← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

يرى الحنابلة أن الفسخ يثبت بكل واحد من هذه العيوب، ويرون أن هذا الحق محصور في هذه المعدودات لا يتعداها إلى غيرها، بناءً على هذا العمى ليس بعيب، والعرج ليس بعيب، والقرع وكل عيب لم يذكر ليس بعيب، يعني ليس بعيب يستطيع أحد الزوجين الفسخ به، وتقدم معنا الخلاف بهذه المسألة وأن اختيار ابن القيم أن العيوب محدودة وليست معدودة، وأن الضابط أن كل مرض يؤدي إلى عدم الاستمتاع والنفرة فهو موجب للفسخ، تحدثنا عن هذا إذاً كل مرض أولى من هذه الأمراض فهو أحق بالحكم، فمثلاً الأمراض الجنسية المعاصرة، الإيدز والهربس وما شاكل هذه الأمراض، بلا شك أنها أعظم من الأمراض التي ذكرها الفقهاء، فهي أمراض خطيرة جداً ومعدية مباشرة وقبيحة، كما أنها بالذات هذه الأمراض غالباً ما تكون دليل على رقة دين صاحبها، لأنها تكون بسبب الممارسات الممنوعة، فأي فقيه يرى أن مثل الإيدز ليس بعيب تستحق المرأة معه الفسخ أو الرجل إذا كان في أحد منهما، هذا لا يقوله فقيه لكنهم ﵏ لم يعرفوا إلا هذه الأمراض فحصروها ووجدوا أن الصحابة نصوا عليها، فهم أيضاً تمسكوا بهذه الآثار واعتبروها معدودة، وإلا لا شك أن ما ذكره ابن القيم وجيه جداً، والأمراض المعاصرة تؤكد وتجعل الأمر أشبه ما يكون بالقطعي. قال المؤلف ﵀: (ولو حدث بعد العقد) إذا حدث المرض بعد العقد، يعني رجل تزوج امرأة وهو سليم تماماً ثم أصيب بأحد الأمراض الموجبة للفسخ، فالحكم أنها تملك الفسخ عند الحنابلة، واستدلوا على هذا بأن هذا العيب عيب يوجب الفسخ وجد في أحد الزوجين فاقتضى حكمه، هذا كلام صحيح أنه عيب يوجب الفسخ وجد في أحد الزوجين فاقتضى حكمه وهو الفسخ. القول الثاني: أن العيب إذا حدث بعد العقد فإنه لا يوجب الفسخ، واستدلوا على هذا بالقياس على البيع فإن الإنسان إذا اشترى السلعة ثم حدث فيها عيب فبالإجماع لا يردها إلى صاحبها، قالوا فكذلك أحد الزوجين، لأن النكاح عندهم من عقود المعاوضات.

стр. 2172

والقول الثالث: أن العيب إذا حدث في المرأة فإن الزوج لا يملك الفسخ، لأنه يملك الطلاق، وإن حدث في الزوج فإن المرأة تملك الفسخ، لأنه لا سبيل لها إلى المفارقة إلا بالفسخ، والراجح والله أعلم المذهب وهو أن الحق يثبت بكل منهما لأن الشارع جعل هذا العيب موجب للفسخ سواء وجد قبل أو بعد. قال المؤلف ﵀: (أو كان بالآخر عيب مثله) إذا كان في كل منهما عيب مساوي للآخر، كل منهما أبرص، أو كل منهما مجذوم، فالحكم عند الحنابلة أنه يثبت لكل منهما الحق في الفسخ، واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول: أن الإنسان قد يكره العيب في غيره ولا يكرهه في نفسه. الثاني: أن العيب الموجود في الآخر موجب للفسخ، والعيب الموجود عند أحدهما لا يمنع هذا الفسخ، أو بعبارة أوضح أن العيب الموجود في الزوجة مثلاً يوجب الفسخ، ووجود هذا العيب في الزوج لا يرفع هذا الحق. القول الثاني: في هذه المسألة أنه إذا كان كل من الزوج والزوجة مصابان بنفس العيب أنه لا يملك أحد منهما الفسخ، واستدلوا على هذا بأنهما متساويان ليس لأحدهما الحق على الآخر. والراجح المذهب لأن كون أحدهما يرضى بهذا العيب لا يرفع حق الآخر. مسألة: إذا كان في كل منهما مرض مختلف فالحكم نفسه، أن لكل منهما الفسخ فإذا كان أحدهما أبرص والآخر أجذم فلكل منهما الحق في الفسخ، ويستثنى من هذا مسألة واحدة ونستطيع أن نضع لها قاعدة، نستثني من هذا إذا كان العيب ليس هو المانع من الوطء، مثل أن تكون هي رتقاء وهو مجبوب، فلا الذي منعه من الجماع أنها رتقاء ولا الذي منعها من الجماع أنه مجبوب، فحينئذ لا يملك أحد منهما الفسخ، لأن العيب ليس هو المانع، وهذا صحيح، أنه إذا لم يكن العيب هو المانع فلا يملك الفسخ. قال المؤلف ﵀: (أو وجدت منه دلالته ... )

стр. 2173

إذا وجدت الدلالة على الرضا بالعيب أو رضي به رضاً صريحاً فلا خيار له، لأنه أسقط حقه بنفسه، إلا أن الشيخ المجد استثنى من هذا الحكم مسألة، وهي إذا كان الزوج عنين لا بد أن تصرح المرأة بالرضا قولاً، ولا نكتفي بالدلائل والقرائن الدالة على الرضا بل لابد أن تصرح، وعلل الشيخ المجد هذا الحكم بأن العنة أمر يطول ويستمر ونحتاج إلى التأكد من رضا المرأة، قال حفيده شيخ الإسلام ابن تيمية ولم أرى أحداً نص على هذا إلا الجذب، الحنابلة كلهم لا يفرقون بين العيوب إلا الجذب لكنك إذا تأملت تجد أن ما ذكره الشيخ المجد صحيح وأن مثل هذا العيب يحتاج إلى التصريح بالرضا، لأنه أمر يدوم أما العيوب الأخرى فبالإمكان أن تعالج. قال المؤلف ﵀: (ولا يتم الفسخ أحدهما إلا بحاكم) الفسخ بالعيب لا بد أن يكون عن طريق الحاكم، والسبب في ذلك أنه يحتاج إلى اجتهاد ونظر وحكم، فلا يقوم به الزوج أو الزوجة من تلقاء نفسه. والقول الثاني: أنه لكل منهما الفسخ إلى حكم الحاكم، لأن سبب الفسخ موجود فلا نحتاج إلى حكم الحاكم. والقول الثالث: أنه إذا تم الفسخ برضا الطرفين فلا نحتاج إلى حاكم، وإذا تم الفسخ مع الاختلاف فلا بد من حكم حاكم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قوي جداً وهو الأقرب إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (فإن كان قبل الدخول فلا مهر) فإن كان الفسخ قبل الدخول فلا مهر للمرأة، سواء كان الفسخ من قبل الزوج لعيب في المرأة، أو من قبل المرأة لعيب في الزوج، وعللوا ذلك أنه إذا كان من المرأة لعيب في الزوج فهي التي فسخت، وإذا كان لعيب منها والذي فسخ الزوج فلأنه يعود في الحقيقة الفسخ لسبب منها، وهو العيب الذي في المرأة.

стр. 2174

والقول الثاني: أنه إذا كان بسبب العيب في الزوج فإنه لا بد من دفع نصف المهر للزوجة، لأن الفسخ كان بسبب الزوج، إذ العيب منه، ولو كانت المرأة هي التي طلبت، واستدلال الجمهور غريب، لما كان الرجل قالوا ولو كان الفسخ من الزوج إلا أنه لما كان بسبب عيب الزوجة عاد الأمر للزوجة، ولم يصنعوا هذا إذا كان العيب في الرجل، وهذا غريب منهم وفيه شيء من عدم الإنصاف، فالراجح إن شاء الله القول الثاني الراجح أنه إذا كان بعيب من الزوج ولو كان بطلب من المرأة فلها نصف المهر. قال المؤلف ﵀: (وبعده لها المسمى) إذا كان الفسخ بعد الدخول والمسيس فلها المسمى، والدليل على أن لها المسمى أن هذا العقد عقد صحيح بمسمى صحيح فوجب، وهذا كلام صحيح، أنه عقد صحيح بمسمى صحيح فوجب بالدخول. والقول الثاني: أن لها مهر المثل وليس المهر المسمى، ودليلهم القياس على العقد الفاسد، قاسوا العقد المفسوخ على العقد الفاسد، وهو قياس مع الفارق، لأن العقد المفسوخ عقد صحيح إلا أنه فسخ، بينما العقد الفاسد فاسد.

стр. 2175

والقول الثالث: أنها تعطى المهر المسمى مع تنقيص ما يقابل العيب، ونعرف قدر النقص بنسبته إلى مهر المثل، فنقول الآن أنت كم سميت لها المهر؟ فيقول مائة ألف، نقول كم مهر المثل؟ فيقول مثلاً خمسين ألف، نقول مهر المثل إذا كانت برصاء كم يكون؟ فيقول خمسة وعشرين ألف فالنسبة كم خمسين بالمئة، يعني كم ستعطى من المهر المسمى؟ خمسين ألف، إذاً نعرف نسبة التنقيص من خلال المقارنة بمهر المثل، لأن المهر المسمى لا يمكن أن نقيس عليه، لأن الناس يتفاوتون وقد يعطي الإنسان المرأة أضعاف مهر مثلها، فإذاً لا نرجع للمهر المسمى وإنما نرجع إلى مهر المثل، ثم ننقص منه بهذا المقدار، وهذا القول ذكره شيخ الإسلام وقواه المرداوي وهو قول فيه إنصاف، أما إلزام الزوج بجميع المهر مع أن الفسخ كان بسبب عيب في المرأة فيه نظر، إلا أن في الحقيقة بعيداً عن الأحكام الفقهية ليس من المروءة أبداً بعد الدخول إذا أراد الفسخ أن ينقص من المهر شيء أو أن يسترجع شيء منه، يعني أقول أنا ليس من المروءة باعتبار أن الدخول والمسيس حصل، وهذا كما قلت لكم بعيد عن الفقه والحلال والحرام، وهو فقط من باب المروءات أما إذا أرادوا الحلال والحرام فالراجح إن شاء الله هو ما ذكره شيخ الإسلام. قال المؤلف ﵀: (ويرجع به على الغار إن وجد) الغار غالباً هو الولي، لأنه كتم عيب المرأة عن الزوج، وسبب ذلك أن المعروف والمعهود أن الذي يخبر بعيوب المرأة قبل العقد هو الولي وليست المرأة، فليس من المعهود أن تأتي المرأة وتقول للرجل أن في عيب كذا وكذا، فإذا كان الزوج هو الذي كتم فعليه المهر، فيرجع الزوج على الولي بالمهر يعطيه المرأة ثم يرجع على وليها أياً كان الولي ويأخذ المهر كاملاً، الدليل على هذا أن عمر بن الخطاب قال أيما رجل تزوج مجذومة أو برصاء ثم مسها فعليه المهر بالمسيس وله ضمانه على الولي، وهذا الأثر صحيح عن عمر أنه أوجب الرجوع ﵁ على الولي. ((الآذان)) القول الثاني: أنه لا يرجع بشيء من المهر واستدلوا بدليلين: الأول: أنه دفع هذا المهر مقابل عوض أخذه وهو الدخول والوطء.

стр. 2176

الثاني: أنه لا يوجد دليل من النصوص على الرجوع، والأصل أن المهر يتقرر بالدخول كما سيأتينا في باب الصداق، وأنصف هذا القول مجموعة من الفقهاء منهم الشيخ الشوكاني. والراجح إن شاء الله هو مذهب الحنابلة بلا إشكال وهذه الفتوى من عمر هي الحجة بالباب لاسيما وأنه لم يخالفه أحد من أصحاب النبي ﷺ ، وهو من الخلفاء الراشدين، هذا الأثر كافي في الباب كما أن المعنى يؤيده، لأن الفرق أو سبب الفسخ من قبل المرأة لأن العيب فيها وهذا المعنى يقتضي ألا يضيع المهر على الزوج. قال المؤلف ﵀: (والصغيرة والمجنونة والأمة ... ) يعني لا يجوز أن تزوج إحدى هذه النساء بمعيب، قال الشيخ المرداوي بلا نزاع، والسبب في ذلك أن ولي أمر هذه المرأة المجنونة أو الصغيرة عليه النظر لمصلحتها، وليس من النظر لمصلحتها أن تزوج بمعيب بأحد هذه العيوب الثلاثة، لكن إن خالف فزوجها فينقسم إلى قسمين: إن خالف فزوجها وهو يعلم فالعقد باطل، لأنه زوج وهو غير مأذون له بالتزويج شرعاً، والذي جعله ولي هو الذي نزع منه الولاية بهذه الصورة. الثانية: أن يزوجها وهو جاهل، فإذا زوجها وهو جاهل فالعقد صحيح وتملك المرأة الفسخ. والقول الثاني: أنه إذا زوجها ولو كان جاهلاً فالعقد باطل، واستدلوا على هذا بأنه زوجها بمن لا يحل أن يزوجها إياه كما لو زوجها جاهلاً بمحرم من محارمها، فهو إذا زوجها بمحرم من محارمها فالعقد باطل، ولو كان جاهلاً كذلك هنا نقول العقد باطل لهذا السبب، والأقرب والله أعلم القول الثاني وعلى هذا يكون إذا خالف فزوجها فالعقد باطل مطلقاً، لأنه اعتدى على حق هذه الصغيرة والمجنونة إلى آخره. قال المؤلف ﵀: (فإن رضيت الكبيرة مجبوباً أو عنيناً لم تمنع) أفاد المؤلف أن المرأة الكبيرة لها أن تختار الزواج بالمجبوب والعنين، وعللوا هذا بأنه حق لها رضيت بإسقاطه، وإذا كان حقاً لها فلها أن تسقطه.

стр. 2177

والقول الثاني: أن لوليها أن يمنعها ولو رضيت، وعللوا هذا بأنه أمر يدوم ويطول، وقد تندم ولا ينفعها الندم لأنها رضيت به قبل العقد، فمن النظر لها ولمصلحتها أن يمنعها وليها، والأقرب والله أعلم أن الكبيرة العاقلة إذا اختارت الزواج بمثل هذا الشخص أنه ليس لأحد أن يمنعها، لأنه حق لها خاص تنازلت عنه. هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. - ((انتهى الدرس)).

стр. 2178

الدرس: (٩) من النكاح قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف ﵀: (فإن رضيت الكبيرة مجبوباً أو عنيناً لم تمنع) أخذنا بالأمس الخلاف في هذه المسألة على قولين، وهل للولي حق في منعها أو ليس له حق في منعها، ولم أذكر أن ابن قدامة يميل إلى خلاف المذهب وهو أنه له أن يمنعها. بقينا في المسألة التالية لهذه المسألة: قال المؤلف ﵀: (بل من مجنون ومجذوم وأبرص) أي بل له أن يمنعها ولو كانت كبيرة إذا أرادت أن تتزوج من مجنون أو مجذوم أو أبرص، وعلل الحنابلة هذا بأن هذه العيوب الضرر فيها لا يقتصر على المرأة، بل يتعدى إلى الذرية، كما أنه يتعدى إلى الولي، لأنه يعير بمثل هذا الزواج، فلما صار الضرر لا يقتصر على الزوجة، منع الحنابلة من التزويج ولو برضا المرأة، ومن هنا عرفت الفرق بين أن يكون عنيناً أو مجبوباً وبين أن يكون أبرص أو مجذوم أو مجنون الفرق بينهما هو هذا، أن الضرر لا يقتصر على المرأة في العيوب الثلاثة التي ذكرها المؤلف الآن، ولهذا إذا سئلت لماذا يفرق الحنابلة بين هذه العيوب لا بد أن تعرف أنه هذا السبب.

стр. 2179

القول الثاني: أن لها أن تتزوج وليس للولي أن يمنعها ولو كانت العيوب هي هذه الثلاثة المذكورة، لأن هذه العيوب تتعلق أولاً بالمرأة، ثم بالأولياء، فإذا رضيت هي بإسقاط حقها سقط، لأن الحق الأول لها، ولو قيل أن مثل هذه المسائل يرجع فيها للملابسات التي تحتف بها مثل طبيعة المرأة وطبيعة الأهل وحاجة المرأة وإلى آخره بالنسبة للمجنون والأبرص لكان للقول بالتفصيل هذا أنه يختلف باختلاف الأحوال قد يناسب أحياناً أن تزوج المرأة من مثل هؤلاء وقد لا يناسب بحسب وضع المرأة، هذا بالنسبة للجنون والبرص، لكن الجذام المشكلة فيه أنه مرض معدي، فإذا تمكنت من تجنب العدوى فذاك، وإلا فإنه ليس للإنسان أن يقحم نفسه في مثل هذا الأمر، وليس للولي أن يرضى أيضاً بتزويج موليته ممن سيباشرها الزوج، وتنتقل إليها هذه الأمراض لا شك أن هذا المنع فيه وجيه، أقول لو قيل بهذا التفصيل كان جيد وإلا إذا لم يقل بهذا التفصيل فالذي ذكره الحنابلة صحيح، وهذه المسائل كثير منها فتاوى صريحة عن الإمام أحمد، فمثلاً الزواج بالعنين والمجبوب نص الإمام أحمد أنه لا يعجبني، يقول ربما رضيت ثم ندمت إذا أرادت منه ما تريد المرأة من زوجها ندمت، وقد يحصل بناءً على هذا مفاسد. الخلاصة أن مذهب الحنابلة في هذه المسائل وجيه إلا أن يقال بالتفصيل الذي أشرت إليه. قال المؤلف ﵀: (ومتى علمت بالعيب أو حدث به لم يجبرها وليها على فسخه) قبل أن نتكلم على هذه المسألة، فهم من الكلام السابق في المسائل السابقة، أنه إذا رضيت المرأة والولي فالزواج صحيح، سواء كان العيوب الثلاثة أو العيبان المتقدمان، لأنه أحياناً يعلق على رضا الزوجة وأحياناً يعلق على رضا الولي، فإذا رضيت الزوجة والولي جاز التزويج بلا إشكال، ولا أظن هذه محل خلاف، إذا رضيت الزوجة ورضي الولي جاز لها أن تتزوج بمن يتصف بهذه العيوب بلا إشكال إن شاء الله لأن الحق لا يخرج عنهما. قال المؤلف ﵀: (ومتى علمت بالعيب ... )

стр. 2180

ومقصود المؤلف بهذا يعني بعد العقد إذا علمت به بعد العقد أو حدث العيب بعد العقد فإنه ليس للولي أن يجبر المرأة على الفسخ، بل يصبح حقاً خاصاً بالمرأة، والسبب في هذا أن القاعدة المشهورة أن الاستدامة أقوى من الابتداء، هذا من جهة ومن جهة أخرى القاعدة أيضاً أن الولي له حق في الابتداء دون الاستدامة، وهذه المسألة قال عنها الشيخ المرداوي بلا نزاع، فليس للولي إذا رضيت المرأة بعد العقد بحدوث العيب أن يجبرها على الفسخ. بهذا انتهى هذا الباب ننتقل للباب الذي يليه. قال المؤلف ﵀: باب نكاح الكفار حكمه كنكاح المسلمين يريد المؤلف أن يبين حكم الأنكحة التي تجري بين الكفار، ووضع الشيخ ﵀ قاعدة لهذا وهي أن حكم نكاح الكفار كنكاح المسلمين، يعنى أنه صحيح وليس بفاسد، وإذا كان صحيحاً ترتبت عليه الآثار التي تترتب على النكاح الصحيح، فتجب القسمة فيه ويجب المهر ويقع الطلاق والخلع والظهار والإيلاء وإن طلقها ثلاثاً فلا تحل له إلا بعد زوج آخر، تترتب عليه الآثار التي تترتب على النكاح الصحيح، وذلك لأنا حكمنا على أنكحتهم بأنها أنكحة صحيحة، ومقصود المؤلف أن أنكحة الكفار كأنكحة المسلمين ولو كانت بالنسبة لأحكام المسلمين فاسدة، يعني إذا أجرى الكفار نكاح بلا ولي ولا شهود ولا مهر لكنهم يرونه نكاحاً صحيحاً فهو صحيح، والدليل على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الله تعالى نسب نساء الكفار إليهم، والنسبة تقتضي التصحيح، فقال امرأة فرعون وامرأته حمالة الحطب فنسب المرأة لهذا الكافر وهذه النسبة تقتضي تصحيح العقد. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ أقر أهل الذمة ومجوس هجر وغيرهم على أنكحتهم، ولم يفتش فيها بل أجراها على الظاهر والصحة، فدل هذا على أن أنكحة الكفار حكمها حكم أنكحة المسلمين يعني من حيث الصحة، وهذا الحكم لا إشكال فيه فعليه عمل الصحابة وعليه عمل النبي ﷺ ، بناءً على هذا لا يصح أن نفتش عن أنكحتهم فنأتي إلى أهل الذمة ونقول كيف عقدت على زوجتك وننظر فيه فإن كان متوافقاً مع أحكام الشرع أمضيناه وإلا أبطلناه، هذا التصرف تصرف خاطئ مخالف لسيرة النبي ﷺ ولظاهر القرآن.

стр. 2181

قال المؤلف ﵀: (ويقرون على فاسده) يعني إذا علمنا أن نكاح الكفار فاسد فيقرون على هذا النكاح الفاسد لكن بشرطين: الشرط الأول: أن يكون نكاحاً صحيحاً في دينهم، والسبب في اشتراط هذا الشرط أنا نقرهم على ما يصحح في دينهم، فإذا لم يصحح في دينهم فلسنا ملزمين بإقرار النكاح الذي يصح في غير ملتهم، بل نحن نقرهم على ما يصح في ملتهم لأن هذا هو مقتضى العقد الذي بيننا وبينهم، فإذا تزوج نصراني نصرانية على غير شريعة النصارى فليس علينا أن نقر هذا النكاح، بل نبطل النكاح ونجري عليه أحكام الإسلام، لابد أن يتزوجها على طريقة النصارى، بعبارة أخرى لابد أن يتزوجها زواجاً يرى النصارى أنه صحيح، وهكذا اليهود والمجوس والوثنيين وكل ملة لها شريعة أو طريقة، فإن كانت الملة ليس لها شريعة وثني أو ملحد ليس له دين ولا شريعة فما الحكم؟ الحكم أن هذه المجموعة من الناس الذين لا يتدينون بأي شريعة سماوية ولا أرضية هذه هي شريعتهم، أنهم لا يتدينون بأي دين فإذا عقد نكاحاً على وفق هذه العقيدة فهو يعتبر نكاح صحيح، ومن هنا نقول إذا ارتد النصراني عن دينه تماماً وأصبح ملحد لا يؤمن بالله ولا بموسى ولا بعيسى ولا بأي نبي ثم أجرى العقد على شريعة النصارى لأنه في محيط نصراني فهنا نجري عقده على أحكام المسلمين ونبطل العقد لماذا؟ لأنه لم يجري العقد على دينه، لأن دينه هو الإلحاد، وهذه قضية يجب أن يتنبه إليها، لأنهم أي الحنابلة يرون أنا نقر الكفار على دينهم إذا أجروه على وفق دينهم. قال المؤلف ﵀: (إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا) الشرط الثاني: أن لا يرتفعوا إلينا، يعني ألا يتحاكموا إلينا، والدليل على هذا قوله تعالى ﴿فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً﴾ فدلت الآية على أنا نخضعهم بأحكامنا إذا جاؤونا، وقبل المجيء لا نخضعهم إلى أحكامنا، وهذا صحيح، فالآية نص في اعتبار هذا الشرط إذا تحقق الشرطان فإنه يقرون على أنكحتهم ولو كنا نرى أنها في شرعنا فاسدة. قال المؤلف ﵀: (فإن أتونا قبل عقده عقدناه على حكمنا)

стр. 2182

إذا أتونا قبل عقده، يعني ارتفعوا إلينا، فإنا نعقد لهم وجوباً على ملة الإسلام، فلا بد من ولي وشهود ومهر وكل شروط وأركان النكاح الصحيح الشرعي لقوله تعالى ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾، والقسط هو أن يجري العقود على مقتضى الشرع، وهذا الحكم لا إشكال فيه، وهو أنهم إذا ارتفعوا إلينا نحكم على عقودهم بمقتضى الشرع. قال المؤلف ﵀: (وإن أتونا بعده أو أسلم الزوجان) إذا أتونا بعد أن أجروا العقد، أو أسلما بعد الدخول وإجراء العقد فإنا نقر النكاح كما هو ولا نخضعه إلى أحكام الشريعة، والسبب في هذا أن خلقاً عظيماً كثيراً في عهد النبي ﷺ ولم ينقل أن النبي ﷺ أخضع عقودهم إلى أحكام الشرع، بل أجراها على ظاهرها واعتبرها صحيحة، وهذا الدليل دليل قطعي معلوم من السيرة بالضرورة أنه ﷺ لم يخضع أنكحة الذين أسلموا من القبائل والأمم التي دخلت في دين الله لم يخضع عقودهم إلى أحكام الشرع، وهذا أمر إن شاء الله ظاهر متى ارتفعوا إلينا بعد العقد أو أسلما في وقت واحد، وحكى بعضهم الإجماع على هذا الحكم وهو ظاهر إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (والمرأة تباح إذاً أقرا ... ) أي أن هذا الحكم الذي ذكرت مشروط بأن تكون المرأة تباح إذاً، يعني تباح حال إقرار العقد، فإذا كان هذا الكافر قد تزوج خالته أو عمته فإنه يجب أن نفرق بينهم، وإذا كان تزوج أخت زوجته يجب أن نفرق بينهم، القاعدة أنه يجب أن نفرق بينهم إذا كان لا يجوز أن يقر عليها، وذكر الحنابلة ضابط مريح في هذه القاعدة، أن كل نكاح لا يجوز ابتداؤه لا يجوز استدامته، فلا يجوز أن يبتدئ نكاح الخالة ولا العمة ولا المرأة على أختها ولا المطلقة ثلاثاً قبل زوج آخر وهكذا، واستدلوا على هذا بأن عمر بن الخطاب ﵁ أمر بأن يفرق بين كل من تزوج ذي رحم من المجوس، وهذا إن شاء الله صحيح، فإذا ارتفعوا إلينا أو أسلموا نبقيه إلا إذا كان مما لا يجوز ابتداؤه. قال المؤلف ﵀: (وإن وطئ حربي حربية ... )

стр. 2183

مقصود الشيخ هنا ولو كان على سبيل القهر، بشرط أن يعتبر هذا الوطء نكاحاً في دينهم، فإذا اعتبروه نكاحاً يعني أن المرأة تصبح زوجة بمجرد السطو عليها ووطؤها قهراً فإنه يعتبر نكاح ويقر كل من الزوج والزوجة عليه، وفي الحقيقة هذه المسألة داخلة في ضمن المسألة السابقة، إلا أنه نبه عليها لأمرين: الأمر الأول: أنها تتعلق بالحربي والحربية، ولكن الصواب أن هذا لا يختص بالحربي حتى الكتابي والكتابية وأي ملة إذا اعتبروا هذا نكاحاً فهو نكاح. الأمر الثاني: نص عليه لألا يتوهم أن إقرار العقود يفتقر إلى إجراء العقد، بل لو كان الوطء عندهم نكاح يكفي، ومع ذلك هو في الحقيقة داخل في الجملة السابقة، فنحن نقول كل نكاح يعتبره الكفار نكاح إذا أسلم عليه أبقيناهم وأقريناهم على هذا النكاح، مهما كان نوعية إجراء العقد عند هذه الملة وتلك الملة، ويبقى الشرط فقط أن يكون مما يجوز استدامته عند المسلمين. قال المؤلف ﵀: (وإلا فسخ) يعني وإن لم يكن نكاحاً في دينهم فسخ، لما تقدم من أنا نقر الكفار على ما يعتبرونه ديناً لهم، أما دين غيرهم فلسنا ملزمين بإقرارهم عليه، بل يجب أن يجرى على وفق الشرع. قال المؤلف ﵀: (ومتى كان المهر أخذته) يعني إذا كان المهر في هذه الأنكحة صحيح فإنها تأخذه كاملاً، واستدلوا على ذلك بأن هذا النكاح صحيح والمسمى صحيح فوجب دفعه، لأنه إذا كان النكاح صحيحاً والمسمى صحيح فالنتيجة الطبيعية لهذه المقدمة وجوب دفع هذا المهر. قال المؤلف ﵀: (وإن كان فاسداً .. ) بين الشيخ حكم المهر إذا كان صحيحاً، ثم أراد أن يبين حكم المهر إذا كان فاسداً، فحكم المهر إذا كان فاسداً ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون المهر الفاسد مقبوض، فإذا كان المهر الفاسد مقبوض، ثم ارتفعوا إلينا فإنا نصحح قبض هذا المهر، ولو كان باطلاً أو سحتاً أو محرماً لا ننظر إلى طبيعة المهر ما دام قبض، والدليل على هذا من وجهين:

стр. 2184

الأول: أن النبي ﷺ لم يسأل عن مهور الكفار بعد إسلامهم، وقطعاً أن بعض المهور لبعض الذين أسلموا كانت فاسدة، فإنه قد يجعل مهرها خمراً أو خنزيراً، ولم يتعرض النبي ﷺ إلى مهورهم هذا أولاً. ثانياً: أن في العادة إذا كان الرجل أصدق امرأته منذ زمن أنها تصرفت فيه، وأعطته إلى غيرها بيعاً أو هبةً أو استئجاراً، وغيرها أعطاه إلى ثالث ومع تطاول المعاملات على الصداق يكون إبطاله فيه عسر ومشقة عظيمين، كما أن فيه صد عن سبيل الله، وفيه تنفير للمسلمين عن الدخول في الإسلام، ولهذا نقول أنه باعتبار هذه العلل مجتمعة يبقى المهر كما كان مادام مقبوضاً. القسم الثاني: المهر الذي لم يقبض، وكذلك نفس الحكم الذي لم يسمى، ولهذا هنا كلام الشيخ قوله في المتن وإن لم تقبضه ولم يسمى، العبارة في نسخ الزاد هكذا فيما أعلم (ولم يسمى) لكن العبارة الصحيحة (أو لم يسمى) وهذه العبارة وهي عدم التسمية ليست في المقنع إنما أتى بها الشيخ موسى زيادة، لكن في غير المقنع من كتب الحنابلة قال (أو) وهو المقصود يعني إذا (لم تقبضه) أو (لم يسمى)، إذاً نقول القسم الثاني إذا لم تقبضه أو لم يسمى أصلاً فحينئذ لها مهر المثل. والقول الثاني: أنه إذا لم يسمى فلها مهر المثل بلا إشكال، لكن إذا كان فاسداً فالقول الثاني أنه لها بمقدار قيمة المهر الفاسد، فإذا أهداها آلات طرب أو خنزير أو خمر ننظر إلى قيمة هذا المهر الفاسد ونعطي المرأة بمقدار هذه القيمة، والصحيح أن لها مهر المثل، لأن المهر الذي فيه مال فاسد لا يعتبر مالاً في الشرع ليس له قيمة ولا اعتبار، ولذلك نحن نهدر هذا المهر تماماً، ولا نعتبر فيه لا القيمة ولا غير القيمة. قال المؤلف ﵀: فصل (وإن أسلم الزوجان معاً) إذا أسلم الزوجان في وقت واحد بقي النكاح على ما هو عليه بالإجماع، والدليل هو ما تقدم من أن النبي ﷺ لم يفرق بين الذين أسلموا.

стр. 2185

والدليل الثاني: الإجماع المحكي ومقصود الحنابلة بقولهم معاً يعني أن يتلفظا بالإسلام في وقت واحد، يقول الزوج والزوجة الشهادتين في وقت واحد، فإن اختلف أو تقدم أحدهما أو تأخر فله حكم آخر سيذكره المؤلف، لكن يشترط لبقاء العقد أن يتلفظا بوقت واحد. والقول الثاني: أنه لا يشترط أن يتلفظا به في وقت واحد، بل يشترط أن يكون في مجلس واحد، وعلة القول الثاني تقدمت معنا وهي تعليل يشتهر بين الفقهاء وهو قولهم أن حال المجلس حال العقد، يعني أن كل ما يكون في مجلس العقد يعتبر كأنه كان أثناء العقد، وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله، بل القول الأول كما قال ابن القيم وغيره من الأقوال التي يتعذر وقوعها فإنه يتعذر أن ينطق الزوج والزوجة لا إله إلا الله في وقت واحد هذا لا يكاد يقع والشرع لا يعلق بأمور يندر وقوعها. قال المؤلف ﵀: (أو زوج كتابية بقي نكاحهما) يعني إذا أسلم زوج الكتابية فإن النكاح يبقى على ما هو عليه لأنه يجوز للمسلم أن ينكح الكتابية، وهذا الحكم محل إجماع يعني عند القائلين بجواز نكاح الكتابية، كما أنه مقتضى النظر لأنه إذا أسلم ما زال يجوز له أن يكون زوجاً لهذه المرأة ما دامت كتابية. قال المؤلف ﵀: (فإن أسلمت هي أو أحد الزوجين ... ) يقصد بقوله هي: يعني الكتابية سواء كانت مع كتابي أو مع غير كتابي، أما هو يعني لو أسلم الكتابي فتقدم، فإن أسلمت هي أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل، إذا أسلمت المرأة قبل الدخول بطل النكاح، لأنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج الكافرة، ولا يجوز للكافر أن يتزوج المسلمة، هذا الدليل الأول. الدليل الثاني: حكي الإجماع. الدليل الثالث: قوله تعالى ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ لكن الشطر الأول هو الدليل الآن، بناءً على هذا بمجرد إسلام الزوجة قبل الدخول يعتبر العقد مفسوخ، ولا نسميه طلاقاً، وتنتهي علاقة المرأة بالرجل بمجرد إسلام المرأة، كل هذا إذا كان قبل الدخول، سيأتينا تعليق على هذا في المسألة الثانية. قال المؤلف ﵀: (فإن سبقته فلا مهر ... )

стр. 2186

إذا أسلمت هي قبله فلا مهر يعني فليس لها المهر، وعلل الحنابلة هذا بأن الفرقة جاءت من قبلها لأنها هي التي أسلمت، فبإسلامها انفسخ النكاح، والقاعدة أن الفرقة إذا كانت من جهة الزوجة فلا مهر لها. القول الثاني: أنها لها نصف المهر، والسبب في ذلك أن الفرقة في الحقيقة ليست من قبل الزوجة بل من قبل الزوج، لأنها إنما فعلت ما فرض الله عليها وهو الإسلام، وهو الذي بتركه الإسلام صارت الفرقة، واختار هذا القول أبو بكر من كبار أصحاب الإمام أحمد والمرداوي، ونصروه وقووه وقالوا الخطأ منه لا منها، فلها نصف المهر، وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله بلا إشكال وهو مقتضى النظر والفقه لأنه ليس السبب منها السبب منه هو، لأن الفطرة والأصل الإسلام، فهو خالف الفطرة وترك الإسلام، وأما هي فلم تصنع إلا الرجوع إلى الفطرة، ولا إشكال إن شاء الله أن هذا هو الراجح. قال المؤلف ﵀: (وإن سبقها فلها نصفه) يعني إن أسلم هو فلها نصف المهر، والتعليل لأنه السبب منه هو لأنه أسلم، فالحنابلة مطردة عندهم القاعدة الذي يسلم هو السبب. والقول الثاني: أنه لا شيء لها لأن الفرقة منها حيث تركت الإسلام، نفس المسألة السابقة، لكن الغريب أن أبو بكر في المسألة الأولى قال كما سمعتم، في المسألة الثانية وافق الحنابلة ونص على هذا ولا أعلم ما وجه التفريق، أما المرداوي فاطرد وقال هذه المسألة كتلك المسألة، وكلام المرداوي هو المنطقي والمعقول والمقبول أنه لا فرق بينهما ونعتبر الزوج هو الذي تسبب في الفرقة لأنه ترك الإسلام، يعني في المسألة الثانية، وبناءً على هذا يدفع نصف المهر. قال المؤلف ﵀: (وإن أسلم أحدهما بعد الدخول ... ) إذا أسلم أحدهما بعد الدخول فهي مسألة فيها اضطراب شديد جداً، نحن نلخص الأقوال كما يلي:

стр. 2187

القول الأول: أنه يوقف على انقضاء العدة، فإن أسلم الآخر قبل انقضاء العدة عاد إلى الزوج إلى زوجته وإلا فلا، وهذا القول وهو اعتبار الوقت بانقضاء العدة هو مذهب الأئمة الأربعة، إلا أن الأحناف والمالكية عندهم تفصيلات أخرى، لكن من حيث اعتبار العدة اتفق الأئمة الأربعة على اعتبار العدة، والإمام أحمد روي عنه اعتبار العدة من أكثر من طريق حتى بلغ مجموع الذين رووا عنه هذه الفتوى نحو خمسين رجلاً، كأنها من أكثر ما روي عن الإمام أحمد خمسون واحد رووا عن الإمام أحمد أنها تنتظر إلى العدة، فإن أسلم أحدهما وإلا فالفراق، هذا القول يتضمن أمرين: الأول: أن النكاح يبقى ولا ينقطع. والثاني: أن حدود النكاح إلى نهاية العدة. أما الدليل على الأول فأدلة كثيرة منها الأول أن صفوان بن أمية تأخر إسلامه عن زوجته لمدة نحو شهر وردها النبي ﷺ بالنكاح الأول، وكذلك أبو سفيان تقدم إسلامه على إسلام زوجته هند ومع ذلك ردها النبي ﷺ وأقرهم على النكاح الأول، وكذلك عكرمة فإنه أبى الإسلام وخرج إلى اليمن وخرجت زوجه في إثره إلى اليمن وأقنعته بالإسلام وأسلم وأبقاهم النبي ﷺ على نكاحهما الأول. وأما الدليل على مسألة العدة فهو ما رواه شبرمة وهو أحد التابعين أنه قال كان الرجل والمرأة في عهد النبي ﷺ إذا أسلم أحدهما وقف على العدة فإن أسلم الآخر قبلها وإلا انقطع النكاح، هذا الأثر ضعفه الشيخ العلامة الألباني في إرواء الغليل، لكن في الحقيقة الأثر يحتاج إلى جمع طرق، ولأن العلل التي ذكرها الشيخ لم أبحث الأثر بشكل عميق لكني لم أقتنع مع ذلك بالعلل التي ذكرها الشيخ ﵀ فيحتاج الأمر إلى جمع طرق وتحرير حال شبرمة يحتاج إلى جهد كثير وطويل، لاسيما وأن هذا الأثر في الحقيقة مهم في المسألة جداً، وتضعيفه بأشياء بسيطة مما لا يقبل، على كل حال أنا لا أقول هو صحيح أو ضعيف، لكني أقول أنه يحتاج إلى نظر أعمق من هذا، هذه هي أدلة الجمهور، وهي فيما يتعلق ببقاء النكاح أدلة لا شك فيها، أما فيما يتعلق بتأقيته بالعدة فهي محل نظر.

стр. 2188

القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد ونصره ابن المنذر ونصره الخلال وأيضاً تلميذه أبو بكر وأيضاً نصره ابن حزم وعدد من أهل العلم، أنه بمجرد الإسلام تنقطع العلاقة، بمجرد ما يسلم أحدهما تنقطع العلاقة بينهما، واستدلوا على هذا بأن المبطل للنكاح هو اختلاف الدين، ومبطلات النكاح لا تختلف أن تكون قبل الدخول أو بعد الدخول، كما أن قوله تعالى ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ آية مطلقة لم تفرق بين قبل الدخول وبعد الدخول، وقوله ﴿لا هن حل لهم﴾ أيضاً لم تفرق بين قبل الدخول وبعد الدخول، فهم في الحقيقة تمسكوا بالأصل، فقالوا بما أن إسلام أحد الزوجين يفسخ النكاح إذاً يفسخه مباشرة، ولا يوجد هناك مدة يرجع إليها في ذلك، لأن المبطل مبطل مطلقاً. القول الثالث: وهو قول الشيخ الفقيه النخعي ونصره جداً شيخ الإسلام وابن القيم، وخلاصة هذا القول أنه إذا أسلم أحد الزوجين فالنكاح باقي مطلقاً ودائماً، إلا أنه يكون عقد جائز لا لازم، ومعنى هذا أنها إذا أسلمت المرأة فهي تبقى في عقد الزواج وعلى عصمة الزوج، لكنه بقاء غير ملزم فإن شاءت أن تتزوج فلها ذلك، واستدل هؤلاء بأدلة: الدليل الأول: وهو من أدلتهم القوية، أنه لا يوجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع اعتبار العدة يعني اعتبار مدة العدة والانتظار إلى نهايتها لبقاء النكاح أو فسخه، فتعليق الأمر على العدة تعليق على أمر لم يعتبره الشارع مطلقاً، هذا أولاً. ثانياً: أن النبي ﷺ رد ابنته زينب على زوجها أبي العاص بعد سنين اختلف فيها، وعلى كل الأقوال هي بعد العدة، لأنه ردها على قول بعد ست سنين، وعلى قول بعد ثمان عشر سنة، وعلى قول بعد أربع سنوات، والحقيقة تحرير هذا لا يعنينا لأنه على كل الأقوال بعد انتهاء العدة. الدليل الثالث: أن النبي ﷺ لم يشر إلى اعتبار العدة في الوقائع التي أقر النبي ﷺ عليها الزواج بعد إسلام أحد الزوجين، يعني حديث عكرمة وسفيان وغيره لم يشر فيها إلى اعتبار العدة.

стр. 2189

وهذا القول مع كونه من الأقوال التي ظاهرها القوة إلا أن اثنان من أهل العلم وهم ابن عبد البر وابن قدامة يعتبرون هذا القول شاذ، مخالف لجماعة المسلمين، ما هو الشاذ في هذا القول؟ الشاذ في هذا القول عندهم هو إرجاع الزوجة إلى زوجها بعد انتهاء العدة، هذا المفهوم هو الشذوذ، فإرجاعها بعد العدة لم يقل به أحد إلا النخعي وشيخ الإسلام وابن القيم، واعتبر أيضاً من الشذوذ، وتقدم معنا أن الأئمة الأربعة على اعتبار العدة أي على التأقيت بالعدة.

стр. 2190

المسألة هذه في الحقيقة فيها إشكال كبير، وليست من المسائل التي ممكن أن الإنسان يرجح فيها ببساطة، فيه امرأة خرجت من الروم وقت الإمام أحمد وأسلمت، جاء عبد الله بن الإمام أحمد وقال: ههنا امرأة خرجت من الروم وأسلمت فهل ترى لها أن تتزوج فالإمام أحمد قال: اختلف الناس في هذا ﵀ فذهب بعضهم إلى التأقيت بالعدة، وذهب بعضهم إلى الانتظار مطلقاً، وذهب بعضهم إلى فسخ النكاح، ثم قال الإمام أحمد وأما أنا فأتهيب الجواب فيها. هذا هو وهو يعني من هو ﵀ يعني من هنا أقول أنه ما يلزم أن في كل مسألة أن الإنسان يرجح ومع ذلك أنا أعطي نقاط، لاشك أن أدلة شيخ الإسلام وابن القيم غاية في القوة والواقع أنه قوية جداً من حيث الدلالة والثبوت، حتى أنها أثبت من أدلة الجمهور، ويؤيدها أثر عن عمر وأثر عن على بإسناد صحيح، فهي أدلة قوية جداً جداً، هذا شيء الشيء الثاني أشار ابن القيم إلى شيء وهو أنه لو لم نقل بتصحيح القول الثالث الذي تبناه هو لكان القول الثاني وهو مذهب ابن حزم وابن المنذر أقوى من مذهب الجمهور لأن القاعدة أن ما يبطل يبطل قبل وبعد الدخول، فأشار إلى هذا المعنى أن القول الثاني أقوى يعني ابن القيم يرى أن القول الذي حكي هو أضعف الأقوال قول الأئمة الأربعة يعتبره أضعف الأقوال، وهذا لا يزيد المسألة إلا إشكال، فإن شاء الله تبقى كما هي وتتوقف على بحث أثر شبرمة وعلى أن الإنسان يستخير فيها مراراً ويسأل الله أن يفتح عليه، ولاسيما وأن المسألة هذه اليوم مسألة مهمة جداً والسبب أنه ولله الحمد الدخول في الإسلام أصبح بأعداد كبيرة جداً، ونسبة الدخول في الإسلام الآن في أوروبا وأمريكا هي أعلى نسبة، ولا تقارنها أي نسبة أصلاً فنسبة الدخول في الإسلام إلى نسبة عدد السكان مرتفعة جداً تصل أحياناً إلى عشرة بالمئة وهي نسبة خيالية تعتبر وتسعة بالمئة وثمانية بالمئة، كل هؤلاء يحتاجون إلى هذه المسألة لأنهم غالباً لا تريد أن تبقى على عصمة زوجها الكافر ويتقدم إلى خطبتها مسلم مباشرة لتثبيتها على الإيمان وترجع إلى مسألتنا هذه. قال المؤلف ﵀: (وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول)

стр. 2191

يعني إذا انتهت العدة ولم يسلم أحدهما تبينا أن العقد مفسوخ من الأول، وعللوا هذا بأن سبب الفسخ هو اختلاف الدين وهو موجود من حين أن أسلم أحدهما، إذاً إذا لم يسلم بعد انتهاء العدة نعتبر العقد مفسوخ من الأول، ويترتب على هذا أنه إذا وطءها في أثناء العدة فإنه يترتب عليه أن يدفع مهر آخر لأن المهر الذي وجب بالعقد دفع، وهذا مهر بسبب الوطء الذي كان بعد الفسخ لأنه تبين معنا أنه بعد الفسخ يفهم من هذا أنه لا يجوز للزوج أثناء التربص أن يطء امرأته، لأنه لم يتبين هل هي زوجة أو ليست بزوجة، كما أنه يفهم من هذا أن من فعل هذا بالإضافة إلى ترتب مهر آخر ينبغي أن يعزر وأن يؤدب لأنه وطء هذه التي ينتظر فيها في حال لا يجوز له أن يطأها. قال المؤلف ﵀: (وإن كفرا أو أحدهما بعد الدخول ... ) إذا كفرا، مقصود الشيخ بكفرا هنا ارتد فالبحث الآن في الردة لأن البحث في الدخول في الإسلام تقدم ولذلك لو أن الشيخ قال إن ارتد كان أوضح لأن المقصود في الحقيقة الكلام على أحكام المرتد فإذا ارتد أحد الزوجين عياذاً بالله نسأل الله العافية والسلامة، فالحكم كالحكم إذا أسلم أحد الزوجين إن ارتد قبل الدخول انفسخ النكاح مباشرة وإن ارتد بعد الدخول فننتظر مضي العدة، فإن انتهت العدة قبل أن يرجع إلى الإسلام تبينا أنه مفسوخ وإن رجعا بقيا على نكاحهما.

стр. 2192

وهذه المسألة قلت أنها كالمسألة السابقة لكن عند التأمل تجد أنها من حيث العمل ترجح قول الجمهور، لأنه الآن مثلاً من الأشياء التي انتشرت ترك الصلاة بالكلية، لا يصلي مطلقاً وإذا لم يصلي مطلقاً فإن العلماء اختلفوا فيه على قولين: منهم من يرى أنه مرتداً خارجاً عن الدين، ومنهم ومن يرى لأنه يبقى على الإسلام وإن قتل حداً، فعلى القول بأنه يكون مرتد إذا كان مرتداً فعند شيخ الإسلام وابن القيم يعامل معاملة إذا أسلم أحدهما، هنا يكون فيه إشكال، يعني يترتب على هذا أن نقول للزوجة إذا قالت أن الزوج لا يصلي مطلقاً ماذا نقول؟ تبقين وأنت على الخيار، إلى متى؟ ليس له حد. فتقول إلى متى أبقى مع هذا الزوج الذي لا يصلي؟ ليس له حد وتبقى على هذا على شرط ألا يطأها، فإذا تبينا أنه لم يرجع، ومتى نتبين أنه لم يرجع ربما لا يصلي وربما يقول سأصلي بعد أسبوع تبقى القضية غير منضبطة في الحقيقة مطلقاً، لاسيما في مثال الردة لأن الإسلام وعدمه قد يكون تحديد الزوج لكونه سيسلم أو لا واضح، يعني بعد مضي مدة يقول سأسلم أو سأبقى على ملة الكفر التي أنا عليها، لكن بالنسبة لترك الصلاة دائماً كما هو مشاهد في الواقع تبقى ربما بعض الناس ما يرجع إلى الصلاة إلا بعد ثلاث سنوات، أو بعد خمس سنوات، ولكن بالنسبة للجمهور الأمر مضبوط جداً جداً نقول تبقين معه إلى انتهاء العدة إن صلى فهو زوجك وإن لم يصلي فقد انفسخ النكاح، وفي هذا انضباط كبير جداً وهو مما يرجح قول الجمهور، على أن شيخ الإسلام نص أن الردة كإسلام أحدهما، وأنا أقول أن هذا مما يقوي قول الجمهور، بالإضافة إلى أثر شبرمة إن صح، ومع ذلك في الحقيقة المسألة مشكلة كيف لم يأتي أي شيء عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة يعلق الأمر بالعدة، ولا إشارة من قريب أو بعيد، هذا في الحقيقة غريب ومشكل ومع هذا الأئمة الأربعة لا يختلفون في اعتبار العدة، فلا بد أن أثر شبرمة هذا له أصل إن شاء الله، وهو الذي عليه اعتمد الأئمة في تحديد الأمر في النكاح. إلى هنا نتوقف على باب الصداق. هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. - ((انتهى الدرس))

стр. 2193

الدرس: (١٠) من النكاح قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. (باب الصداق) الصداق تعريفه هو: العوض الذي يعطى للمرأة مقابل للنكاح ونحوه، والمقصود بنحوه أي وطء الشبهة والنكاح الفاسد. والصداق في النكاح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوا بأموالكم﴾ وأما السنة: فسيأتينا منها عدد كبير، ومن ذلك أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه أصدق امرأة تزوجها بنواة من ذهب، فقال له النبي ﷺ :" أولم ولو بشاة" فهذا إقرار من النبي ﷺ له على الدخول على المرأة بالصداق. أخيراً الإجماع: والإجماع حكاه غير واحد، إذاً الصداق ذكرنا تعريفه، وأخذنا أنه مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. قال المؤلف ﵀: (يسن تخفيفه) ذهب الفقهاء إلى أن السنة في المهر التخفيف، وأن تخفيف المهر أحب إلى الله. واستدلوا على هذا بنصوص: النص الأول: حديث عائشة: أن النبي ﷺ قال:"أكثر النساء بركة أقلهن مؤنه" هذا الحديث إسناده ضعيف لا يثبت إلى النبي ﷺ ، لكن في الحقيقة معناه صحيح، يدل على معناه الآثار المروية عن النبي ﷺ كما سيأتينا، والآثار المروية عن الصحابة وقواعد الشرع العامة. الدليل الثاني: حديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال:"خير النساء أيسرهن مهراً"، وهذا الحديث صححه المتأخرون.

стр. 2194

الدليل الثالث: الأثر المروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (لا تغلوا صداق النساء فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم به رسول الله ﷺ وما زاد رسول الله ﷺ في صداق نسائه ولا بناته عن اثنتي عشرة أوقيه) وهذا الأثر ثابت إن شاء الله عن أمير المؤمنين عمر. كما ترى الآثار واضحة جداً، وإذاً نصتصحب هذا الأصل أثناء دراسة مسائل الصداق، وهو أن الأحب للشارع أن يكون يسيراً قليلاً. مسألة: فإن زاد الإنسان في المهر زيادة كثيرة مع القدرة فهو جائز بلا كراهة بشرط أن يخلو من سبب إضافي يدل على الكراهة، كالمباهاة والمنافسة الجاهلية في مقدار الصداق، وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀ وهو الصحيح إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (يسن تخفيفه وتسميته في العقد) أفادنا المؤلف ﵀ بهذه العبارة مسألتين: الأولى: أن تسمية النكاح يعني ذكر مقدار المهر في أثناء العقد أنه سنة. والدليل على هذا من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ كان يسمي المهر. الثاني: أن تسمية المهر أثناء العقد أقطع للنزاع. المسألة الثانية التي أفادها كلام المؤلف هو: جواز عدم تسمية المهر في العقد لأن تسمية وذكر المهر سنة إذاً يجوز ألا يذكر. والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾، فإن مفهوم الآية أنه: يجوز أن يطلق قبل أن يفرض لها فريضة، يعني قبل أن يسمي ويذكر المهر في العقد. الدليل الثاني: ما أخرجه أصحاب السنن أن النبي ﷺ زوج رجلاً ولم يذكر مهراً، فيجوز أن الإنسان يعقد العقد ولا يذكر المهر مطلقاً، ويؤجل الكلام عن المهر إلى ما بعد الدخول ولا حرج في هذا بدلالة القرآن والسنة. قال المؤلف ﵀: (وتسميته في العقد من أربعمائة درهم إلى خمسمائة درهم) يعني ويسن أن يتراوح المهر بين الأربعمائة والخمسمائة درهم. الدليل على هذا أن صداق بنات النبي ﷺ أربعمائة، وصداق نسائه خمسمائة درهم ﷺ .

стр. 2195

أما الدليل على صداق البنات ﵅ وأرضاهن فهو أثر عمر السابق فإنه قال وأخبر أن صداق النبي ﷺ على نسائه وبناته هذا المقدار وهو اثنتي عشرة أوقية والأوقية أربعين درهم. والدليل الثاني أن علي بن أبي طالب لما عقد على فاطمة ﵂ وأرضاها أراد أن يدخل عليها فمنعه النبي ﷺ وقال: أعطها شيئاً فقال: لا أملك شيئاً فقال النبي ﷺ : أين درعك ﵁ وأرضاه فأعطاه الدرع، درع من حديد وقدره في بعض الروايات بأنها بأربعمائة درهم، هذه الرواية لم أقف على إسنادها التي فيها التقدير أن الدرع قيمته أربعمائة درهم لم أقف على إسنادها، لكن مع أثر عمر ربما يقبل أنه هذا المقدار، أما أن صداق أزواج النبي ﷺ فهذا ثابت من حديث عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يصدق نسائه اثنتا عشرة أوقية ونشاً قيل: ما النش؟ قالت: النش نصف أوقية" وكما قلت الأوقية أربعون درهم يكون المجموع خمسمائة درهم. من الظاهر أن بين أثر عمر وحديث عائشة شيء من الاختلاف، لأن عمر يخبر أنها اثني عشر أوقية، وعائشة تخبر أنها اثنتي عشرة أوقية ونصف، والجواب عن هذا الاختلاف من وجهين: الأول: أن يكون الصواب مع عائشة ويكون ما ذكره عمر ﵁ مخالف للواقع، وسبب الترجيح أن حديث عائشة صحيح وهي أخبر بصداق نسائه من عمر. الجواب الثاني: وهو الصحيح أو وهو إن شاء الله الأقرب أن عمر أراد أن يخبر على سبيل الإجمال، ولم يرد أن يحدد بدقة وإنما أراد أن يخبر إخباراً مجملاً، وإلا فهو يعرف مقدار الصداق، وهذا الجواب الثاني أحسن إن شاء الله، إذاً عرفنا الآن ما هو مستند الحنابلة في تحرير المهر بين هذين المقدارين. قال المؤلف ﵀: (وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً) أفادنا المؤلف ﵀ أيضاً مسألتين:

стр. 2196

المسألة الأولى: أن المهر يجوز مهما كان قليلاً أو كان كثيراً، بعبارة أخرى لا حد لأقله ولا لأكثره، أما أنه لا حد لأكثره فهذا محل إجماع أنه لا حد لأكثره ويدل عليه ظاهر الآية: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ واختلف المفسرون في معنى القنطار، ولكن على جميع الأقوال هو المال الكثير فالاستدلال بالآية صحيح. الثاني: أنه لا يوجد في النصوص ما يدل على تحديد أكثر المهر. المسألة الثانية: أقله، لا حد لأقله عند الجمهور، واستدل الجمهور على هذا بإطلاق الآية ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾، والمال يصدق على الكثير وعلى القليل. والقول الثاني للأحناف: أنه لا يجوز أن يقل المهر عن ما تقطع به يد السارق، واستدلوا بحديث وهو ما روي أن النبي ﷺ قال:"لا مهر دون عشرة دراهم"، وهذا الحديث لا أصل له يعني أقل من أن نقول ضعيف، ليس في كتب السنة، والغالب أن العلماء إذا قالوا لا أصل له يعني أنه لم يرو بإسناد. والراجح إن شاء الله مذهب الجمهور وهو أن المهر لا حد لأقله. قال المؤلف ﵀: (وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً) هذه هي المسألة الثانية: كل ما صح ثمناً صح مهراً. والدليل على هذا: أن المهر عوض البضع، فكل ما جاز أن يكون عوضاً في البيع والأجرة يعني في الإجارة صح أن يكون مهراً، وسيذكر المؤلف مجموعة من الأشياء التي تستثنى لكن الأصل أن كل ما صح ثمناً للمبيع أو أجرة في الإجارة، فإنه يصح أن يكون مهراً. قال المؤلف ﵀: (وإن أصدقها تعليم القرآن .. )

стр. 2197

قوله وإن أصدقها تعليم القرآن أفادنا المؤلف بهذه العبارة بل بالتي قبلها، يعني هو مستفاد من عموم العبارة السابقة، أنه يجوز أن يكون المهر قليلاً وكثيراً، حالاً ومؤجلاً، حالاً وفي الذمة، وعيناً، لأنه يقول: (كل ما صح أجرة أو ثمن صح مهراً)، وهذه الأشياء تصح، وأيضاً يجوز أن يكون منفعة، ويجوز أن يكون عيناً، وهذا الذي أقوله اتفق عليه الأئمة الأربعة في الجملة، وهو أنه يجوز مهما كان نوعه وجنسه وتأجيله وحلوله إلى آخره، إلا أن الأحناف خالفوا في المنفعة، فلم يرو أن المنفعة يصح أن تكون مهراً، واستدل الأحناف على عدم تصحيح المنفعة مهراً في أن الله اشترط أن يكون المهر من المال والمنفعة ليست مالاً. واستدل الجمهور الذين يرون جواز أن تكون المنفعة مهراً بأدلة: الأول: أن المنفعة وإن لم تكن مالاً فهي بمعنى المال ولذلك يعاوض عنها بالمال. الدليل الثاني قوله تعالى: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثمان حجج﴾، والإجارة للرعي منفعة وليست مالاً. لهذا نقول الراجح إن شاء الله: جواز جعل المنفعة مهراً، يستثنى من هذا مسألة واحدة فقط أشار إليها شيخ الإسلام ﵀، وهي أنه لا يجوز أن تكون المنفعة خدمة خاصة للزوجة، يعني أن يكون المهر هو منفعة خدمة الزوجة، واستدل على هذا بأمرين: الأمر الأول: أن في هذا إهانة وامتهاناً للزوج. الثاني: وهو من وجهة نظري الأهم أن في هذا تعارض الحقوق، بأن العقد يقتضي أن تخدم الزوجة الزوج، وهذا المهر يقتضي العكس، وما ذكره الشيخ وجيه وصحيح، فإذاً يجوز أن تكون المنفعة أي نوع من الأنواع، إلا خدمة الزوجة، فلها أن تقول مهري أن تقوم بإدارة المزارع الخاصة بي، أو المنازل الخاصة بي، أو بتأجير البيوت التابعة لي، ونحو هذه، أو بمتابعة المعاملات الخاصة بي، إلا أنه يجب أن تكون المنفعة محددة ومعلومة.

стр. 2198

نرجع، يقول الشيخ رحمه الله تعالى: (وإن أصدقها تعليم قرآن لم يصح)، لا يصح عند الحنابلة أن يكون العوض هو تعليم القرآن، والتعليل ظاهر لما تقدم معنا في كتاب البيوع، أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ونحن نقول أن كل ما صح عوضاً في الأجرة والبيع صح مهراً، وهذا لا يصح عوضاً في الأجرة، فلا يصح مهراً في الحقيقة، مسألة تعليم القرآن داخلة في عموم عبارته السابقة، يعني لو لم يذكرها لأمكن طالب العلم أن يعرفها من خلال القاعدة، لأنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن عند الحنابلة إنما نص عليه الشيخ لأن فيها نصاً من السنة، ولقوة الخلاف فيها، إذاً عرفنا الآن مذهب الحنابلة أنه لا يجوز أن يكون تعليم القرآن مهراً. واستدلوا على هذا بأنه ليس مما يجوز أخذ الأجرة عليه. الدليل الثاني: أن تعليم القرآن ليس مالاً. القول الثاني: أنه يجوز أن يكون تعليم القرآن مهراً، واستدل الحنابلة على هذا بحديث الواهبة، فإن الواهبة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ لما لم يرد أن ينكحها أنكحها رجلاً، ولم يكن مع الرجل أي نوع من الأموال النقدية، لا الحاضرة ولا الغائبة، فقال النبي ﷺ :" هل معك شيء من القرآن؟ فقال: نعم، فقال: أنكحتكها بما معك من القرآن، أو زوجتكها بما معك من القرآن". فالباء في هذا الحديث باء المعاوضة فالنبي ﷺ جعل عوض البضع تعليم القرآن، وهو نص في المسألة.

стр. 2199

الدليل الثاني: أن تعليم القرآن منفعة معلومة محددة، فجاز أن تكون مهراً، واشترط القائلون بالجواز معرفة مقدار ما سيعلم الرجل المرأة، وهل التعليم هو التحفيظ؟ أو التعليم هو حسن القراءة؟ فلا بد أن يبين هذا بالتمام حتى نخرج من الجهالة إلى العلم، إذاً يجوز أن يكون تعليم القرآن عند هؤلاء مهراً، والصحيح هو هذا إن شاء الله، ولا يستطيع أن يخرج الإنسان عن مقتضى هذا الحديث، وما أجاب به الحنابلة عن الحديث ضعيف جداً وهو أنهم قالوا: مقصود النبي ﷺ زوجتكها بما معك من القرآن أي نظراً لقدرك ورفعتك بحفظ القرآن، وهذا كلام فيه تكلف ظاهر جداً، ثم إنه يجعل العقد بلا مهر، ونحن تقدم معنا أن خلو العقد من المهر يفسد النكاح. الخلاصة أن الراجح إن شاء الله: هو هذا أنه يجوز أن يكون تعليم القرآن مهراً للمرأة. قال المؤلف ﵀: (بل فقه وأدب وشعر .. )

стр. 2200

يعني بل يجوز أن يكون تعليم الفقه والأدب والشعر المباح مهراً، وتعليل ذلك أن هذا التعليم تعليم معلوم، ومنفعة محددة، فجاز أن تكون مهراً، والشيخ هنا يقول ﵀: (بل فقه وأدب وشعر مباح معلوم) فذكر الفقه والأدب والشعر المباح، هل في كلام الشيخ إشكال؟ الإشكال الذي ظهر لي أنه كيف يقول الشيخ بل فقه وغيره من الحنابلة يقولون بل فقه وحديث إلى آخره، مع العلم أنهم قرروا في كتاب البيع أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم الفقه والحديث، نصوا على هذا أليس كذلك؟ الجواب عن هذا أن يقال: أن قوله بل فقه يعني على القول بجواز أخذ الأجرة هذا حتى نحمل كلام المؤلف على محمل حسن، وإلا في الحقيقة ينبغي أن لا يذكر الفقه باعتبار أنه قرر فيما سبق أنه لا يجوز أن تؤخذ الأجرة على تعليم الفقه، وهنا نقول على القول بجواز تعليم الفقه والحديث، ينبغي أيضاً أن يحدد، الفقه طويل ومتشعب والحديث كذلك والتفسير والنحو، ينبغي أن يحدد ما هو الشيء الذي سيكون محل التعليم، وإذا حدد الشيء كأن يقول تعليم كتاب الصلاة مثلاً، إذا حدد الكتاب ينبغي أن يحدد ما هو التعليم المقصود، هل تقصد أنه يفهم أو يحفظ؟ ثم إذا حدد ينبغي أن يحدد إذا افترضنا أن التعليم هو الفهم يعني أن يشرح له إلى أن يفهم، ينبغي أن يحدد مدى الشرح المتعلق بالفهم، يعني كأن يقول المهر هو شرح كتاب الصلاة إلى أن تفهم الزوجة كتاب الصلاة على ألا يتجاوز مدة الشرح شهر مثلاً، لأنه قد يكون المتعلم ذكي، وقد يكون غبي، وقد يكون بطيء الفهم، وقد يكون سريع الفهم، فإذا كان المهر هو التعليم والتفهيم، ربما يجلسون ثلاث أربع سنوات ما فهم الكتاب، فإلى أي حد يكون العمل، ومن الناس من يفهم من أول مرة ومنهم من يفهم من ثاني مرة ومنهم من يفهم من ثالث مرة ومنهم من لا يفهم أبداً، فإذاً لا بد من وضع حد معين للفهم، وهذا كله نصوا عليه الحنابلة وهو حقيقي، ولذلك إذا كان في منطقة من المناطق اعتادوا أن يكون المهر هو التعليم بسبب جودتهم وكثرة الدين فيهم ورغبتهم في الخير ينبغي تحديد هذا الشيء، حتى لا يكون مثار اختلاف. قال المؤلف ﵀: (وإن أصدقها طلاق ضرتها .. )

стр. 2201

وإن أصدقها طلاق ضرتها لم يصح، لا يجوز أن يكون المهر طلاق الضرة الأخرى، لأمرين: الأمر الأول: أن طلاق المرأة الأخرى ليس بمال، والله تعالى شرط في المهر أن يكون مالاً. الثاني: أن النبي ﷺ قال: "لا تسأل المرأة طلاق أختها"، فهذا النوع من المهر محرم. القول الثاني: أنه يجوز أن يجعل طلاق الضرة مهراً، لأن للزوجة الجديدة منفعة واضحة، وهي خلو الزوج عن مشارك، وهذا القول الثاني كما ترون ضعيف جداً لأنه مصادم للنص، والقول إذا صادم النص لا عبرة به، ولو ظهر للإنسان أن ما ذكره أصحابه من تعليل وجيه، فهو قول ضعيف مصادم للنص، كيف ينهى النبي ﷺ عن أمر فيجعله بعض الناس مهراً هذه مضادة للشرع. قال المؤلف ﵀: (وله مهر مثلها) له مهر مثلها: يعني إذا لم نصحح هذا المهر فللمرأة مهر المثل، واستدلوا على هذا بأن المهر إذا لم يصح فإنا نرجع إلى مهر المثل، وهي قاعدة الحنابلة وغيرهم من الفقهاء كما سيأتينا في المسألة اللاحقة. القول الثاني: أن لها مهر ضرتها، يعني نعطيها بمقدار مهر الضرة، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، لأن هذا المهر أقرب إلى المهر المسمى، وهذا القول هو الراجح، لاحظ الآن سيأتينا مسائل أخرى تشبه هذه المسألة، لاحظ الآن أنا رجحنا القول الذي فيه مهر المثل أو الأقرب للمسمى، وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀ وسيأتينا أن هذا لو وضع قاعدة لكان مفيداً سيأتينا الآن في المسألة اللاحقة. قال المؤلف ﵀: (ومتى بطل المسمى وجب مهر المثل) إذا بطل المسمى وجب مهر المثل عند الجماهير. استدلوا على هذا بأن البضع لا يستباح إلا بعوض، فإذا بطل العوض رجعنا إلى بدله، وأقرب الأبدال مهر المثل، والمهر يبطل لعدة أسباب: إما أن يكون المهر محرماً، كأن يصدقها خمراً أو خنزيراً، أو يبطل لكونه مجهولاً، أو لا يبطل وإنما لم يسمى. هذه قاعدة الحنابلة، والحقيقة أن في المسألة تفصيل آخر وهو كالتالي:

стр. 2202

أن نقول إذا كان المهر لم يسمى، فالواجب بدله مهر المثل، والدليل على هذا حديث صحيح وهو أن ابن مسعود ﵁ وأرضاه سئل عن رجل عقد على امرأة ثم مات فأفتى ﵁ وأرضاه بأن لها مهر مثلها، ثم قام أحد الصحابة وأخبر أن النبي ﷺ حكم بمثل ما حكم به ابن مسعود، قال الراوي: فلما علم ابن مسعود بموافقته النبي ﷺ فرح فرحاً لم يفرح مثله في الإسلام، عبارة ضخمة جداً يعني كأنه بعد إسلامه لم يفرح بشيء كفرحه بموافقته لفتوى النبي ﷺ ، ومن هذا الحديث أخذ بعض أهل العلم أن من ضوابط معرفة الإنسان لفهمه أن يوافق قول المحققين، وهذا الصحيح، فإذا كان الإنسان فهمه وإدراكه وفهمه للنصوص يوافق فهم المحققين وعلى رأسهم الصحابة فهذا دليل على صحة فهمه وجودة ذهنه، وإن كان العكس فالعكس، وليس المقصود أن يكون الترجيح واحد، لكن الفهم واحد أما الترجيح فيختلف فيه الناس، فهذا الحديث نص في أنه إذا لم يسمى المهر فلها مهر المثل. القسم الثاني: أن يكون المهر باطلاً، لكونه محرماً كالمغصوب والخنزير والخمر وما شابه ذلك، فهذا الحنابلة أيضاً يرون أن لها مهر المثل. والقول الثاني: أنه في هذا النوع للزوجة مثل المغصوب أو قيمته، فإذا غصب سيارة وأصدقها للمرأة ثم تبين أنها مغصوبة فالمهر عند الحنابلة مهر المثل، والمهر على القول الثاني أن يأتي بسيارة مثل هذه السيارة المغصوبة. والقول الثالث: أنه إن كان خمراً فتعطى بمقداره خلاً، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وهو في الحقيقة لا يختلف عن القول الثاني نفس الشيء.

стр. 2203

على كل حال الراجح إن شاء الله القول الثاني وهو أن يأتي بمثل المغصوب أو بقيمته، إذا كان المهر مغصوباً يأتي بمثله أو قيمته، لكن إذا كان المهر خمراً كيف يأتي بمثله؟ خل هذا الذي أشارت إليه الرواية الثالثة، لكن الإشكال الآن أن بين قيمة الخمر وقيمة الخل فرق كبير، وهي مثلاً امرأة نصرانية لا تعرف أحكام الإسلام وأصدقها خمراً باهض الثمن رضيت به مهراً، ثم تبين أنه في الشرع لا يجوز، فقال: آتي لك بدله وهو الخل، الخل أرخص بكثير من الخمر، وقد يكون الفرق بينهما كبير، ولهذا نقول إن القول الثاني أرجح لأنه أضبط، تأتي ببدله، فإن لم تتمكن لعدم وجوده أو للمانع الشرعي فتأتي بالقيمة، فنقول كم قيمة هذا الخمر ويكون هو الصداق. وهذا القول في الحقيقة فيه عدل كبير جداً، متوافق مع الشرع وفيه طمأنينة في استباح البضع، لأنها إنما رضيت بهذا القدر من المهر، وكما تعلمون قد يكون بين المهرين بون شاسع جداً، فإذا أصدقها سيارة جديدة تقدر بمائة ألف ريال وصداق مثلها عشرة آلاف ريال بين المهرين تسعين ألف ريال، فدخل عليها ضرر على مذهب الحنابلة لو قلنا لها مهر المثل، أما على هذا القول الذي ذكره شيخ الإسلام ففيه عدل، وإن شاء الله أنه أقرب لقواعد الشرع. فصل وإن أصدقها ألف إن كان أبوها حياً وألفين إن كان ميتاً وجب مهر المثل، قوله وجب مهر المثل يعني فسد المهر المسمى ووجب مهر المثل، هذا مقصود المؤلف، يعني فسد المهر المسمى ووجب مهر المثل والحنابلة يرون أن هذا المهر فاسداً لأنه مجهول، فإنا لا نعلم هل الأب ميت أو حي، وأخذنا أنه لا يصح أن يكون المهر مجهولاً ويجب إذا كان مجهولاً مهر المثل، فإن كان حال الأب معلوماً يعرف هل هو ميت أو حي فإنه أيضاً لا يصح أن يكون مهراً لأن تعليق المهر على موت الأب أو حياته لا ضرر فيه صحيح لا للزوجة ولا للزوج، ولا يجوز تعليق المهر على أمر ليس فيه غرض صحيح.

стр. 2204

القول الثاني: أنه يصح تعليق المهر على هذا الأمر لأنه قد يكون فيه غرض صحيح للزوج وفيه غرض صحيح للزوجة، أما غرض الزوجة فواضح فهي إذا قالت إن كان الأب ميتاً فلي ألفين وإن كان الأب حياً فلي ألف غرضها صحيح، لأنه بموت أبيها تكون حاجتها أكبر، وبحياته تكون حاجتها أقل، وهذا يجعل الأمر متناسباً مع مقدار المهر، وقد يكون هو أيضاً له غرض صحيح بأن يكون لا يحب أباها أو يستثقل أباها فإن كان الأب ميتاً فهي كالبشارة له ويعطيها ألفين، وإن كان حياً نقص، بالنسبة للقول الثاني وجيه في الحقيقة لاسيما إذا كان الغرض لها لكنه ليس من المروءة تعليق المهر مهما كان الغرض على موت الأب تعليقه على موت الأب أمر غير جيد لاسيما إذا كان المهر أكثر في حال موت الأب، بل ينبغي أن يعلق المهر على أمر آخر سوى موت الأب يحصل به الغرض، على كل حال إن علقه عليه فالرواية الثانية عن الإمام أحمد أرجح إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (وعلقه ... ) نعم إذا علقه فقال: إن كان لي زوجة بألفين، وإن كان ليس لي زوجة بألف، فيصح المسمى بلا إشكال لأن للمرأة غرض صحيح في خلوه من المشاركة، بل أن الفقهاء يقولون من أكبر أغراض المرأة خلو الزوج من مشاركة، فتعليق هذا الأمر أو المهر على هذا الأمر صحيح ولا إشكال عليه فإن تبين أن له زوجة فيعطيها ألفين وإلا فألف. قال المؤلف ﵀: (وإذا أجل الصداق .. ) إذا أجل الصداق أو بعضه صح بلا نزاع، فيجوز أن يكون مؤجلاً أو معجلاً، ولا إشكال في ذلك لأنه معاوضة، فيقاس على البيع، فلا إشكال إن شاء الله في كونه مؤجلاً. قال المؤلف ﵀: (فإن عين أجلاً ... ) إذا كان المهر مؤجلاً فهو على قسمين: إما أن يكون مؤجلاً لأجل معين، فيحل بحلول الأجل، ولا إشكال ويجب على الزوج أن يدفع المهر عند حلول الأجل. القسم الثاني: ألا يكون مؤجلاً بأجل معين، وإنما يطلق، فالحنابلة يرون أنه إذا أطلق فالتسمية صحيحة، ويحل بالفرقة، والفرقة تحصل بأحد أمرين طلاق أو موت.

стр. 2205

استدل الحنابلة على تصحيح المسمى مع جهالة الأجل بأن العرف والعادة جرت بأن المؤجل إذا لم يحد بأجل معين فحده الفرقة، والعرف دليل معتبر في الشرع، ولهذا قعد الفقهاء أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. القول الثاني: أنه إذا أجله بأجل مجهول فسد الأجل ووجب حالاً. والقول الثالث: أنه يفسد المسمى برمته ولها مهر المثل، ولا شك أن الحنابلة قولهم أرجح وأوفق وهو الذي يدل عليه عمل الناس والأعراف السائدة، وأما إلغاء الشرط وحلول المهر ففيه مضرة ظاهرة على الزوج، ولا يأتي فيما أرى الشرع بمثله. قال المؤلف ﵀: (وإن أصدقها مالاً مغصوباً .. ) إن أصدقها مالاً مغصوباً أو خنزيراً ونحوه وجب مهر المثل، تقدم معنا أن قاعدة الحنابلة أنه متى فسد المسمى فالواجب مهر المثل، وأن من صور فساد المسمى أن يصدقها مالاً محرماً كالخنزير والخمر، وتقدم معنا أن القول الثاني وجوب مثله أو قيمته، وأن هذا إن شاء الله أرجح القولين وأقرب لقواعد الشرع. قال المؤلف ﵀: (وإن وجدت ... ) وإن وجدت المباح معيباً خيرت بين أرشه وقيمته، معنى هذه العبارة: أنه إذا أعطى الزوج زوجته مهراً معيباً فإن الزوجة تخير بين أمرين: الأول: أن تمسك المهر المعيب، وتأخذ الأرش وهو الفرق بين قيمة المهر سليماً ومعيباً. والخيار الثاني: أن ترد المهر وتأخذ قيمته إن كان قيمي أو مثله إن كان مثلي. والقول الثاني: أنه ليس لها إلا أن تمسك أو ترد فقط، وهذه المسألة تقدمت معنا بعينها في خيار العيب، فما يقال هناك هو ما يقال هنا، تماماً، الخلاف هنا كالخلاف هناك، وذكرت هناك أن الراجح: أنها تخير بين الإمساك وبين الرد فقط بظاهر حديث المصراة، كذلك هنا لأن هذا العقد فيه معاوضة، يعني النكاح والمهر فيه معاوضة، فلعله إن شاء الله الأقرب هنا هو الأقرب هناك، وإن كانت المسألة أيضاً تحتاج إلى مزيد تأمل هنا وهناك لكن الأقرب إن شاء الله الآن هذا.

стр. 2206

يقول الشيخ هنا رحمه الله تعالى: (وإن وجدت المباح معيباً خيرت بين أرشه وقيمته)، مقصود الشيخ بهذه العبارة: أي إذا كان معيناً، إذا كان المهر معيناً فالحكم هو ما ذكرت، أما إذا كان المهر في الذمة فإنه إذا كان معيباً فلها بدله لا الأرش ولا القيمة، لأنه في الذمة، فإذا قال صداقك شاة عمرها كذا وصفتها كذا وكان ينوي أن يعطيها شاة عنده تنطبق عليها المواصفات ثم تعيبت الشاة بأي عيب، فالواجب أن يحضر لها شاة تتوافق مع الوصف المذكور في العقد، إذاً الخلاصة أن الخلاف السابق في المعين لا في ما في الذمة لأن ما في الذمة يجب بدله مطلقاً. قال المؤلف ﵀: (وإن تزوجها على ألف ... ) إذا تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صحت التسمية، مقصود المؤلف هنا: أنه يجوز للأب أن يشترط لنفسه قدراً معيناً من المهر، ويكون ملكاً له، لكن ينبغي أن تتنبه أن المهر هو مجموع ما لها وله، مال الزوجة وللأب، المجموع هو المهر، يسمى مهراً، لأنه سيأتينا فروع تنبني على مقدار المهر، هل المهر ما تأخذه الزوجة أو ما يأخذه الأب؟ الصواب أن المهر ما تأخذه الزوجة والأب، نرجع لمسألتنا، الحنابلة يرون أنه يجوز للأب أن يشترط لنفسه قدراً معيناً من المهر، واستدل الحنابلة على هذا بدليلين: الأول: الآية السابقة ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ ففي الآية أن شعيب ﵊ اشترط لنفسه أن يرعى موسى الغنم والمهر في هذه الحالة للأب كله. الدليل الثاني: الذي استدل به الحنابلة أن الأب له أن يتملك من مال ولده ما يشاء، واشتراط الأب قسماً من المهر هو بمعنى التملك. القول الثاني: أن المهر كله للمرأة. والقول الثالث: أنه إذا اشترط الولي هذا الشرط فسد المسمى ولها مهر المثل. والقول الرابع: أن ما يشترط لأحد سوى الزوجة إن كان قبل العقد فهو للزوجة، وليس لمن سمي له وإن كان بعد العقد فهو لمن سمي له.

стр. 2207

واستدلوا أي أصحاب القول الرابع بقول النبي ﷺ :"أيما امرأة نكحت على مهر أو محاباة أو حباء أو عطية فهو لها قبل العقد، ولمن سمي له بعد العقد" وهذا الحديث كما ترى نص على التفصيل المذكور في القول الرابع نص تماماً، لكن هذا الحديث فيه إشكال من حيث الثبوت، فهو أعل بعلتين: العلة الأولى: أنه رواه ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن جريج مدلس وأجاب أصحاب هذا القول عن هذه العلة بأن ابن جريج صرح بالتحديث عند الإمام النسائي، فانتهينا من علة التدليس. العلة الثانية: أن الإمام الكبير البخاري قال: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يعني لم يسمع من عمرو، وهذه علة قادحة، ولم يذكر عنها أصحاب هذا القول جواباً مع ذلك أقول أن هذا الحديث يؤيده أمران: الأول: أنه روي هذا الحديث من طريق آخر عن مكحول مرسلاً ومراسيل مكحول جيدة. الثاني: أن هذا الحديث روي عن عائشة ﵂، وهو ضعيف لكن ضعفه يسير، فاجتمع معنا هذا الحديث، مع حديث عائشة وضعفه يسير، مع مرسل مكحول، من وجهة نظري أن اجتماع مثل هذه الأمور تعطي الحديث قوة لاسيما وأنه فيما يظهر لي أن ما في الحديث من تفصيل متوافق مع قواعد الشرع. ((الآذان)) لهذا يكون إن شاء الله الراجح القول الرابع لأن هذا الحديث يعضده ويقويه. قال المؤلف ﵀: (فلو طلق قبل الدخول .. ) إذا طلق الإنسان قبل الدخول وبعد العقد فللمرأة نصف المهر، ونص المسمى هنا ألف، وهذا معنى ما قلته أولاً، أن المهر هو مجموع ما يعطى الأب والزوجة، فإذا كان المهر يتقدر بألفين، فنصفه ألف، لقوله تعال: ﴿فنصف ما فرضتم﴾، وسيأتينا كم للمرأة قبل الدخول وبعد الدخول، لكن المؤلف يريد أن يشير هنا إلى أنه يأخذ نصف مجموع ما أعطى الأب والمرأة. قال المؤلف ﵀: (ولا شيء .. ) يعني لا تملك المطلقة وهي ابنته المطالبة بالألف، ولا الزوج يملك المطالبة بالألف، لأن حقيقة ما صار أن المهر للمرأة ثم أخذه الأب، كأنه أخذه بعد قبض المرأة يعني الزوجة، وإذا أخذ الأب المهر بعد قبض الزوجة له فلا يستطيع أحد أن يطالبه به لا ابنته ولا الزوج. قال المؤلف ﵀:

стр. 2208

(ولو شرط ذلك لغير الأب فكل مسمى لها) يعني أن جواز اشتراط الأولياء شيء من المهر خاص بالأب، أما غيره من الأولياء كالأخ والعم والابن فليس لهم أن يشترطوا، واستدل الحنابلة على هذا بأن غير الأب ليس له أن يتملك من مال ابنه فلا يساوي الأب. واستدلوا ثانياً بأن الأصل أن المهر ملك للزوجة، وإنما خرجنا عن هذا الأصل بوجود أدلة تستثني الأب. قال المؤلف ﵀: (ومن زوج بنته ولو ثيباً بدون مهر مثلها .. ) يجوز للأب أن يزوج ابنته ولو كانت كبيرة وثيبة بدون مهر مثلها ولو كرهت. واستدل الحنابلة على هذا بأمرين: الأمر الأول: جميع النصوص الدالة على استحباب تخفيف المهور. الثاني: أن النبي ﷺ كان يأخذ صداقاً عن بناته اثنتي عشرة أوقية، وهذا بلا شك أنه ليس مهر مثلها، بل مهر مثل بنت النبي ﷺ عظيم، فهذان دليلان على جواز أن يكون أقل ولا يشترط رضا المرأة. القول الثاني: وهو الذي تبناه الإمام الشافعي أنه لا يجوز للأب أن يأخذ مهراً أقل من مهر المثل. أولاً استدل بأمرين: الأمر الأول: أن في هذا تعدي على حقوق المرأة. الثاني: أنه بهذا مفرط، لأن عليه أن يعمل بما فيه صلاح المرأة، وليس من صلاحها الغض من مهر مثلها. والراجح إن شاء الله القول الأول لأن معه النصوص التي ذكر. والله أعلم وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين - ((انتهى الدرس)).

стр. 2209

الدرس: (١١) من النكاح قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف ﵀: (وإن زوجها به ولي غيره ... ) قوله وإن زوجها به، الضمير في قوله به يعود إلى ما دون مهر المثل، فإذا زوجها بما دون مهر المثل غير الأب ورضيت وأذنت جاز، والعلة في ذلك أن الحق لها فإذا أسقطته سقط، ولهذا جوزنا لغير الأب أن يزوجها بدون مهر المثل. قال المؤلف ﵀: (وإن لم تأذن فمهر المثل) إذا لم تأذن يعني للأولياء غير الأب، فيجب مهر المثل، لأن المهر عوض عن البضع، والعوض لابد فيه من رضا صاحبه، وصاحب العوض هي الزوجة، فإذا لم تأذن ولم ترض فإن المسمى يبطل، ولها مهر المثل، وهذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال على من يكون تكميل المسمى الذي هو دون مهر المثل، إلى أن يبلغ إلى مهر المثل، في هذا خلاف بين الفقهاء اختلفوا على قولين:

стр. 2210

القول الأول: أنه الزوج، فعلى الزوج أن يكمل إلى أن يبلغ مهر المثل، لأنه هو الذي أخذ العوض واستمتع بالزوجة فعليه أن يدفع مقابل هذا الاستمتاع، والمقابل هنا هو مهر المثل. والقول الثاني: أن الزوج عليه أن يدفع المسمى، وعلى الولي أن يكمل إلى مهر المثل، واستدلوا على هذا بأن الولي هو الذي فرط وهو الذي قصر بأخذ دون مهر المثل، ولعل الأقرب أنه على الولي، لأنه فرط بتزويجها بأقل من مهر المثل، ويفهم من كلام الفقهاء حين قالوا فرط، أن تصرفه هذا إذا لم يكن تفريطاً وإنما صنع ذلك لصالح الزوجة، كأن تخطب من قبل رجل مرغوب ومعروف بالصيانة والقيام على الزوجة بما ينبغي من حقوقها ولكنه لم يرض إلا بهذا المهر الذي هو دون مهر المثل فرضي مراعاة لمصلحة المرأة فإنه لا يُضمّن في مثل هذه الصورة، أما إذا لم يكن هناك مصلحة مراعاة فإن الولي يضمن. قال المؤلف ﵀: (وإن زوج ابنه الصغير بمهر المثلي أو أكثر .... ) أفادنا المؤلف أن للأب أن يزوج ابنه بأكثر من مهر المثل، ويصح ويكون لازماً ويثبت في ذمة الصبي. والدليل على هذا: أن المرأة قد لا ترضى إلا بهذا المهر، كما أن هذا الابن قد لا يزوج إلا بهذا المهر، ولهذا جاز له أن يزيد على مهر المثل.
следующие страницы →