Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
- أن هذه المسألة وقعت في عهد النبي ﷺ وأفتى فيها. وذلك أن رجلاً من الأنصار اشتكى إلى النبي ﷺ في الزبير بن العوام فقال: إن الزبير يسقي قبلي فقال النبي ﷺ اسقي يا زبير ثم دع الماء لجارك.
هذه الفتوى الأولى.
فقال الأنصاري: - لعله مع الغضب - أن كان ابن عمتك يارسول الله. فتلون وجه النبي ﷺ واشتد غضبه ثم قال: اسق يازبير إلى أن تبلغ الجدر ثم دع الماء.
ما معنى الحديث؟ معنى الحديث: ان النبي ﷺ أفتاه أولاً بأن يأخذ دون حقه الواجب وهو أن يسقي السقي المعتاد ولو لم يصل الماء إلى الجدر فلما اعترض الأنصاري على هذا الحكم العدل الذي فيه مراعاة للإنصاري استوفى النبي ﷺ حف الزبير الشرعي فأمره أن يسقي إلى أن يبلغ الماء إلى الجدر ثم يترك الماء إلى جاره.
لكنا نجد المؤلف ﵀ يقول: (إلى أن يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى من يليه).
فالتحديد بالوصول إلى الكعب أخذ من أنهم حبسوا مقدار ما يصل إليه الماء من الجدر فوجدوه إلى الكعب فأخذوا هذا حكماً مسلماً.
فإذاًك نقول هذا هو الحكم.
فمن في أعلى النهر أحق ممن دونه ممن هو أسفل منه وهكذا تتدرج القضية ولو انتهى الماء عن الأخير.
وبهذا عرفنا الحكم إذا حصلت المشاحة بينهم على الماء.
- ثم قال ﵀:
- وللإمام دون غيره: حمى مرعى لدواب المسلمين، ما لم يضرهم.
الحمى: هو أن يمنع الإمام الناس من الرعي في منطقة محددة بحيث تكون خاصة لماشية الزكاة أو خيول الجهاد.
ولاشك أنهم ذكروا هذا كالتمثيل. لأن غالب مواشي بيت المال في العهد النبوي وفي ما بعده غالبها إما أن تكون صدقات أو تكون خيولاً معدة للجهاد.
فإذاً: الآن الحمى هو أن يمنع الإمام الناس من الرعي في مكان معين ويخصصه لبهيمة الأنعام الزكاة ولخيول الجهاد.
وكون الإمام يحمي هذا ثابت بالنص والإجماع - أو بأدق: (كون النبي ﷺ يحمي هذا ثابت بالنص والإجماع).
стр. 1927
ـ أما النص: فقوله ﷺ : (لا حمى إلا لله ولرسوله) فأثبت ﷺ الحمى له حقاً من حقوقه ﷺ .
ـ وأجمعت الأمة على ذلك.
لكن اختلفوا فيما إذا حمى غير النبي ﷺ من الأئمة الذين يأتون بعده.
= فذهب الحنابلة: إلى أن الأئمة كلهم يملكون الحق في الحمى وأن الحديث جاء لتقرير مبدأ الحمى لا لحصره على النبي ﷺ وأيضاً قالوا: الحديث جاء لتقرير حق الحمى للنبي ﷺ كإمام فإذا جاء إمام بعده فله نفس الحق.
= والقول الثاني: أن الحمى خاص بالنبي ﷺ وأن من بعده لا يملك أن يحمي.
واستدلوا كما هو معلوم:
- بقوله: (لا حمى إلا لله ورسوله). فهذا الحديث خص الحمى بالله ورسوله.
والراجح مذهب الحنابلة: والسبب في ذلك: أن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي كلهم حموا. وهذا لاشك دليل قاطع أن الحمى ليس خاصاً بالنبي ﷺ وإنما يتناول كل إمام ياتي من بعده فله الحق في أن يحمي.
يقول ﵀: (وللإمام دون غيره: حمى مرعى لدواب المسلمين ما لم يضرهم). يشترط في حمى الإمام أن لا يضر بالناس. لعموم قول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار).
فإن الإمام كما أن عليه أن يراعي الأموال الزكوية من بهيمة الأنعام وخيول الجهاد كذلك عليه أن يراعي مصالح الناس. فلا يجوز أن يحمي حمىً يترتب عليه أذية وإضرار للناس.
بهذا ينتهي باب إحياء الموات وننتقل إلى باب الجعالة .
باب الجعالة
- قال ﵀:
- باب الجعالة.
الجعالة: مشتقة في اللغة من الجعل. والجعل: معناه هو ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله. فكل ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله فيعتبر جعلاً. في لغة العرب.
وأما في الاصطلاح فذكره المؤلف ﵀ وسنتكلم عليه.
والجعالة عقد مشروع: لقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم).
فهذه الآية نص في وضع عوض مالي لمن يعمل عملاً معلوماً أو مجهولاً كما سيأتينا.
стр. 1928
فإذاً الجعالة عقد مشروع للآية ويدل على مشروعيتها: أن الحاجة تمس إلى هذا العقد لأن الأعمال منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول ولو اكتفينا بعقد الإجارة لما أمكن للإنسان أن يعقد عقداً على عمل مجهول لأنه ليس في العقود الشرعية ما يفي بهذا فيما لو أبطلنا عقد الجعالة.
= والقول الثاني: أن عقد الجعالة لا يشرع.
- لما فيه من الجهالة والغرر وعدم معرفة العاقبة.
وهذا قول ضعيف جداً ومخالف لجماهير الفقهاء كما أنه مخالف لظاهر القرآن.
والراجح إن شاء الله أنه عقد مشروع.
- قال ﵀:
- وهي: أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة.
هذا تعريف الجعالة: (هي: أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة).
ـ قوله ﵀: (هي أن يجعل) يشترط في الجاعل: أن يكون من جائزي التصرف: بالغ - عاقل - رشيد.
فإن لم يكن من جائزي التصرف فإن عقد الجعالة لا يصح منه لأنه من العقود المالية التي لا تصح إلا من جائز التصرف.
ـ يقول ﵀: (شيئاً معلوماً) يشير المؤلف ﵀ بهذا إلى اشتراط معلومية الجعل وأنه لا يجوز أن يكون مجهولاً.
ومعلومية الجعل تكون: بما تعرف به الأجرة في عقد الإجارة. فما ذكرناه هناك من الأشياء التي يجب أن يتصف بها مبلغ الأجرة تأتي معنا في الجعل تماماً.
الدليل على وجوب معرفة الجعل:
- هو أن الجعل بعد إتمام العمل يكون لازماً في حق الجاعل ولا يمكن الإلزام بالمجهول.
وهذا صحيح ولاشك فيه فلا يجوز للإنسان أن يقول من ر د عليَّ بعيري فله شيء. أو فله متاع - كلمة متاع - أو فله كما يقول بعض الناس - فله مبلغ مالي.
هذا لا يجوز والعقد باطل.
وغالباً بل يكاد يكون دائماً محل نزاع: لأن العامل يقدر عمله كثيراً والجاعل يقدر العمل قليلاً يرى أنه عمل قليل والعامل يرى أنه عمل عملاً كثيراً وينعكس هذا الاختلاف على تقدير العوض.
ولذلك لاك أنه يشترط أن يكون الجعل معوماً.
ـ قال ﵀: (لمن يعمل له عملا معلوماً أو مجهولاً) العمل في الجعالة ينقسم إلى قسمين:
стр. 1929
- القسم الأول: أن يكون العمل لإيجاد معدوم. كأن يكون بناء حائط أو خياطة ثوب.
- القسم الثاني: أن يكون لرد مفقود. كأن يكون لرد الآبق أو لرد الشارد.
وسواء كان العمل من القسم الأول أو من القسم الثاني فإنه يجوز أن يكون مجهولاً.
العلة: عللوا هذا:
- بأن عقد الجعالة عقد جائز والعقد الجائز لا يلزم منه الإلزام وإذا لم يكن هناك إلزام جازت الجهالة فإن الجهالة تتنافى مع الإلزام فإذا لم يكن إلزام جازت الجهالة وإذا وجد الإلزام منعت الجهالة فعقد الجعالة عقد جائز. إذاً لا إلزام فيه. إذاً: يجوز فيه أن يكون العمل مجهولاً.
واستدلوا بدليل ثان وهو أيضاً صحيح ومفيد:
- وهو أنهم قالوا: غالباً ما يكون العمل في عقد الجعالة لا يمكن تقديره. فإذا قال: من رد عليَّ جملي فله كذا وكذا. لا ندري هل الجمل في مكان قريب أو في مكان بعيد؟ وهل سيتمكن العال من إحضاره بسهولة؟ أو بصعوبة؟ وهل سيخسر عليه جهداً ووقتاً كبيراً؟ أو جهداً ووقتاً قليلاً.
هذا لا يمكن تقديره. لأنه جمل شارد لا يمكن تقدير وضعه.
وهذا هو معنى الحاجى التي لأجلها ذهب الجماهير إلى مشروعية عقد الجعالة.
ـ قوله ﵀: (مدة معلومة أو مجهولة). يعني: يجوز أن يعقد عقد الجعالة على مدة معلومة: كأن يقول: من رد إليَّ جملي في أسبوع هذا صحيح. بعد الأسبوع لو رده لا يملك شيئاً.
ويجوز أن يقول: من رد عليَّ جملي في أي وقت شاء فله كذا وكذا.
وهذه مدة مجهولة.
والدليل على جواز جهالة المدة هو الدليل السابق تماماً. فإن جهالة المدة مساوية لجهالة العمل في الحكم والدليل.
- قال ﵀:
- كرد عبد ولقطة وخياطة وبناء حائط.
هذه الأمثلة الأربعة هي أمثلة لعقد الجعالة.
والضابط العام: هو ان نقول: (كل ما جازت الأجرة عليه جازت الجعالة عليه). (وكل ما حرمت الأجرة عليه حرمت الجعالة عليه).
فلا يجوز عقد الجعالة على عمل محرم كما أن الأجرة لا تجوز على أمر محرم.
ولا يجوز عقد الجعالة على قربة من القرب كما أنه لا يجوز عقد الإجارة على قربة من القرب.
الخلاصة: أن كل ما جاز عقد الإجارة عليه جاز عقد الجعالة عليه. ولا فرق بينهما.
стр. 1930
وإذا لا حظت ستجد أن المؤلف ﵀ مثل لكل قسم من أقسام العمل في الجعالة بمثالين:
فقوله: (كرد عبد ولقطة) هذا من القسم الأول أو من أمثلة القسم الثاني:؟ الثاني.
وقوله: (وخياطة وبناء حائط) من أمثلة القسم: الأول.
وهذا من حسن التأليف في الحقيقة أنه يمثل مراعياً استيفاء الأقسام.
فمثل على كل قسم بمثالين.
- قال ﵀:
- فمن فعله بعد علمه بقوله: استحقه.
أفدنا المؤلف ﵀ بهذه العبارة مسألتين:
* * المسألة الأولى/ أن الإنسان إذا عمل العمل وانتهى استقر حقه في الأجرة.
لأنه عمل لغيره بعقد صحيح فلما انتهى العمل استحق العوض.
* * المسألة الثانية/ أن هذا العمل لابد أن يكون بعد العلم. فإن عمل لغيره قبل العلم فلا شيء له.
لماذا؟ استدلوا على هذا: بأنه عمل في ملك غيره بغير إذنه فهو شرعاً متبرع.
إذاً: يشترط لاستحقاق الأجرة في الجعالة أن يكون العمل تم بعد العلم. فإن كان قبل العلم فلا شيء له. ولو كان تسليم العمل بعد العلم.
المهم أن يكون العمل كله بعد العلم.
أما التسليم فلا علاقة له.
فإذا رد الجمل بلا علم بالجعالة ولما دخل المدينة عرف أن صاحب الجمل وضع عليه جعالة وسلمه إليه فلا يستحق شيئاً. وإن كان سلكه بعد العلم.
لأن العمل وقع متى؟ قبل العلم.
- قال ﵀:
- والجماعة: يقتسمونه.
يعني: إذا اشترك جماعة في إنجاز العمل فإنهم يقتسمون العوض.
والتعليل:
- أنهم اشتركوا في العمل فاشتركوا في العوض.
وهذا مخصوص بما إذا لم يقل الجاعل إذا رد زيد الجمل فله كذا وكذا.
فإن عين في العقد من يعمل فإن من عمل غيره لا يستحق شيئاً ولو عمل بعد العلم ولو أحضر المطلوب.
لأن الجاعل حدد العامل فقال: (إن أحضر زيد الجمل فله كذا وكذا.
أما إذا قال: من أحضر الجمل فله كذا وكذا واشترك جماعة في إحضاره فهم يشتركون في العوض.
- ثم قال ﵀:
- وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه.
يعني: وإذا علم في أثناء العمل بأن صاحب العمل وضع جعلاً فإنه يستحق القسط من علمه ولكن هذا مشروط بأن ينوي بعد العلم العمل مقابل هذا العوض.
فإن لم ينو فهو متبرع.
стр. 1931
وقول المؤلف: (بقسطه) لا يدل على المناصفة فإذا قال: من بنى لي هذا الجدار فله كذا وكذا وبدأ هذا الرجل بالبناء قبل العلم فلما انتصف في البناء علم ثم أتم الجدار بنية أخذ العوض فليس القسط في هذه الصورة هو النصف.
لماذا؟
لأن العمل في أسفل الجدار أصعب من العمل في أعلى الجدار.
وأحياناً تنقلب الصورة فيكون العمل في أعلى الجدار أصعب من العمل في أسفل الجدار لأن الأعلى يصعب الوصول إليه.
إذاً: القاعدة أنا نعتبر المشقى وعدمها في تقدير استحقاق العامل وليس الأمر بالمناصفة دائماً.
كذلك لو ذهب لرد البعير الشارد وكان نصف الطريق صعب جداً ونصفه اللآخر سهل جداً فإنه إذا علم بعد قطع النصف فسيأخذ أكثر أو أقل من النصف؟ أقل لأن الباقي الذي يستحق عليه العوض أسهل من الذي عمله قبل العلم.
- ثم قال ﵀:
- ولكل فسخها.
صرح المؤلف ﵀ أن العقد عقد جائز.
لكن نلاحظ هنا أن اللمؤلف ﵀ يقول: (ولكل فسخها).
وفي مواضع أخرى من العقود الجائزة يقول: (وهو عقد جائز) ثم نشرح وهو عقد جائز: نقول: (يعني لكل فسخها) فلماذا المؤلف ﵀ هنا صرح بهذا الحكم؟
لعله صرح بهذا الحكم لأن كون الجعالة جائزة من أركان عقد الجعالة. يعني من الأحكام المهمة في الجعالة أنها جائزة.
بينما عقد الوكالة: عقد جائز أو لازم؟ جائز.
وعقد المضاربة؟ جائز.
لكن الجواز في عقد المضاربة وعقد الوكالة ليس من الأحكام المهمة في عقد المضاربة.
أقول لعل المؤلف ﵀ بالحكم هنا لهذا السبب.
الجعالة عقد: إذاً: نقول جائز وإلى هذا ذهب الجماهير.
واستدلوا على هذا: - بأن عقد الجعالة لا إلزام فيها. وما لا إلزام فيه فهو جائز.
واستدلوا على هذا: - بأن العمل في الجعالة يصح أن يكون مجهولاً وهذا لا يكون إلا في العقود الجائزة.
= القول الثاني: وهو قول لبعض المالكية وليس هو المذهب.
أن عقد الجعالة لازم من الطرفين.
- قياساً على الإجارة.
وهذا القول ضعيف أنك إذا جعلت عقد الجعالة ىتقيسه على عقد الإجارة في كل شيء نتج عن هذا أنه لا يوجد عقد اسمه جعالة لأنه صار عقد الجعالة هو عقد الإجارة إذاً هذا القول ضعيف.
стр. 1932
= القول الثالث: أنه لازم من جهة الجاعل دون العامل.
واستدلوا على هذا:
- بأن في هذا الحكم رفع للضرر عن العامل حتى لا يعمل ثم يلغي الجاعل العقد بعد العمل.
والراجح مذهب الحنابلة. مذهب الجماهير الحنابلة وغيرهم من أهل العلم. هو أنه عقد جائز من الطرفين وهذا هو الراجح.
والجواب عن دليل القول الثالث: أن الضرر كما يتصور في حق العامل يتصور في حق الجاعل.
إذاً لا يمكن الاستدلال من شق واحد.
- قال ﵀:
- فمن العامل: لا يستحق شيئاً.
يعني: فإن كان الفسخ من العامل فإنه لا يستحق شيئاً لأنه أسقط حق نفسه بنفسه. وإذا أسقط الإنسان حق نفسه بنفسه فلا شيء له. بناء على هذا: لو جاء العامل وبنى كل الجدار لم يبق إلا آخر صف من اللبن أو من البلوك ثم ترك العمل فإنه لا يستحق شيئاً مطلقاً. لأنه أسقط حقه بنفسه. واستدلوا على هذا أيضاً:
- بأنه لم يوفي ما شرط عليه وهو العمل المتفق عليه.
هكذا قرر الحنابلة وفي الحقيقة أنه لم أجد بعد البحث البسيط لم أجد خلافاً في المسألة.
كأن هذا الأمر مذهب الجماهير لكن يظهر لي أنه لو قيل بأنه يعطى بمقدار عمله ما لم يكن فسخه إضراراً بالجاعل لكان قولاً متوجهاً. وإن بحثها بعضكم فهذا شيء جيد - إن بحث الحكم: إذا فسخ العامل العقد هل يستحق شيئاً من الأجرة أو بالإجماع كما قال الحنابلة أنه لا يستحق لو أن بعضكم بحثها لكان طيباً.
- قال ﵀:
- ومن الجاعل بعد الشروع: للعامل أُجرة عمله.
يعني: وإذا كان الفسخ من قبل الجاعل بعد الشروع فللعامل أجرة المثل.
فهم من كلام المؤلف ﵀ أنه إذا كان قبل الشروع فلا شيء له. وهذا صحيح.
وإنما لم ينص عليه المؤلف لأنه معلوم.
فإذا فسخ الجاعل العقد قبل الشروع فلا شيء للعامل لأنه لم يبدأ العمل ولم يصدر منه ما يستحق عليه الأجرة.
أما إن فسخ بعد الشروع فإنه للعامل أجرة المثل لأنه عمل عملاً تعاقد فيه مع صاحبه فاستحق العوض مقابله. ((الأذان)). فهم من كلام المؤلف ﵀ أن له أجرة المثل وليس القسط من الجعل لأن عقد الجعالة بطل بفسخ الجاعل له ولم يعد له أي أثر على الأجرة.
стр. 1933
= والقول الثاني: أن له بقسطه من الجعل ولو فسخنا عقد الجعالة لأن العامل إنما عمل مقابل اجعل المسمى لا مقابل أجرة المثل فنعتد بالجعل لا بأجرة المثل سواء كانت أجرة المثل أكثر أو أقل من الجعل.
وإلى هذا القول ذهب الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي وهو قول قوي كما ترون وهو الراجح إن شاء الله.
وعلم من قول المؤلف ﵀: (ومن الجاعل بعد الشروع). أنه يجوز للجاعل بعد الشروع في العمل أن يفسخ العقد والخلاف الذي تقدم معنا في كون العقد جائزاً أو لازماً إنما هو إذا كان قبل الشروع في العمل.
نأتي إلى الخلاف إذا كان بعد الشروع: فاختلفول على قولين:
= القول الأول: وهو للجماهير أيضاً: أنه يجوز فسخ العقد بعد الشروع وقبل الشروع يعني: يسوون بين المسألتين فيجوز مطلقاً.
= والقول الثاني: وهو مذهب المالكية الاصطلاحي - هناك قلنا أنه ىقول للمالكية. هنا نقول هذا هو المذهب الاصطلاحي أنه بعد الشروع في العمل ليس للجاعل أن يفسخ العقد.
لأن في هذا إضراراً ظاهراً بالعامل لأنه شرع الآن بالعمل.
وأنا أقول أن مذهب المالكية في مسألة بعد الشروع فيه وجاهة وإن كانت المسألة تحتاج إلى مزيد تأمل لكن فيه وجاهة بأن نمنع الجاعل من فسخ العقد متى شرع العامل في العمل.
- ثم قال ﵀:
- ومع الإختلاف في أصله أو قدره: يقبل قول الجاعل.
الاختلاف في أصله هو أن يزعم الجاعل أنه لم يشترط للعامل شيئاً ويزعم العامل أنه اشترط له شيئاً مقابل عمله.
فالقول قول الجاعل.
وإلى هذا ذهب الجماهير واستدلوا على هذا بأن الأصل براءة الذمة والأصل العدم فلا يمكن أن نلزم الجاعل بما لم يجعل على نفسه.
واستدلوا بدليل آخر وهو أن هذا يفضي إلى أن يقوم الإنسان بعمل ويلزم غيره بالأجرة مدعياً أنه تم بينه وبين هذا - أي صاحب العمل - عقداً مسبقاً وهذا يؤدي إلى الإضرار والتلاعب.
إذاً نقول هذا صحيح. إذا اختلفوا في أصله فالقول قول الجاعل.
- ثم قال ﵀:
- أو قدره.
إذا اختلفوا في قدره أو في جنسه أو في نوعه فالقول أيضاً قول الجاعل:
= عند الحنابلة. واستدلوا: - بذات الدليل/ وهو أن الأصل عدم الزيادة.
стр. 1934
= والقول الثاني: أنهما إذا اختلفا يتحالفان ويسقط قول كل منهما ونرجع إلى أجرة المثل.
والخلاف في قولهم أجرة المثل كالخلاف السابق.
= والقول الثالث: أنه إن ذكر أحدهما جعلاً معلوماً معتاداً قبل بيمينه. وإن لم يذكر أحدهما جعلاً معلوماً معتاداً أو ذكر كل منهما جعلاً معلوماً معتاداً فإنهما يتحالفان ويسقط العقد ونرجع إلى أجرة المثل.
وهذا الثالث من أقوال المالكية وهو الصحيح في الحقيقة قول قوي ووجيه ويتوافق مع معطيات الواقع.
فإذا ادعى أحدهما شيئاً معقولاً مقبولاً قبلناه مع يمينه وإلا تساقطا وتحالفا ورجعنا إلى أجرة المثل.
- ثم قال ﵀:
- ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملاً بغير جعل: لم يستحق عوضاً
إذا عمل لغيره بغير عقد ولا جعل فإنه لا يستحق شيئاً لأنه تقدم معنا أن من عمل لغيره بغير إذنه فهو في الشرع متبرع.
فهذا الشخص لا يستحق هذا العوض لكونه عمل بلا عقد سابق.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ..
стр. 1935
الدرس: (٤٨) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
((نقص من أول الدرس - في التسجيل)) .... العوض ولو بلا اتفاق مسبق. ومن أمثلة هؤلاء: الملاح والحجام.
فهؤلاء وضعوا أنفسهم لهذا العمل فإذا عمل لغيره ولو بلا اتفاق مسبق فإنهه يستحق أجرة المثل.
هذا معنى قول المؤلف ﵀ هنا: (ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملاً بغير جعل: لم يستحق عوضاً) ذكرت إذاً هذا الأمر الذي يستثنى من هذه الجملة وهي: ما إذا كان الإنسان قد أعد نفسه لهذا العمل.
ويستثنى أيضاً من هذا من يخلص متاع غيره من الهلكة فهذا يستحق أيضاً أجرة المثل.
والسبب: - أن في ذلك تشجيعاً للمسلم على المحافظة على مال أخيه.
ولذلك استثناه الحنابلة وجعلوا له الأجر ولو أنه خلصه بلا اتفاق مسبق.
فهاتان مسألتان تستثنيان من كلام المؤلف ﵀.
ـ المسألة الثالثة/ نص هو على الاستثناء:
стр. 1936
- فقال ﵀:
- إلاّ ديناراً أو اثني عشر درهماً: عن رد الآبق.
أي: أنه يستثنى من عدم استحقاق العوض إذا عمل لغيره بغير اتفاق ما إذا رد الآبق.
فهو مستثنى ونصوا أيضاً على العوض ولم يجعلوه مفتوحاً حسب أجرة المثل فهو يقول ﵀ هنا: (ديناراً أو اثني عشر درهماً) فمن رد العبد الآبق استحق الدينار ولو بلا اتفاق مسبق.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم بأمرين:
- الأمر الأول: الآثار المروية عن ثلاثة من الصحابة وهم: عمر وعلي وابن مسعود ﵃ أجمعين.
وهذه الآثار فيها ضعف إلا أن أجودها أثر ابن مسعود فهو إن شاء الله ثابت كما أن ضعف أثر عمر وعلي يسير.
- والدليل الثاني: استدلوا: بأن هذا المعنى روي عن النبي ﷺ فإنه روي عنه: (أن من رد الآبق فله ديناراً).
وهذا الحديث مرسل لا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
- والدليل الثالث: أن في رد الآبق منعاً لشرده. فإنه إذا ترك الآبق شارداً فغالباً ما يسعى في الأرض فساداً ففي رده كف لهذا الفساد.
- الدليل الرابع: أن العبد الآبق إذا لم يرد فإنه يخشى أن يلتحق بالكفار.
فهذه أربع أدلة استثنى بها الحنابلة ما إذا رد العبد الآبق بلا اتفاق فأوجبوا له الأجرة بلا عقد مسبق.
= والقول الثاني: أنه إذا رد العبد الآبق فلا شيء له ما لم يتفق مع صاحب العبد.
واستدلوا: - بأن هذا عمل بغير اتفاق مسبق ومن عمل لغيره بغير إذنه فلا أجرة له.
ورأوا أن ما استدل به الحنابلة آثار ضعيفة وحديث مرسل.
وقالوا: الأصل في مال المسلم الحفظ فإذا لم يكن هناك اتفاق مسبق فلا حق لراد العبد الآبق.
والراجح إن شاء الله: مذهب الحنابلة. لأن الآثار التي ذكروها يقوي بعضها بعضاً كما أن الحديث المرسل الذي أفتى بموجبه الصحابة يصلح للاحتجاج كما أن الأدلة العقلية التي ذكروها قوية وتكفي للقول بهذا القول الذي تبناه الحنابلة وهو استثناء رد العبد الآبق.
- ثم قال ﵀:
- ويرجع بنفقته أيضاً.
أي: ويرجع راد العبد الآبق بنفقته على هذا العبد.
واستدل الحنابلة على ذلك:
стр. 1937
- بأن النفقة على العبد الآبق أمر بها الشارع لأن فيها حفظاً لنفس معصومة وما فعله الإنسان بإذن الشارع فإنه لا يضمن.
كما استدلوا بـ:
- أن في رد العبد الآبق مصالح وهي المذكورة في المسألة السابقة: منعه من الفساد أو اللحوق بالكفار. وفي إيجاب النفقة على راد العبد الآبق تنفير عن تحقيق هذه المصالح.
= والقول الثاني: أن النفقة على العامل وهو راد العبد الآبق ولو كانت أكثر من الجعل بشرط أن يكون هذا العامل ممن وضع نفسه لرد الضوال.
= والقول الثالث: أن نفقة العبد الآبق على المالك لكن بشرط هو أن يأذن المالك بالنفقة أو يأذن الحاكم أو يشهد العامل شهود على النفقة.
وعللوا ذلك: - بأنه لو ترك الأمر للعامل لربما أسرف في النفقة أو ادعى نفقة كبيرة.
لأجل أن لا يحصل هذا المحذور اشترطوا عليه هذه الشروط.
وعلم من هذا أالقول الثالث هو القول الأول لكن بشروط.
وهذا القول الثالث فيما يبدو لي أقوى الأقوال حذراً من المبالغات في تقدير النفقات.
وبهذا انتهى باب الجعالة وننتقل إن شاء اله إلى باب اللقطة .
باب اللقطة
- قال ﵀:
- باب اللقطة.
اللقطة: لغة اسم لما يؤخذ من الأرض.
وتعريفه بأنه اسم لما يؤخذ من الأرض أحسن من تعريفه بأنه اسم لما يلقط من الأرض.
حتى لا نعرف الشيء بنفسه. هذا تعريفه لغة:
وأما اصطلاحاً: فاللقطة: هو المال الضائع عن ربه إذا أخذه عن غيره.
فهذا تعريف اللقطة في اللغة وفي الشرع. والمؤلف ﵀ عرَّف أيضاً اللقطة وإنما ذكرت التعريف الذي قلته شرعاً لأنه أوضح على في تعريف المؤلف ﵀ مزية وهي: التنويه إلى بعض الأحكام الخاصة باللقطة.
- يقول ﵀:
- وهي: مال.
المال في الشرع هو: كل عين جاز الانتفاع بها بلا حاجة. وتقدم معنا في البيوع تفصيل هذا التعريف وبيان محترزات التعريف فلسنا بحاجة إلى إعادته الآن. إذاً عرفنا ما هو المال في الشرع.
- يقول ﵀:
- أو مختص.
المختص: أو المختصات في الشرع هي: كل عين لا يجوز أن يقع عليها عقد البيع وصاحبها أحق بها.
كالكلب المعلم. فهو من أبرز أمثلة المختصات.
فلابد لكي نعتبر العين لقطة أن تكون مال أو تكون مختص.
стр. 1938
فإذا وجد الإنسان جرة خمر فإنها ليست لقطة بل يجب عليه أن يتلفها لأنها ليست مال شرعاً ولا مختص.
- قال ﵀:
- ضل عن ربه.
معنى قوله: (ضل) يعني ضاع عن ربه. والحكم لا يختص بالضياع بل ما يشابه الضياع يأخذ حكم الضياع.
مثل: أن يدفن الإنسان ماله وينسى أين دفنه ويجده غيره.
فإذا وجده غيره فهو لقطة. وذلك إذا كان الدفن قريباً وطرياً فحينئذ يكون لقطة.
فإذاً: عبَّر المؤلف ﵀ بقوله: (الضال) لأن الغالب في اللقطة أن تكون بسبب الضياع لا بسبب الدفن ونسيان مكان الدفن.
- ثم يقول ﵀:
- وتتبعه همة أوساط الناس.
معنى: (تتبعه همة أوساط الناس) يعني: يهتمون في طلبه.
فالشيء الذي لا تهتم أنت في طلبه فليس مما تبعه همة أوساط الناس.
وقوله: (تتبعه أوساط الناس يعني: دون المتساهلين منهم ودون المتشددين وإنما الوسط.
فمن الناس من لا قيمة للمال الكثير في نظره.
ومن الناس من يكون المال القليل جداً عظيم في نظره فلا هذا يعتبر ولا هذا يعتبر وإنما ننظر إلى أوساط الناس وعامتهم في تقدير هل هذا المال تتبعه الهمة أو لا تببعه الهمة.
هذا شيء والشيء الثاني: أشار الشيخ منصور ﵀ في الشرح: إلى أن هذا ليس من حقيقة اللقطة وإنما هو شرط في التعريف.
فكأنه يقول: إيراده في التعريف غير مناسب. لأنه من شروط التشييد وليس من حقيقة تعريف اللقطة.
وإشارته ﵀ صحيحة.
فإن الشيء الذي لا تتبعه همة أوساط الناس هو أيضاً لقطة.
بينما يفهم من تعريف الشيخ إخراج الشيء الذي لا تتبعه همة أوساط الناس عن مدلول كلمة اللقطة. وهذا ليس بصحيح.
فإذاً: يكون التعريف فقط: هي مالٌ أو مختص ضل عن ربه.
هذا هو التعريف.
وأما: (وتتبعه همة أوساط الناس) فهو من شروط التشييد وليس من حقيقة التعريف.
اللقطة في الشرع تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
وهذا التقسيم باعتبار أمرين:
ـ الأمر الأول: شرط التملك.
ـ والأمر الثاني: جواز اللقطة. - أو جواز اللقط يعني: جواز الأخذ. هل يجوز أن نأخذ أو أن لا نأخذ.
فالأقسام باعتبار هذين الأمرين.
ـ القسم الأول: أشار إليه المؤلف ﵀:
- فقال ﵀:
стр. 1939
- فأما الرغيف والسوط ونحوهما: فيملك بلا تعريف.
ـ القسم الأول: هو ما لا تتبعه همة أوساط الناس.
فإذا كان المال الملقى لا تتبعه همة أوساط الناس فإنه يجوز أن يلقط: هذا الشيء الأول. ويملك بلا تعريف. وهذا الشيء الثاني.
إذاً: يجوز أن يلقط. ويجوز أن يملك. وأيضاً بلا تعريف.
استدل الحنابلة على جواز أخذه وعلى جواز تملكه بلا تعريف بدليلين:
- الدليل الأول: أن النبي ﷺ كما في الصحيح مرَّ على تمرة فقال لولا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها. ولم يشر النبي ﷺ في الحديث إلى التعريف وذلك لأن التمرة مما لا تتبعه همة أوساط الناس.
- الدليل الثاني: الإجماع فإن أهل العلم أجمعوا على أن المال الذي لا تتبعه همة أوساط الناس يملك بمجرد الالتقاط ولا يشترط فيه التعريف.
* * مسألة/ فإذا التقطه وأكله ثم جاء صاحبه فإنه لا يضمن له لأنه إنما أخذه بموجب الشرع فلا ضمان عليه ولو جاء صاحبه بعد ذلك. أما إن جاء صاحبه قبل أن ينتفع به فإنه يجب أن يرده إليه. لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. وهذا المال: مال هذا الذي جاء فيجب أن يدفع له.
وبهذا انتهى القسم الأول من اللقطة.
- ثم قال ﵀:
- وما امتنع من سبع صغير كثور وجمل ونحوهما: حرم أخذه.
هذا هو القسم الثاني من أقسام اللقطة وهو: القسم الذي لا يجوز أن يؤخذ أصلاً. وإذا كان لا يجوز أن يؤخذ فمن باب أولى لا يجوز أن يملك.
إذاً: القسم الثاني: هو الذي لا يجوز أن يؤخذ ولا يجوز بطبيعة الحال أن يملك. وهو: ما يمتنع بنفسه من صغار السبُع. لكن في الواقع ليس هذا هو الشرط الوحيد بل يضاف إليه شرطان:
ـ الشرط الأول: أن يتمكن من ورود الماء والشرب.
ـ الشرط الثاني: أن يصبر عن شرب الماء مدة طويلة.
فصار الشيء الذي لا يجوز أن يلقط هو الذي اتصف بثلاث صفات:
١ - أن يمتنع من صغار السبع.
٢ - وأن يتمكن من ورود الماء.
٣ - وأن يكون من اللاتي يصبرن عن الماء وقتاً طويلاً.
وهذا النوع يتعلق بالحيوان فقط ويسمى الضوال. فالضوال عند الفقهاء مصطلح خاص بالحيوان الضائع ولا يطلق على غيره من أنواع اللقطة.
стр. 1940
(وصغار السبع) هي: السباع الصغيرة التي لا تفترس الحيوانات الكبيرة. ومثلوا لها بثلاثة أمثلة: ـ الأول: الذئب. واعتبروه من صغار السباع. ـ والثعلب. ـ والأسد الصغير. فالأسد الصغير يعتبر من صغار السباع والثعلب والذئب ولو كان كبيراً فهو يأخذ حكم صغار السباع.
ومثل المؤلف ﵀ لهذه الحيوانات التي لا يجوز أن تؤخذ بقوله: (كثور وجمل).
تختلف الأسباب التي من أجلها يمتنع الحيوان عن صغار السباع:
ـ فقد يمتنع عن صغار السباع لكونه كبيراً. كما مثل المؤلف ﵀: (كالجمل). فالجمل يمتنع بجسمه.
ـ وقد يمتنع عن صغار السباع لشدة عدوه كالظباء مثلاً. فإنه لا يمكن لصغار السبع أن يصطاد الظباء لسرعتها.
ـ وقد يمتنع لكونه يطير كالطيور كلها. لأن هذه تمتنع عن صغار السباع.
وألحق الحنابلة بما يمتنع بحجمه - ألحق بالجمل: الحمير. فقالوا: إنها تمتنع بحجمها كما يمتنع الجمل.
= والقول الثاني: أنها لا تمتنع.
- أولاً: لأن صغار السباع يتمكن من افتراس الحمار.
- ثانياً: لأنه لا يصبر عن الماء.
- ثالثاً: لأنه لا يحسن الوصول إلى الماء.
فهو في الحقيقة أشبه بالشاة منه بالبعير.
وهذا القول نصره جداً الشيخ الفقيه ابن قدامة وهو كما قال ﵀. قول وجيه وصحيح.
فجنس الحمير لا يلحق بكبار الأجسام كالجمل.
ويلحق بهذا القسم: الذي لا يجوز أخذه - كل ما لا يتلف ببقائه كالقدور الكبيرة والطاحون الكبير فإن هذه الأشياء لو بقيت في الصحراء فإنه لا يضرها وتبقى إلى أن يأتي صاحبها ويأخذها.
فهي تشبه ما يمتنع من صغار السبع من حيث أنها لا تنظر ببقائها وقتاً طويلاً ملقاة على الأرض ولهذا لا يجوز للإنسان أن يأخذها بل تبقى في مكانها إلى أن يأتي صاحبها لأخذها.
стр. 1941
وعلم من هذا البحث كله أنه إذا تبين للإنسان أن هذه الأشياء التي ذكرها الفقهاء في مكان تتلف لو تركت ولو كانت كبيرة أو تعدو أو تطير بأن كان في المنطقة سباع صغيرة لكنها عرفت بأكل كبار الأجسام أو كانت في مكان لا يوجد فيه ماء أصلاً أو كان القدر الكبير في مكان فيه قطاع طرق بكثرة. حينئذٍ يجوز أن تؤخذ. وذلك استنباطاً من تعليلات الفقهاء لأنهم يرون عدم جواز أخذها لا متناعها بنفسها ونحن الآن تبين لنا أنها في مثل هذه الأمثلة لا تمتنع بنفسها فجاز حينئذ أن تؤخذ.
ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لتعليلات الفقهاء حتى يدور الحكم مع هذه العلة وجوداً وعدماً.
- ثم قال ﵀:
- وله إلتقاط غير ذلك.
هذا هو القسم الثالث: وهو القسم الأكبر من أنواع اللقطة وحكمه أنه يجوز أن يؤخذ ولا يملك إلا بالتعريف.
وهذا القسم يشمل كل ما عدا القسم الأول والثاني.
فكل عين سقطت على الأرض لا تدخل في القسم الأول ولا في الثاني فهي من القسم الثاني.
ولذلك نقول في تعريفه: هو كل ما لا يدخل في القسم الأول والثاني.
والدليل على حكم هذا النوع من اللقطة:
- حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن لقطة الذهب والفضة فقال النبي ﷺ (إعرف عفاصها ووكائها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فشأنك بها وهي وديعة عندك فإن جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه). وهذا اللفظ في الصحيح.
وهو من أهم أحاديث اللقطة لكونه يشتمل على مجموعة من المسائل.
وستلاحظ أن مفردات المسائل التي ذكرها المؤلف ﵀ تعتمد على هذا الحديث.
إذاً عرفنا الآن الدليل حيث نص النبي ﷺ على أنها تعرف لمدة سنة ثم تملك بعد ذلك.
- يقول ﵀:
- إن أمن نفسه على ذلك.
بدأ بشروط القسم الثالث:
ـ فالشرط الأول: أن يأمن نفسه على اللقطة يعني: أن لا يخون فيها. فإن لم يأمن نفسه وظن أنه لو أخذها ملكها بلا تعريف حرم عليه الأخذ أصلاً وهذا بالإجماع.
стр. 1942
ـ الشرط الثاني: أن يقوى على التعريف. أن يتمكن من التعريف. فإن ظن من نفسه أنه لا يستطيع أن يعرف هذه اللقطة إما لضعفه أو لفقره أو لانشغاله أو لأي سبب من الأسباب فإنه لا يجوز له ولو أمن نفسه عليها أن يأخذها إذ مالفائدة من أخذ اللقطة وهو بعلم من نفسه أنه لن يتمكن من التعريف بها.
فهذان شرطان لا يجوز الإلتقاط إلا بهما.
ثم لما بين المؤلف ﵀ شرط إلتقاط اللقطة في القسم الثالث بين ماذا يترتب على من خالف والتقط مع عدم توفر الشروط.
- ثم قال ﵀:
- وإلاّ فهو كغاصب.
أي أن حكمه حكم الغاصب.
ويندرج تحت هذا مسألتان:
ـ الأولى: أنه يضمن هذه العين مطلقاً فرَّط أو لم يُفَرِّط. لأنا نعامله معاملة الغاصب وهذا حكم الغاصب.
ـ المسألة الثانية: أنه لو أخذها بنية الخيانة ثم عرفها تائباً أو غير تائب. فإنها لا تملك بعد السنة. لأن يده يد غصب.
إذاً: الحكم الثاني: أنه إذا أخذها ثم عرفها سواء عرفها بعد التوبة أو عرفها بدون توبة وإنما عرفها هكذا فإنها لا تملك. لأنه أخذها بغير إذن شرعي فلا يستحق التملك.
= والقول الثاني: في هذه المسألة الثانية: أنه إذا أخذها وعرفها فإنه يملك هذه العين.
واستدل أصحاب هذا القول على قولهم:
- بأن الشارع رتب ملك العين الملتقطة على التعريف فإذا وجد السبب وجد الحكم فما دام عرفها فهي ملك له.
والأقرب والله أعلم المذهب: فإذا عرفها ولم يجد صاحبها فإنه يدفعها إلى بيت المال إن تمكن وإن لم يتمكن فإنه يتصدق بها عن صاحبها ولا يملكها أبداً ما دام أخذها بنية الخيانة فإنه ليس من أهل التملك.
وإن كان القول الثاني فيه قوة من حيث التعليل إلا أنه يظهر لي أن المذهب أقوى.
- ثم قال ﵀:
- ويعرف الجميع بالنداء.
أيك أنه يجب على ملتقط اللقطة أن يبدأ بالنداء فوراً وهو التعريف.
والدليل على هذا ظاهر:
- لقوله ﷺ : (عرفها). وهذا الأمر للوجوب. والأمر الذي للوجوب هو على الفور في أصح قولي الفقهاء.
إذاً: إذا كان الحديث أمر فهو للوجوب وعلى الفور. فيجب عليه أن يبادر بالتعريف.
وهذا معنى قول المؤلف ﵀ هنا: (ويعرف الجميع بالنداء في مجامع الناس غير المساجد).
стр. 1943
إذاً: يجب عليه أن يعرف مباشرة لحديث زيد السابق.
- يقول ﵀:
- في مجامع الناس.
المقصود من هذه الجملة: أن يتحرى الأماكن التي يظن أن وصول الخبر إلى صاحب اللقطة فيها أكبر.
وليس مقصود المؤلف ﵀ هنا بقوله: (في مجامع الناس) أنه يجب دائماً أن يعرف في مجامع الناس.
هذا ليس مقصوداً.
لكن مقصوده أن الغالب أنه إذا عرف في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد فإن صاحب اللقطة سيعرف خبر هذه اللقطة.
لكن لو افترضنا أن تعريفه اللقطة في مكان آخر وليس من مجامع الناس يظن أن وصول الخبر إلى صاحبها أكبر فيجب أن يترك مجامع الناس وأن يعرفها في هذا المكان الذي يظن أن وصول الخبر فيه إلى صاحبها أكبر.
من أمثلة هذا: أن يجد معاملة سقطت تختص بدائرة حكومية معينة وهي في طور الإعداد من المعلوم أن أنسب مكان للتعريف بهذه المعاملة أين؟ في مدخل هذه الدائرة.
لأنه لن يذهب صاحب هذا الشيء إلى أماكن تجمع الناس .. إلى آخره.
وهكذا يجب على الإنسان أن يعلم أنه إذا التقط اللقطة فهو أمين ومحاسب فعليه أن يعرف اللقطة في المكان الذي يظن أنه في الغالب أنها ستكون فيه.
فإذا كانت اللقطة يغلب على الظن أنها لشخص يعمل في سوق التمر من خلال ملابسات أو قرائن فيجب أن يعرفها في سوق التمر.
وإذا كان يغلب على الظن أن صاحب هذه اللقطة من خلال ملابسات وقرائن من تجار الذهب فإنه من الخطأ أن يذهب إلى سوق التمر ليعرف لقطة يغلب على الظن أنها لتاجر من تجار الذهب.
وهكذا يجتهد في معرفة المكان المناسب فإن لم توجد قرائن ولا دلائل فغنه يعرف في مجامع الناس.
- يقول ﵀:
- غير المساجد.
يعني: فإنه لا يجوز له أن يعرف فيها.
وذلك:
- لأن النبي ﷺ قال: (من رأيتموه ينشد ضالة في مسجد فقولوا: لا ردها الله عليك).
وهذا الحديث دليل واضح على التحريم. وذلك: لأن المساجد لم تبن لذلك وإنما بنيت لذكر الله والعبادة لا ليبحث الناس فيها عن ما سقط منهم من أمتعة.
فإذاً: لا يجوز في المساجد.
لكن عند أبواب المساجد لا حرج في ذلك.
- يقول ﵀:
- حولاً.
يعني: أن مدة التعريف سنة كاملة هجرية قمرية.
стр. 1944
تبدأ من اليوم الذي وجد فيه اللقطة وتنتهي في نفس اليوم من العام التالي.
والدليل على ذلك:
- الحديث السابق: فأنه قال: (عرفها سنة).
- كذلك: الآثار عن أصحاب النبي ﷺ : عمر وغيره ﵁. أفتوا بالتعريف لمدة سنة.
واختلفوا: أي واختلف الفقهاء في كيفية التعريف:
= فالقول الأول: أنه يعرفها في الأسبوع الأول في كل يوم. ثم بعد نهاية الأسبوع الأول يرجع إلى أعراف الناس في تعريفها.
= والقول الثاني: أنه يعرفها في الأسبوع الأول في كل يوم ثم في الشهر الأول في كل أسبوع ثم باقي السنة في كل شهر مرة.
والراجح إن شاء الله القول الأول. وأنتم علمتم الآن من سياق الخلاف أن جميع العلماء يرون وجوب التعريف في الأسبوع الأول في كل يوم.
ثم اختلفوا إذا انتهى الأسبوع الأول وذلك لأن الأسبوع الأول مظنة بحث صاحبها عنها أكبر بكثير من الأسبوع الثاني ثم تنقص هذه المظنة كلما ذهب الوقت.
على أنه في القول الثاني فيه ضعف في الحقيقة لأن الاكتفاء في ما بعد الشهر الأول بالتعريف مرةواحدة في الشهر فيه إجحاف في الحقيقة لأن هذا التعريف قليل جداً سيبقى أكثر السنة يعرف في الشهر كم؟ مرة.
وإن كان عرف في الشهر الأول في الأسبوع الأول منه في كل يوم وفي باقي الأسابيع مرة في كل أسبوع لكن يداية من الشهر الثاني سيكون التعريف في كل شهر مرة. وهذا قليل جداً.
ولذلك أنا أرى أن هذا القول فيه إجحاف بصاحب اللقطة لا سيما إذا كانت مهمة وضرورية ومرتفعة القيمة. كونه يعرف في كل شهر مرة متى يصادف صاحب اللقطة؟
ولذلك نقول: الراجح إن شاء الله القول الأول ويرجع في تعريفها إلى العرف بحسب الأهمية وبحسب الملابسات.
- ثم قال ﵀:
- ويملكه بعده حكماً.
يعني: ويملك اللقطة بعد اتعريف السنوي حكماً.
الدليل أنه يملكه: - الأحاديث: فالنبي ﷺ قال: (فهي لك) وفي لفظ: (فشأنك بها).
والأحاديث كثيرة في ملك المعرف للقطة بعد سنة.
وقوله (يملكها حكماً) يعني: قهراً من غير اختيار. كدخول الميراث في ملك صاحبه.
إذاً: الحنابلة يرون أن دخول اللقطة بعد التعريف لمدة سنة في ملك الملتقط دخولاً إجبارياً.
стр. 1945
وعللوا هذا: - بأن الأحاديث فيها إفادة الملك فهو يقول: (فهي لك).
- ثم إن الشارع رتب ملك على التعريف سنة فإذا انتهى تعريف السنة حصل الملك باختياره أو بغير اختياره.
ويترتب على هذا القول: أن الملتقط بعد سنة إذا تلفت اللقطة فهي مضمونة عليه مطلقاً.
لماذا مضمونة عليه مطلقاً؟ - لأنها أصبحت من أملاكه. وإذا دخل الشيء في ملكك ثم تلف فهو مضمون عليك مطلقاً لا نقول فرَّط أو لم يُفَرِّط لأنها أصبحت من أملاكه.
إذاً: عرفنا مذهب الحنابلة وعرفنا ماذا يترتب على هذا القول ويكاد يكون ما يترتب على القول أهم من القول.
= القول الثاني: أن اللقطة لا تدخل في ملكه إلا باختياره فإن اختار أن لا يتملك فإن اللقطة تصبح وديعة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط.
وهذا القول اختيار أبي الخطاب من الحنابلة وقول لبعض الشافعية وقيل إنه هو المذهب الاصطلاحي.
= القول الثالث: أن اللقطة بعد السنة تدخل في ملك الملتقط قهراً ولا يضمنها.
ففيه الجمع بين القولين. وجه ذلك:
- وجهه: أن الملتقط إنما التقطها بإذن الشارع وعرفها بإذن الشارع وملكها بإذن الشارع ولا يترتب على الإذن الضمان.
فإذا أخذها والتقطها وعرفها سنة وتملكها ثم تلفت أو انتفع منها فإنه إذا جاء صاحبها لا يضمنها له.
وهذا القول قوي ووجيه لولا اللفظ السابق لحديث زيد.
ففي اللفظ السابق يقول: (فإذا جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه). هذا لحديث يكاد يكون نص في المسألة.
وليس في الحديث أنه إذا جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه إلا إن كنت انتفعت بها. ليس في هذا القيد.
ولذلك الراجح إن شاء الله القول الثاني. فهو إن شاء تملك وإن شاء لم يتملك.
فإن لم يتملك فهي وديعة وأمانة تبقى عنده.
وإن شاء إذا مرت السنة ولم يرد أن يتملك إن شاء أن يدفعها إلى الإمام تخلصاً منها فهذا أمر مشروع وذكره بعض الفقهاء.
إذاً هو مخير بين أن تبقى عنده وديعة وبين أن يدفعها إلى بيت المال.
- ثم قال ﵀:
- لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها.
لا يجوز له أن يتصرف في الوديعة إلا بعد أن يضبط صفات الوديعة.
- لقول النبي ﷺ : (اعرف عفاصها ووكائها).
стр. 1946
فهذا أمر من النبي ﷺ .
والوكاء هو: ما يربط به الإناء سواء كان من جلد أو من قماش.
والعفاص: هو الإناء الذي يتخذ لتخزين الأشياء وأيضاً سواء كان من جلد أو من شيء آخر.
فالحديث نص على أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في اللقطة إلا بعد أن يضبط صفاتها.
ويستحب له أن يشهد على هذه الصفات كما يستحب له أن يكتب هذه الصفات لأن لا ينسى أو يهم.
- ثم قال ﵀:
- فمتى جاء طالبها فوصفها: لزم دفعها إليه.
- لقول النبي ﷺ : (فإذا جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه).
- ولقوله: (فعرفها سنة فإن لم تعرف فشأنك بها).
فمفهوم الحديث أنها إذا عرفت فهي ليست من أملاكه بل تدفع إلى صاحبها.
- ثم قال ﵀:
- والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما.
المؤلف ﵀ يريد بهذا أن يبين من الذي يملك الإلتقاط والتملك بعد التعريف.
= فالحنابلة يرون: أن كل إنسان مكلفاً كان أو غير مكلف صغيراً أو كبيراً مسلماً أو كافراً فإنه يملك بالالتقاط ولا نشترط أن يكون بالغاً عاقلاً مكلفاً.
واستدلوا على هذا:
- بأن الالتقاط وسيلة من وسائل التملك فهي كالاحتطاب والاصطياد. والاحتطاب والاصطياد لا يشترط له أن يكون المحتطب بالغاً يعني: مكلفاً.
= والقول الثاني: أنه يشترط في الملتقط أن يكون من المكلفين.
واستدلوا على هذا:
- بأن الالتقاط فيها نوع ولاية على اللقطة والولايات لا تكون إلا للمكلفين.
والراجح: المذهب. لأن شبه الالتقاط بالاحتطاب أكبر من شبهها فيما يحتاج إلى ولاية.
بناءً على هذا: يقول ﵀ إذا قررنا أن لكل واحد الإلتقاط صغيراً كان أو كبيراً:
- يقول ﵀:
- (والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما).
أي: أن الولي يجب عليه أولاً: أن يأخذ اللقطة من السفيه والصبي.
ثم إذا أخذها يجب عليه أن يعرفها نيابة عنهما.
فإن لم يأخذ اللقطة وأتلفها الصبي فإن وليهما يضمن هذه اللقطة: لأنه فرط.
ووجه التفريط: أنه ترك واجباً من واجباته وهو أخذ اللقطة والتعريف بها.
- ثم قال ﵀:
- ومن ترك حيواناً بفلاة لانقطاعه أو عجز ربه عنه: ملكه آخذه.
стр. 1947
إذا ترك الإنسان الحيوان رغبةً عنه فإنه يملك من آخذه.
استدل الحنابلة على هذا بدليلين:
- الأول: أن جابر ﵁ أراد أن يسيب جمله وهو مع النبي ﷺ ولم ينكر عليه ذلك النبي ﷺ .
- الثاني: أنه تركه رغبة عنه فخرج عن ملكه وكأنه أجاز لغيره أن يأخذه.
وهذا الحكم عند الحنابلة يختص بالحيوان.
أما العبد والحجر ونحوهما فإنه لا يلتقط ولو تركه رغبة عنه.
عللزا هذا:
- بأن العبد يستطيع أن يصل إلى سيده فهو يحسن التصرف.
- وأما الحجر فإنه يبقى بلا ضرر إلى أن يرجع إليه سيده.
وهنا أيضاً نقول: أنه إذا عرفنا أن سيد العبد تركه لا يريه ولو رجع إليه وأنه ترك الحجر والقدر الكبير رغبةً عنه ولا يريده أصلاً فإنه يجوز للإنسان أن يأخذه.
وإنما يترك فيما إذا علمنا أن لسيده رغبة فيه.
- ثم قال ﵀:
- ومن أخذ نعله ونحوه ووجد موضعه غيره: فلقطة.
إذا أخذ نعل الإنسان ونحوه كثيابه ووجد مكانها غيرها فحكمها عند الحنابلة أنها كاللقطة. يعني: تعامل معاملة اللقطة. فعليه ان يعرفها سنة ثم إذا عرفها سنة فإنه يأخذ منها حقه ويتصدق بالباقي. هذا حكم هذه المسألة عند الحنابلة.
في الحقيقة فيها إشكال: ووجه الإشكال: كيف يحكم الحنابلة على مثل هذه الصورة بأنها لقطة ثم يقولون أنه بعد مرور الحول يأخذ منها حقه فقط ويتصدق بالباقي؟ وقد قرروا في السابق أن اللقطة حكمها بعد التعريف أنها تملك: كلها.
ولذلك كأن الحنابلة يرون أنها لقطة من وجه وليست لقطة من وجه. وإلا ففي تقريرهم نوع تعاض واختلاف.
الدليل على هذا الحكم: - قالوا: أن في هذه الصورة لم يجر بين السارق الذي أخذ النعل وبين صاحب المتاع الذي أخذ متاعه معاوضة حتى نقول خذ متاع السارق مكان متاعك. إذاً: لم تجر بينهما مبايعة ولا معاوضة.
- الدليل الثاني: أنه ربما أخذت من غير صاحب التي بقيت.
فإذا أخذت نعلك ولم يبق في المسجد إلا نعل واحدة احتمال أنة يكون صاحب هذه النعل هو الذي أخذ نعلك وهو الاحتمال الأكبر ولكن يبقى أنه يوجد احتمال أن تكون هذه النعل لشخص آخر غير الذي أخذ نعلك.
стр. 1948
لهذين الدليلين قالوا: لا يجوز أن يتملكها مباشرة بل عليه أن يعرفها سنة ثم بعد ذلك يأخذ حقه منها.
= القول الثاني: أن لا نحتاج إلى الانتظار لمدة سنة بل مباشرة تؤخذ وتباع ويأخذ البائع حقه منها والباقي يتصدق به.
واستدلوا على هذا: - بأن ظاهر الحال ودلالة القرينة على أن هذا الباقي هو متاع الذي أخذ - أن الحذاء الباقي إنما هو للشخص الذي أخذ الحذاء الذي ذهب. والشرع مبني على الأخذ بالظواهر.
هذا القول الثاني وهو أنه لا يشترط أن نبقى سنة اختاره الشيخ المرداوي واختاره أيضاً الحارثي وهو كما ترى وجيه.
كما عللوا ذلك: - بأن في هذا القول رفقاً بالناس. لأنه إذا أخذت نعل الإنسان وقيل له انتظر لمدة سنة ففي الغالب سيعرض عن هذا النعل الموجود ويشتري مكانه آخر.
إذاً: هذا القول الثاني هو الصحيح فنقول: إذا وجدت نعلاً وغلب على ظنك أنه لمن أخذ نعلك فخذه وبعه وخذ نصيبك منه والباقي تتصدق به. والغالب: سيبقى باقي؟ أو لن يبقى باقي؟ لن يبقى باقي. لماذا؟ لأنه لو كانت نعل السارق خير من نعلك لماذا يتركها لك ويأخذ نعلك؟! فإذاً: المأخوذة غالباً ستكون خير من الموجودة.
فلماذا إذاً قال الحنابلة: ويتصدق بالباقي؟ احتياطاً لإكمال الحكم وإلا في الغالب لن يتبقى شيء.
/ ما الحكم إذا كان ثمن المبيع أقل من نعلك؟ إذا كان أكثر عرفنا الحكم.
وإذا كان أقل: .. (( .. ليس لك إلا هذا .. لأنه مسروق)) ..
وبهذا انتهينا من باب اللقطة وننتقل إلى باب اللقيط .
باب اللقيط
- قال ﵀:
- باب اللقيط.
يعني: باب تبين فيه أحكام اللقيط.
- وقوله هنا ﵀:
- وهو: طفل.
مراد الحنابلة بالطفل: أي قبل التمييز.
فإذا وجد الطفل بعد التمييز فليس لقيطاً ولا تنطبق عليه الأحكام التي ستذكر.
= والقول الثاني: أن اللقيط يستمر إلى البلوغ فيشمل المميز وغير المميز.
وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله.
وجه الترجيح: أن الطفل المميز وغير المميز إلى أن يبلغ مرحلة البلوغ بحاجة إلا حضانة ورعاية فيدخل في أحكام اللقيط.
- يقول ﵀:
- لا يعرف نسبه ولا رقه.
يجب أن يكون هذا الطفل مجهول النسب ومجهول الرق.
стр. 1949
فإن كان رقيقاً لشخصٍ معين أو معروف النسب فليس بلقيط ولا يجوز للإنسان أن يحتفظ به وعليه ان يرده إلى أهله.
إذاً: الشرط الحقيقة الواضح والكبير في اللقيط: أن لا يعرف نسبه ولا رقه.
بلا هذا الشرط لا يصبح من اللقطاء.
- يقول ﵀:
- نبذ أو ضل.
(نبذ) يعني: ألقي. سواء على الطريق أو في مسجد أو في كنيسة أو في بيعة أو في أي مكان أو في السوق.
قوله (أو ضل) يعني: ضاع في الطريق ولم يستطع أن يهتدي إلى أهله.
والحنابلة ذكروا كلمة: (أو ضل) غالبهم ذكر أو ضل وإن كان بعضهم اقتصر على كلمة نبذ ولم يذكر أوضل.
وشيخنا ﵀ في الممتع انتقد هذه الفظة وقال: الطفل إذا ضل فإنه لا يعتبر لقطة بل يجب أن نبحث عن أهله وليس لواجده أن يحبسه مباشرة ويعتبره لقيط ويطبق عليه أحكام اللقطة بل يجب إذا الطفل أن نبحث عن أهله.
ولم أجد هذا التقرير عند غير شيخنا ﵀ وهو كما ترى وجيه جداً وقوي. ولا ينبغي للإنسان إذا ضاع الطفل أن يستعجل في معاملته معاملة اللقيط وحبسه عنده بل يجب أن يبحث عن أهله ثم إذا بحث ولم يجد أهله ولا من يعرف نسبه ولا كونه رقيق أو حر فإنه حينئذ يعود إلى الحكم الأصلي وهو أنه لقيط.
((الأذان)).
стр. 1950
هذا سؤال جيد في الحقيقة: يقول: إذا لم يبدأ بالتعريف إلا قبل نهاية الحول بزمن يسير - ترك التعريف فلما قارب الحول الانتهاء بدأ؟
الجواب: أنه يجب عليه أن يعرف كذلك ولو لم يبدأ به إلا متأخراً إلا أنه لا يملك اللقطة بهذا التعريف لأنه فرط ولم يعرف الحول الكامل فيجب عليه أن يعرف لكن لا يملك بهذا التعريف.
- ثم قال ﵀:
- وأخذه فرض كفاية.
أخذ هذا اللقيط عند الحنابلة: فرض كفاية.
- لقول تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ... ﴾ [المائدة/٢].
- والدليل الثاني على وجوب أخذه وأنه فرض كفاية: أن في أخذه حفاظاً على نفسه وإنقاذاً له من الهلاك.
وإلى هذا ذهب الجماهير. وهو أنه فرض كفاية.
= والقول الثاني: أن أخذه سنة إلا إن خاف إن تركه هلك حينئذ يصبح واجباً.
وهو مذهب الأحناف.
وبهذا القيد الذي ذكره الأحناف أصبح قولهم قريب جداً من قول الجماهير.
فليس بينهما فرقاً يذكر الهم إلا أنه لا يجب على الإنسان أن يأخذ الطفل مادام يظن أنه لن يهلك.
- ثم قال ﵀:
- وهو حر.
стр. 1951
أي: هذا القيط حر. الأصل أنه حر ولا يجوز لملتقطه أن يتعامل معه كرقيق أو أن يسترقه.
وهذا الحكم بالإجماع.
ودليل هذا الإجماع:
- أن الأصل في الإنسان الحرية ولا يمكن أن ننتقل عن هذا الأصل إلا بناقل شرعي ولا يوجد ناقل في حق اللقيط.
وقلت لكم أن هذا الحكم محل إجماع وهو محل إجماع إلا أنه خالف فقط النخعي فقال: لسيده أو لملتقطه أن يسترقه ولكن هذا القول حكم عليه الشيخ ابن قدامة بأن فيه شذوذ ومخالفة للصحابة وللعلماء.
وهو كما قال. وهو قول يستغرب على النخعي. لكن على كل حال الراجح إن شاء الله مذهب الجماهير.
- يقول ﵀:
- وما وجد معه أو تحته، ظاهراً أو مدفوناً طرياً، أو متصلاً به كحيوان وغيره أو قريباً منه: فله.
(ما وجد معه) يعني: في جيبه.
(أو تحته) سواء كان تحته مباشرة أو تحت الغطاء الذي تحته. أو تحت الفراش الذي تحت الغطاء. في هذه الصور كلها يعتبر تحته.
فهذا المال له.
ـ النوع الثاني من الأموال: (أن يجده مدفوناً طرياً) إذا وجده مدفوناً طرياً فهو أيضاً له) فإن وجده مدفوناً منذ زمن بعيد فليس له ولا يستحق أن يتعامل معه كمال للقيط.
يقول ﵀: (أو متصلاً به كحيوان وغيره) إذا وجد شيئاً متصلاً باللقيط سواء كان حيوان أو غير حيوان وسواء كان الاتصال عن طريق الربط أو عن طريق اللصق أو عن أي طريق من الطرق التي تؤدي إلى الارتباط فإن هذا المال يعتبر للقيط.
إذاً: أخذنا ثلاثة أنواع من أنواع الأموال التي يحكم بها أنها للقيط.
الدليل في جميع هذه الأموال:
- أن الظاهر من الحال أن هذا المال ملك للقيط. ونحن متعبدون بالظاهر.
وعلم من كلام المؤلف ﵀ هنا: (أو قريباً منه) أن المال إذا كان بعيداً عنه فإنه لا يكون من أملاكه.
стр. 1952
وهذا صحيح: ما دام المال بعيداً عنه فإنه لا يحكم أنه ملك لهذا اللقيط إلا في صورة واحدة وهي ما إذا دلت القرينة أن هذا المال وإن كان بعيداً فهو خاص بالطفل كان يوجد طعام خاص بالأطفال أو أداة تستعمل للأطفال فهذه وإن كانت بعيدة فإن الظاهر من الحال أنها ملك لهذا الطفل.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...
стр. 1953
الدرس: (٤٩) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا الكلام عن أحكام اللقطة وأيضاً اللقيط. لكن نسينا مسألتين من مسائل اللقطة تعتبر من المسائل المهمة نأتي عليها الآن باختصار ثم نكمل ما كنا في صدده.
* * المسألة الأولى/ هي لقطة مكة: = ذهب الجماهير ﵏ إلى أن لقطة مكة كلقطة غيرها من حيث أنها تملك بالتعريف.
واستدلوا على هذا:
- بأن الأحاديث التي جاءت بالأمر بالتعريف وترتيب الملك عليه عامة لم تفرق بين أن تكون هذه اللقطة في مكة أو في غيرها.
= القول الثاني: أن لقطة مكة لا تحل إلا لمن أراد أن يعرفها أبداً ولا تملك. وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام وغيره من المحققين.
واستدلوا:
- بقول النبي ﷺ : أن لقطة مكة لا تحل إلا لمنشد. واعتبروا أن قوله لا تحل إلا لمنشد يعني: أبداً لكي يكون في الحديث إضافة على الأحاديث الباقية. لأنا لو حملنا الحديث على وجوب التعريف لكان الحديث ليس فيه فائدة زائدة عن الأحاديث الأخرى الآمرة بالتعريف.
هذه هي المسألة الأولى.
* * المسألة الثانية/ نفقة التعريف. تقدم معنا أن التعريف يقوم به الملتقط لكن لم نأخذ على من تكون نفقة التعريف.
= ذهب الجمهور إلى ان نفقة التعريف تكون على الملتقط.
واستدلوا على هذا:
- بأن التعريف واجب من واجبات الملتقط. وإذا كان واجباً عليه فعليه نفقته.
واستدلوا أيضاً:
стр. 1954
- بأنه يعرف لحظ نفسه فعليه نفقة ذلك التعريف ووجهه أنه يعرف لحظ نفسه أن ثمرة التعريف إذا لم يعرف صاحب اللقطة أن يملكها المعرف.
= القول الثاني: أنه إن التقط اللقطة بقصد حفظها لصاحبها فنفقة التعريف على صاحبها. وإن التقط اللقطة بقصد تملكها بعد التعريف فنفقة التعريف على الملتقط.
واستدلوا على هذا القول:
- بأن الملتقط إذا لم ينو التملك وإنما نوى الاحتفاظ بها إلى أن يأتي صاحبها صار التعريف ونفقة التعريف ما هي إلا وسيلة لإيصال اللقطة إلى صاحبها.
وإيصال العين إلى صاحبها تكون نفقته على صاحب هذه العين.
= والقول الثالث: ان نفقة التعريف تؤخذ من اللقطة.
وبهذا علمنا أنه لم يذهب أحد من الفقهاء إلى أن نفقة التعريف على المالك مطلقاً. لم أر أحداً من الفقهاء قال أنه على المالك مطلقاً.
لكنك إذا تأملت ستجد أن القول الأخير وهو أنه من اللقطة يعود إلى تكليف المالك بنفقة التعريف لأنه إذا لم نجد المالك صارت اللقطة ملكاً للمعرف ولا يوجد أصلاً إشكال. لكن الإشكال إذا وجد المالك فإذا وجد المالك وخصمنا قيمة التعريف من اللقطة هي في الحقيقة ستكون من المالك.
والأقرب والله أعلم أنها على اللاقط وما ذكره الحنابلة وجيه - الدليلان الذان ذكرهما الحنابلة أدلة وجيهه.
هاتان المسألتان بقيتا من اللقطة ونرجع الآن إلى تكملة باب اللقيط وتوقفنا عند قوله: (أو قريباً منه فله).
- قال ﵀:
- وينفق عليه منه.
لما بين المؤلف ﵀ في الفقرة السابقة الأشياء التي تكون من ملك الصبي الملتقط ذكر ما يترتب على هذا وهو أن هذا المال الموجود مع الصبي ينفق عليه منه.
فالنفقة التي يحتاج إليها اللقيط تكون من المال الموجود معه.
وهذا الحكم محل إجماع أنه ينفق عليه من المال الموجود معه - محل إجماع ولا إشكال فيه.
- ثم قال ﵀:
- وإلاّ فمن بيت المال.
يعني: وإلا يوجد معه شيء فننفق عليه من بيت المال.
وفهم من هذا أنه لا يجب على الملتقط أن ينفق عليه. وهذا أيضاً: محل إجماع. فليس على ملتقط اللقيط أن ينفق عليه.
стр. 1955
وذلك لأن أسباب النفقة محصورة في القرابة والزوجية والملك والولاء وهذا اللقيط ليس من هذه الأسباب بالنسبة للملتقط. فتكون النفقة على بيت المال.
فإن لم يتمكن من أخذ نفقته من بيت المال أو كان بيت المال ليس فيه شيء فعلى من عرف حاله من المسلمين.
فمن عرف حاجة هذا الصبي إلى النفقة فعليه أن ينفق عليه على سبيل أنه فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين.
- قال ﵀:
- وهو مسلم.
أي: أن اللقيط نحكم عليه بالإسلام.
واللقيط ينقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن يوجد في دار المسلمين. فإذا وجد في دار المسلمين فإنه مسلم ولو كان غالب أهل الدار من أهل الذمة.
بل لو لم يوجد إلا مسلم واحد يصلح أن يكون هذا الطفل له فإنا نحكم على الطفل بأنه مسلم.
- لأن الأصل في بني آدم الإسلام.
- ولأن الأصل أن الحكم للدار وهذه الجار جار إسلام.
ـ القسم الثاني: أن يوجد في دار الكفر. فإذا وجد في دار الكفر:
- فإما أن يوجد في دار الكفر عدد من المسلمين كبير فيحكم بإسلامه.
- أن لا يوجد في دار الكفر إلا مسلم أو اثنين - يعني: عدد يسير فإذا كان عدد المسلمين يسير جداً في دار الكفر فإن اللقيط يحكم بكفره.
والسبب في ذلك: - أن الحكم للدار. وهذه الدار دار كفر فنحكم بكفره.
= والقول الثاني: أن اللقيط مسلم مطلقاً دائماً وأبداً.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بقول النبي ﷺ : (ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه. فنسب النبي ﷺ التهويد والتنصير إلى الأبوين وهذا الطفل ليس له أب ولا أم.
- ثانياً: لأن الأصل في الإنسان الإسلام.
وهذا القول هو الراجح.
ومفهوم عبارة المؤلف ﵀ أنا لا ننظر للملتقط سواء كان الملتقط كافر أو مسلم: الحكم على التفصيل السابق.
وهذا صحيح. أنا لا ننظر إلى الملتقط لا يعنينا أمر ولا دين الملتقط.
= والقول الثاني: أنه يحكم على اللقيط بحسب الملتقط: إن كان الملتقط مسلم فهو مسلم وإن كان كافر فهو كافر ولا ننظر للدار.
والراجح من هذا الخلاف كله: أنه مسلم مطلقاً مهما كانت الدار ومهما كان الملتقط لما تقدم من أدلة.
- ثم قال ﵀:
стр. 1956
- وحضانته: لواجده الأمين.
يعني: أنه أحق الناس بحضانة اللقيط هو الواجد له ولكن بقيد الأمين: يعني: بشرط أن يكون أميناً.
- لأن القاعدة الفقهية تقول: (لا ولاية لفاسق)
- ولأن أبا جميلة ﵁ لما وجد اللقيط وأتى به إلى عمر بن الخطاب ﵁ سئل عمر عريفه عنه فأثنى عليه خيراً. فقال هو حر وولائه لك ونفقته على بيت المال.
فأثبت الولاء له وجعل الصبي الملتقط في يده. إذاً: أحق الناس بالحضانة هو الملتقط وليس لأحد أن ينزع الصبي منه لأثر عمر ولأنه هو الذي وجده.
والمقصود بالحضانة ليست مجرد إبقاء الطفل تحت يد الملتقط وإنما القيام عليه بما يصلحه ورعايته على الوجه الأكمل. هذه هي الحضانة.
وسيفرد المؤلف ﵀ باباً للحضانة في آخر الزاد.
- ثم قال ﵀:
- وينفق عليه بغير إذن حاكم.
أي وينفق واجد اللقيط عليه من المال الذي موجود معه بغير إذن الحاكم.
- لأنه ولي والولي ينفق بلا إذن الحاكم كولي اليتيم. فاليتيم وليه ينفق بلا إذن الحاكم.
فعرفنا من هذا شيء أشبه ما يكون بالقاعدة وهو: أن الولي دائماً وأبداً ينفق بلا إذن الحاكم. لأن هذا المقصود من ولايته.
ولأنه إنما ولي لينفق مع الرعاية الأخرى والحضانة العامة. لكن من أعظم أعمال الإنفاق.
- قال ﵀:
- وميراثه وديته لبيت المال.
معنى هذا الكلام انا نعامل اللقيط كما نعامل معروف النسب الذي ليس له ذرية.
فيكون ماله لبيت المال:
- لأنه لا وارث له.
- ولأن النبي ﷺ يقول: إنما الولاء لمن أعتق. فحصر الولاء في العتق ولقط الصبي ليس من العتق.
= والقول الثاني: أن إرثه لملتقطه.
واستدل هؤلاء بدليلين:
- الدليل الأول: أن عمر بن الخطاب قال: هو حر ولك ولائه.
- الدليل الثاني: أن النبي ﷺ قال: تحوز المرأة ثلاثة: لقيطها وعتيقها وابنها الذي لاعنت عليه. فنص على اللقيط.
واستدلوا:
- ثالثاً بأن مال اللقيط إذا وضع في بيت المال فإنه سينفق على سائر المسلمين واللاقط له أولى من سائر المسلمين. لكونه التقطه وحضنه.
وانتصر لهذا القول شيخ الإسلام ﵀. وانتصر له أيضاً ابن القيم في تهذيب السنن.
стр. 1957
والأقرب والله أعلم: المذهب.
ووجه الترجيح: أن النبي ﷺ يقول: (إنما الولاء لمن أعتق) وهذا الحصر الذي جاء بلفظ النبي ﷺ مقدم على أثر وعلى الحديث. هذا أولاً.
- ثانياً: أن هذا الحديث الذي ذكروه لو صح لكان إليه الغاية في المصير إليه والاحتكام لكنه ضعيف وممن ضعفه الإمام البيهقي والإمام ابن المنذر.
ولهذا ابن القيم ﵀ قال: إن صح الحديث قلنا به. لكنه في آخر البحث رجع وقرر أن اللاقط أحق بمال اللقيط إذا مات وليس له وارث.
الخلاصة: أن الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة لهذا الحديث أن النبي ﷺ نفى الولاء إلا بالعتق.
ولا يخفاكم أن وقوع هذه المسألة قليل والسبب أنه غالباً ما يكون له من يرثه أي هذا اللقيط.
- قال ﵀:
- ووليه في العمد: الإمام يخير بين القصاص والدية.
يعني: وليس اللاقط وليس الحاضن وإنما وليه الإمام.
- لقول النبي ﷺ في حديث عائشة: (السلطان ولي من لا ولي له).
وقول المؤلف ﵀: (يخير بين القصاص والدية) يعني: بحسب الأصلح فيختار بين القصاص والدية ما فيه صلاح لهذا اللقيط.
إذاً: ليس التخيير تخيير تشهي أو أن يصفح لمجرد العطف بل يجب عليه أن يتخير ما فيه الأصلح للمقتول.
- ثم قال ﵀:
- وإن أقر رجل أو امرأة ذات زوج مسلم أو كافر أنه ولده: لحق به ولو بعد موت اللقيط.
(وإن أقر رجل ... أنه ولده لحق به).
= ذهب الجمهور إلى أنه إذا أقر رجل بأن هذا اللقيط ولده لحق به بلا بينة بمجرد الدعوة.
سواء كان الذي أقر به هو الملتقط أو رجل آخر. وسواء كان الذي أقر به حر أو عبد مطلقاً.
واستدلوا على هذا:
- بأن في هذا الإقرار محض مصلحة للطفل وذلك بثبوت نسبه بلا ضرر لا عليه ولا على غيره.
= وذهب المالكية إلى أنه إذا أقر رجل بالطفل فإنه لا يثبت نسبه إلا ببينة.
- لأن الأصل عدم انتساب هذا اللقيط إلى الرجل.
والراجح مذهب الجمهور وهو أنه يثبت النسب لما فيه من المصالح العظيمة جداً للقيط ولولده ولزوجه ولكل من حوله. فهذا الخير والصلاح والنفع للجميع الأقرب أن الشرع لا يأتي بمنعه. ولهذا ذهب إليه الجمهور.
стр. 1958
وقلنا سواء كان المقر رجل حر أو رجل عبد. فإن كان الذي أقر به رجل عبد ثبت النسب ولكنه لا يثبت الرق - فيثبت نسباً لا رقاً ويكون الطفل حر وينسب إلى هذا العبد. وفي هذا مراعاة عظيمة لمصلحة اللقيط بإثبات النسب ونفي الرق.
ثم نأتي للمرأة: يقول ﵀: (وإن أقر - يعني: وإن أقرت امرأة - ذات زوج مسلم أو كافر أنه ولدها لحق بها) هذا معنى كلامه وإلا هو ذكر الضمير المذكر.
= ذهب الحنابلة إلى أنه إذا أقرت المرأة بالطفل قبل مطلقاً سواء كانت متزوجة أو ليست متزوجة أو ليست متزوجة.
ولكنه إذا أقرت المرأة بالطفل فإنه ينسب للمرأة دون زوجها كما أنه إذا أقر الزوج ينسب له دون زوجته.
والحنابلة استدلوا: - بالدليل السابق. وهو أن في هذا محض نفع للطفل بإثبات نسبه بلا ضرر.
وهذه المسألة: وهي مسألة ما إذا أقرت المرأة مسألة مشكلة ولذلك جاء عن الإمام أحمد ﵀ ثلاث روايات. هذه الرواية الأولى وهي المذهب.
= الرواية الثانية: أنه لا يقبل إقرار المرأة إلا إذا كانت لم تتزوج أو بعبارة أدق: إذا كانت ليست ذات زوج. لا نقول لم تتزوج ليست ذات زوج ولو كانت تزوجت ثم طلقت فيصدق عليها القول. إذاً: الرواية الثانية: أن تكون ليست ذات زوج. واستدل أصحاب هذه الرواية:
- بأن في إثبات الولد مع وجود الزوج ضرر ظاهر على الزوج.
وجه ذلك: أنه لا يخلو من أمرين:
ـ إما أن يقر به مكرهاً حتى لا ينسب فراشه بيته إلى السوء.
ـ أو أن لا يقر بالطفل وحينئذ لابد من أن تكون المرأة وطئت شبهة أو زنا لأن الولد لن يأتي إلا من الوطء.
وفي الخيارين الضرر ظاهر على الزوج.
= الرواية الثالثة: أن المرأة إن كان لها أهل وإخوة لهم نسب معروف ثابت فإنه لا قبل منها هذا إلا ببينة.
- وذلك لأن إقرار المرأة بالطفل يدخل الضرر والضيم على أهلها كما أنه يمكن إثبات أن هذا الطفل منها إذا كانت ذات أهل بسهولة.
هذه ثلاث روايات.
في المسألة قول رابع لم يرو عن الإمام أحمد: هذا القول:
= هو أنه لا قبل إقرار المرأة مطلقاً.
стр. 1959
ومن الغرائب أن هذا القول الرابع حكي إجماعاً. كيف تحكي الإجماع والإمام أحمد له ثلاث روايات في نفس المسألة ليست رواية ولا روايتين ثلاث روايات وتقول محل إجماع.
استدل أصحاب القول الرابع الذي حكي إجماعاً:
- بأن المرأة يسهل عليها الإتيان بينة تدل على الولادة.
فإذا زعمت أن الطفل هذا لها وينتسب لها فتكلف بالبينة فإن جاءت بها وإلا فلم يقبل منها.
صارت الأقوال أربعة: يقبل مطلقاً - لا يقبل لمن كانت ذات زوج - لا يقبل لمن كان لها إخوة معروفي النسب - والرابع: لا يقبل مطلقاً.
المسألة كما قلت لكم مشكلة والذي يظهر لي أن أرجح الأقوال الرواية الثانية عن الإمام أحمد وهو أنه إذا لم تكن ذات زوج وادعت الولد يقبل منها بلا بينة. لأن في هذا مصلحة لها وللقيط ولا يوجد إن شاء الله مضرة باعتبار أنه لا زوج لها. وعلى كل حال يكون القول الثاني هذا أقرب الأقوال.
- قال ﵀:
- ولو بعد موت اللقيط.
يعني: ولو ادعى الرجل أو ادعت المرأة أن هذا اللقيط له بعد موت اللقيط فيصح.
وذلك احتياطاً لأمر النسب ومراعاة لمصلحة أولاد اللقيط. وهذا صحيح: أي أنا نثبت نسب اللقيط ولو جاء الاعتراف بعد موته.
- ثم قال ﵀:
- ولا يتبع الكافر: في دينه إلاّ بينة تشهد أنه ولد على فراشه.
(ولا يتبع الكافر: في دينه) معنى هذا الكلام أنه إذا ادعى الكافر هذا اللقيط فإنا نقبل من الكافر هذه الدعوى ويثبت نسب اللقيط لكن لا ينتسب إليه في الدين وإن نسب إليه في النسب.
كما أن اللقيط لا يقر في يد هذا الكافر:
- لأنه لا ولاية لفاسق فكيف بالكافر.
- ولأنه لا يتولى الكافر على المسلم.
إذاً: إذا ادعى اللقيط الكافر صححنا الدعوى وانتسب اللقيط إلى الكافر لكن لا يتبعه في الدين ولا يملك الكافر الحضانة.
فهم من هذا أنه إذا كان اللقيط في يد الملتقط وادعاه مسلم وأثبتنا النسب فمن المعلوم أنه يجب على اللقيط أن يدفع الغلام إلى مدعيه يعني: إلى أبيه. لأن هذا المدعي سيكون أباً شرعاً وإنما يستثنى من ذلك إذا كان المدعي كافراً.
стр. 1960
(إلاّ ببينة تشهد أنه ولد على فراشه): فإذا أتى ببينة تشهد أن هذا اللقيط ولد في فراشه صار ابناً له بكل الأحكام وأعطي إياه وانتسب له وصار كافراً في الحكم لأنه أثبت أنه ولده في الفراش. وهذا لا إشكال فيه.
- ثم قال ﵀:
- وإن اعترف بالرق مع سبق مناف .. لم يقبل منه.
إذا اعترف اللقيط بالرق مع سبق مناف أو مع عدم سبق مناف على المذهب فقيد المؤلف ﵀ لا مفهوم له فإنه لا يقبل منه.
استدل الحنابلة على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: أن الطفل اللقيط لا يعرف رقه من حريته فكيف يزعم أنه حر فلا تقبل منه هذه الدعوى.
- الدليل الثاني: أن في دعواه الرق إسقاط لحقوق الله. فإن الرقيق لا يجب عليه أن يصلي الجماعة ولا يجب عليه ما يجب على الحر من أحكام عموماً.
ففي هذه الدعوى إسقاط لحق الله فلا يقبل منه.
= والقول الثاني: أنه إن ادعى الرق مع سبق مناف لم يقبل منه. وإن ادعى الرق بلا سبق مناف قبل منه.
وهذا قول عند الحنابلة.
وسبق المنافي: هو أن يتصرف تصرف الأحرار. كأن يبيع ويشتري ويزوج .. إلى آخره.
فإذا تصرف تصرف الأحرار صار هذا التصرف ينافي دعواه فلا يقبل.
والراجح المذهب أنه لا يقبل منه مع سبق مناف أو بلا سبق منافي.
- ثم قال ﵀:
- أو قال: ((إِنَّهُ كَافِرٌ)) لم يقبل منه.
إذا زعم أنه كافر لم يقبل منه. ثم إذا لم يقبل منه طلب منه التوبة فإن تاب وإلا قتل ردة.
- لأن الأصل فيه الإسلام.
- ولأن الأصل أن الحكم للدار وهو موجود في دار المسلمين.
فلا يقبل منه الزعم أنه كافر بل نقول: إما أن تعود أو تقتل ردة.
- ثم قال ﵀:
- وإن ادعاه جماعة: قدم ذو البينة.
يعني: إذا ادعى هذا اللقيط مجموعة من الناس فإن من يقدم بينة صحيحة معتبرة شرعاً يقدم على الباقين.
ومفهوم عبارة المؤلف ﵀ سواء كان هذا المقدم مسلماً أو كافراً فإنه يقدم ولو كان الذي يعارضه مسلم.
= والقول الثاني: أنها تقدم البينة إذا كانوا جميعاً من المسلمين. وإذا كان بعضهم مسلماً وبعضهم كافراً فإن بينة الكافر ترد ويعطى اللقيط إلى المسلم.
والراجح إن شاء الله بلا إشكال أنه تقدم بينة صاحب البينة ولو كان كافراً.
стр. 1961
والسبب: أن البينة في الشرع وضعت لإظهار الحق وبيان المبطل من المصيب فلا يسوغ أن لا نعمل بها. هذا أولاً.
ثانياًَ: لا يترتب على القول بتقديم بينة الكافر أي ضرر لأنه تقدم معنا أن الكافر إذا ادعى اللقيط فإنه يتلحق به نسباً ولا يلتحق به ديناً كما أنه لا يقر في يده.
إذاً لا يترتب على هذا أي ضرر فكيف نترك صاحب البينة الذي معه بينة تبين أنه على الحق ونأخذ الآخر.
فالأقرب الإطلاق الذي أشار إليه المؤلف ﵀.
- ثم قال ﵀:
- وإلاّ فمن ألحقته القافة به.
يعني: وإن ادعاه جماعة وليس مع أحد منهم بينة فإنا نعمد إلى القافة.
وفهم من كلام المؤلف ﵀ أنه لا مدخل للقرعة في النسب. وهذا صحيح.
فإن القاعدة عند الفقهاء أن القرعة لا تحدد النسب. أو بعبارة أخرى لا مدخل للقرعة في النسب.
والدليل على اعتبار القافة من وجهين:
- الوجه الأول: أنه صح عن عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد ثابت أنه حكم بالقافة. إذ ادعى اثنان صبياً فعرضه على القافة وألحقه بمن ألحقته به القافة.
- ثانياً: أنه صح عن النبي ﷺ أنه رأى أن القافة معتبرة وذلك لما جاء مجزز المدلجي ورأى أسامة وزيد ﵄ وحكم أنهما من بعض فسر النبي ﷺ بشهادته.
وجه الاستدلال بالحديث: أن النبي ﷺ لا يمكن أن يسر إلا بما هو معتبر شرعاً ولو لم تكن هذه الشهادة معتبرة شرعاً لم يسر بها النبي ﷺ .
= القول الثاني: أنه لا عبرة بالقافة. وهو مذهب الأحناف.
واستدلوا على هذا بدليل:
- وهو أنهم قالوا: أنا نجد كثيراً الأقارب لا يتشابهون والأجانب يتشابهون فلما وجدنا أن الأقارب لا يتشابهون مع أنهم شرعاً قطعاً أقارب والأجانب يتشابهون وبينهم تقارب مع أنهم لا صلة بينهم في النسب علمنا أن الحكم بالشبه لا عبرة به.
وهذا القول قول ضعيف ونستطيع أن نقول قول ساقط. السبب: - أنها مجرد آراء في مقابلة النصوص. هذا من جهة.
стр. 1962
- من جهة أخرى: أن أهل القافة لا يعتمدون على الشبه الظاهر فقط وإلا أي شبه بين أسامة وزيد أحدهما أبيض والآخر أسود إنما يعتمدون على معالم خاصة بهم وأشياء هم يرونها لا يراها غيرهم تدلهم على الشبه وأن هذا ينتسب إلى هذا الرجل أو ذاك الرجل.
وعلى كل حال العبرة بالنصوص والنصوص دلت على أن القافة يحكم بها لا سيما وقد حكم بها عمر ﵁ في محضر من الصحابة ولم يعارضه أحد. بهذا ولله الحمد تم كتاب البيع ونسأل الله أن ينفع به ...
انتهت المذكرة – بحمد الله – ...
ويليه كتاب الوقف بإذن الله تعالى ...
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً ...
أبو أسامة/ محمد بن مقبل الحربي
стр. 1963
الدرس: (١) من الوقف
كتاب الوقف
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال ﵀:
كتاب الوقف.
الوقف: مصدر وقف. ومعناه في اللغة: التحبيس.
وهو مشروع: بالسنة. ودل عليه أحاديث منها:
- قول النبي ﷺ (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).
فقوله: (صدقة جارية) يشير به إلى الوقف.
- وأيضاً دل عليه حديث عمر ﵁ أنه أتى النبي ﷺ فقال: إني ملكت أرضاً لم أملك قط أرضاً أنفس منها في خيبر فما تأمرني فيها فقال النبي ﷺ : (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. غير أنه لا تباع ولا توهب ولا تورث.
وهذا الحديث حديث عمر ﵁ أصلٌ عظيم في هذا الباب. سيأتينا أنا نحتاج إليه في كثير من المسائل فهو أصل عظيم نحمد الله أن وفق عمر أن يسأل النبي ﷺ هذا السؤال حتى تأتينا هذه الفتوى المفصلة.
قال ﵀:
وهو تحبيس.
ذكرت التعريف والمشروعية بقي مسألة علينا:
= ذهب الجماهير إلى أنه مشرو، واستدلوا بهذه النصوص الصريحة الصحيحة الواضحة.
= وذهب شريح وبعض الفقهاء إلى أنه لا يشرع.
وهو قول لا يتلفت إليه. بل اعتبروه من الأقوال التي خالفت الإجما،. وجه ذلك: أن جابر ﵁ قال: ما من أحد من أصحاب النبي ﷺ وجد خيراً إلا أوقف واعتبر الحنابلة هذا الأثر الموقوف عن جابر حكاية للإجماع وهو صحيح وهو كذلك: هو حكاية للإجماع.
فمخالفة شريح أو غيره لا عبرة بها مطلقاً مع توارد وتتابع أصحاب النبي ﷺ على الإيقاف بالإضافة إلى السنة المرفوعة الصحيحة.
قال ﵀:
وهو تحبيس الأصل.
التحبيس: هو قطع المال عن التملكات والتصرفات.
وقوله: (تحبيس الأصل)، الأصل يقصد به عند الحنابلة: كل ما ينتفع به مع بقاء عينه.
стр. 1964
وسيذكر المؤلف ﵀ هذه المسألة ونذكر ما يتعلق بها من أحكام لكن الذي يعنينا الآن أن الحنابلة يقصدون بالأصل هو هذا كل ما ينتفع به مع بقاء أصله.
قال ﵀:
وتسبيل المنفعة.
يقصد بتسبيل المنفعة أي: صرفها في مستحقيه، إذاً هذا هو مفهوم الوقف في الإسلام. (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة).
قال ﵀:
ويصح بالقول.
الوقف يصح بصيغتين:
ـ القول. ... ـ والفعل.
بدأ ﵀ بالقول: والسبب في ذلك: أن القول صحة الوقف فيه محل إجماع، يعني: إذا قلنا محل إجماع يعني: من القائلين بمشروعية الوقف وهم جماهير أهل العلم.
واستدلوا على هذا:
- بأن الوقف عقد من العقود يصح باللفظ أو بالقول.
وقوله: (يصح) يعني من جائز التصر، الوقف لا يصح ممن لا يجوز أن يتصرف إما لصغر أو جنون أو سفه أو حجر أو لأي سبب.
قال ﵀:
بالقول وبالفعل الدال عليه.
ـ القول له ستة ألفاظ: ثلاثة صريحة وثلاثة كناية وسينص المؤلف عليها.
ـ قال: (وبالفعل الدال عليه) يعني: أن الوقف يصح بالفعل الدال على إرادة الوقف وهذا هو مذهب الحنابلة. وهو تصحيح الوقف بالفعل بلا قول.
واستدلوا على هذا بأدلة:
- الدليل الأول: أن الوقف بالفعل مع ما يدل عليه هو في قوة القول في الدلالة على إرادة الوقف.
- الثاني: أن العرف دل على تصحيح الوقف وإرادته بالفعل دون القول.
- الثالث: أن العبرة بالمقاصد لا بالألفاظ فإذا علمنا من دلائل الأحوال والقرائن أنه أراد الوقف عملنا به.
قوله ﵀: (وبالفعل الدال عليه) يعني: وينبني على هذا إذا صححنا الوقف بالفعل أنه إذا وقف بالفعل فإنه لا يجوز له أن يرجع وخرجت العين عن ملكه، فهذه هي الثمرة من تصحيح الوقف بالفعل.
إذاً: يجب أن تعلم أنه إذا صححت الوقف بالفعل ثم وقفه بالفعل كما سيأتينا فإنه خرجت العين وليس له أن يرجع.
ثم ذكر ﵀ أمثلة على الوقف بالفعل:
قال ﵀:
كمن جعل أرضه مسجداً وأذن للناس في الصلاة فيه.
إذا جعل أرضه مسجداً وأذن للناس أن يصلوا في هذا المسجد فقد خرجت الأرض عن ملكه وأصبحت وقفاً لله.
стр. 1965
لكن يشترط في الإذن أن يكون إذناً عاماً، أما الإذن الخاص أو المقيد فإنه لا يدل على التوقيف لكن الذي يدل هو الإذن العام.
فإذا وضعه وأذن للناس جميعاً أن يصلوا في هذه الأرض فقد أصبحت مسجداً وخرجت عن ملكه.
المثال الثاني:
قال ﵀:
أو مقبرة وأذن في الدفن فيها.
كذلك إذا أذن للناس أن يدفنوا في هذه الأرض فمن المعلوم أنه إذا كان الإذن عاماً فقد أخرج الأرض عن ملكه ووقفها في سبيل الله.
وجعل الأرض مقبرة في التوقيف أظهر منه في المسجد وإن كان في الكل هو توقيف لكن في المقبرة أظهر لأن الرجوع في المقبرة أصبح أشبه ما يكون بالمتعذر لأنها أصبحت مقابر لا يستطيع أن ينتفع منها بأي شيء فخرجت من ملكه وأصبحت وقفاً لله وفي سبيله.
فإذاً هذان مثالان بهذا الشرط وهو أن يأذن إذناً عاماً، ولعل مقصود الحنابلة بقولهم: (إذناً عاماً) يعني: أن تدل القرائن حقيقة على أنه أراد الوقف.
ففي يومنا هذا ربما يأذن إذناً عاماً ونعلم أنه لم يرد التوقيف، كما لو أذن في المصليات التي في العماير في الدور الأول أو في الدور الثاني هو لا يريد أن تخرج عن ملكه وإن كان أذن فيها إذناً عاماً.
فإذاً: الضابط ليس هو الإذن أو عدم الإذن وإنما الإذن مثال الضابط هو أن نعلم من خلال القرائن والأحوال أنه أراد إخراج هذه الأرض وتوقيفها في سبيل الله، فإذا علمنا من خلال القرائن هذا العلم فقد صارت وقفاً وخرجت عن ملكه.
قال ﵀:
وصريحه: وقفت وحبست وسبلت.
رجع ﵀ إلى الكلام عن التوقيف بالقول، ولو أنه جعل الكلام عن الوقف بالقول مجموعاً مع قوله في أوله: (ويصح بالقول)، لكان أنسب وأسهل في الترتيب.
يقول ﵀: (وصريحه: وقفت وحبست وسبلت) هذه الألفاظ الثلاث: (وقفت وحبست وسبلت) ألفاظ صريحة.
والألفاظ الصريحة هي التي لا تقبل إلا معنى الوقف.
والدليل على أنها ألفاظ صريحة:
- أن هذه الألفاظ اعتبرت ألفاظاً صريحة في الشرع وفي العرف.
ولهذا نجد النبي ﷺ يقول: (إن شئت حبست أصلها).
فاعتبر التحبيس لفظاً صريحاً، هذه الألفاظ الثلاثة صريحة لا تحتاج إلى أي أمر إضافي في إثبات الحكم.
следующие страницы →