض الغير مالي أخذ للسلعة مقابل عوض , لكنه هنا مالي وهنا عوض غير مالي , لكن اشترك الأمران في أنه مقابل ماذا؟
عوض , أيهما أقوى قول الحنابلة في المسألة الثانية أوقول الحنابلة في المسألة الأولى؟ قولهم في المسألة الأولى أقوى والسبب أنّ غاية ما هنالك أنّ المسألة الثانية مقيسة على الأولى فهي أضعف من الأولى وإذا كنا نرجح في الأولى التي هي الأصل المقيس عليه خلاف
المذهب, فلَئن نرجح في المسألة المقيسة عليها خلاف مذهبهم من باب أولى. فالراجح إن شاء الله تثبت فيها الشفعة.
- قال ﵀ (ويحرم التحيُل لإسقاطها).
التحيل في إنتهاك المحرم أو الإمتناع عن الواجب محرم , والدليل على هذا قول النبي ﷺ (قاتل الله اليهود لما حرّم الله عليهم الشحوم أذابوها ثم باعوها ثم أكلوا ثمنها).
والحيلة في الشرع: هي الوصول إلى الأمر المحرم بطريقة ظاهرها الجواز , وقول المؤلف ﵀ وتحرم الحيلة يعني وإن فعل فلا عبرة بها , والحيلة في كل باب محرمة , وإنما نصّ المؤلف ﵀ على الحيلة في الشفعة لكثرة وقوعها , ومن الأشياء المفيدة التي ذكرها الحنابلة في هذا الباب صور كثيرة للحيل في الشفعة , من المفيد والمناسب أن تراجع هذه الصور لأنها تنمي الذهن نحن نأخذ هنا صورة واحدة , وهي الأكثر وقوعاّ, من صور التحيل في الشفعة أن يزعم البائع أنه باعها بمئة وخمسين , وهو باع في الباطن بخمسين ومقصوده من التشفيع , لأنّ الشفيع وهو الشريك إذا رأى أنّ السلعة دفع فيها أضعاف القيمة الحقيقية فسيمتنع من التشفيع لأنه إن شفّع فسيدفع القيمة أو الثمن؟ الثمن كما تقدم معنا , فإذا رأى أنها تضاعفت إمتنع عن التشفيع فهذه حيلة محرمة ,
وإذا تبيّن للقاضي أنه تحيّل بها , سقطت الحيلة واستحق الشريك أن يشفّع في هذا العقد.
- قال ﵀ (وتثبت لشريك في أرض تجب قسمتها).
стр. 1874
المؤلف يريد أن يبيّن الأشياء التي تصح الشفعة فيها, فعند الحنابلة لاتصح الشفعة أبداً في أيّ شيء, إلاّ في شيء واحد وهو الأرض أنّ الملك على سبيل الإشتراك التي تقبل القسمة الإجبارية , عدا هذا لايوجد تشفيع. إذاً لايملك الإنسان عند الحنابلة الشفعة إلاّ في شيء واحد, وهو ماذا؟ الأرض المملوكة على سبيل الإشتراك التي تقبل التقسيم على سبيل الإجبار.
أظنه واضح أليس كذلك؟ والمؤلف ﵀ عبّر بقوله الأرض , وغيره من الحنابلة عبرّو بقولهم العقار , وإذا رأيت كلمة العقار فاعلم أنّ المقصود بالعقار في باب الشفعة الأرض فقط. بناء على هذا خرجت الأشجار ليس فيها شفعة , لأنها ليست أرض , وخرجت الدار التي بيعت على سبيل الإنفراد , لأنّ الدار التي بيعت على سبيل الإنفراد ليست بأرض , أليس كذلك؟ أما إذا بيعت بالإضافة إلى الأرض فهي في الحقيقة بيع للأرض , إذاً عرفنا ماذا يقصد الحنابلة بالعقار وغيرهم من الفقهاء ماذا يقصدون بالعقار في باب الشفعة
إذاً الحنابلة لايرون ثبوت الشفعة إلاّ بالعقار , وخرج بهذا القيد ثلاث صور:
الصورة الأولى " المنقول فكل الأعيان المنقولة لاتثبت فيها الشفعة من الأشجار والسيارات والثمار والأمتعة والكتب وكل منقول.
استدلوا على هذا بأدلة: الدليل الأول" ماصح عن جابر ﵁ أنّ النبي ﷺ (قضى بالشفعة في كل مالم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فدل الحديث على أنّ الشفعة إنما تكون في الأراضي لأنها هي التي تصرف فيها الطرق , الدليل الثاني" قالوا أنّ الضرر اللاحق لأحد الشريكين إنما يقع إذا كان المبيع أرض , لأنها تراد للدوام , وأما عداها من المنقولات فليس فيها ضرر.
والقول الثاني: ثبوت الشفعة في كل شيء من المنقولات , واستدلوا على هذا بأدلة:
стр. 1875
الدليل الأول" عموم قول النبي ﷺ (قضى بالشفعة في كل مالم يقسم) وهذا الحديث قاعدة الباب وعليه جملة المسائل فهو حديث مهم في الشفعة حديث جابر هو أصل الشفعة , ففي الحديث يقول (قضى بالشفعة في كل مالم يقسم) وكل من ألفاظ العموم , الدليل الثاني" أنّ الضرر يقع في الإشتراك بالمنقولات كما يقع في الإشتراك بالأراضي , والشارع عندما شرع الشفعة
لدفع الضرر وهي واقعة في المنقولات , وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله أنّ الشفعة تثبت في كل مملوك على سبيل الإشتراك.
الصورة الثانية" التي خرجت في كلام المؤلف الأراضي التي لاتقبل القسمة إجباراً , والأراضي التي لاتقبل القسمة إجباراً , هي كل أرض لايمكن الإنتفاع بها مع القسمة, لصغرها أو لأيّ سبب آخر , فالأرض صغيرة جداً , إذا قسمت هل يمكن أن ينتفع بها الشريكان لأنّ كل قطعة أصبحت صغيرة لاينتفع بها , فالحنابلة يرون الشفعة فيما يقبل القسمة لافيما لايقبل القسمة , الدليل قالوا أنّ النبي ﷺ قال (لاشفعة في الرباع) وإنما قرر ذلك لصغره.
القول الثاني: أنها تثبت أي الشفعة , في الأرض التي تقبل القسمة إجباراً والتي لاتقبل إجباراً , واستدلوا على هذا , بأنّ الضرر الواقع على الشريك لبيع شريكه ودخول شريك جديد في الأراضي التي لا تقسم أكبر من الضرر الواقع في الأراضي التي تقسم , وجه ذلك.
أنه في الأراضي التي لاتقسم دخول الشريك الثالث. أوالشريك الثاني الجديد يكون على سبيل الدوام, لماذا على سبيل الدوام؟
لأنها لايمكن أن تقسم , فكيف نثبت الشفعة , فيما ضرره أقل, وننفيها فيما ضرره ماذا؟ أكبر والراجح إن شاء الله القول الثاني.
المسألة الثالثة" الشفعة للجار وهذه سينصّ المؤلف عليها.
- قال ﵀ (ويتبعها الغراس , والبناء).
((الأذان)).
يعني أنّ الشفعة تثبت في الغراس والبناء , تبعاً لا استقلالاً , وكما تلاحظ أنّ الشيخ صرّح بالبناء, إذا البناء في هذا الباب ليس
من العقار , وثبوت الشفعة في الغراس والبناء , بناء وتبعاً للأرض محل إجماع ممن يقول بمشروعية الشفعة.
стр. 1876
ونحن لم نذكر في بداية الباب مسألة مشروعية الشفعة , نستدركها الآن فنقول الشفعة مشروعة بالسنة والإجماع.
أما السنة /فحديث جابر الذي تقدّم معنا الآن أنّ النبي ﷺ (قضى بالشفعة في كل مالم يقسم).
وأما الإجماع /فقد حكاه أهل العلم إجماعاً , عن فقهاء أنّ الشفعة مشروعة , ولم يخالف في هذه المسألة إلاّ رجل واحد وهو الأصم وخلافه لاغي وغير معتبر , أولاً لأنّ الخلاف هذا في مقابل النصّ فلا عبرة به , وثانياً أنه خالف بعد ثبوت الإجماع , فإنّ الإجماع سابق لخلاف الأصم , فلا عبرة بخلافه في الحقيقة مطلقاً , فنستطيع أن نقول أنه يوجد إجماع صحيح.
نرجع إلى مسألتنا الغراس والبناء تابع للأرض , بالإجماع ممن يقول بمشروعية الشفعة.
- قال ﵀ (لاالثمرة والزرع).
يعني لاتثبت الشفعة في الثمرة والزرع لااستقلالاً ولاتبعاً , لاتثبت مطلقاً , واستدلوا على هذا بأن الثمر والزرع لايتبع البيع فكذلك لايثبت في الشفعة , واستدلوا على ذلك بحديث جابر لأنهم يرون أنّ الحديث وارد في الأرض فقط.
والقول الثاني: أنّ الشفعة تثبت في الزرع والثمر تبعاً للأرض , لأنّ الزرع والثمر تابع للأرض , وتابع الشيء يأخذ حكمه , وهذا صحيح , وهو أنه يثبت لاسيما على القول الراجح وهو أنّ الشفعة تثبت في كل شيء منقول أوثابت.
- قال ﵀ (فلا شفعة لجار).
لاتثبت الشفعة للجار عند الحنابلة , أولاً لحديث جابر , وثانياً لأنّ الضرر منتفي بالتقسيم فإنها إذا قمست الطرق وأخذ كل منهما أرضه لم يعد هناك ضرر يلحق الجار ببيع جاره للأرض.
القول الثاني: ثبوت الشفعة للجار مطلقاً , لقول النبي ﷺ (الجار أحق بشفعة دار جاره) ينتظر بها إذا كان غائباً إذا كان طريقهما واحد , واستدلوا أيضاً بقول النبي ﷺ (الجار أحق بسقب جاره) وحمل الحنابلة هذا الحديث الثاني لأنّ هذا الحديث الثاني صحيح في الصحيح , حملوه على البر والإحسان لا استحقاق الشفعة.
стр. 1877
القول الثالث والأخير: أنّ الشفعة تثبت في حال وتنتفي في حال , فتثبت إذا كان بين الجارين مصالح مشتركة تتعلّق بالعقار , كأن يكون طريقهما واحدة , وليس من الصواب أن نقول أو أن نقيّد هذا القول بأن يكون طريقهما واحد , بل نقول إذا كان بين الجيران مصالح مشتركة تتعلّق بالعقار سواء كان الطريق أوغيره , فإنها تثبت ماذا؟ الشفعة للجار, وأصحاب هذا القول أخذوا بأدلة القولين فاستعملوا دليل القول الأول ودليل القول الثاني وجمعوا بينهما , وهذا القول الثالث هو الصحيح إنشاء الله لأنّ فيه كما سمعت جمعاً بين
الأدلة وأخذاً بجميعها.
стр. 1878
الدرس: (٤٤) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما يتعلق بشفعة الجار تقدم معنا بالأمس وانتهينا منه.
- توقفنا على قول المؤلف ﵀:
- وهي على الفور.
= ذهب الحنابلة إلى الشفعة على الفور. بمعنى أنها إذا لم تطلب فوراً بطلت.
واستدل الحنابلة على ذلك بأدلة:
- الدليل الأول: ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (الشفعة كحل العقال).
- الدليل الثاني: أنها شرعت لدفع الضرر ولو بقيت على التراخي لدخل الضرر على المشتري لأن ملكه لا يستقر على العين التي اشتراها.
= والقول الثاني: ان الشفعة تثبت على التراخي.
ومعنى ذلك: أنها لا تسقط إلا إذا صدر عن الشفيع ما يدل على الرضا والعدول عن طلب الشفعة وإلا فهي باقيه.
واستدل هؤلاء:
- بأن الشفعة خيار ثبت لدفع الضرر فلا يسقط كخيار العيب.
واستدلوا كذلك:
- بأن الشفعة لا يتضرر المشتري من تراخيها لأنه في مدة الخيار ينتفع بالعين ثم إن بنى أو زرع أو غرس فإن الشفيع سيعطيه قيمة ما بنى أو غرس. فإذاً: لا ضرر على المشتري.
стр. 1879
والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة وذلك لأن الضرر واقع على المشتري ولو دفع له قيمة ما بنى أو غرس لأنه من المعلوم أنه وإن دفع له قيمة ما بنى أو غرس فإنه لن يدفع له ما يقابل جهده في البناء والغرس والمتابعة فكل هذا سيذهب عليه هدراً.
ثم إن القول بأن الشفعة على التراخي يؤدي إلى اضطراب عقود الناس إذ يأتي الشفيع بعد فترة طويلة ويقول: (شفعت) بعد أن جاء المشتري إلى الأرض التي اشتراها وبنى وغرس وتعلقت مصالحه فيها يأتي بعد ذلك الشريك ويشفع. وهذا لاشك أن فيه ضرر وفيه مفاسد.
فقول الحنابلة في هذه المسألة إن شتء الله هو الراجح. وهو الذي تستقر به معاملات الناس.
- يقول ﵀:
- وقت علمه.
مرادهم: (بوقت علمه). يعني: فور علمه بالبيع.
فإن أخر ولو تأخيراً يسيراً بطلت الشفعة.
- لأنها على الفور.
فالحنابلة في الحقيقة يتجهون إلى ضبط هذه المعاملة جداً وينص الإمام أحمد على أنه إذا علم يجب أن يطلب الشفعة فوراً فإن أخر بطلت.
وذلك للتوازن بين حقوق المشتري وحقوق الشفيع. ويستثنى من ذلك: ما كان من عذر.
- يقول ﵀:
- فإن لم يطلبها إذاً بلا عذر: بطلت.
يريد المؤلف ﵀ أن يبين الأشياء التي يستثنى فيها التأخير فيجوز التأخير في صورتين.
ـ الصورة الأولى: إذا كان التأخير مع بقاء المجلس.
ـ والصورة الثانية: إذا كان التأخير مع وجود العذر وهي المسألة التي نص عليها المؤلف.
نبدأ: بالصورة الأولى/
إذا أخر مع بقاء المجلس: فالصحيح أن هذا التأخير لا يبطل حقه في الشفعة لأن الوقت المتصل في المجلس لا يعتبر تأخيراً ولا تراخياً.
بدليل أن العقود التي يشترط فيها قبض السلعة قبل التفرق يكتفى فيها بالقبض أثناء المجلس ولو طال.
= والقول الثاني: أنه يجب أن يطلب الشفعة فور علمه فإن أخر ولو كان في المجلس بطلت الشفعة.
وهذا القول الثاني: ضعيف جداً. والقول الأول إن شاء الله أصح.
- لأن التأخير في المجلس لا يدخل الضرر لا على المشتري ولا على الشفيع ولا على أطراف العقد لأن المشتري لم يتمكن في فترة المجلس أن يعمل أي شيء في الأرض التي شفع فيها المشفع.
فالصواب إن شاء الله أن له أن يؤخر.
стр. 1880
* * المسألة الثانية/ أن يؤخر بعذر. وضرب الحنابلة لهذا العذر أمثلة يتضح من خلالها أنهم يشددون في الفورية: فيقولون مثلاً:
ـ من أمثلة العذر: أن يحتاج إلى دخول الحمام - هو المكان الذي أعد للاغتسال.
ـ ويمثلون بقولهم: أن يحتاج أن يأكل لشدة الجوع.
ـ ويمثلون بما إذا احتاج أن يؤخر ليصلي الفريضة وسنتها.
ففي مثل هذه الصور يجيز الحنابلة للشريك أن يؤخر طلب الشفعة.
واستدلوا على هذا:
- بأن التأخير في مثل هذه الصور لا يدل على الرضا وإسقاط الحق.
وألحق الحنابلة بهذه الصور ما إذا علم بالليل وانتظر إلى الصباح.
ولا شك أنك لمست من خلال الأمثلة أن عندهم تشديد في مسألة الفورية لا يسمحون بالتأخير إلا بشيء أشبه ما يكون بقريب جداً من الضرورة.
- ثم قال ﵀:
- وإن قال للمشتري: ((بِعْنِي)).
هذه المسائل تسقط فيها الشفعة أربع مسائل أو خمس مسائل تسقط فيها الشفعة.
ـ إن قال: (بعني). أو (قاسمني) سقطت الشفعة. وليس له الحق بعد ذلك أن يشفع.
التعليل: - قالوا: لأنه حين طلب أن يبيعه المشتري صار هذا علامة على رضاه بالشرى وإسقاط حقه بالشفعة.
إذ لو كان يريد الشفعة لشفع ولم يطلب الشراء.
صورة المسألة/ - حتى تتضح -: إذا اشترك زيد وعمرو في أرض وباع زيد نصيبه من الأرض. من الذي له حق الشفعة؟ عمرو.
زيد باع حقه من الأرض على خالد فإذا جاء عمرو وقال لخالد تبيع علي النصيب الذي اشتريته من شريكي فحينئذ سقط جقه في الشفعة.
لأن طلبه الشراء دليل على رضاه بالعقد وإسقاط حقه من الشفعة. هكذا يقول الحنابلة.
= والقول الثاني: أنه لا يسقط حقه في الشفعة.
- لأنه ربما ظن أنه لاحق له في الشفعة فطلب البيع بناء على ذلك.
والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة. إلا إذا دلت القرائن على أنه الشفيع طلب البيع جهلاً بحقوقه وإلا فإن الأصل أن الشفعة تسقط.
стр. 1881
وربما طلب الشفيع الشراء من المشتري عمداً وقصداً ليسقط الشفعة. ويكون له بذلك غرض صحيح مثل ماذا؟ مثل أن يريد أن يشتري النصيب بثمن أقل من الذي اشترى به هذا المشتري. - نحن تقدم معنا ان الشفيع إذا شفع يأخذه بنفس الثمن الذي اشترى به المشتري. ربما هو لا يريد أن يشتري بنفس الثمن فهو يذهب ليماكس المشتري الجديد من جديد لعله أن يسقط له من الثمن.
على كل حال/ نقول: مهما كان السبب الصحيح؟ إن شاء أنه إذا عرض البيع فإن حقه في الشفعة يسقط إلا إذا دلت القرائن على أنه عرض لجهله.
- ثم قال ﵀:
- ((أَوْ صَالِحْنِي))
إذا قال الشريك للمشتري: صالحني. بطل حقه في الشفعة - سقطت.
لدليلين:
- الدليل الأول: أنه بطلبه المصالحة أسقط حقه لأن الطلب دليل على الرضا - لأن هذا الطلب دليل على الرضا.
- الدليل الثاني: أنه بطلبه المصالحه فوت الفورية والفورية شرط من شروط طاب الشفعة.
- ثالثاً: أن شراء حق الشفعة لا يجوز عند الحنابلة. فليس لمن يملك حق الشفعة أن يبيع هذا الحق.
= والقول الثاني: صحة المصالحة على الشفعة.
صورة ذلك/ كما قلنا يكون لزيد وعمرو - يكونون شركاء في أرض فيقوم عمرو ببيع نصيبه من الأرض لخالد فيأتي زيد إلى خالد ويقول: أنا لي حق الشفعة صالحني عنه.
يعني: ادفع لي عوضاً لأسقط حقي من الشفعة.
هذه صورة المسألة التي نتحدث عنها.
فالقول الثاني: أن هذا يصح. لأن شراء الشفعة صحيح.
الدليل على صحته: - أن الشفعة حق ثابت فجاز الاعتياظ عنه لا سيما وأنه حق مالي.
وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله فتجوز المصالحة عن حق الشفعة.
- ثم قال ﵀:
- أو كذب العدل.
يعني: أو كذب من يملك الحق في الشفعة من أخبره بأن شريكه باع. فإذا كذبه سقط حقه في الشفعة.
الدليل:
- قالوا: لأنه فوت الفورية بلا عذر معتبر.
والحنابلة تقدم معنا أن لهم عناية خاصة بشرط الفورية.
فإذا جاء زيد من الناس لأحد الشريكين وقال: شريكك باع نصيبه فشفع فقال له: كذبت.
حينئذ يسقط حقه بشرط أن يكون المخبر: عدل.
وهذا صحيح.
стр. 1882
لأنه فوت الفورية بلا عذر وأي عذر في أن شخصاً عدلاً ثقة ينقل الأخبار على وجهها يخبرك بأن شريكك باع أرضه ثم تقول كذبت بلا مبرر. هذا يسقط حقك في الشفعة. - هذا يسقط الحق في الشفعة.
فمذهب الحنابلة في هذه المسألة صحيح.
- ثم قال ﵀:
- أو طلب أخذ البعض: سقطت.
يعني: لو طلب الشريك التشفيع في بعض الأرض التي اشتريت فإن حقه في الشفعة يسقط.
- لأن تبعيض الشقص المباع لا يجوز. لما فيه من الإضرار بالمشتري.
صورة المسألة/ يشترك زيد وعمرو في ملك أرض مساحتها مائة متر. باع زيد نصيبه وهو خمسين متر على خالد فجاء عمرو يريد أن يشفع ليأخذ الأرض من خالد لكنه قال: لا أريد إلا نصف الخمسين - بعض الأرض -.
= الحنابلة يقولون: سقط حقه في الشفعة. لماذا؟
- قالوا لأنه يدخل الضرر على المشتري لا هو الذي انتزعها كلها ولا هو الذي تركها كلها.
= القول الثاني: أن حقه من الشفعة لا يسقط وطلبه للبعض يوجب أخذه الكل.
فهمنا من الخلاف شيء. ما هو؟ أن أخذ البعض عند الجميع لا يصح. لأن الذين يصححون أخذ البعض يشترطون أن يأخذ الكل.
وهذا صحيح فإن أهل العلم أجمعوا على أنه لا يجوز أن يشفع في البعض. فنقول: خذ الكل أو دع الكل.
- ثم قال ﵀:
- والشفعة: لإثنين بقدر حقيهما.
يعني: أن الحق في الشفعة يتبع القدر المملوك لكل واحد.
صورة المسألة/ إذا كان ثلاثة من الناس يملكون أرضاً واحدة. ثم إن أحدهم باع نصيبه.
حق التشفيع لمن؟ للاثنين.
= فالحنابلة يقولون: أن الاثنين يملكون حق التشفيع بقدر الملك. بقدر ما تملك بقدر ما تشفع.
الدليل: - قالوا: الدليل على هذا: أن حق الشفعة تابع ثابت بسبب الملك فالملك سبب ثبوت حق الشفعة وإذا كان كذلك فيقدر به.
= والقول الثاني: أن التقسيم يكون على قدر الرؤوس ولا ينظر لقدر الملك.
واستدل هؤلاء: - بأن كل واحد منهم لو استقل لشفع في الكل فإذا اجتمعوا اقتسموا التشفيع. - فإذا اجتمعوا اقتسموا بالسوية حق الشفعة.
والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة. لأن تعليلهم أقوى.
المثال الذي يوضح الفرق بين القولين:
/ هناك مثال ذكره ابن قدامه وغيره وأخذه عنه الحنابلة ربما ذكر من قبله لكنه هو الذي بينه.
стр. 1883
لو افترضنا أن ثلاثة يملكون أرضاً واحدة لأحدهم النصف وللآخر السدس وللثالث الثلث.
وافترضنا أن الذي باع هو صاحب السدس - من يملك سدس الأرض هو الذي باع.
إذاً الذي سيشفع من؟ صاحب النصف وصاحب الثلث. فإذا أردنا أن نعرف حكم المسألة عند الحنابلة فنقول/
نقسم حق صاحب السدس على الباقين وتكون المسألة من خمسة. واحدة لصاحب السدس وخمسة تقسم على الباقين. فنصيب صاحب الثلث اثنان: ونصيب صاحب النصف ثلاثة.
فيأخذ هذا ثلاثة ويأخذ هذا اثنان من الأرض المشفع فيها.
هذا على قول الحنابلة.
وإذا أردنا أن نقسم نفس المسألة على القول الثاني: فإذا باع صاحب السدس نصيبه كيف ستكون القسمة؟
يتناصفون الباقي بالسوية. لأن عدد رؤوسهم تثنين فيأخذ كل واحد النصف.
وبهذا نعرف أن الفرق بين القولين في بعض المسائل في بعض الأراضي قد يكون شاسعاً جداً.
ولذلك نحن نقول إن شاء الله الراجح مذهب الحنابلة وكلما كان ملكه أكبر كلما استحق أن يشفع أكثر ويأخذ من نصيب الشريك الذي باع أكثر مما يأخذ شريكه الآخر.
- ثم قال ﵀:
- فإن عفا أحدهما: أخذ الآخر الكل أو ترك.
في المثال السابق إذا عفا أحد الشريكين عن حقه وقال أنا لن أشفع فإن الآخر يلزم بأخذ الجميع أو ترك الجميع.
فليس له أن يقول سأشفع في نصيبي فقط. ونصيب زميلي الذي تنازل عنه لن أشفع فيه فلا يطاع في هذا.
لماذا؟ - لأنه - ما هي العلة؟ - لأنه لا يمكن التشفيع في البعض.
فهذه المسألة راجعة لمسألة التشفيع في البعض.
- ثم قال ﵀:
- وإن اشترى اثنان حق واحد أو عكسه.
هذه أيضاً مسائل: تصح فيها الشفعة.
/ إذا اشترى اثنان حق واحد فلشريكه أن يشفع في نصيب أحدهما دون الآخر.
التعليل؟ - أنه قد يتضرر من أحدهما ولا يتضرر من الآخر.
صورة المسألة/ كما قلنا: زيد وعمرو يملكون هذه الأرض: عمرو باع نصيبه لكم شخص؟
لشخصين.
من الذي سيشفع؟ عمرو. فلعمرو أن يشفع في نصيب الاثنين الذين اشتريا وله أن يشفع في نصيب واحد.
وليس هذا من تبعيض الشفعة. هذا مقصود المؤلف ﵀.
لأن كل واحد منهما عقده عقد مستقل.
فإن شاء شفع في الاثنين وإن شاء شفع في واحد ورضي أن يكون الآخر شريكاً له.
стр. 1884
فإذا شفع في واحد فالقطعة التي اشتراها الاثنان تكون مناصفة بين الشفيع وبين الشريك الذي لم يشفع عليه.
- قال ﵀: أو عكسه.
أو اشترى واحد حق اثنين.
إذا اشترى واحد حق اثنين من الشركاء الثلاثة فللشريك الثالث أن يشفع في حق أحد شريكيه دون الآخر مع أن المشتري واحد.
فإذا كان زيد وعمرو وخالد شركاء وجاء رجل رابع واشترى نصيب عمرو وخالد فلزيد أن يشفع في نصيب عمرو وخالد وله أن يشفع في نصيب عمرو دون خالد أو في نصيب خالد دون عمرو.
لنفس التعليل: - لأنه قد يستضر بهذه القطعة من الأرض دون تلك. أو بنصيب دون الآخر.
فهو حر. إن شفع فيهما أو شفع في أحدهما.
- ثم قال ﵀:
- أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة: فللشفيع أخذ أحدهما.
أو اشترى واحد شقصين بعقد واحد فللشريك ان يشفع في أحدهما أما التعليل فقد سبق. كما في المسائل السابقة.
وأما الصورة فهو أن يشترك عمرو وخالد في ملك أرضين فيقوم عمرو ببيع نصيبه من الأرضين.
فإذا باع نصيبه من الأرضين فلشريكه أن يشفع في الشقصين من الأرضين وله أن يشفع في أحد الشقصين دون الآخر.
- لأنه - كما سبق - تنزل هذه العقود كأنها تمت بين رجلين ولأنه قد يستضر في صورة دون الأخرى فله الحق في التشفيع في الصورتين في صورة واحدة.
إذاً: اتضحت الآن معنا هذه الصور الثلاث. وكما قلت يريد المؤلف ﵀ أن يبين أنها ليست من مسائل تبعيض الشفعة.
- ثم قال ﵀:
- وإن باع شقصاً وسيفاً أو تلف بعض المبيع: فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن.
(وإن باع شقصاً وسيفاً).
قاعدة هذه المسائل: أنه إن باع ما فيه شفعة وما ليس فيه شفعة.
فالحكم: أنه يأخذ ما فيه شفعه بنصيبه من الثمن.
ومقصود المؤلف ﵀ هنا: أن يتحدث عما إذا بيع ما فيه شفعة وما ليس فيه شفعة مما لا يتبع ما فيه شفعة.
لأن ما يتبع تقدم معنا: وهو مثل: الغرس والبناء. لأن الغرس والبناء يتبع الأرض - هنا يريد أن يتحدث عما إذا باع ما فيه وما ليس فيه شفعة وفي نفس الوقت ماليس فيه شفعة لا يتبع ما فيه شفعة.
فهنا السيف لا يتبع الأرض وليس بينهما أي ارتباط.
إذاً: لا يتبع الأرض.
стр. 1885
الحكم: يقول: أن له أن يشفه فيما فيه شفعة وهو الشقص بنصيبه من الثمن.
فإذا باع قطعة أرض ومعها سيف بمائة ألف نقول:
كم قيمة السيف مفردا؟ كم قيمة الأرض مفردة؟
قالوا: قيمة السيف عشرون وقيمة الأرض ثمانون.
فنقول: إذا أردت أن تشفع في هذا الشقص فتدفع نصيبه وتصحيح التشفيع في هذه الصورة مبني على مسائل تفريق الصفقة.
تقدم معنا مراراً: أن الحنابلة يصححون مسائل نفريق الصفقة. فله أن يشفع في النصيب.
= القول الثاني: أن له أن يشفع فيهما.
فإذا افترضنا أن زيدا وعمروا يملكان في آن واحد أرضاً وسيفاً. - يشتركان في ملك الأرض والسيف.
قام زيد ببيع نصيبه من السيف والأرض فلعمرو أن يشفع في السيف وفي الأرض.
الدليل: استدلوا على هذا بدليلين:
- الأول: ما تقدم معنا من أدلة جواز التشفيع في المنقولات.
- الثاني: أنه لو افترضنا عدم جواز الشفعة في المنقولات فالشفعة هنا متعينة لئلا يدخل الضرر على الشريك.
وهذا صحيح. أنه تثبت الشفعة فيهما.
(طبعاً): مثال المؤلف ﵀ فيه غرابة لأنه ليس هناك أي تناسب بين قطعة أرض وسيف.
فغلو مثل بشيئين بينهما تناسب مما ليس بينهما علاقة اتباع أو علاقة اقتران لكان أولى.
قوله: (أو تلف بعض المبيع).
إذا اشترى زيد شيئاً مملوكاً على سبيل الاشتراك فللشريك الذي لم يبع أن يشفع: أليس كذلك؟
لكن الذي اشتراه زيد تلف بعضه قبل أن يشفع الشريك.
فالحكم أن له أن يشفع بالقسط من قيمة الباقي.
وليس عليه أن يدفع ما فات على المشتري.
فإذا اشترى زيد أرضاً عليها بناء وهذا البناء مع الأرض قيمته مليون ريال ثم قبل أن يشفع الشريك الآخر انهدم البيت برمته. فأصبحت الأرض تستحق خمسمائة ألف.
فإذا شفع فسيدفع قيمة الشقص مخصوماً منه ما تلف وليس له علاقة بما تلف.
ففي المثال: سيدفع كم؟ خمسمائة.
لأنه ليس له علاقة بما تلف لأن التالف تلف على ملك المشتري فليس على الشفيع أن يدفع ما تلف في ملك غيره.
ويظهر لي أن هذه المسألة محل إجماع. لم أر فيها خلافاً. أنه ليس عليه أن يدفع إلا نصيبه من الثمن مما تبقى بعد التلف.
- ثم قال ﵀:
- ولا شفعة: بشركة وقف.
стр. 1886
بدأ المؤلف ﵀ الآن - بعبارة أخرى (رجع للأشياء التي ليس فيها شفعة). فلا شفعة في شركة وقف.
وقبل الكلام عن الخلاف لابد أن نتصور المسألة.
/ صورة المسألة/ أن يشترك عمرو وخالد في ملك بيت نصفه مملوك لعمرو وهو حر - يعني: ليس وقفاً مطلقاً ونصفه مملوك لخالد لكنه على سبيل الوقف.
فإذا باع عمرو نصيبه المطلق الحر الذي لم يوقف فليس لخالد أن يشفع عند الحنابلة.
لماذا؟ لأن الحنابلة يرون أن الشفعة تتبع الملك والرجل الذي وقف عليه جزء من البيت لا يملك الموقوف وإن ملكه فملكه ملكاً يعتبر ملك قاصر. ولذلك لا يملك الشفعة.
إذاً: مرة أخرى/ لماذا لا يملك الشفعة؟ لأن ملكه لنصيبه على سبيل الوقف وملك الوقف قاصر.
= القول الثاني: أن له أن يشفع.
- أولاً: لأن الموقوف عليه يملك الوقف وإن كان ملكاً قاصراً. فهو مملوك له شرعاً.
- ثانياً: أن العلة التي من أجلها شرعت الشفعة موجودة في هذه الصورة. لأن الشريك الموقوف عليه قد يتضرر من دخول شريك آخر ولذلك نقول تثبت له الشفعة.
* * مسألة/ إذا صححنا تشفيع المالك على سبيل الوقف وانتزع الشقص من المشتري فهل يكون ملك أو للوقف؟
الجواب: أنه يكون ملك له - يكون ملك لهذا المالك للوقف وليس ملكاً للوقف.
الدليل: - قالوا: أن الذي دفع قيمة الشقص وانتزعه من المشتري هو هذا المالك للوقف من ثمنه وماله الحر فالشقص يعتبر ملكاًَ له وليس ملكاً للوقف.
- ثم قال ﵀:
- ولا غير ملك سابق.
اشتملت هذه المسألة على شرطين لثبوت حق الشفعة.
ـ الشرط الأول: أن يكون مبنياً على الملك. فمن لا يملك لا يشفع. فخرج بذلك من يملك الانتفاع دون الرقبة وربما هذا هو المثال الوحيد للمسألة. فمن يملك الانتفاع دون الرقبة لا يملك التشفيع.
مثاله/ إذا أوصى إنسان لآخر بمنفعة البيت دون رقبته ثم مات فسيكون البيت مشتركاً بين الموصى إليه والورثة.
فالورثة يملكون رقبة البيت والموصى إليه يملك منفعة البيت. فإذا باع الورثة نصيبهم من البيت فإنه ليس للموصى له حق التشفيع لأنه لا يملك الرقبة وإنما يملك المنفعة.
ـ الشرط الثاني: سبق الملك. يعني: لا يملك الشريك التشفيع إلا إذا كان ملكه سابق للبيع.
стр. 1887
المثال الموضح/ إذا قام زيد وعمرو بشراء البيت في وقت واحد في آن واحد فإنه ليس لأحدهما أن يشفع على الآخر.
لماذا؟ لأنهما ملكا البيت في وقت واحد. ونحن نشترط لثبوت الشفعة أن يكون الملك سابق لعقد البيع.
ففي المثال/ هو شفع قبل أن يملك وهذت لا يصح.
في نفس المثال/ إذا اشترى زيد البيت من عمرو وأصبح شريكاً لهم ثم بعد عشر دقائق اشترى خالد هذا البيت فهل له أن يشفع؟ (أي: عمرو).
أو ليس له أن يشفع؟ له أن يشفع. لأن الملك سابق لعقد البيع.
إذاً لابد أن ننتبه لهذا الشرط وإن كان في الحقيقة بدهي - لن يشفع الإنسان على شريكه الذي اشترى وإياه في وقت واحد.
- ثم قال ﵀:
- ولا لكافر على مسلم.
يعني: وليس للكافر حق التشفيع على المسلم.
استدل الحنابلة على هذا الحكم بدليلين:
- الدليل الأول: ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (لا شفعة لنصراني).
وهذا الحديث: باطل. كما أن في لفظه نوع ركاكة فهو لا يثبت عن النبي ﷺ .
- الدليل الثاني: قال الحنابلة: نحن نقيس الشفعة في البنيان على المنع من استعلاء الكافر في البنيان على المسلم. لأن كلاً منهما حقوق تتعلق بالعقار.
= والقول الثاني: ثبون الشفعة للنصراني.
واستدل أصحاب هذا القول بدليلين: - الدليل الأول: عموم النصوص. فإنها لم تفرق بين مسلم وكافر.
- الثاني: أن الشفعة حق يثبت تبعاً للملك لدفع الضرر فهو يقاس على خيار العيب تماماً. وخيار العيب ثابت للذمي: بالإجماع.
ـ أيهما أقوى؟ يظهر لي أن القول الثاني: أقرب وأوجه.
لماذا؟ بل أن الحنابلة في الحقيقة في هذه المسألة كأنهم مالوا للتعليلات العقلية مقابل النصوص الأثرية ومقابل العلة المبنية على نص وهي مسألة القياس على خيار العيب.
فتعليلاتهم الأولى الحقيقة لا تنسجم مع موقف الحنابلة دائماً من أنهم يميلون للأخذ بالنصوص أو للعلل القريبة من النصوص.
أشبه ما يكون هذا القول بمذهب الأحناف. قول الحنابلة في هذه المسألة أشبه ما يكون بمذهب الأحناف لأنهم يتوسعون في التعليلات. ولذلك نقول: مال الذمي محفوظ بالشرع. والشارع العظيم حفظ لهم أموالهم ودمائهم.
стр. 1888
ومن حفظ المال حفظ الحقوق المتعلقة بالمال. وحق الشفعة من أعظم الحقوق المتعقة بالمال وهذا من سمات الإسلام البارزة - أنه حفظ لهم حتى حقوق الارتفاق أو الحقوق المتعلقة بالمال فضلاً عن صيانة أموالهم.
فصل
- ثم قال ﵀:
- فصل. وإن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته أو رهنه لا بوصية: سقطت الشفعة.
هذا الفصل مخصص لتص فات المشتري قبل أن يطلب الشفيع الشفعة فإذا تصرف المشتري قبل أن يطلب الشفيع الشفعة فلهذا التصرف أحكام مختلفة.
ـ الحكم الأول:
- يقول ﵀:
- وإن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته.
أو الصدقة به ونحو هذه العقود: صح التصرف وسقط الحق في الشفعة.
استدل الحنابلة على هذا: - بأن إثبات حق الشفعة فيه إلحاق بالضرر بمن أخذ هبة أو صدقة أو وقفاً.
وجه الضرر: أن هذا الشقص سينتزع منه مجاناً لأن العوض سيدفع للمشتري الأول ففي التشفيع إلحاق للضرر بمن أخذ الشقص هبة أو صدقة أو وقفاً. ((الأذان)).
نتم الكلام عن الوقف والهبة.
عرفنا الآن دليل الحنابلة وهو أنه يلحق الضرر بمن أخذه وقفاً أو هبة أو صدقه.
والنبي ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار).
= القول الثاني: أن تصرف المشتري بالهبة أو الوقف أو الصدقة لا يسقط حق الشفيع.
وعللو هذا القول: - بأن حق الشفيع .... (نقص في التسجيل) ...... والحق السابق مقدم.
ولا نحفظ حق أحد بتضييع حق الآخر لا سيما إذا كان حقه سابق.
وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله.
نرجع إلى المسألة التي أشار إليها (علي).
في أول الباب ذكرنا أن الانتقال إما أن يكون بعوض مالي أو يكون بغير عوض أو بعوض لكنه ليس مالي.
عند قول المؤلف ﵀: (أو كان عوضه صداقاً أو خلعاً أو صلحاً عن دم عمد).
وأخذنا هذه المسألة والخلاف فيها. وأن الراجح أنه يملك الشفعة.
بقينا في مسألة تترتب على هذا الترجيح لم نذكرها بالأمس:
إذا قلنا بثبوت حق الشفعة في أخذه بعوض غير مالي فكيف يكون تقدير العوض؟
نحن نقول: في عقد البيع العوض هو نفس الثمن الذي اشترى به المشتري هنا لا يوجد ثمن.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
منهم: .... (نقص في التسجيل) يؤخذ بقيمته السوقية.
стр. 1889
ومنهم من قال: يؤخذ بمقدار مهر المثل فيما إذا كان مهراً وبمقدار خلع المثل إذا كان خلعاً .. وهكذا. ولا ننظر للقيمة السوقية.
والصحيح إن شاء الله: أنه ننظر إلى القيمة السوقية فنقدر هذا الشقص في السوق ويدقع الشفيع للمشتري بقدر هذا العوض.
وهذا القول اختاره ابن عقيل من الحنابلة والقاضي وهو القول الصحيح إن شاء الله.
لأن انتقال هذا الشقص بالشفعة على سبيل البيع فقدر كما تقدر السلع.
وبهذا عرفنا كيف نقدر قيمة الشقص إذا انتزع مقابل مهر أو مقابل خلع أو قتل عمد.
نأخذ مسألة نختم بها لأنها متعلقة بمسألة الوقف نرجع إلى مسائل الفصل الأول من باب الشفعة.
- يقول ﵀:
- أو رهنه.
إذا تصرف المشتري برهن الشقص فإنه تسقط الشفعة: عند المؤلف.
الدليل:
قالوا الدليل: القياس على الوقف والهبة والصدقة.
= والقول الثاني: أن تصرف المشتري بالرهن لا يسقط حق الشفيع بالتشفيع.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: أنه تقدم معنا أن الراجح في الوقف والهبة أنهما لا يسقطان حق التشفيع.
- الدليل الثاني: أنه في مسألة الرهن بالذات القول بإسقاطه أبعد. لأن العين ما زالت تحت ملك المشتري بخلاف الوقف والهبة فإن العين خرجت عن ملك المشتري.
ولهذا أشار الشيخ الحارثي إلى أن القول بسقوط الشفعة بالرهن بعيد جداً عن نصوص الإمام أحمد ﵀ وليس عنه نص يدل على سقوط الشفعة بالرهن ولذلك المذهب الاصطلاحي هو عدم السقوط.
والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
стр. 1890
الدرس: (٤٥) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فصل
كان الكلام في الدرس السابق عن تصرفات المشتري وأن هذا الفصل مخصص لهذه الأحكام وأخذنا إذا تصرف المشتري بالوقف وإذا تصرف بالهبة وإذا تصرف بالرهن. وتوقفنا عند تصرف المشتري بالوصية.
- يقول ﵀:
- لا بوصية.
أي: أنه إذا تصرف المشتري في الشقص بوصية فإن هذا التصرف لا يسقط الشفعة بل تبقة حقاً ثابتاً للشفيع.
وهذا مقيد بما إذا لم يقبل الموصى له قبل أخذ الشفيع أو طلبه. يعني: وإلا سقطت.
واستدل الحنابلة بهذا الشرط لا تسقط الشفعة - استدلوا:
- بأن الوصية عقد جائز للموصي أن يفسخه فلما كان عقداً جائزاً لم يقو على إسقاط حق الشفيع فيققى حقه ثابتاً.
стр. 1891
وإذا أخذ الشفيع الحق من الموصى له سقط حقه في الارض وثبت حق الشفيع.
وهذا معنى قوله: (لا بوصية). فتبين بهذا أن الوصية عند الحنابلة تختلف عن الوقف والهبة والرهن.
- قال ﵀:
- وببيع: فله أخذه بأحد البيعين.
أي: وإذا تصرف المشتري ببيع فللشفيع أن يأخذه بأحذ البيعين: البيع الأول أو البيع الثاني.
وكذلك لو تصرف المشتري الثاني ببيع فللشفيع أن يأخذه بالبيع الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع.
صورة المسألة/ أن يشتري زيد نصيب عمرو من الأرض المشتركة ثم يقوم زيد المشتري ببيع النصيب قبل أن يشفع الشفيع لطرف ثان ثم يقوم هذا الطرف ببيعها لطرف ثالث فصار البيع تكرر ثلاث مرات المشتري الأول والمشتري الثاني والمشتري الثالث. وربما الرابع والخامس لكن نكتفي بالثلاثة حتى نتصور المسألة.
حينئذ للشفيع أن يأخذ الشقص بالعقد الأول أو بالعقد الثاني أو بالعقد الثالث.
والسبب في ذلك: أنه شفيع في جميع العقود.
أي: له حق التشفيع في جميع العقود.
ومن البدهي أن الشفيع سيأخذ الشقص بأقل الأسعار التي تم البيع بها.
فإذا اشتراه الأول: بعشرة آلاف. ثم اشتراه الثاني من الأول بعشرين واشتره الثالث من الثاني بثلاثين واشتراه الرابع من الثالث بأرعين. فمن المعلوم أن الشفيع سيشفع في العقد الأول أو الثاني أو الثالث؟
بالعقد الأول. لأنه أقل العقود ثمناً.
ثم إذا شفع في العقد الأول في المثال فإنه سيعطي المشتري عشرة. وإذا أعطاه عشرة فإنه يجب على المشتري الأول أن يعطي المشتري الثاني: عشرين. ويجب على المشتري الثالث أن يعطي المشتري الثالث: ثلاثين.
فترجع الحقوق إلى أصحابها.
إذاً: الخلاصة: أن للشفيع أن يشفع في أي عقد يجرى على هذه الأرض: الأول أو الثاني أو الثالث.
стр. 1892
والمؤلف ﵀ ذكر هذا الحكم لبيان أن الحكم يبقى كما هو ولو تكررت العقود.
أما مسألة أنه سيشفع على المشتري الأول هذا معلوم وسبق. هو أصل الباب.
لكنه ﵀ أراد أن يبين أنه وإن تكررت العقود فإن حق الشفيع باقي.
- قال ﵀:
- وللمشتري: الغلة والنماء المنفصل.
يعني: إذا اشترى شخص شقضاً من أرض مشتركة ثم شفع الشفيع وأخذ الشقص فإن غلة هذا الشقص للمشتري.
والغلة: قد تكون أجرة وقد تكون ثمرة اقتنين وقد تكون أشياء أخرى. المهم أن الغلة ثابتة للمشتري.
وكذلك النماء المنفصل. هو ثابت للمشتري. فلو شفع في شيء على القول بأنه يجوز التشفيع في المنقولات لو شفع في الحيوان وولد هذا الحيوان ابناً ثم شفع الشفيع فإن المولود يكون لمن؟ للمشتري.
تعليل ذلك:
- التعليل هو أن هذا النماء وهذه الغلة حصلت في ملك المشتري وعلى ضمانه والقاعدة تقول: (الخراج بالضمان). فلما وجد في ملكه وتحت ضمانه صار من أملاكه.
وهذا الحكم صحيح.
- يقول ﵀:
- والزرع والثمرة الظاهرة.
والزرع: أي أنه إذا اشترى الإنسان الشقص وزرع هذا الشقص زرعاً فإنه يمكون من نصيبه يعني: له مبقىً إلى الحصاد.
فيجب على الشفيع أن يسمح ببقاء الزرع إلى أوان الحصاد.
- لأنه ليس في هذا البقاء ضرر على الشفيع. ليس عليه ضرر في إبقائه. لألن الضرر انتهى بالتشفيع فبقي حق المشتري ثابتاً وهو بقاء الزرع إلى أوان الحصاد.
وهذا أيضاً: لا إشكال فيه.
* * مسألة/ = عند الحنابلة يبقى هذا الزرع بلا أجرة - يعني يبقى في أرض الشفيع إلى أوان الجذاذ بلا أجر تؤخذ من المشتري الذي سحبت منه الأرض.
وعللوا هذا:
- بأنه زرع في ملكه وبإذن من الشارع. وإذا زرع في ملكه وبإذن من الشارع فإنه لا يترتب على هذا أجرة.
= والقول الثاني: أن على المشتري الذي شفع في نصيبه الأجرة للشفيع من حين التشفيع إلى أوان الحصاد.
وعللوا هذا:
- بأنه في هذه الفترة انتفع بملك غيره فوجب عليه أن يعطي أجرة ما انتفع به من الأرض.
وأجابوا عن دليل الحنابلة: بأن هذا الشخص وإن كان أذن له الشارع في الزرع إلا أنه تبين أن هذه الأرض مستحقة لغيره فأخذت منه ووجبت عليه الأجرة.
стр. 1893
ونحن لا نأخذ عليه الأجرة في الزمن الذي كانت تحت يده ولكن نأخذ الأجرة من زمن التشفيع إلى الحصاد.
وهذا القول الثاني: يبدو لي أنه أقوى فيبقى الزرع لكن يدفع أجرة بقاء الزرع إلى أوان الحصاد.
- قال ﵀:
- والثمرة الظاهرة.
أي: والثمرة الظاهرة تكون أيضاً ملكاً للمشتري.
- لأنها ظهرت في ملكه.
ويلحق بالثمرة الظاهرة: الثمرة التي تؤبر وإن لم تظهر.
فصار للمشتري الثمار تالظاهرة التي ليس من شأنها التأبير والثمار المؤبرة إذا أوبرت.
يعني: والثمار التي من شأنها التأبير متى؟ إذا أبرت. لأنها ظهرت في ملك المشتري فصارت له.
- وقياساً على قول النبي ﷺ : (من باع نخلاً بعد أن يؤبر فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع).
فأثبت أن الثمرة للبائع.
والمشتري في التشفيع هو بمتنزلة البائع. فثبت له هذا الحكم.
- ثم قال ﵀:
- فإن بنى أو غرس: فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه ويغرم نقصه، ولربه أخذه بلا ضرر.
هذا حكم يختلف عن المسائل السابقة وهي: ما إذا قام المشتري بغرس الشجر أو بناء البيوت أو الغرف أو أحواش الأغنام أو أي شيء يبنى.
ظاهر عبارة المؤلف ﵀ أن المخير هو الشفيع لأنه ﵀ يقول هنا: (فإن بنى أو غرس) فلمن؟ (فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه ويغرم نقصه ولربه أخذه).
إذاً: المخير في ظاهر كلام المؤلف ﵀ هو الشفيع.
والواقع أن المخير هو المشتري. فنخير المشتري ولا نخير الشفيع.
تخيير المشتري كالتالي:
ـ نقول للمشتري: أنت مخير بين أن: تأخذ الغرس والبناء. وبين أن تبقيه.
فإن اختار أخذ الغرس والبناء فله ذلك وليس بلزم بدفع الأضرار المترتبة على الحفر وليس عليه تسوية الأرض. بمعنى: يأخذ ملكه ويمضي سواء كانت غرساً: يعني: أشجاراً أو بناء بأن يأخذ آلات ومواد البناء.
وإلا من المعلوم أنه لن يأخذ البناء كما هو.
وإنما لم يلزم على المشتري دفع الأضرار المترتبة على أخذ الغرس والبناء لأنه غرس وبنى بإذن الشارع فلا سيلزمه مع ذلك أن يدفع الأضرار المترتبة على أخذ ملكه الذي بناه بإذن الشارع.
وهذه الصورة واضحة.
стр. 1894
فإن اختار المشتري أن لا يأخذ الغرس أو البناء حينئذ نخير الشفيع. نخيره بين ثلاثة أمور:
ـ الأمر الأول: أن يترك التشفيع من أصله.
فإن لم يختر هذا:
ـ فالخيار الثاني: أن يتملك البناء والغرس بقيمته. وقيمة البناء والغرس تعرف بأن نقدر قيمة الأرض بلا غرس ولا بناء وقيمتها مع الغرس والبناء والفرق بينهما هو قيمة الغرس والبناء.
ـ الخيار الثالث: أن نلزم الشفيع بنقل الغرس والبناء لأرض المشتري. مع دفع الفرق الذي يحصل إضراراً بالغرس والبناء.
فنقول للشفيع: الخيار الثالث أن تقوم بنقلؤ الشجر وإذا نقلت الشجر فعليك دفع الفرق الذي يحصل ضرراً على الشجر. وليس للشفيع خيار رابع فهو مخير بين هذه الثلاثة أمور فقط. وليس له أن يقول: بل أختار أن يقوم المشتري هو بنقل الغرس والبناء هذا ليس إليه.
نقول نحن: أنت مخير بين هذه الثلاثة أمور فقط. لأن المشتري لم يظلم ولم يتعد وإنما أخذ بموجب الحق الشرعي وهو الشراء.
فأنت مخير بين هذه الثلاثة أمور.
- يقول ﵀:
- فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه ويغرم نقصه، ولربه أخذه بلا ضرر.
أي الخيارات الثلاث ترك المؤلف ﵀؟
ترك الشفعة. فقد تركه المؤلف ﵀ ولعله لأنه بدهي إذا اختار الشفيع ترك الشفعة انتهى وأصبحت الأرض والبناء والغرس ملك للمشتري.
- يقول ﵀:
- بلا ضرر.
يعني: أن له أن ينقل الشحر والبناء لكن بلا ضرر.
فيشترط الحنابلة أن يكون النقل بلا ضرر.
واستدلوا على هذا:
- بقول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار).
- ولأن الضرر لا يزال بضرر آخر.
= والقول الثاني: أن له أن يزيله ولو مع الضرر.
وهذا هو المذهب الاصطلاحي.
واستدل هؤلاء:
- بأنا لا نراعي مصلحة المشتري على مصلحة الشفيع.
والذي يظهر لي أن ما ذكره المؤلف ﵀ أقرب. لأن الأصل العام أن الضرر لا يزال بمثله.
والمؤلف ﵀ هنا لما قال: (بلا ضرر) هل يقصد ﵀ أنه يختار هذا القول مخالفاً المذهب أو أنه ﵀ ظن أن هذا المذهب أو وهم في أن هذا المذهب؟ أي هذه الاحتمالات أقوى؟
стр. 1895
لم أجد أي شيء يدل على أحد الاحتمالات فيما خالف المؤلف ﵀ فيه المذهب في الكتاب كله.
لكن يبدو لي أنها مجموعة من الاختيارات وفي بعض المواضع - ستأتينا - ربما اليوم يظهر جلياً أن المؤلف ﵀ خالف المذهب باختياره لأنه ينفي المثبت بوضوح أوضح من (بلا ضرر) مما يشعر معه الإنشسان أنه اختيار اختاره المؤلف ﵀ وليس مجرد ظن أنه هذا المذهب والواقع بخلافه.
إذاً: عرفنا الآن خلاصة الحكم وهو أن المخير هو المشتري في الواقع وليس الشفيع وأن المشتري إذا اختار حمل الشجر والبيت فيشترط عن المؤلف ﵀ أن يكون أخذه بلا ضرر ولايشترط عند الحنابلة أن يكون أخذه بلا ضرر وأن الأقرب أن يشترط لأخذ رب الغرس والبناء من الأرض غرسه وبنائه أن يكون بلا ضرر.
وأنتم أظن تصورتم هذه المسألة.
الآن: إذا غرس وبنى المشتري ثم شفع المشفع وأخذ الشقص من المخير؟
المشتري: بين: أمرين ـ الترك. ـ والأخذ.
إذا أخذ فالمشترط عند المؤلف؟ أن يكون بلا ضرر.
وعند الحنابلة: له أن يأخذ ولو ترتب على أخذه ضرر.
يعني: إذا جاء إنسان وأخذ الأرض وبنى فيها أبنية كثيرة وغرس فيها أشجار ونخيل وأصبحت نظرة وجميلة جداًَ ثم اختار أن يهدم البناء وأن يأخذ الغرس وترتب على هذا تلف الأرض ووجود الحفر وأن مخلفات الهدم المترتبة بعد ذلك ستفسد الأرض بحيث لا تسلح لا للبناء من جديد ولا للغرس لأن مخلفات البناء دائماً يكون لها ضرر.
= عند الحنابلة: يقولون: خذ مالك ولو ترتب على هذا ضرر عظيم.
وأنا أقول أن هذا القول كما تقدم فيه بعد. بل نقول: إذا ترتب على أخذك ضرر تأخذ القيمة وتبقي الغرس والبناء كما هو.
- ثم قال ﵀:
- وإن مات الشفيع قبل الطلب: بطلت.
القاعدة عند الحنابلة: أن الشفعة حق لا يتثبت إلا بالطلب فإذا مات قبل أن يطلب لم يثبت له الشفعة وإذا لم يثبت الحق لم ينتقل للورثة.
فإذا مات الشفيع قبل أن يطلب التشفيع فإن الحق لا ينتقل إلى الورثة لما تقدم.
= والقول الثاني: ألأن الحق ثابت ولو مات قبل أن يطلب.