← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وإذا أخذ الشفيع الحق من الموصى له سقط حقه في الارض وثبت حق الشفيع. وهذا معنى قوله: (لا بوصية). فتبين بهذا أن الوصية عند الحنابلة تختلف عن الوقف والهبة والرهن. - قال ﵀: - وببيع: فله أخذه بأحد البيعين. أي: وإذا تصرف المشتري ببيع فللشفيع أن يأخذه بأحذ البيعين: البيع الأول أو البيع الثاني. وكذلك لو تصرف المشتري الثاني ببيع فللشفيع أن يأخذه بالبيع الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع. صورة المسألة/ أن يشتري زيد نصيب عمرو من الأرض المشتركة ثم يقوم زيد المشتري ببيع النصيب قبل أن يشفع الشفيع لطرف ثان ثم يقوم هذا الطرف ببيعها لطرف ثالث فصار البيع تكرر ثلاث مرات المشتري الأول والمشتري الثاني والمشتري الثالث. وربما الرابع والخامس لكن نكتفي بالثلاثة حتى نتصور المسألة. حينئذ للشفيع أن يأخذ الشقص بالعقد الأول أو بالعقد الثاني أو بالعقد الثالث. والسبب في ذلك: أنه شفيع في جميع العقود. أي: له حق التشفيع في جميع العقود. ومن البدهي أن الشفيع سيأخذ الشقص بأقل الأسعار التي تم البيع بها. فإذا اشتراه الأول: بعشرة آلاف. ثم اشتراه الثاني من الأول بعشرين واشتره الثالث من الثاني بثلاثين واشتراه الرابع من الثالث بأرعين. فمن المعلوم أن الشفيع سيشفع في العقد الأول أو الثاني أو الثالث؟ بالعقد الأول. لأنه أقل العقود ثمناً. ثم إذا شفع في العقد الأول في المثال فإنه سيعطي المشتري عشرة. وإذا أعطاه عشرة فإنه يجب على المشتري الأول أن يعطي المشتري الثاني: عشرين. ويجب على المشتري الثالث أن يعطي المشتري الثالث: ثلاثين. فترجع الحقوق إلى أصحابها. إذاً: الخلاصة: أن للشفيع أن يشفع في أي عقد يجرى على هذه الأرض: الأول أو الثاني أو الثالث.

стр. 1892

والمؤلف ﵀ ذكر هذا الحكم لبيان أن الحكم يبقى كما هو ولو تكررت العقود. أما مسألة أنه سيشفع على المشتري الأول هذا معلوم وسبق. هو أصل الباب. لكنه ﵀ أراد أن يبين أنه وإن تكررت العقود فإن حق الشفيع باقي. - قال ﵀: - وللمشتري: الغلة والنماء المنفصل. يعني: إذا اشترى شخص شقضاً من أرض مشتركة ثم شفع الشفيع وأخذ الشقص فإن غلة هذا الشقص للمشتري. والغلة: قد تكون أجرة وقد تكون ثمرة اقتنين وقد تكون أشياء أخرى. المهم أن الغلة ثابتة للمشتري. وكذلك النماء المنفصل. هو ثابت للمشتري. فلو شفع في شيء على القول بأنه يجوز التشفيع في المنقولات لو شفع في الحيوان وولد هذا الحيوان ابناً ثم شفع الشفيع فإن المولود يكون لمن؟ للمشتري. تعليل ذلك: - التعليل هو أن هذا النماء وهذه الغلة حصلت في ملك المشتري وعلى ضمانه والقاعدة تقول: (الخراج بالضمان). فلما وجد في ملكه وتحت ضمانه صار من أملاكه. وهذا الحكم صحيح. - يقول ﵀: - والزرع والثمرة الظاهرة. والزرع: أي أنه إذا اشترى الإنسان الشقص وزرع هذا الشقص زرعاً فإنه يمكون من نصيبه يعني: له مبقىً إلى الحصاد. فيجب على الشفيع أن يسمح ببقاء الزرع إلى أوان الحصاد. - لأنه ليس في هذا البقاء ضرر على الشفيع. ليس عليه ضرر في إبقائه. لألن الضرر انتهى بالتشفيع فبقي حق المشتري ثابتاً وهو بقاء الزرع إلى أوان الحصاد. وهذا أيضاً: لا إشكال فيه. * * مسألة/ = عند الحنابلة يبقى هذا الزرع بلا أجرة - يعني يبقى في أرض الشفيع إلى أوان الجذاذ بلا أجر تؤخذ من المشتري الذي سحبت منه الأرض. وعللوا هذا: - بأنه زرع في ملكه وبإذن من الشارع. وإذا زرع في ملكه وبإذن من الشارع فإنه لا يترتب على هذا أجرة. = والقول الثاني: أن على المشتري الذي شفع في نصيبه الأجرة للشفيع من حين التشفيع إلى أوان الحصاد. وعللوا هذا: - بأنه في هذه الفترة انتفع بملك غيره فوجب عليه أن يعطي أجرة ما انتفع به من الأرض. وأجابوا عن دليل الحنابلة: بأن هذا الشخص وإن كان أذن له الشارع في الزرع إلا أنه تبين أن هذه الأرض مستحقة لغيره فأخذت منه ووجبت عليه الأجرة.

стр. 1893

ونحن لا نأخذ عليه الأجرة في الزمن الذي كانت تحت يده ولكن نأخذ الأجرة من زمن التشفيع إلى الحصاد. وهذا القول الثاني: يبدو لي أنه أقوى فيبقى الزرع لكن يدفع أجرة بقاء الزرع إلى أوان الحصاد. - قال ﵀: - والثمرة الظاهرة. أي: والثمرة الظاهرة تكون أيضاً ملكاً للمشتري. - لأنها ظهرت في ملكه. ويلحق بالثمرة الظاهرة: الثمرة التي تؤبر وإن لم تظهر. فصار للمشتري الثمار تالظاهرة التي ليس من شأنها التأبير والثمار المؤبرة إذا أوبرت. يعني: والثمار التي من شأنها التأبير متى؟ إذا أبرت. لأنها ظهرت في ملك المشتري فصارت له. - وقياساً على قول النبي ﷺ : (من باع نخلاً بعد أن يؤبر فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع). فأثبت أن الثمرة للبائع. والمشتري في التشفيع هو بمتنزلة البائع. فثبت له هذا الحكم. - ثم قال ﵀: - فإن بنى أو غرس: فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه ويغرم نقصه، ولربه أخذه بلا ضرر. هذا حكم يختلف عن المسائل السابقة وهي: ما إذا قام المشتري بغرس الشجر أو بناء البيوت أو الغرف أو أحواش الأغنام أو أي شيء يبنى. ظاهر عبارة المؤلف ﵀ أن المخير هو الشفيع لأنه ﵀ يقول هنا: (فإن بنى أو غرس) فلمن؟ (فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه ويغرم نقصه ولربه أخذه). إذاً: المخير في ظاهر كلام المؤلف ﵀ هو الشفيع. والواقع أن المخير هو المشتري. فنخير المشتري ولا نخير الشفيع. تخيير المشتري كالتالي: ـ نقول للمشتري: أنت مخير بين أن: تأخذ الغرس والبناء. وبين أن تبقيه. فإن اختار أخذ الغرس والبناء فله ذلك وليس بلزم بدفع الأضرار المترتبة على الحفر وليس عليه تسوية الأرض. بمعنى: يأخذ ملكه ويمضي سواء كانت غرساً: يعني: أشجاراً أو بناء بأن يأخذ آلات ومواد البناء. وإلا من المعلوم أنه لن يأخذ البناء كما هو. وإنما لم يلزم على المشتري دفع الأضرار المترتبة على أخذ الغرس والبناء لأنه غرس وبنى بإذن الشارع فلا سيلزمه مع ذلك أن يدفع الأضرار المترتبة على أخذ ملكه الذي بناه بإذن الشارع. وهذه الصورة واضحة.

стр. 1894

فإن اختار المشتري أن لا يأخذ الغرس أو البناء حينئذ نخير الشفيع. نخيره بين ثلاثة أمور: ـ الأمر الأول: أن يترك التشفيع من أصله. فإن لم يختر هذا: ـ فالخيار الثاني: أن يتملك البناء والغرس بقيمته. وقيمة البناء والغرس تعرف بأن نقدر قيمة الأرض بلا غرس ولا بناء وقيمتها مع الغرس والبناء والفرق بينهما هو قيمة الغرس والبناء. ـ الخيار الثالث: أن نلزم الشفيع بنقل الغرس والبناء لأرض المشتري. مع دفع الفرق الذي يحصل إضراراً بالغرس والبناء. فنقول للشفيع: الخيار الثالث أن تقوم بنقلؤ الشجر وإذا نقلت الشجر فعليك دفع الفرق الذي يحصل ضرراً على الشجر. وليس للشفيع خيار رابع فهو مخير بين هذه الثلاثة أمور فقط. وليس له أن يقول: بل أختار أن يقوم المشتري هو بنقل الغرس والبناء هذا ليس إليه. نقول نحن: أنت مخير بين هذه الثلاثة أمور فقط. لأن المشتري لم يظلم ولم يتعد وإنما أخذ بموجب الحق الشرعي وهو الشراء. فأنت مخير بين هذه الثلاثة أمور. - يقول ﵀: - فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه ويغرم نقصه، ولربه أخذه بلا ضرر. أي الخيارات الثلاث ترك المؤلف ﵀؟ ترك الشفعة. فقد تركه المؤلف ﵀ ولعله لأنه بدهي إذا اختار الشفيع ترك الشفعة انتهى وأصبحت الأرض والبناء والغرس ملك للمشتري. - يقول ﵀: - بلا ضرر. يعني: أن له أن ينقل الشحر والبناء لكن بلا ضرر. فيشترط الحنابلة أن يكون النقل بلا ضرر. واستدلوا على هذا: - بقول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار). - ولأن الضرر لا يزال بضرر آخر. = والقول الثاني: أن له أن يزيله ولو مع الضرر. وهذا هو المذهب الاصطلاحي. واستدل هؤلاء: - بأنا لا نراعي مصلحة المشتري على مصلحة الشفيع. والذي يظهر لي أن ما ذكره المؤلف ﵀ أقرب. لأن الأصل العام أن الضرر لا يزال بمثله. والمؤلف ﵀ هنا لما قال: (بلا ضرر) هل يقصد ﵀ أنه يختار هذا القول مخالفاً المذهب أو أنه ﵀ ظن أن هذا المذهب أو وهم في أن هذا المذهب؟ أي هذه الاحتمالات أقوى؟

стр. 1895

لم أجد أي شيء يدل على أحد الاحتمالات فيما خالف المؤلف ﵀ فيه المذهب في الكتاب كله. لكن يبدو لي أنها مجموعة من الاختيارات وفي بعض المواضع - ستأتينا - ربما اليوم يظهر جلياً أن المؤلف ﵀ خالف المذهب باختياره لأنه ينفي المثبت بوضوح أوضح من (بلا ضرر) مما يشعر معه الإنشسان أنه اختيار اختاره المؤلف ﵀ وليس مجرد ظن أنه هذا المذهب والواقع بخلافه. إذاً: عرفنا الآن خلاصة الحكم وهو أن المخير هو المشتري في الواقع وليس الشفيع وأن المشتري إذا اختار حمل الشجر والبيت فيشترط عن المؤلف ﵀ أن يكون أخذه بلا ضرر ولايشترط عند الحنابلة أن يكون أخذه بلا ضرر وأن الأقرب أن يشترط لأخذ رب الغرس والبناء من الأرض غرسه وبنائه أن يكون بلا ضرر. وأنتم أظن تصورتم هذه المسألة. الآن: إذا غرس وبنى المشتري ثم شفع المشفع وأخذ الشقص من المخير؟ المشتري: بين: أمرين ـ الترك. ـ والأخذ. إذا أخذ فالمشترط عند المؤلف؟ أن يكون بلا ضرر. وعند الحنابلة: له أن يأخذ ولو ترتب على أخذه ضرر. يعني: إذا جاء إنسان وأخذ الأرض وبنى فيها أبنية كثيرة وغرس فيها أشجار ونخيل وأصبحت نظرة وجميلة جداًَ ثم اختار أن يهدم البناء وأن يأخذ الغرس وترتب على هذا تلف الأرض ووجود الحفر وأن مخلفات الهدم المترتبة بعد ذلك ستفسد الأرض بحيث لا تسلح لا للبناء من جديد ولا للغرس لأن مخلفات البناء دائماً يكون لها ضرر. = عند الحنابلة: يقولون: خذ مالك ولو ترتب على هذا ضرر عظيم. وأنا أقول أن هذا القول كما تقدم فيه بعد. بل نقول: إذا ترتب على أخذك ضرر تأخذ القيمة وتبقي الغرس والبناء كما هو. - ثم قال ﵀: - وإن مات الشفيع قبل الطلب: بطلت. القاعدة عند الحنابلة: أن الشفعة حق لا يتثبت إلا بالطلب فإذا مات قبل أن يطلب لم يثبت له الشفعة وإذا لم يثبت الحق لم ينتقل للورثة. فإذا مات الشفيع قبل أن يطلب التشفيع فإن الحق لا ينتقل إلى الورثة لما تقدم. = والقول الثاني: ألأن الحق ثابت ولو مات قبل أن يطلب.

стр. 1896

- لأن هذا الحق حق ثبت لدفع الضرر فيقاس على خيار العيب. خيار العيب يثبت ولو مات المشتري قبل أن يطلب خيار البيع - يثبت للورثة ولو مات المشتري قبل أن يطلب خيار العيب. فنقيس عليه حق الشفعة ونقول هو ثابت للورثة. وهذا القول إن شاء اله هو الصواب. أن حق الشفعة حق ثابت سواء مات الشفيع قبل الطلب أو بعد الطلب. وعلى المذهب كما سمعت لا يثبت إلا بعد الطلب. بناء عليه: = عند الحنابلة: إذا مات المالك قبل أن يطلب حق الشفعة فإن المشتري يكون شريكاً إجبارياً مع من؟ مع الورثة. وهذا كما ترى يبعد أن يكون من الشرع. لأن الشارع كما يريد والله أعلم بمراده - كما يريد أن يدفع الضرر عن المالك الأصلي كذلك يريد أن يدفع الضرر عن الورثة. ولا فرق بينهما ولذلك أقول هذا هو الراجح إن شاء الله. - ثم قال ﵀: - ويأخذ بكل الثمن. تقدم معنا أن الشفيع يأخذ الشقص بكل الثمن. والمقصود هنا بكل الثمن يعني: الذي استقر عليه العقد. وأما قبل استقرار العقد فإن ما يلحق العقد من زيادة أو نقص يثبت في حق الشفيع وما يلحق العقد من زيادة أو نقص بعد استقراره فإنه لا يلحق بالشفيع. مثال ذلك/ إذا اشترى الشقص ثم في زمن الخيار زاد في الثمن أو نقص منه. فهل هذه الزيادة بعد الاستقرار وإلا قبل الاستقرار؟ هذه الزيادة قبل الاستقرار. لأن العثقد لا يستقر مع وجود الخيار. فكل زيادة أو نقص يلحق بالعقد قبل استقراره كما في زمن الخيار فإنه ثابت أيضاً في حق الشفيع. الصورة الثانية/ أن تحصل الزيادة أو النقص بعد الاستقرار يعني: بعد انتهاء زمن الخيار. فحينئذ لا يلحق الشفيع هذا الحكم. مثاله/ رجل اشترى من زيد نصف الارض المشتركة بينه وبين عمرو. بمائة ألف. عقد منتهي وبات بعد ثلاثة أيام من العقد قال البائع للمشتري نقصت عنك من الثمن ثلاثين بالمائة ثم بعد هذا كله شفع الشفيع فهل يأخذ بالثمن الأول أو مع نقص الثلاثين بالمائة؟ يأخذ بالثمن الأول ولا علاقة له بالزيادة أو النقص بعد الاستقرار. علل الحنابلة هذا الحكم: - بأن الزيادة ليست إلا هبة من المشتري والنقص إلا إبراء مبتدأً من البائع. والهبة والإبراء لا تدخل بالعقود بل تختص بالموهوب والمبرأ.

стр. 1897

وهذه مسألة مهمة. فإذا أراد البائع أن يعفي المشتري من بض الثمن فهذا الاعفاء يختص به المشتري وليس للشفيع فيه علاقة بل عليه أن يدفع كامل الثمن للمشتري ولا ينظر لقضية أن البائع أبرأه من بعض الثمن لأن هذا أمراً خاصاً بالمشتري. - قال ﵀: - فإن عجز عن بعضه: سقطت شفعته. يعني: إن عجز الشفيع عن بعض الثمن سقطت شفعته. والدليل على هذا: - أنه لا يمكن أن نثبت الشفعة مع الضرر الداخل على المشتري. لقول النبي ﷺ : (لاضرر ولا ضرار) ومن المعلوم أن اشتراء الشفيع الشقص ببعض الثمن إدخال للنقص والضرر على المشتري. ولذلك سقط حقه في الشفعة. لكن عند الحنابلة يؤجل لمدة ثلاثة أيام. فيمهل هذه الفترة فإن استطاع تأمين الثمن فذاك وإلا سقطت شفعته. واستدلوا على هذا: - بأن خيار الغبن قرر النبي ﷺ ثلاثة أيام. وقيل يمهل لمدة يومين فقط. وقيل يمهل لمدة يقدرها الحاكم. بحيث يتمكن الحاكم من مراعاة عم وجود الضرر في حق المشتري وعدم وجود الضرر في حق الشفيع فيوازن بين الأمرين ويحدد مدة تتناسب مع ارتفاع الضرر عن الشفيع والمشتري. وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله. إذ قد يرى الحاكم أن ينتظر عليه أكثر من ثلاثة أيام وقد يرى أن يبادر وأنه لا نحتاج إلى الانتظار لمدة ثلاثة أيام لأنه لن يستطيع دفع الثمن. * * مسألة/ حق الشفعة يسقط إذا لم يستطع تأمين الثمن أو بعض الثمن ولو أتى بضامن أو رهن. لأن الضامن والرهن يتضمن تأجيل الثمن والتأجيل في حد ذاته ضرر على المشتري لا يملك الشفيع إلزامه به. فإذاً: حتى لو أحضر رهن أو أحضر ضامن فإنه ليس له حق التشفيع. * * مسألة/ ليس للشفيع أن يشفع إذا لم يجد الثمن نقداً ولو بذل عوضاً عنه عروض تجارة. فإذا قال: بدل أن أعطيك مائة ألف سأعطيك البيت الآخر أو الأرض الأخرى أو السيارة الفلانية. فإنه لا يلزم المشتري القبول. وعلل الحنابلة ذلك: - بأن هذه معاوضة جديدة تحتاج إلى رضا الطرفين. فإذا لم يرض المشتري فليس لأحد الحق في إلزامه. وهذه المسائل صحيحة ووجيهة وهي مسائل الرهن والضامن مسألة ابدال الثمن بعروض. المسائل صحيحة وليس للشفيع أن يلزم المشتري بشيء من ذلك.

стр. 1898

- قال ﵀: - والمؤجل: يأخذه الملي به. يعني: وللشفيع أن يأخذ بالثمن إذا كان مؤجلاً بشرط أن يكون مليئاً فإذا باع المالك الأرض على المشتري بثمن مؤجل ثم ضفع الشريك فيأخذ الشقص أيضاً بثمن مؤجل. لكن بهذا الشرط وهو: أن يكون مليئاً. استدل الحنابلة على هذا: - بأن الشفيع يأخذ الشقص بثمنه والتأجيل صفة من صفات الثمن فصارت حقاً ثابتاً له كمقدار الثمن. وهذا صحيح أن ثبوت التأجيل بهذا الشرط حق من حقوق الشفيع وليس للبائع أن يقوق إنما وضعت الأجل لأجل المشتري أما أنت فلابد أن يكون حالاً هذا ليس له أن يطلب هذا الطلب. = القول الثاني: أن الشفيع لا يملك أن يأخذ الشقص إلى بثمن حال مطلقاً. وإن التأجيل حق من حقوق المشتري لا ينتقل للشفيع. = والقول الثالث: أن للشفيع أن يأخذ بالثمن مؤجل مطلقاً يعني: ولو لم يكن مليئاً وهذا القول لائق بمن؟ بالظاهرية. لأنهم يأخذون المسائل على ظاهرها فهو يقول هذا حق ثابت فيثبت للشفيع مليئاً كان أو ليس بمليء. فيأخذون الأمر بظاهرية وجمود. والراجح مذهب الحنابلة. - قال ﵀: - وضده: بكفيل مليء. يعني: ويثبت حق التأجيل لضده وهو غير المليء بكفيل مليء. فإذا كان العقد ثبت مؤجلاً وشفع المشفع ووجدنا المشفع ليس مليئاً فإن حق التشفيع يثبت له ولكن بشرط أن يأتي بكفيل مليء. فإن لم يأت بكفيل مليء فهو مخير بين أمرين: ـ أن يأخذ بثمن حال. ـ أو أن يترك التشفيع. وهذا كما ترى أيضاً مذهب قوي. - ثم قال ﵀: - ويقبل في الخلف مع عدم البينة: قول المشتري. يقبل في الخلف قول المشتري. يعني: إذا اختلف المشتري والشفيع في قدر الثمن فالقول قول المشتري. عللوا هذا: - لأن المشتري هو من قام بإجراء العقد مع البائع فهو أعلم بالثمن. فإذا قال المشتري: اشتريت الأرض من زيد بمائة ألف وقال الشفيع بل اشتريت الأرض منه بخمسين ألف فالقول قول المشتري. لكن مع يمينه. والتعليل: - هو ما سمعت. من أن المشتري هو من أجرى العقد مع البائع. وعللا بتعليل آخر: وهو: - أن التشفيع عبارة عن بيع من المشتري للشفيع والبيع لا يكون إلا عن تراضي فيما يتعلق بالثمن.

стр. 1899

فإذا لم يرض المشتري بخروج هذا الشقص من ملكه إلا بهذا الثمن وجب أن لا يخرج إلا به. فإذاً الدليل الثاني يعود لمبدأ الرضا وهو مبدأ كبير في البيوع. - قال ﵀: - فإن قال: ((اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ)) أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع أكثر. إذا قال المشتري: اشتريت الأرض بألف وقال البائع بعت الارض بألفين واتى ببينة تثبت أنه باع على المشتري بألفين فإن الشفيع يأخذ بالثمن الذي قاله المشتري أو البائع؟ المشتري. فإن الشفيع يأخذ بالثمن الذي قاله المشتري ولا علاقة له بما قال البائع. التعليل: - قالوا علة ذلك: أن المشتري صرح بتكذيب البائع وأنه ظلمه بالألف الزائدة فلا تثبت حقاً له. ومعنى هذا: أن المشتري الآن يزعم أن البائع ظلمه بزيادة ألف لأنه هو يدعي أنه اشترى بألف والبائع يقول بعتك بألفين فهو مظلوم بألف. فإذا كان يزعم أنه مظلوم بألف فإن الشفيع لا يأخذ الشقص منه إلا بما أقر به وهو الألف دون ما يزعم أنه ظلم به وهو الألف. فالمشتري الآن يزعم أن البينة كاذبة ولو ثبتت عند القاضي. إلا أنه هو يزعم أن البينة كاذبة وأنه مظلوم بالألف الزائدة فلا تثبت حقاً. وهذا صحيح. إذ ليس من المعقول أن نلزم الشفيع بثمن المشتري نفسع ينفيه. فليس على الشفيع إلا أن يدفع ألفاً وتكون القضية منحصرة بين البائع والمشتري ينهونها بينهم وليس للشفيع علاقة بهذا العقد. ومن المعلوم أن المشتري سيقول: اشتريت بألف إذا كان رجلاً صاحب دين وورع ولا يريد أن يأكل مال غيره بغير حق. ومن هنا: أريد أن أشير إلى شيء على عجل: طالب العلم ينبغي أن يتنبه له: وهو أنه ينبغي أن نتنبه إلى مسألة أن لا يستغل بعض الناس بعض الأحكام لأكل أموال الناس بالباطل. فبعض الناس يكون من أنصاف المتعلمين عنده بعض المعلومات يستغل هذه المعلومات في أكل أموال الناس بالباطل. مثاله/ هذه المسألة. لو أن المشتري رجل لا دين عنده ولا مانع ان يأكل أموال الناس فبإمكانه أن يقول: إنما اشتريت الأرض بكم؟ ( .. ) لأنه إذا قال أني اشتريت الأرض بألفين فالشفيع ملزم بأخذها بكم؟ بألفين. فإذاً يجب على طالب العلم أن يتنبه إلى مثل هذه الأمور.

стр. 1900

وهذا المعنى أشار إليه بتوسع: ابن القيم في إغاثة اللهفان - بذكر الحيل بشكل متوسع وأحياناً يذكر حيلاً مشروعة وأحيناً يذكر حيلاً ممنوعة وأحيناً يذكر حيل لا ندري هل هو يرى أنها مشروعة أو يرى أنها ممنوعة. ولكن مفيدجداً لطالب العلم أن يقأ الحيل التي ذكرها وهي ممنوعة حتى يتصور أن بعض الناس مكن يتلاعب بالأحكام الشرعية. - ثم قال ﵀: - وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري: وجبت. يعني: الشفعة وصار من حقوق الشفيع انتزاع الشقص من البائع وذلك: - لأن البائع يدعي أنه باع والشفيع يطلب التشفيع وهو حق له فنتج من الأمرين ثبوت الحق للشفيع. وعللوا بتعليل فقهي آخر فقالوا: - أن إقرار البائع يتضمن الإقرار بحقين: ـ حق للمشتري. ـ وحق للشفيع فإذا سقط حق المشتري فإنه لا يسقط حق الشفيع. فإذاً: إذا زعم البائع أنه باع وأنكر المشتري ولم يستطع البائع أو يثبت وجود العقد مع ذلك للشفيع أن يشفع. لأن حقه ثابت بإقرار البائع. - ثم قال ﵀: - وعهدة الشفيع: على المشتري. العهدة المراد بها: ما إذا ظهر المبيع مستحقاً أو معيباً. أو بعبارة أخرى: الضمان الذي يترتب على تبين أن العين مستحقة أو معيبة. فالضمان هنا ينقسم إلى قسمين: ـ عهدة الشفيع على المشتري. لأن الشفيع انتزع الشقص ممن؟ من المشتري. فالعقد تم بين المشتري والشفيع فإذا تبين أن في العين عيب فإن الشفيع يرجع على المشتري أو على البائع الأول؟ يرجع على المشتري لأن العقد تم بينه وبين المشتري. وعهدة المشتري على البائع. لماذا؟ لأنه تم العقد بينه وبين البائع فإذا ظهر معيباً فإنه يرجع على البائع. قوله ﵀ هنا: (وعدهة الشفيع على المشتري) يستثنى منها: * * مسألة/ ما هي؟ ( ... ) نحن نقول: إذا أنكر المشتري فإنه لايلزمه شيء ومع ذلك تثبت الشفعة فسيكون الأمر دائر بين من ومن؟ الشفيع والبائع. فقول المؤلف ﵀ هنا: (وعهدة الشفيع على المشتري) صحيح إلا في المسألة السابقة وهي إذا أنكر المشتري. باب الوديعة - قال ﵀: - باب الوديعة. الوديعة: في لغة العرب: مأخوذة من الودع. إذا ودع الشيء يعني إذا تركه.

стр. 1901

ومعنى الاشتقاق واضح: لأن المودع يترك الوديعة عند المودع. وأما في الشرع فهي عقد بالتبرع بحفظ مال الغير بغير عوض ولا تصرف فيه. بعض الحنابلة لا يذكر في التعريف: (ولا تصرف فيه) وبعضهم يذكرها. وأنا ذكرتها لأنها من وجهة نظري تدخل في صميم معنى الوديعة. لأنه من صميم معناها أن لا يتصرف المودع في الوديعة بأي نوع من التصرفات إلا الحفظ كما سيأتينا. وهي: أي الوديعة: مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. ـ أما الكتاب: فقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدون الأمانات إلى أهلها). ـ وأما السنة: فما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (أد الأمانة إلى من أئتمنك ولا تخن من خانك). هذا الحديث فيه كلام في ثبوته ولكن معناه لاشك أنه صحيح والحديث من عمد شيخ الاسلام في تقرير ( ... ) من المسائل. ـ وأما الإجماع فهو محكي من أكثر من واحد من أهل العلم: أنه مشروع. * * مسألة/ الوديعة في الحقيقة يشترط لها ما يشترط في الوكالة لأنها مبنية على الوكالة. فالشروط والأركان التي تقدمت معنا في الوكالة تشترط أيضاً هنا. يقول ﵀: مبتدئأً بأحكام الوديعة مباشرة وكما قلت أحياناً يعرف تعريفاً صطلاحياً وأحياناً لا يعرف. ففي هذا الباب ترك التعريف. إما لوضوحه أو لسبب آخر. - يقول ﵀: - إذا تلفت من بين ماله ولم يتعد ولم يفرط: لم يضمن. إذا تلفت الوديعة بغير تفريط ولا تعدي فإنه لا يضمن. ولو أنها تلفت هي فقط من بين سائر ماله. استدلوا على هذا: - بأن الله تعالى وصف ما يكون عند الإنسان بأنه أمانة: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات). والأمانة في الشرع لا تجتمع مع الضمان لأن الضمان ينافي الأمانة فحيث وجدت الأمانة انتغى الضمان ولذلك قالوا: لاضمان. = والقول الثاني: أنه لا يضمن إذا تلفت بغير تعد ولا تفريط إلا إذا تلفت هي من وسط ماله. بمعنى: إذا تلفت الوديعة وبقي ماله سليماً حينئذ نضمنه. واستدلوا على هذا بأمرين: - الأمر الأول: وجود الشبهة. إذ لماذا لم يتسلط سبب الاتلاف إلا على الوديعة دون ماله؟ - الثاني: أن عمر بن الخطاب ﵁ ضمن أنس وديعة تلفت من بين ماله.

стр. 1902

الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة وهو أن الوديعة لو تفلت من بين ماله لم تضمن ما دام لم يتعد ولم يفرط. باقي علينا في الحقيقة: الجواب عن أثر عمر ﵁: والجواب عنه من وجهين: ـ أولاً: أن هذا الأثر يتعارض مع النصوص العامة فإن النصوص العامة تدل على عدم ضمان الوديعة مطلقاً ولم تفرق بين صورة وأخرى. وهذا الجواب هو الجواب الأضعف. ـ الجواب الثاني: أنا نحمل هذه الفتوى على شيء من التفريط ولا نقول التعدي إن شاء الله لكن نقول التفريط من أنس ﵁ والذي يجعل الإنسان يحمل هذه الفتوى على التفريط الجمع بينها وبين النصوص العامة. - ثم قال ﵀: - ويلزمه حفظها في حرز مثلها. يلزم المودع حفظ الوديعة في حرز مثلها. فإن لم يفعل فإنه يضمن. - لأن من شروط عدم الضمان أن لا يفرط. وعدم حفظها في حرز مثلها هو نوع من التفريط وإذا فرط ضمن. كما أن عدم حفظ الوديعة في حرز مثلها يتنفاى مع الأمانة. وإذا لم يوصف بأنه أمين وجد الضمان. وهذا لا إشكال فيه: يجب أن يضع الوديعة في حرز مثلها. ومن المعلوم أن حرز مثلها لم يبينه المؤلف ﵀ لا في هذا الباب ولا في ما تقدمه من أبواب. وإنما سيأتي في باب السرقة. وهي ضمان الأحراز وحرز مثل كل عين بحسبه. ولا يستغرب على الحنابلة ذلك فإنه كثيراً ما يذكرون شيئاً بيانه أو متعلقه سيأتي في باب آخر لأنه لا يعنينا الآن أن نعرف حرز المثل سياتينا إن شاء الله بيانه في بابه. - ثم قال ﵀: - فإن عينه صاحبها فأحرزها بدونه: ضمن. إن عين صاحبها الحرز الذي يريد فإنه إذا وضعها في غيره يضمن. - لأنه فرط. ووجه التفريط: أنه خالف تعيين المودع وقد أخذها أمانة على أساس أن يضعها حيث أمر المودع. وهذا هو وجه التفريط والإخلال بالأمانة. مسألة/ ويضمن إذا لم يضع الأمانة فيما عينه المودع ولو وضعها في حرز مثلها. وهذا يجب أن يتنبه إليه الإنسان لكثرة وقوعه بين الناس فيقول له: ضع هذا المبلغ في المكان الفلاني فيضعه في غيره مما هو حرز لمثل هذا المبلغ ثم يسرق حينئذ يضمن. ولو أنه وضع المال في حرز المثل إلا أنه خالف الأمانة بتغيير ما أمر به المودع. - ثم قال ﵀:

стр. 1903

- وبمثله أو أحرز: فلا. يعني: إذا وضعها في حرز يشبه الحرز الذي عينه المودع أو في حرز أحسن منه فإنه حينئذ لا يضمن. التعليل: - عللوا ذلك: بقولهم: أنه إذا وضعها في حرز مثل الحرز الذي عينه المودع: جاز. لأن تعيين المودع إذن فيع وفيما يشبهه. ـ وأما ما هو أمثل منه فهو من باب أولى. = والقول الثاني: أنه إذا وضعه في غير ما عينه صاحب الوديعة: يضمن مطلقاً ولو وضعه في مثل ما عينه أو أمثل. وعللوا ذلك: - بأن للمودع نظرة خاصة في حفظ الوديعة ربما لم يدرك المودع السبب الحقيقي لها. فيجب عليه أن يتقيد بتعيين المودع. واستدلوا بأمر ثالث وهو: - أنه قي هذه الصورة أيضاً حصلت المخالفة. مخالفة ماذا؟ مخالفة تعيين المودع وأنتم جعلتم المخالفة هي سبب في الضمان في الصورة الأولى فكذلك فلتكن سبباً في الضمان في الصورة الثانية. لأن المخالفة موجودة. أي القولين أرجح؟ وهذا أيضاً كثير جداً. يظهر لي: أن القول الثاني أقوى من مذهب الحنابلة وأنه إذا أمرك المودع بوضعها في مكان معين فيجب أن تضع الوديعة في هذا المكان ولا تغير إلى مثله ولا إلى أحسن منه. لأن هذا تقيد بأمر المودع واتفقت أنت وهو على هذا الحرز ففي الحقيقة هي مخالفة وتغيير للأمانة. وكثيراً ما نسمع الاختلاف بين المودع والمودع في هذا الأمر فيقول: نعم أنا لم أضعها فيما حددت لي لكني وضعتها في خير منه فيقول: أنا قلت لك ضعها في هذا المكان لا في غيره ويكون بينهما نزاع. فالصواب مع القول الثاني وأنه يضمن إن تلفت. ((الأذان)). - ثم قال ﵀: - وإن قطع العلف عن الدابة بغير قول صاحبها: ضمن. إذا قطع العلف عن الدابة التي أودعها فإنه يضمن. ووجه ذلك: أنه مأمور بحفظها وقد فرط بحفظها والتفريط يلزم منه الضمان. ووجه التفريط: أن من أهم أسباب الحفظ بالنسبة للبائهم: العلف والماء. فإذا فرط فيه فقد فرط بأهم أسباب الحفظ وبناء على ذلك يضمن تلف هذه الدابة. وهذا حكم واضح. وقوله ﵀: (بغير قول صاحبها). يعني: أنه لو ترك العلف بقول صاحبها فإنه لا يضمن.

стр. 1904

وهذا صحيح لو ترك العلف فإنه لا يضمن لكن مع ذلك يحرم عليه ولو قال صاحبها اترك العلف أن يترك العلف ويحرم عليه أن يترك العلف لكن إن تركه بأمر صاحبها لم يضمن. وسبب التحريم: أنها نفس محترمة يجب أن يقوم على حفظها بالأكل والشرب. - يقول ﵀: - وإن عين جيبه فتركها في كمه أو يده: ضمن. إذا عين له حفظ الوديعة في الجيب ولكنه وضعها في كمه أو في يده فإنه يضمن. والسبب في ذلك: أن الجيب أحفظ من اليد والكم ولأن الكم يكثر النسيان وسقوط الشيء منه بسبب تنزيل اليد إلى الأرض نسياناً. فلأجل هذا كله نقول: يضمن. ويوجد أيضاً: سبب آخر وهو: ما تقدم معنا أنه إذا عين المودع مكان الحرز ووضعه في أقلٍ منه فإنه يضمن. ففي الحقيقة هذه المسألة مندرجة ضمن تلك المسألة وتدل عليها إلا أنه خصصها بالذكر لسبب ولعل السبب كثرة وقوع هذه المسألة بالذات وهي حفظ الشيء في الجيب أو اليد أو الكم. - ثم قال ﵀: - وعكسه بعكسه. يعني: إذا عين له أن يحفظها بيده أو في كمه وهو وضعها في جيبه فإنه لا يضمن. - لأنه وضعها في حرز أمثل من الحرز الذي حدده المودع. وتقدم معنا الخلاف في هذه المسألة. ربما يريد منه أن يضع الوديعة في يده لأنه لا يناسب أن تكون في الجيب تنضر بوجودها في الجيب. المهم نقول: لو ترتب على هذا تلف فإنه لا يضمن عند الحنابلة ويضمن على القول الصحيح. - قال ﵀: - وإن دفعها إلى من يحفظ ماله ... لم يضمن. معنى هذه العبارة: يعني: إذا دفع المودع الوديعة إلى من يحفظ هو: يعني: المودع ىعادة ماله عنده فإنه لا يضمن. مثل/ أن يعطيها زوجته أو يعطيها خادمه أو يحفظها في التجوري الذي اعتاد أن يحفظ أشيائه فيها ... إلى آخره. فإنه في هذه الحالة لا يضمن - لأنه بهذا لا يعتبر مخالفاً للحفظ. فإنه جرى العرف أن الإنسان يحفظ أشيائه عند زوجته أو عند خادمه من قديم الدهر إلى يومنا هذا. = والقول الثاني: أنه يضمن. - لأنه أمره أن يحفظها بنفسه ودفعها إلى غيره وفي هذا تفريط. فعلمنا من الخلاف والتعليل أنهم يدورون دائماً على مسألة هل هناك تفريط أو ليس هنا تفريط.

стр. 1905

الراجح فيما يظهر لي في هذه المسألة: مذهب الحنابلة وهو أن الإنسان إذا دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله عادة فإنه لا يتعبر مفرط كما أنه بوضع ماله عند هذا الشخص لا يعتبر مفرطاً. - يقول ﵀: - أو مال ربها: لم يضمن. يعني: إذا دفع المودَع الوديعة إلى رجل في العادة يحفظ رب الوديعة ماله عنده فإنه لا يضمن. مثال هذا/ أن يعطي المودع الوديعة لزوجة رب الوديعة. لأن رب الوديعة يحفظ ماله عادة عند زوجته فهو أودع هذه الوديعة عند زوجته حينئذ أيضاً لا يضمن. والخلاف السابق يأتينا في هذه المسألة. والراجح في تلك هو الراجح في هذه المسألة. لكن أريد أن أنبه إلى مسألة: وهي: أنه إذا دفع المودَع الوديعة إلى هؤلاء الزوجة والخادم - زوجته هو أو زوجة رب المال وكان العرف أن مثل هذه الأشياء لا تدفع لهؤلاء الناس وإنما تبقى في يد المودَع فإنه في هذه الصورة يضمن. وهذا كثير. والتفريق بين ما يدفع وما لا يدفع يرجع فيه إلى العرف وهو أمر معروف من الأشياء ما يمكن أن تدفع للخادم والزوجة ومن الأشياء ما لا يصلح مطلقاً أن تدفع لا للزوجة ولا للخادم. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...

стр. 1906

الدرس: (٤٦) من البيع قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا الكلام عما إذا دفع المودع الوديعة إلى شخص آخر تحدث المؤلف ﵀ عما إذا دفعها إلى من يحفظ ماله يعني: مال المودع أو مال ربها وانتهينا من هاتين المسألتين. - قال ﵀: - وعكسه الأجنبي والحاكم. أي: أنه إذا دفعها المودَع إلى رجل أجنبي عنه أو إذا دفعها إلى الحاكم فإنه يضمن. هذا هو مذهب الحنابلة. واستدلوا على هذا: - بأن المودَع بدفعه إياها للأجنبي أو الحاكم خالف ولم يحفظها بنفسه. والأصل أن المودع أودعها عنده ليحفظها بنفسه. = والقول الثاني: أنه إذا دفعها إلى رجل أجنبي فإنه لا يضمن بالتلف.

стр. 1907

- لأن المطلوب من المودَع أن يحفظها وقد حفظها بدفعها إلى رجل يحفظها. واستدلوا على ذلك: - بأن المودع قد يدفع مال نفسه إلى هذا الأجنبي. فإذا عامل الوديعة كما يعامل ماله فلا ضمان عليه. - ثم قال ﵀: - ولا يطالبان إن جهلا. يعني: لا يطالب الأجنبي ولا الحاكم بضمان الوديعة إذا تلفت إن كان جاهلاً بالحال. يعني: إذا كان لا يعلم أن هذه الوديعة هي وديعة عند من دفعها إليه. حينئذ لا يضمن. واختلفوا هل لمالك الوديعة أن يطالب بالوديعة الأول والثاني أو ليس له إلا أن يطالب الأول فقط؟ وهذا التفصيل كله مفرع على ما إذا جهل. = فالقول الأول أن لمالك الوديعة أن يطالب أياً منهما. - لأن الوديعة تلفت عند الثاني والأول هو الذي دفعها. = والقول الثاني: أنه لا يطالب إلا الأول ولو تلفت عند الثاني. - لأن الثاني أخذها بيد أمانة فلا يطالب بأدائها. وهذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام وهو الصواب إن شاء الله. عرفنا حكم الوديعة إذا تلفت عند الثاني إذا كان جاهلاً بقي أن نعرف الحكم إذا كان عالماً. ـ فإذا كان عالماً فإنه يضمن ويستقر الضمان عليه. ولرب الوديعة أن يطالب أياً منهما. الأول أو الثاني. وهذا الحكم وهو: أن المطالب تنصرف إليهما وأن استقرار الضمان يكون على الثاني لا إشكال فيه فهو إن شاء الله قول صحيح. - ثم قال ﵀: - وإن حدث خوف أو سفر: ردها على ربها. معنى هذا: أنه إذا حدث في البلد الذي فيه المودع والوديعة خوف من كثرة السراق أو وجود الغرق أو الحرائق أو أي نوع من أنواع الخوف. أو عزم المودع على السفر فإنه والحالة هذه يجب وجوباً أن يدفع الوديعة إلى صاحبها. وعللوا هذا: - بأنه بهذا الدفع تبرأ ذمته ولا يلحقه درك الضمان. إلا أن الحنابلة قالوا: له أن يدفعها إلى من يحفظ مال المودَع أو إلى من يحفظ مال المودِع في حال الخوف أو في حال السفر. إذاً: عرلافنا الآن أنه إذا حصل عارض فإن المودع يجب أن يرد الوديعة إلى مالكها. والتعليل سمعتموه. - ثم قال ﵀: - فإن غاب: حملها معه إن كان أحرز، وإلاّ أودعها ثقة.

стр. 1908

(فإن غاب) يعني: إن لم يجد المودَع المودِع بحث عنه ولم يجده فإنه في هذه الحالة يجوز أن يسافر بها لكن هذا مشروط بأمرين: ـ الأمر الأول: أن يأمن عليها في السفر. ـ والثاني: أن لا يمنع المودِع من السفر بها. فإذا تحقق الشرطان جاز للمودع أن يسافر بها. وإذا قلنا: جلز للمودَع أن يسافر بها يعني: ولا ضمان عليه إن تلفت. فهم من هذا التقرير أن ظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه لا يجوز للمودع أن يسافر بالوديعة بل يجب عليه إذا أراد أن يسافر أن يدفعها إلى ربها. وهذا هو ظاهر كلام المؤلف ﵀. = والقول الثاني وهو المذهب: أنه يجوز أن يسافر بها مطلقاً لكن بالشرطين المتقدمين وهو: ـ أن يأمن عليها في السفر. ـ وأن لا يمنع ربها من السفر بها. إذا تحقق الشرطان جاز له أن يسافر بها. - ثم قال ﵀: - وإلا أودعها ثقة. يعني: وإلا تتحقق الشروط المجيزة للسفر بها فإنه يجوز أن يودعها عند ثقة. وظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه يجوز أن يودعها عند ثقة ولو تمكن من أن يودعها عند الحاكم. والمذهب أنه لا يجوز أن يودعها عند ثقة إلا إذا لم يتمكن من إيداعها عند الحاكم. وفهم من هذا أنه يجب أولاً أن يبدأ بالحاكم. لأن الحاكم ولي من لا ولي له وهو يقوم مقام مالك الوديعة فوجب أن نبدأ به. = والقول الثاني: أن له أن يدفع إلى ثقة ولو تمكن من دفعها إلى الحاكم. ولا يشترط أن نبدأ بالحاكم. - لأن هذا المودع ثقة يحفظ المال ولا يوجد ما يمنع من دفعها إليه. = والقول الثالث: أنه مخير في دفعها إلى الحاكم أو إلى الثقة بحسب المصلحة. لا بحسب التشهي. وهذا القول الثالث اختيار الشيخ المرداوي وهو قول قوي ووجيه كما ترى. فنقول: إذا أراد أن يسافر فهو مخير إن شاء دفعها للحاكم وإن شاء دفعها إلى ثقة ويرجع في ذلك إلى المصلحة الخاصة بالوديعة. - ثم قال ﵀: - ومن أُودع دابة فركبها لغير نفعها، أو ثوباً فلبسه، أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها، أو رفع الختم، أو خلطها بغير متميز فضاع الكل: ضمن تبين لكم من شرح المسألتين السابقتين: أنها استثناء من قول المؤلف ﵀: (وعكسه إلى أجنبي أو حاكم).

стр. 1909

ففي هاتين الصورتين يجوز الدفع إلى الأجنبي وهي ما إذا حصل خوف أو سفر. فإذا تأملت تجد أن هذه المسألة مستثناة من المسألة السابقة. بدأ المؤلف ﵀ الكلام عن صور فيها يضمن المودَع. ـ الصور الأولى: - يقول ﵀: - ومن أُودع دابة فركبها لغير نفعها ... فالحكم أنها إن تلفت ضمنها. ومعنى أن يركبها لغير نفعها: يعني: أن يركبها لا ليسقيها ولا ليذهب بها إلى محل العلف لها. فإذا ركب الدابة لمنفعته هو لا لمنفعة الدابة ثم تلفت فإنه يضمن. ووجه الضمان: أنه متعدي. ووجه التعدي: أنه انتفع بمال غيره بغير إذنه. فالتعدي أحياناً لا يحتاج إلى دليل لوضوحه وأحياناً يحتاج إلى تعليل أو دليل ليدل على أن هذا الشخص تعدى أو فرط. إذاً: عرفنا الآن أنه يضمن: لأنه تعدى. - يقول ﵀: - أو ثوباً فلبسه. إذا أودعه ثوباً فلبسه لا لمصلحة الثوب فإنه يضمن. وهل يتصور أن يكون لمصلحة الثوب؟ الجواب: نعم. إذ من الثياب نوع إذا بقي مطوياً فترة طويلة فسد. وأصابتع من الدواب الصغيرة ما يفسده. فمثل هذا الثوب نشره ولبسه من مصلحته. فهذا لا يضمن. فإن لبسه لا لمصلحة الثوب ثم تلف فإنه يضمن. والتعليل ذاته موجود في التعليل السابق الذي عللنا به مسألة ركوب الدابة هو نفسه يعلل به مسألة لبس الثوب. - قال ﵀: - أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها. إذا قام المودَع بإخراج الدراهم من المكان الذي أحرزت فيه سواء أخرجها ليخون فيها أو أخرجها لينفقها أو أخرجها لمجرد الرؤية فقط فإنه: يضمن. هذا إذا أعطيت المودَع في حرز لها ثم قام هو بإخراجها من هذا الحرز فإنه يضمن مهما كان السبب في إخراجها. وعلة التضمين: - أنه بفعله هذا تعدى. ووجه التعدي: أنه أخرج مال غيره من حرزه بلا سبب شرعي. وهذا موجب للضمان. وظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه يضمن ولو أخرجها ثم أعادها وتلفت بعد الإعادة. - لأنه بإخراجه لها ارتفع عنه وصف الأمانة ولا يرجع إليه إلا بإذن المودع. = والقول الثاني: أنه إذا أخرجها ثم أعادها كما كانت تماماً ووضعها في حرزها ولم يتعد ولم يفرط ثم تلفت فإنه لا ضمان عليه.

стр. 1910

والمذهب أقوى. ولهذا نقول للشخص المودَع إذا أخرجت النقود من مكانها الذي أعطاك إياها فيه المودِع ثم أعدتها إلى مكانها سواء بنية الخيانة أو بنية الإنفاق أو بنية الرؤية فإنه يجب أن تجدد العقد مع المودِع حتى تكون يدك يد أمانة ولا تضمن إن تلف المال. فتعتذر من صاحب الوديعة وتخبره أنها كما هي إن شاء أبقاها وإن شاء أخذها. فإن هذا أولى من السكوت لأنه لو سكت فعلى المذهب سيضمن لو تلفت. - يقول ﵀: - أو رفع الختم ونحوه عنها. إذا جاءت الوديعة مختوم عليها أو مربوطة أو مقفل عليها ثم أزال هذه الأشياء فإنه يضمن ولو لم يخرج منها شيئاً. بل مجرد إزالة ما ربطت به يعتبر تفريطاً وتعدياً. ولذلك إن تلفت فهو ضامن لها. - لأنه تعدى بفك ما ليس له فكه. فإن حل هذه الأربطة ليس من حقوق المودع فنقول يضمن. والخلاف فيما إذا أعادها أو فيما إذا بقيت كما هي وأعاد ربطها كما كانت ثم تلفت الخلاف في هذه المسألة كالخلاف فيما إذا أخرج النقود من محرزها - الخلاف هو نفسه والترجيح متطابق. - ثم قال ﵀: - أو خلطها بغير متميز فضاع الكل: ضمن. قصده بقوله (ضاع الكل) يعني المخلوطين. إذا خلطها بغير متميز ثم ضاع الكل فإنه يضمن الوديعة. ومقصود المؤلف ﵀ يعني: إذا خلطها بتعدي أو تفريط لا إذا خلطها بعذر. فإذا خلطها بتعد وتفريط فإنه يضمن. التعليل: - قالوا: أنه بخلطه للوديعه أشبه الاتلاف لأنه مع الخلط غير المتميز لن يتمكن من إرجاع الوديعة إلى صاحبها فهو بمعنى إتلافها. ولهذا يضمن. * * / فإن خلطها بغير متميز بغير تعد ولا تفريط فلا ضمان. فإن تلف المال فهو من ماله ومن الوديعة. فيكون خسارة عليه لأن بعض هذا التالف من ماله والجزء الذي هو وديعة لا يضمنه ويكون خسارة على المودع لأن يده يد أمانة ولم يفرط ولم يتعد في الخلط. لكن غالباً ما يكون الخلط بنوع من التفريط لأنه يصعب أن يختلط الزيتان أو الطحينان إلا مع نوع من التفريط لأنه كان ينبغي عليه أن يحفظ الوديعة بحيث تكون في مكان لا تختلط مع غيره. فإذا اختلطت فإنه غالباً ما يكون بسبب التفريط.

стр. 1911

ولعله لهذا لم يشر المؤلف ﵀ إلى القسم الآخر وهو ما إذا اختلطت بغير تفريط. بقي مسألة/ يقول ﵀: (إذا اختلطت بغير متميز). * * المسألة الثانية/ إذا اختلطت بمتميز. كأن تختلط دراهم بدنانير فهنا لا ضمان. لأن هذا الاختلاط لا يمنع من أداء الوديعة إلى صاحبها لو طلبها. ولأنه لا ينسب فيه إلى تفريط ولا إلى تعدي. فلو وضعت عنده دراهم أمانة وعنده هو دنانير يملكها وخلط هذه الاشياء مع بعض وجعلها في حرز مثلها ثم تلفت فإن هذا الخلط لا يوجب الضمان. لما تقدم من أنه لا يمنع أداء الأمانة. فصل - قال ﵀: - (فصل) ويقبل قول المودع: في ردها إلى ربها أو غيره بإذنه، وتلفها وعدم التفريط. قوله ﵀ (يقبل قول المودع في ردها إلى ربها) مقصوده: يعني: مع يمينه. والسبب أنه يقبل قوله في ردها إلى ربها: - أنه أمين. وقد وصفه الله يعني: وصف المودع بالأمانة. (إن الله يأمركم أ ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء/٥٨]. وإذا كانت يده يد أمانة فلا ضمان. وإلى هذا ذهب الجماهير - جماهير أهل العلم يرون أن القول قوله في هذه المسألة. = والقول الثاني: وهو قول المالكية ورواية عن الإمام أحمد ﵀: أن القول قول المودِع. فإذا اختلفوا في ردها فالقول قول: المودِع. وكأنهم يستدلون: - بأن الأصل عدم الرد. وهذا القول ضعيف أو ضعيف جداً. لأنه يؤدي إلى أن يمتنع الناس عن الأمانات. فإذا أدى الأمانة إلى صاحبها فلصاحبها أن يزعم أنه لم يؤدي الأمانة ثم يضمن المودَع وهو أمين وبهذا يمتنع الناس من قبول الأمانات. ولذلك في الحقيقة هذا قول مخالف للجماهير وقول ضعيف جداً. ولولا جلالة القائلين به لاعتبر قولاً شاذاًَ. قوله ﵀ (أو غيره بإذنه). يعني: ويقبل قول المودع إذا ادعى أنه أدى الوديعة إلى غير المالك. وهذا معنى قوله: (أو غيره بإذنه). والسبب: هو ما تقدم: أنه أمين فإذا ادعى أنه أدى الأمانة إلى غيره يعني: إلى غير رب المال فإنه لا يضمن. = والقول الثاني: أنه يضمن. - لأنه مأمور بأداء الأمانة إلى صاحبها.

стр. 1912

- ولأن الأصل عدم الإذن. يعني: أن الأصل عدم إذن المالك بدفع الأمانة إلى غيره. فإذا زعم أنه دفعها إلى غيره بإذن المالك فهو خلاف الأصل. وهذا القول اختاره الحارثي وهو قول جيد جداً وهو الراجح إن شاء الله وينبغي على المودَع أن لا يدفع الوديعة أبداً إلا إلى صاحبها. إلا أن يدفعها إلى غيره ببينة أو شهود. أما أن يدفعها إلى غير صاحبها فهو في الحقيقة فرَّط. إذاً: هناك فرق بين أن يقول المودَع أنه ردها إلى ربها أو إلى غيره. قوله ﵀: (وتلفها وعدم التفريط). يعني: ويقبل قوله في أنها تلفت ويقبل قوله في أنها تلفت بلا تفريط منه يعني ولا تعدي. وهذا بالإجماع ولله الحمد أنه إذا ادعى أنها تلفت بغير تعدي فالقول قول المودع. وهذه المسألة مما يضعف قول المالكية في مسألة الرد - مما يضعفه جداً لأنهم هنا يقولون: إذا ادعى أنها تلفت يقبل قوله وإذا ادعى أنه ردها فإنه لا يقبل قوله وفي هذا التفريق ضعف فقهي. - ثم قال ﵀: - فإن قال: ((لَمْ تُوْدِعْنِي)) ثم ثبتت ببينة أو إقرار، ثم ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده: لم يقبلا ولو ببينة. مقصود المؤلف ﵀ بهذه المسألة أن ينكر المودع الوديعة. يعني: يجحد الوديعة. ثم لما جحد الوديعة ثبتت الوديعة ببينة أو بإقرار. فإذا ثبتت الوديعة ببينة أو إقرار ثم زعم المودع أن الوديعة تلفت في وقت سابق للجحود فإن قوله لا يقبل. فإذا أنكر الوديعة يوم الجمعة طولب بالوديعة فأنكر الوديعة. ثم ثبتت الوديعة إما بإقراره أو ببينة يوم السبت. فلما ثبتت زعم أن الوديعة تلفت يوم الخميس. فزعم أنها تلفت في وقت سابق لجحوده. حينئذ لا يقبل - لاحظ كلام الحنابلة - ولو ببينة. حتى لو أتى ببينة صحيحة تشهد فإنه لا يقبل. عللوا ذلك: - بأنه مكذب لنفسه شاهد عليها بالخيانة إذ كيف يزعم يوم الجمعة أنه لا وديعة ثم يزعم بعد ذلك أنها تلفت يوم الخميس فهو شاهد على نفسه بالكذب والخيانة فلا يقبل. = القول الثاني: أنه إذا أثبت التلف ببينة يقبل. وهو قول للحنابلة ومال إليه الحارثي.

стр. 1913

وهذا القول ضعيف. إلا أن تقوم قرائن تدل على أن جحوده كان بسبب النسيان حينئذ يكون هذا القول قوي لأنه جحدها ناسياً ثم تذكر أنها تلفت يوم الخميس وأقام بينة. ولا يخفى عليكم أن الحديث الآن كله فيما إذا أقام بينة. أما إذا ما أقام بينة فلا يقبل مطلقاً. ولعله: إجماع. وإن كنت ما وقفت على .. - لكني لم أقف على خلاف إلا فيما إذا أتى ببينة. - قال ﵀: - بل في قوله: ((مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ)) ونحوه. - فإن قال: ((لَمْ تُوْدِعْنِي)) ثم ثبتت ببينة أو إقرار، ثم ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده: لم يقبلا ولو ببينة. هذه مسألة واحدة انتهينا منها وهي مسألة: (إذا قال: ((لَمْ تُوْدِعْنِي)) ثم ثبتت ببينة أو إقرار، ثم ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده: لم يقبلا ولو ببينة.) هذه مسألتنا التي تحدثنا عنها. ثم قال: (بل في قوله: ((مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ)) ونحوه.) يفرق الحنابلة بين ـ أن يقول: (لم تودعني). ـ وبين أن يقول: (مالك عندي شيء) - فإذا قال: (لم تودعني) فقد حجد الوديعة من أصلها وتقدم الكلام عليه. - أما إذا قال: (مالك عندي شيء) ثم قامت البينة على وجود الوديعة إما ببينة أو بإقرار ثم أقام المودع بينة أنها تلفت فإنه يقبل قوله. لأن البينةلا تتعارض مع قول المودع. ووجه ذلك: أن المودع إذا تلفت عنده الوديعة بغير تعد ولا تفريط فإنه في هذه الحالة فعلاً ليس عنده شيء للمودع. فإذاً: كلامه لا يتعارض مع البينة. وهذا صحيح. وفي الحقيقة هذا تقرير هذه المسائل وبيان الراجح فيها لكن لو قيل في مثل هذه المسائل يرجع إلى القرائن ونظر القاضي وطبيعة الدعوى وطبيعة المودع لكان هذا القول هو الراجح في الحقيقة لأن هذه القرائن والملابسات قد تدل على الصادق من الكاذب وقد تكون بخلاف ما يقرره الفقهاء. إذاً: عرفنا الآن الأحكام والراجح من حيث تقريرات الفقهاء وأقول: أنه لو قيل بالرجوع إلى الحاكم لكان هو الأولى. - ثم قال ﵀: - أو بعده بها. مقصود المؤلف ﵀ أنه يقبل قول المودَع إذا ادعى أن التلف كان بعد الجحود وأقام بينة. وهذا معنى قوله: (بها). إذا ادعى أن التلف كان بعد الجحود.

стр. 1914

ففي المثال السابق: ذكرنا أنه أنكر يوم الجمعة وزعم أنها تلفت الخميس لكن لو زعم أنها تلفت السبت لقبل قوله. وعللوا ذلك: - بأنه لا تعارض بين قوله وبين البينة. لأن البينة أثبتت وجود الوديعة يوم الجمعة ثم أثبتت البينة الأخرى أنها تلفت يوم السبت. إذاً: ليس بين البينتين تعارض. وهذا القول صحيح. وهذه المسألة مما يؤكد المسألة السابقة وهي أنه يرجع في مثل هذه المسائل إلى حنكة القاضي ونظره في الملابسات. - ثم قال ﵀: - وإن ادعى وارثه الرد منه أو من مورثه: لم يقبل إلاّ ببينة. يعني: إذا ادعى وارث المودَع. فإذاً المسألة مفروضة فيما إذا مات المودَع. فإذا مات المودَع وادَّعى الوارث أنه هو أو مورثه أدى الأمانة فإنه لا يقبل إلا ببينة. التعليل: - قالوا: أن المودِع إنما ائتمن المودَع ولم يأتمن الورثة. فعلى الورثة إذا أرادوا إثبات ذلك أن يحضروا بينة. ومن هنا نعلم أنه ينبغي على الإنسان إذا كانت عنده ودائع أن يثبتها مكتوبة موثقة حتى لا يدخل الورثة في مشاكل مع المودِع وحتى لا يضطر الورثة إلى إنكار الوديعة. فيجب أن يكون المودَع نبيهاً وأن يضبط ما يتعلق بالوديعة لأنه إن مات وقد أداها ولم يثبت أنه أداها فيستطيع المودِع أن ينكر. وهذه المسألة تشبه المسائل السابقة التي ربما يستغلها بعض الناس في التلاعب. من هنا نقول: يجب إذا أديت الأمانة أن تثبت أنك أديت الأمانة حتى لا تعرض الورثة للمسائلة. - قال ﵀ - وإن طلب أحد المودعين نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم: أخذه. مراد المؤلف ﵀ يعني: إذا أودع رجلان شيئاً مشركاً بينهما عند المودَع فإنه إذا طلب أحهما نصيبه يدفع إليه بلا رضا من الشريك الآخر. لكن هذا مشروط بأن يمكن قسمة هذا الشيء المودع بلا غبن ولا ضرر عليهما. حينئذ يجب على المودع وجوباً أن يدفع نصيب هذا الرجل إليه ولا يحتاج لا إلى رضا الشريك الآخر ولا إلى استئذان الحاكم. وقيل: أنه لا يجوز ولو كان الشيء يقبل القسمة الدفع بل يجب أخذ رضا الشريك لأنهما دفعا إليه في وقت واحد. ولأن لا يحصل الخطأ في القسمة.

стр. 1915

والصحيح الأول: لأنه لا معنى من هذا الاحتراز لأن الحنابلة يقولون: أنه يجب الدفع بهذا الشرط وهو أن يمكن أن تقسم بلا ضرر على أي منهما. فهم من كلام المؤلف أن الوديعة المشتركة إذا كانت مما لا يقبل القسمة فإنه لا يجوز أن يدفع المودَع إلى أحد الشريكين نصيبه إلا برضا الشريك الآخر. وهذا صحيح. لأن قسمة الشيء الذي لا يقبل القسمة يحتاج إلى اجتهاد وتخمين وتقدير لا يؤمن معه الحيف والنقص على أحدهما. فنحتاج إما إلى رضا من الشريكين أو إلى أن يقوم الحاكم هو بنفسه بقسمة هذه الوديعة. وهذا صحيح. وإذا دفع نصيب أحدهما إلى الآخر يضمن فيما إذا كانت الوديعة لا تقبل القسمة. - ثم قال ﵀: - وللمستودع والمضارب والمرتهن والمستأجر: مطالبة غاصب العين. لو أن المؤلف ﵀ قال: (وللمستودع مطالبة غاصب العين وكذا المضارب والمرتهن والمستأجر) لكان أوضح. المقصود الآن بيان: حدود صلاحيات المستودع فيما إذا غصبت العين. فهو يريد أن يبين أن: المستودع. له أن يطالب بالعين المغصوبة. وكذلك المضارب والمرتهن والمستأجر. إذاً: نقول للمودَع إذا غصبت العين أن يطالب بها عند الحنابلة. ومن حقوقه أن يطالب بها. واستدلوا على هذا: - بأن المطالبة بالعين المغصوبة من جملة الحفظ المأمور به. فإذا قام به فقد قام بما هو واجب عليه. = والقول الثاني: أنها إذا غصبت فليس له أن يطالب بل المطالبة من حق المالك فقط. وعللوا هذا: - بأن المودَع عمله حفظ العين فقط. ولم يؤمر بالمطالبة فليست من حقوقه. والراجح: المذهب. وهذا الخلاف كله ينطبق على ما ذكره المؤلف ﵀ من الثلاثة أصناف وهم: المضارب والمرتهن والمستأجر. هؤلاء لهم أن يطالبوا. وبهذا انتهى باب الوديعة وننتقل إن شاء الله إلى باب إحياء الموات . باب إحياء الموات - قال ﵀: - باب إحياء الموات. الموات. مشتق من الموت. والموت: هو مفارقة الحياة. أو البقاء بلا روح. ويطلق الموات أو الموت على الأرض التي لا تملك: لغة. سيأتينا في الشرع. ولو كانت مزدهرة بالزرع الذي نبت بأمر الله لكنها ما دامت ليست مملوكة لأحد فهي موات.

стр. 1916

ثم شرع المؤلف ﵀ بتعريف الموات شرعاً وكما قلت أن المؤلف ﵀ تارة يعرف وتارة لا يعرف وكأنه يعرف ما يرى أنه يحتاج إلى تعريف وإيضاح. - يقول ﵀: - وهي: الأرض المنفكة عن الإختصاصات وملك معصوم. تعتبر الأرض في الشرع مواتاً إذا اتصفت بصفتين: ـ أن لا تكون من الاختصاصات. ـ ولا تكون ملكاً لأحد خاص. والمقصود: (بالاختصاصات) المرافق التي ينتفع بها وهي تابعة للعامر. فكل ما هو حول العامر مما ينتفع به للعامر فإنه من الاختصاصات التي ليست من الموات فلا يجوز أن تحيا. مثالها/ الاماكن التي يحتطب منها الناس. أو يرعون فيها بهائمهم أو ما قرب من البئر التي يشرب منها الناس كل هذه الأمور وغيرها تعتبر من الاختصاصات. ومن الاختصاصات الأرض المعدة لصلاة الاستسقاء أو لصلاة العيدين. وهكذا من خلال هذه الأمثلة يمكن أن تكون تصورت ما هي المرافق التي تحيط بالعامر من البنيان والتي لا تدخل في الأرض الموات التي يجوز إحيائها. وأما قوله ﵀: (وملك معصوم). يعني: وأن لا تكون مملوكة لأحد معين سواء الملك بإرث أو ببيع أو بهبة أو بأي سبب من أسباب الملك الشرعية. فإذا اتصفت الأرض بهاتين الصفتين فإنها موات شرعاً. - ثم قال ﵀: - فمن أحياها: ملكها. من أحيا الأرض الموات ملكها بالإجماع. ومستند الإجماع: - قوله ﷺ : (من أحيا أرضاً مواتاً فهي له). وهو نص. ولهذا ولله الحمد لم نجد في المسألة خلاف. - ثم قال ﵀: - من مسلم وكافر. مقصود المؤلف ﵀ تقرير قاعدة وهي: (أن كل من جاز أن يملك جاز أن يحيي). ولهذا يجوز لكل مسلم ولكل كافر أن يحيوا الأراضي الموات. ولكن المقصود بقوله: (كافر) يعني: الذمي. أما الكافر الحربي فغنه لا يتملك في أرض المسلمين. إذ كيف نمكنه من التملك وماله هو مباح. فإذاً: المقصود (الكافر) الذمي. - يقول ﵀: - بإذن الإمام وعدمه. يعني: سواء استأذن الإمام أو لم يستأذن الإمام فإنه يملك. واستدلوا على هذا: - بأن الحديث عام. أن كل من أحيا أرضاً مواتاً فهي له. ولم يشترط الحديث الإذن من الإمام. واستدلوا بدليل آخر:

стр. 1917

- وهو: أن تملك الأرض بالإحياء يشبه تملك المباحات من نوع الاحتطاب ونحوه وصيد ونحوه. وإذا كانت تشبه الاحتطاب والصيد فهو جائز بلا إذن الإمام. وهذا مذهب الجماهير من الفقهاء أنه لا يشترط إذن الإمام لتملك الأرض بالإحياء. = والقول الثاني: وهو مذهب الأحناف فقط أنه يشترط لتملك الأرض أن يأذن الإمام. واستدلوا على هذا: - بأن للإمام نظر في تحديد الأراضي التي هي من مصالح العامر والأراضي التي ليست من مصالح العامر. وإذا كان له نظر في تحديد هذه الأراضي اشترط إذنه. ةظاهر الحديث عدم الاشتراط. وأظن أن العمل الآن على الاشتراط على أنه يشترط للإحياء أخذ الإذن. - قال ﵀: - في دار الإسلام وغيرها، والعنوة كغيرها. يعني: أنه يجوز التملك: سواء أحيا الأرض التي في دار الإسلام أو أحيا الأرض التي خارج دار الإسلام أو أحيا الأرض التي فتحت عنوة أو أحيا الأرض التي فتحت صلحاً. في كل هذه الصور الإحياء صحيح. والدليل على هذا: - العموم. وأنه لا يوجد مخصص للنص. وإذا لم يوجد مخصص للنص فإن القاعدة إعمال القاعدة: (إعمال النص على عمومه). وعمومه يدل على هذا. وهو أمر واضح. - ثم قال ﵀: - ويملك بالإحياء: ما قرب من عامر، إن لم يتعلق بمصلحته. المؤلف ﵀ يريد أن يتحدث عما قرب من العامر ولا يريد أن يتحدث عما بعد من العامر. ولهذا يقول ﵀ هنا: (ويملك بالإحياء: ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته). الأراضي القريبة من العامر تنقسم إلى قسمين: ـ القسم الأول: أن تتعلق بها مصالح العامر. فهذه لا يجوز لأحد أن يتملكها. لأن هذا التملك يضر بمصالح الساكنين في العامر. والأحكام الشرعية مبنية على أنه لا ضرر ولا ضرار. ولأن في تملك هذا النوع من الأراضي افتيات على ملاك ما قرب منها. ـ القسم الثاني: ما قرب من العامر لكن لم تتعلق به مصالحه. فليس مرعىً لأهل العامر ولا مكاناً للاحتطاب ولا تتعلق به اي مصلحة من مصالح العامر. فهذا يجوز إحياؤه. واستدلوا على جواز الإحياء: - بأن النص العام يتناول هذا النوع من الأراضي وإن كانت قريبة .. (الأذان).

стр. 1918

= القول الثاني: أنه لا يجوز تملك الأراضي القريبة ولو لم تتعلق بها مصلحة العامر. واستدلوا على هذا: - بأنه وإن لم تتعلق بها الآن ربما تعلقت بها في وقت قريب. فأدى التملك إلى الإضرار. والراجح: القول الأول. إلا أن يرى ولي الأمر أن التملك في بعض الأراضي القريبة يضر في القريب العاجل بعامر البنيان فله أن يمنع من ذلك. لأن لا يدخل الضرر على أصحاب العامر. - ثم قال ﵀: - ومن أحاط مواتاً. بدأ المؤلف ﵀ ببيان صفة الإحياء: يعني: كيف يحصل الإحياء؟ أو بماذا يكون الإحياء؟ - فيقول ﵀: - ومن أحاط مواتاً .. يعني: فقد أحياه. فأفادنا المؤلف ﵀ أن إحاطة الأرض الموات بحائط يعتبر إحياء له. والمقصود بالحائط: يعني: الذي يمنع من دونه. وليس مقصودهم أي حائط ولو كان قصيراً بل المقصود ما يمنع الدخول إلى الأرض. وسواء أحاط الأرض ليزرعها أو ليربي فيها الماشية أو ليبني فيها أياً ما كان فالإحاطة تعتبر إحياء. واستدلوا ﵏ على ذلك: - بقول النبي ﷺ : (من أحاط أرضاً فهي له). وهذا الحديث في أسانيده ضعف لكن كثير من المعاصرين يصححونه بمجموع الطرق. فهذا الحديث نص على أن الإحاطة تعتبر إحياء. ولم يبين المؤلف ﵀ بماذا تكون الإحاطة؟ أي: هل يشترط للإحاطة أن تكون من مواد معينة أو الإحاطة تكون حسب الجدر المبنية في كل زمان. هذا القول الثاني هو المراد: أن الإحاطة ربما تكون باللبن أو بالخشب أو بالسعف - حسب ما تحصل الإحاطة به وحسب غرض المحيط. ربما أحاطها ليبني وربما ليزرع وربما ليربي الماشية ولكل من هذه الأغراض ما يناسبه من الحائط. = القول الثاني - في كفيفة الإحياء أنه يرجع فيها إلى العرف. - لأن الشارع الحكيم قرر أن من أحيا أرضاً فقد ملكها ولم يبين كيفية تفصيلية للإحياء فنرجع فيه إلى العرف. فما اعتبر في العرف إحياء فهو إحياء وما لا فلا. وهذا القول الثاني هو الصحيح لأنه ليس في النصوص ما يدل على تعين الإحاطة وأما هذا الحديث فهو إن صح لا يدل على أن الإحياء لا يكون إلا بالإحاطة. لأن ذكر بعض أفراد العموم بحكم يوافق العموم لا يعني تخصيصه بالحكم. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أحمعين.

стр. 1919

الدرس: (٤٧) من البيع قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. ما زال الكلام في كيفية إحياء الموات وذكرنا في الدرس السابق التعليق على قول الماتن أن الإحياء يتم بالإحاطة. واليوم ننتقل إلى النوع الثاني من الإحياء وهو حفر البئر: - فيقول المؤلف ﵀: - أو حفر بئراً فوصل إلى الماء. إذا حفر الإنسان بئراً في الأرض الموات ووصل إلى الماء فإنه بهذا الوصول يعتبر أحيا الأرض. إذ بإخراج الماء فيها تيسرت سبل الإحياء. لكن الفقهاء يرون أن إخراج الماء هو بحد ذاته إحياء. وفهم من كلام المؤلف ﵀: (فوصل إلى الماء) أنه لو حفر فيها بئراً ولم يصل إلى الماء فليس بإحياء ولو حفر. وهذا هو المذهب. لكن إذا حفر البئر ولم يصل إلى الماء فحكمه أنه يأخذ حكم التحجير. وهو - أي: التحجير - الشروع في الإحياء قبل إتمامه. ولم يذكر المؤلف ﵀ حكم التحجير والشروع في الإحياء وإن كان صاحب الأصل ذكره وهو مهم لأنه سيأتينا أنا نحتاج إلى حكمه في أكثر من مسألة. فحكم التحجير والشروع في الإحياء هو: ـ أن المتحجر يكون أحق بهذا المكان من غيره مع عدم الملك. هذا هو الحكم. ويتفرع على هذا: ـ أن المتحجر لا يجوز له أن يبيع لأنه لم يملك الأرض إلا أنه مع ذلك أحق من غيره بهذه الأرض التي حفر فيها بئراً ولم يصل إلى الماء. - ثم قال ﵀: - أو أجراه إليه من عين ونحوها، أو حبسه عنه ليزرع: فقد أحياه. إذا أجرى الماء إلى الأرض أو حبس الماء عن الارض ليزرع: فقد أحيا. فبإجراء الماء إلى الأرض تيسرت السبل لإحيائها سواء أجرى الماء من نهر أو من عين أو من أي مصدر من مصادر المياه. وكذلك إذا حبس الماء عن الأرض فيما إذا كان حبس الماء عنها من أسباب صلاحها فإن بعض الأراضي من صلاحها واستعدادها وقبولها للزراعة أن يحبس الماء عنها.

стр. 1920

فإذا حبس الماء أو أجرى الماء فإنه يعتبر بهذا أحيا الأرض. * * مسألة/ والإحياء يكون بإجراء الماء أو بحبس الماء لا بالزرع. فقول المؤلف ﵀: (ليزرع) هذا بيان للغاية من إجراء الماء وليس بياناً لما يحصل الإحياء. الإحياء في الواقع يحصل بإجراء الماء أو حبسه لا بالزرع. فإن زرع زرعاً مجرداً عن إجراء الماء فليس بإحياء عند الحنابلة. إذاً: مجرد الزرع لا يعتبر من الإحياء غند الحنابلة. تقدم معنا في المسألة التي في الدرس السابق أن الإحياء يرجع فيه إلى العرف. وأن هذا القول هو الراجح. لكن المقصود الآن تقرير المذهب وهو أنهم لا يرون الإحياء بالزرع. وإنما بإجراء الماء أو بحبسه. فتحصل عندنا من الطرق: ـ الإحاطة. ـ وحفر البئر. ـ وإجراء الماء. ـ وحبس الماء. هذه أربع طرق للإحياء. - ثم قال ﵀: - ويملك حريم البئر العادية: خمسين ذراعاً من كل جانب، وحريم البديّة: نصفها. تقد معنا أن الإنسان إذا حفر البئر فقد أحيا الأرض. لكن المؤلف ﵀ لما ذكر أن هذا من أسباب الإحياء لم يبين إلى أي حد يحيي. فإذا حفر البئر في هذه الأرض: ماذا يملك من الأرض؟ هنا أراد المؤلف أن يبين المساحة التي تملك بحفر البئر. وهي مسألة متممة جداً لمسألة الإحياء بحفر البئر. فإنه لا ينتفع بمسألة الإحيار بحفر البئر إلا بتقري هذه المسألة. = فالحنابلة يرون: التفريق بين البئر العادية والبئر الابتدائية. - فيقول ﵀: - ويملك حريم البئر العادية: خمسين ذراعاً من كل جانب، وحريم البديّة: نصفها. البئر العادية هي البئر القديمة وهي منسوبة إلى عاد ولا يقصد تخصيص النسبة بعاد وإنما أصبح كل أمر قديم ينسب إلى عاد. والمقصود بالبئر العادية: يعني التي حفرت ثم انطمرت ثم أعاد هو حفرها. ويقصد بالئر البدية التي استحدث حفرها من جديد ولم تكن محفورة من قبل. فحريم البئر العادية خمسون ذراعاً. وحريم البئر البدية: النصف. خمس وعشرون ذراعاً. الدليل: - قالوا الدليل على هذا: ان النبي ﷺ قال: (حريم البئر العادية خمسون ذراعاً وحريم البئر البدية خمس وعشرون ذراعاً). وهذا الحديث نص في المسألة.

стр. 1921

إلا أن الإشكال أن هذا الحديث مرسل والمرسِل له هو سعيد بن المسيب ﵀. والمرسل كما تعلمون من أقسام الحديث الضعيف إلا أنه مع ذلك استدل به الإمام أحمد ﵀. السبب في ذلك: أن الإمام أحمد والإمام ابن معين ربما غيرهم لكني أنا وقفت على كلام الإمام أحمد وكلام ابن معين يقولون أنه أصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب. أضف إلى هذا أمر أشار إليه الحافظ الحاكم وهو قوله: إن الحفاظ المتقدمون نظروا في مراسيل سعيد بن المسيب فوجدوها صحيحة متصلة. وهذا حكم هلى جميع المراسيل والحاكم إمام حافظ وينسب الحكم للحفاظ لا إلى نفسه. من مجموع هذين الأمرين: انطلق الإمام أحمد فأخذ بهذا الحديث واستدل به واتكأ عليه. وهذا صحيح: ما دام مراسيل سعيد بن المسيب بهذه المثابة من القوة والمتانة والصحة والثبوت فإن الاستدلال بها سليم ولا غبار عليه. = القول الثاني: ان حريم البئر هوم المقدار الذي يحتاج إليه في إخراج الماء منها. وهذا اختيار القاضي أبو يعلى من الحنابلة. - يقول ﵀: هذا هو الحد. واستدل هؤلاء: - بقول النبي ﷺ : (حريم البئر قدر الرشا). يعني: أنه بقدر ما يسحب الحبل لإخراج الماء يكون حريم البئر. وهذا الحديث ضعيف. وتلاحظ الآن - أو نستطيع أن نقول قاعدة: (أن الإمام أحمد يقدم المرسل القوي على الحديث الضعيف). وما نقول هنا الحديث الضعيف خير من المرسل لأنه حديث مرفوع إلا أنه ضعيف والمرسل لم يتصل إلى النبي ﷺ بل إن الإمام أحمد ﵀ يقول: المرسل القوي خير من الحديث الحديث. هو لم يقل هذه القاعدة بالتصريح لكن يفهم هذا من طريقة تفقه الإمام أحمد ﵀. لهذا نقول: الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة وهو أن حريم البئر هو هذا المقدار المذكور في الحديث. ومادام ليس في الباب إلا هذا المرسل إلا عن هذا التابعي الجليل فهو مكان للاستمساك والاعتبار. (الحريم) هو: ما يكون حول البئر. حريم الشيء ما يكون حوله. ولذلك نحن نقول: (حريم العامر) يعني ما يكون حول البلد العامر من الأراضي. وحريم البئر يعني: ما يكون محيطاً بالبئر من الجوانب.

стр. 1922

* * مسألة/ هذا التحديد فيما إذا حفر البئر للسقي. أما إذا حفر البئر ليزرع فله ما حول الأرض مما يريد أن يزرعه ولو كان أكثر من خمسين ذراعاً أو خمساً وعشرين ذراعاً بالنسبة للعادية والبدية. إذاً: هذا التحديد فيما إذا كان يريد السقي. أن يأخذ هو ويسقي غيره. وأما إذا كان يريد أن يزرع فمن المعلوم أنه يأخذ من الأرض القدر الذي يريد أن يزرعه مما هو حول البئر. - قال ﵀: - وللإمام إقطاع الموات لمن يحييه ولا يملكه. فهم من كلام المؤلف ﵀: أنه ليس للإمام إقطاع العامر لأنه خص الإقطاع بالموات. = وهذا مذهب الحنابلة: وهو أنه لا يجوز للإمام أن يقطع العامر إلا لمصلحة معتبرة فإذا انتفت المصلحة فللإمام أن يسحب الأرض المقطعة ممن أعطيها. = والقول الثاني: أن للإمام أن يقطع العامر لكن قالوا: لمصلحة بيت المال. واستدلوا على هذا: - بأن الإمام يستطيع أن يعطي مالاً من بيت المال فالأراضي نوع من الأموال فكذلك يستطيع أن يعطيها من شاء. والواقع انه ليس بين القولين فرق يذكر. لأنه قيد في القولين وجود المصلحةز فإذاً بين القول الثاني والذمهب تقارب كبير جداً ويعود القولان إلى مسألة اعتبار المصلحة. - يقول ﵀: - وللإمام إقطاع الموات لمن يحييه ولا يملكه. الإقطاع: في اللغة هو التمليك والإرفاق. وفي الشرع: إعطاء الإمام أرضاً لمن ينتفع بها. والإقطاع مشروع بالسنة الصحيحة: - لأن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث ووائل بن حجر ﵄. فإذاً: الإقطاع مشروع. يقول ﵀: (وللإمام إقطاع موات لمن يحييه ولا يملكه). أفادنا المؤلف: أن الإمام إذا أقطع رجلاً أرضاً فإن هذا الرجل لا يملك الأرض بمجرد أن يقطعه إياها الإمام. بل يتوقف الأمر على إحيار الرجل للأرض. واستدل الحنابلة على هذا: - بأن عمر بن الخطاب ﵁ لما ولي الخلافة وجد أن بلال بن الحارث أحيا بعض الأرض التي أقطعه إياها النبي ﷺ وترك بعضها لم يحييه فسحب منه الجزء الذي لم يحييها ولو كان بلال يملك الأرض بمجرد الإقطاع لم يأخذ منه عمر ﵁ شيئاً من الأرض.

стр. 1923

ودليل الحنابلة واضح وقوي. = القول الثاني: أن الإنسان إذا أقطع أرضاً فإنه يملك الأرض بمجرد الإقطاع. واستدلوا على هذا: - بأن الإقطاع يفهم منه في اللعة والعرف: التمليك. فإذاً: يثبت بمجرد الإقطاع. وهذا القول وإن كان ظاهرة القوة إلا أنه ضعيف. والسبب في ضعفه: أنه مصادم لهذا الأثر الصحيح عن عمر بن الخطاب. وإذا كان عمر ﵁ قام باسترجاع الأرض فلاشك أن هذا أمر أقره عليه الصحابة ولم ينكروا عليه هذا الأمر فهو أشبه ما يكون ثابتاً بالاستفاضة لا سيما وأن عمل الخلفاء الراشدين يكون مشهوراً بين الصحابة. على كل حال: الراجح مذهب الحنابلة. - قال ﵀: - وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس، ويكون أحق بجلوسها. (وإقطاع الجلوس) لابد أن ننبه إلى أن الإقطاع ينقسم إلى قسمين: ـ القسم الأول: إقطاع الإحياء وهو الذي تكلمنا عنه الآن. ـ والقسم الثاني: إقطاع الإرفاق وهو الذي أشار إليه المؤلف ﵀ بقوله: (وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس، ويكون أحق بجلوسها). للإمام الحق في إقطاع الإرفاق كما أن له الحق في التمليك أو الذي يسميه بعض الفقهاء إقطاع الموات. إقطاع الموات هو إقطاع التمليك. لكن الحنابلة لا يسمونه إقطاع تمليك. لماذا؟ لأنهم لا يرون أن الملك يثبت بمجرد الإقطاع. إقطاع الإرفاق هو أن يعطي الإمام رجلاً من الناس مكاناً عاماً لينتفع به. كأن يعطيه رحبة المسجد التي خارج حدود المسجد. أو أن يعطيه مكاناً في السوق فارغاً. وما شابه هذه الأماكن التي يرتفق فيها الناس بالبيع والشراء غالباً. فإذا أعطيها صار أحق بها من غيره وصار حكمها حكم التحجر ونحن تقدم معنا حكم التحجر وهو أنه لا يملك إلا أن المتحجر أحق به من غيرها. قال الإمام أحمد ﵀ من أقطعه الإمام فهو أحق ومن غيره إلى الليل. فإذاً يظل استحقاقه من الصباح حيث أفطعه الإمام إلى أن تغيب الشمس. وهذا حق من حقوق الإمام. والدليل على ذلك: - أن للإمام نظر فيمن يكون بقائه أضر على الناس وفيمن يكون بقائه أقل ضرراً على الناس. ولهذا: فله أن يقطع زيد ويمنع عمرو لأن زيداً أقل ضرراً على الناس من عمرو.

стр. 1924

فلما كان للإمام هذا النظر صار من حقوقه أن يقطع إقطاع الإرفاق. - ثم قال ﵀: - ومن غير إقطاع: لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال. (ومن غير إقطاع). مقصود المؤلف ﵀ أنه كما يجوز للإنسان أن يجلس في المكان الذي أقطعه إياه الإمام كذلك له أن يجلس ولو لم يقطعه الإمام في الأماكن الواسعة التي لا تضر بالناس. ويكون أحق بهذا المكان ما دام متاعه فيه. فإن رفع المتاع صار غيره له الحق في الجلوس في المكان. إذاً: هذه المسألة الأخيرة: هي أن للإنسان أن يجلس وينتفع في المكان العام ولو بلا إقطاع من الإمام بشرط أن لا يكون في جلوسه أذىً للناس. وهو أحق بهذا المكان ما لم يرفع متاعه. وقول المؤلف ﵀: (ما لم يرفع متاعه). هذا هو الفرق بين انتفاع الإنسان بالمكان بسبب إقطاع الإمام وبين انتفاع الإنسان بسبب أنه جلس بلا إقطاع. والفرق هو: أنه إذا أقطع الإمام رجلاً من الناس فإنه أحق بهذ المكان ولو قام عنه ولو رفع متاعه. فهو أحق به لأن الإمام أقطعه إياه. أما إذا جلس هو بلا إقطاع فهو أحق بالمكان لكن ما لم يرفع متاعه. ثم أشار المؤلف ﵀ إلى مسألة أخيره وهي: قوله ﵀: (وإن طال). يعني: وإن طال بقائه في هذا المجلس ولو لمدة أيام فإنه يكون أحق بهذا المكان من غيره ولو طال. واستدل أصحاب هذا القول: أنه أحق بغير وإن طال: - بقول النبي ﷺ : (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به). وهذا الحديث صحيح. وهذا الرجل سبق إلى هذا المكان فهو أحق به من غيره ولو طال. = والقول الثاني: وهو المذهب: فالمؤلف ﵀ خالف المذهب في هذه المسألة: القول الثاني: أنه هو أحق به إلا إن طال لأن طول بقاء الإنسان في هذا المكان يؤدي إلى ما يكون أشبه شيء بالتملك والتملك لا يجوز في المرافق العامة. فإذا طال بقائه في هذا المكان صار كالمتملك والتملك لا يجوز. قلت لكم فيما سبق: أن المؤلف ﵀ يخالف المذهب وأنه لمخالفته عدة احتمالات وأن الأقرب منها أن ما يذكره المؤلف ﵀ أشبه ما يكون بالاختيار.

стр. 1925

هذا الموضع يقوي جداً أن المؤلف ﵀ إذا خالف أنه يكون أشبه ما يكون بالاختيار. والسبب: أن المؤلف ﵀ يقول هنا: (وإن طال) فتشعر من عبارة المؤلف ﵀ أنه أراد المخالفة وأنه لم يكتب هذا الكلام سبق قلم أو وهم أو نسيان ويؤكد هذا أن المؤلف ﵀ في الإقناع وافق الحنابلة. يعني: في كتابه الآخر وافق الحنابلة وذكر كما يذكر كل الحنابلة أنه له المكان ما لم يطل البقاء في هذا المكان. ثم نأتي فنجد هنا أن المؤلف ﵀ خالف ما ذكر هو نفسه في الإقناع مما يشير إلى أن ما يذكره في الزاد نوع من الاختيار. يعنيك هكذا يظهر لي. فأنا لم أجد أحداً تكلم عن مخالفات المؤلف ﵀ وعن سبب مخالفة المؤلف للمذهب في كتابه الزاد لكن يظهر لي أنه نوع من الاختيار وودت أن أجد كلام لا سيما المتقدمين عن سبب مخالفة المؤلف ﵀ للمذهب الاصطلاحي. - قال ﵀: - وإن سبق اثنان: اقترعا. يعني: وإن سبق اثنان إلى المكان الذي يباح اتخاذه من المرافق العامة فالحكم أن يقترعا. - لأنهما استويا في السبق. وإذا استويا في السبق استويا في الاستحقاق لأن سبب الاستحقاق هو السبق فلما استويا فيه لم يوجد ما يخرج بهما عن الإشكال إلا إجراء القرعة فإذا اقترعا من أصابته القرعة جلس في هذا المكان. - ثم قال ﵀: - ولمن في أعلى الماء المباح: السقي، وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه. مقصود المؤلف ان يتحدث عن مسألة كثيراً ما تقع في القديم وهذه المسألة هي: ( .......... ) في التشاح به. فإن الحكم إذا وقعت هذه المسألة: أن من في أعلى الماء يسقي إلى أن يبلغ الماء حد كعب الرجل ثم يترك الماء لمن بعده ومن بعده يسقي كذلك إلى أن يبلغ الماء الكعب من الرجل ثم يترك الماء لمن بعده وهكذا الثاني والثالث. ولو أدى ذلك إلى انتهاء الماء عن الثاني أو عن الثالث فالحكم يبقى كما هو ولو انتهى الماء عمن يليه. إذاً: عرفنا .... وعرفنا أن المسألة مفروضة فيما إذا كان الماء قليلاً يحصل فيه المشاحة فإذا حصلت المشاحة فالحكم هو هذا الذي سمعت. الدليل على هذا التفصيل الدقيق:

стр. 1926

- أن هذه المسألة وقعت في عهد النبي ﷺ وأفتى فيها. وذلك أن رجلاً من الأنصار اشتكى إلى النبي ﷺ في الزبير بن العوام فقال: إن الزبير يسقي قبلي فقال النبي ﷺ اسقي يا زبير ثم دع الماء لجارك. هذه الفتوى الأولى. فقال الأنصاري: - لعله مع الغضب - أن كان ابن عمتك يارسول الله. فتلون وجه النبي ﷺ واشتد غضبه ثم قال: اسق يازبير إلى أن تبلغ الجدر ثم دع الماء. ما معنى الحديث؟ معنى الحديث: ان النبي ﷺ أفتاه أولاً بأن يأخذ دون حقه الواجب وهو أن يسقي السقي المعتاد ولو لم يصل الماء إلى الجدر فلما اعترض الأنصاري على هذا الحكم العدل الذي فيه مراعاة للإنصاري استوفى النبي ﷺ حف الزبير الشرعي فأمره أن يسقي إلى أن يبلغ الماء إلى الجدر ثم يترك الماء إلى جاره. لكنا نجد المؤلف ﵀ يقول: (إلى أن يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى من يليه). فالتحديد بالوصول إلى الكعب أخذ من أنهم حبسوا مقدار ما يصل إليه الماء من الجدر فوجدوه إلى الكعب فأخذوا هذا حكماً مسلماً. فإذاًك نقول هذا هو الحكم. فمن في أعلى النهر أحق ممن دونه ممن هو أسفل منه وهكذا تتدرج القضية ولو انتهى الماء عن الأخير. وبهذا عرفنا الحكم إذا حصلت المشاحة بينهم على الماء. - ثم قال ﵀: - وللإمام دون غيره: حمى مرعى لدواب المسلمين، ما لم يضرهم. الحمى: هو أن يمنع الإمام الناس من الرعي في منطقة محددة بحيث تكون خاصة لماشية الزكاة أو خيول الجهاد. ولاشك أنهم ذكروا هذا كالتمثيل. لأن غالب مواشي بيت المال في العهد النبوي وفي ما بعده غالبها إما أن تكون صدقات أو تكون خيولاً معدة للجهاد. فإذاً: الآن الحمى هو أن يمنع الإمام الناس من الرعي في مكان معين ويخصصه لبهيمة الأنعام الزكاة ولخيول الجهاد. وكون الإمام يحمي هذا ثابت بالنص والإجماع - أو بأدق: (كون النبي ﷺ يحمي هذا ثابت بالنص والإجماع).

стр. 1927

ـ أما النص: فقوله ﷺ : (لا حمى إلا لله ولرسوله) فأثبت ﷺ الحمى له حقاً من حقوقه ﷺ . ـ وأجمعت الأمة على ذلك. لكن اختلفوا فيما إذا حمى غير النبي ﷺ من الأئمة الذين يأتون بعده. = فذهب الحنابلة: إلى أن الأئمة كلهم يملكون الحق في الحمى وأن الحديث جاء لتقرير مبدأ الحمى لا لحصره على النبي ﷺ وأيضاً قالوا: الحديث جاء لتقرير حق الحمى للنبي ﷺ كإمام فإذا جاء إمام بعده فله نفس الحق. = والقول الثاني: أن الحمى خاص بالنبي ﷺ وأن من بعده لا يملك أن يحمي. واستدلوا كما هو معلوم: - بقوله: (لا حمى إلا لله ورسوله). فهذا الحديث خص الحمى بالله ورسوله. والراجح مذهب الحنابلة: والسبب في ذلك: أن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي كلهم حموا. وهذا لاشك دليل قاطع أن الحمى ليس خاصاً بالنبي ﷺ وإنما يتناول كل إمام ياتي من بعده فله الحق في أن يحمي. يقول ﵀: (وللإمام دون غيره: حمى مرعى لدواب المسلمين ما لم يضرهم). يشترط في حمى الإمام أن لا يضر بالناس. لعموم قول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار). فإن الإمام كما أن عليه أن يراعي الأموال الزكوية من بهيمة الأنعام وخيول الجهاد كذلك عليه أن يراعي مصالح الناس. فلا يجوز أن يحمي حمىً يترتب عليه أذية وإضرار للناس. بهذا ينتهي باب إحياء الموات وننتقل إلى باب الجعالة . باب الجعالة - قال ﵀: - باب الجعالة. الجعالة: مشتقة في اللغة من الجعل. والجعل: معناه هو ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله. فكل ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله فيعتبر جعلاً. في لغة العرب. وأما في الاصطلاح فذكره المؤلف ﵀ وسنتكلم عليه. والجعالة عقد مشروع: لقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم). فهذه الآية نص في وضع عوض مالي لمن يعمل عملاً معلوماً أو مجهولاً كما سيأتينا.

стр. 1928

فإذاً الجعالة عقد مشروع للآية ويدل على مشروعيتها: أن الحاجة تمس إلى هذا العقد لأن الأعمال منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول ولو اكتفينا بعقد الإجارة لما أمكن للإنسان أن يعقد عقداً على عمل مجهول لأنه ليس في العقود الشرعية ما يفي بهذا فيما لو أبطلنا عقد الجعالة. = والقول الثاني: أن عقد الجعالة لا يشرع. - لما فيه من الجهالة والغرر وعدم معرفة العاقبة. وهذا قول ضعيف جداً ومخالف لجماهير الفقهاء كما أنه مخالف لظاهر القرآن. والراجح إن شاء الله أنه عقد مشروع. - قال ﵀: - وهي: أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة. هذا تعريف الجعالة: (هي: أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة). ـ قوله ﵀: (هي أن يجعل) يشترط في الجاعل: أن يكون من جائزي التصرف: بالغ - عاقل - رشيد. فإن لم يكن من جائزي التصرف فإن عقد الجعالة لا يصح منه لأنه من العقود المالية التي لا تصح إلا من جائز التصرف. ـ يقول ﵀: (شيئاً معلوماً) يشير المؤلف ﵀ بهذا إلى اشتراط معلومية الجعل وأنه لا يجوز أن يكون مجهولاً. ومعلومية الجعل تكون: بما تعرف به الأجرة في عقد الإجارة. فما ذكرناه هناك من الأشياء التي يجب أن يتصف بها مبلغ الأجرة تأتي معنا في الجعل تماماً. الدليل على وجوب معرفة الجعل: - هو أن الجعل بعد إتمام العمل يكون لازماً في حق الجاعل ولا يمكن الإلزام بالمجهول. وهذا صحيح ولاشك فيه فلا يجوز للإنسان أن يقول من ر د عليَّ بعيري فله شيء. أو فله متاع - كلمة متاع - أو فله كما يقول بعض الناس - فله مبلغ مالي. هذا لا يجوز والعقد باطل. وغالباً بل يكاد يكون دائماً محل نزاع: لأن العامل يقدر عمله كثيراً والجاعل يقدر العمل قليلاً يرى أنه عمل قليل والعامل يرى أنه عمل عملاً كثيراً وينعكس هذا الاختلاف على تقدير العوض. ولذلك لاك أنه يشترط أن يكون الجعل معوماً. ـ قال ﵀: (لمن يعمل له عملا معلوماً أو مجهولاً) العمل في الجعالة ينقسم إلى قسمين:

стр. 1929

- القسم الأول: أن يكون العمل لإيجاد معدوم. كأن يكون بناء حائط أو خياطة ثوب. - القسم الثاني: أن يكون لرد مفقود. كأن يكون لرد الآبق أو لرد الشارد. وسواء كان العمل من القسم الأول أو من القسم الثاني فإنه يجوز أن يكون مجهولاً. العلة: عللوا هذا: - بأن عقد الجعالة عقد جائز والعقد الجائز لا يلزم منه الإلزام وإذا لم يكن هناك إلزام جازت الجهالة فإن الجهالة تتنافى مع الإلزام فإذا لم يكن إلزام جازت الجهالة وإذا وجد الإلزام منعت الجهالة فعقد الجعالة عقد جائز. إذاً لا إلزام فيه. إذاً: يجوز فيه أن يكون العمل مجهولاً. واستدلوا بدليل ثان وهو أيضاً صحيح ومفيد: - وهو أنهم قالوا: غالباً ما يكون العمل في عقد الجعالة لا يمكن تقديره. فإذا قال: من رد عليَّ جملي فله كذا وكذا. لا ندري هل الجمل في مكان قريب أو في مكان بعيد؟ وهل سيتمكن العال من إحضاره بسهولة؟ أو بصعوبة؟ وهل سيخسر عليه جهداً ووقتاً كبيراً؟ أو جهداً ووقتاً قليلاً. هذا لا يمكن تقديره. لأنه جمل شارد لا يمكن تقدير وضعه. وهذا هو معنى الحاجى التي لأجلها ذهب الجماهير إلى مشروعية عقد الجعالة. ـ قوله ﵀: (مدة معلومة أو مجهولة). يعني: يجوز أن يعقد عقد الجعالة على مدة معلومة: كأن يقول: من رد إليَّ جملي في أسبوع هذا صحيح. بعد الأسبوع لو رده لا يملك شيئاً. ويجوز أن يقول: من رد عليَّ جملي في أي وقت شاء فله كذا وكذا. وهذه مدة مجهولة. والدليل على جواز جهالة المدة هو الدليل السابق تماماً. فإن جهالة المدة مساوية لجهالة العمل في الحكم والدليل. - قال ﵀: - كرد عبد ولقطة وخياطة وبناء حائط. هذه الأمثلة الأربعة هي أمثلة لعقد الجعالة. والضابط العام: هو ان نقول: (كل ما جازت الأجرة عليه جازت الجعالة عليه). (وكل ما حرمت الأجرة عليه حرمت الجعالة عليه). فلا يجوز عقد الجعالة على عمل محرم كما أن الأجرة لا تجوز على أمر محرم. ولا يجوز عقد الجعالة على قربة من القرب كما أنه لا يجوز عقد الإجارة على قربة من القرب. الخلاصة: أن كل ما جاز عقد الإجارة عليه جاز عقد الجعالة عليه. ولا فرق بينهما.

стр. 1930

وإذا لا حظت ستجد أن المؤلف ﵀ مثل لكل قسم من أقسام العمل في الجعالة بمثالين: فقوله: (كرد عبد ولقطة) هذا من القسم الأول أو من أمثلة القسم الثاني:؟ الثاني. وقوله: (وخياطة وبناء حائط) من أمثلة القسم: الأول. وهذا من حسن التأليف في الحقيقة أنه يمثل مراعياً استيفاء الأقسام. فمثل على كل قسم بمثالين. - قال ﵀: - فمن فعله بعد علمه بقوله: استحقه. أفدنا المؤلف ﵀ بهذه العبارة مسألتين: * * المسألة الأولى/ أن الإنسان إذا عمل العمل وانتهى استقر حقه في الأجرة. لأنه عمل لغيره بعقد صحيح فلما انتهى العمل استحق العوض. * * المسألة الثانية/ أن هذا العمل لابد أن يكون بعد العلم. فإن عمل لغيره قبل العلم فلا شيء له. لماذا؟ استدلوا على هذا: بأنه عمل في ملك غيره بغير إذنه فهو شرعاً متبرع. إذاً: يشترط لاستحقاق الأجرة في الجعالة أن يكون العمل تم بعد العلم. فإن كان قبل العلم فلا شيء له. ولو كان تسليم العمل بعد العلم. المهم أن يكون العمل كله بعد العلم. أما التسليم فلا علاقة له. فإذا رد الجمل بلا علم بالجعالة ولما دخل المدينة عرف أن صاحب الجمل وضع عليه جعالة وسلمه إليه فلا يستحق شيئاً. وإن كان سلكه بعد العلم. لأن العمل وقع متى؟ قبل العلم. - قال ﵀: - والجماعة: يقتسمونه. يعني: إذا اشترك جماعة في إنجاز العمل فإنهم يقتسمون العوض. والتعليل: - أنهم اشتركوا في العمل فاشتركوا في العوض. وهذا مخصوص بما إذا لم يقل الجاعل إذا رد زيد الجمل فله كذا وكذا. فإن عين في العقد من يعمل فإن من عمل غيره لا يستحق شيئاً ولو عمل بعد العلم ولو أحضر المطلوب. لأن الجاعل حدد العامل فقال: (إن أحضر زيد الجمل فله كذا وكذا. أما إذا قال: من أحضر الجمل فله كذا وكذا واشترك جماعة في إحضاره فهم يشتركون في العوض. - ثم قال ﵀: - وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه. يعني: وإذا علم في أثناء العمل بأن صاحب العمل وضع جعلاً فإنه يستحق القسط من علمه ولكن هذا مشروط بأن ينوي بعد العلم العمل مقابل هذا العوض. فإن لم ينو فهو متبرع.
следующие страницы →