Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
ولو حملنا هذا على الجهالة في ثواب هبة الثواب لخلي الباب من حكم الهبة المجهولة.
إذاً: إذا حملناه على هذا المحمل نقول: (ولا يصح مجهولاً) يعني: لا يصح ....... كأن يهب الحمل الذي في البطن واللبن الذي في الضرع.
وتعليل المنع:
- أن المجهول لا يمكن تسليمه ........ لا يمكن تسليمه لا فائدة في هبته.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن نهب أحداً شيئاً مجهولاً.
- لأن لا الجهالة هنا لا تضر فإن الموهوب يدور بين السلامة والغنيمة. فالغرر لا يؤثر هنا.
وإلى هذا ذهب .............
قال شيخ الإسلام: فإذا قال: خذ من مالي ما شئت: صح. أو قال: ما أخذت من مالي فهو لك: صح .....
وبعد التأمل في هذه المسألة مراراً وتكراراً تبين لي أن اختيار الشيخ ﵀ .... ضعيف أو ضعيف جداً ...
والسبب في ذلك: أن وقوع النزاع أشبه ما يكون بالمقطوع به لاسيما المثال الذي ذكره المؤلف ﵀: (ما أخذت من مالي فهو لك) ................ فيقول: إنما أردت الشيء الذي عادة يتواهبه الناس ما أردا هذا ....... فيقول أنت قلت ما أخذت من مالي فهو لك وما هذه من ألفاظ العموم فأنا أتعجب من تصحيح هبة المجهول يعني قول من وجهة نظري بعيد جداً ولابد أن يؤدي إلى النزاع لتفاوت الأموال ....
قال المؤلف ﵀:
إلا ما تعذر علمه.
فإنه يجوز ... تعذر العلم أن يختلط اختلاطاً غير متميز حينئذ له أن يهبه وإن كان مجهولاً ........... لا حرج فيها ...
(((في التسجيل الصوتي تقطيع كثير لما بعد الأذان فأرجو ممن لديه التسجيل أن يعيننا على إكماله ليتم تنزيله فيما بعد كاملاً في المذكرة))).
((انتهى الدرس)).
стр. 1997
الدرس: (٤) من الوقف
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀:
(وتنعقد بالإيجاب والقبول والمعاطاة الدالة عليها)
الأمر الأول: أنّ الهبة تنعقد بصيغتين قولية وفعلية, أما القولية فبالإجماع تنعقد بها الهبة ولا إشكال فيها، وأما القولية تنعقد بها أيضاً الهبة عند جمهور أهل العلم, واستدلوا على هذا بأنّ ﷺ كان يهدي ويهدى، وكان يرسل السعاة فيأخذوا الصدقات ويقبضوها وكل ذلك يتم بلا قول, فهذا دليل على أنّ الهبة تنعقد بالصيغة العملية بلا قول.
قال المؤلف ﵀:
(وتنعقد)
هذه الجملة أفادت الفائدة الثانية, وهي أنّ الهبة تملك بمجرد العقد ولو قبل القبض, ولا تحتاج إلى قبض, ولكنها كما سيأتينا لا تلزم إلاّ بالقبض.
والقول الثاني: أنّ الهبة لا تملك إلاّ بالقبض.
والقول الثالث: أنّ الهبة تملك بالعقد قبل القبض, ولكنه ملكاً مراعى, فإن قبض تبيّن أنه ملكه وإلاّ فلا, وينبني على هذه المسألة فروع كثيرة جداً, ذكرها الشيخ ابن رجب في القواعد, من أهم هذه الفروع فرعان:
الفرع الأول: ينبني على الخلاف في هذه المسألة جواز التصرف أو عدمه، فإن قلنا أنها تملك بالعقد قبل القبض جاز التصرف قبل القبض, لأنها من أملاكه وللإنسان أن يتصرف في ملكه كيف يشاء.
الفرع الثاني: الذي ينبني على هذه المسألة, هو أنها تكون مملوكة من حين العقد, ويترتب على هذا أنّ له النماء المتصل والمنفصل وهذه ثمرة مهمة للخلاف في هذه المسألة, الحنابلة يرون أنها تملك بمجرد العقد كما تقدم معنا.
في الحقيقة ليس في المسألة أدلة واضحة, يمكن أن يرجح الإنسان بناء عليها, ولهذا نقول نبقى مع مذهب الحنابلة وهو مذهب الإمام أحمد أنها تملك بالعقد, ويكون التفريع على هذا القول.
قال المؤلف ﵀:
(وتلزم بالقبض بإذن واهب)
أي أنّ الهبة وإن كانت تملك بالعقد إلا أنها لا تلزم إلا بالقبض, وإلى هذا ذهب الحنابلة، أنّ الهبة لا تملك إلا بالقبض واستدلوا بدليلين:
стр. 1998
الدليل الأول: ما روي عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي ﵃ أجمعين - أنهم كانوا يرون أنّ الهبة لا تلزم إلاّ بالقبض, وهذا الأثر واستخدامه كلمة لا تلزم إلا بالقبض يرجح في المسألة السابقة مذهب الحنابلة, إذا كانت لا تلزم إلا بالقبض فاللزوم أمر زائد عن الملك, فكأنها تملك بالقول ولكن لا تلزم إلا بماذا؟ إلا بالقبض، فهذا الأثر من الأشياء التي تقوي مذهب الحنابلة, نرجع إلى مسألة اللزوم إذاً هذا هو الدليل الأول في مسألة اللزوم أنّ الهبة لا تلزم إلا بالقبض.
الدليل الثاني: أنّ أبا بكر الصديق ﵁ أعطى عائشة جذاذ عشرين وسقاً من ماله بالغابة, فلما أشرف وقرب موته ﵁ قال لها إني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً, ولو كنت حزتيه لكان لك, وأما الآن فهو مال الورثة, فدّل الحديث على أنها لماّ تقبضه لم يلزم في حق أبي بكر وصار من جملة مال الورثة.
والقول الثاني: أنّ الهبة تلزم بمجرد القول, بشرط أن تتميز، يعني أن تكون متميزة عن غيرها, وهذا قول الحنابلة واختيار الظاهرية، واستدلوا على هذا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة/١] فعقد الهبة من العقود التي تدخل في الآية.
والقول الثالث: أنّ الهبة تلزم مطلقاً، ولو لم تكن متميزة، لعموم قول النبي ﷺ (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)، والراجح في مسألة اللزوم بلا إشكال مذهب الحنابلة, لصراحة الآثار عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي, يعني عن الخلفاء الأربعة ﵃ فالأدلة التي ذكروها عامة, وهذه الأدلة التي استدّل بها الحنابلة خاصة.
قال المؤلف ﵀:
(وتلزم بالقبض بإذن واهب)
معنى أنها تلزم يعني لا يجوز الرجوع فيها, ودخلت بشكل نهائي في ملك الموهوب, وأشترط الشيخ ﵀ الماتن للقبض أن يكون القبض بإذن الواهب, واستدل الحنابلة على هذا بأنّ الإقباض ليس أمراً مستحقاً على الواهب, فلا يصح إلا بإذنه, وجه ذلك أنّ له أن يقبض وله أن يمتنع, فلما صار الإقباض ليس أمراً مستحقاً عليه, اشترطنا إذنه ورضاه.
стр. 1999
والقول الثاني: أنّ القبض يصح مطلقاً ولو بغير إذنه ولا علمه، مادام وهب, وهذا القول الثاني من وجهة نظري ضعيف جداً, لأنّ الإقباض في الهبة حق من حقوق الواهب, ففي القبض بغير إذنه نوع إفتيات عليه, كما أنّ تملك المال لابد أن يكون برضى نفس ومادام لم يعطه هو المال ينبغي أن ينتظر إلى يعطه المال أو يأذن في القبض.
قال المؤلف ﵀:
(إلاّ ما كان في يد متهب)
يعني إذا كانت العين الموهوبة في يد الموهوب ثم وهبها إياه المالك, فحينئذ لسنا بحاجة إلى القبض, وعللوا هذا بأنّ استدامة القبض تغني عن ابتدائه, فالعين الآن في يده, فلسنا بحاجة إلى قبض جديد, بل تصبح المسألة مسألة استدامة للقبض, والاستدامة لا تحتاج إلى إذن، وهذا صحيح بالنسبة لما إذا كانت العين في يد الموهوب.
قال المؤلف ﵀:
(ووارث الواهب يقوم مقامه)
يعني فالإذن بالقبض أو الرجوع عن الهبة, وأفادنا المؤلف بهذه العبارة أنّ الهبة لا تنفسخ بالموت, بل للوارث أن يأذن ويمضي الهبة وله أن يرجع ويقبض الهبة, وذلك لأنّ الهبة ,أو لأنّ كونه يهب هذا حق من حقوقه، فيبقى للورثة إن شاءوا أمضوا وإن شاءوا ردّوا.
قال المؤلف ﵀:
(ومن أبرأ غريمه من دينه بلفظ الإحلال ,أو الصدقة ,أو الهبة ... )
برئت ذمته ولو لم يقبل, هذا الإبراء يتعلق بالديون ولا يتعلق بالعين, فإذا أبرأه من الدين فإنّ الإبراء صحيح ولو لم يقبل المبرأ واستدّل الحنابلة على هذا بأنّ الإبراء مما في الذمة لا يعدوا أن يكون إسقاط, والإسقاط لا يحتاج إلى رضى المسقط عنه, كما في الشفعة وكما في القصاص, ففي الشفعة مثلاً لو أسقط المشفع حقه لا نحتاج إلى إذن المشتري, بل يسقط حقه أذن أو لم يأذن، وفي القصاص لو أسقط ولي الدم حقه في القصاص وأختار الدية لا نحتاج إلى رضى الجاني, إذن الإسقاطات لا تحتاج إلى إذن.
والقول الثاني: أنه في مثل هذه الصورة لابد من الإذن, لأنّ هذا الإسقاط في معنى الهبة, والهبة تحتاج إلى قبول, إذن لابد من القبول لأنّ هذا الإسقاط في معنى الهبة, والهبة تحتاج إلى قبول, كما أنّ الإسقاط من الدين فيه مِنّة, ويحتاج إلى قبول.
стр. 2000
أجاب الحنابلة عن دليل أصحاب القول الثاني بأنّ هناك فرقاً بين الهبة والإبراء, لأنّ الهبة تمليك للأعيان, بينما الإبراء إسقاط، وبين التمليك والإسقاط فرق ظاهر, والصواب مع أصحاب القول الثاني, والمذهب من وجهة نظري في هذه المسألة مرجوح، والسبب في ذلك أنّ التمليك وإن كان يختلف عن الإسقاط إلا أنه مع ذلك في هذا الإبراء شبه عظيم بالهبة, بدليل أنها تستخدم فيه، فيقول الإنسان وهبت لك ما في ذمتك لي, فاستخدام الهبة في الإسقاط دليل على أنّ معناهما متقارب جداً, كما أنّ قول أصحاب القول الثاني أنّ فيه مِنّة صحيح, أنّ فيه مِنّة ظاهرة, إذ قد يصبح المبرِأ كل ما رأى المُبرأ, قال قد أبرأتك عن كذا من الدين, وكل مارآه ذكّره بأنه أبرأه من هذا الدين, وفي هذا مِنّة ظاهرة واضحة, على كل حال الراجح إن شاء القول الثاني.
ظاهر كلام المؤلف, أنه يجوز الإبراء من المجهول, فإذا كان الدائن نسي الدين, لا يعرف كم مقدار الدين, فقال أبرأتك من الدين الذي في ذمتك لي, فإنّ الإبراء عند الحنابلة صحيح, لأنه إسقاط فجاز في المجهول.
стр. 2001
والقول الثاني: أنّ الإبراء من المجهول يجوز, بشرط أن يضع له حداً أعلى, فيقول إن كان الدين ألف فأقل فقد أبرأتك منه، يعني في المسألة إشكال, لكن الأقرب مذهب الحنابلة, لأنّ الإبراء وإن كان فيه شبه من الهبة, إلاّ أنه يبقى مع ذلك أخف منها، كما أنّ فيه إبراء لذمة مشغولة, والشارع الكريم يتشوف إلى إبراء الذمم المشغولة, ولهذا نقول إذا أبرأه من الدين وإن كان مجهولاً فلا بأس به, وإن كان القول الثاني في الحقيقة جميل جداً وينهي النزاع, فلو تبّين فيما بعد أنّ الدين مبلغه كبير جداً ربما ندم المبرأ، لكن لو قال إذا كان الدين ألف فأقلّ فقد أبرأتك, فينتهي الإشكال, فيكون الألف فأقلّ مبرأ وما هو زيادة على هذا باقي في ذمتّه لكن على كل حال نقول إن شاء الله, مذهب الحنابلة أحسن لمسألة رغبة الشارع في إبراء الذمم, والمقصود بالدين هنا يشمل أن يكون دين بسبب القرض أو دين بسبب ثمن المبيع الذي لم يؤديه, أو أن يكون دين بسبب جناية, أو أن يكون دين بأيّ سبب من الأسباب التي يترتب عليها انشغال الذمم, وتقدم معنا في كتاب القرض أنّ بين الدين والقرض فرق, وأنّ الدين أعّم من القرض وأنّ القرض أحد أسباب الدين, فالمؤلف يستخدم كلمة الدين ليشمل انشغال الذمة بأيّ سبب من الأسباب.
قال المؤلف ﵀:
(ويجوز هبة كل عين تباع , وكلب يقتنى)
عند الحنابلة الأصل العام أنه يجوز هبة كل عين تباع, فما جاز بيعه جازت هبته, والدليل على هذا أنّ الهبة تمليك للأعيان في الحياة فهي تشبه البيع, تقدم معنا أنّ هذا الشبه شبه جزئي وليس شبهاً كلياً, وأنّ بين البيع والهبة فارق أساسي وهو؟ العِوض لكن مع ذلك مادام في كل من البيع والهبة تمليك في الحياة, فهما من هذه الجهة يتشابهان فكل ما جاز بيعه جاز هبته, أضف إلى هذا أنّ البيع أضيق من الهبة, فإذا كانت هذه العين تباع فمن باب أولى أنها توهب.
стр. 2002
الأمر الثاني: يقول الشيخ ﵀ وكلب يقتنى، يعني وما يجوز أن يقتنى من الكلاب، ومقصود المؤلف بقوله وكلب يقتنى يعني وكل عين فيها نفع مباح, وإن كان لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى, فالأعيان التي توصف بهذا الوصف يجوز أن توهب, وإنما ذكر الشيخ الكلب لأنه أبرز أمثلة الأعيان التي يجوز الانتفاع بها, ولا يجوز أن تباع, والمقصود بالكلب هنا كما صرّح الشيخ الكلب الذي يجوز أن يقتنى, فعرفنا من هذه العبارة أنّ الهبة أوسع من البيع, وأنّ أمرها أرحب، فإذا وهب الإنسان ما يجوز أن يباع أو ما يجوز أن ينتفع به وإن لم يجز أن يباع فهو صحيح. .
فصل
قال المؤلف ﵀:
(يجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم)
هذا فصل خصصه المؤلف لمسألة مهمة مفيدة, وهي وجوب التعديل في العطية بين الأولاد, ولذلك صدّر الشيخ الفصل بحكم هذه المسألة فقال يجب التعديل في عطية أولاده, يجب التعديل في عطية الأولاد, وإلى هذا ذهب الحنابلة وذهب أيضاً الإمام البخاري وذهب إليه الإمام ابن حزم, وأضاف أنّ هذا القول ينسب لجمهور السلف, هكذا يقول, أو يقول وهذا قول عامة السلف, استدل هؤلاء ﵏ وغفر لهم - بأدلة:
الدليل الأول: وهو عمدة الباب أنّ النعمان بن بشير ﵁ وهب ابنه هبة فجاء إلى النبي ﷺ ليشهد على هبته فقال له النبي ﷺ (أكُل ولدك أعطيته مثله)، فقال: لا، فقال النبي ﷺ : (فلا إذاً)، وقال في لفظ آخر (أني لا أشهد على جور)، وقال في لفظ آخر (أطلب الشهادة من غيري)، أو (أشهد على هذا غيري)، وقال في لفظ (لا أشهد على غير الحق)، وهذا الحديث له ألفاظ من أكثر الأحاديث ألفاظ، إلاّ أنّ جميع الألفاظ تدل على المعنى المقصود, والحديث في الصحيحين.
وجه الاستدلال أنّ النبي ﷺ لم يشهد وأنه سمّاه جور، وأنه سمّاه خلاف الحق, ومن المعلوم أنّ الجور, ظلم, والظلم محرم.
стр. 2003
الدليل الثاني: أنّ الشارع الحكيم, ينهى عن كل ما فيه بغضاء وتشاحن بين المسلمين, فضلاً عن الأخوة وتفضيل بعضهم على بعض في الأعطيات من أكبر أسباب التشاحن والفساد كما مشهور ومنظور, ويدل على هذا الأصل العظيم, أنّ الشارع حرّم أن ينكح الرجل عمة المرأة عليها، أو خالة المرأة عليها, وأجمع الفقهاء أنّ العلة في المنع من أن يجمع بين المرأة وعمتها أو بين المرأة وخالتها أن لا يقع بينهما تنافر وتباغض وتشاحن, وهما قريبتان, فهذا الأصل دّل على المنع من التفضيل في الأعطيات التي يعطى الأولاد.
والدليل الثالث والأخير: أنه صح عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ النهي عن التفضيل وإيجاب المساواة.
القول الثاني: وهو مذهب الجمهور من المتأخرين الأئمة الثلاثة ﵏ وغفر لهم وجمعنا وإياهم في جناته - ذهبوا إلى أنّ التسوية بين الأولاد مستحبة, وأنّ التفضيل مكروه ولا يحرم, واستدلوا على هذا بأدلة: الدليل الأول: أنّ النبي ﷺ قال (أشهد على هذا غيري)، وفي هذا التصريح بصحة العقد, لأنه إذا طلب منه أن يشهد عليه غيره, فيه التصريح بصحة العقد.
والجواب عن هذا الاستدلال أنه كما قال ابن حزم عن استدلال قريب من هذا الاستدلال في مسألة العطية, أنّ هذا من عجائب الدنيا، وهذا صحيح, الاستدلال بهذا الحديث الذي يعتبر من أقوى الأدلة على التحريم, الاستدلال به على الجواز من عجائب الدنيا، وجه ذلك أنّ قول النبي ﷺ (أشهد على هذا غيري) لا يؤخذ منه مطلقاً الجواز, والسبب في ذلك أنّ هذا الأسلوب من الأساليب العربية المعروفة التي لا تستخدم لبيان الجواز, كما جاء في الأثر أنهم قالوا (إذا لم تستحي فافعل ما تشاء) فهل هذا الأمر حقيقي أو يراد منه التوبيخ؟ وكما جاء في الأثر أو صح عن علي ﵁ أنه قال للدنيا غُري غيري، فهل مقصود علي ﵁ فعلاً أنه يريد أنّ الدنيا تغّر غيره, أو يريد الابتعاد عن الدنيا, فكذلك قول النبي ﷺ للنعمان (أشهد على هذا غيري) ما هو إلاّ من التوبيخ, وبيان أنّ هذا العمل محرم, وهو في الحقيقة استدلال غاية في البعد.
стр. 2004
الدليل الثاني: للجمهور أنّ أبا بكر الصديق ﵁ نحل عائشة ﵂ عشرين وسقاً ولم يعطي غيرها بدليل أنه ردّ الهبة لما قرب من الوفاة, وهذا أقوى دليل لهم, لكن الجواب على هذا من أوجه:
الوجه الأول: أنه يحمل على أنّ باقي الورثة رضُوا وسمحوا بأن يعطي عائشة لكونها أم المؤمنين أو لأيّ سبب آخر.
الأمر الثاني: أنّ أبا بكر الصديق أعطاها لمعنى يوجب التفضيل, والإعطاء لمعنى يوجب التفضيل جائز, كأن يكون أشدّ فقراً, أو أشدّ حاجة، وأما بالنسبة لعائشة ﵂ فلا نعرف ما هو المعنى الذي يوجب التفضيل، والذي يجعل الإنسان يحمل هذا الأثر على هذه المحامل, وإن كان فيها شيء من البعد, الذي يجعلنا نجزم بأنّ أحد هذه المحامل هو المراد أنه صح عن أبي بكر المنع من التفضيل، وإذا صح عن أبي بكر المنع من التفضيل, علمنا أنه لماّ فضلّ إنما فضل لسبب مبيح شرعاً.
الدليل الثاني: أنّ عمر بن الخطاب وأيضاً عبد الرحمن بن عوف, فضلوا بعض أبنائهم, والجواب على هذا, هو الجواب على أثر أبي بكر ﵁ تماماً.
واستدل الجمهور بدليل آخر وهو أنّ النبي ﷺ قال (هل تحب أن يكونوا لك في البِرّ سواء) فقال ﵁ – نعم، فهذا إشارة إلى المعنى الذي من أجله منع من التفضيل وهو أنه لكي يكونوا في البِرّ سواء، إذاً لم يكونوا في البر سواء فله أن يفضل، وهذا أيضاً استدلال بالأقيسة البعيدة عن روح النص, فإنّ النص واضح جداً في المنع من ماذا؟ في المنع من التفريق وهو صريح جداً في تحريمه, والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة, ولو لم يكن من أسباب الترجيح إلا أنه مذهب عامة السلف, يعني من الصحابة والتابعين لكان كافياً في الترجيح, فضلا عن الحديث نص في المقصود, ولذلك ألّف عدد من الأئمة رسائل خاصة في نصرة قول السلف، منهم ابن القيم ومنهم الأمير الصنعاني - رحم الله الجميع - ألّفوا رسائل خاصة في نصرة القول الأول الدال على التحريم.
قال المؤلف ﵀:
(بقدر إرثهم (
стр. 2005
لما قرر الشيخ وجوب التسوية انتقل إلى كيفية التسوية, الحنابلة يرون أنّ كيفية التسوية تكون بقدر الإرث, فللذكر مثل حظ الأنثيين واستدلوا على هذا بأدلة:
الدليل الأول: أنّ النبي ﷺ قال في حديث النعمان (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، وإذا كان المطلوب العدل, فإنه لا أعدل من قسمة الله, فإنه لا يوجد قسمة أعدل من قسمة الله, هذا أولاً.
ثانياً: وهو دليل قوي جداً أنّ عطاء بن أبي رباح ﵁ قال ما كانوا يعطون إلا على كتاب الله, أو ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله، ومثل عطاء من كبار التابعين إذا قال ما كانوا فهو يشير إلى أصحاب النبي ﷺ
القول الثاني: أنّ التعديل يكون بالتسوية, فيعطى الذكر كما تعطى الأنثى تماماً, واستدلوا على هذا أيضاً بأدلة:
الدليل الأول: أنه في لفظ من ألفاظ حديث النعمان, أنه قال (سوي بينهم)، والجواب على هذا أنّ اللفظ الذي فيه سوي بينهم ليس في الصحيحين، وأنه ليس في الصحيحين إلا الأمر بالتعديل, اتقوا الله واعدلوا, والتعديل يفارق التسوية تماماً, هذا دليل أول مع جوابه.
الدليل الثاني: أنه روي من حديث ابن عباس ﵁ أنّ النبي ﷺ قال (سووا بين أولادكم بالعطية فلو كنت مفضلاً لفضلت النساء) وهذا الحديث حديث منكر لا يثبت عن النبي ﷺ
الدليل الثالث لهم: وهو دليل وجيه، وهو من وجهة نظري أقوى دليل للجمهور الذين يرون أنّ التعديل يكون بالتسوية, قالوا إنّ المقصود في الإرث الإعطاء على وجه التعصيب, ونفع الميّت, ولذا فضّل بينهم بحسب قربهم وبعدهم.
стр. 2006
أما المقصود من العطية في الحياة فهي المواساة وصلة الرحم, وإذا كان المقصود صلة الرحم فالذكر كالأنثى في ذلك، وإلى هذا يشير قوله ﷺ (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء)، وكونهم في البر سواء يستوي فيه الأنثى والذكر، هذا الدليل الأخير وجيه, ولولا أثر عطاء لكان قول الجمهور وجيه, أنّ التعديل يكون بالتسوية, لكن مع وجود أثر عطاء ومع المعاني التي ذكروها من أنّ قسمة الله هي أعدل القسم يكون الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة, وهو أنّ التعديل يكون بقسمتها على حسب ما جاء في الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين.
قال المؤلف ﵀:
(فإن فضّل بعضهم سوّى برجوع, أو زيادة)
فإن فضّل بعضهم, يعني فإن خالف الأمر الشرعي وفضّل بعضهم فإنه يسوي إما برجوع بأن يأخذ العطية, أو بزيادة أي بأن يزيد الناقص إلى أن يستووا, وقوله (سوّى) يعني وجوباً، والدليل على وجوب الرجوع ما جاء في الصحيح أنّ النبي ﷺ قال للنعمان (فأرجعه) أو (فأعده) وهذا نص صريح في وجوب الرجوع عن العطية أو الهبة التي فيها تفضيل.
قال المؤلف ﵀:
(فإن مات قبله ثبتت)
فإن مات الواهب قبل الرجوع والتسوية ثبتت العطية، ومعنى ثبوت العطية أنه لا يجوز لباقي الورثة أن يطالبوا المعطى, وليس لهم حق عنده, استدل الحنابلة على هذا بأنّ أبا بكر الصديق ﵁ قال كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً ولو كنت حزتيه لكان لك، فدّل اللفظ على أنّ عائشة لو كانت حازته لم يملك الورثة الرجوع.
والقول الثاني: أنه يجب الرجوع ولو بعد الموت, واستدلوا على هذا بأنّ هذه العطية, حكم النبي ﷺ عليها بأنها جور، والجور هو الظلم, والظلم لا يقرّ مهما كان الأمر، وبأن النبي ﷺ أمر بالرجوع في هذه العطية مطلقاً.
стр. 2007
واستدلوا بدليل قوي أصحاب القول الثاني, وهو أنّ أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب أمروا قيس بن سعد أن يعود في الهبة التي أعطاهم إياها والده لماّ ولد له ولد لا يعلم به, يعني أنّ والد قيس سعد ﵁ أعطى أولاده هبة وقسّم أولاده, ولم يعلم أنّ إحدى النساء حامل, ثم توفيّ, فلما ولد هذا الولد, أمر أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ابنه قيس أن يرجع في الهبة, بمعنى أن يعطي هذا الابن المولود نصيبه, وفي هذا رجوع بعد الموت, والراجح إن شاء الله هو وجوب الرجوع بعد الموت، مذهب الحنابلة ضعيف وأثر أبي بكر الصديق, تقدم الجواب عنه وهو أنه عطية صحيحة لها ما يبررها شرعاً.
قال المؤلف ﵀:
(ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة إلاّ الأب)
ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة, لا يجوز الرجوع في الهبة لقول النبي ﷺ (ليس لنا مثل السوء, لا يجوز الرجوع في الهبة, والعائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) ولقول النبي ﷺ (لا يحل للرجل أن يهب ثم يعود في هبته) وهذا أمر واضح.
قال المؤلف ﵀:
(إلاّ الأب)
أي فله الرجوع, للأب الرجوع خاصة في الهبة لقول النبي ﷺ (لا يحل لرجل أن يهب ثم يرجع في هبته إلاّ الأب فيما يعطي ولده)، وهذا الحديث صححه عامة المتأخرين, ولم أرى للمتقدمين فيه كلام بعد مراجعة يسيرة, ربما نجد لهم كلام, لكن بعد مراجعة يسيرة, لم أجد لهم كلام في هل هذا الحديث أو الاستثناء صحيح أو معلول, على كل حال عامة المتأخرين يصححون إسناد هذا الحديث فظاهره الصحة، وهو دليل على استثناء الأب.
مسألة: رجوع الأب لابد أن يكون بالقول الصريح, وهناك فرق بين رجوع الأب في هبته التي أعطاها ابنه, وبين تملك الأب من مال ابنه, ففي التملك يكفي القبض مع النية أو القول, أما في الرجوع فلابد من الرجوع الصريح بالقول, فإذا أعطى الأب ابنه شيء ثم أخذه, ولم يصرّح بالرجوع فلا يعتبر رجوع, وتبقى العين ملك للابن, إذاً الخلاصة أنه لابد من التصريح في الرجوع بالنسبة للأب إذا أراد أن يعود في هبته.
قال المؤلف ﵀:
стр. 2008
(وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضرّه ولا يحتاجه)
للأب أن يأخذ وأن يتملك من مال ابنه, وقبل أن نأتي لمسألة تملك الأب من مال الابن, في مسألة الرجوع ذكرنا حكم رجوع الأب أليس كذلك؟
نقول مسألة: الأم اختلفوا فيها هل لها أن ترجع أو ليس لها أن ترجع؟ على قولين:
الراجح إن شاء الله أنّ لها أن ترجع, وإلى هذا مال الشيخ الحارثي لعموم قول النبي ﷺ في الحديث المتقدم (إلاّ الوالد فيما يعطي ولده)، فالأم تدخل دخولاً أولوياً في هذا اللفظ, كما أنّ ما يثبت من الحقوق للأب فإنه يثبت للأم, لأنها أعظم حقاً من الأب.
نأتي إلى مسألة تملك الأب من مال الابن, ذهب الفقهاء إلى أنه يجوز للأب أن يتملك من مال ابنه ما شاء, بشروط ستأتينا.
واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ (إنّ أطيب ما أكلتم ما كسبتم, وإنّ أولادكم من كسبكم) فصرّح النبي ﷺ أنّ الولد من جملة كسب الأب, فيجوز له أن يتملك من ماله ما شاء, بالشرط الذي سيأتينا، واستدلوا بقول النبي ﷺ (أنت ومالك لأبيك)
مسألة: وهل الأم مثل الأب في جواز التملك من مال الابن؟ فيه خلاف، فمن الفقهاء من قال أنه لا يجوز التملك إلاّ للأب، وعن الإمام أحمد روايات صريحة في هذا، واستدل الإمام أحمد بقول النبي ﷺ (أنت ومالك لأبيك) قال والأب ليس كالأم, واستدل بأنّ الأب منوط به النفقة دون الأم, واستدل بلفظ للحديث السابق (إنّ أطيب كسب الرجل) فخص الرجل.
والقول الثاني: أنّ الأم كالأب, يجوز لها أن تتملك من مال الابن لعموم (وإنّ أولادكم من كسبكم)، ولأنّ حق الأم أعظم من حق الأب، ولأنّ الأم لا يجوز لها على الصحيح, أن تفضّل في الأعطية بين أولادها, كما لا يجوز للأب تماماً، فإذا منعناها من التفضيل فلها حق التملك، وهذا القول إن شاء الله هو الصحيح, أنّ للأم أن تتملك من مال الابن, كما أنّ للأب أن يتملك من مال الابن، وبهذا علمنا أنه على القول الصحيح, الأم تساوي الأب في جميع المسائل السابقة, ما هي المسائل؟
المسألة الأولى: تحريم التفضيل.
المسألة الثانية: جواز الرجوع في الهبة.
стр. 2009
المسألة الثالثة: جواز تملك الأب من مال الابن.
فبهذا تنضبط إن شاء الله معنا المسألة, لأنّ بعض الفقهاء قد يرّجح أنّ الأم كالأب في بعض هذه المسائل دون بعض، لكن الأقرب إن شاء الله, أنها كالأب في جميع المسائل، وبهذا تنضبط وتتضح معنا مسائل الهبة.
قال المؤلف ﵀:
(من مال ولده مالا يضره ولا يحتاجه)
ظاهر عبارة المؤلف أنّ مالا يضره غير مالا يحتاجه, أنّ مالا يحتاجه شيء ومالا يضره شيء آخر, وفي الحقيقة أنّ عبارة الفقهاء ومنهم الحنابلة تدّل على أنّ الشرط هو واحد, وهذا الشرط هو أن لا يتملك من مال ابنه ما يضره, ومن أمثلة الضرر أن يتملك ما يحتاجه.
إذاً الواقع أنّ الشرط هو واحد, ولو قال الشيخ أن لا يتملك ما يضره كالمال الذي يحتاجه لكان أوضح، من أمثلة ما يضره أن يتملك الأب رأس مال الابن الذي أعدّه للتجارة, إذا لم يكن عند هذا الابن إلاّ رأس المال هذا ليتاجر به لنفقته، فإنه لا يجوز للأب أن يتملك مثل هذا المال, كذلك لا يجوز له أن يتملك ما تعلّق به حقوق للابن, كالرهن, والديون التي في الذمم، مثل هذه الأمور لا يجوز للأب أن يتعرض لها, الرهون ونحوها.
والقاعدة العامة التي تضبط معنا المسألة, والأمثلة كثيرة, هي أن لا يتملك من مال ابنه ما يضر الابن, من ذلك مثلاً لا يجوز أن يتملك الأمة التي تسرّاها الابن, وإن كانت الأمة ليست زوجة, لكن مع ذلك لاشك أنّ تملك الأب لهذه الأمة يضّر بالابن, إذاً الأمثلة كثيرة لكن الضابط هو أن لا يتملك ما يضرّ الابن.
قال المؤلف ﵀:
(فإن تصّرف في ماله ولو فيما وهبه له ببيع, أو عتق ,أو إبراء, أو أراد أخذه قبل رجوعه, أو تملكِهِ بقول, أو نيةٍ وقبض معتبرٍ لم يصح بل بعده)
خلاصة هذا البحث أنه لا يجوز للأب أن يتصرف في مال الابن, ولو فيما وهبه إياه إلاّ بعد القبض, ويشترط في هذا القبض, أن يكون مع نية أو قول, أما قبل القبض فإنه لا يجوز للأب أن يتصرف في مال الابن، التعليل: قالوا أنّ مال الابن قبل القبض, مال مملوك للابن ملكاً تاماً, فلا يتسلط الأب على التصرف في مال ابنه, وهذا صحيح فإذاً نقول للأب يشترط لتتصرف في مال الابن, ماذا؟ أن تقبضه.
قال المؤلف ﵀:
стр. 2010
(وقبض معتبر)
القبض المعتبر هو القبض الذي تقدم معنا في البيوع, قبض كل شيء بحسبه, المنقول والعقار والمكيل والموزون, حسب ما تقدم معنا في الخلاف يتأتى هنا, فإذا أراد أن يقبض عقار من مال الابن فبالتخلية, منقول فبنقله, مكيل فبكيله, على حسب ما تقدم معنا في القبض الذي مرّ في كتاب البيوع.
قال المؤلف ﵀:
(ببيع, أو عتق)
واضح.
(أو إبراء)
يعني أو إبراء غريم الولد, أو إبراء الأب من دين الابن, كلاهما لا يجوز, لأنّ هذا الإبراء وقع قبل أن يتملك الابن المال, ولا يجوز للأب أن يتملك مال الابن, إلاّ بعد أن يتملك الابن هذا المال, ومادام المال في ذمة الغريم فإنه لم يتملكه التملك التام, فلا يجوز للأب أن يصدقه لا عن نفسه ولاعن غريمه.
قال المؤلف ﵀:
(وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه)
لا يجوز للولد أن يطالب أباه بدين, سواء كان كما تقدم سبب الدين ثمن مبيع أو كان سبب الدين قرضاً اقترضه الأب.
(ونحوه) مثل قيم المتلفات, وأروش الجنايات, فإذا أتلف الأب على الابن عيناً محترماً بتعدّ أو تفريط, فإنّ قيمة المتلف تثبت في ذمة الأب، لكن لا يجوز للابن أن يطالبه بها, الدليل على هذا أنّ رجلاً جاء إلى النبي ﷺ بأبيه يطالبه ديناً, فقال النبي ﷺ (أنت ومال لأبيك)، فإذاً حديث (أنت ومالك لأبيك) جاء بسبب وهو ماذا؟ مطالبة الابن لأبيه بالدين، فأفتاه النبي ﷺ أنّ ليس له ذلك لأنه هو وماله للأب.
الدليل الثاني: أنّ هذا قد يكون من العقوق, وأنا أقول قد يكون, لأنه قد لا يكون من العقوق، لكن قد يكون من العقوق, وذلك فيما إذا لم يكن للابن حاجة, أو كان الأب فقيراً.
((الآذان))
القول الثاني: أنه إذا كان في الابن حاجة للمال, والأب في غنى تجوز المطالبة.
стр. 2011
والقول الثالث: أنّ المطالبة تجوز مطلقاً, لأنّ الأب مدين, والابن دائن, وللدائن أن يطلب المدين, والراجح مذهب الحنابلة للحديث, لأنه ليس في الحديث تفصيل, وإلاّ فإنّ القول الثاني وجيه جداً, وفيه تفصيل طيّب, فمادام الابن بحاجة, والأب غني فلماذا لا يسدد ما عليه لابنه, على كل حال مادام الحديث عام فالراجح إن شاء الله هو مذهب الحنابلة, لأنّ الحديث يقوي مذهبهم.
قال المؤلف ﵀:
(إلاّ بنفقته الواجبة عليه, فإنّ له مطالبته بها, وحبسه عليها)
النفقة الواجبة, تجوز المطالبة بها، لأنّ في هذا حفاظاً على النفس المعصومة, فله أن يطالب أباه بالنفقة، كما أنّ الأب مقصّر وظالم لمنع النفقة.
وقبل أن ننهي هذا الفصل نرجع إلى قول المؤلف (وليس للولد مطالبة أبيه بدين) فقوله بدين, مفهوم العبارة أنّ للولد أن يطالب أبيه بعين, فإذا كانت العين موجودة فله أن يطالب أباه بهذه العين, بعد البحث لم أر للحنابلة دليل في التفريق بين العين والدين, لم يذكروا دليلاً, ولعلهم يستدلون بأنّ في قصة الرجل الذي جاء بأبيه إلى النبي ﷺ أنه كان مديناً, وفي الحقيقة التفريق بين العين والدين في مطالبة الأب ضعيف, لأنّ المقصد الأول هو عظم حق الأب مما يمتنع معه المطالبة بالحقوق والإلزام بها, سواء كان دين أوعين, ونحن نقول إذا كان دليل الحنابلة الحديث, فالحديث قصة عين, وليس فيها ما يدل على أنه لو كان يطالبه بعين, لأذن له النبي ﷺ بالمطالبة , بل الظاهر من تعليل النبي بالمنع وهو قوله (أنت ومالك لأبيك) أنه يشمل ما إذا كانت المطالبة بدين أو ما إذا كانت بعين.
فصل في تصرفات المريض
المقصود بالتصرفات هنا التبرعات لا المعاوضات فقوله التصرفات لفظ عام يقصد به فقط التبرعات، أما المعاوضات كأن يبيع وأن يشتري أو أن يرهن أو أن يجري أي عقد من عقود المعاوضات فتصرفه صحيح كالسليم, إذاً الكلام في هذا الفصل عن تصرفات المريض مرض الموت المخوف فيما إذا تصرّف تصرفاً فيه تبرع.
وبدأ المؤلف بالمريض الذي مرضه غير مخوف.
قال المؤلف ﵀:
(من مرضه غير مخوف, كوجع ضرس, وعين, وصداع يسير فتصرفه لازم كالصحيح)
стр. 2012
تصرف المريض مرضاً غير مخوف، كتصرف الصحيح تماماً, لأنّ الغالب عدم الهلاك بمثل هذا المرض, هذا من جهة من جهة أخرى، لأنّ الأصل في تصرفات المسلم العاقل الذي تصح تصرفاته, الأصل فيها الصحة، ولهذا نقول تصرفات هذا المريض صحيحة، مادام مرضه ليس مخوفاً, والمؤلف مثّل بأمثلة كوجع ضرس وعين وصداع يسير, هذه أمثلة للأمراض غير المخوفة, والمرض غير المخوف يتضح تماماً, إذا أخذنا المرض المخوف, ووضعنا له ضابطاً ينضبط به.
((انتهى الدرس)).
стр. 2013
الدرس: (٥) من الوقف
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كنت تحدثت في الدرس السابق عن المرض غير المخوف وبينت الحكم الذي ذكره المؤلف عن المرض غير المخوف وتوقفنا على المرض لمخوف.
قال ﵀:
وإن كان مخوفاً كبرسام .....
المرض المخوف عرفه المؤلف بالمثال فذكر مجموعة من الأمثلة للأمراض المخوفة.
وحده شيخ الإسلام بقوله: (المرض المخوف هو ما يكثر الموت منه) فيكون ضابط المرض المخوف هو كل مرض يغلب أن يموت المريض منه.
هذا الضابط يغني عن كثرة الأمثلة لاسيما مع اختلاف مستويات العلاج من زمن إلى آخر.
فكثير من الأمثلة التي ذكرها المؤلف قد لا تكون اليوم من الأمراض التي تقتل صاحبها غالباً لكن نقف مع الأمراض التي ذكرها المؤلف ﵀:
يقول ﵀:
كبرسام.
البرسام مرض يصيب الدماغ. وربما أفقده الوعي أو أفقده الفهم والإدراك وله تأثيرات مختلفة لكن الغالب على من يصاب به الموت ولهذا مثل به ﵀.
يقول ﵀:
وذات الجنب.
ذات الجنب هي القرحة التي تصيب الجنب من الداخل فإذا انفجرت أدت إلى الوفاة.
ولهذا جعلها من جملة الأمراض التي تسبب الموت.
يقول ﵀:
ووجع قلب.
يعني: إذا مرض القلب بوجع فإنه غالباً ما يسبب الموت.
وبالنسبة لوقتنا هذا وجع القلب قد يكون بسبب كبير كالجلطة فهو خطير.
وقد يكون بسبب نوع من الإرهاق فلا يكون خطيراً.
стр. 2014
ومع ذلك اليوم إذا كان الإنسان مريض بالقلب بالصمامات أو بجلطات أو بضعف العضلة في جميع الأحوال اليوم يعامل مريض القلب كالصحيح ولا يعامل كمن هو في مرض الموت لأنه ليس الغالب الموت ففي الحقيقة وجع القلب ينقسم إلى قسمين:
ـ أن يكون وجعاً طبيعياً يعالج ويبقى المريض يتصرف في حياته كتصرف الأصحاء مع أخذ العلاج فهذا تصرفاته معتبرة وصحيحة وليست كتصرفات المريض مرضاً مخوفاً.
ـ والثاني: أن يصاب بجلطة تفقده الوعي أو تدخله العناية المركزة ويصبح في حالة حرجة فلاشك أنه لو أفاق وتكلم فإن تصرفاته تعتبر من تصرفات المريض التي سيبين لنا المؤلف ﵀ ما هو حكمها؟.
يقول ﵀:
ودوام قيام.
يعني: دوام الإسهال.
فالإنسان إذا دام معه الإسهال أهلكه لأن الإسهال يعني عدم استمساك ما في المعدة وعدم انتفاع الجسم مما يأكله الإنسان وبهذا يهلك مع الاستمرار.
فإذا استمر الإسهال لاشك أنه مرض قاتل.
لكن اليوم ولله الحمد أمكن التحكم بمثل هذا وإيقافه.
لكن لو فرضنا أن إنسان أصيب بإسهال ولم يتمكن الأطباء من إيقافه وأشرف على الهلاك فإن تصرفاته تصرفات المريض المخوف.
يقول ﵀:
ورعاف.
مقصوده: يعني: ودوام رعاف.
ولاشك أن النزيف - الرعاف إذا دام فهو من أخطر الأمراض.
أي: نزيف أي طريقة من طرق خروج الدم إذا لم يتمكن الأطباء من إيقافه فهو من أخطر الأمراض سواء كان النزيف داخلي وهو الأخطر أو كان خارجي كالرعاف والجرح.
وعلى كل حال إذا دام ولم يتمكنوا من إيقافه ووصل إلى مرحلة حرجة من المرض فهو يعتبر مريضاً مرضاً مخوفاً.
يقول ﵀:
وأول فالج.
الفالج هو مرض يصيب إما الشق الأيمن أو الأيسر من الجسد أو الشق الأعلى أو الأسفل من الجسد أو يصيب كل الجسد.
فإذا أصاب الجسم أدى إلى تخدره وشلله.
فالفالج: عندهم يعتبر من الأمراض المخوفة لكن قيده المؤلف بقوله: (أول فالج).
من أشبه ما يكون من أمراضنا بأمراض الفالج الجلطات التي تؤدي إلى شلل في جسم الإنسان لاسيما إذا كانت الجلطة في الدماغ فإنها غالباً ما تؤثر على أعصاب الإنسان.
стр. 2015
وما ذكره المؤلف من أن الفالج في أوله خطير صحيح إلى الآن إذا أصيب الإنسان بجلطة دماغية فإنه في أول الإصابة تعتبر حالته خطره ثم كل ما يتقدم الوقت يعتبر من صالح المريض وهو علامة على خروجه من مرحلة الخطورة وكل ما يتقدم الوقت يكون إشارة إلى خروجه من حالة المرض الشديد.
فقوله: (أول) صحيح. أول ما يصاب الإنسان بالجلطة ويرقد فإن تصرفاته تعتبر تصرفات مريض يحكم عليها بما سيأتي ثم إذا عتق وتعدى مرحلة الخطورة فإن تصرفاته تصرفات صحيحة.
يقول ﵀:
وآخر سِل.
السل مرض يصيب الرئة فيعطل عملها على الوجه المطلوب وقد يؤدي إلى تعطليه كلياً.
والسل: آخره خطير. وأوله ليس بخطير.
بمعنى: أنه إن استمر ولم يعالج ووصل إلى مراحله الأخيرة فإنه يصبح حينئذ مرضاً خطيراً مؤدياً إلى الوفاة.
أما إذا أصيب الإنسان بهذا المرض ثم أمكن العلاج في وقت مبكر فتصرفاته حين كان مريضاً في أوله صحيحة وليست كتصرفات المريض مرضاً مخوفاً.
يقول ﵀:
والحمى المطبقة.
يعني: الحمى الدائمة التي تستمر ولا ترتفع عن بدن الإنسان.
وهذا المرض خطير بإجماع العقلاء، استمرار الحرارة خطير بإجماع العقلاء سواء كانوا من الأطباء أو من غيرهم لأن استمرار ارتفاع حرارة الإنسان دليل واضح على وجود الخلل الكبير في البدن.
فإن أمكن التحكم بالحرارة بتنزيلها كما هو المشهور الآن أية طريقة إما بالتبريد أو بعلاج كيمائي فلا يعتبر من المرض المخوف.
وأما إذا حاولوا في المريض أن تنزل حرارته ولم يتمكنوا لأي سبب واستمر فإنه كما قال الحنابلة يعتبر دخل مرحلة الخطر وتكون تصرفاته كتصرفات المريض المخوف.
يقول ﵀:
والربع.
الربع هي الحرارة التي تأتي كل أربعة أيام وهي في الحقيقة نوع من دوام الحرارة، إلا أنها ترتفع ثم ترجع ترتفع ثم ترجع في اليوم الرابع.
وهذه بالتجربة عند المتقدمين تؤدي إلى الهلاك إذا استمرت.
ثم لما انتهى من تعداد الأمراض المخوفة رجع إلى شيء أعم من تعداد الأمراض المخوفة:
فقال ﵀:
وما قال طبيبان مسلمان عدلان.
اليوم لو أنا نقول: أن الضابط في اعتبار المرض مخوف أو غير مخوف هو حكم الأطباء.
стр. 2016
ولسنا بحاجة إلى تعداد الأمراض ولا يمكن أن يستقل الإنسان باعتبار تصرفات هذا المريض من تصرفات المريض مرضاً مخوفاً بمجرد معرفة اسم المرض بل يجب أن نرجع في وقتنا هذا بالذات إلى حاجة الأطباء ونصدر عن قولهم هل هو: يعتبر مرضاً يؤدي إلى الوفاة أو مرض يمكن أن عالج.
وذلك بسبب التقدم المهول للطب الحديث بما يكفي في كف صفة أو حالة المريض بدقة وهل هو يعتبر في مرحلة حرجة وخطرة أو ليس كذلك.
فهذا السطر الأخير من كلام المؤلف ﵀ ينبغي في وقتنا أن يعتمد وأن لا ننظر إلى التسميات وإنما ننظر إلى شهادة الأطباء في كل [الأمراض] بلا استثناء.
لكن نأتي إلى مناقشة كلام المؤلف
يقول ﵀:
وما قال طبيبان.
يعني:
= أن الحنابلة يرون أنه يشترط أن يشهد بذلك طبيبان فإن شهد طبيب فإنه لا عبرة بشهادته.
وعللوا هذا:
- بأن هذه الشهادة تتعلق بحق الموصي والورثة وهو حق مالي فاحتجنا إلى شهادة اثنين.
= والقول الثاني في المسألة: أنه يكتفى بشهادة الطبيب الواحد الثقة.
واستدلوا على هذا:
- بأن عمر ﵁ لما طعن شهد له الطبيب بأنه لا أمل للبرء في جرحه فأوصى عمر بناء على شهادة هذا الطبيب وقبل الصحابة وصية عمر المبنية على شهادة الطبيب واعتبروها صحيحة ونافذة وهذا كالإجماع على أن شهادة الطبيب الواحد تكفي.
فيما يظهر أن الراجح هو القول الثاني.
لكن لو قيل أن هذا يختلف باختلاف الأمراض فمثل جرح عمر ﵁ لما شرب اللبن وخرج مع العرق هذا لا يحتاج إلى دقة في الطب أنه مهلكة.
كذلك بعض الأمراض المعاصرة إذا وصلت إلى مراحلها الأخيرة لا تحتاج إلى طبيب حاذق فاهم حتى يحكم أن هذا مريض مرض الموت.
لكن في بعض الأمراض تلمس اختلافاً بين الأطباء اختلافاً كبيراً جداً.
وأعرف حالة لأحد المرضى أخبره الطبيب أنه لا مجال للعلاج ولا يوجد أي أمل في الشفاء وأن عليه أن يوصي وأن أيامه تتراوح بين عشرة أيام إلى أربعة عشر يوماً.
ثم ذهب من هذا الطبيب إلى طبيب آخر وأعطاه دواء مركز صار من ثمار هذا الدواء توازن بعض الأشياء .. المهم أن الرجل حي وإلى الآن موجود.
стр. 2017
وهذا المثال الذي وقفت عليه بنفسي ينبئك عن أنه في بعض الأمراض أنه يشترط أن يشهد اثنان من الأطباء أو ثلاثة حتى نتأكد أن تصرفات هذا المريض فعلاً تحمل على تصرفات المريض مرضاً مخوفاً، ولا أظن أن هذا المثال الذي ذكرت وحيد بل له أشباه ونظائر كثيرة.
لذلك نقول إذا كان المرض من الأمراض التي تختلف فيها وجهات النظر أو من الأمراض التي يسارع الأطباء بالبحث عن علاج لها وقد يكتشف في مكان لا يعلمه الطبيب الآخر حينئذ لابد من استشارة أكثر من طبيب حتى نحكم على تصرفاته المالية بأنها تصرفات مريض مريضاً مخوفاً.
يقول ﵀:
مسلمان.
يعني: يشترط في الطبيب أن يكون من المسلمين ليكون عدلاً تقبل هذه الشهادة منه.
= والقول الثاني: أنه لا يشترط إلا أن يكون ثقة عدلاً حاذقاً ولو لم يكن من المسلمين.
بدليل:
- أن النبي ﷺ اتخذ في الهجرة دليلاً من غير المسلمين، فهذا يدل على جواز الاعتماد على قول الكافر الثقة.
وأظن أن هذا الخلاف اليوم محسوم عملياً فإن اليوم الاعتماد على خبر الطبيب غير المسلم هو عمل الناس.
لاسيما وأنه يوجد عدداً من الأطباء غير المسلمين يكون عنده من الحذق والمعرفة والخبرة ما لا يوجد عند بعض المسلمين، فلذلك استقر العمل الآن على قبول شهادته وقوله وهذا هو الأقرب إن شاء الله.
يقول ﵀:
ومن وقع الطاعون ببلده، ومن أخذها الطلق ...
انتقل المؤلف ﵀ إلى نوع آخر من الأشخاص الذين يحكم على تصرفاتهم بأنها تصرفات المريض مرضاً مخوفاً، إلا أنهم ليسوا بمرضى.
فهم في حكم المريض مرضاً مخوفاً، ولو لاحظت فستجد أن من وقع في بلده الطاعون ومن أخذها الطلق ليست مريضة وليس مريضاً هو بحد ذاته ليس مريضاً.
وألحقوا بهذين المثالين:
ـ من حكم عليه بالقصاص، فإنه ليس مريضاً ولكنه يشبه المريض مرضاً مخوفاً.
ـ وألحقوا به: المقاتل عند التحام الصفين مع التساوي.
ـ وألحقوا به: من سقط من شاهق يموت منه غالباً.
وإذا تأملت فستجد أمثلة كثيرة لهذه الأشياء التي ذكرها الحنابلة.
دليل الحنابلة في إلحاق هذه الأشياء بمرض الموت:
стр. 2018
- قالوا: أن الموت والعطب بهذه الأشياء أكثر منه في المريض مرضاً مخوفاً فهي أولى بالحكم.
هذا الدليل لجملة الأشياء التي ذكرت وهي أمثلة ثلاثة أو أربعة.
لكن في المسألة خلاف نأخذ المسائل التي ذكرها المؤلف ﵀:
الأولى:
قال ﵀:
ومن وقع الطاعون ببلده.
ذكرنا أن مذهب الحنابلة أن حكمه حكم المريض مرضاً مخوفاً وذكرنا تعليلهم.
= والقول الثاني: أن تصرفاته كتصرفات الصحيح.
- لأنه ليس بمريض بل صحيح معافى.
- ولأن الطاعون أصاب الشام في عهد الصحابة ولم ينقل أنهم أمروا من في الشام بأن لا يتصرفوا إلا كما يتصرف المريض مرضاً مخوفاً.
والراجح بلا إشكال إن شاء الله الثاني.
المسألة الثانية:
قال ﵀:
ومن أخذها الطلق.
إذا أخذ المرأة الطلق فعرفنا مذهب الحنابلة ودليلهم.
= القول الثاني: أن تصرفاتها كتصرفات الصحيح، فلو تبرعت وهي تلد فتبرعها صحيح.
والسبب في ذلك:
- أن الغالب على من أخذها الطلق السلامة وليس الموت فإلحاقها بالمريض مرضاً مخوفاً فيه نظر ظاهر.
وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله.
يبقى بعض المسائل في الحقيقة من الأمثلة التي ذكرت قد تكون أقوى من الأمثلة التي ذكرها المؤلف ﵀.
ـ فالإنسان إذا قدم للقصاص:
= فمن الفقهاء كالحنابلة من ألحقه بالمريض مرضاً مخوفاً.
= ومنهم من قال: بل ربما عفا من له الحق في العفو قبل تنفيذ القصاص ولهذا فنعتبر تصرفاته تصرفات الصحيح.
وفي الحقيقة المسألة هذه محتملة [ويغلب - ويقرب] عندي أنه إذا قدم للقصاص فتصرفاته كتصرفات المريض، أما وهو في الحبس وينتظر القصاص فهذا تصرفاته تصرفات الصحيح لأن الأمل في العفو كبير.
ـ بالنسبة لمن سقط من شاهق يغلب على الظن أنه يموت فتصرفاته وهو ساقط كتصرفات المريض مرضاً مخوفاً. بل هو أولى من المريض مرضاً مخوفاً لأن نسبة الموت من السقوط من شاهق مرتفع جداً تقرب من التسع وتسعين بالمائة، ولا ينجو إلا شيء مخالف للعادة.
إذاً: الأمثلة التي ذكرها الفقهاء تختلف قوة وضعفاً.
فالأمثلة التي ذكرها المؤلف ﵀ ضعيفة وبعد الأمثلة التي ذكرت القول بأنها تلحق بمرض الموت قول وجيه وقوي.
стр. 2019
ما ذكر المؤلف ﵀ حدود مرض الخوف وأمثلته وضوابطه ذكر الحكم:
فقال ﵀:
لا يلزم تبرعه لوارث بشيء ولا بما فوق الثلث: إلاّ بإجازة الورثة لها إن مات منه.
هذا الخلاصة والأهم.
وهي أن صرفات المريض مرضاً مخوفاً حكمها حكم الوصية فلا تنفذ للوارث ولا بأكثر من الثلث للأجنبي.
فنعامل تصرفات المريض مرضاً مخوفاً كما نعامل وصيته تماماً حكمها حكم الوصية.
وهذا كمعنى قول المؤلف ﵀: (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء).
وقوله: (ولا بما فوق الثلث: إلاّ بإجازة الورثة لها) أي: أن حكمها حكم الوصية.
وسيأتي في الوصية تفصيل هذين الحكمين.
والذي يعنينا الآن أن تصرفات المريض حكمها حكم الوصية.
وهذا في الحقيقة يحتاج إلى دليل لأن هذا الرجل مسلم عاقل حي كيف نحكم على تصرفاته بأنها ملغاة وأنها كتصرفاته في الوصية.
والجواب على هذا الإشكال:
أن هناك في الشرع أدلة واضحة وقوية تدل على هذا الحكم.
- الدليل الأول: والأقوى: أن رجلاً في عهد النبي ﷺ يملك ستة أعبد فأعتقهم في مرضه المخوف فاستدعاهم النبي ﷺ وجزأهم فأعتق اثنين وأرق أربعه، وذلك بالقرعة.
فالنبي ﷺ تعامل مع تصرف هذا المريض كما يتعامل مع الوصية أنفذ الثلث ورد الباقي. وهذا الدليل في الصحيح وهو في الحقيقة عمدة المسألة.
- الدليل الثاني: الذي يذكره الفقهاء كثيراً هو قوله ﷺ : (إن الله تصدق عليكم عند موتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم) هذا الحديث فيه ضعف لكن له شواهد كثيرة.
ويقوى بالحديث السابق فهو إن شاء الله صالح للاستدلال فهذان دليلان واضحان على هذا الحكم المهم الذي يتعلق بتصرفات المريض مرضاً مخوفاً.
يقول ﵀:
إذا مات منه وإن عوفي فكصحيح.
يعني أن هذا الحكم إنما هو إذا استمر به المرض إلى أن مات فحكمه حكم الوصية.
أما إذا عوفي ولو كان أصيب بمرض مخوفٍ بالإجماع ثم عوفي فإن تصرفاته تكون صحيحة وتكون من رأس المال لا من الثلث.
وذلك: - لأن تصرفه لم يصادف مانعاً شرعياً فصح ولزم.
стр. 2020
فإذا قال الأب في مرضه المخوف لزوجتي العمارة الفلانية فحكم تصرفه الآن وهو في مرض الموت المخوف حكم الوصية.
والوصية لوارث لا تجوز إلا بإجازة الورثة لكن لو عوفي بعد هذا المرض وشفاه الله برحمته فإن هذا البيت يكون ملك للزوجة.
لأن هذا التصرف تصرف صحيح.
وهذا واضح.
مسألة أخرى: لو تصرف الإنسان تصرفاً مالياً في مرض غير مخوف ثم مات من هذا المرض فإن تصرفه صحيح من رأس المال ولا يعامل كما تعامل الوصية.
إذاً: ينحصر الحكم في شخص واحد وهو من أصيب بمرض مخوف واستمر معه إلى أن مات، لابد من هذين الشرطين: ـ أن يصاب بمرض مخوف ـ وأن يستمر المرض إلى الموت، وهذا معنى قول المؤلف ﵀ إذا مات منه)، يعني إذا استمر إلى الموت.
ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى نوع آخر من الأمراض.
فقال ﵀:
ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج ولم يقطعه بفراش: فمن كل ماله والعكس بالعكس ..
المؤلف ﵀ يريد أن يتكلم عن الأمراض الممتدة فالأمراض الممتدة يعني: التي تطول مع صاحبها وتبقى معه زمناً طويلاً.
حكمها: = عند الحنابلة: أنها إن ألزمته الفراش فتصرفاته كتصرفات المريض مرضاً مخوفاً.
وإن لم تلزمه الفراش فتصرفاته كتصرفات الصحيح.
هذا هو التفصيل عند الحنابلة.
الدليل:
- قالوا: الدليل على هذا أن المرض الممتد إذا ألزم صاحبه الفراش فإن الغالب منه الموت فأخذ حكم المريض مرضاً مخوفاً.
ومثل الحنابلة على هذا: بالأمراض التي ذكر.
(كالجذام)، لو ألزم صاحبه الفراش، فإن الجذام من حيث الأصل لا يعتبر مرضاً مخوفاً لكن لما ألزم صاحبه الفراش عاملناه كما نعامل المرض المخوف.
(أو سل) في ابتدائه لأنه في انتهائه يعتبر مخوفاً.
(أو فالج) في آخره لا في ابتدائه لأنه في ابتدائه يعتبر مرضاً مخوفاً ولو لم يلزم الفراش.
إذاً هذه الأمثلة التي مثل بها المؤلف ﵀ كأنه يقول: إذا أصيب الإنسان بمرض غير مخوف وامتد وألزمه الفراش بهذه الضوابط الثلاثة: فإنه يعامل معاملة المريض مرضاً مخوفاً.
وتقدم دليلهم.
= القول الثاني: أن المرض الممتد إذا ألزم صاحبه الفراش فإنه لا يعتبر حكمه حكم المريض مرضاً مخوفاً.
стр. 2021
- أنه لا يغلب في مثل حالتهم الهلاك، هذا أولاً.
- ثانياً: أنا نجد الرجل الهرم الكبير يلزم الفراش ويبقى سنين في الفراش ولا نعتبره مرضاً مخوفاً.
وهذا القول الثاني هو الصواب وعليه العمل.
فإن الناس لا يتعاملون مع المريض الذي لزم الفراش بسبب شدة المرض أن تصرفاته تصرفات المريض مرضاً مخوفاً.
فالإنسان إذا أصيب بشلل مثلاً ولزم الفراش مع أن تصوره ومعرفته وعبادته كاملة، إنما أصيب بشلل بالأعضاء وألزمه الفراش عند الحنابلة يجب أن نعامله معاملة المريض مرضاً مخوفاً وعلى القول الثاني وهو الصواب أنه يعامل معاملة الأصحاء من حيث التصرفات المالية.
ثم قال ﵀:
ويعتبر الثلث عند موته.
يعني: أن المعتبر في كون العطية الثلث أو أقل أو أكثر هو عند الموت.
فإن أوصى بمال هو النصف حين الوصية ثم أصبح الثلث عند الموت فيعتبر الثلث.
وإن أوصى بوصية هي الثلث عند الوصية ثم أصبحت النصف عند الموت فهي النصف وترد إلى الثلث.
إذاً المعتبر حال الموت.
إذاً: لا نعتبر لا حال التبرع ولا الحال التي قبل الموت وإنما نعتبر حال الموت.
وذلك لأنه في هذه الحال - حال الموت - ينتقل المال إلى الورثة أو المعطى.
قال ﵀:
ويسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويبدأ بالأول فالأول في العطية ...
لما بين المؤلف ﵀ أن العطية في مرض الموت حكمها حكم الوصية أراد أن يبين الآن الفروق التي بين الوصية والعطية في مرض الموت.
وكأنه يقول: إن العطية في مرض الموت وإن شابهت الوصية في كثير من الأحكام إلا أنها تختلف عنها في باقي الأحكام فليست تتساوى معها تماماًَ بل تشبهها في شيء وتفارقها في شيء.
يقول ﵀ –
مبيناً الفرق الأول:
ويسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويبدأ بالأول فالأول في العطية.
هذا هو الفرق الأول: في العطية نبدأ بالأول فالأول وفي الوصية نساوي بين الجميع المتقدم والمتأخر.
والسبب في ذلك: - أن العطية تلزم حين صدورها فتصبح لازمه، أما الوصية فهي تبرع مضاف لما بعد الموت فيقع جملة واحدة فيتساوى أصحابه.
стр. 2022
مثال هذا: إذا أوصى لزيد ألف ولعمرو بألف ولخالد بألف ثم مات. الوصية الأولى في السنة الأولى والوصية الثانية في السنة العاشرة والوصية الثالثة في السنة العشرين من حياته فالآن هل نعامل هؤلاء الثلاثة معاملة واحدة ويتحاصون أو نقدم الأول فالذي يليه.؟ معامله واحدة.
المثال الآخر: إذا أعطى في مرضه المخوف زيد ألف ثم بعد يوم أعطى خالداً ألف ثم بعد يوم أعطى زيدا ألفاً ثم مات كم الآن مجموع العطايا؟ ثلاثة آلاف. لما بحثنا في تركته وجدنا أن الثلث ألف فهل نقسم الألف بين الثلاثة أو نعطيها الأول؟ نعطيه الأول. والثاني والثالث؟ يسقطان.
وهذا فارق جوهري وكبير بين العطية التي في حكم الوصية والوصية.
ولهذا بدأ به المؤلف ﵀.
ثم قال ﵀:
في الفرق الثاني:
ولا يملك الرجوع فيها.
يعني: لا يملك الرجوع في العطية بينما يملك الرجوع في الوصية.
ـ أما العطية فلأنها لازمة كما تقدم معنا، فلا يملك الرجوع فيها.
ـ وأما الوصية فسيأتينا أنه يجوز الرجوع فيها قولاً واحداً، وهذا فارق أساسي بينهما.
يقول ﵀:
ويعتبر القبول لها عند وجودها.
يعني: يعتبر القبول للعطية عند وجودها بينما يعتبر القبول للوصية بعد الموت.
فقبوله أو رده أي الموصى إليه قبل الموت لا عبرة به بينما في العطية وإن كانت حكمها حكم الوصية إلا أن القبول يعتبر قبل الموت وذلك لأن العطية تمليك في الحياة والوصية تمليك بعد الممات.
فهذا هو الفرق بينهما فقبول هذه يكون في الحياة وقبول تلك يكون بعد الممات.
يقول ﵀ –
في الفارق الأخير:
ويثبت الملك إذاً.
يعني: يثبت الملك في العطية من حين القبول وهو في أثناء الحياة ويثبت الملك في الوصية بالقبول بعد الموت.
ولهذا نقول: إذا أعطى عطية في مرض الموت المخوف وقبل المعطى فإن العطية وما يترتب عليها من نماء منفصل أو متصل كله للمعطى من حين القبول في الحياة لأنه تملكها من ذلك الحين بشرط أن تخرج من الثلث.
لأن العطية في مرض الموت المخوف حكمها حكم الوصية والوصية لا تخرج إلا من الثلث.
فهذه أربعة أشياء تختلف فيها العطية مرض الموت عن الوصية وهي فروق مهمة جداً ومؤثرة.
стр. 2023
وبهذا ولله الحمد نكون انتهينا من كتاب الوقف وننتقل إلى كتاب الوصايا.
стр. 2024
الدرس: (١) من الوصايا
كتاب الوصايا
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال ﵀:
كتاب الوصايا.
الوصايا: جمع وصية.
وهي اسم بمعنى المصدر ويراد بها غالباً الموصى به.
والوصية في الاصطلاح الشرعي: هي التبرع بمال أو تصرف بعد الموت.
وهي مشروعة في الكتاب والسنة والإجماع.
فلم يختلف الفقهاء في مشروعية الوصية.
- أما الكتاب فعدة آيات منها: ـ ﴿من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ [النساء/١٢]. وذكر أحكام الوصية دليل على مشروعيتها.
- وأما من السنة فقوله ﷺ : (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده).
- وأما الإجماع فكما قلت: أجمع الفقهاء على مشروعية الوصية. وسيأتينا حكمها.
نريد أن نضيف إضافة تتعلق بالتعريف. التعريف: التبرع لكن الأدق أن نقول الأمر بالتصرف لأن التصرف ليس بتبرع. أو بالتبرع بالمال بعد الموت.
فإذا أمر بأحد هذين الأمرين: إما التصرف أو التبرع فقد أوصى.
والمقصود بالتصرف في التعريف نحو قضاء الدين أو تقسيم التركة أو العناية بالأيتام الصغار ونحو ذلك من التصرفات التي ينيطها الموصي بالموصى إليه.
وسيخصص لها المؤلف ﵀ باباً.
قال ﵀:
يسن لمن ترك خيراً.
أفادنا المؤلف ﵀ أن الوصية سنة.
والوصية تنقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن يوصي بدين واجب عليه أو بودائع واجبة ليس عليها شهود يؤدون الحق فهذا واجب بالإجماع. وهو خارج محل الخلاف.
ـ القسم الثاني: الوصية بما سوى ذلك: = فذهب الجماهير من علماء المسلمين والصحابة إلى أنها سنة.
واستدلوا على أنها سنة بأدلة من الكتاب والسنة:
- أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾ [البقرة/١٨٠]. وقالوا: المنسوخ في هذه الآية الوجوب دون الاستحباب، كما أن المنسوخ أن تكون لوارث دون الأقرباء غير الوارثين.
стр. 2025
- الدليل الثاني: الحديث الذي تقدم معنا: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده). فهذان دليلان على السنية.
- وأما الدليل على عدم الوجوب فهو: - أن غالب أصحاب النبي ﷺ لم يوصوا.
وعلى هذا جماهير الفقهاء.
= والقول الثاني: أن الوصية للأقرباء غير الوارثين واجبة.
واستدلوا على هذا:
- بأن الآية أمرت بالوصية وعبرت عن ذلك بكتب والمنسوخ في الآية ليس الوجوب وإنما الوصية للوارثين فيبقى ما عداهم على أصل الوجوب.
ورجحوا هذا بأن النسخ لا يصار إليه مع إمكانية الجمع كما درستم في أصول الفقه. لا يمكن أن نصير إلى النسخ مع إمكانية الجمع.
وهنا نستطيع أن نجمع بين النصوص التي فيها الحث على الوصية والأمر بها وبين الآية بأن المنسوخ ما يكون في حق الورثة لاسيما مع قوله ﷺ : (لا وصية لوارث).
والراجح: أن الوصية سنة بلا إشكال ولا تردد وذلك أنه ما كان لنا أن نقول الوصية واجبة وغالب أصحاب النبي ﷺ لم يوصوا كأنهم تركوا واجباً ومهما قيل من اعتذار عن هذا الدليل فليس بقوي ما دام أصحاب النبي ﷺ سادت الخلق وأتقاهم وأورعهم وأفضلهم وأقربهم وأعرفهم بكتاب الله وسنة رسوله غالبهم لم يوصوا فلا مجال للقول بالوجوب.
ممن رجح القول بالوجوب: ابن عباس وابن جرير الطبري وهما ممن لا تخفى منزلتهما في العلم لكن مع ذلك نقول إن الراجح إن شاء الله مذهب الجماهير من أئمة المسلمين أخذاً بهذا الدليل.
يقول ﵀:
يسن لمن ترك خيراً وهو المال الكثير.
ذهب المؤلف ﵀ إلى أنه لا تسن الوصية إلا لمن ترك مالاً كثيراً وهو مذهب الجماهير.
= والقول الثاني: أن الوصية تسن لمن ترك قليلاً أو كثيراً. يعني: مطلقاً.
وفسروا إن ترك خيراً يعني قالوا: مالاً.
والراجح مذهب الجماهير، وهو أنه تسن لمن ترك خيراً يعني: مالاً كثيراً.
لكن من قال بهذا القول من الفقهاء اختلفوا في حد الكثير. ما هو الكثير؟ على أقوال كثيرة: الراجح منها: أن الكثير هو ما يعتبر كثيراً عرفاً.
стр. 2026
فنرجع إلى العرف في تحديد القليل والكثير أن الآية لم تبين ولا في السنة ما يبين حد الكثير من القليل.
وقال ابن قدامة: أن من ترك ما لا يكون معه الورثة أغنياء لا يشرع له الوصية.
يعني: بعبارة أخرى: إن كانت الوصية لن تجعل الورثة أغنياء فإنها لا تشرع: إن تسببت في النقص من هذا.
والراجح أنه إذا كان عنده مال كثير عرفاً فالمشروع أن يوصي.
يقول ﵀:
أن يوصي بالخمس.
أفادنا المؤلف ﵀ بهذه العبارة حكم مسألتين:
ـ المسألة الأولى: أنه يسن وينبغي أن لا يصل الإنسان بالوصية إلى الثلث بل ينبغي ويسن أن ينقص عنها.
وإلى هذا ذهب الجمهور.
= والقول الثاني: أن الوصية ينبغي أن تنقص عن الثلث إذا لم يكن غنياً فإن كان غنياً وصاحب ثروة فلا يشرع أن ينقص عن الثلث.
والراجح مذهب الجمهور لأن سعد بن أبي وقاص ﵁ لما استفتى النبي ﷺ كما سيأتينا في الحديث أمره أن يوصي بالثلث فقال الثلث كثير وسعد من الأغنياء ومع ذلك أمره النبي ﷺ أن ينقص عن الثلث بقوله: (الثلث والثلث كثير).
إذاً الراجح من حيث الأصل: أنه ينبغي للإنسان أن نقص عن الثلث.
لكن بقينا في: ـ المسألة الثانية: إذا نقص فكم يكون؟
المؤلف ﵀ وهو المذهب: يرون أنه ينقص إلى الخمس.
فيقول هنا: (أن يوصي بالخمس). استدلوا على هذا:
- بأنه مروي عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄ أنهما كانا يوصيان بالخمس.
ولكن في أسانيد هذه الآثار شيء من الضعف.
= القول الثاني: الربع. وهو مروي عن بعض الصحابة.
= القول الثالث: العشر. وهو مروي عن بعض الصحابة.
والراجح المذهب: والسبب في الترجيح: أن الشعبي ﵀ يقول: كانوا يستحبون النقص إلى الخمس. وتقدم معنا مراراً أن كبار التابعين إذا قال كانوا فهم يشيرون إلى الصحابة.
وهذا الأثر يؤيد ويقوي مذهب الحنابلة أنه ينقص إلى الخمس.
ثم قال ﵀:
ولا تجوز: بأكثر من الثلث لأجنبي.
لا يجوز للإنسان أن يوصي بأكثر من الثلث:
وذلك:
стр. 2027
- لأن سعد بن أبي وقاص ﵁ استفتى النبي ﷺ في مرضه وذكر أن له مالاً كثيراً وليس له إلا ابنة ترثه فأراد أن يوصي فقال للنبي ﷺ ....... ((الأذان)).
فسأل النبي ﷺ عن أن يتصدق بثلثي ماله فقال النبي ﷺ :لا. قال ﵁ (( ..... )) فقال النبي ﷺ :لا. فقال فالثلث. فقال النبي ﷺ : الثلث والثلث كثير.
فأخذ الفقهاء من هذا الحديث أنه لا يجوز للإنسان أن يوصي بأكثر من الثلث.
وسيأتينا الحكم إذا أوصى بأكثر من الثلث ماذا يكون حكم هذه الوصية؟
ثم قال ﵀:
ولا لوارث بشيء.
لا يجوز أن يوصي لوارث بشيء من التركة.
- لقول النبي ﷺ : (لا وصية لوارث).
هذا الحديث فيه ضعف مع شهرته لكن الاحتجاج به صحيح لأمور:
ـ الأمر الأول: أنه صح أن ابن عباس أفتى به.
ـ الثاني: أن الأمة تلقته بالقبول والعمل على وفقه، وهذا من أقوى ما يشد من أزر الأحاديث الضعيفة.
ولهذا نقول العمل به إن شاء الله صحيح فلا وصية لوارث بنص هذا الحديث.
يقول ﵀:
إلاّ بإجازة الورثة.
هذا راجع إلى الأمرين: الوصية بأكثر من الثلث. والوصية لوارث. والسبب:
- أن المنع إنما هو لحق الورثة فإذا أجازوا فقد أسقطوا حقهم وثبتت الوصية سواء كانت بأكثر من الثلث أو لوارث.
فإن أجازوا ملكها وصحت.
هذا والله أعلم ولى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
((انتهى الدرس)).
стр. 2028
الدرس: (٢) من الوصايا
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بالأمس توقفنا عند قوله: (ولا لوارث بشيء).
ثم قال ﵀:
إلاّ بإجازة الورثة.
يعني: أنه يجوز أن يوصي لوارث أو لأجنبي بأكثر من الثلث وذلك إذا أجاز الورثة.
وعلة الجواز عند إجازة الورثة:
- أن المنع كان لحقهم فإذا أجازوا فلا يوجد مانع من أن يوصي لوارث أو بأكثر من الثلث لأجنبي.
وهذا الحكم لا إشكال فيه.
ثم قال ﵀:
لهما بعد الموت.
стр. 2029
قوله: (بعد الموت) فيه إشارة إلى أن القبول أو الرد من الورثة لا يعتبر إلا بعد الموت فإن أجازوا أو ردوا قبل الموت فليس بشيء.
وهذا هو مذهب الحنابلة.
والعلة في ذلك:
- أنه قبل الموت لم يثبت لهم حق حتى يجيزوا أو يردوا، فلا عبرة بإجازتهم ولا بردهم، كما أن المرأة لو أسقطت حقها من المهر قبل العقد فإنه لا عبرة بإسقاطها لأن الحق لم يثبت لها.
= القول الثاني: أن إسقاطهم قبل الموت معتبر وصحيح.
- لأن هذا الحق لهم فإذا أسقطوه سقط.
= والقول الثالث: وسط بين القولين: وهو أنهم إن أسقطوه في حياته لكن في مرض الموت وإن أسقطوه في حياته في غير مرض الموت لم يصح ولم يعتبر.
وهذا القول ظاهر القوة وهو اختيار شيخ الإسلام وهو الأقرب إن شاء الله، ففيه الجمع بين القولين، فنقول: لا تصح إلا بعد الموت إلا إن كانت في مرض الموت المخوف.
ثم قال ﵀:
فتصح تنفيذاً.
يعني: ولا تعتبر هبة مبتدأة بل تعتبر من التنفيذ.
والسبب في ذلك:
- أن وصية الموصي صحيحة معتبرة إلا أنها متوقفة على إجازة الورثة فإذا أجازوا فقد أنفذوا تلك الوصية الصحيحة الموقوفة على إجازتهم.
وهذا هو مذهب الحنابلة.
ونحن نتكلم الآن عما إذا أوصى لوارث أو بأكثر من الثلث لأجنبي.
= القول الثاني: أنهم إذا أجازوا تعتبر هبة مبتدأة يشترط لها شروط الهبة وتأخذ حكم الهبة.
والراجح مذهب الحنابلة وهو أنها تعتبر إجازة وليست عطية مبتدأة.
ثم قال ﵀:
وتكره: وصية فقير وارثه محتاج.
يعني: ويكره أن يوصي إذا كان وارثه محتاج.
- لقول النبي ﷺ : (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس).
- كما أن هذا الحكم ربما يفهم من قوله: (إن ترك خيراً). وتقدم معنا أن الصواب يعني: ترك مالاً كثيراً على اختلافهم في حد المال الكثير.
فإذاً يكره ولا يحرم أن يوصي إذا كان الورثة فقراء.
ثم قال ﵀:
وتجوز بالكل: لمن لا وارث له.
стр. 2030
يعني: ويجوز أن يوصي الإنسان بجميع ماله إذا لم يكن له ورثه.
استدل الحنابلة على هذا بأمرين:
- الأمر الأول: أن الجواز صح عن ابن مسعود.
- الثاني: أن النهي عن الزيادة عن الثلث إنما هو لحق الورثة وهذا صريح تعليل النبي ﷺ فإنه منعه عن الزيادة عن الثلث وعلل ذلك بقوله: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء .. ).
فإذاً المنع لحق الورثة وهنا لا ورثة فجاز أن يوصي بجميع ماله.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز أن يزيد عن الثلث ولو لم يكن وارث.
- لعموم قول النبي ﷺ : (الثلث والثلث كثير) ويكون الباقي لبيت المال.
وهذا القول الثاني ضعيف فيما يبدو لي والأقرب إن شاء القول الأول وهو المذهب.
وذلك لأثر ابن مسعود ولأن التعليل في النص واضح وجلي.
ثم قال ﵀:
وإن لم يف الثلث بالوصايا: فالنقص بالقسط.
يعني: وإن أوصى إلى أكثر من شخص ثم مات ووجدنا أن مجموع الوصايا يفوق الثلث الحقيقي للمال فإنه ينقص من نصيب كل واحد منهم بالقسط.
وطريقة التنقيص بالقسط هو أن ننسب الثلث الحقيقي إلى مجموع الوصايا التي أوصى بها ونعطي كل واحد من أصحاب الوصايا بقدر هذه النسبة مما أوصي إليه به.
مثاله/ إذا أوصى بمائة ألف لشخص ولآخر بخمسين ألف ولثالث بخمسين ألف كم مجموع الوصايا؟ مائتي ألف. ثم نظرنا فإذا ماله كله ثلاثمائة ألف فالثلث: مائة ألف. ننسب الثلث الحقيقي وهو في المثال مائة إلى مجموع الوصايا وهو مائتين. والنسبة بين المائة والمائتين كم؟ النصف. فكل واحد من أصحاب الوصايا الثلاث يأخذ نصف ما أوصي له به: فصاحب المائة يأخذ خمسين وصاحب الخمسين يأخذ نصفها.
هذه على طريقة التنقيص بالقسط وهذه الطريقة فيها من العدل والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه من أصحاب الوصايا.
ثم قال ﵀:
وإن أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث: صحت والعكس بالعكس.
أفاد المؤلف ﵀ أن المعتبر في كونه وارثاً أو ليس بوارث هو: عند الموت.
فإذا أوصى لشخص وارث ثم عند الموت أصبح ليس من الوارثين صحت. والعكس: إذا أوصى لشخص لا يرث ثم أصبح عند موت الموصي يرث فإن الوصية تبطل.
الدليل على هذا من وجهين:
стр. 2031
- الوجه الأول: الإجماع. فإنهم أجمعوا على أن الاعتبار بحال الموت.
- الثاني: أن حال الموت هو حال الأخذ من الورثة والأوصياء فهو المعتبر.
وهذا المسألة كما قلت لكم محل إجماع.
ثم قال ﵀:
ويعتبر قبول الموصى له بعد الموت.
أفادنا المؤلف مسألتين:
ـ المسألة الأولى: أن الموصى به لا يملك للموصى له إلا بقبوله، فإن لم يقبل فلا تدخل في ملكه.
ـ المسألة الثانية: أن هذا القبول المشترط للملك يجب أن يكون بعد الموت.
أما الأولى: فلا إشكال فيها ولا أظن فيها خلاف وهي أنه لا يدخل في ملكه إلا بعد القبول.
وأما الثانية: فعلتها: أنه في حال الموت تنتقل إليه الوصية فحينئذ يصح أن يقبل أو أن يرد.
إذاً: القبول والرد من الموصى إليه لا يعتبر إلا بعد الموت.
ثم قال ﵀:
وإن طال لا قبله.
أفادنا المؤلف ﵀ بقوله: (وإن طال)، أن القبول يصح على التراخي لا على الفور فله أن يقبل بعد الموت مباشرة وله أن ينتظر ثم يقبل بعد ذلك.
وقوله هنا: (لا قبله)، يعني: تصريح بمفهوم قوله (بعد الموت).
ولو أن المؤلف ﵀ تركها لكانت المسألة واضحة. لأنه يقول: (ويعتبر قبول الموصى له بعد الموت) يعني: لا قبله.
ثم قال ﵀:
ويثبت الملك به عقب الموت.
معنى هذا: أنه إذا مات الميت في اليوم الأول من شهر محرم وقد أوصى لزيد بوصية ثم لم يقبل زيد إلا في آخر شهر محرم فإنه إذا قبل تبينا أن الوصية ملك له من بعد الموت مباشرة.
فكل نماء متصل أو منفصل طيلة هذه المدة يكون للموصى له.
الدليل:
- قالوا: الدليل أن الورثة لاحق لهم إلا بعد الوصية بقوله: (من بعد وصية).
فالورثة لا يرثون إلا بعد إيفاء الموصى إليهم حقهم.
فإذاً: إذا قبل تبينا أنه له يعني: الوصية بزيادتها المتصلة والمنفصلة.
= القول الثاني: أنه إذا قبل متراخياً فإن الموصى به لا يدخل في ملكه إلا حين القبول فالنماء المتصل والمنفصل السابق للورثة وإنما تكون له العين الموصى بها من حين القبول فقط.
واستدل هؤلاء:
- بأن القبول سبب في الملك والملك هو الحكم في هذه المسألة والحكم لا يتقدم سببه.
стр. 2032
إذاً مرة أخرى: القبول سبب الملك والحكم لا يتقدم سببه يعني لا يمكن أن يوجد الحكم قبل أن يوجد سبب الحكم وهنا لم يوجد سبب الحكم وهو القبول فإذاً لا يوجد الحكم وهو الملك.
وعلى هذا القول تكون العين الموصى بها من الموت إلى القبول ملك للورثة.
= القول الثالث: أنها ليست ملكاً لا للورثة ولا للموصى إليه وإنما تعتبر ما زالت من أملاك الميت فهي من حملة التركة. فالزيادة المتصلة والمنفصلة تكون للتركة والتركة تعلمون فيها الثلث وفيها الإرث وفيها كل شيء.
إذاً التركة إذا زادت أيضاً يزيد تبعاً لها الثلث ويزيد نصيب الورثة ويمكن سداد الديون. المهم التركة هي التي تملك العين قبل قبول الموصى إليه وعبر بعضهم بأنها ملك للميت ومعنى أنها ملك للميت معلوم أنها تكون يعني: للتركة.
ففي المسألة ثلاثة أقوال الذي يظهر لي والله أعلم أن مذهب الحنابلة أرجح لأنه في الحقيقة الموصى إليه تعتبر العين له من حين الوصية إلا أنها معلقة بالقبول كما أن الورثة أبعد عن الموصى به من الموصى إليه لأن الورثه لا يتحقق ملكهم أبداً إلا بعد الوصية بينما الموصى إليه يتحقق ملكه بالقبول فقط.
وعلى كل حال لاشك أن المسألة مشكلة فإنها ليست من المسائل التي يسهل فيها الترجيح لكن مع ذلك يظهر لي والله أعلم أنها تكون ملك للموصى إليه إذا قبل من حين الموت.
ثم قال ﵀:
ومن قبلها ثم ردها: لم يصح الرد.
يعني: إذا قبل الوصية ولو لم يقبض الوصية ثم ردها فإن الرد مردود وتعتبر العين في ملكه شاء أو أبى.
التعليل:
- أنه بمجرد القبول استقر ملكه عليها وإذا استقر ملك العين لشخص فإنه لا يمكن أن يرد الملك عن نفسه لهذه العين.
= والقول الثاني: أن الرد إذا كان بعد القبول وقبل القبض صح. وإن كان بعد القبض والقبول لم يصح.
وعلل هؤلاء:
- بأن القبض شرط في الملك.
= القول الثالث: جواز الرد مطلقاً بعد القبول والرد.
عكس مذهب الحنابلة تماماً.
والمسألة كما ظهر لكم مبنية على مسألة أخرى إذا تحررت تلك المسألة تحررت هذه المسألة وهي:
ـ هل يشترط في ملك الوصية القبول مع القبض أو القبول فقط؟
- فإن قلنا القبول فقط فمذهب الحنابلة هو الراجح.
стр. 2033
- وإن قلنا القبول مع القبض فالمذهب الثاني هو الراجح.
وبهذا تبين أن المذهب الثالث ضعيف - الذي يقول يجوز الرد مطلقاً حتى بعد القبض فهذا ضعيف جداً ليس لهم فيما أعلم دليل واضح.
الراجح فيما يبدو لي أن الملك يتم بالقبول ولا يشترط القبض. لماذا؟ لأن الشارع اشترط استقرار الملك بالقبض في عقود معينة ليس منها الوصية لاسيما وأن الوصية في حقيقتها نبرع من الموصي إلى الموصى إليه.
فلا يوجد في الأدلة ما يدل على اشتراط القبض ومن اشترط القبض فعليه بالدليل الدال على ذلك.
في الهبة توجد أدلة تدل على أنها لا تلزم إلا بالقبض يعني: لا يستقر الملك إلا بالقبض. توجد أدلة صريحة هنا لا توجد أدلة فلا نستطيع أن نوقف الملك على القبض.
بناءً على هذا الترجيح الراجح مذهب الحنابلة أنه بالقبول لا يمكن الرد.
ثم قال ﵀:
ويجوز الرجوع في الوصية.
الرجوع في الوصية ينقسم إلى قسمين:
ـ الرجوع في غير العتق، وهذا جائز بالإجماع، وقد اشتهر عن الصحابة تغيير الوصايا، وتغيير الوصايا رجوع.
ـ القسم الثاني: العتق = فالجماهير ذهبوا إلى أنه يصح الرجوع في العتق أيضاً.
= القول الثاني: أن العتق لا يصح في الرجوع فإذا أوصى بعتق عبده لا يرجع.
- وذلك لأن الشارع متشوف للعتق ولتحرير الرقاب.
والراجح أن الرجوع يجوز مطلقاً وأنه لا يوجد دليل يدل على التفريق بين العتق وغيره والعتق نوع من الصدقة والتبرع بالمال نوع من الصدقة فالراجح إن شاء الله أنه يجوز الرجوع عن جميع أنواع الوصايا.
ومما يدل على قوة هذا القول أن الصحابة المروي عنهم الرجوع كثيراً لم يرو عنهم التفريق بين العتق وغيره من أنواع العبادات والقربات.
فالراجح إن شاء الله جواز الرجوع عن جميع أنواع الوصايا.
ثم قال ﵀:
وإن قال: ((إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَلَهُ مَا وَصَّيْتُ بِهِ لِعَمْرو)) فقدم في حياته: فله.
هذه الصورة الأولى: إن قال قدم زيد فله ما وصيت به لعمرو ثم قدم قبل وفاة الموصي فالوصية لزيد.
- لأن الشرط تحقق فيه وإذا تحقق في الشرط ملك الوصية.
ثم قال ﵀: مصرحاً بمفهوم هذا الكلام.
وبعدها: لعمرو.
يعني: وإن قدم زيد بعد وفاة الموصي فالوصية لعمرو.
والسبب:
стр. 2034
- أنه بموت الموصي استقرت لعمرو فقدوم زيد بعد ذلك لا يقدم ولا يؤخر لأنه لم يتحقق الشرط في حقه وهو أن يقدم قبل موت الموصي.
وهذا لا إشكال فيه وهو واضح جداً.
ثم قال ﵀:
ويخرج الواجب كله: من دين وحج وغيره من كل ماله بعد موته وإن لم يوص به.
مقصود المؤلف: أن الواجبات الشرعية الواجبة لله أو للآدمي كالحج والزكاة لله والدين لآدمي يجب أن تقضى من رأس المال أوصى أو لم يوص.
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأمر الأول: أن علي بن أبي طالب ذكر أن السنة تقديم الدين على الوصية وإذا كان الميراث مؤخر عن الوصية إجماعاً والدين مقدم على الوصية فصار الترتيب: الدين ثم الوصية ثم الميراث.
- الدليل الثاني: أن هذه من الحقوق الواجبة فتقدم على غيرها.
والآية صريحة: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) صريحة في تقدم الدين على الوصية إلا أن أثر علي أفادنا تقديم الدين على الوصية.
إذاً: قضاء الواجبات يمون من رأس المال سواء كانت واجبات لله أو واجبات لآدمي.
ثم قال ﵀:
فإن قال: ((أَدُوْا الْوَاجِبَ مِنْ ثُلُثِي)) بدئ به فإن بقي منه شيء: أخذه صاحب التبرع وإلاّ سقط.
في هذه الصورة وهي: إن قال: أدوا الواجب من ثلثي بدئ به: الموصي أمر بأن يبدأ بالثلث في قضاء الدين والواجبات الأخرى.
فحصر القضاء فيه.
والواجب أن نتبع وصية الموصي.
بناء على هذا نبدأ بقضاء الواجبات بتسديد الديون وأروش الجنايات والحج إذا لم يحج ثم إذا انتهينا من تسديد الواجبات نظرنا فإن بقي من الثلث شيء استحقه الموصى له وإلا فلا.
وهذا معنى قوله: (وإلا سقط) وسبب السقوط: أن الواجبات استغرقت الثلث وقد حصر الموصي أداء الواجب في الثلث فوجب أن نصير إلى قوله.
* * مسألة/ فإن حصر قضاء الواجبات في الثلث وقضينا بعض الواجبات وانتهى الثلث ولم تنته الواجبات ولم تقض جميع الواجبات فالواجب: أن نكمل قضاء الواجبات من رأس المال. ولو كان الموصي قال اقضوا ما وجب علي من ثلثي ولو قال هذه العبارة إذا انتهى الثلث قبل أن تنتهي الواجبات فإننا ننتقل إلى رأس المال وذلك للأدلة السابقة لأن قضاء الدين واجب وصى به أو لم يوصِّي.
стр. 2035
وبهذا انتهينا من الباب الأول وننتقل إلى الباب الثاني.
باب الموصى له
قال ﵀:
باب الموصى له.
يعني: باب يذكر فيه أحكام الموصى له.
يقول ﵀:
تصح: لمن يصح تملكه.
فكل من يصح أن يتملك من رجل أو امرأة مسلم أو كافر يجوز أن نوصي له.
إلا أنه إذا كان من المسلمين فيجوز أن نوصي له معيناً كأن نقول أوصيت لزيد وغير معين كأن أقول أوصيت لفقراء المسلمين.
وإن كان من الكافرين فلا يجوز إلا أن أوصي إليه معيناً ولا يجوز أن أوصي إليه غير معين فلا يجوز أن أقول أوصيت للمساكين من النصارى أو للفقراء من اليهود أو أوصيت لليهود والنصارى فهذه الوصايا باطلة ولا تجوز.
الدليل على جواز الوصية للكافر المعين:
- قوله تعالى: ﴿ ... إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا .. ﴾ [الأحزاب/٦] والسلف ﵏ فسروا الآية بأن يوصي المسلم لليهودي.
وظاهر كلام الحنابلة أنه يجوز أن يوصي للكافر المعين ولو كان حربياً أو مناوئاً.
هذا ظاهر كلام الحنابلة والصواب المقطوع به إن شاء الله أنه لا يجوز أن يوصي لكل كافر مناوئ سواء كان حربي أو مناوئ فقط أو معاون لأن في الوصية له إعانه على المنكر وتقوية لجانبه على المسلمين.
فإذاً يجوز أن نوصي للكافر غير الحربي والمناوئ كالذمي والمستأمن وكل كافر كعين لم يناوئ ولم يحارب المسلمين.
يقول ﵀:
ولعبده بمشاع كثلثه. ويعتق منه بقدره ويأخذ الفاضل.
يجوز للإنسان أن يوص لعبده لكن يشترط لصحة الوصية أن يوصي لعبده بمشاع لا بمعين.
فإذا قال: أوصيت لعبدي بثلثي أو بربعي أو بخمسي صحت الوصية للعبد. ويعتق العبد من هذه الوصية.
وحينئذ إما أن يكون ثلث المال بمقدار قيمة العبد فيعتق كله أو أن يكون ثلث المال أقل من قيمة العبد فيعتق بمقداره هذا معنى قوله: (ويعتق بمقداره).
أو تكون قيمة الثلث أكثر من قيمة العبد فيعتق والفاضل له وهذا معنى قوله: (والفاضل له).
إذاً: الثلث الموصى به للعبد كله للعبد عتق منه ما يعتق وهو ما يقابل القيمة والباقي للعبد وإن نقصت صار رقاً بقدر هذا النقص.
والدليل على هذا:
- أن العبد هو جزء من ثلث المال الموصى به فهو داخل في الثلث فيعتق.
следующие страницы →