Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
- الوجه الأول: الإجماع. فإنهم أجمعوا على أن الاعتبار بحال الموت.
- الثاني: أن حال الموت هو حال الأخذ من الورثة والأوصياء فهو المعتبر.
وهذا المسألة كما قلت لكم محل إجماع.
ثم قال ﵀:
ويعتبر قبول الموصى له بعد الموت.
أفادنا المؤلف مسألتين:
ـ المسألة الأولى: أن الموصى به لا يملك للموصى له إلا بقبوله، فإن لم يقبل فلا تدخل في ملكه.
ـ المسألة الثانية: أن هذا القبول المشترط للملك يجب أن يكون بعد الموت.
أما الأولى: فلا إشكال فيها ولا أظن فيها خلاف وهي أنه لا يدخل في ملكه إلا بعد القبول.
وأما الثانية: فعلتها: أنه في حال الموت تنتقل إليه الوصية فحينئذ يصح أن يقبل أو أن يرد.
إذاً: القبول والرد من الموصى إليه لا يعتبر إلا بعد الموت.
ثم قال ﵀:
وإن طال لا قبله.
أفادنا المؤلف ﵀ بقوله: (وإن طال)، أن القبول يصح على التراخي لا على الفور فله أن يقبل بعد الموت مباشرة وله أن ينتظر ثم يقبل بعد ذلك.
وقوله هنا: (لا قبله)، يعني: تصريح بمفهوم قوله (بعد الموت).
ولو أن المؤلف ﵀ تركها لكانت المسألة واضحة. لأنه يقول: (ويعتبر قبول الموصى له بعد الموت) يعني: لا قبله.
ثم قال ﵀:
ويثبت الملك به عقب الموت.
معنى هذا: أنه إذا مات الميت في اليوم الأول من شهر محرم وقد أوصى لزيد بوصية ثم لم يقبل زيد إلا في آخر شهر محرم فإنه إذا قبل تبينا أن الوصية ملك له من بعد الموت مباشرة.
فكل نماء متصل أو منفصل طيلة هذه المدة يكون للموصى له.
الدليل:
- قالوا: الدليل أن الورثة لاحق لهم إلا بعد الوصية بقوله: (من بعد وصية).
فالورثة لا يرثون إلا بعد إيفاء الموصى إليهم حقهم.
فإذاً: إذا قبل تبينا أنه له يعني: الوصية بزيادتها المتصلة والمنفصلة.
= القول الثاني: أنه إذا قبل متراخياً فإن الموصى به لا يدخل في ملكه إلا حين القبول فالنماء المتصل والمنفصل السابق للورثة وإنما تكون له العين الموصى بها من حين القبول فقط.
واستدل هؤلاء:
- بأن القبول سبب في الملك والملك هو الحكم في هذه المسألة والحكم لا يتقدم سببه.
стр. 2032
إذاً مرة أخرى: القبول سبب الملك والحكم لا يتقدم سببه يعني لا يمكن أن يوجد الحكم قبل أن يوجد سبب الحكم وهنا لم يوجد سبب الحكم وهو القبول فإذاً لا يوجد الحكم وهو الملك.
وعلى هذا القول تكون العين الموصى بها من الموت إلى القبول ملك للورثة.
= القول الثالث: أنها ليست ملكاً لا للورثة ولا للموصى إليه وإنما تعتبر ما زالت من أملاك الميت فهي من حملة التركة. فالزيادة المتصلة والمنفصلة تكون للتركة والتركة تعلمون فيها الثلث وفيها الإرث وفيها كل شيء.
إذاً التركة إذا زادت أيضاً يزيد تبعاً لها الثلث ويزيد نصيب الورثة ويمكن سداد الديون. المهم التركة هي التي تملك العين قبل قبول الموصى إليه وعبر بعضهم بأنها ملك للميت ومعنى أنها ملك للميت معلوم أنها تكون يعني: للتركة.
ففي المسألة ثلاثة أقوال الذي يظهر لي والله أعلم أن مذهب الحنابلة أرجح لأنه في الحقيقة الموصى إليه تعتبر العين له من حين الوصية إلا أنها معلقة بالقبول كما أن الورثة أبعد عن الموصى به من الموصى إليه لأن الورثه لا يتحقق ملكهم أبداً إلا بعد الوصية بينما الموصى إليه يتحقق ملكه بالقبول فقط.
وعلى كل حال لاشك أن المسألة مشكلة فإنها ليست من المسائل التي يسهل فيها الترجيح لكن مع ذلك يظهر لي والله أعلم أنها تكون ملك للموصى إليه إذا قبل من حين الموت.
ثم قال ﵀:
ومن قبلها ثم ردها: لم يصح الرد.
يعني: إذا قبل الوصية ولو لم يقبض الوصية ثم ردها فإن الرد مردود وتعتبر العين في ملكه شاء أو أبى.
التعليل:
- أنه بمجرد القبول استقر ملكه عليها وإذا استقر ملك العين لشخص فإنه لا يمكن أن يرد الملك عن نفسه لهذه العين.
= والقول الثاني: أن الرد إذا كان بعد القبول وقبل القبض صح. وإن كان بعد القبض والقبول لم يصح.
وعلل هؤلاء:
- بأن القبض شرط في الملك.
= القول الثالث: جواز الرد مطلقاً بعد القبول والرد.
عكس مذهب الحنابلة تماماً.
والمسألة كما ظهر لكم مبنية على مسألة أخرى إذا تحررت تلك المسألة تحررت هذه المسألة وهي:
ـ هل يشترط في ملك الوصية القبول مع القبض أو القبول فقط؟
- فإن قلنا القبول فقط فمذهب الحنابلة هو الراجح.
стр. 2033
- وإن قلنا القبول مع القبض فالمذهب الثاني هو الراجح.
وبهذا تبين أن المذهب الثالث ضعيف - الذي يقول يجوز الرد مطلقاً حتى بعد القبض فهذا ضعيف جداً ليس لهم فيما أعلم دليل واضح.
الراجح فيما يبدو لي أن الملك يتم بالقبول ولا يشترط القبض. لماذا؟ لأن الشارع اشترط استقرار الملك بالقبض في عقود معينة ليس منها الوصية لاسيما وأن الوصية في حقيقتها نبرع من الموصي إلى الموصى إليه.
فلا يوجد في الأدلة ما يدل على اشتراط القبض ومن اشترط القبض فعليه بالدليل الدال على ذلك.
في الهبة توجد أدلة تدل على أنها لا تلزم إلا بالقبض يعني: لا يستقر الملك إلا بالقبض. توجد أدلة صريحة هنا لا توجد أدلة فلا نستطيع أن نوقف الملك على القبض.
بناءً على هذا الترجيح الراجح مذهب الحنابلة أنه بالقبول لا يمكن الرد.
ثم قال ﵀:
ويجوز الرجوع في الوصية.
الرجوع في الوصية ينقسم إلى قسمين:
ـ الرجوع في غير العتق، وهذا جائز بالإجماع، وقد اشتهر عن الصحابة تغيير الوصايا، وتغيير الوصايا رجوع.
ـ القسم الثاني: العتق = فالجماهير ذهبوا إلى أنه يصح الرجوع في العتق أيضاً.
= القول الثاني: أن العتق لا يصح في الرجوع فإذا أوصى بعتق عبده لا يرجع.
- وذلك لأن الشارع متشوف للعتق ولتحرير الرقاب.
والراجح أن الرجوع يجوز مطلقاً وأنه لا يوجد دليل يدل على التفريق بين العتق وغيره والعتق نوع من الصدقة والتبرع بالمال نوع من الصدقة فالراجح إن شاء الله أنه يجوز الرجوع عن جميع أنواع الوصايا.
ومما يدل على قوة هذا القول أن الصحابة المروي عنهم الرجوع كثيراً لم يرو عنهم التفريق بين العتق وغيره من أنواع العبادات والقربات.
فالراجح إن شاء الله جواز الرجوع عن جميع أنواع الوصايا.
ثم قال ﵀:
وإن قال: ((إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَلَهُ مَا وَصَّيْتُ بِهِ لِعَمْرو)) فقدم في حياته: فله.
هذه الصورة الأولى: إن قال قدم زيد فله ما وصيت به لعمرو ثم قدم قبل وفاة الموصي فالوصية لزيد.
- لأن الشرط تحقق فيه وإذا تحقق في الشرط ملك الوصية.
ثم قال ﵀: مصرحاً بمفهوم هذا الكلام.
وبعدها: لعمرو.
يعني: وإن قدم زيد بعد وفاة الموصي فالوصية لعمرو.
والسبب:
стр. 2034
- أنه بموت الموصي استقرت لعمرو فقدوم زيد بعد ذلك لا يقدم ولا يؤخر لأنه لم يتحقق الشرط في حقه وهو أن يقدم قبل موت الموصي.
وهذا لا إشكال فيه وهو واضح جداً.
ثم قال ﵀:
ويخرج الواجب كله: من دين وحج وغيره من كل ماله بعد موته وإن لم يوص به.
مقصود المؤلف: أن الواجبات الشرعية الواجبة لله أو للآدمي كالحج والزكاة لله والدين لآدمي يجب أن تقضى من رأس المال أوصى أو لم يوص.
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأمر الأول: أن علي بن أبي طالب ذكر أن السنة تقديم الدين على الوصية وإذا كان الميراث مؤخر عن الوصية إجماعاً والدين مقدم على الوصية فصار الترتيب: الدين ثم الوصية ثم الميراث.
- الدليل الثاني: أن هذه من الحقوق الواجبة فتقدم على غيرها.
والآية صريحة: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) صريحة في تقدم الدين على الوصية إلا أن أثر علي أفادنا تقديم الدين على الوصية.
إذاً: قضاء الواجبات يمون من رأس المال سواء كانت واجبات لله أو واجبات لآدمي.
ثم قال ﵀:
فإن قال: ((أَدُوْا الْوَاجِبَ مِنْ ثُلُثِي)) بدئ به فإن بقي منه شيء: أخذه صاحب التبرع وإلاّ سقط.
في هذه الصورة وهي: إن قال: أدوا الواجب من ثلثي بدئ به: الموصي أمر بأن يبدأ بالثلث في قضاء الدين والواجبات الأخرى.
فحصر القضاء فيه.
والواجب أن نتبع وصية الموصي.
بناء على هذا نبدأ بقضاء الواجبات بتسديد الديون وأروش الجنايات والحج إذا لم يحج ثم إذا انتهينا من تسديد الواجبات نظرنا فإن بقي من الثلث شيء استحقه الموصى له وإلا فلا.
وهذا معنى قوله: (وإلا سقط) وسبب السقوط: أن الواجبات استغرقت الثلث وقد حصر الموصي أداء الواجب في الثلث فوجب أن نصير إلى قوله.
* * مسألة/ فإن حصر قضاء الواجبات في الثلث وقضينا بعض الواجبات وانتهى الثلث ولم تنته الواجبات ولم تقض جميع الواجبات فالواجب: أن نكمل قضاء الواجبات من رأس المال. ولو كان الموصي قال اقضوا ما وجب علي من ثلثي ولو قال هذه العبارة إذا انتهى الثلث قبل أن تنتهي الواجبات فإننا ننتقل إلى رأس المال وذلك للأدلة السابقة لأن قضاء الدين واجب وصى به أو لم يوصِّي.
стр. 2035
وبهذا انتهينا من الباب الأول وننتقل إلى الباب الثاني.
باب الموصى له
قال ﵀:
باب الموصى له.
يعني: باب يذكر فيه أحكام الموصى له.
يقول ﵀:
تصح: لمن يصح تملكه.
فكل من يصح أن يتملك من رجل أو امرأة مسلم أو كافر يجوز أن نوصي له.
إلا أنه إذا كان من المسلمين فيجوز أن نوصي له معيناً كأن نقول أوصيت لزيد وغير معين كأن أقول أوصيت لفقراء المسلمين.
وإن كان من الكافرين فلا يجوز إلا أن أوصي إليه معيناً ولا يجوز أن أوصي إليه غير معين فلا يجوز أن أقول أوصيت للمساكين من النصارى أو للفقراء من اليهود أو أوصيت لليهود والنصارى فهذه الوصايا باطلة ولا تجوز.
الدليل على جواز الوصية للكافر المعين:
- قوله تعالى: ﴿ ... إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا .. ﴾ [الأحزاب/٦] والسلف ﵏ فسروا الآية بأن يوصي المسلم لليهودي.
وظاهر كلام الحنابلة أنه يجوز أن يوصي للكافر المعين ولو كان حربياً أو مناوئاً.
هذا ظاهر كلام الحنابلة والصواب المقطوع به إن شاء الله أنه لا يجوز أن يوصي لكل كافر مناوئ سواء كان حربي أو مناوئ فقط أو معاون لأن في الوصية له إعانه على المنكر وتقوية لجانبه على المسلمين.
فإذاً يجوز أن نوصي للكافر غير الحربي والمناوئ كالذمي والمستأمن وكل كافر كعين لم يناوئ ولم يحارب المسلمين.
يقول ﵀:
ولعبده بمشاع كثلثه. ويعتق منه بقدره ويأخذ الفاضل.
يجوز للإنسان أن يوص لعبده لكن يشترط لصحة الوصية أن يوصي لعبده بمشاع لا بمعين.
فإذا قال: أوصيت لعبدي بثلثي أو بربعي أو بخمسي صحت الوصية للعبد. ويعتق العبد من هذه الوصية.
وحينئذ إما أن يكون ثلث المال بمقدار قيمة العبد فيعتق كله أو أن يكون ثلث المال أقل من قيمة العبد فيعتق بمقداره هذا معنى قوله: (ويعتق بمقداره).
أو تكون قيمة الثلث أكثر من قيمة العبد فيعتق والفاضل له وهذا معنى قوله: (والفاضل له).
إذاً: الثلث الموصى به للعبد كله للعبد عتق منه ما يعتق وهو ما يقابل القيمة والباقي للعبد وإن نقصت صار رقاً بقدر هذا النقص.
والدليل على هذا:
- أن العبد هو جزء من ثلث المال الموصى به فهو داخل في الثلث فيعتق.
стр. 2036
ولهذا ذكر الفقهاء أنه لو قال أوصيت لعبدي برقبته عتق أو لو قال: أوصيت لعبدي بنفسه لعتق فكذلك إذا أوصى لعيده بالثلث فالعبد يدخل في هذا الثلث ويعتق.
وهذا بخلاف المسألة التي ستأتينا.
ثم قال ﵀:
وبمائة أو معين: لا يصح له.
يعني: وإن أوصى للعبد بمائة أو بشيء معين: كأن يقول أوصيت له بهذا البيت فإن الوصية لا تصح.
لأمرين:
- الأمر الأول: أن العبد لا يملك والمؤلف يقول: (يصح لكل من يملك). من يصح تملكه وهذا لا يملك، هذا أولاً.
- ثانياً: أن الوصية للعبد هي في الحقيقة وصية للوارث لأن ما يوصى به للعبد سيكون للعبد والعبد وما أوصي به إليه سيكون لمن؟ لأحد الورثة.
فهو في الحقيقة أوصى لوارث.
فإذاً: لا يجوز أن يوصي للعبد بشيء معين.
بقينا في المسألة: بينما إذا أوصى بمشاع وما إذا أوصى بمعين.
الفرق بينهما: ـ أنه إذا أوصى بمشاع دخل اعبد في هذا المشاع بينما إذا أوصى بمعين لا يمكن أن يدخل العبد في هذا المعين لأن المعين معين لا يدخل معه شيء.
بينما المشاع من مال الميت مشاع يدخل أول ما يدخل فيه هذا العبد الذي أوصي له به.
لم أقف على خلاف في هذه المسألة ما رأيت فيها خلاف لو كان فيها خلاف ولو قيل: أنه إذا أوصى بمائة ألف وقيمة العبد مائة ألف أنه يعتق وأنه إذا أوصى له بمبلغ معين يعتق منه بمقداره والباقي له والنقص عليه كما نقول بالشيء المشاع لو قيل بهذا لكان وجيهاً في الحقيقة.
لأنه معلوم أن مقصود الميت لما قال أوصيت لعبدي بمائة ألف معلوم أن مقصوده: العتق، لأنه يعلم أن المائة ألف التي ستكون للعبد لو لم يعتق فستكون لمن؟ للورثة فصنعه تحصيل حاصل فبقاء المائة مع التركة أو عند العبد واحد لا فرق بينهما لأنه عند تقسيم التركة سيعتبر العبد ومائة فإذا كان العبد قيمته مائة فسيكون العبد وما معه يقدر بكم؟ بمائتين وتقسم التركة على هذا الأساس.
فيظهر واضح من قول الميت أنه أنا أوصيت بمائة ألف للعبد أنه يريد العتق والشارع - وهذه قاعدة مهمة - متشوف لتصحيح الوصية وتطبيق مراد الموصي بها.
لكني لم أجد أحداً - يعني: لم أجد أحداً نص على صحة الوصية لعبد معين ولو قيل به لكان وجيهاً في الحقيقة.
ثم قال ﵀:
стр. 2037
وتصح بحمل.
في الحقيقة قوله: (وتصح بحمل) ليس هذا موضعها. أن هذا هو في الحقيقة كلام عن الموصى به والباب مخصص لأي شيء؟ للموصى له.
فإذاً: لا يناسب أن يقول: (تصح بحمل)، ولكن لعل المؤلف أتى بقوله: (تصح بحمل) ليعطف عليها ويقول: (ولحمل تحقق وجوده قبلها) ومع ذلك في الحقيقة لو أن المؤلف أخر قوله: (وتصح بحمل) إلى الباب التالي لكان هو الأولى.
يقول ﵀:
(وتصح بحمل)
يعني: يصح أن يوصي بحمل معين كأن يقول حمل هذه الناقة أو حمل هذه الأمة بشرط أن نتحقق من وجود الحمل حين الوصية.
فإن أوصى بحمل علمنا أنه وجد بعد الوصية فالوصية باطلة لأنها لم تصادف محلاً صحيحاً.
وهذا بخلاف ما لو أوصى بما تحمل هذه الناقة، فإن هذه الوصية صحيحة لأنها وصية بمعدوم والوصية بمعدوم كما سيأتينا صحيحة والفرق بينهما ظاهر جداً لأنه في الصورة الأولى عين حملاً موجوداً وتبين أنه ليس بموجود فبطلت الوصية وفي الصورة الثانية علق الوصية على وجود الحمل والوصية بمعدوم صحيحة.
ولهذا لو قال: أوصيت بهذا البيت والبيت ليس من أملاكه لم تصح الوصية.
ولو قال: إن اشتريت هذا البيت فهو وصية صحت لأنه علق الوصية بشرط صحيح.
ثم قال ﵀:
ولحمل تحقق وجوده قبلها.
يعني: ويصح أن يوصي لحمل بشرط أن نتحقق وجود الحمل حين الوصية.
وعلة ذلك:
- قاعدة مشهورة وهي: (أن كل من يصح أن يرث يصح أن يوصى إليه) فالوصية تجري مجرى الميراث والحمل يرث بالإجماع فإذاً يصح أن يوصى إليه.
والفقهاء قالوا: نتحقق من وجوده حين الوصية بأن يولد لستة أشهر فأقل من الوصية.
فإذا ولد لستة أشهر فأقل علمنا أنه حين الوصية أنه موجود.
وهذا قد يكون طريقة متقدمة يلجأ إليها الفقهاء لمعرفة وجود الحمل أما اليوم فيستطيع الطبيب أن يحدد متى نشأ الحمل؟ بدقة إلى حد كبير.
فإذا استطاع الموصى إليه وهو الصبي أن يثبت من المستشفى أنه موجود حال الوصية فالوصية صحيحة سواء ستة أشهر أو أقل أو أكثر.
مادام موجوداً حين الوصية فالوصية صحيحة.
ثم قال ﵀:
وإذا أوصى من لا حج عليه أن يحج عنه بألف: صرف من ثلثه مؤنة حجة بعد أُخرى حتى تنفذ.
стр. 2038
إذا قال: الموصي هذا اللفظ: وهو: أن يحج عنه بألف. فحينئذ يجب أن يحج عنه إلى أن تنتهي الألف لأنه لم يحدد عدد الحجج المطلوبة من الألف بل أمر أن يحج إلى أن تنتهي الألف.
فإن حجينا عنه هذه السنة بخمسمائة والسنة القادمة بثلاث مائة والسنة الثالثة اكتشفنا أن الباقي من المبلغ لا يكفي لإتمام حجة كاملة.
فماذا نصنع؟
الحل الأول: أن يعين بالحج. يعني: يعطي إضافة إلى غيره من يحج.
= والقول الثاني: أنه لا يحتاج أن يعين من يحج وإنما يتصدق به.
وفي الحقيقة لو قيل: أنه إذا ما كفى لحج يعتمر منه لكان له وجه لأن العمرة حج أصغر.
وأن يؤخذ عنه عمرة كاملة في رمضان تعادل حجة خير من أن يعان.
لكن الفقهاء على كل حال اختلفوا على قولين: لم أر العمرة وإن كان وجيهاً وهو أنه يحج عنه من مكة أو يعان في الحج أو يتصدق به عنه.
والتصدق به هو أضعف الأقوال. ما دام الرجل أوصى بالحج يجب أن نتقيد بالحج ونقول إما أن يحج عنه من قريب أو يعان في الحج.
فهمنا من كلام المؤلف ﵀ أنه لو قال: حجوا عني حجة بألف لاختلف الحكم. وهو كذلك.
فلو قال حجوا عني حجة بألف فإنا نعطي الألف من يحج عنه يأخذ منها نفقته والباقي له.
والدليل على هذا:
- أن الظاهر من صنيع (المؤلف) أنه أراد أن يبر الموصى إليه لاسيما إذا علم الموصي حين الوصية أن الحج لا يكلف ألف ريال حينئذ علمنا أنه أراد أن يبر الموصى إليه.
= والقول الثاني: أن الزائد حتى في قوله: حجوا عني حجه يؤخذ ويفعل فيه ما يفعل بالزائد من الألف السابقة.
= والقول الثالث: أن الزائد عن الألف في حجة يرد إلى التركة إلى الورثة. وهذا غريب أن يقال به ضعيف جداً. رجل أوصى وصية أخرجها لله كيف يرجع باقي المبلغ إلى الورثة.
الذي يظهر لي أن أرجح الأقوال القول الأول: وهو أن الباقي يكون من نصيب الموصى إليه وذلك لأن قصد الموصي نفع الموصى إليه ظاهر جداً فهو أراد أن يحج حجة والباقي له.
ثم قال ﵀:
ولا تصح: لملك.
لا تصح الوصية لملك لأنه لا يملك.
والمؤلف ﵀ وضع هذه القاعدة الجميلة في أول الباب: (صح لمن يصح تملكه) هذا ضابط.
إذاً الملك لا يجوز أن يوصى إليه لأنه لا يملك.
يقول ﵀:
стр. 2039
وبهيمة.
عني: ولا يجوز أن يوصي لبهيمة.
لأنها لا تملك. وهذا واضح.
= القول الثاني: أنه لا يجوز أن يوصي لبهيمة إلا البهائم المسبلة لجهاد فقط ما عداها لا يجوز ولا يصح.
= القول الثالث: أنه يجوز أن يوصي للحيوان مطلقاً.،ويصرف في مصالحه.
والراجح إن شاء الله القول الثالث الجواز مطلقاً وقصد الموصي ظاهر. يعني: لماذا يوصي للحيوان؟ ظاهر. إن كان الحيوان من المستخدمة في الجهاد فأمره واضح جداً لأنه أراد تقوية الجهاد في سبيل الله، وإن أوصى لحيوان لا يستخدم في الجهاد فقصده أيضاً واضح وهو أن يحافظ على الحيوان لمصلحة المالك.
وجه ذلك: أن بعض الناس قد يفرط في نفقة حيوانه وهذا الحيوان قد يكون مصدر رزقه وقد يكون المصدر الوحيد فإذا أوصى بهذه النفقة تكون للحيوان صار هذا من أعظم أسباب استمرار الحيوان بوجود هذه النفقة. وينتفع في الأخير المالك ولذلك نحن نقول وإن قال الفقهاء أنه لا يجوز أن يصرف على مالك الحيوان إلا أنه بلا شك أن مقصود الموصي إذا لم يكن الخيل مربوطة للجهاد أن مقصود الموصي إذا أوقف على حيوان أن ينتفع مالك الحيوان لكنه أراد أن يضبط مالك الحيوان لئلا يتصرف بما لا مصلحة له فيه. وهذا مقصد صحيح.
قال ﵀:
وميت.
لا يجوز أن يوصي لميت أن الميت لا يملك ولا يجوز أن تجرى معه العقود.
= والقول الثاني: أنه تصح الوصية لميت. وتصرف في نفعه الأخروي. فيشترى بهذا المال أوقاف ويتبرع بتبرعات وصدقات ونحو هذه التصرفات التي ينتفع فيها الميت وهو رهين قبره.
الراجح إن شاء الله القول الثاني، والسبب: أن الوصية تبرع أراد منها المتبرع نفع المتبرع له والميت قد يكون أحوج من الحي ولا يوجد في النصوص مانع ظاهر يمنع من الوصية للميت لاسيما وأنه بالإمكان إيصال نفع هذه الوصية للميت كما قلت في الأمثلة المذكورة.
والمؤلف ﵀ يقصد: لميت يعلم الموصي أنه ميت أو يجهل أنه ميت؟ يعني: يقصد لو أوصى لحي ثم مات؟ يعلم ولا مجال لأنه يقصد لو أوصى لميت يجهل أنه ميت والسبب: أنه ستأتينا مسائل الميت المجهول في اللاحق.
والسبب الثاني: أنه إذا قال أوصى لميت يعني يعلم أنه ميت هذا هو المتبادر للذهن من كلام المؤلف ﵀.
стр. 2040
ثم قال ﵀:
فإن وصى لحي وميت يعلم موته: فالكل للحي.
هذا اختيار المؤلف.
لأنه إذا أوصى لميت وحي وهو يعلم أن الميت ميت علمنا أن مقصوده أن تكون الوصية للحي لأن الميت لا يملك.
وهذه المسألة مبنية على الأولى وهي أن الميت لا تصح الوصية له.
= والقول الثاني: أنه ليس للحي إلا النصف وهو المذهب.
- لأنه أوصى لحي وميت فصحت في الحي وبطلت في نصيب الميت.
الراجح: ـ إن قلنا أن الميت لا يوصى إليه فالراجح المذهب وهو القول الثاني، لأنه من العلوم أن مقصود الموصي أن تكون الوصية نصفها للميت ونصفها للحي.
فالآن لما بطلت في الميت بقيت الوصية صحيحة بالنسبة للميت.
وهذا القول مرجوح لأنه تقدم معنا أن الراجح صحة الوصية للميت وهذا اللفظ يؤيد أن كثيراً من الناس يوصي للميت يقول: أوصيت للميت وحي فهو يريد نفع الميت لا يريد نفع الحي.
ثم قال ﵀:
وإن جهل: فالنصف.
يعني: وإن أوصى لحي وميت جهل أنه ميت فليس للحي إلا النصف لأنه قطعاً هنا مراد الموصي أن يكون له النصف لأنه كان يظن أن هذا الميت حي.
إذا أوصى رجل لاثنين وتبين أن أحدهما مات فهل نمضي الوصية في حق الميت؟ أو نقول إن الموصي أوصى له لما كان حياً هو يظن أنه حي لم يوص لخص ميت وربما لو علم أنه ميت لرأى أن الأحياء أولى.
ويحتمل أن نقول أوصى له وهو حي فبالتأكيد سيوصي إليه وهو ميت لأنه ما دام مشفقاً عليه في الحياة فسيشفق عليه في الممات أكثر يحتمل هذا وهذا.
والراجح: الثاني. وهو أن نمضي الوصية لأن ظهور الشفقة في حال الموت أقوى منه في حال الحياة وهذا كله مبني على تصحيح الوصية للميت.
ثم قال ﵀:
وإن أوصى بماله لابنيه وأجنبي فردّا وصيته: فله التسع.
إذا وصى بماله لابنيه وأجنبي فمقتضى الوصية أنه لكل واحد منهم الثلث. فلما ردوا - أي رد الابنان الوصية عادت الوصية إلى الثلث فصار للموصى إليه الأجنبي ثلث الثلث وثلث الثلث: تسع.
وهذا معنى قوله ﵀: (فله التسع).
إذاً التعليل:
- لأنه برد الوصية عادت إلى الثلث وثلث الثلث: التسع.
وعلى هذا الجمهور.
= القول الثاني: أن للأجنبي الثلث.
وجه ذلك:
стр. 2041
- أن الميت أوصى بالثلث لابن والثلث الآخر لابن والثلث الثالث لأجنبي فرد الابنان الوصية فبطلت في حقهما وبقيت الوصية في حق الأجنبي لعدم وجود المزاحم.
وهذا القول مال إليه أبو الخطاب. وهو قول في الحقيقة وجيه. لماذا؟ لأنا نعلم الآن قطعاً أن الموصي أراد إيصال ثلث ماله للأجنبي. فلما قال: أوصيت بمالي لابني والأجنبي كأنه قال: أوصيت للأجنبي بالثلث. ربما هو فهم أنه إذا أوصى للأجنبي بالثلث فهذا معناه وهو له ابنين معنى هذا: أن المال سيقسم أثلاثاً بين الابنين والأجنبي.
وهذا ظاهر من مقصود الموصي.
ففي الوصية تصريح في إيصال الثلث للأجنبي. فاختيار أبي الخطاب من وجهة نظري جيد في الحقيقة ويتوافق مع الظاهر من مراد الموصي.
وبهذا انتهينا من الموصى له وننتقل إلى الموصى به. ((الأذان))
ممكن أن نعلق على المسألة السابقة إذا أوصى لابنيه أنه نحن نقول الوصية للورثة لا تصح إلا (( .. )) والورثة من هم؟ ..... ) إذاً صحت الوصية بهذا السبب ممكن أن نقول هذا.
مع أنه أنا يبدو لي أن هذه الصيغة من الموصي لا يريد منها الوصية وإنما يريد إيصال الثلث للأجنبي.
باب الموصى به
ثم قال ﵀:
باب الموصى به.
يعني: الأحكام المتعلقة بالعين التي يوصي بها.
ما هي الأشياء التي يجوز أن يوصي بها والأشياء التي لا يجوز؟
قال ﵀:
تصح بما يعجز عن تسليمه: كآبق وطير في هواء.
تصح بهذه الأعيان. لماذا؟
للقاعدة السابقة وهي أن كل ما يورث يجوز أن يوصى به فالوصية تجري مجرى الإرث.
فهذه الأعيان يجوز أن تورث فيجوز أن يوصي بها.
الدليل الثاني: أن الوصية بالمعدوم جائزة فبهذه من باب أولى.
ثم قال ﵀:
وبالمعدوم.
في الحقيقة كان ينبغي أن يبدأ أول ما يبدأ بالمعدوم لأن مسائل هذا الباب كلها مقيسة على المعدوم.
سيأتينا الآن كل شيء يقاس على المعدوم فينبغي أن يبدأ به لأنه أصل الباب.
يجوز أن يوصي بالمعدوم.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الأول: أن المعدوم يملك بالسلم والمساقاة وهي من عقود المعاوضات فبالوصية أولى لأنها من عقود التبرعات. وعقود المعاوضات أضيق من عقود التبرعات فما يجوز فيها يجوز في التبرعات.
هذا أولاً.
стр. 2042
ثانياً: أن الوصية كلها شرعت رفقاً بالناس ومن الرفق بهم أن نجيز الوصية بمعدوم.
ومن هنا علمنا أنه يوجد فرق بين الوصية بالمعدوم والوصية إلى المعدوم، الوصية بالمعدوم صحيحة والوصية إلى المعدوم غير صحيحة.
يقول ﵀:
كبما يحمل حيوانه وشجرته، أبداً أو مدة معينة.
يجوز أن يوصي بما يحمل الحيوان أو الشجر إما مدة معينة كأن يقول ما تحمل به هذه النخل لمدة سنتين أو أبداً يقول كل ما تحمل هذه النخل من ثمر فهو لفلان.
إذاً يجوز هذا وهذا، وهذا معنى قوله: (أبداً أو مدة معينة).
ثم قال ﵀:
فإن لم يحصل منه شيء: بطلت الوصية.
يعني: فإن لم تحمل الشجرة أو الحيوان بطلت الوصية.
- لأنه تبين أنه أوصى بمعدوم فصادفت محلاً معدوماً فبطلت.
وهذا البطلان لا لبطلان الوصية بالمعدوم ولكن لأنه لم تصادف محلاً أصلاً فبطلت لهذا السبب.
ثم قال ﵀:
وتصح: بكلب صيد ونحوه.
يعني: لو أن المؤلف ﵀ وضع قاعدة وقال: وتصح بكل ما يجوز أن ينتفع به ولو لم يكن مالاً شرعاً لكان أنفع.
إذاً تصح بكل ما ينتفع به أي: بما نفعه مباح ولو لم يكن من الأموال الشرعية: كالكلب المعلم والدهن المتنجس وجلد الميتة وغيرها من الأعيان التي يعتبرها الحنابلة من الأعيان التي يجوز الانتفاع بها وإن لم يجز بيعها ولا شراؤها فيجوز الوصية بها لأن الوصية تبرع وأمرها أهون من المعاوضات فجازت بكل ما يصح الانتفاع به.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ....
((انتهى الدرس)).
стр. 2043
الدرس: (٣) من الوصايا
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀:
(وتصح بكلب صيد ونحوه, وبزيت متنجس, وله ثلثهما ولو كثر المال إن لم تجز الورثة)
آخر مسألة تكلمت عنها في الدرس السابق, هي جواز الوصية بالأموال, أو جواز الوصية بالأعيان, ولا نقول الأموال لأنها ليست أموال جواز الوصية بالأعيان التي يباح الانتفاع منها, وإن كان لا يجوز البيع والشراء بها, وذكرنا الدليل على ذلك وهو أنّ الوصية نوع من التبرعات, وليست من عقود المعاوضات, فدخلها التخفيف, ثم ذكر المؤلف ﵀ ما يتعلّق بتفصيل الوصية, فبيّن أنّ الإنسان إذا أوصى بهذه الأشياء فإنه لا يملك الموصى إليه إلاّ ثلث الموصى به إذا كانت من جنس هذه الأعيان.
قال المؤلف ﵀:
(وله ثلثهما ولو كثر المال إن لم تجز الورثة)
له يعني للموصى إليه, ثلث الكلب أو الزيت المتنجس فقط, والباقي للورثة, ليس له إلاّ ثلث هذه الوصية, إلاّ إن أجازت الورثة فله جميع الموصى به, فإذا أوصى له بكلب فله ثلث الكلب, وإذا أوصى له بزيت متنجس فله ثلث هذا الزيت المتنجس فقط.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم, بأنه لا يوجد في المال من هذا الجنس إلاّ هذا الموصى به, فليس له إلاّ الثلث، ومعنى قوله لا يوجد في المال من هذا الجنس, السبب في ذلك ومعناه أنّ مال الميّت إذا كان فيه نحو كلب, وأموال أخرى, فهو ينقسم إلى جنسين:
الجنس الأول: الأموال الشرعية.
والجنس الثاني: المختصات: وهي التي يجوز أن ينتفع بها وليست من الأموال الشرعية.
فالمؤلف والحنابلة يقولون ليس في تركته من هذا الجنس إلاّ هذا الكلب, فليس له من هذا الجنس إلاّ الثلث واضح.
بناء عليه إذا أوصى بكلب, وعنده ثلاثة كلاب, فهل الحكم أنه له الثلث؟ أو له الكلب كاملاً؟ لماذا؟ الجواب لأنّ هذا الجنس فيه أكثر من هذا الكلب, وهذا الكلب يشّكل ثلث الجنس في المثال الذي ذكّرت هذا مذهب الحنابلة وعرفت الآن دليلهم.
والقول الثاني: أنّ له جميع الكلب بلا استثناء، لأنه أوصى له بالكلب فله الكلب تمشيّاً مع وصية الميّت.
القول الثالث: أنّ الكلب ونحوه يقدّر, فإن كانت القيمة المقدرة تبلغ ثلث المال أخذ الكلب كاملاً وإن كانت أقل أخذ الكلب كاملاً وإن كانت أكثر أخذ بمقدار الثلث من الكلب, وهذا القول اختاره الحارثي وفيه قوة وفيه إنصاف للورثة والموصى إليه فيكون إن شاء الله هو القول الراجح.
стр. 2044
قال المؤلف ﵀:
(ولو كثر المال إن لم تجز الورثة)
قوله ولو كثر المال، يعني لا ننظر إلى جنس المال الشرعي, مادامت الوصية في جنس المختصات فقط, لا ننظر إلى كثرة المال أو قلة المال إذا كانت الوصية في جنس المختصات, بل على المذهب ليس له ولو كثر المال إلاّ ثلث الموصى به.
قال المؤلف ﵀:
(وتصح بمجهول ,كعبد وشاة)
واستدل الحنابلة على صحة الوصية بالمجهول بدليلين:
الأول: الإجماع، فهي محل إجماع أنه يجوز أن يوصي بشيء مجهول, يعني مسمى ومجهول الصفة والواقع والحال.
الدليل الثاني: أنّ الوصية من باب التبرعات فيدخلها التسهيل.
الدليل الثالث: القياس قياس أولوي على المعدوم, فإذا كان يجوز أن يوصي بمعدوم فالمجهول أحسن حالاً من المعدوم, إذاً لا إشكال إن شاء الله في جواز الوصية بالمجهول, لكن لماّ ذكر المؤلف هذه المسألة, أراد أن يبيّن كيفية تحديد هذا المجهول.
قال المؤلف ﵀:
(ويعطى ما يقع عليه الاسم العرفيّ)
يعني أنّنا نحدد هذه العين المجهولة بحسب العرف, فالحاكم في تحديدها هو العرف, واستدل الحنابلة على هذا بأنّ الغالب من مقصود الموصي إرادة العرف, لأنه عرف بلده فيغلب على الظنّ أنه مقصوده.
القول الثاني: أنّ الضابط في تحديد المراد بهذه العين المجهولة اللغة, فنرجع إلى مدلول اللفظ في اللغة ونحمله عليه, واستدل هؤلاء بأنّ كلام الله ورسوله, يحمل على المعاني اللغوية, لا على العرفية فكذلك لفظ الموصي, وبين القولين فرق شاسع جداً جداً, في ثمرة الخلاف، المثال الموّضح لو قال كما قال هو المؤلف نفسه (كعبد وشاة) لو أوصى بشاة, الشاة معناها في العرف يختص بنوع الضأن الكبيرة، ما تطلق شاة إلاّ على ما كان من الضأن, لا من الماعز وبشرط أن يكون كبيرة
стр. 2045
أما في لغة العرب, فالشاة تطلق على الماعز والضأن, الكبير والصغير, الذكر والأنثى, وهذا فارق عظيم جداً، فعند الحنابلة إذا قال أوصيت بشاة, فلهم أن يعطوه سخلة صغيرة من الماعز الصغير, وعلى القول اللي مشى عليه المؤلف لا يجوز أن يعطوه إلاّ من نوع الضأن وأنثى وكبيرة, وهذا فارق عظيم جداً, بينهما في السعر فرق كبير جداً, الراجح إن شاء الله ما مشى عليه المؤلف, وهو قول الاسم العرفي, ولاحظ أنّ الشيخ هنا خالف المذهب, فالمذهب أنّا نمشي على العرف اللغوي لا المعنى العرفي، وهذا مما يؤكد إن شاء الله ما تقدم, أنّ هذه المخالفات عبارة عن اختيارات, إذاً الراجح إن شاء الله كما قلت أنه يرجع إلى الاسم العرفي كما قال الشيخ ﵀
قال المؤلف ﵀:
(وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالاً ولو دية دخل في الوصية)
إذا أوصى بمال, إذا أوصى بالثلث ثم بعد الوصية حدث له مال, ولو كان هذا الحادث هو الدية, فإنّ الثلث يؤخذ من مجموع المال القديم والحديث, وإلى هذا ذهب الجماهير, واستدلوا على هذا بأنه أوصى بثلثه من ماله وهذا من ماله, وكونه حدث بعد الوصية لا يؤثر في دخوله فيها.
القول الثاني: أنّ الحادث لا يدخل في الثلث إلاّ إذا علمه الموصي, أو قال في وصيته ثلثي عند الموت, أوصيت بثلثي عند الموت، وإلاّ فإنه لا يدخل, والراجح أنّ الثلث يأخذ من رأس المال الحادث والقديم مطلقاً, ما لم ينصّ الموصي على أنّ هذا الثلث يؤخذ من ثلث ماله الموجود الآن, دون ما سيحدث, إذا لم ينصّ على هذا فالثلث من مجموع رأس المال القديم والجديد, لأنّ الأصل أنه أراد الثلث من المال كله, ولا نخرج عن هذا الظاهر إلاّ بدليل من لفظ الموصي, فالراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة.
قال المؤلف ﵀:
(ومن أوصي له بمعيّن فتلف بطلت)
لأنّ الوصية تعلّقت بهذه العين, فلما ذهبت العين بطلت الوصية, وهذا واضح، يعني ولا يؤخذ بدلها من التركة, بل تبقى متعلّقة بهذه العين.
قال المؤلف ﵀:
(وإن تلف المال غيره فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة)
стр. 2046
يعني إذا أوصى بعين, ثم بعد موت الموصي, ونحن لابد أن نحمل هذا الحكم من المؤلف على ما يكون بعد موت الموصي, ثم بعد الموصي تلف جميع المال إلاّ هذه العين, فإنها تكون من نصيب الموصى له, لأنّ حقه بعد موت الموصي تعلّق بهذه العين واستقرّ, ولاحق للورثة فيه, وهذا لا إشكال فيه, كما أنه إذا تلفت العين سقط حقه, كذلك إذا لم يبقى إلاّ هي بعد موت الموصي بقي حقه لأنه متعلّق بهذه العين, وليس للورثة مطلقاً أن يعترضوا على هذا الحكم, ولو تلف جميع المال, فهذه العين أصبحت من جملة أملاك الموصى له, بهذا انتهى باب الموصى به.
[باب الوصية بالأنصباء والأجزاء]
قال المؤلف ﵀:
(إذا أوصى بمثل نصيب وارث معيّن)
قوله باب الوصية بالأنصباء والأجزاء, يعني في الحقيقة, أنه فائدة هذا الباب قليلة, كما أنه لا ينبغي أبداً أن يوصي الموصي بهذه الطريقة التي ستأتينا تفصيلها وكيفيتها, بل عليه أن يوصي, كما أوصى السلف بالثلث أو الخمس أو الربع حسب الخلاف المتقدم, لكن لو أوصى بهذه الطريقة التي ستأتينا فالعمل على وفق ما سيأتي الآن.
يقول الشيخ باب الوصية بالأنصباء والأجزاء، الأنصباء: جمع نصيب وهو الحصة, والمقصود هنا في هذا الباب يعني نصيب الوارث.
وقوله والأجزاء: الأجزاء أيضاً جمع جزء , والجزء يقصد به الطائفة من الشيء, سواء كان هذا الشيء حسي أو معنوي،
والمقصود بهذا الباب, بيان نصيب الموصى إليه إذا نسبه الموصي إلى مجموع التركة, يعني كيف نعرف نصيب الموصى إليه إذا جعله الموصي منسوباً إلى أنصباء التركة, أو إلى نصيب واحد مِن مَن يرثون من التركة على التفصيل الذي سيأتينا، والحنابلة قعّدوا قاعدة واضحة جداً تنهي الإشكال في الباب, بحيث إذا عرف الإنسان القاعدة، أمكنه أن يعرف نصيب الموصى إليه في أي مسألة نسبت إليها من مسائل الفرائض.
стр. 2047
يقول (إذا أوصى بمثل نصيب وارث معيّن فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة (هذه قاعدة الباب, كل الباب سينبني على هذه القاعدة, يقول له مثل نصيب وارث معيّن, لكن مضموماً إلى المسألة, فنجعل الموصى له كأنه أحد الوارثين, ويأخذ مثل نصيب الشخص الذي عيّنه الموصي, إذاً هذا معنى قول الشيخ مضموماً إلى المسألة, يعني بالنسبة إلى المسألة, والأمثلة ستوضح هذه القاعدة أتم توضيح، لكن قبل أن ندخل في الأمثلة عرفنا الآن كيفية التقسيم عند الحنابلة, وهو أن نعطي الموصى له حظه ونصيبه مضموماً إلى المسألة, كأنه أحد الورثة, وهذا مذهب الجمهور.
القول الثاني: وهو مذهب الإمام مالك، أنّ الطريقة ليست كذلك وإنما نقوم بإعطاء الموصى له مثل نصيب الوارث المعيّن من رأس المال ثم نقسم الباقي على باقي الورثة, ولا نجعل الموصى له يشترك مع الورثة, بل نعطيه النصيب ثم نقسم الباقي.
стр. 2048
مثال يوضح هذه الأمور, إذا كان إنسان له ثلاثة أبناء, ويملك ثلاثمائة ألف, وقال الموصي أوصيت لزيد بمثل نصيب ابني, يعني أحد أبنائي, التركة كم؟ ثلاثمائة ألف, والأبناء كم؟ ثلاثة, إذا أردنا أن نقسم التركة على الأبناء, فسيكون أصل المسألة من مجموع الرؤوس أليس كذلك؟ لكل واحد كم؟ مائة ألف، إذا أردنا أن نطبق مذهب الإمام مالك, فنقول للموصى إليه خذ أنت مثل نصيب أحد الأبناء وهو كم؟ مائة ألف كم يبقى؟ يبقى مائتي ألف, نقسم المائتين ألف على الورثة وهم الثلاثة، هذا على طريقة الإمام مالك، على طريقة الحنابلة نقول يدخل الموصى له معهم, فبدل أن تكون المسألة من ثلاثة, وله مثل نصيب أحدهم, ستكون من أربعة، وفي هذه الحالة سنقسم الثلاثمائة ألف على كم؟ على أربعة, انظر الفرق بين قول الحنابلة والمالكية, عند المالكية سيأخذ مائة ألف, وعند الحنابلة سنقسم الثلاثمائة ألف على أربعة, وكل ما كبر المبلغ كبر الفرق, هذا المذهب الذي ذهب إليه الإمام مالك, مال إليه المرداوي في الإنصاف, وأيضاً مال إليه الشيخ الحارثي في شرحه على المقنع, والخلاف راجع إلى معرفة مقصود من؟ الموصي فبعضهم يقول هذا مقصود الموصي, والآخر يقول بل مقصود الموصي أن يشترك الموصى له مع باقي الورثة, في المسألة إشكال, يعني لا يظهر للإنسان المعنى لكن يبدو لي أنه عند تساوي الأمور وعدم وجود أيّ مرّجح في إرادة الموصي, فإنّ مذهب الحنابلة أقرب وهو أنه أراد أن يدخل الموصى له مع الورثة, ويشاركهم في نصيبهم, هكذا يبدو أنّ مقصود الموصي, وليس مقصوده تفضيل الموصى له على أبناءه, هذا القصد قد يكون بعيد, على كل حال هذه المسألة تدلنا بوضوح, أنه يجب أن يكون الموصي واضح إذا أراد أن يوصي, وأن يكتب مراده في الوصية بدقة, نأتي للأمثلة التي ذكرها المؤلف
قال المؤلف ﵀:
(فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث)
أي فللموصى له الثلث, لماذا؟ لأنه ستكون المسألة من اثنين, فإذا أعطينا الموصى له مثل أحدهم صارت المسألة من ثلاثة, فله الثلث من مجموع هذه المسألة.
قال المؤلف ﵀:
(وإن كانوا ثلاثة فله الربع)
واضح كالمسألة السابقة تماماً.
قال المؤلف ﵀:
стр. 2049
(وإن كان معهم بنت فله التسعان)
معهم الضمير يعود إلى الثلاثة, فإذا كانوا ثلاثة وبنت, فإنّ المسألة تكون من كم؟ من سبعة لأنّ كل ذكر عن اثنين والأنثى عن واحد ستة زائد واحد صارت المسألة من كم؟ من سبعة, والموصي يقول أنّ له مثل نصيب أحد الأبناء, نصيب أحد الأبناء اثنان الآن, فإذا أخذ هو اثنان, صارت المسألة من كم؟ من تسعة, وله التسعان كما أنّ لأحد الأبناء بعد دخول الموصى له اثنان يعني التسعان فيستوي الموصى له مع باقي الأبناء, ويأخذ أكثر من البنت, لأن الأب نصّ أنه مثل الأبناء وليس مثل البنات، فإن قال أنّ له وإن كان معهم بنت, فقال الموصى له مثل البنت, كم تكون المسألة؟ هي في الأصل من سبعة, ثمانية لأنه بدل أن يكون اثنان سيكون واحد, وهذا الذي ينبغي أن لا يفضل الموصى له على ابنته, لأنّ الشارع يتشوف إلى أن يكون نصيب الوارث أكبر من نصيب الموصى له.
قال المؤلف ﵀:
(وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يبيّن, كان له مثل ما لأقلهم نصيباً)
كان له مثل ما لأقلهم نصيباً, إذا قال له مثل نصيب أحد الورثة, فله مثل أقلهم, الدليل على هذا أنّ هذا هو اليقين وما زاد فهو مشكوك فيه, والأصل عدم استحقاقه, فيعطى الأقل, على أنّ هذه مسألة مفروضة, ومن الخطأ البيّن أن يكون له مثل نصيب أحد الورثة, بل عليه أن يبيّن كما تقدم معنا, ثم ذكر أمثلة هذه القاعدة.
قال المؤلف ﵀:
(فمع ابن وبنت ربع)
مع ابن وبنت له الربع, لأنّ أصل المسألة قبل دخول الموصى له من ثلاثة, أليس كذلك؟ فإذا دخل سيأخذ مثل نصيب البنت أو مثل نصيب الابن؟ البنت لأنه له الأقل عند الحنابلة فسيكون نصيبه واحد, واحد مع ثلاثة صارت المسألة من أربعة فله الربع.
قال المؤلف ﵀:
(ومع زوجة وبن تسع)
لأنّ المسألة من ثمانية, ثمن للزوجة والباقي للابن, فإذا أعطيناه مثل نصيب الأقل, فالأقل في هذه المسألة هو من؟ الزوجة, فسنضيف إلى أصل المسألة واحد, وتكون بدل ثمانية, تسعة ,فيكون له هو والزوجة التسع.
قال المؤلف ﵀:
(وبسهم من ماله فله سدس)
إذا قال أوصيت له بسهم من مالي, فله السدس, استدل الحنابلة على هذا بدليلين:
стр. 2050
الأول: أنّ هذا الحكم مروي عن الصحابي الجليل ابن مسعود ﵁
الثاني: أن هذه اللفظة عند العرب تحمل على السدس, فقول الشيخ هنا بسهم من ماله فله السدس يعني أنّ العرب كانوا إذا قيل أعطيت فلان سهم فهو ينصرف إلى ماذا؟ إلى السدس.
والقول الثاني: أنّ له مثل أقل الورثة, لأنّ السهم مجهول فيعطى الأقل احتياطاً, والراجح مذهب الحنابلة إلاّ إذا كان السهم في وقت من الأوقات عرفاً يطلق على مقدار معيّن, يجب أن نحمله على هذا العرف, وإذا لم يكن هناك عرف فإنّا نحمل السهم على السدس، ولو لم يكن في الباب إلاّ أثر ابن مسعود لكفانا ولله الحمد.
قال المؤلف ﵀:
(وبشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء)
إذا أوصى بشيء, أو بجزء, أو بحظ, فإنّ الورثة يعطونه ما شاءوا قلّ أو كثر, والدليل على هذا من وجهين:
الأول: الإجماع، فإنهم أجمعوا أنه إذا قال أوصيت له بشيء, أو بحظ ,أو بنصيب, فإنه إذا أعطي أي شيء, وأيّ حظ أجزء.
الثاني: أنه إذا أوصى له بجزء, وأعطوه أيّ شيء, صدق عليه أنه أخذ جزءًا, وبهذا نكون نفذّنا وصيت الموصي, والواجب على الورثة لا يتعدى أن ينفّذوا وصية الموصي, وهذا الحكم كما سمعتم إجماع وهو صحيح, لكن ينبغي إذا أوصى بشيء أو بجزء, أن يعطى من وجهة نظري أنه ينبغي إذا بشيء أو بجزء أن يعطى السدس، لأنه إذا كان العرب يحملون السهم على هذا, فكلمة شيء أو جزء من المعلوم أنه ما أراد أن يعطوه أتفه الأمور, وإنما أراد أن يعطوه شيئا ولو لم يكن كثيراً, وأقرب ما يكون هذا الشيء الذي ليس بكثير السدس حملاً على فتاوى الصحابة, لو قيل أيضاً بهذا كان متوجه, يعني أنه ينبغي, أما الحكم فهو محل إجماع, أنه يجوز أن يعطى أيّ شيء.
[باب الموصى إليه]
قال المؤلف ﵀:
(تصح وصية المسلم إلى كل مسلم, مكلف, عدل, رشيد, ولو عبداً)
تقدم معنا في أول الوصايا أنّ الوصايا تنقسم إلى قسمين: أمر بتبرع وأمر بتصرف, أليس كذلك؟
فالأمر الذي بالتبرع هو ما تقدم معنا من الوصية له, وأما الأمر بالتصرف فهو الوصية إليه، وهو هذا الباب الذي معنا.
стр. 2051
واختلف الفقهاء ﵏ هل الأولى للإنسان أن يقبل الوصية إليه أو أن يرد، فذهب الحنابلة إلى أنّ الأولى والمستحب والأحب إلى الله أن يقبل بشرط أن يكون قوياً وعارفاً, أن يكون قويا على تطبيق الوصية, وعارفا بكيفية التطبيق, فإذا تحققت الشروط فالأولى والأحسن والأفضل أن يدخل فيها, وأن يمتثل بأداء ما أوصي إليه من الأعمال.
القول الثاني: أنّ الأفضل الترك, والاحتياط, وذلك خوفاً على النفس من الخيانة أو التقصير, والراجح إن شاء الله القول الأول وهو المذهب والسبب في ذلك, أنّ عدداً من أصحاب النبي ﷺ أوصي إليهم فقبلوا وهم سادة الخلق, وأكثرهم طاعة وورع وتقوى هذا أولا.
ثانياً: أنّ قبول الوصية إليه يدخل في قوله تعالى ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾، فإنه من الغالب أنّ الموصي ما أوصى إليه إلاّ لظنه أنه سيقوم بالواجب, ولحرص الموصي على موضوع الوصية أيّا كانت وصية مالية أو تصرفات أخرى، فإذا إن شاء الله الأقرب هو هذا أن يقبل إذا قوي وكان عالماً بأداء الواجب.
قال المؤلف ﵀:
(تصح وصية المسلم إلى كل مسلم)
قوله تصح الوصية إلى كل مسلم, أفادنا مسألتين:
المسألة الأولى: جواز الوصية إلى المرأة, فيجوز أن يوصي إلى امرأة, سواء كان موضوع الوصية تربية, أو موضوع الوصية مالية أو أيّا كان موضوع الوصية، وإلى هذا ذهب الجماهير, بل إنّ هذا الحكم حكي إجماعاً في أكثر من كتاب, فهو في الحقيقة مذهب أكثر أهل العلم واستدلوا على هذا بأنّ الوصية نوع من التوكيل والمرأة يجوز أن توكل.
القول الثاني: أنه لا يجوز أن نوصي إلى امرأة, ولم أرى أحداً ذهب إلى هذا القول إلاّ شخص واحد, من كبار وأئمة التابعين وهو الإمام عطاء ﵀ فإنه ذهب إلى عدم صحة الوصية إلى المرأة, وقوله مرجوح, بل لو قيل إنه قوله شاذ لكان لهذا القول وجه, والسبب في ذلك أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أوصى إلى حفصة ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكار ذلك.
فالقول بعدم صحة الوصية إلى المرأة يخالف الجماهير والإجماع, ويخالف الآثار, وهذا يقّربه من الشذوذ, وعلى كل حال استقّر الأمر على الجواز.
стр. 2052
المسألة الثانية: التي أفادنا المؤلف بها أنه لا يجوز أن نوصي إلى كافر, لأنّ الكافر ليس له ولاية على المسلم وإطلاق كلام الحنابلة على يفيد أنه سواء كان الكافر ذميّ أو مستأمن أو غير ذلك، لا يجوز مطلقاً وهذا صحيح أنه لا يجوز الوصية إلى الكافر لأنه ليس أهلاً للأمانة ولأنه لم يجعل الله له ولاية على المسلم.
قال المؤلف ﵀:
(مكلف, عدل, رشيد, ولو عبداً)
مكلف، المكلف: هو البالغ العاقل، بناء على هذا لا يجوز أن نوصي إلى مجنون, ولا يجوز أن نوصي إلى صغير, والسبب في ذلك أنّ الوصية تتضمن الولاية, وهؤلاء لا يملكون الولاية على غيرهم, لأنهم لا يملكون الولاية على أنفسهم, فكيف بغيرهم, وهذا لا إشكال فيه, أنّ المجنون لا يجوز أن نوصي إليه، يبقى الإشكال في الصبيّ الذي نهز البلوغ وقرب منه ولم يبلغ, فالحنابلة يرون أنه لا يجوز أن نوصي إليه, لأنه لم يبلغ ومازال صغيراً على تحمّل الولاية، ومن الفقهاء من قال إذا كان يحسن التصرف وقد قارب البلوغ وهو كبير فإنه لا بأس بالوصية إليه، والراجح مذهب الحنابلة مادام لم يبلغ وصغيراً فإنه لا يوصى إليه.
قال المؤلف ﵀:
(وعدل, رشيد)
قوله وعدل يعني فلا يجوز أن نوصي إلى فاسق, لأنّ موضوع الوصية الولاية، والولاية تقتضي الأمانة, والفسق يتنافى مع الأمانة.
والقول الثاني: أنه يجوز أن نوصي إلى الفاسق, لكن يضم إليه عدل.
والقول الثالث: أنه يجوز أن نوصي إلى الفاسق مطلقاً، وذكر هذا القول رواية عن الإمام أحمد, قال الشيخ المرداوي وهو بعيد جداً، وهو كما قال الجواز بالإطلاق بعيد جداً.
القول الرابع: وهو مذهب المالكية والأحناف، أنه يجوز أن نوصي إلى الفاسق إذا أمِنا الخيانة وكان قوياً على العمل، وهذا القول هو الراجح لأنه قد يكون في الفاسق مع أمانته غِناء لا يكون في غيره, لمعرفته في موضوع الوصية, وإحسانه التصرف فيها, فحينئذ المنع من الوصية إليه فيه إضرار بموضوع الوصية, على كل حال إذا تحقق الشرطان, فالأقرب ما ذهب إليه المالكية وهو الجواز والصحة.
قال المؤلف ﵀:
(رشيد)
стр. 2053
الرشيد يشترط بناءاً عليه لا يصح أن نوصي إلى من لا يحسن التصرف, لأنّ الإيصاء إليه مناقض للمراد من الوصية فإنّ المراد من الوصية أن يقوم عليها بالإصلاح والعناية والحفظ, وهذا لا يحسن التصرف فكيف سيقوم عليها بالعناية والحفظ والإصلاح.
قال المؤلف ﵀:
(ولو عبداً)
يجوز أن يوصي إلى العبد, وظاهر كلام المؤلف سواء كان عبد نفسه أو عبد غيره, إلاّ أنه إذا كان عبداً لغيره فاشترط المؤلف قال ويقبل بإذن سيده، يشترط إذا كان عبد غيره أن يكون بإذن السيد, والسبب في اشتراط الإذن, أنّ منافع العبد مستحقة لسيده، فلا يقبل إلا بإذنه لأنّ الحق له في المنافع.
والقول الثاني: أنه لا يصح الوصية للعبد مطلقاً.
والقول الثالث: أنه لا يصح الوصية لعبد غيره ويصح لعبد نفسه, والأقرب مذهب الحنابلة أنه يجوز مطلقاً إلاّ إذا كان العبد لغيره فإنه يشترط رضا السيد، وهذا القول هو الراجح وقد يكون في العبد من الغناء وجودة التصرف وإحسان التعامل ما ليس في غيره, والمقصود من الوصية هو هذا.
قال المؤلف ﵀:
(وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيداً اشتركا)
إذا أوصى إلى رجل ثم بعد سنة, أوصى إلى غيره ولم ينصّ في الوصية الثانية لا على عزل الأول ولا على إبقائه, فإنّ الحنابلة يرون أنه يبقى, لأنه ليس في الوصية الثانية ما يدل على عزل الموصى إليه الأول, فإنّ لفظ الوصية للثاني لا يتضمن عزل الأول.
القول الثاني: أنّ الوصية للثاني تلغي الوصية للأول, لأنّ الظاهر أنه إذا أوصى للثاني, أنه تراجع عن الوصية للأول, والأقرب الثاني إلاّ إذا دلت القرائن على أنه لم يرد أن يعزل الأول, حينئذ يشتركان, فيما عدا هذا فإنّ الظاهر أنه أراد أن يكون الوصي هو الثاني.
ولا يخفاكم إن شاء الله أنّ هذا الترجيح ليس بترجيح بيّن, مسألة ليست واضحة بدرجة كافية لكن يميل الإنسان إلى أن يكون الثاني هو المراد بالوصية دون الأول، لأنه الظاهر من صنيع الموصي أنه عدل عن الأول.
قال المؤلف ﵀:
(ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له)
إذا أوصى الإنسان إلى اثنين, فهو أقسام:
стр. 2054
القسم الأول: أن ينصّ على أنّ لكل واحد منهم أن يتصرف منفرداً، فحينئذ لكل واحد أن يتصرف منفرداً.
القسم الثاني: أن ينصّ على أنه لا يتصرف الاثنان إلاّ بالاشتراك حينئذ ليس لهما التصرف إلاّ بالاشتراك، يعني معنى الاشتراك، يتخذا القرار جميعاً، لا ينفرد أحدهما باتخاذ القرارات الخاصة بالوصية, والصورة الأولى والثانية التي ذكرت محل إجماع.
الصورة الثالثة: إذا أوصى إلى اثنين وأطلق, لم يبيّن هل هو على سبيل الاشتراك, أو على سبيل الإنفراد, حينئذ فيه خلاف فالمذهب أنه إذا أوصى إلى اثنين وأطلق فحكمه حكم الاشتراك، فلا يتصرفان إلاّ سوّياً.
والقول الثاني: أنّ لكل منهما أن يتصرف على إنفراد لأنه لم ينصّ على الاشتراك, والراجح رجحاناً بيّناً مذهب الحنابلة, لأنه من الظاهر جداً أنّ الموصي لماّ نصّ على اثنين أنه أراد أن يشتركا في اتخاذ القرار المناسب الذي هو في صالح الوصية، وهذا يحصل كثيراً والسبب في ذلك أن يكون أحد الوصيّين يحسن جانب, والآخر يحسن جانب آخر, أو يكون أحد الوصيّين متعجل جداً والآخر متأني جداً، فباجتماعهما يحصل الوسط، المهم قد يكون للموصي غرض بالجمع بين الاثنين, ومن الخطأ البيّن أن يوصي إلى اثنين ويجعل لهما التصرف على انفراد، لأنّ هذا يؤدي إلى الاضطراب، والتناقض وتضارب القرارات, لكنه لو صنع لصح.
قال المؤلف ﵀:
(ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له)
إذا جعل بعض التصرفات خاصة له, فقال مثلاً أوصيت إلى زيد بأن يتصرف في المزارع, وأوصيت إلى عمرو بأن يتصرف في العمائر, صار كل واحد منهما يتصرف بما أوصي إليه فيه فقط, فزيد لا يتصرف في العمائر وعمرو لا يتصرف في المزارع, لأنّ الموصي خصص العمل لكل واحد في جهة معيّنة.
قال المؤلف ﵀:
(ولا تصح وصية إلاّ في تصرف معلوم)
لأنه لن يتمكن من أداء ما أوصي إليه فيه, إلاّ إذا كان العمل معلوم, ولأنّ الوصية هي عبارة عن إذن في التصرف, والإذن في التصرف بدون بيان مجال التصرف لا قيمة له ولا فائدة, فإذاً لاشك بأنه لابد أن يكون التصرف معلوم.
قال المؤلف ﵀:
(يملكه الموصي)
стр. 2055
يعني أنه يشترط في التصرف أن يكون مملوكا للموصي حال الحياة, لأنّ الموصى إليه إنما يتصرف بإذن الموصي, والموصي نفسه لا يتمكن من التصرف إلاّ فيما يملك, فكذا فيما يأذن فيه, وهذا أمر واضح، فلو قال أوصيت إلى عمرو أن يبيع ويشتري, بأملاك زيد والموصي اسمه خالد، هذه وصية باطلة لأنه أوصى في مالا يملك.
قال المؤلف ﵀:
(كقضاء دينه, وتفرقة ثلثه, والنظر لصغاره)
كقضاء دينه وتفرقة ثلثه, هذان مثالان لأمور يملكها الموصي, فالموصي يملك أن يقضي دينه ويملك أن يحدد مصارف الثلث، فلما ملك التصرف ملك الإذن, وملك أن يوصي، وقول الشيخ هنا ﵀ (والنظر لصغاره) هذا من باب التمثيل وإلاّ فإنّ الحكم لا يقتصر على الصغار, بل يشمل كل من للموصي ولاية عليهم حال الحياة كالمجانين كأن يكون ولياً على المجانين، وكأن يكون ولياً على قُصر, وكأن يكون ولياً على من لا يحسن التصرف, كل من له ولاية عليهم في حال الحياة له أن يوصي بالولاية عليهم بعد الممات، فالمؤلف ذكر الصغار مجرد تمثيل وإنما مثّل بهم لأنهم الغالب.
قال المؤلف ﵀:
(ولا تصح بما لا يملكه الموصي كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك)
стр. 2056
هنا أراد الشيخ أن يمثّل بما لا يملك, وبناء عليه لا يوصى به, فقول الشيخ ولا تصح بما لا يملكه الموصي, هو تكرار لقوله ولا تصح وصية إلاّ فيما يملكه الموصي أليس كذلك؟ إنما أعاده ليمثّل, والمثال هو كوصية المرأة في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك، معنى هذه العبارة أنه ليس للمرأة أن توصي بأولادها الأصاغر إلى زيد أو عمرو، بل تكون الولاية, للقاضي يصرفها إلى من شاء لماذا؟ لأنّ الحنابلة يرون أنّ المرأة لا تملك الولاية على أولادها الصغار، فعرفنا الآن أنّ هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى, وهي هل تملك المرأة الولاية على أولادها الصغار أو لا، وهذه المسألة الثانية مهمة وهي محل خلاف بين الفقهاء، فذهب الحنابلة إلى أنّ المرأة لا تملك الولاية على أولادها الصغار، ومعنى هذا أنّ الولاية تنحصر في الأب والجد ووصيهما، فإذا مات الأب، فوصي الأب مقدم على الأم، لأنّ الأم لا تملك الولاية، دليل الحنابلة دليلهم هو القياس على ولاية النكاح, فقالوا لماّ كانت المرأة لا تملك ولاية النكاح كذا لا تملك الولاية الأخرى.
القول الثاني: أنّ المرأة تملك الولاية وهي مقدمة على وصي الأب، وعلى وصي الجد، واستدلوا على هذا بأنّ المرأة أكثر شفقة وأحرص على نفع الأولاد من وصي الأب والجد , بل من الأب والجد.
стр. 2057
الدليل الثاني: أنّا وجدنا أنّ بعض النساء تحسن التصرف ما لا يحسنه الرجال, وهذا القول الثاني أظهر إن شاء الله. كيف نجمع بين هذه المسألة وبين المسألة السابقة التي فيها أنه يجوز أن يوصي إلى المرأة بالإجماع؟ الجمع بينهما أنه يجوز أن نوصي إلى المرأة فتكتسب المرأة الولاية, من خلال الوصية لأنّ الموصي للمرأة يملك الوصية ويملك الولاية، لكن المرأة نفسها لا تملك الولاية فلا تملك أن توصي بها إذاً لاحظت الآن الفرق بين المسألتين, ومن هنا يمكن للأب الفطن الحكيم، إذا رأى أنّ زوجته خير من يقوم بأمر الأولاد أن يصنع ماذا؟ أن يوصي إليها لأنه لو مات بلا وصية فإنها لا تستحق عند الحنابلة، لكن لو أوصى لها استحقت عند جميع الفقهاء، إذاً الآن هذا العلم قد يسهّل للإنسان الاستفادة ممن يحسن الاستفادة مِنه الذين يرى الميّت أنهم أحق بولاية الأطفال، هذه المسألة مبنية على المسألة السابقة, فعلى القول أنها تملك الولاية لا تملك أن توصي, وعلى القول أنها تملك الولاية تملك أن توصي.
قال المؤلف ﵀:
(ومن وصي في شيء لم يصر وصياً في غيره)
صحيح لأنه استفاد الوصاية بالإذن, والإذن قيّده في هذا الشيء فلا يتعداه إلى غيره, فإذا أوصى إليه في جزء من المال أو في نوع من الأراضي, أو في نوع من التصرفات فقط، فإنه يختص بهذا النوع ولا يتعداه إلى غيره.
قال المؤلف ﵀:
(وإن ظهر على الميّت دين يستغرق تركته بعد تفرقة الوصي لم يضمن)
المقصود بهذه العبارة, إذا قام الوصي بتفرقة الثلث, ثم لماّ فرّقه ظهر أنّ على الميّت دين يستغرق التركة, فإنّ الوصي لا يضمن, لأنه تصرف بإذن الشارع, ومن تصرف تصرفاً مأذوناً له فيه لم يضمن، إلاّ أنه إذا كانت العين المفرّقة لازالت موجودة, فإنه يجب على من أخذها أن يردها, لأنّ حق الدائن مقدم على حق الوصي، وفي كل حال الوصي لا يضمن، لأنه ليس منه تفريط وليس منه تعدّي.
قال المؤلف ﵀:
(وإن قال ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده)
إذا قال ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده وإنما يجب أن يعطيه إلى جهة خارجية, واستدل الحنابلة على هذا بأمرين:
стр. 2058
الأمر الأول: أنّ الوصي مأمور بتنفيذه وإخراجه, أي الموصى به، وإذا أعطى نفسه أو أحداً من أبنائه فإنه لم يخرجه.
الدليل الثاني: أنّ تصرفه هذا محل تهمة، فقد يراعي ويحابي نفسه أو أقربائه.
القول الثاني: أنه يجوز أن يعطي نفسه وأن يعطي أبنائه, واستدلوا بأنّ لفظ الموصي عام يتناول الموصى إليه وأبناء الموصى إليه وغيرهم من الأجانب.
القول الثالث: أنه ليس له أن يعطي نفسه, وله أن يعطي أبنائه، والراجح المذهب أنه لا يجوز أن يعطي لا نفسه ولا أبنائه، إلاّ في صورة واحدة وهو إذا علمنا من الموصي أنه أراد أن يدخل الموصى إليه في الوصية, أو دلّت القرائن.
((الآذان))
стр. 2059
قال المؤلف ﵀:
(ومن مات بمكان لاحاكم فيه ولا وصي, حاز بعض من حضره من المسلمين تركته, وعمل الأصلح حينئذ فيها من بيع وغيره)
قوله (حاز) هو على سبيل الفرضية يعني يجب لكنه فرض كفاية, فإذا مات الإنسان في مكان ليس عنده إلاّ الجماعة المرافقين له, فإنه يجب على أحدهم أن يحوز المال, وذلك صيانة للمال عن الضياع, وقوله (وعمل الأصلح فيها من بيع وغيره).
الدليل على أنه يحوز وأنه يعمل الأصلح, أنّ هذا موضع ضرورة, لأنّ المال لو ترك لفسد, فعليه أن يحوز المال وعليه أيضاً أن يعمل فيه الأصلح، فإن كان الأصلح البيع باع, وإن كان الأصلح الإمساك أمسك, وينظر في صالح هذا المال ويعمل على وفقه وجوباً.
وقول الشيخ هنا (حاز) في هذه النسخة يوجد من وجهة نظري خطأ يقول هنا (حاز بعض من حضر من المسلمين تولي تركته) في النسخة الأخرى التي أشار إليها (جاز لبعض من حضر من المسلمين تولي تركته) الصواب إن قلنا حاز أن نحذف توّلي, وتكون المسألة (حاز بعض من حضر تركته) والنسخ التي فيها حاز كلها المخطوطة ليس فيها تولّي, وإن اخترنا نسخة جاز أضفنا كلمة تولّي, أما أن نختار حاز ونضيف تولّي فهذا خطأ, إما أن نقول حاز بلا تولّي أو جاز مع التولّي حتى يستقيم الكلام, وبهذا ولله الحمد تم الباب.
وهذا تيسير من الرب .
(كتاب الفرائض)
و (كتاب العتق)
ذكر شيخنا أنه سيؤخر شرحهما وذكر في الدرس الأسباب.
стр. 2060
الدرس: (١) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ذكر شيخنا كلاما في الدرس السابق في شرح أول النكاح نقلناه هنا ليجتمع الكلام عن النكاح في مكان واحد وهو كما يلي:
(كتاب النكاح)
قال المؤلف ﵀:
كتاب النكاح
النكاح في لغة العرب الضم الجمع، وقال بعضهم بل النكاح الضم والتداخل، والصواب أن النكاح الضم والجمع والتداخل، قد يكون فيه ضم بلا جمع، وقد يكون فيه ضم وجمع، وقد يكون فيه ضم وجمع وتداخل، فالصواب أنه في لغة العرب يطلق على المعاني الثلاثة، لكن اختلف الفقهاء اختلافاً مبنياً على اختلاف أهل اللغة، وهو هل النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد أو مجاز في الوطء وحقيقة في العقد؟ وهذا الاختلاف كما قلت مبني على اختلاف أهل اللغة.
القول الأول: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وإلى هذا ذهب الجماهير أكثر أهل العلم يرون أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، واستدلوا على هذا بأمور:
الأمر الأول: أنه يصح أن ننفي عن الوطء النكاح، فنقول هذا الوطء سفاح وليس بنكاح، واللفظ الذي هو حقيقة في شيء لا يصح أن ننفيه عنه وهنا وجدنا أنا ننفيه عنه. هذا والله أعلم.
ثم بدأ شيخنا في درس هذا اليوم فقال:
تقدم معنا بالأمس تعريف النكاح في اللغة وأن الفقهاء اختلفوا في النكاح هل هو حقيقة في العقد أو في الوطء وأن هذا الاختلاف مبني على اختلاف أئمة اللغة وكنت شرعت في ذكر الخلاف ثم حان وقت الإقامة.
فأقول:
= ذهب الجماهير من أهل العلم إلى أن النكاح حقيقي في العقد ومجاز في الوطء.
وذكرت بالأمس الدليل الأول: وهو أنه يصح نفي النكاح عن الوطء إذا كان سفاحاً فيقال هذا سفاح وليس بنكاح، ففي هذا المثال نفي النكاح عن الوطء وقلت: أن نفي الحقيقة لا يتأتى فلما تأتى النفي علمنا أنه ليس بحقيقة.
стр. 2061
- الدليل الثاني: أن الله تعالى إنما استعمل النكاح في القرآن في جميع موارده بمعنى: العقد. لا بمعنى الوطء. إلا في آية واحدة حتى تنكح وهي قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره ... ﴾ [البقرة/٢٣٠] ففي هذه الآية ذهب جماهير المفسرين إلى أن المعنى بالنكاح في هذه الآية هو الوطء فلما وجدنا أن القرآن يستخدم النكاح في العقد في كل المواضع إلا في موضع واحد علمنا أنه حقيقة فيه مجاز في الوطء.
- الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية ... ﴾ [النور/٢] يعني لا يعقد إلا على زانية ويبعد أن يكون المعنى لا يطأ إلا زانية.
= القول الثاني: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد. وإلى هذا ذهب الأحناف.
وذهب إليه من أئمة اللغة ممن لقولهم أثر بالغ: الإمام الزمخشري. وأيضاً: الأزهري. وكأن الأكثر من أهل اللغة يميلون إلى هذا القول.
واستدل الأحناف على هذا:
- بأن العرب يستخدمون كلمة النكاح في الوطء.
- واستدلوا بقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره ... ﴾ [البقرة/٢٣٠] وقالوا: الآية صريحة في استخدام النكاح في الوطء.
= القول الثالث: أنه مجاز فيهما. وهو أضعف الأقوال. وقول غريب في الحقيقة.
= القول الرابع: أنه حقيقة فيهما.
واستدل أصحاب القول الرابع:
- بأنه لما جاء اللفظ مستخدماً في الوطء والعقد في الكتاب والسنة ولغة العرب علمنا أنه حقيقة مشتركة بين الأمرين: ـ العقد. ـ والوطء.
ونصر هذا القول من أئمة اللغة: الزجاج ومن أئمة الحنابلة: القاضي أبو يعلى ومن أئمة أهل العلم المحققين شيخ الإسلام بن تيمية، وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله. لأن به تجتمع الأدلة.
وهذه المسألة أطال فيها أهل العلم وذكروا أدلة وأجوبة طويلة جداً وذلك والله أعلم لأن الأقرب للصواب أنه حقيقة فيهما ولذلك صار كل واحد يأتي بأدلة كثيرة صحيحة.
فمن أتى بأدلة على أنه حقيقة في الوطء فكلامه صحيح، ومن أتى بأدلة على أنه حقيقة في العقد فكلامه صحيح، ولهذا يظهر لمن يطالع كلام الفقهاء وتشعب الأدلة والأجوبة نوع اضطراب بسبب أنهم يريدون ترجيح أحد القولين: والصواب أن كلاً منهما صحيح.
стр. 2062
الأثر الفقهي لهذا الخلاف: الأثر الفقهي يتبين في مسألة - في عدة مسائل لكن المسألة التي سأذكرها من أوضح المسائل وهي:
ـ ما إذا زنى الرجل بامرأة فإذا زنى بامرأة فالوطء عند أبي حنيفة نكاح. بناء عليه تحرم هذه المرأة على ابن ووالد الزاني.
وأما عند الجمهور فلا تحرم لأن الوطء الذي هو زنى مجرد عن العقد ليس بنكاح.
وهذه ثمرة واضحة جداً تفرق بين القولين.
ثم انتقل المؤلف ﵀ عن الكلام عن الأحكام التفصيلية للنكاح.
قال المؤلف ﵀:
وهو سنة، وفعله مع الشهوة: أفضل من نفل العبادة، ويجب: على من يخاف زنا بتركه.
= الحنابلة يقسمون الناس في النكاح إلى ثلاثة أقسام:
ـ القسم الأول: من له شهوة ويتوق إلى النكاح ولا يخاف على نفسه من ترك النكاح الزنا فالحكم في حقه أنه: مستحب وهو أفضل من التخلي للعبادة.
ـ القسم الثاني: من لا يجد في نفسه أي رغبة للنكاح أو للشهوة كالعنين والمريض والرجل كبير السن: فهذا حكمه عند الحنابلة على الصواب من المذهب أنه: مباح.
وعللوا: أنه مباح وليس بسنة:
- بأن المقصود من النكاح قضاء الوطر وتحصيل الولد وإعفاف الزوجة وهذه المقاصد لا توجد في حق هذا الشخص فإذاً لا يسن.
وعللوا أنه مباح:
- بأنه إذا انتفت هذه الأغراض الشرعية فإنه أيضاً لا يوجد مانع شرعي من نكاحه فبقي بمرتبة المباح.
= والقول الثاني: أنه سنة. وهو قول عند الحنابلة.
- أخذاً بالعمومات.
= والقول الثالث: أنه مكروه. وهذا قول للشافعية. وعللوا الكراهة:
- بأن هذا الزواج لا يتحقق منه كثير من مصالح النكاح. كما أنه لا يعف المرأة وقد يعرضها للمحرمات.
وهذا القول هو الصحيح. والقول بأنه سنة هو أضعف الأقوال.
* * مسألة/ وهذا القسم الثاني عند الحنابلة/ الذي هو المباح: التفرغ للعبادة فيه أفضل من الزواج.
ـ القسم الثالث: من يتوق إلى النكاح وتغلب عليه الشهوة ويخشى أو يغلب على ظنه الوقوع في الزنا. فهذا النكاح في حقه واجب.
وعلل الحنابلة الوجوب:
- بأن النكاح هو الطريقة التي يتقي فيها هذا الشخص الوقوع في المحرم. وما يتقى به المحرم واجب.
стр. 2063
هذا التقسيم في الجملة هو مذهب الجمهور - الأئمة الأربعة. يختلفون في بعض التقسيمات شيئاً يسيراً لكن التقسيم من حيث العموم موجود عند الأئمة الأربعة وعلمنا من هذا التقسيم عند الأئمة الأربعة أنهم لا يقولون بأن النكاح واجب وإنما يرون أنه مشروع ومسنون حسب التفصيل السابق.
= القول الثاني في أصل المسألة: أن النكاح واجب لمن يقدر على مئونته وعليه.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد ومذهب ابن حزم: إلا أنه قال: النكاح أو التسري.
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة:
- الدليل الأول: قوله ﵀: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج فإن لم يستطع فعليه بالصيام فإنه له وجاء).
- واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء/٣].
- واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم .. ﴾ [النور/٣٢]. والأيم هي المرأة التي لا زوج لها، وهذه النصوص فيها أوامر صريحة: فليتزوج - وانكحوا - فانكحوا.
وأجاب الجمهور عن هذه الأدلة بأجوبة فقال:
ـ أن الله تعالى يقول: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾. فعلق النكاح بالاستطابة والاستطابة ليست بواجبة بالإجماع والقاعدة تقول: (أنه إذا خير الإنسان بين الواجب وغيره فهو دليل على أنه ليس بواجب). فجعلوا هذا من الصوارف عن الوجوب.
ـ واستدلوا أيضاً: بأن عدداً من السلف لم يتزوج - من التابعين.
والأقرب إن شاء الله أنه ليس بواجب وإنما مستحب ولكنه استحباب شديد جداً.
ولهذا يقول الإمام أحمد ﵀: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء. ولو كان بشر تزوج لكان أتم لأمره.
الإمام أحمد مع إعجابه الشديد ببشر ومحبة بالغة - إذا رجعت إلى ترجمة أو أحمد تلاحظ هذا الشيء. مع ذلك لاحظ أن الإمام أحمد رجل يتتبع الشرع ولا يتتبع هواه وإنما نص على بشر لأنه رجل يقتدي به فأراد أن يبين أن بشر وإن كان ممن يقتدي به إلا أخل بقانون الشرع في قضية ترك الزواج ﵀ وغفر له وجمع وإياه في جنته.
إذاً: إن شاء الله الراجح أن النكاح سنة وليس بواجب إلا أنه متأكد جداً.
قال المؤلف ﵀:
وفعله مع الشهوة أفضل من نفل العبادة.
стр. 2064
هذا صحيح. والدليل على هذا من وجهين:
- الوجه الأول: النصوص الآمرة بالنكاح عامة لم تفرق بين حال وآخر.
- الدليل الثاني: وهو الأقوى: أن سيد الخلق ﷺ وإمام المتقين كان من الذين يعتنون بالزواج وتزوج عدداً من النسوة وكذلك أصحابه ﵃ تزوجوا وحرصوا على الزواج فدل هذا على أن الزواج خير من التفرغ للعبادة.
ومعلوم إن شاء الله على تقدير التعارض بينهما وإلا فإن العبادة لا تتعارض مطلقاًَ مع الزواج.
لكن هم يقصدون التفرغ التام للعبادة مثل حال بشر رجل تفرغ تماماً للعبادة فحال غيره أكمل منه.
قال المؤلف ﵀:
ويجب: على من يخاف زنا بتركه.
إذا خاف الزنا بترك النكاح فإنه يجب عليه أن يتزوج وجوباً.
- لما تقدم من أن هذا الزواج هو الطريقة الوحيدة للخروج من مغبة الوقوع في المحرم.
إلا أن ما قاله ابن حزم في الحقيقة وجيه وهو أن نقول هو أحد أمرين: ـ إما الزواج. ـ وإما التسري. لأنه أيضاً في التسري يحصل الخروج من مغبة الوقوع في المحرم.
قال المؤلف ﵀:
ويسن: نكاح واحدة.
الأفضل: = عند الحنابلة أن يتزوج واحدة وأن لا يعدد.
واستدلوا على هذا:
- بأن الاقتصار على واحدة أقرب إلى عدم الوقوع في المحرم المشار إليه بقوله: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم .. ﴾ [النساء/١٢٩].
فهذه الآية نص على أنه لن يعدل والعدل واجب بالإجماع والطريقة لعدم الوقوع في هذه المخالفة أن يقتصر على واحدة.
والجواب عن هذه الآية أن تفسيرها الصحيح: أنه لن تستطيعوا أن تعدلوا يعني: في المحبة والميل القلبي لا في الحقوق الواجبة إذ يمتنع أن يأمر الله أو رسوله ﷺ بأمر لا يستطاع.
إذاً: المنفي في الآية هو ما يتعلق بالمحبة.
= القول الثاني: أن الأفضل أن يتزوج باثنتين. وهو قول عند الحنابلة.
= والقول الثالث: أن الأفضل أن يعدد مطلقاً. كلما زاد فهو أفضل.
واستدل هؤلاء:
- بأن النبي ﷺ عدد والخلفاء الراشدون وعامة الصحابة.
- وأن ابن عباس ﵁ يقول في صحيح البخاري: خير هذه الأمة أكثرها نساء.
стр. 2065
فقالوا: إن حال السلف دليل على أن الأفضل في حق الإنسان التعدد.
والأقرب للصواب إن شاء الله أن الأفضل من حيث الأصل التعدد وليس لنا أن نقول أن الأفضل غير التعدد مع أن التعدد حال النبي ﷺ والسلف إلا أن هذه الأفضلية تختلف من شخص لآخر فإن كان هذا الشخص إن عدد صار التعدد من أسباب تقصيره في واجب آخر صار الأفضل في حق هذا الشخص المعين أن يفرد.
وإن كان الأمر بالنسبة له سيَّان ويستطيع القيام بواجباته الأخرى مع التعدد فالأصل في النكاح والأفضلية التعدد. والإمام أحمد ﵀ لم يعدد وليس هو قدوة في هذه القضية بل القدوة النبي ﷺ لكن أقول لكم من باب الإخبار أن الإمام أحمد ﵀ لم يعدد فكان تزوج بأم صالح - ابنه الكبير - فلما بلغ الأربعين بقيت معه نحو ثلاثين سنة - فلما مضى على الزواج سبع سنوات قالت يا أبا عبد الله هل رأيت من شيء تكرهه؟ فقال الإمام أحمد: بارك الله فيك لم أر شيئاً إلا أن النعال تصر أحياناً - يعني: يخرج لها صوت - فذهبت إلى السوق وبدلت النعال واشترت حذاء من جلد ليس له صوت. (أنا أقول: كأن الإمام أحمد يريد في البيت هدوء فكان هذا الصوت يزعجه) لما توفت أم صالح أرسل بامرأة تخطب إحدى بنات عمه قال: اذهبي واخطبيها لي. فذهبت وخطبت المرأة فوافقت مباشرة لما رجعت قال الإمام أحمد ماذا قالت: قالت: وافقت. قال لما خطبتيها كانت أختها العوراء تسمع قال: نعم. كانت بجوارها. قال: اذهبي وانقضي الخطبة الأولى واخطبي تلك العوراء. فخطبت العوراء ووافقت مباشرة وكان هذا من الإمام أحمد نوع من المداراة ومراعاة النفس ﵀ حتى لا تتأثر الأخت المخطوبة وكانت الاثنتين بنات عمه: الثانية هذه أم عبد الله. وهي التي أتت بعبد الله الذي روى مسند الإمام أحمد وتسرى الإمام ﵀ مرتين واحدة منهما أتت بابنين سمى الأول حسن والثاني: حسين ﵀ وغفر له -.
إذاً: الأفضل عند الحنابلة الواحدة وأما التعدد فهو مفضول لما تقدم.
والصواب إن شاء الله أن الأصل أن التعدد هو المستحب.
قال المؤلف ﵀:
دينة.
стр. 2066
الأفضل أن يتحرى الإنسان المرأة الدينة. أي: التي تتصف بالدين ظاهراً.
وذلك:
- لقول النبي ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها. ولحسبها. ولجمالها. ثم قال: ولدينها. فظافر بذات الدين تربت يداك).
فنص الحديث على أن الصفات الأخرى مقصوده إلا أنه ينبغي على الإنسان أن يتحرى صفة الدين ومعلوم أن هذه الصفة من أكمل الصفات في الحال وفي المآل فإنها كلما زاد دينها قامت بواجبات الزوج كما ينبغي كما أنها تقوم بواجبات التربية كما ينبغي.
وهذا الحديث فيه الحث الصريح على تخير الزوجات الصالحات الدينات.
قال المؤلف ﵀:
أجنبية.
ومقصوده بأجنبية يعني: ليس بينه وبينها صلة قرابة نسب.
واستدلوا ﵏ على هذا بأمرين:
- الأمر الأول: أن أبناء الأجنبيات أنجب وأحسن صفات من أبناء القريبات. كما أن أبناء القريبا يكثر فيهن المرض.
- الدليل الثاني: أنه لو حصل بين الزوج والزوجة خلاف وعدم توافق فقد يؤدي هذا إلى قطيعة الرحم بين العائلتين. والشارع الحكيم يتشوف إلى البعد عما فيه قطيعة رحم.
= والقول الثاني: أن الإنسان إذا أراد أن يخطب ينظر إلى الأصلح فإن رأى الأصلح في القريبة فذاك وإلا أخذ الأجنبية.
واستدل هؤلاء:
- بأن النبي ﷺ خطب ابنة عمته وهي زينب ﵂.
- وأنه زوج ابنته لعلي بن أبي طالب وهو ابن عمه ﵁.
- وزوج ابنته للعاص بن ربيع وهو من أقربائه.
والراجح أن نقول: من حيث النظر في الحقيقة مذهب الحنابلة قوي جداً ونحن نرى أن الذين لا يتزوجون إلا من بعض تكثر فيهم الأمراض بشكل كبير جداً وهذا أمر ملاحظ.
كما أنه يلاحظ كما قال الحنابلة كلهم أنه كلما ابتعد الإنسان كلما كان أنجب للأبناء وأقوى للبنية الجسمية والبنية العقلية. وهذا أمر مشاهد.
نحن نقول من حيث المشاهدات لاشك أن كلام الحنابلة قوي.
стр. 2067
وممكن نقول: أن النبي ﷺ زوج الأقرباء لهدف أراده ﷺ أو لفضله مثل علي ﵁ أو لبيان الجواز أو لحكم أرادها، أو نقول: الأصل أن يتزوج من أجنبية إلا أنه لا بأس من الخروج عن هذا الأصل لمصلحة، وإلا في الحقيقة كلام الحنابلة من حيث النظر قوي جداً.
قال المؤلف ﵀:
بكر.
يعني: أنه يستحب أن يتخير الإنسان إذا أراد أن يتزوج بكراً.
- لقول النبي ﷺ لجابر ﵁: (فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك) لما تزوج ﵁ ثيباً.
فهذا الحديث نص أنه يستحب للإنسان أن يتخير البكر.
إلا أنه يقال في حديث جابر نفسه الذي استدل به الحنابلة إقرار النبي ﷺ لجابر على زواجه من الثيب حيث ذكر سبباً وجيهاً لهذا الزواج وهو أنه رجل صاحب عيال ويريد امرأة عاقلة كبيرة ترعى البيت والأولاد.
وننطلق من هذا الحديث فنقول: أنه إذا كانت المصلحة في تزوج الثيب بأي غرض من الأغراض فحينئذ يكون الأفضل الثيب.
وإذا لم توجد مصلحة زائدة فلاشك أن الحديث صريح في استحباب التزوج بالبكر.
قال المؤلف ﵀:
ولود.
يعني: يستحب أن يتخير الولود.
- لقول النبي ﷺ : (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) وفي لفظ: (مكاثر بكم الرسل يوم القيامة).
وهذا الحديث صحيح إن شاء الله على الأقل بمجموع طرقه. وهو دليل صريح على استحباب الاستكثار من الذرية، كما أن التخير للولود يدل عليه النصوص العامة الدالة على الحكمة من النكاح وهو تكثير أمة محمد ﷺ ، وذكر الحنابلة أن هذا الأمر يعرف بمقارنة المرأة بقريباتها فإذا كن معروفات بكثرة الولادة فستكون غالباً كذلك.
قال المؤلف ﵀:
بلا أُم.
يعني: ويستحب أن يتخير المرأة التي ليس لها أم.
стр. 2068
وعلل الحنابلة هذا: بأن الأم يكثر أن تتسبب في الخلاف بين الزوجة والزوج. فإذا أخذ امرأة ليس لها أم تجنب هذا الخلاف، وهذا غريب جداً من الشيخ موسى. والغريب في الأمر أنه هو الذي ذكر هذه القضية فقط. بحثت في كتب الحنابلة لم أجد أحداً نص على أنه يسن أن يأخذ امرأة ليس لها أم إلا الشيخ موسى ﵀ وأحب أن أعرف من أين بهذه المسألة إذا لم يكن لها أصل في كتب الحنابلة ولم أجد أحداً سبقه. فهل الشيخ ﵀ هو أول من قال هذه القضية؟ ربما. هل قلد أحداً لم نجد كتابه فيما بين أيدينا من المطبوع من كتب الحنابلة؟ ربما.
على كل حال هذا القول مرجوح للغاية وهو من أضعف الأقوال أثراً ونظراً.
ـ أثراً: - لأن أحداً من أصحاب النبي ﷺ لم يشر إلى استحباب هذه القضية.
- كما أن النبي ﷺ تزوج من لها أم وكانت أحب أزواجه إليه وهي عائشة ﵂.
- كما أن الصحابة ﵃ تزوجوا كثيراً ولم يشيروا من قريب أو بعيد إلى استحباب هذا الأمر.
- كما أن تخير المرأة التي ليس لها أم قد يكون ليس من محاسن الأخلاق لأن الشخص يحب أن تكون هذه المرأة لا أم لها إذا كانت صفاتها حميدة وهو يريدها فقد يتمنى لكي يطبق السنة أن تموت الأم. وهذا المعنى أشار إليه الإمام أحمد ﵀ فالإمام كره أن يشتغل الإنسان في حفر القبور لماذا؟ قال: لأنه يفرح بموت المسلمين. فكره أن يعمل الإنسان - كأنها كراهة شخصية - نحن نقول: هذا الأمر أيضاً ينطبق هنا: كيف تقول: أنه يستحب أن يبحث الإنسان عن امرأة توفيت أمها حتى يتزوجها.
الخلاصة: أن هذا قول مرجوح جداً. الصواب أنه ليس من المستحبات ولا من المسنونات.
ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى الكلام عن أحكام الخطبة:
قال المؤلف ﵀:
وله: نظر ما يظهر غالباً مراراً بلا خلوة.
قوله: (وله النظر) أفادنا مسألتين:
стр. 2069
ـ المسألة الأولى: أنه يجوز للإنسان أن ينظر إلى من يريد أن يخطبها قبل الخطبة. = وهذا مذهب الحنابلة. بل إن شيخ الإسلام قال: ينبغي إذا عزم أن ينظر قبل أن يخطب. وهذا صحيح لأنه إذا نظر قبل أن يخطب فإنه سيتفادى بذلك كسر خاطر المرأة إذا لم يستحسنها.
فنقول على كل حال: يجوز النظر قبل وبعد الخطبة إلا أنه عند الحنابلة النظر قبل مشروع وعند شيخ الإسلام هو الأولى.
قوله ﵀: (وله النظر) أفادنا ﵀: أن النظر مباح فقط. وهذا مذهب الحنابلة.
= والقول الثاني: أن النظر إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها مستحب.
- لقول النبي ﷺ إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فلينظر إليها.
- ولقول النبي ﷺ للأنصاري إذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما.
فهذه النصوص فيها الأمر وأقل أحواله الاستحباب.
* * مسألة/ قوله: (وله النظر) يقيد عند الحنابلة بما إذا غلب على ظنه أن يوافقوا على خطبته وقد نص على هذا الإمام ابن رجب. أنه إنما يجوز إذا غلب على ظنه أنهم سيجيبون ويوافقون على خطبته وإلا فإنه لا يجوز له أن ينظر، إذاً: عرفنا الآن متى ينظر وحكم النظر.
باقي مسألة: حدود النظر. وهي التي أشار إليها بقوله: (ما يظهر غالباً).
هذه المسألة: وهي حدوج ما يجوز أن ينظر الرجل من المرأة المخطوبة محل خلاف كثير بين أهل العلم. اختلفوا اختلافاً كثيراً. وهذا الاختلاف هو روايات عن الإمام أحمد ﵀.
= فالمذهب: أنه يجوز أن ينظر إلى المرأة ما يظهر غالباً منها. وهو الوجه والكفين والرقبة وما يظهر غالباً.
واستدلوا: - بأن النبي ﷺ لما قال هذا الحديث لجابر: إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فلينظر إليها. قال جابر: فصرت أتخبأ لها وأنظر إليها حتى رأيت منها ما يدعوني إلى نكاحها.
وجه الاستدلال: أنه لما جاز للإنسان أن ينظر إلى المرأة وهي لا تعلم تبينا أنه يجوز أن ينظر إليها ما يخرج منها غالباً لأن المرأة إذا نظر إليها وهي لا تعلم فسينظر منها ما يخرج غالباً.
وهذا استدلال متين وجيد جداً.
= القول الثاني: أنه لا يجوز النظر إلا إلى الوجه فقط. ما عداه يجب أن يستر. حتى الكفين.
стр. 2070
واستدلوا على هذا:
- بأن المقصود من النظر معرفة صفات الوجه لأنه المقصود.
- وأن الناس إذا أطلقوا النظر فقالوا: نظر إليها فإنه ينصرف إلى الوجه.
= القول الثالث: أنه يجوز النظر إلى الوجه والكفين فقط.
- لفوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور/٣١]. والسلف شبه مجمعين على أنما ظهر منها الوجه والكفين.
وتمموا الاستدلال بأن هذه المرأة أجنبية فتدخل في الآية.
= القول الثالث: أنه يجوز أن ينظر إليها جميعاً متجردة. وهذا مذهب داود الظاهري وقيل: - وأنا أستبعده تماماً أنه رواية عن الإمام أحمد -.
واستدلوا داود: - بقول النبي ﷺ : (فلينظر إليها) ولم يخصص النبي ﷺ شيء دون شيء. فيجوز أن ينظر إليها.
واستدلوا: - بأن عمر ﵁ لما خطب من علي ﵁ قال علي لعمر إنها يا أمير المؤمنين صغيرة فسكت عمر فقالوا له إنما ردك - يعني: أنه رد الخطبة - فأعاد عليه. فأعاد عليه فقال علي: نبعثها إليك يا أمير المؤمنين وتنظر إليها فأرسل بها إليه فلما دخلت ونظر إليها كشف عن ساقها فقالت لولا أنك أمير المؤمنين للطمت وجهك - أو قالت: عينك.
فاستدلوا بأنه نظر إلى ساقها وفي بعض الروايات إلى فخذها.
والجواب عليه من وجهين:
- الوجه الأول: أنه نظر إلى ساقها والساق مما يظهر غالباً. فلا دليل فيه لداود.
- الثاني: أنه على رواية أنه نظر إلى الفخذ حمل على أنها أصبحت زوجته أن علي قال: فإن رضيتها فهي لك فعلق النكاح بالرضا فلما نظر إليها رضيها فاعتبرها زوجته.
وبكل حال مهما يكن من أمر فإنه قول ضعيف غاية في الضعف ولا يجوز العمل به.
والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة: أنه ينظر إليها كعادتها عند المحارم بلا زيادة ولا نقص.
ويجوز لها أن تضع مما تتجمل به ما يوضع عادة بلا زيادة أيضاً ولا نقص.
فيكون الراجح إن شاء الله قوله: وله النظر إلى ما يظهر غالباً.
قال المؤلف ﵀:
(مرارا).
يعني: أنه يجوز أن يكرر النظر إلى المرأة المخطوبة في المجلس الواحد مراراً.
واستدلوا على هذا:
- أن المقصود من الرؤية أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها وتكرار النظر مما يحقق هذه الحكمة.
следующие страницы →