Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
يقول الشيخ هنا رحمه الله تعالى: (وإن وجدت المباح معيباً خيرت بين أرشه وقيمته)، مقصود الشيخ بهذه العبارة: أي إذا كان معيناً، إذا كان المهر معيناً فالحكم هو ما ذكرت، أما إذا كان المهر في الذمة فإنه إذا كان معيباً فلها بدله لا الأرش ولا القيمة، لأنه في الذمة، فإذا قال صداقك شاة عمرها كذا وصفتها كذا وكان ينوي أن يعطيها شاة عنده تنطبق عليها المواصفات ثم تعيبت الشاة بأي عيب، فالواجب أن يحضر لها شاة تتوافق مع الوصف المذكور في العقد، إذاً الخلاصة أن الخلاف السابق في المعين لا في ما في الذمة لأن ما في الذمة يجب بدله مطلقاً.
قال المؤلف ﵀:
(وإن تزوجها على ألف ... )
إذا تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صحت التسمية، مقصود المؤلف هنا: أنه يجوز للأب أن يشترط لنفسه قدراً معيناً من المهر، ويكون ملكاً له، لكن ينبغي أن تتنبه أن المهر هو مجموع ما لها وله، مال الزوجة وللأب، المجموع هو المهر، يسمى مهراً، لأنه سيأتينا فروع تنبني على مقدار المهر، هل المهر ما تأخذه الزوجة أو ما يأخذه الأب؟ الصواب أن المهر ما تأخذه الزوجة والأب، نرجع لمسألتنا، الحنابلة يرون أنه يجوز للأب أن يشترط لنفسه قدراً معيناً من المهر، واستدل الحنابلة على هذا بدليلين:
الأول: الآية السابقة ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ ففي الآية أن شعيب ﵊ اشترط لنفسه أن يرعى موسى الغنم والمهر في هذه الحالة للأب كله.
الدليل الثاني: الذي استدل به الحنابلة أن الأب له أن يتملك من مال ولده ما يشاء، واشتراط الأب قسماً من المهر هو بمعنى التملك.
القول الثاني: أن المهر كله للمرأة.
والقول الثالث: أنه إذا اشترط الولي هذا الشرط فسد المسمى ولها مهر المثل.
والقول الرابع: أن ما يشترط لأحد سوى الزوجة إن كان قبل العقد فهو للزوجة، وليس لمن سمي له وإن كان بعد العقد فهو لمن سمي له.
стр. 2207
واستدلوا أي أصحاب القول الرابع بقول النبي ﷺ :"أيما امرأة نكحت على مهر أو محاباة أو حباء أو عطية فهو لها قبل العقد، ولمن سمي له بعد العقد" وهذا الحديث كما ترى نص على التفصيل المذكور في القول الرابع نص تماماً، لكن هذا الحديث فيه إشكال من حيث الثبوت، فهو أعل بعلتين:
العلة الأولى: أنه رواه ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن جريج مدلس وأجاب أصحاب هذا القول عن هذه العلة بأن ابن جريج صرح بالتحديث عند الإمام النسائي، فانتهينا من علة التدليس.
العلة الثانية: أن الإمام الكبير البخاري قال: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يعني لم يسمع من عمرو، وهذه علة قادحة، ولم يذكر عنها أصحاب هذا القول جواباً مع ذلك أقول أن هذا الحديث يؤيده أمران:
الأول: أنه روي هذا الحديث من طريق آخر عن مكحول مرسلاً ومراسيل مكحول جيدة.
الثاني: أن هذا الحديث روي عن عائشة ﵂، وهو ضعيف لكن ضعفه يسير، فاجتمع معنا هذا الحديث، مع حديث عائشة وضعفه يسير، مع مرسل مكحول، من وجهة نظري أن اجتماع مثل هذه الأمور تعطي الحديث قوة لاسيما وأنه فيما يظهر لي أن ما في الحديث من تفصيل متوافق مع قواعد الشرع.
((الآذان))
لهذا يكون إن شاء الله الراجح القول الرابع لأن هذا الحديث يعضده ويقويه.
قال المؤلف ﵀:
(فلو طلق قبل الدخول .. )
إذا طلق الإنسان قبل الدخول وبعد العقد فللمرأة نصف المهر، ونص المسمى هنا ألف، وهذا معنى ما قلته أولاً، أن المهر هو مجموع ما يعطى الأب والزوجة، فإذا كان المهر يتقدر بألفين، فنصفه ألف، لقوله تعال: ﴿فنصف ما فرضتم﴾، وسيأتينا كم للمرأة قبل الدخول وبعد الدخول، لكن المؤلف يريد أن يشير هنا إلى أنه يأخذ نصف مجموع ما أعطى الأب والمرأة.
قال المؤلف ﵀:
(ولا شيء .. )
يعني لا تملك المطلقة وهي ابنته المطالبة بالألف، ولا الزوج يملك المطالبة بالألف، لأن حقيقة ما صار أن المهر للمرأة ثم أخذه الأب، كأنه أخذه بعد قبض المرأة يعني الزوجة، وإذا أخذ الأب المهر بعد قبض الزوجة له فلا يستطيع أحد أن يطالبه به لا ابنته ولا الزوج.
قال المؤلف ﵀:
стр. 2208
(ولو شرط ذلك لغير الأب فكل مسمى لها)
يعني أن جواز اشتراط الأولياء شيء من المهر خاص بالأب، أما غيره من الأولياء كالأخ والعم والابن فليس لهم أن يشترطوا، واستدل الحنابلة على هذا بأن غير الأب ليس له أن يتملك من مال ابنه فلا يساوي الأب. واستدلوا ثانياً بأن الأصل أن المهر ملك للزوجة، وإنما خرجنا عن هذا الأصل بوجود أدلة تستثني الأب.
قال المؤلف ﵀:
(ومن زوج بنته ولو ثيباً بدون مهر مثلها .. )
يجوز للأب أن يزوج ابنته ولو كانت كبيرة وثيبة بدون مهر مثلها ولو كرهت.
واستدل الحنابلة على هذا بأمرين:
الأمر الأول: جميع النصوص الدالة على استحباب تخفيف المهور.
الثاني: أن النبي ﷺ كان يأخذ صداقاً عن بناته اثنتي عشرة أوقية، وهذا بلا شك أنه ليس مهر مثلها، بل مهر مثل بنت النبي ﷺ عظيم، فهذان دليلان على جواز أن يكون أقل ولا يشترط رضا المرأة.
القول الثاني: وهو الذي تبناه الإمام الشافعي أنه لا يجوز للأب أن يأخذ مهراً أقل من مهر المثل.
أولاً استدل بأمرين: الأمر الأول: أن في هذا تعدي على حقوق المرأة.
الثاني: أنه بهذا مفرط، لأن عليه أن يعمل بما فيه صلاح المرأة، وليس من صلاحها الغض من مهر مثلها.
والراجح إن شاء الله القول الأول لأن معه النصوص التي ذكر.
والله أعلم وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
- ((انتهى الدرس)).
стр. 2209
الدرس: (١١) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀:
(وإن زوجها به ولي غيره ... )
قوله وإن زوجها به، الضمير في قوله به يعود إلى ما دون مهر المثل، فإذا زوجها بما دون مهر المثل غير الأب ورضيت وأذنت جاز، والعلة في ذلك أن الحق لها فإذا أسقطته سقط، ولهذا جوزنا لغير الأب أن يزوجها بدون مهر المثل.
قال المؤلف ﵀:
(وإن لم تأذن فمهر المثل)
إذا لم تأذن يعني للأولياء غير الأب، فيجب مهر المثل، لأن المهر عوض عن البضع، والعوض لابد فيه من رضا صاحبه، وصاحب العوض هي الزوجة، فإذا لم تأذن ولم ترض فإن المسمى يبطل، ولها مهر المثل، وهذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال على من يكون تكميل المسمى الذي هو دون مهر المثل، إلى أن يبلغ إلى مهر المثل، في هذا خلاف بين الفقهاء اختلفوا على قولين:
стр. 2210
القول الأول: أنه الزوج، فعلى الزوج أن يكمل إلى أن يبلغ مهر المثل، لأنه هو الذي أخذ العوض واستمتع بالزوجة فعليه أن يدفع مقابل هذا الاستمتاع، والمقابل هنا هو مهر المثل.
والقول الثاني: أن الزوج عليه أن يدفع المسمى، وعلى الولي أن يكمل إلى مهر المثل، واستدلوا على هذا بأن الولي هو الذي فرط وهو الذي قصر بأخذ دون مهر المثل، ولعل الأقرب أنه على الولي، لأنه فرط بتزويجها بأقل من مهر المثل، ويفهم من كلام الفقهاء حين قالوا فرط، أن تصرفه هذا إذا لم يكن تفريطاً وإنما صنع ذلك لصالح الزوجة، كأن تخطب من قبل رجل مرغوب ومعروف بالصيانة والقيام على الزوجة بما ينبغي من حقوقها ولكنه لم يرض إلا بهذا المهر الذي هو دون مهر المثل فرضي مراعاة لمصلحة المرأة فإنه لا يُضمّن في مثل هذه الصورة، أما إذا لم يكن هناك مصلحة مراعاة فإن الولي يضمن.
قال المؤلف ﵀:
(وإن زوج ابنه الصغير بمهر المثلي أو أكثر .... )
أفادنا المؤلف أن للأب أن يزوج ابنه بأكثر من مهر المثل، ويصح ويكون لازماً ويثبت في ذمة الصبي. والدليل على هذا: أن المرأة قد لا ترضى إلا بهذا المهر، كما أن هذا الابن قد لا يزوج إلا بهذا المهر، ولهذا جاز له أن يزيد على مهر المثل.
стр. 2211
والقول الثاني: أنه ليس للأب أن يزيد عن مهر المثل، لأنه يتصرف بمال ابنه بطريق الوكالة وعليه أن يراعي مصلحة الابن وليس من مصلحة الابن زيادة المهر عن مهر المثل، والصواب إن شاء الله أن للأب أن يزيد في مهر ابنه عن مهر المثل، لما في ذلك غالباً من المصلحة ويندر أن يدفع الأب أكثر من مهر المثل بغير مصلحة، ومن هنا عرفنا أن الشارع الحكيم يفرق بين أن يكون الولي هو الأب وبين أن يكون الولي سواه من الأولياء كالأخ والعم والابن، لأن الأب فيه زيادة شفقة وحرص على الابن والابنة ولذلك خوله الشارع أن يتصرف أكثر من غيره من الأولياء.
قال المؤلف ﵀:
(وإن كان معسراً لم يضمنه الأب)
هذه المسألة مفروضة فيما إذا كان أهل الزوجة والزوجة يعرفون أنه معسر، فإذا كانوا يعرفون فإن الأب لا يضمن المهر، السبب في ذلك أنه ليس للأب دور سوى أن يكون وكيلاً عن ابنه، والوكيل لا يضمن الثمن كما في البيع، ولا يضمن العوض هنا في النكاح، لأنه مجرد وكيل لا يدخل ذمته شيء من الضمان.
والقول الثاني: في هذه المسألة أن الأب إذا زوج ابنه المعسر فإنه يضمن، لأن لسان الحال يقول وأنا ضامن عنه، وعلى هذا يدل العرف، أن الأب إذا زوج ابنه المعسر كأنه يقول أنا أضمن ما على ابني من مهر ونفقه. وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله أنه يضمن ما دام زوج ابنه وهو معسر فكأنه يقول ما يجب على ابني فهو علي، وفهم من هذا التفصيل أن الابن إذا كان موسراً فإن الأب لا يضمن مطلقاً، وهذا صحيح وهو رواية واحدة عن الإمام أحمد لم يختلف فيه، أنه إذا كان موسراً فإن الأب لا يضمن ما على ابنه في حالة كونه موسراً قادراً، ولو عجز بعد ذلك مادام حين العقد موسراً فإنه لا ضمان على الأب.
انتهى الفصل الأول من باب الصداق ننتقل إلى الفصل الثاني.
قال المؤلف ﵀:
(فصل وتملك الزوجة .. )
هذا الفصل خصصه المؤلف للكلام عن ملك المهر والتصرف فيه وما يتعلق بهذه المسائل.
أفادنا المؤلف أن المهر يملك بالعقد، يعني بمجرد العقد، وتعليل ذلك أن العقد موجب بذاته لملك العوض، فملكت المرأة المهر به.
стр. 2212
والقول الثاني: أن المرأة لا تملك بالعقد إلا نصف المهر، واستدلوا على هذا بأن الزوج ربما طلق قبل الدخول فلا يكون لها إلا نصف المهر، والراجح إن شاء الله المذهب وهي أنها تملك جميع المهر بالعقد، والقول الثاني ضعيف فقهاً وتعليلاً لأمور:
الأمر الأول: أن الطلاق عارض والأصل عدمه، وإنما يريد الإنسان النكاح للدوام لا للطلاق، والقاعدة الشرعية أن الحكم للغالب لا للعارض، فكيف نثبت الحكم هنا للعارض.
ثانياً: ينبغي على هذا القول أن لا تملك المرأة شيء مطلقا، ً لأنه ربما أيضاً ارتدت، وإذا ارتدت لم تستحق شيئاً من المهر، فإذا كانوا يراعون أنه ربما طلق، كذلك يجب أن يراعوا أنها ربما ارتدت.
وهذا كله يدل على الضعف الشديد في القول الثاني، فالراجح إن شاء الله أن المرأة تملك المهر بمجرد العقد لأن العوض في العقود يملك بها.
قال المؤلف ﵀:
(ولها نماء المعين قبل قبضه)
بدأ الشيخ الكلام عن فروع ملك الزوجة للمهر بالعقد.
الفرع الأول: أنه إذا كان المهر معنياً فإن المرأة تملك النماء المتصل والمنفصل، فهو لها، والتعليل أن هذا النماء نماء في ملكها، ونماء الإنسان في ملكه هو من ملكه، يعني أنه نمى والعين في ملكها، ونماء العين المملوكة ملك لمالك العين، وهذا صحيح ولا إشكال فيه، ومفهوم قوله المعين: أن غير المعين ليس كذلك وهذا الذي أشار إليه بقوله:
(وضده بضده)
ضد المعين غير المعين، فإذا كان المهر مالاً لم يعين فإن المرأة لا تملك نماء هذا المهر غير المعين، ولا تملك أن تتصرف فيه، لأنه لم يعين ولهذا لا يمكن أن يكون نماؤه تبعاً له لعدم التعيين، وهذا أيضاً لا إشكال فيه فإذا قال: صداقك شاة وصفها كذا وكذا، أو سيارة وصفها كذا وكذا، أو بيت وصفه كذا وكذا ولم يعين، فإنها لا تملك النماء.
قال المؤلف ﵀:
(وإن تلف فمن ضمانها ... )
هذه أيضاً من فروع ملك المهر الفرع الأول: أن لها أن تتصرف فيه.
والفرع الثاني: أن ضمان المهر عليها فلها أن تتصرف والضمان عليها، واستثنى المؤلف من الضمان ما إذا منع الزوج زوجته من قبض المهر فإذا منعها فإن الضمان لا يكون عليها، وفي هذه المسألة بحث:
стр. 2213
البحث الأول: أن الزوج إذا منع زوجته من التصرف في المهر فحكمه حكم الغاصب، عليه النقص ولها الزيادة.
المسألة الثانية: أن المؤلف أفادنا أن المرأة تملك التصرف، وعليها الضمان بملك المهر بالعقد، وذلك لأن المهر دخل في ملكها وإذا دخل الشيء في ملك الإنسان ملك التصرف فيه وعليه ضمانه.
القول الثاني: أن التصرف في المهر والضمان له لا يكون إلا بعد القبض، أما قبل القبض فإنها لا تملك ذلك، قياساً على ما تقدم في البيع أن الأعيان المملوكة بعقود معاوضة لا يتصرف فيها ولا تدخل الضمان إلا بعد القبض، فالخلاف الذي تقدم معنا في كتاب البيوع في التصرف في المبيع قبل قبضه وفي ضمانه يأتي معنا في التصرف في المهر قبل قبضه والتصرف فيه وضمانه قبل قبضة، فهناك ذكرنا الأقوال وهي نفسها هنا التفريق بين المكيل والموزون وغيره والقول بالتعميم، وترجيح أن الحكم عام لجميع الأعيان فكذلك هنا، الخلاصة أن البحوث التي تقدمت معنا في قبض الثمن في البيع من حيث التصرف والضمان، تأتي معنا في قبض المهر من حيث أيضاً التصرف والضمان، ولهذا نقول أن الراجح بناءً على البحوث السابقة أن المهر لا يصح التصرف فيه ولا يضمن مطلقاً إلا بعد القبض، مهما كان نوع المهر معدوداً مذروعاً مكيلاً موزوناً مهما كان نوع المهر فإنه لا يصح التصرف فيه ولا يضمن إلا بعد القبض، ولو كان من العقار أو من المنقود عموماً يشمل جميع أنواع المهور وهذا الذي تقدم معنا في البيع.
قال المؤلف ﵀:
(وعليها زكاته)
يعني عليها زكاة المعين، لأنه دخلها في ملكها بالعقد وعلى الإنسان أن يزكي الأموال التي يملكها إذا حال عليها الحول، فعليها الزكاة بالنسبة للمعين، أما غير المعين فلا زكاة فيه على المرأة لأنه لم يعين ولم يستقر الملك عليه بعد، فإذا قال الزوج لزوجته قبل العقد أو بعد العقد سيكون المهر سيارة وصفها لها ولم يقبضها إياها إلا بعد سنة فإنها إذا قبضت هذه السيارة يبدأ الحول بعد القبض، أما إذا قال صداقك هذه السيارة التي يشار إليها الآن فإنه يحسب الحول من حين العقد.
قال المؤلف ﵀:
(وإن طلق قبل الدخول ... )
стр. 2214
من الأشياء التي تستغرب على المؤلف ﵀ أنه لم يذكر الأمور التي يستقر بها المهر، مقررات المهر مع أنه من أهم مباحث الصداق لم يذكره الشيخ، وهذا غريب في الحقيقة، والسبب في ذلك أن الأصل وهو المقنع لم يذكر مقررات المهر، أما غيرهم من الحنابلة وغيرهم من الشافعية والمالكية وسائر أهل العلم فإنه في الحقيقة يعتنون عناية خاصة بمقررات المهر، لأنها مهمة من حيث ثبوت المهر، وللخلاف القوي في بعضها، ولشدة حاجة الناس إليها، في الحقيقة أنا استغربت من الشيخ أنه ترك مقررات المهر، مع أنه ذكرها في كتابه الإقناع وذكرها في كتبه الأخرى، وذكرها الشيخ ابن قدامة في غير الأصل في غير المقنع، لكن على كل حال الأصل والمختصر الزاد لم يذكرا مقررات المهر.
نقول مقررات المهر أربعة:
الأول: يتقرر ويستقر المهر، ومعنى يتقرر ويستقر: أي لا يسقط مهما كان السبب بعد ذلك، يتقرر أولاً بالموت فإذا مات الزوج أو ماتت الزوجة حتف أنفها أو انتحرت أو حتف أنفه أو انتحر أو مات بأي سبب من الأسباب فإن المهر يستقر ويثبت للمرأة، واستدل الجماهير على هذا الحكم بأمرين:
الأول: حكي إجماعاً.
الثاني: حديث ابن مسعود ﵁ فإن رجلاً تزوج امرأة ولم يسمي لها مهراً فسئل ابن مسعود فقال: لها مهر نسائها لا نقص ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، فأخبر أن النبي ﷺ حكم في بروة بنت واشق بنفس هذا الحكم الذي حكمه ابن مسعود، فإذاً الموت من مقررات المهر ولا إشكال.
الثاني: الوطء، والوطء أيضاً من مقررات المهر بالإجماع، بل هو المقرر الأول في الحقيقة للمهر، والدليل على أن الوطء من مقررات المهر من وجهين:
الأول: الآية وهي قوله تعالى: ﴿ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾، فنصت الآية أنه لا يتقرر المهر إلا بالمس، والمس في الآية هو الوطء.
الدليل الثاني: هو الإجماع.
стр. 2215
الثالث من مقررات المهر: الخلوة، والمقصود بالخلوة يعني المجردة ولو بلا وطء، فإذا خلا الزوج بزوجته وانفردا فإنه يجب بذلك المهر، سواء وطء وجامع أو لم يجامع، ويستثنى من هذا إذا منعت المرأة زوجها من الوطء، أو كان ممن لا يطأ مثله، ففي هاتين الصورتين لا تكون الخلوة مقررة للمهر، فيما عدا هاتين الصورتين الخلوة مقررة للمهر، ولو خلا بها وهي حائض يعني لا يستطيع أن ينكحها، ولو خلا بها وهي محرمة، يعني ولو وجدت موانع حسية أو شرعية، والدليل على أن الخلوة من مقررات المهر من وجهين:
الوجه الأول: وهو الأصل عليه الاعتماد، أنه روي عن الخلفاء الراشدين ﵃ وأرضاهم أن من أغلق باباً أو أرخى ستراً فقد وجب المهر، فجعلوا مناط استقرار المهر على الخلوة، وهذه الآثار التي رويت عن الصحابة ﵃ هي العمدة في باب ثبوت واستقرار المهر بمجرد الخلوة.
الدليل الثاني: أن المرأة بتسليم نفسها للزوج أثناء الخلوة أدت ما عليها من التمكين فاستحقت بذلك المهر.
والقول الثاني: أن الخلوة لا توجب المهر إذا خليت عن الوطء، لأن الآية صرحت باشتراط المس ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾، والمس هو الجماع، والراجح القول الأول لورود الآثار الصحيحة عن الصحابة بل عن الخلفاء.
المقرر الرابع والأخير: المباشرة أو أن يستحل منها ما لا يستحله إلا الزوج، هذا المقرر الرابع على شقين: الشق الأول: أن يباشر أو يقبل أو يمسك أو يلمس كما قال الفقهاء، ولو بلا خلوة، جعلوا هذا المباشرة وما يلحق بها من مقررات المهر، واستدلوا على هذا بأن هذا من جملة الاستمتاع فيقاس على الوطء.
الشق الثاني للمقرر الرابع: أن يستحل منها ما لا يستحل غيره، كأن يراها عريانة، فإن رؤية الرجل للمرأة عريانة ليست من المباشرة، إلا أنها مما لا يستحله إلا الزوج.
стр. 2216
والقول الثاني: أن المباشرة ونحوها لا تقرر المهر، لأن الآية والآثار دلت على أن مقررات المهر الوطء والخلوة، والمباشرة ليست وطء ولا خلوة، ولهذا نقول إنها ليست من المقررات، يعني لأنها ليست وطءً ولا خلوة، والراجح بوضوح إن شاء الله أنها ليست من المقررات، فعلى الراجح تكون المقررات ثلاثة، الموت والوطء والخلوة، فإذا حصل أحد هذه الثلاثة تقرر المهر ووجب في ذمة الزوج، ولا يمكن أن يسقط أبداً لأنه استقر.
نرجع إلى كلام المؤلف.
قال المؤلف ﵀:
(وإن طلق قبل الدخول أو الخلوة ... )
إذا طلق الزوج قبل الدخول أو الخلوة، يعني قبل مقررات المهر، فله نصف المهر، لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، هو الشيخ يقول له نصف المهر أو نقول لها نص المهر النتيجة واحدة، فإذاً إذا طلق قبل الدخول فله نصف المهر، وهذا الحكم منصوص عليه في الآية.
قال المؤلف ﵀:
(فله نصفه حكماً)
معنى قوله حكماً أي قهراً، يدخل في ملكه بلا اختيار، لأن الآية أثبتت أن له النصف.
قال المؤلف ﵀:
(دون نمائه المنفصل)
له نصف المهر دون النماء المنفصل، يعني وهو للزوجة، باعتبار ما تقدم معنا أن المهر يملك بنمائه المنفصل والمتصل بمجرد العقد، فإذا طلق قبل الدخول رجع بنصف المهر الذي سلم، وأما النماء فهو للزوجة لما تقدم معنا من ملكها إياه.
قال المؤلف ﵀:
(وفي المتصل له نصف قيمته بدون نمائه)
يعني والمتصل أيضاً للزوجة، لكن أراد المؤلف أن يبين بماذا يرجع الزوج، إذا كان النماء متصلاً، فيقول يرجع بنصف القيمة قبل النماء، فإذا أصدقها شاة تقدر بمائة ريال مثلاً وسمنت الشاة وصحت وأصبح قيمتها ثلاثمائة ريال فهو يرجع بخمسين ريال، بالقيمة قبل النماء المتصل، والخلاصة والأسهل أن نقول يرجع بنصفه والنماء المتصل والمنفصل للزوجة، فإذا قلنا أن النماء المتصل كله للزوجة، إذاً لن يرجع الزوج إلا بنصف ما أعطاها قبل هذا النماء المتصل، وإنما نص الشيخ على المتصل لأن المنفصل أمره واضح، المنفصل سيبقى عند الزوجة لكن الإشكال في المتصل فبين الشيخ كيف يحسب.
قال المؤلف ﵀:
стр. 2217
(وإن اختلف الزوجان ... )
بدأ الشيخ بمسائل الاختلاف، وبدأ بالمسألة الأهم، وهي ما إذا اختلفا في القدر يقول: وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما في قدر الصداق يعني فالقول قول الزوج وإلى هذا ذهب الجمهور أنهما إذا اختلفا في قدر المهر أو الصداق فالقول فيه قول الزوج، فإذا قال: الزوج قدر المهر مائة وقالت: قدر المهر ثلاثمائة، فالمهر مائة، والدليل للجمهور: أن الزوج ينكر الزيادة، والمنكر جانبه مرجح لأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب للزوجة إلا مائة، ومن المعلوم أن هذا الاختلاف يقصد الشيخ بعد العقد أو قبل العقد؟ الاختلاف دائماً يكون بعد العقد، لأنه بعد العقد ثبتت الحقوق فأي منهما نقبل قوله.
القول الثاني: أنهما إذا اختلفا في القدر نرجع إلى مهر المثل، لأنهم اختلفوا وتعذر معرفة المهر المسمى فرجعنا إلى مهر المثل.
والقول الثالث: أنا نقبل قول من يشبه قوله الواقع، فإذا كان قول الزوج والزوجة كلاهما يشبه الواقع فسخ النكاح، وهذا مذهب الإمام مالك، فإذا كانت الأعراف أن متوسط العوائل يكون الصداق فيها ثلاثون ألفاً، هذا هو المتوسط، والعاقد والمعقود عليها من متوسط العوائل، فزعم الزوج أن المهر خمسة آلاف ريال، وزعمت الزوجة أن المهر ثلاثون ألف ريال، فعلى المذهب المهر خمسة آلاف، وعند المالكية المهر ثلاثون ألف ريال، إذا زعمت الزوجة في هذا المثال أن المهر ثلاث وثلاثون ألف ريال، وهو زعم أن المهر ثلاثون ألف ريال فالحكم عند المذهب القول قول الزوج وعند المالكية ينفسخ النكاح، ويستقبلون عقداً جديداً إن شاؤا، وقول المالكية ينفسخ يعني بدون طلاق، هذا ظاهر عبارة المالكية، نفسخ العقد بدون طلاق، لأنهم عبروا بكلمة يفسخ، مذهب المالكية في الحقيقة فيه اعتدال وفيه توسط وإن كان الأصل دائماً أن القول قول مُنكر وهذا قاعدة صحيحة ويدل عليها قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" لكن في مثل الأمور التي فيها أعراف سائدة، جرى عليها الناس، ترجيح قول من قوله يؤيد أو يتوافق مع العرف أقرب من اعتبار القواعد العامة، فالذي يبدو أن قول المالكية أقرب إن شاء الله.
قال المؤلف ﵀:
(أو عينه)
стр. 2218
إذا اختلفوا في عين الصداق فقالت المرأة الصداق هذا البيت، وقال الزوج بل الصداق هذه المزرعة، فالقول قول الزوج لما تقدم معنا أن القول قول المنكر.
قال المؤلف ﵀:
(أو فيم يستقر به .. )
إذا تنازعوا في حصول ما يستقربه المهر، فالقول قول الزوج بلا نزاع، لأن هذه المسألة ليس فيها أعراف، فهي تقول حصلت الخلوة، والزوج يقول لم تحصل الخلوة، أو هي تقول حصل الوطء، والزوج يقول لم يحصل الوطء، أو هي تقول مات الزوج، والزوج يقول لم يمت، إذاً الموت لا يدخل معنا في هذا الخلاف، الحنابلة يقولون أنه بلا نزاع وهذا صحيح، لأنه ينفي وقوع شيء، والأصل أن الأشياء لم تقع وليس الأصل أن الأشياء وقعت، فالقول قول الزوج إن شاء الله بلا إشكال يستثنى من هذا مسألة واحدة وهي ما إذا كانت المرأة بكر وأثبتت بعد خلوته بها صارت ثيبة، فإن استطاعت أن تثبت فالقول قولها وهذا كما لو أتت ببينة.
قال المؤلف ﵀:
(وقولها في قبضة)
يعني والقول وقولها في قبضة، فإذا قال الزوج: قبضت المهر وقالت الزوجة: لم أقبض المهر فالقول قول الزوجة لأن الأصل عدم قبض عدم المهر.
والقول الثاني: أنه إذا جرت عادة الناس أن المهر الحال يسلم قبل الدخول فالقول قول من يدل العرف والعادة على صحت قوله، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام وهو قوي جداً وظاهر الرجحان، وهنا نكون قدمنا الأصل على الأصل أو الأصل على العادة؟ قدمنا العادة على الأصل، وسيأتينا مراراً أنه عندنا في الفقه الظاهر والأصل والعادة، أحياناً نقدم الظاهر وأحياناً نقدم الأصل وأحياناً نقدم العادة حسب قرائن المسائل، وفي هذه المسألة رسالة دكتوراة مفيدة جداً هل يقدم الأصل أو الظاهر أو يقدم الأصل على العرف أو العرف على الظاهر، فإذا تعارض الأصل والظاهر فهناك خلاف بحسب ملابسات القضية، وأيضاً الشيخ العلامة ابن رجب تحدث عن تعارض الأصل والظاهر.
فصل
هذا الفصل عقده المؤلف لبيان أحكام المفوضة، وأطال المؤلف في أحكام المفوضة واختصر في أحكام المهر المسمى، وهذا من وجهة نظري خلل في الحقيقة لأن غالب الناس المهر فيها مسمى، إذاً هذا الفصل في أحكام المفوضة، النساء تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: المفوضة.
стр. 2219
القسم الثاني: المسمى لها المهر
والمؤلف انتهى عن المسمى لها المهر وانتقل إلى الكلام عن المفوضة.
والمفوضة أو التفويض في لغة العرب: إحالة الأمر إلى الغير، أو إسناد الأمر إلى الغير، وهو ينقسم إلى قسمين: تفويض بضع، وتفويض مهر، وسيذكر الشيخ تفويض البضع ويبدأ به ثم ينتقل إلى تفويض المهر.
قال المؤلف ﵀:
(يصح تفويض البضع ... )
تفويض البضع ذكر المؤلف تعريفه الدقيق، وأما معناه العام الذي يسهل معرفة ما هو المفوضة، فتفويض البضع هو إخلاء النكاح من المهر، هذا هو تفويض البضع، وقد يكون إخلاء النكاح من المهر بالسكوت عن المهر وقد يكون بشرط نفيه، ولا توجد صورة ثالثة.
فإن كان تفويض البضع بالسكوت عن المهر فهذا صحيح وجائز، وتقدم معنا أن تسمية المهر حكمه في الشرع سنة، وذكرنا الأدلة على أن تسمية المهر في العقد سنة وليس بواجب، فالسكوت عن التسمية جائز ولا حرج فيه.
النوع الثاني: أن يكون التفويض بشرط نفيه، وتقدم معنا أن شرط عدم المهر عند الحنابلة شرط فاسد لا يفسد، وأن القول الثاني أنه شرط فاسد مفسد، وأن الراجح أن اشتراط عدم المهر شرط فاسد مفسد، وهذا كله تقدم معنا في الكلام عن الشروط في النكاح وليس شروط النكاح.
نأتي إلى التعريف الدقيق وقد أوضحه الشيخ بعبارة جلية يقول: تفويض البضع بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة يعني بلا مهر، أو تأذن امرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر، فإن كان الأب فله أن يزوج المجبرة بلا مهر، وإن كان غير الأب فليس له ذلك إلا إذا أذنت.
هذا ما يتعلق بتفويض البضع، وأما ما الحكم إذا فوض الولي البضع فسيذكره المؤلف لاحقاً.
قال المؤلف ﵀:
(وتفويض المهر .. )
كما أخذنا حقيقة تفويض البضع، نأخذ حقيقة تفويض المهر، تفويض المهر هو جعل تحديد المهر إلى الزوجين أو إلى غيرهما، ونسيت أن أنبه أن الأصل في التفويض والذي ينصرف إليه عند الإطلاق تفويض البضع لا المهر، فالأصل إذا قيل مفوضة يعني في البضع لا في المهر. إذاً نرجع ونقول تفويض المهر بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما أي أحد الزوجين أو أجنبي، فإذا حصل ذلك فهي مفوضة تفويض مهر، ثم بدأ المؤلف بالحديث عن الحكم.
قال المؤلف ﵀:
стр. 2220
(فلها مهر المثل في العقد)
أفادنا المؤلف أن عقد المفوضة صحيح، وأن للمفوضة بنوعيها البضع والمهر مهر المثل، والدليل على هذا: أن التفويض جعل المهر مجهولاً، والمهر المجهول يجب فيه مهر المثل، أو يجب بدله مهر المثل، وهذا يستوي فيه تفويض البضع وتفويض المهر، وذكر بعض الفقهاء خلافاً في تفويض المهر، وهذا الخلاف ضعيف، والصواب إن شاء الله أن حكم تفويض البضع والمهر واحد، وأن فيهما مهر المثل، والدليل على هذا حديث ابن مسعود فإن الرجل الذي مات لم يسمي المهر في النكاح فأوجب ابن مسعود مهر المثل.
قال المؤلف ﵀:
(ويفرضه الحاكم بقدره .. )
هذه العبارة فيها مسائل: المسألة الأولى: أنه يجوز للمرأة المطالبة بفرض المهر بالإجماع، ومعنى فرض المهر هو تحديد قدره.
ثانياً: إذا امتنع الزوج من فرض المهر، فإن الحاكم يلزمه بذلك، وإلا أوجب عليه مهر المثل.
قوله (بقدره): يعني أن الحاكم يجب أن يفرض المهر إذا رفض الزوج من فرضه بقدره والضمير يعود على مهر المثل، يعني يفرض مهر المثل، والسبب في ذلك أن الزيادة إجحاف على الزوج والنقص إجحاف بالزوجة، والعدل هو مهر المثل، ولذلك نقول الحاكم ليس له أن يقدر ما شاء بل يجب عليه أن يقدر قدراً يتساوى مع مهر المثل.
قال المؤلف ﵀:
(وإن تراضيا قبله)
وإن تراضيا قبله يعني: قبل تقدير الحاكم على مفروض جاز، سواء كان قليلاً أو كثيراً، لا فرق بين كون قليل وكثير، وتعليل ذلك أن الحق لا يخرج عنهما يعني عن الزوج والزوجة، فإذا تراضيا صح ما تراضيا عليه.
مسألة: ويكون المبلغ الذي تراضيا عليه حكمه حكم المسمى، يعني كأنهم سموا مهراً معيناً في العقد، ويأخذ أحكام المهر المسمى كلها.
قال المؤلف ﵀:
(يصح إبراؤها من مهر المثل قبل فرضه)
يعني لو قالت الزوجة قبل أن يفرض الزوج، أو قبل أن يفرض الحاكم مهر المثل: أبرأته من المهر صح، وإن كان مهر المثل الآن مجهولاً، والسبب في ذلك أن الإبراء من المجهول جائز صحيح، إذاً يجوز لها أن تبرأه ولا حرج، وليس هذا من النكاح بلا مهر، لأنه الآن عقد على أساس أن لها مهر المثل، لكن هي أبرأته.
قال المؤلف ﵀:
(ومن مات منهما .. )
стр. 2221
مازال الكلام عن المفوضة، يقول ومن مات منهما يعني من الزوجة أو الزوج قبل الإصابة والفرض المقصود بالإصابة الوطء والمقصود بالفرض تقدير وبيان المهر، فالحكم يقول ورثه الآخر، إذا مات أحدهما قبل التقدير والإصابة فإن الآخر يرثه بالإجماع، والسبب في ذلك أن العقد جعلها زوجة، وهو عقد كما تقدم معنا صحيح، فتدخل في النصوص الآمرة بفرض قدر من التركة للزوجة، وهذا أمر واضح لا إشكال فيه.
قال المؤلف ﵀:
(ولها مهر نسائها)
أفادنا المؤلف بهذه العبارة قاعدة، وهي أن كل ما يتقرر به المهر المسمى يتقرر به مهر المفوضة، وتقدم معنا أن المسمى من جملة الأشياء التي يتقرر بها الموت، فموت أحد الزوجين في نكاح التفويض أيضاً يتقرر به المهر.
((الآذان))
هذا مذهب الحنابلة، واستدلوا بعموم حديث ابن مسعود ﵁ حيث جعل الموت مقرراً للمهر، والنكاح الذي في حديث ابن مسعود مفوضة.
القول الثاني: أنه لا مهر لها مطلقاً، لأن هذا الفراق بالموت فراق بلا مسيس ولا فرض، فيقاس على الطلاق، والله تعالى يقول: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ وهذه فورقت بلا مس ولا فريضة، فتقاس على الطلاق، فليس لها شيء، والجواب عن هذا الاستدلال أن قياس الموت على الطلاق قياس مع الفارق الكبير، لأن الطلاق يختلف عن الموت بأشياء كثيرة، منها أن الموت يقرر المهر في الحياة والطلاق لا يقرره، ومنها أن العدة تجب بالموت ولا تجب بالطلاق، فقياس أحدهما على الآخر قياس فيه نظر
القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد كما أن القول الأول والثاني روايات عن الإمام أحمد، أن لها نصف مهر المثل، وهذه الرواية رويت عن الإمام أحمد، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية شن على هذه الرواية حملة بقصد أنها لا يمكن أن تثبت عن الإمام أحمد، أي يقصد إثبات عدم صحة هذه الرواية عن الإمام أحمد، وذكر أوجه كثيرة جميلة جداً في بيان ضعف نسبة هذه الرواية إلى الإمام أحمد، منها أن هذه الرواية تخالف المشهور عن الإمام أحمد، فإن أصحاب الإمام المعروفين المشهورين رووا عنه خلاف هذه الرواية،
стр. 2222
الثاني: أن هذه الرواية تخالف طريقة ومنهج الإمام أحمد، لأن الإمام أحمد إذا اختلف الصحابة على قولين لا يخرج إلى قول ثالث، والصحابة اختلفوا على القول الأول والثاني فقط، أنه لا شيء لها أو لها المهر الشيء الثالث: أن الإمام أحمد لا يخالف النصوص، وحديث ابن مسعود ظاهر في أن الموت يقرر المهر بالنسبة للمفوضة، وما ذكره الشيخ من تضعيف نسبة هذه الرواية للإمام أحمد صحيح وقوي، وهذا البحث الذي بحثه الشيخ في كيفية إضعاف بعض الروايات التي تنسب إلى الإمام أحمد مفيد، ويحسن ويجدر بالإنسان أن يطالعه.
هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- ((انتهى الدرس)).
стр. 2223
الدرس: (١٢) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما زال البحث في المفوضة وكما قلت بالأمس المؤلف ﵀ أطال فيها.
قال المؤلف ﵀:
(وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة)
يعني وإن طلق المفوضة قبل الدخول، فلها المتعة وإلى هذا ذهب الأئمة الثلاثة، أن المتعة في هذه الحال واجبة، واستدل الجمهور هؤلاء بقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدرة وعلى المقتر قدرة متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين﴾، الآية نصت على أنه إذا خلي النكاح عن الفرض والمس، فإن الواجب حينئذ المتعة.
والقول الثاني: للمالكية وهم يرون أن المتعة مشروعة، إلا أنها على سبيل الاستحباب لا الوجوب، يعني أنه تستحب ولا تجب واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في آخر الآية السالفة ﴿حقاً على المحسنين﴾، والإحسان ليس بواجب، الإحسان درجة من درجات الندب لا الوجوب.
القول الثالث: أن لها نصف مهر المثل، واستدلوا على هذا بأن هذه المفوضة لو دخل بها لوجب لها مهر المثل، فإذا طلقها قبل الدخول لها نصفه قياساً على الطلاق والمهر المسمى فيه.
والراجح القول الأول.
стр. 2224
والجواب على استدلال المالكية، أن الإحسان لا يتنافى مع الوجوب، فقد يكون الشيء إحساناً وهو واجب، لاسيما والآية أمرت أمراً صريحاً ﴿فمتعوهن﴾ وقال الله تعالى في آخرها: ﴿حقاً﴾ والحق يطلق على الواجب.
وأما القول الأخير فهو قياس مع الفارق، إذ كيف نقيس المفوضة على التي لها مهر مسمى، ثم هذا القياس والاستحسان قياس في مقابل النص الصريح وهي الآية، فالراجح إن شاء الله تعالى مذهب الجمهور.
ثم لما قرر المؤلف وجوب المتعة انتقل إلى بيان المقدار.
قال المؤلف ﵀:
(بقدر يسر زوجها وعسره)
أفادنا بهذه العبارة أن المتعة مقدرة بحال الزوج لا بحال الزوجة، واستدلوا على هذا بصريح الآية: ﴿على الموسع قدرة وعلى المقتر قدرة﴾، يعني على الزوج.
والقول الثاني: أنها مقدرة بحال المرأة، واستدل أصحاب هذا القول: بأن المهر مقدر بحال المرأة، ولهذا نحن نقول مهر المثل، يعني مهر مثل الزوجة، فإذا كان المهر مقدراً بالمرأة، فكذلك المتعة، وهو قول ضعيف. والراجح إن شاء الله القول الأول، لصراحة الآية باعتبار حال الزوج لا حال الزوجة، ومما يتفرع على هذه المسألة مسألة أخرى: وهي مقدار المتعة، ذهب الحنابلة إلى أن مقدار المتعة يقدر بأعلاه وأدناه، فأعلاه خادم، وأدناه سترة تصلح لصلاة المرأة فيها، هذا أعلاه وأدناه.
والقول الثاني: أن المتعة لا تتقدر، وإنما يرجع في تقديرها عند التنازع إلى الحاكم، لأنه واجب لم يقدر في الشرع، فرجعنا فيه إلى اجتهاد الحاكم، والراجح القول الثاني: أنه لا يتقدر بقدر معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم، وهذا كما قلت إذا وقع النزاع بين الزوجة والزوج.
قال المؤلف ﵀:
(ويستقر مهر المثل بالدخول)
إذا دخل على المفوضة استقر مهر المثل، ومقصود الشيخ بقوله بالدخول، يعني بكل مقررات المهر، وإنما ذكر الدخول لأنه أكثر مقررات المهر وقوعاً.
والدليل على ذلك: القياس على المهر المسمى، ففي المهر المسمى يستقر هذا المهر بالدخول، فكذلك بالنسبة للمفوضة وهذا لا إشكال فيه.
قال المؤلف ﵀:
(وإن طلقها بعده فلا متعة)
стр. 2225
يعني وإن طلق المفوضة بعد الدخول فإنه لا متعة لها، استدل الحنابلة على أنه: لا تعطى المرأة المطلقة بعد الدخول متعة بأن الله تعالى قسم النساء إلى قسمين لا ثالث لهما، قسم لها المتعة وهي مذكورة في قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾ وقسم لها نصف المهر وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ... فنصف ما فرضتم﴾ فلما قسم الله تعالى النساء إلى قسمين علمنا أن كل قسم يختص بحكمه، فيختص المتعة بالنساء اللاتي لا دخول فيها ولا مسيس ولا فرض، ويختص المهر أو نصفه بما في الآية، نصفه إذا طلق وقد سمى أو فرض، وكله إذا دخل أو باقي مقررات المهر.
القول الثاني: أن المتعة واجبة لكل مطلقة، وهي رواية عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ﵀ واستدل بقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين﴾، فالآية عامة وفيها مؤكدات كثيرة، فيها الأمر، وفيها قوله حقاً، وفيها الإشارة إلى أن دفع المتعة مطلقاً من جملة التقوى، والتقوى واجبة.
القول الثالث، أن المتعة مستحبة، ودليل هذا القول هو: الجمع بين الأدلة السابقة.
الراجح إن شاء الله اختيار شيخ الإسلام، وإن كانت المسألة فيها نوع إشكال، لكن الراجح إن شاء الله هو هذا، لأنه لا يوجد صارف واضح للآية، وكون الآية الأولى أثبتت المتعة في صورة، فإنها لا تنفي المتعة عن الصور الأخرى، فالأقرب إن شاء الله أنها واجبة وإن كان عمل الناس الآن أن المطلقة بعد الدخول قلّ من يعطيها متعة، وأنت كما ترى القول بالوجوب قوي وواضح، ونصر الشيخ القول بالوجوب بمعنى إضافي على الآية وهو جميل فقال: إن المهر الذي يعطى للمرأة بسبب الدخول لا يمنع المتعة، لأن المهر مقابل الوطء، وأما المتعة فهي في مقابل ما حصل للمرأة من كسر الخاطر وضيق النفس بسبب الطلاق، فهذا له سببه، وهذا له سببه، وهذه إشارة جميلة في الحقيقة.
مسألة: الخلاف المذكور هو في متعة المفوضة، لأن البحث ما زال في المفوضة، وأما المطلقة بعد الدخول التي مهرها مسمى فالخلاف فيها هو هذا الخلاف نفسه، إذاً الخلاف في المفوضة والمسماة واحد لا فرق بينهما واستدلوا بذات الأدلة.
стр. 2226
انتهى الشيخ الآن من الكلام عن المفوضة، وانتقل إلى الكلام عن النكاح الفاسد، وما يشبه النكاح الفاسد.
قال المؤلف ﵀:
(وإذا افترقا في الفاسد)
استعمل المؤلف كلمة افترقا ليشمل الطلاق والفسخ، والنكاح على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: النكاح الصحيح وتقدم معنا.
النوع الثاني: النكاح الفاسد وهو الذي نتحدث عنه
النوع الثالث: النكاح الباطل
ففرق العلماء بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل، فالنكاح الفاسد هو النكاح المختلف في صحته، وهذا ظاهر كلام الفقهاء، سواء كان الخلاف قوي أو ضعيف، ما دام مختلف فيه اختلاف معتبر فهو فاسد، ولو كان أحد القولين شديد الضعف عند الآخر، ومثاله أن يتزوج بلا شهود أو بلا مهر أو بلا ولي فهذه من أمثلته.
النوع الثاني: النكاح الباطل وهو النكاح المتفق على بطلانه، ومن أبرز أمثلته أن يتزوج من لا تحل له، كأن يتزوج أخته من الرضاع أو خالته أو عمته إلى آخره فهذا نكاح باطل بإجماع المسلمين.
الهدف أو الفائدة من التفريق بين النكاح الفاسد والباطل: هو أنه في النكاح الفاسد يجب على الزوج وجوباً أن يطلق أو يفسخ، وجوباً عند الجماهير، ولو كان الزوج أو الزوجة أو الولي يرون أن النكاح فاسد، يجب عليه مع ذلك أن يطلق أو يفسخ، والدليل على ذلك: أن هذا النكاح الفاسد ربما رأى الزوج أنه صحيح ورأت الزوجة أنه فاسد، فتذهب الزوجة بلا طلاق وترى بأنها ليست زوجة للأول، والأول يبق يرى أنه زوجها، ثم تتزوج بآخر ويكون للمرأة زوجان، فلأجل عدم وقوع هذا المحذور الكبير أوجب الجمهور أن يقوم الزوج بالطلاق أو الفسخ.
القول الثاني: للشافعي قال: إذا ثبت أن النكاح فاسد فإنه لا يجب على الزوج لا أن يطلق ولا أن يفسخ، واستدل على هذا: بأن هذا العقد الفاسد لم ينعقد أصلاً حتى نوجب عليه أن يفسخه أو أن يطلق، والراجح مذهب الجمهور وبناءً، على هذا الراجح نقول إذا لم يطلق الزوج ولم يفسخ وجب على الحاكم أن يقوم بالتفريق بينهما بالفسخ أو الطلاق، حتى لا يدخل الاشتباه في وجود زوج آخر.
стр. 2227
هذا الفرق هو الفارق الأساسي بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل، وهذا الفارق في الحقيقة يرجع إلى أثر العقد لا إلى حقيقة العقد، ما معنى هذا؟ معنى هذا أنه في الواقع وحقيقة الأمر عند الفقيه الذي يرى أن العقد فاسد العقد، الفاسد والباطل واحد، لأن كل منهما لم ينعقد شرعاً عند هذا الفقيه، فهو في حقيقة الأمر لا فرق بينهما، ولكن الفرق هو من جهة أثر العقد الفاسد وأثر العقد الباطل، وهذا أمر يجب أن يُعرف، وأن الفرق إنما هو في الظاهر والآثار لا في الحقيقة.
الآن عرفنا الفرق بين الفاسد والباطل ننتقل الآن إلى الكلام عن الفاسد.
قال المؤلف ﵀:
(وإذا افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر)
إذا افترقا قبل دخول وخلوة فلا مهر، ولو كان المهر مسمى، والدليل على هذا: أن الذي يوجب المهر هو العقد، وهنا لا عقد، لأن العقد شرعاً لا حقيقة له في العقد الفاسد، إذاً هذا الحكم الأول للعقد الفاسد.
الثاني: قال المؤلف ﵀:
(وبعد أحدهما يجب المسمى)
قوله بعد أحدهما: يرجع إلى الدخول أو الخلوة، ونحن سنأخذ كل واحد على حدة.
المسألة الأولى: إذا فارقها بعد الدخول، فالواجب عند الحنابلة المهر المسمى، الدليل عند الحنابلة: أنه في حديث عائشة: "أيما امرأة نكحت بلا ولي فنكاحها باطل باطل باطل ولها المهر بما استحل من فرجها" هذا الحديث عمدة في مسائل النكاح الفاسد، عليه اعتماد الفقهاء في رواية لهذا الحديث "عليه ما أصدقها بما استحل من فرجها" وما أصدقها هو المسمى هذا مذهب الحنابلة.
стр. 2228
القول الثاني: أن عليه مهر المثل لا المسمى، واستدل هؤلاء بذات الحديث فقالوا النبي ﷺ يقول:" فلها المهر بما استحل من فرجها" فجعل النبي ﷺ سبب المهر هو استحلال الفرج لا العقد، والواجب بالوطء هو مهر المثل لا المسمى، والنبي ﷺ علق المهر على الوطء لا على العقد، وهذا القول اختاره ابن قدامة وهو الصحيح إن شاء الله، إذ كيف نرتب على العقد الفاسد المسمى في ترتيب مهر المسمى على العقد الفاسد تصحيح للعقد الفاسد، ونحن نرى أنه فاسد يعني لم ينعقد أصلاً، ولهذا إن شاء الله الراجح هو هذا القول وهو انه مهر المثل.
المسألة الثانية: التي أشار إليها الماتن الخلوة، فالخلوة تقرر المهر المسمى عند الحنابلة، واستدلوا على هذا بالقياس على النكاح الصحيح، قالوا كما أن الخلوة تقرر المهر المسمى النكاح الصحيح، فكذلك في النكاح الفاسد، بجامع أن في كل منهما وطء ودخول.
القول الثاني: أن الخلوة لا توجب على الزوج شيئاً، واستدلوا بأنه في حديث عائشة جعل النبي ﷺ سبب المهر الوطء وهنا لا يوجد وطء، بناءً على هذا إذا تزوج رجل امرأة بلا ولي وخلا بها بلا وطء جلس معها ليلة الزفاف خلوة كاملة بلا وطء ولم يمسها إلى الصبح فإنه إذا جاء الصبح وأُخبر أن العقد فاسد فأنهما يفترقان ولا يترتب على هذا شيء، بينما عند الحنابلة يترتب المسمى، وهذا فرق كبير جداً بين أن يترتب المسمى وبين ألا يترتب شيء، والراجح إن شاء الله أنه لا يترتب شيء لما تقدم من حديث عائشة وهو أصل في هذا الباب.
قال المؤلف ﵀:
(ويجب مهر المثل لمن وطئت .. )
بدأ الكلام عما يشبه النكاح الفاسد وليس بنكاح فاسد، فإذا وطء الإنسان امرأة وطء شبهة فإنه يجب عليه أن يدفع مهر مثلها كاملاً، والدليل على هذا من وجهين:
الأول: الإجماع فإنه حكي الإجماع على هذه المسألة وهي وجوب مهر المثل في وطء الشبهة.
الثاني: عموم حديث عائشة فإنها تقول فلها المهر بما استحل من فرجها، فجعلت المهر بسبب استحلال الفرج وهذا استحل الفرج.
стр. 2229
القول الثاني: وطء الشبهة لا يجب شيء واستدل هؤلاء بأن: الشارع إنما علق المهر ونحو المهر بوجود الزوج وشبهة، وهذا ليس بزوج، وهذا الثاني اختيار شيخ الإسلام ﵀، والراجح إن شاء الله المذهب، سبب ذلك أنه يظهر بوضوح وجلاء أن النبي ﷺ علق وجوب دفع مهر المثل بالوطء، وهذا ظاهر، ولهذا يقول بما استحل يعني بسبب استحلاله الفرج، وهذا واضح، ومع وجاهة وقوة ما ذكره الشيخ إلا أنه لا يكفي في الخروج عن ظاهر هذا الحديث، هذا هو النوع الأول وهو وطء الشبهة.
وقبل أن ننتقل إلى الثاني، وطء الشبهة يأخذ حكمه وطء آخر، وهو الوطء في نكاح باطل، فالوطء في نكاح باطل حكمه حكم وطء الشبهة، فإذا عرفت حكم وطء الشبهة عرفت حكم النكاح الباطل، وبالإمكان أن يضاف هذا لمساءل الفروق بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل، وعلى هذا يكون مقتضى اختيار شيخ الإسلام أنه إذا حصل نكاح باطل فإنه لا يجب شيء ولو مع الدخول الوطء.
قال المؤلف ﵀:
(أو زناً كرهاً)
إذا زنا بامرأة غصباً وكرهاً فلها مهر المثل، استدل الحنابلة بحديث عائشة السابق بما استحل من فرجها.
القول الثاني: أن لها المهر إن كانت بكراً، وليس لها شيء إن كانت ثيبة.
والقول الثالث: أنه لا شيء لها، واستدل الذين قالوا بأن لا شيء لها بأن النبي ﷺ :" نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي" فمهر البغي أبطله الشارع، وهذا القول الثالث اختيار شيخ الإسلام ﵀، وهو فيما يظهر لي الآن غاية في الضعف، والسبب في ذلك، أن هذه المزني بها كرهاً، كيف نعتبر الموطوءة بزناً حكمها حكم البغي، البغي رضيت بالبغاء فلا حق لها ولا مهر، وهذه وطئت غصباً، بل إنها المزني بها غصباً أولى بمهر المثل من الموطوءة بشبهة، لأن الوطء بشبهة لا يوجد إجبار منه ولا منها، وإنما محض خطأ، وهنا هذه المرأة مجبرة ومعتدى عليها فهي أحق بمهر المثل من الأولى، ولهذا في الحقيقة غريب اختيار الشيخ اللهم إلا أن يكون له مأخذ آخر لم يذكره، أما التسوية بين وطء الزنا بالرضا والموطوءة بزناً كرهاً هذا غريب، لذلك الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة وهو أن لها مهر المثل.
قال المؤلف ﵀:
стр. 2230
(أو زناً كرهاً)
خرج بالزنا الكره الزنا بالمطاوعة، فهذه لا مهر لها وعليها الحد، فإذاً قيد معتبر قوله كرهاً.
قال المؤلف ﵀:
(ولا يجب معه أرش بكارة)
لا يجب مع الوطء بشبهة ولا مع الزنا كرهاً أرش بكارة، والسبب في هذا يرجع إلى أمرين:
الأول: أن النبي ﷺ في حديث عائشة أوجب على الواطء مهر المثل فقط، ولم يتطرق إلى الأرش، فنقتصر على الموجود في الحديث.
والدليل الثاني، وهو من حيث المعنى وهو قوي أيضاً، أن أرش البكارة موجود في مهر المثل لأنه حين تقدير مهر المثل نراعي أنها بكراً، فثمن البكارة متضمن في مهر المثل، وهذا كلام جيد وسديد، إذاً لا يجب عليه أن يدفع أرش البكارة، وتقدم معنا أن أرش البكارة هو الفرق بين قيمة الأمة ثيباً وقيمتها بكراً، أو الفرق بين مهر المرأة ثيباً وبين مهرها بكراً.
قال المؤلف ﵀:
(وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال)
يعني أنه يجوز للمرأة أن تمنع نفسها يعنى ألا تسلم نفسها للزوج حتى تقبض مهرها، لكن بشرط أن يكون هذا المهر حالاً، الدليل على هذا الحكم من وجهين:
الأول: الإجماع، فإنه حكي الإجماع على أن للمرأة أن تمنع نفسها.
الدليل الثاني: أنه ربما فض بكارتها ثم امتنع عن دفع المهر أو ماطل فيه، وحينئذ لا يمكن أن نستدرك البكارة، وهذا كما ترون أدلة قوية جداً، فللمرأة أن تقول لن أذهب إلى بيت الزوج حتى يكمل المهر الحال.
عرفنا حكم هذه المسألة، مسألة ملحقة بها ظاهر كلام الحنابلة أن للمرأة أن تمنع نفسها من الزوج ولو كان مثلها لا يصلح للوطء لها أن تمتنع مطلقاً.
والقول الثاني: أن للمرأة أن تمنع نفسها من الزوج، أي من تسليم نفسها لبيت الطاعة، إذا كانت تصلح للوطء، أما إذا كانت لا تصلح للوطء فيجب عليها أن تذهب، لأن المعنى الذي من أجله جوزنا لها الامتناع مفقود فيمن لا يمكن أن توطء، وهذا القول الثاني هو الصحيح، لأنه لا معنى من الامتناع مع أنه لا يمكن أن يوطأ مثلها، ومن هذا الخلاف عرفنا أن الإجماع المحكي في المسألة الأولى يتنزل على المرأة التي يمكن أن توطأ.
قال المؤلف ﵀:
(إن كان مؤجلاً .. )
هذه ثلاث مسائل:
стр. 2231
الأولى: إن كان مؤجلاً، فإذا كان المهر مؤجلاً فليس لها أن تمنع نفسها من التسليم، وجه ذلك أنها برضاها بالتأجيل رضيت بتسليم نفسها، وهذا صحيح، بأنها لما رضيت بالتأجيل علمنا أنه لا مانع عندها من تسليم نفسها، ولأن القول بجواز منع نفسها مع التأجيل يفضي إلى عدم حصول المقصود من النكاح، لأن الحنابلة يرون أنه يجوز أن يكون المهر مؤجلاً بغير حد معلوم، أليس كذلك كما تقدم معنا، إذاً على هذا ربما تبقى الزوجة في بيتها أو الزوج في بيته سنين، ولا يلزم المرأة أن تذهب إلى زوجها وهذا يتنافى مع كل مقاصد النكاح.
المسألة الثانية: أو حل قبل التسليم، يعني إذا كان المهر مؤجلاً ثم لم تسلم نفسها حتى حل، فحينئذ يجب أن تسلم نفسها ولو كان المهر الآن حال، والسبب في ذلك أن وجوب التسليم مستقر قبل حلول أجل المهر، بناءً على هذا إذا حل الأجل ولم يسلم فإنه يجب أن تذهب إلى بيتها، لأن وجوب التسليم سابق لموعد الحلول.
المسألة الثالثة: أو سلمت نفسها تبرعاً، إذا سلمت المرأة نفسها تبرعاً يعني في صورة تستطيع أن لا تسلم نفسها، فإنها بمجرد التسليم لا يجوز لها الرجوع، ودليلهم على هذا أنه بالدخول استقر عوض المرأة فلا تتمكن من الرجوع، هذه مسألة مهمة جداً ويكثر وقوعها.
стр. 2232
القول الثاني: أن لها الامتناع عن تسليم نفسها ولو رضيت في وقت من الأوقات، واستدل هؤلاء بأن الموجب والمسوغ لامتناع المرأة هو عدم تسليم المهر، ولا زال هذا المعنى موجوداً، وقبل الترجيح هذه المسألة من المسائل التي توقف فيها الإمام أحمد ﵀، وتقدم معنا أنه مثل هذا الإمام الكبير إذا توقف فهو إشارة إلى وجود بعض التعارض في أدلة المسألة، الذي يظهر لي أن المتوافق مع قواعد الشرع هو القول الثاني لأن الحقوق المتجددة لا تسقط بالإسقاط ولأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا كان علة الامتناع هو عدم دفع الزوج للمهر فهذه العلة موجودة، فالذي يظهر والله أعلم هو هذا أن لها أن تمتنع، وفي هذا القول في الحقيقة الثاني مع أنه قرب لقواعد الشرع أحفظ لحقوق النساء، لأنها قد ترضى في وقت من الأوقات ضانة أن الزوج سيؤدي الحق الذي عليه إن عاجلاً أو آجلاً، ثم يظهر لها أنه مماطل وأنه يدفع كلما جاء الوقت أخر فلها أن تمتنع وتذهب إلى أهلها إلى أن يدفع الزوج المهر وهذا إن شاء الله أقرب.
قال المؤلف ﵀:
(فإن أعسر بالمهر الحال .. )
إذا أعسر بالمهر بشرط أن يكون الحال، فلها الامتناع، سواء قبل الدخول أو بعد الدخول.
نأخذ كل مسألة على حده.
المسألة الأولى: قبل الدخول، قبل الدخول للمرأة أن تمتنع عن تسليم نفسها إذا أعسر الزوج، لأنه بإعسار الزوج تبينّا عدم المقدرة على أداء العوض، وإذا لم يستطع أن يؤدي العوض جاز لها أن تمتنع، كما أن البائع إذا لم يؤدي المشتري الثمن جاز له الرجوع بالسلعة.
القول الثاني: أنه إذا أعسر فليس لها أن تمتنع، لأن هذا الإعسار غاية ما يكون دين في ذمة الزوج لا يمنع من الطاعة، كما إذا أعسر في النفقة القديمة، فإن هذا الإعسار لا يمنع من التسليم، وهذا القول الثاني اختاره الشيخ ابن قدامة وأيضاً الشيخ ابن حامد من الحنابلة وله اختيارات أيضاً جميلة.
المسألة الثانية: إذا كان بعد الدخول، وهي التي أشار إليها قوله (ولو بعد الدخول)، إذا كان بعد الدخول فالحنابلة كما ترون الحكم نفسه، أن لها الفسخ،
стр. 2233
والقول الثاني: أنه بعد الدخول ليس لها الفسخ، وإذا كنا نرجح فيما قبل الدخول أن ليس لها الفسخ ففيما بعد الدخول من باب أولى، أنه ليس لها الفسخ، لأنه بعد الدخول تستقر الحقوق أكثر منها قبل الدخول.
قال المؤلف ﵀:
(ولا يفسخه إلا حاكم)
أي أنه يجب أن يكون الفسخ على يد الحاكم، والدليل على هذا أن هذه المسألة محل اختلاف وتحتاج إلى اجتهاد، والحنابلة دائماً إذا كانت المسألة تحتاج إلى اجتهاد فإنه يرجع في الفسخ فيها إلى الحاكم، دفعاً للنزاع والشقاق.
والقول الثاني: أن لها الفسخ بمجرد الإعسار، وهذا القول ضعيف جداً، ويؤدي في الحقيقة إلى التلاعب والفوضى، لأنه ربما تزعم المرأة أنه أعسر بالمهر وتخرج وتقول فسخت النكاح أو النكاح انفسخ، ثم إذا سئل الزوج قال المهر موجود، ثم إذا رجعنا إلى الزوجة قالت ذكر لي أنه أعسر، ودخلنا في متاهة لها أول وليس لها آخر ومما يزيد الأمر سوءً لو ذهب المرأة وتزوجت، فلا بد في الحقيقة في مثل هذه المسائل من الحاكم، فيقوم القاضي بفسخ النكاح بناءً على ثبوت إعسار الزوج بالمهر.
وبهذا انتهى باب الصداق وننتقل إلى باب وليمة العرس
قال المؤلف ﵀:
(باب وليمة العرس)
الوليمة اسم لما يصنع في النكاح خاصة، يعني اسم لدعوة النكاح خاصة.
قال المؤلف ﵀:
(تسن)
أفادنا المؤلف أن حكم الوليمة سنة، والوليمة مشروعة بالإجماع، وهي عند الجمهور سنة، واستدلوا على سنيتها بأحاديث كثيرة منها قول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف:"أولم لو بشاة"، ومنها أن النبي ﷺ أولم على زينب بشاة ﷺ ، ومنها أنه النبي ﷺ أولم على صفية بسمن وإقط، ومنها أن النبي ﷺ أولم على بعض نسائه ولم تذكر في النص بمدّي شعير، وهذه الأحاديث كلها في الصحيح، ولهذا أجمع أهل العلم على أنه مشروع، وذهب الجمهور إلى أنه مسنون.
стр. 2234
القول الثاني: أن الوليمة واجبه، لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف:" أولم ولو بشاة فأمره" أمراً صريحاً بالوليمة، والراجح إن شاء الله أنها سنة، وسبب الترجيح أن النبي ﷺ قال:" أولم ولو بشاة" والإيلام بشاة كونه يولم بشاة لم يقل أحد بوجوبه، فدل هذا على أن الأمر كله في الحديث على سبيل الندب، ولا يمكن أن نقول قوله:" أولم ولو بشاة" نصفه للوجوب ونصفه للندب، وأما الدليل على أن صنع الإنسان وليمة بمقدار شاة لا يجب بالإجماع، هو أن النبي ﷺ أولم على بعض نسائه بأقل من شاة.
مسألة: مع القول بأن الوليمة سنة، نحتاج إلى تحديد الوقت اختلف الفقهاء متى يسن صنع الوليمة.
فالقول الأول: أنه عند العقد ولو قبل الدخول.
والقول الثاني: أنه بعد الدخول، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، واستدل عليه بأن النبي ﷺ أولم على نسائه بعد الدخول.
والقول الثالث: أن الأمر في وقته واسع، يبدأ من العقد إلى نهاية أيام الزواج، وهذا القول اختاره المرداوي وقال به تجتمع النصوص، نقول يسن من حين العقد إلى نهاية ولائم النكاح أو الزواج.
ويظهر إن شاء الله أن الأمر في هذا واسع، ولو تحرى الإنسان أن لا تكون الوليمة إلا بعد الدخول لكان هذا حسناً، مع أن عمل الناس قبل الدخول، ولهذا ما انتشر الآن عند بعض الناس من وجود حفلة مصغرة تكون لدخول الزوج على زوجته، ثم تصنع وليمة بعد ذلك هذا في الحقيقة أقرب للسنة، لأن النبي ﷺ كان يدخل بالمرأة ثم يصنع الوليمة.
قال المؤلف ﵀:
(تسن ولو بشاة فأقل)
стр. 2235
أفادنا المؤلف ﵀ أنه يجوز أن يولم بأقل من شاة، وهذا محل إجماع، لصنع النبي ﷺ ، لكن مع هذا استحب كثير من الفقهاء ألا ينقص الإنسان في وليمته مع القدرة عن شاة، بل استحب كثير من الفقهاء أن يزيد على الشاة لقول النبي ﷺ :"أولم ولو بشاة" فجعل أقل المقدار الذي يولم به الإنسان هو شاة، وهذا صحيح، أنه ينبغي ويستحب أن يولم الإنسان بأكثر من شاة، وكلما زاد فهو أفضل، بشرطين: القدرة وعدم الإسراف، فإذا تحقق الشرطان فلا بأس، وسيأتينا أن أبّي بقي يصنع الولائم لزواجه ﵁ لمدة ثمانية أيام، وكذلك ابن سيرين جلس هذا المقدار، وغيره من السلف، فإذا لم يكن هناك إسراف ومباهاة فلا بأس.
قال المؤلف ﵀:
(وتجب في أول مرة .. )
قوله وتجب أشار المؤلف إلى أن إجابة الدعوة الخاصة بوليمة الزواج واجبة، وإلى هذا ذهب الجماهير بل حكي إجماعاً، وممن حكى الإجماع ابن عبد البر والنووي والقاضي عياض وغيرهم فهو إجماع محكي.
واستدلوا على هذا بأدلة:
الدليل الأول: قوله ﷺ :"إذا دعي أحدكم إلى وليمة العرس فليأتيها" وفي لفظ "فليجب".
الدليل الثاني: قوله ﷺ : "شر الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله"، وهذا الحديث روي من قول أبي هريرة وروي في الصحيح أيضاً مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وهذه الأحاديث صريحة في الأمر بإجابة الدعوة إذا كان الداعي للزواج.
القول الثاني: أن إجابة الدعوة فرض كفاية، واستدل أصحاب هذا القول بأن المقصود من الأمر بإجابة الدعوة إدخال السرور على المسلم وتوليه وهذا يحصل إذا قام به من يكفي.
القول الثالث: وهو مروي عن بعض الشافعية وأيضاً بعض المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه سنة.
والذي تدل عليه النصوص هو القول المحكي إجماعاً، والخروج عن هذه الأحاديث في الحقيقة صعب، وهي فيها الأمر الصريح بإجابة الدعوة، والحكم عليه بأنه عصى الله وعصى رسوله إن لم يفعل، فلعل هذا هو الأقرب إن شاء الله.
قال المؤلف ﵀:
(وتجب في أول مرة)
стр. 2236
يعني تجب في اليوم الأول، والمقصود بقولهم تجب في اليوم الأول يعني في الدعوة الأولى، فإذا دعاه المرة الأولى وجب عليه أن يجيب، وإذا دعاه المرة الثانية فإنه يستحب أن يجيب، وإذا دعاه الثالثة فإنه يكره كما سيأتينا عند الحنابلة أن يجيب، واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ :"الدعوة في اليوم الأول سنة وفي اليوم الثاني إحسان وفي اليوم الثالث رياء وسمعة"، وهذا الحديث ضعيف، وأيضاً استأنسوا بالآثار فإن السلف كانوا يجيبون اليوم الأول والثاني دون الثالث، وروي أن سعيد بن المسيب جاءه رجل فدعاه اليوم الأول فذهب، ثم جاءه اليوم الثاني فدعاه فذهب، فلما جاءه اليوم الثالث ودعاه حصبه يعني رماه بالحصى ﵁، لأنه رأى أن القضية أصبحت أشبه ما تكون بالمباهاة وبضياع الوقت، على كل حال الواجب هو اليوم الأول.
فهم من كلام الفقهاء أنه لا بأس بتكرار وليمة الزواج، أن يصنعها مرة ومرتين وثلاث وأربع وخمس، وذكرت لكم أن أبي صنعها ثمان مرات، وكذلك ابن سيرين نفس الشيء ﵁ وأرضاه، وهذا يدل على أنه لا بأس من تكرار الوليمة بشرط عدم الدخول بالإسراف والمباهاة.
هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- ((انتهى الدرس)).
стр. 2237
الدرس: (١٣) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالأمس الكلام عن وجوب إجابة الدعوة، ثم كنا شرعنا في الشروط التي تشترط للوجوب، وذكرنا الشرط الأول وهو في أول مرة، وانتهينا من الكلام عنه، ثم ننتقل إلى الشرط الثاني:
قال المؤلف ﵀:
(إجابة مسلم)
يشترط لوجوب إجابة دعوة وليمة العرس أن يكون الداعي مسلم، واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ :"حق المسلم على المسلم خمس ثم قال وإذا دعاك فأجب"، وهذا الحديث في صحيح مسلم، وقد جعل إجابة الدعوة من حقوق المسلم على المسلم، فغير المسلم ليس له هذا الحق، وهذا صحيح، ويؤيد هذا الحديث أن المقصود أصلاً من إجابة الدعوة ما يحصل من التقارب والتآخي والموالاة وهو منفي في حق الكافر.
قال المؤلف ﵀:
(يحرم هجره)
يشترط لوجوب إجابة الدعوة أن يكون الداعي ممن يحرم هجره، فإن كان الداعي ممن لا يحرم هجره فإن إجابة الدعوة لا تجب، لأن المطلوب فيمن لا يحرم هجره أن يهجر ويبتعد عنه، كالمبتدع والفاسق والمجاهر بالمعاصي والداعي إلى الفسق والخنى والفجور ونحوهم، فهؤلاء لا تجب إجابة الدعوة بالنسبة لهم، لكن هل يجوز أو يكره أو يحرم؟ يختلف حسب حال هذا الداعي، إن كان في إجابة الدعوة مصلحة وبيان الحق له وللحاضرين يعني للداعي وللحاضرين صارت الإجابة مستحبة، وإن كان ذهاب هذا الشخص إلى المبتدع يؤدي إلى افتتان المبتدع وظن أنه على حق أو على شيء فالذهاب حينئذ يدور بين الكراهة والتحريم، أما الوجوب فلا يجب مطلقاً.
قال المؤلف ﵀:
(يحرم هجره إليها إن عينه)
هذا هو الشرط الرابع، الشرط الأول في أول مرة، والثاني أن يكون مسلماً، والثالث أن يحرم هجره، وهذا الشرط الرابع أن يخصه بالدعوة، أن يعينه أثناء الدعوة، استدل الحنابلة على أن هذا من الشروط بأن الداعي إذا عين شخصاً ولم يجب حصل له انكسار ووحشة من هذا الذي لم يجبه، وهذا الأمر لا يوجد فيما إذا لم يعينه وإنما دعاه دعوة عامة يدخل فيها هو وغيره، بهذا استدل الحنابلة يعني بتعليل.
والقول الثاني: أنه إذا لم يعينه فإنه يجب لعموم إذا دعاك فأجب.
والقول الثالث: أنه يكره وهو الذي سيذكره المؤلف في آخر الباب.
стр. 2238
والقول الرابع: أنه مباح، وهذا القول الأخير هو الصحيح، أو نقول أنه مستحب، إما مباح أو مستحب، أما القول بأنه مكروه أو واجب فهو ضعيف، ويمكن أن يستأنس بالقول بعدم الوجوب بقول النبي ﷺ :"إذا دعاك"، فإن هذا القول يشعر بتخصيص الإنسان بالدعوة لا بتعميمه، فربما نستأنس بهذا اللفظ مع التعليل الذي ذكره الحنابلة.
قال المؤلف ﵀:
(ولم يكن ثم منكراً)
هذا هو الخامس ألا يوجد منكر، يشترط للوجوب خلو مكان الزواج من المنكرات، والمؤلف قريباً سيفصل تفصيل دقيق في قضية وجود المنكر في الدعوة، ولهذا نؤجله إلى كلامه الآتي قريباً إن شاء الله، إنما هو يشترط الوجوب ألا يكون في الدعوة منكر.
قال المؤلف ﵀:
(فإن دعا الجفلى)
لما ذكر الشيخ الشروط ذكر محترزات الشروط في الحقيقة، الأول أن يدعوه دعوة الجفلى، ودعوة الجفلى هي أن يدعو دعوة عامة ليس فيها تخصيص، حينئذ لا يجب إجابة دعوته، بل يكره عند الحنابلة كما ترون على ما ذكره المؤلف، واستدل الحنابلة على الكراهة بأن في إجابة الدعوة إذا كانت على سبيل التعميم دناءة وحرص على حضور الولائم مما يستدعي أن تكون الإجابة مكروهة.
والقول الثاني: أن الإجابة مباحة أو مسنونة، واستدل هؤلاء بأن "النبي ﷺ صنع وليمة وأرسل أنس وقال ادعوا لي فلاناً وفلاناً ومن لقيت" فقوله ومن لقيت هذا هو تماماً هو دعوة الجفلى أي الدعوة عامة، ولم يكن النبي ﷺ ليدعوا الناس دعوة مكروهة، وهذا القول لاشك أنه هو الصواب، والحكم عليها بأنها مكروهة غريب، غاية ما هنالك أنها ليست بواجبة وتصبح بعد ذلك تدور بين الإباحة والندب، وهي إلى الندب والاستحباب أقرب بلا شك.
الثاني من المحترزات قوله ﵀:
(أو في اليوم الثالث)
إجابة الدعوة في اليوم الثالث مكروهة للحديث، لأنه في الحديث الذي مر معنا أمس أنه جعل إجابة الدعوة في اليوم الأول حق وفي اليوم الثاني معروف وفي اليوم الثالث رياء وسمعة، وإذا كانت إجابة الدعوة من باب الرياء والسمعة فهي مكروهة، والواقع أن الاستدلال بهذا الحديث محل نظر من وجهين:
стр. 2239
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف، فلا يمكن أن نحكم على إجابة الدعوة في اليوم الثالث أنها مكروهة اعتماداً على حديث ضعيف.
الثاني: لو صح الحديث لدل على التحريم لأن الرياء والسمعة محرمان، فكيف نستدل به على الكراهة فقط، إذا الاستدلال بهذا الحديث استدلال في غير محله، ولذلك نقول أن الأقرب إن شاء الله أن إجابة الدعوة في اليوم الثالث تدور بين الإباحة والندب، أما الدعوة في اليوم الثاني فالحنابلة يرون أنها مسنونة، يعني إجابة دعوة اليوم الثاني مندوبة ومسنونة، إذاً النقاش معهم إنما هو في الحكم الذي أطلقوه على اليوم الثالث.
قال المؤلف ﵀:
(أو دعاه ذمي)
إذا دعاه ذمي فقد دعاه غير مسلم، تقدم أنه لا يجب، لكن الحنابلة يرون أن إجابة الدعوة مكروهة، والسبب في ذلك أن الذمي يطلب إذلاله وهانته، وإجابة دعوته تتنافى مع ذلك.
والقول الثاني: أن إجابة الدعوة للذمي أيضاً إما مباحة أو مندوبة، لأن النبي ﷺ أجاب دعوة اليهودي وأجاب دعوة اليهودية، والنبي ﷺ لنا فيه أسوة حسنة، فنقول إجابة الدعوة مباحة أو مستحبة، وتقدم معنا في كتاب الجهاد أنه ليس من مقاصد الشرع تقصد إذلال الذمي بالطريقة التي وصفها الفقهاء، هذا ليس من المقاصد، لكن المراد مع الذمي ألا يتولاه الإنسان في العقيدة ولا يحبه ولا يناصره ولا يؤازره، أما تقصد إذلاله فليست النصوص شيء واضح يدل عليه، وهذا ما يتنافى مع النصوص التي فيها الأمر بمخالفة اليهود والنصارى، فإن مخالفة الكفار شيء وتقصد إذلالهم بفعل زائد شيء آخر.
قال المؤلف ﵀:
(كرهت الإجابة)
هذا يرجع للمسائل الثلاث السابقة، ففي كل واحة منهم يكره للإنسان أن يجيب وتقدمت مناقشة ذلك.
قال المؤلف ﵀:
(ومن صومه واجب دعا وانصرف)
стр. 2240
إذا دعي الإنسان وهو صائم صوماً واجباً، كأن يصوم قضاء رمضان أو كفارة واجبة أن نذر أو أي صيام واجب، فإنه يجيب وجوباً، ولكن يحرم عليه أن يفطر، والسبب في هذا أن الفطر وقطع الصيام الواجب محرم، والأكل مندوب، وليس للإنسان أن يقترف محرماً ليحقق مندوباً، ويدل على هذا أيضاً قول النبي ﷺ :"إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليدعوا وإن كان مفطراً فليطعم" فهذا الحديث فيه النص على هذا المعنى.
قال المؤلف ﵀:
(والمتنفل يفطر إن جبر)
لما بين الشيخ حكم الإنسان إذا دعي وهو صائم صيام واجب بيّن حكم إذا دعي وهو صائم صيام متنفل، فيقول والمتنفل يفطر انجبر يعني أن المتنفل إذا دعي فإنه يستحب له أن يفطر إذا كان في فطره جبر لخاطر الداعي، ومفهوم كلام المؤلف أن الداعي إذا لم يحصل له انجبار خاطر ولم يحصل له انكسار بعدم الأكل فإن المستحب ألا يفطر ولو كان صيامه صيام ندب، وهذا صحيح، وهذا التفصيل الذي ذكره الشيخ موسى هنا هو اختيار شيخ الإسلام ﵀ وهو الذي إن شاء الله تدل عليه النصوص السابقة إن شاء الله، وهو الذي تدل عليه الآثار فإن ابن عمر ﵁ دعي فلما مد يده ليأكل قال إني صائم، فلنا أن نقول أن ترك الطعام هذا التفصيل يتعلق بصيام النفل إذا كان ترك الطعام يدخل على الداعي انكساراً فإنه يستحب أن يفطر الإنسان وإلا فإنه يبقى صائماً.
стр. 2241
والقول الثاني: وهو المذهب أنه يستحب أن يفطر مطلقاً، سواء حصل انكسار للداعي بعدم الأكل أو لم يحصل مطلقاً، واستدل الحنابلة بأن رجلاً دعا النبي ﷺ وأصحابه فأمسك رجل عن الطعام فقال النبي ﷺ :" أخوكم دعاكم وتكلف لكم كل وصم يوماً مكانه" هذا الحديث صححه الشيخ العلامة الألباني وعامة المتأخرين أيضاً صححوه، ولهذا استدل به المؤلف، فإذا كان الحديث على فرض ثبوت الحديث فهو في الحقيقة يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يفطر مطلقاً، على أنه يمكن أن يناقش الحديث بأن الظاهر من حال الرجل الداعي أنه انكسر بعدم أكل هذا الرجل، فإن النبي ﷺ كأنه لاحظ هذا من الداعي فأمره بأن يفطر وأن يطعم، وقد نقول أن هذا التفصيل في الحقيقة الذي هو إن حصل جبر خاطر أفطر وإلا فلا تفصيل نظري بحت لماذا؟ لأنه غالباً بل نقول دائماً إذا دعاك فهو يحب أن تأكل، ففي الواقع ليس بين القولين فرق كبير، ولهذا نقول ينبغي إذا دعيت وأنت صائم صوم نفل أن لا ترد دعوة أخيك وأن تطعم، لأنه الغالب يريد أن تأكل، بل الغريب هو ألا ينكسر إذا لم تأكل لأنه لم يدعوك إلا ليكرمك.
مسألة: ذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أن الإنسان إذا جاء صائماً فإنه يستحب للداعي ألا يكرر عليه الدعوة والإلحاح بأن يفطر، ورأى أن ذلك من المسألة المكروهة، فعلى الإنسان أن يضيف أخاه وأن يطلب منه أن يطعم إكراماً له ثم لا يلح بعد ذلك.
قال المؤلف ﵀:
(ولا يجب الأكل)
стр. 2242
معنى هذا أن الواجب هو إجابة الدعوة لا الأكل، فالأكل مسنون فقط، والدليل على هذا أن النبي ﷺ قال:"إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء فليأكل وإن شاء فليترك"، وهذا تخيير صريح، وهذا الحديث في صحيح مسلم، بناءً على هذا يكون الأكل مندوب مطلقاً، والتفصيل السابق الذي ذكرناه في الصائم صيام نفل يكون على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب، أما الوجوب فقد حصل بإجابة الدعوة، وهذا يتوافق مع ما يصنعه بعض الناس اليوم من أنه يأتي إلى وليمة الزواج ثم إذا قدم الأكل خرج، هذا لا بأس فيه وقد أجاب الدعوة، ولو كان بعض الناس يرى أنه لم يجب الدعوة فرؤيته لا تتوافق مع الشرع، نقول إذا حضر ودعا وشارك ثم خرج قبل أن يأكل فقد أجاب الدعوة، لأن الأكل مندوب، نعم لا شك أن كونه يأكل أكمل في إجابة الدعوة وأطيب لخاطر الداعي لكن يبقى أن هذا الأمر بالنص النبوي مباح، لقوله إن شئت فكل وإن شئت فاترك.
القول الثاني: أن الأكل واجب لقول النبي ﷺ :"وإن كان مفطراً فليطعم"، وقوله فليطعم أمر صريح.
والراجح إن شاء الله القول الأول، لأنه في الحديث الذي استدل به أصحاب القول الأول التصريح بالتخيير بين الأكل وعدمه، ولهذا نحمل حديث وإن كان مفطراً فليطعم على الندب جمعاً بين الأخبار.
قال المؤلف ﵀:
(وإباحته تتوقف على صريح إذن أو قرينة)
معنى هذا الكلام أنه لا يجوز للإنسان أن يأكل إلا إذا أذن له أو دلت القرائن على الإذن، وتعليل ذلك أنه لا يجوز للإنسان أن يأكل مال أخيه إلا بإذنه، قال الفقهاء والدعوة إلى الوليمة إذن، لأنه لم يدعه إلا ليطعم، وقال الفقهاء أيضاً أن تقديم الطعام إذن في الأكل، لأنه لم يقدم الطعام إلا ليطعم الناس، والأقرب أن الإذن بالأكل يرجع إلى الأعراف السائدة في كل بلد، ففي بعض البلدان تقديم الطعام إذن ويشرع الناس في الأكل، وفي بعض البلدان لا يكتفون بتقديم الطعام حتى يضيفهم الداعي ويأمرهم بالأكل، بل يعتبر من أكل قبل أن يطلب منه البدء خالف الأعراف العامة، وهذا القول الأخير هو الصحيح إنه يُرجع في الإذن للأعراف، وكما قلت لكم الأعراف تختلف اختلافاً كبيراً في هذا الأمر.
стр. 2243
مسألة لم يذكرها المؤلف: الدعوة إذن في الأكل عند الحنابلة لكنها ليست إذن في الدخول، بل يجب عليه إذا حضر ألا يدخل إلا بعد الإذن.
والقول الثاني: أن الدعوة إذن في الدخول فإذا دعي جاء ودخل بلا إذن، لأن الإذن مستفاد من الدعوة السابقة.
والقول الثالث: أن هذا الأمر يرجع فيه إلى القرائن، فإن دلت القرائن على أن هذه الدعوة إذن فذاك وإلا فلا، وهذا القول اختاره الشيخ المرداوي وهو القول الصواب، فلا المنع مطلقاً صحيح ولا الإذن مطلقاً صحيح، ونحن نشاهد في الواقع أنه لا يلزم من دعوة الإنسان لك أن يرضى أنه بمجرد وصول البيت تدخل البيت، أليس كذلك، لكن إن دلت القرائن ونحن لا نقول الأعراف إن دلت القرائن على أنه إذن فهو إذن، من أوضح وأبرز القرائن أن يجد الباب مفتوحاً، فإذا جاء المدعو إلى بيت الداعي ووجد الباب مفتوحاً فإن هذا إذن والقرينة دالة على أنه يريد أن كل من يأتي يدخل حينئذ لا بأس بالدخول ولو بلا إذن.
ثم بدأ الشيخ بتفصيل مسألة وجود المنكرات في ولائم الزواج.
قال المؤلف ﵀:
(وإن علم أن ثم منكراً يقدر على تغييره حضر وغير)
إذا علم أن في المكان الذي سيذهب إليه منكر، أي نوع كان من أنواع المنكرات، فإنه ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يتمكن من إزالة هذا المنكر، فإذا تمكن من إزالة المنكر فإنه عند الحنابلة يجب عليه أن يحضر ويجب عليه أن ينكر، وليس له أن يتخلف إذا كان في مكان الوليمة منكر مادام يستطيع يغير هذا المنكر، واستدلوا على هذا بأن في إجابة الدعوة تحقيق فرضين، الفرض الأول الإجابة، والفرض الثاني تغيير المنكر.
القول الثاني: أنه إذا علم أن في المكان منكراً فإنه لا يجب عليه أن يحضر، فإن حضر وجب عليه أن يغير، واستدل هؤلاء بأن في إيجاب الذهاب إلى الدعوة تكليف بتغيير المنكر، والأصل عدم التكليف.
стр. 2244
الدليل الثاني: أن صاحب الدعوة أسقط حرمة نفسه بسبب وجود المنكر، ومعنى أسقط حرمة نفسه يعني لم تعد إجابة دعوته واجبة، يعني أسقط حقه كمسلم يجب إجابة دعوته، وهذا القول مال إليه شيخ الإسلام وقال هو أقيس على كلام الإمام أحمد، فنقول إذا دعيت إلى مكان فيه منكر فأنت مخير بين أمرين: إما أن تذهب أو أن لا تذهب، فإن ذهبت فيجب عليك تغيير المنكر، وهذا القول الذي ذكره شيخ الإسلام وجيه وصحيح، ويؤيده أن ذهاب الرجل المعروف المنظور إلى أفعاله إلى مكان فيه منكر قد يتخذ ذريعة لتسويغ المنكر ولو قام بإنكاره، فإن بعض الناس دائماً يأخذ ﴿ويل للمصلين﴾ ويترك باقي الآية، فيقول فلان حضر دعوة فلان وفيها منكر ولا يكمل ويقول أنه أنكر، لكن إذا امتنع من الذهاب لا شك أن هذا يؤدي إلى أن عامة الناس يتجنبون المنكرات لأن الناس يتجنبونهم بسبب وجود هذه المنكرات.
قال المؤلف ﵀:
(وإلا أبى)
وهذا هو القسم الثاني، يعني وإن لم يتمكن من إنكار المنكر وتغييره فإنه لا يذهب، لقول النبي ﷺ :"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار فيها الخمر" فالبقاء في مكان فيه منكر لا يجوز شرعاً، ولهذا نقول إذا لم تتمكن من تغيير المنكر وجب عليك ألا تذهب وجوباً، لأن إجابة الدعوة واجبة، وعدم المكوث مع المنكر أيضاً واجب، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
قال المؤلف ﵀:
(وإن حضر ثم علم به أزاله)
стр. 2245
يعني إذا لم يعلم به قبل أن يأتي مكان الدعوة ثم لما حضر وجد المنكر فإنه يسعى في إزالته فوراً لقول النبي ﷺ :"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، ولذلك نحن نقول أن النبي ﷺ جعل سلطة المنكِر ثلاث اليد واللسان والقلب، لكن ينبغي أن يعلم أن تغيير المنكر باليد ليس على إطلاقه، فلا يجوز للإنسان أن يغير المنكر بيده إذا كان يترتب على تغيير المنكر باليد منكر أكبر منه، لأن الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إذهاب المفاسد وتقليلها وتحصيل مصالح وتكميلها، فإذا كان إذهاب المنكر سيأتي بمنكر أكبر منه صار محرماً، وحينئذ ينتقل الإنسان إلى الثاني وهو التغيير باللسان، أما إذا لم يترتب على التغيير باليد ما هو أسوء منه وأكثر ضرراً ونكارة فإنه يغير بيده، كما أن التغيير باليد لا يتناول ما هو من صلاحيات ولي الأمر، مثل إقامة الحدود ونحوها مثل هذه الأشياء التي تناط بولي الأمر لا تدخل في هذا الحديث العام، فيما عدا هذين الأمرين وهو أن لا يترتب منكر أكبر ومفسدة أكبر أو أن تكون من اختصاصات ولي الأمر فإن الحديث يستعمل، فمثلاً إذا كان يوجد أداة موسيقى واستطاع أن يغلق هذه الأداة بدون وجود مفاسد فإنه يغلق هذا الشيء الذي يصدر الموسيقى، لأن هذا يدخل في الحديث، فمثل هذا على سبيل التمثيل، وإلا المنكرات كثيرة وإنما مثلت به لأنه غالب ما يكون من المنكرات، أما إذا ترتب على إغلاق هذا الجهاز مفاسد أخرى وأضرار أكبر من الموسيقى، فإنه لا شك أنه ينتقل إلى المرحلة الثانية وهي التوجيه باللسان، المقصود الآن أنه إذا حضر مكان الوليمة ثم علم به سعى في إزالته.
قال المؤلف ﵀:
(فإن دام لعجزه عنه انصرف)
следующие страницы →