Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
إن أصاب المظاهر منها ليلا أو نهاراً انقطع التتابع يلاحظ على المؤلف ﵀ أنه رجع لأحكام الصيام مع أنه انتهى من أحكام الصيام وانتقل إلى أحكام الإطعام فكان ينبغي أن يجعل هاتين المسألتين مع أحكام الصيام.
يقول المؤلف أنه إن جامع ليلاً أو نهاراً انقطع التتابع , أما إن جامع نهاراً فإنه يأثم والتتابع ينقطع بالإجماع لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة/١] فالجماع في النهار أمره ظاهر.
وأما إن جامع زوجته التي ظاهر منها في الليل فإنه عند الحنابلة يأثم وينقطع التتابع , أما الإثم فهو محل إجماع وإن جامع بالليل لأنه محرم أما انقطاع التتابع ففيه خلاف فالمذهب كما سمعت عن المؤلف يرون التتابع ينقطع، لأنّ الله تعالى أمر بأمر مركب فلا نخرج من العهدة إلاّ بأداء الأمرين معاً:
الأمر الأول: فصيام شهرين متتابعين.
الأمر الثاني: من قبل أن يتماسا.
فالتكفير يحصل بامتثال الأمرين معاً قبل المسيس أدى وبعد المسيس لم يمتثل الأمر الذي في الآية. وإليه يميل الشيخ ابن القيم ﵀.
القول الثاني: أنه إن جامع في الليل فهو آثم لكن التتابع لا ينقطع , لأنه صام شهرين متتابعين لأنه يصدق عليه ذلك ولم يقطع التتابع .....
الراجح إن شاء الله المذهب لأنّ هذا الشخص يصدق عليه أنه صام شهرين متتابعين لكن لا يصدق عليه أنه "من قبل أن يتماسا" , فإذا لم يؤدي الأمر فإنه لم يكفر وهذا القول هو الراجح وإن كانت المسألة محل تأمل ودليل كل قول من الأقوال وجيه وقوي لكن يبدوا لي أنّ القول الأرجح هو القول الأول لظاهر الآية.
قال المؤلف ﵀:
(وإن أصاب غيرها ليلاً لم ينقطع)
المقصود بغيرها يعني غير المظاهر منها فإذا أصاب غير المظاهر منها لم ينقطع التتابع لأنّ المحرمة عليه قبل التكفير هي المظاهر منها وما عداها فهي على أصل الجواز كما أنّ جماعها له في الليل لا يؤدي إلى انقطاع التتابع.
وبهذا انتهى كتاب الظهار ولله الحمد
стр. 2452
الدرس: (١) من اللعان
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀:
كتاب اللعان
اللعان مشتق من اللعن وهو: الطرد والإبعاد من رحمة الله.
في الاصطلاح: اسم لما يجري بين الزوجين من الشهادات التي تكون بألفاظ مخصوصة , وهو مشروع بالكتاب والسنة.
وأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين﴾ (النور/٤)، وأما السنة فما ثبت في الحديث الصحيح أنّ عويمر العجلاني ﵁ لاعن زوجته بحضرة النبي ﷺ وقصة عويمر ثابتة في صحيح البخاري ومسلم فعرفنا الآن التعريف وأصل المشروعية.
مسألة:
اللعان شرع في الإسلام لأمرين: -
الأول: إسقاط الحد عن الزوج.
الأمر الثاني: نفي الولد وهو المقصود من اللعان.
إما تخليص الزوج من الحد إذا قذف زوجته أو نفي الولد. وسيأتي تفصيل ذلك لاحقا.
قال المؤلف ﵀:
(يشترط في صحته: أن يكون بين زوجين إلى آخره)
يلاحظ على المؤلف ﵀ أنه شوش الترتيب جداً حيث بدأ بالشروط ثم انتقل بعد ذلك إلى حقيقة اللعان وليس من العادة البدء بالشروط، بل بالحقيقة الشرعية أولاً ليحصل التصور للمسألة ثم تذكر بعد ذالك الشروط، أضف إلى هذا أن المؤلف لم يذكر الشروط كلها مجتمعة في مكان واحد بل فرقها وقد خالف المؤلف ﵀ أصل الكتاب وهو المقنع، فإن ابن قدامة لم يصنع كصنيع المؤلف وإنما بدأ بحقيقة اللعان ثم انتقل إلى الشروط فأتى بها مرتبة مبسطة سهلة المنال.
أما المؤلف ﵀ يقول (يشترط في صحته: أن يكون لصحة اللعان أربعة شروط سيذكرها المؤلف مشوشة كما قلت.
الشرط الأول: أن يكون بين زوجين , فإنه في الشرع لا يوجد لعان إلاّ بين زوجين فإذا قام الشخص بقذف امرأة ليست زوجته فلا لعان وإنما يحد لأنه قذفها إن كانت محصنة أو يعزّر إن كانت غير محصنة.
стр. 2453
إذا اللعان خاص بما يكون بين الزوج وزوجته فقط لظاهر الآية السابقة. لأنها خصت اللعان بقذف الزوجة فقال تعالى "والذين يرمون أزواجهم "فنصت عليهم، ولأنه في حديث أوس وسلمة كان اللعان مع الزوجة.
يقول الشيخ يشترط أن يكون بين زوجين، لم يبيّن هل يشترط التكليف أو لا يشترط والواقع أنه يشترط في الزوجين التكليف فقط فلا يشترط الإسلام بل يشترط التكليف فإذا كان كل من الزوجين مكلفاً فإنّ اللعان يصح، وأما إذا لم يكن أحدهما مكلفاً فسيذكر المؤلف حكم ذلك، الذي يعنينا الآن أنّ الشرط الأول أن يكون اللعان بين زوجين وأن يكون الزوجان مكلفان.
قال المؤلف ﵀:
(ومن عرف بالعربية لم يصح لعانه بغيرها)
يعني أن يكون اللعان باللغة العربية , فمن كان عارفاً باللغة العربية ولاعن بغيره فلا يصح ولا تترتب عليه آثاره لأنّ الله تعالى أمر باللعان بألفاظ عربية لا يقوم غيرها مقامها كما في أذكار الصلاة.
القول الثاني: له أن يلاعن بغير العربية ولو عرفها وهذا أصح الوجهين عند الشافعية لأن المقصود المعاني لا الألفاظ.
قال المؤلف ﵀:
فإذا أقذف امرأته
لم يبين المؤلف حكم القذف ابتداءً وله أقسام:
القسم الأول: أن تكون عفيفة فقذفها حينئذ محرم وهو من الكبائر.
القسم الثاني: أن يراها تزني أو تعترف بذلك ولا يترتب على ذلك حمل فهنا يجوز أن يقذف ويلاعن ويجوز أن يستر عليها وهو أولى للنصوص العامة في الستر ويطلق إن كرهها.
القسم الثالث: كالسابق لكن مع الحمل ويتيقن أو يغلب على ظنه أنه ليس منه فهنا يجب أن يلاعن لنفي الولد لأنه لو لم يفعل لورثه ونظر إلى بناته وقريباته وهذا لا يجوز.
القسم الرابع: كالسابق لكن لا يدري هل الولد منه أو من الزاني وفي هذا القسم خلاف:
القول الأول: يجوز أن يلاعن.
القول الثاني: يحرم لأن الأصل أن الولد للفراش ولو لاعن لكان في هذا تعيير للولد وبإمكانه أن يطلق.
القول الثالث: يجب إذا كان الولد شبيهاً بالزاني وإلا فلا يجوز لأن الأصل أن الولد للفراش.
قلت الراجح أنه يتأكد من نسب الولد بالرجوع للأطباء ويحكم بناء على النتيجة.
قال المؤلف ﵀:
فإذا قذف امرأته بالزنا فله إسقاط الحد باللعان
стр. 2454
أي إذا قذفها فعليه الحد ولا تقبل له شهادة ويحكم بفسقه إلا أن يأتي ببينة أو يلاعن أو تصدقه فيسقط الحد بأحد هذه الأمور.
ثم بدأ المؤلف ﵀ ببيان صفة اللعان مفصلاً.
قال المؤلف ﵀:
(فيقول قبلها أربع مرات: اشهد بالله)
تقدم معنا أنه إذا قذف امرأته بالزنا فيجب عليه الحد ولا تقبل له شهادة ويحكم بفسقه إلاّ إن أتى ببيّنة أو لاعن, أمر القذف أمر عظيم في الإسلام إذا قذف زوجته فتترتب عليه أحكام القذف ولا يخرج منها إلاّ بأحد أمرين البيّنة أو اللعان فإذا امتنع عن اللعان ولم يتمكن من إقامة البيّنة أربع شهود يرون الزنا صراحة فإنه يحد حد القذف، ولهذا قال المؤلف فإذا قذف امرأته بالزنا فله إسقاط الحد باللعان، فلا يمكن أن يسقط عنه الحد إلاّ باللعان أو بالبيّنة وإنما لم يذكر المؤلف البيّنة لآنّ هذا الكتاب خاص باللعان فذكر إسقاط الحد باللعان فقط.
قال المؤلف ﵀:
(فيقول قبلها أربع مرات أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه , ويشير إليها ومع غيبتها يسميها وينسبها وفي الخامسة وأنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين)
أفادنا المؤلف في صفة اللعان أنّ الذي يبدأ باللعان هو الزوج ويقول هذه العبارة التي ذكرها المؤلف ويجوز أن يقول:" أشهد بالله أني فيما رميتها به لمن الصادقين" بل هذا اللفظ هو الموافق لظاهر القرآن ففيه: "فشاهدة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ".
وعلم مما تقدم أنه على المذهب لا يلزم القاذف وهو الزوج أن يقول ـ إذا أراد أن يلاعن زوجته ـ:
" فيما رميتها به من الزنا" أي لا يشترط أن يصرح بقوله فيما رميتها به من الزنا.
والقول الثاني: أنّ اللعان لا يصح إلاّ إذا قال فيما رميتها به من الزنا يشير إلى ما رماها به من الزنا وجعله في الإنصاف المذهب, والصحيح أنه لا يشترط أخذاً بظاهر لفظ القرآن.
قال المؤلف ﵀:
(ثم تقول هي أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا ثم تقول الخامسة: وأنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين)
стр. 2455
أي ثم تقول الزوجة أربع مرات:" أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا" ونقول في هذه العبارة ما قلنا في عبارة الزوج من أن لها أن تستبدل هذه العبارة بالعبارة التي جاءت في الآية فتقول:"أشهد بالله إنه لمن الكاذبين" ثم تقول في الخامسة:" وأنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين" , ويلاحظ أنّ الله تعالى أمره بأن يلعن نفسه , وأمرها بأن تدعو على نفسها بالغضب , ومن المعلوم أنّ الغضب أشد من اللعن , فلماذا جعل الله الأشد في حق الزوجة لا في حق الزوج؟ أجاب عن هذا الفقهاء بأنّ الغالب أن يكون الزوج صادقاً وأن تكون الزوجة كاذبة , لأنه يبعد جداً أن يقدم الإنسان على ملاعنة زوجته وتلويث فراشه وسمعته وسمعت أبناءه إلاّ وهو صادق، كما أنّ المرأة أعلم بالزوج من وقوع الزنا من عدمه لأنها هي التي باشرت فشددت العبارة في حقها , وهذه حكمة صحيحة.
ولما ذكر المؤلف كيفية اللعان بدأ بذكر المحترزات.
قال المؤلف ﵀:
(فإن بدأت باللعان قبله)
لم يعتد بهذا اللعان لأنه خلاف ما أمر الله به , وإذا عمل الإنسان عملاً هو خلاف ما أمر الله به فهو لا يعتد به وباطل.
قال المؤلف ﵀:
(أو نقص أحدهما شيئاً من الألفاظ الخمسة)
إذا نقص لفظاً من الألفاظ الخمسة فإنّ اللعان لا يصح ولا يعتد به لماذا؟ لأنّ الله تعالى علق اللعان وصحته على هذه الألفاظ الخمسة فإذا نقص منها شيئاً فلم يأتي بما علق الله عليه الحكم فلم يصح اللعان وهذا صحيح والأمر أمر عظيم أشد من ألفاظ الأذكار , لابد أن يأتي بالألفاظ القرآنية كاملة كما هي , فإنّ أخل بشيء لم يصح اللعان.
قال المؤلف ﵀:
(أو لم يحضرهما حاكم أو نائبه)
إذا لم يحضر الحاكم أو نائبه فإنّ اللعان لا يصح , التعليل قاعدة:
[أنّ جميع الأيمان التي بسبب الدعاوى لا تصح إلاّ بحضرة الحاكم]
وهو صحيح لأنها يمين بسبب دعوى ففيها خصومة فلا تصح إلاّ بحضرة الحاكم، فلو قال رجل من أقارب الزوجين تلاعنوا في البيت حتى لا ينتشر أمركما فإنّ هذا اللعان لا تنبني عليه الأحكام ولا يصح.
قال المؤلف ﵀:
стр. 2456
(أو أبدل لفظة أشهد بأقسم أو أحلِفُ , أو لفظة اللعنة بالإبعاد , أو الغضب بالسخط لم يصح)
إذا أبدل لفظة الشهادة بأقسم أو أحلف أو أبدل لفظة اللعن بالطرد أو الإبعاد فإنّ اللعان لا يصح لأنّ لفظ الإشهاد واللعن أعظم وأكثر زجراً وتخويفاً في النفس , فلا يقوم غيره مقامه من الألفاظ.
والقول الثاني: أنه إذا أبدل هذه الألفاظ بما ذكره المؤلف فاللعان صحيح لأنّ العبرة بالمعنى وليس باللفظ. والراجح المذهب لوجهين: -
الوجه الأول: أنّا نقول صحيح أن العبرة بالمعنى وليس لفظ القسم، واليمين مساوياً للفظ الشهادة ولا لفظ الإبعاد والطرد مساوياً للفظ اللعن من كل وجه , فإذا انتفى المعنى ولو سلمنا أنّ المعنى متحد فإنّ هذه الألفاظ خاصة أراد الشارع أن يتم التلاعن بها كما في أذكار الصلاة وكما في أذكار الصباح والمساء فلا يقوم غيرها مكانها، ولهذا نقول إن شاء الله لا يجزئ غير هذه الألفاظ من الألفاظ وإن تساوت معها في المعاني إذا افترضنا صحة تساويها معها في المعاني.
فصل
قال المؤلف ﵀:
(وإن قذف زوجته الصغيرة أو المجنونة عزّر , ولا لعان)
ذكر المؤلف مسألتين:
المسألة الأولى: إذا قذف زوجته الصغيرة.
والمسألة الثانية: إذا قذف زوجته المجنونة.
نبدأ بالمسألة الأولى: إذا قذف زوجته الصغيرة فالحكم أنه لا لعان وإنما يعزّر.
ومقصود الحنابلة بالصغيرة هنا يعني التي لا يوطأ مثلها وليس المقصود مسألة البلوغ أو عدمه , فإذا قذف زوجته التي لا يوطأ مثلها فلا لعان وإنما يعزر , السبب أنه لا لعان لأنّ قوله معلوم الكذب لأنّ هذه المرأة لا يوطأ مثلها فكيف يرميها بالزنا وهي لا يوطأ مثلها فلما كان كلامه معلوم الكذب فإنه لا لعان وإنما يعزر كما أنه لا يلحقها عار بهذا القذف هكذا قالوا وفي تعليلهم الثاني نظر.
أما إن كانت يوطأ مثلها كابنة تسع فإنها لا تطالب بحقها إلا بعد البلوغ وله إسقاطه باللعانـ أي الحد ـ إذا طالبت بعد البلوغ.
стр. 2457
المسألة الثانية: المجنونة إذا قذف زوجته المجنونة فإنه لا لعان وإنما يعزر وعلل الحنابلة هذا بأنّ اللعان هو عبارة عن أيمان ويشترط لصحة الأيمان التكليف وهذه مجنونة وليست بمكلفة فلا يصح حلفها وأيمانها فلا يصح معه اللعان لأنّ اللعان لا يصح إلاّ بين زوجين فإذا بطل في أحد الزوجين بطل في الآخر , وهذا الكلام من المؤلف عام يشمل ما إذا أراد الزوج أن يلاعن ليتخلص من الحد أو أن يلاعن لينفي الولد.
بناء على مذهب الحنابلة لا يستطيع الزوج أن ينفي الولد من زوجته المجنونة مطلقاً لأن نفي الولد لا يكون إلاّ باللعان واللعان مع المجنونة لا يصح وهذه مشكلة لأنه قد يعلم علم اليقين أنه زوجته زُنيَ بها وأنّ هذا الولد ليس بولد له ومع ذلك لا يستطيع أن ينفي الولد لأنّ اللعان باطل.
القول الثاني: في هذه المسألة أنّ الزوج إذا أراد أن يلاعن بقصد نفي الولد فقط صح ويكون اللعان في هذه الصورة من قبل الزوج فقط.
هذا القول قول العلامة القاضي أبي يعلى من الحنابلة وهو قول وجيه لأنه جمع بين الأدلة فنحن نقول للزوجة لا تلاعن لأنها غير مكلفة وإنما يلاعن الرجل لأنه أراد نفي الولد لا درأ الحد عن نفسه، وهذا القول إن شاء الله هو الصحيح.
قوله: (عزر ولا لعان)
التعزير هنا مقابل السب لا القذف لأن كلامه هنا يعتبر سباً لا قذفاً.
قال المؤلف ﵀:
(ومن شرطه: قذفها بالزنا لفظاً كزنيت , أو يا زانية , أو رأيتك تزنين في قبل أو دبر)
أي فلا يشترط أن يقول رأيتها تزني أو أن الحمل ليس مني لعموم الآية.
والقول الثاني: لا بد من أن يصرح بالرؤية أو بإنكار الحمل ولا يكتفي بزنيتي وهو مذهب مالك لأنه في حديث هلال قال: "رأيت بعيني وسمعت بأذني"، والراجح الأول لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والآية عامة.
قال المؤلف ﵀:
(في قبل أودبر)
يعني أنه لا يشترط في القذف أن يخصص بالقبل بل لو قذفها في الدبر صح , لأنه وطء في فرج فصح القذف به ولأنّ الوطء في الدبر يلحقها به العار كما في القبل , ففي هذه المسألة لا نفرق بين القبل والدبر.
قال المؤلف ﵀:
(فإن قال وطئت بشبهة أو مكرهة أو نائمة)
стр. 2458
أي فلا لعان لأنه لم يقذفها بما يوجب الحد.
وظاهره لا لعان ولو كان ثم ولد وهو المذهب ويلحقه نسبه الحديث "الولد للفراش".
والقول الثاني: يلاعن الرجل وحده لنفي الولد لأنه محتاج إلى ذلك اختاره المجد والقاضي وهو أقرب.
قال المؤلف ﵀:
(أو قال: لم تزن ولكن ليس هذا الولد مني)
إذا قال الزوج , زوجتي لم تزني لكن هذا الولد ليس مني , لحقه نسبه ولا لعان فصارت كمسألة الوطء بشبهة, والزوج إذا قال لم تزني لكن هذا الولد ليس مني ففي هذا القول إشكال لأنه إذا كانت زوجتك لم تزني كيف يكون هذا الولد ليس منك، وقد أجاب الحنابلة أنه ربما يقول أن زوجته وطئت بشبهة فإذا قال الزوج هذا الكلام نقول لا لعان ويثبت النسب , والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة تماماً , من حيث أدلة الحنابلة واختيار الشيخ المجد واختيار الشيخ القاضي أبو يعلى، والصحيح إن شاء الله في هذه المسألة هو الصحيح في المسألة السابقة، فنقول أنه يلاعن بمفرده ليتمكن من نفي الولد ولا تلاعن المرأة لأنّ لعان المرأة يترتب على القذف ولا قذف في هذه الصورة.
قال المؤلف ﵀:
(فشهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه)
المؤلف ﵀ خلط بين مسألتين:
المسألة الأولى: هي المسألة السابقة وقد تقدم توضيحها.
المسألة الثانية: أن يقول لم تزن ولكن هذا الولد ليس مني لكن قال هذا الكلام بعد أن أبانها فالحكم في هذه المسألة أنه لا يلحقه النسب إلا إذا شهدت به امرأة بخلاف المسألة السابقة فيلحقه النسب ولو بلا شهادة لأنها فراشه، وفي المسألة الثانية نكتفي بشهادة امرأة واحدة لقصة التي شهدت بالرضاع.
والقول الثاني: لا بد من شهادة امرأتين وهو رواية عن أحمد.
أما إذا لم يشهد به أحد فالقول قول الزوج ولا يلحقه نسبه.
قال المؤلف ﵀:
(ومن شرطه: أن تكذبه الزوجة)
هذا هو الشرط الأخير وهو الرابع أن تكذب الزوجة الزوج.
وإتماماً لهذا الشرط نقول ويجب أن يستمر هذا التكذيب إلى نهاية اللعان فإن لم تكذب الزوجة الزوج فلا لعان وإنما يقام عليها الحد ولا نحتاج إلى لعان لأنها اعترفت بجريمة الزنا فيقام عليها الحد.
قال المؤلف ﵀:
стр. 2459
(وإذا تّم سقط عنه الحد)
إذا تّم اللعان بالشروط السابقة ترتب عليه أربعة أحكام:
الحكم الأول: أشار إليه الشيخ بقوله سقط عنه الحد والتعزير، فإذا تّم اللعان فإنّ الحد يسقط عن الزوج أو التعزير إذا كانت الزوجة ليست محصنة , إذا كانت محصنة سقط عنه الحد وإن كانت ليست محصنة سقط عنه التعزير، والدليل على هذا أنّ النبي ﷺ درأ الحد عن أوس وسلمة بن صخر بالملاعنة.
ولأن الشهادة أقيمت مقام البينة، والبينة تسقط الحد وكذا لو قذفها برجل بعينه سقط الحد عنه لهما لأن هلال بن أمية قذف زوجته بشريك بن سحماء فلم يحده ولم يعزره له.
قال المؤلف ﵀:
(وتثبت الفرقة بينهما بتحريم مؤبد)
الحكم الثاني: أنّ الفرقة تثبت بينهما , وظاهر كلام المؤلف أنّ الفرقة تثبت بمجرد اللعان ولا نحتاج إلى حكم الحاكم بالتفريق بينهما ويدل على أنّ الفرقة تثبت بمجرد اللعان أنّ الفرقة لو توقفت على حكم الحاكم لجاز إذا رضيا بالبقاء كالتفريق بالعيب وقياساً على التفريق بالرضاع بجامع أن كلاً منهما يقتضي التفريق المؤبد.
القول الثاني: أنّ الفرقة لا تثبت إلاّ بتفريق الحاكم لأنّ النبي ﷺ لما لاعن بينهما قال ابن عباس "وفرّق بينهما رسول الله ﷺ ".
أجاب الحنابلة عن قول ابن عباس وفرّق بينهما يعني أعلمهما بالفرقة , وليس إنشاء للتفريق منه ﷺ . والذي يظهر أنّ الأقوى المذهب مذهب الحنابلة.
مسألة: الفرقة في اللعان تعتبر فسخاً وليست طلاقاً , عند جماهير أهل العلم ولا تعتبر من الطلقات قياساً على التفريق بالرضاع فإنّ التفريق بالرضاع كان سببه معنى يمنع استمرار الزوجين واعتبرناها فسخاً كذلك اللعان.
قال المؤلف ﵀:
(بتحريم مؤبد)
هذا هو الحكم الثالث أنّ التحريم مؤبد وليس مؤقتاً والتحريم ينقسم إلى قسمين: -
أن يكون التحريم مع عدم إكذاب الزوج نفسه ,يعني إذا استمر الزوج ولم يكذب الزوج نفسه فالتحريم مؤبد في هذه الصورة بالإجماع , لقول النبي ﷺ ولا رجعة لك عليها , وهذا اللفظ أنه لا رجعة له عليها إسناده صحيح وإن كان خارج الصحيح.
стр. 2460
القسم الثاني: أن يكذب بعد ذلك نفسه فالجمهور أيضاً أنه لا رجعة له عليها أبداً استدلوا بعموم الحديث السابق.
والقول الثاني: وهو رواية اعتبرها الحنابلة شاذة عن الإمام أحمد أنه له أن يرجع وهو اختيار سعيد بن المسيب , فإذا أكذب نفسه فهو خاطب من الخطاب له أن يرجع.
ترك المؤلف حكماً غاية في الأهمية وهو الحكم الرابع: انتفاء الولد.
والولد ينتفي من الملاعن بلا إشكال لكن اختلف الفقهاء هل ينتفي الولد ولو لم ينفه أثناء اللعان أو لا ينتفي إلاّ بشرط أن ينفيه أثناء اللعان؟.فيه خلاف:
القول الأول: أنّ الولد لا ينتفي إلاّ بماذا؟ إلاّ بتصريح الزوج بأنّ هذا الولد ليس بولده فيرميها بالزنا ويصرح أنّ الولد ليس بولده واستدل هؤلاء بأنّ اللعان غاية ما فيه أن يثبت أنّ هذه المرأة زنت وهذا لا يوجب نفي الولد.
القول الثاني: أن الولد ينتفي بمجرد اللعان ولو لم يذكر النفي أثناء اللعان.
واستدل هؤلاء بأنّ الذين لاعنوا في عهد النبي ﷺ لم يذكر في لعانهم انتفاء الولد أو الانتفاء من الولد بل في صحيح مسلم أنّ النبي ﷺ لاعن بينهم وألحق الولد بأمه وليس في الحديث أنه أي الزوج ذكر أثناء اللعان أنّ هذا الولد ليس منه وهذا القول الثاني هو الصحيح بل إنّ الغالب من الملاعنين هو إرادة نفي الولد لا مجرد إثبات زنا الزوجة.
стр. 2461
الدرس: (٢) من اللعان
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فصل
قال المؤلف ﵀:
(من ولدت له زوجته من أمكن أنه منه لحقه)
هذه قاعدة الباب أنه إذا ولدت زوجة الرجل ولداً يمكن أن يكون منه فإنه يلحق الزوج لعموم قول النبي ﷺ (الولد للفراش)، وعند الحنابلة الشرط يمكن أن يكون هذا الولد منه أي ولو لم يثبت وطء ولا دخول فإذا أمكن أن يكون منه فإنه ينسب إليه , ومثلوا لما لا يمكن أن يعقد الزوج على زوجته في المجلس بحضرة الحاكم ثم يطلق بحضرة الحاكم وهم جلوس حينئذ لا يمكن أن يكون منه وكذلك إذا تزوج وهو في بلد وهي في بلد ولا يتمكن أن يسافر إلى بلدها في أقل مدة الحمل حينئذ نقطع أنه ليس منه فإذاً الحنابلة لا يشترطون الوطء ولا الدخول وإنما يشترطون إمكان أن يكون هذا الولد من هذا الزوج واستدلوا بعموم الحديث السابق وبأنه يمكن أن يكون منه.
القول الثاني: أنه يشترط لتكون الزوجة فراشاً ويلحق الولد بالزوج أن يحصل الدخول وإلا فلا يلحق بالزوج وهذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام واختيار والده.
قال المؤلف ﵀:
(بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه , أو دون أربع سنين منذ أبانها وهو ممن يولد لمثله) ذكر المؤلف شرطين لصحة حقوق النسب:
الشرط الأول: أن تلده بعد نصف سنة.
والشرط الثاني: أن يكون ممن يولد لمثله ـ وسيأتي الكلام عنه ـ.
نبدأ بالشرط الأول إذا ولدته بعد نصف سنة أو قبل مضي أربعة أشهر فإنّ هذا الولد ولده لأنّ ستة أشهر هي أقل مدة الحمل كما أن أكثر مدة الحمل أربع سنين، فإذا أتت به لأقل من ستة أشهر أو لأكثر من أربع سنين بعد الإبانة علمنا أنّ الولد ليس له قطعاً ولا يحتاج الزوج لنفي هذا الولد أن يلاعن وتقدم الكلام عن قوله "منذ أمكن وطؤه".
قال المؤلف ﵀:
(وهو ممن يولد لمثله كابنة عشر)
هذا هو الشرط الثاني وهو أن يكون الزوج ممن يولد له ومن يولد لمثله محل خلاف بين الفقهاء فالحنابلة يرون أنه ابن العشر وفهم من هذا أن ابن تسع لا يلحق به الولد لحديث "اضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع" والأمر بالتفريق دليل على إمكان الوطء الذي هو سبب الولادة.
стр. 2462
القول الثاني: أنّ من يمكن أن ينسب إليه ولد هو من بلغ بالإنزال ولا ننظر للسن لأنه قبل أن ينزل لا يمكن أن يكون الولد منه لأن الولد إنما يكون من الماء.
القول الثالث: أنّ من يمكن أن يولد لمثله هو ابن الاثني عشر سنة.
والخلاف السابق يفيد أن ابن تسع ليس ممن يولد لمثله بالاتفاق وهو محكي ـ أي الاتفاق ـ لكن الصحيح أن ابن التسع فيه خلاف لكن تركناه لضعفه والقول الثاني ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ومن حين وقفت على هذا القول وقع في ذهني أنه أرجح الأقوال لأنه كيف ننسب الولد لشخص لم يثبت أنه بلغ بالإنزال مع العلم أنّ الناس العلماء وغير العلماء أجمعوا أنّ الولد لا يكون إلاّ بالإنزال وهذه المعلومة أنّ الولد لا يكون إلاّ بالإنزال لا تخفى على الحنابلة أليس كذلك لا تخفى على أحد لكن ذهبوا إلى تقييده بابن العشر مراعاة وحفظاً للأنساب لأنّا نرى أنه في القصة التي ستأتينا لما تنازع سعد بن أبي وقاص مع عبد بن زمعة.
سيأتينا أنّ الولد يشبه عقبة ولا يشبه زمعة ونكاد نقطع أنّ هذا الولد ليس لزمعة ومع هذا جعله النبي لزمعة وعلل ذلك بقوله: (الولد للفراش) فنرى أنّ الشارع يثبت النسب مع علمه أنّ هذا الولد ليس لهذا الأب فمنطلق الحنابلة منطلق قوي مع هذا أنا أقول أنّ القول الثاني هو الراجح لأنه في هذه المسألة لا يوجد هنا نزاع حتى نلحقه بصاحب الفراش وإنما ابتداء نقول هل يمكن أن ينسب الولد لمن لم ينزل أصلاً أو لا يمكن , فنحن نقول إن شاء الله الراجح أنه لابد من ثبوت الإنزال وإنما أردنا بهذا التطويل أن تعلم أنّ مذهب الحنابلة قوي وليس مصادماً لا للعقل ولا للشرع.
قال المؤلف ﵀:
(ولا يحكم ببلوغه إن شك فيه)
لا يحكم ببلوغ هذا الذي نسبنا إليه الولد إن شك ببلوغه لماذا؟ لأنّ الأصل عدم البلوغ ولأن البلوغ يترتب عليه أحكام كالتكليف ووجوب الغرامات وإنما أثبتنا النسب احتياطا للأنساب فقط وأيضاً نقول في هذه المسألة لا تظن أنّ في هذا التقرير تعارضاً , كيف تقول لم يبلغ وتنسب إليه الولد؟ لما تقدم معنا أن المراد الاحتياط للأنساب.
قال المؤلف ﵀:
(ومن اعترف بوطء أمته في الفرج أو دونه فولدت لنصف سنة , أو أزيد لحقه ولدها)
стр. 2463
إذا اعترف أنه وطء الأمة وولدت لأقل من نصف سنة فإنه ينسب إليه الولد , والاعتبار بالمدة من الشراء أو من الوطء؟ بالنسبة للزوجة الاعتبار في المدة من العقد أما بالنسبة للأمة فهل هو من الشراء أو الوطء؟ مذهب الحنابلة أنه من الوطء , فنحسب المدة من الوطء فبهذا الاعتراف صارت فراشاً له وصار الولد ولداً له لحديث اختصام سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة أخو سودة بنت زمعة فإن أمة زَمْعَة أتت بولد فادعى سعد أنه ابن أخيه عتبة لأنه ألم بها وادعى عبد بن زمعة أنه له لأنه ولد على فراش أبيه فحكم به ﷺ لعبد بن زمعة وأمر سودة أن تحتجب عنه لوجود الشبه البين بعتبة.
قال المؤلف ﵀:
(إلاّ أن يدعي الإستبراء ويحلف علي)
أي إلاّ أن يدعي السيد الإستبراء فإذا ادعى أنه أستبرء الأمة بحيضة فإنّا نقبل منه هذا الإدعاء بشرط أن يحلف , فإنّ البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر فهذا منكر للحوق النسب , فقيل قوله مع اليمين.
قال المؤلف ﵀:
(وإن قال وطأتها دون الفرج , أو فيه ولم أنزل , أو عزلت لحقه)
ذكر المؤلف مسألتين:
المسألة الأولى: إذا قال وطئتها دون الفرج.
والمسألة الثانية: إذا قال وطئتها ولم أنزل أو عزلت.
بالنسبة للمسألة الأولى: لو قال وطئتها لكن دون الفرج فإنّ الولد يلحق به لأنّ الماء قد يسبق ويدخل في فرج المرأة.
والقول الثاني: إذا زعم أنه وطئها في غير الفرج فإنّ الولد لا يلحق به لأنه لم يطأ ونحن نثبت الفراش بالوطء.
والمسألة الثانية: إذا قال أنا وطئت الأمة لكني لم أنزل وعزلت فإنه في هذه الصورة لا يسمع لدعواه ويلحقه الولد لدليلين:
الدليل الأول: أنّ أناسا من أصحاب النبي ﷺ استفتوه في العزل فقال:" اعزل عنها إن شئت فإنّ ما قدر الله سيكون".
والدليل الثاني: ما روي عن عمر ﵁ أنه رأى الناس يزعمون أنهم عزلوا عن الإماء وينتفون من الأولاد فقال ﵁ من وطء أمته فهو ولده عزل أو لم يعزل فأغلق الباب فقال مادامت هذه الأمة توطأ من السيد فهي فراش له والولد ولد له.
قال المؤلف ﵀:
стр. 2464
(وإن أعتقها , أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون نصف سنة لحقه والبيع باطل)
لأنّ علمنا قطعا أنّ هذا الولد منه فقد حملت به وهي فراشه فالحمل كان قبل البيع لأن أقل الحمل ستة أشهر. قال الشيخ (والبيع باطل) لأنّ الأمة صارت أم ولد وأمهات الأولاد لا يجوز أن يباعن.
وبهذا انتهى كتاب اللعان ولله الحمد
стр. 2465
الدرس: (١) من العدد
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أرحب بإخواني مع بداية الفصل الخامس وأسأل الله أن ينفعنا بالعلم النافع والعمل الصالح وأن يعيننا بفضله ومنه وكرمه على إتمام الجزء المتبقي من متن زاد المسقنع وتعلمون توقفنا على كتاب العدد بعد أن أنهينا كاب اللعان فنبدأ مستعينين بالله بهذا الكتاب الذي توقفنا عنده.
قال المؤلف ﵀:
كتاب العدد
العدد جمع مفرده عدة وهو مشتق من العدد ووجه الاشتقاق أن العدة إنما تعرف وتحصى بالعدد سواء كانت العدة بالحيض أو كانت بالأشهر في الحالتين إنما تحصى وتعرف بالعدد ولهذا اشتقت من العدد والعدد في لغة العرب هو الإحصاء والضبط.
وأما في الشرع: فالعدة هي المدة الزمنية التي تتربصها المرأة المطلقة لتعلم براءة الرحم. إذا العدة في الشرع تكون مدة والغرض منها معرفة براءة الرحم, فاشتمل التعريف على معرفة ماهية العدة والحكمة منها
ثم - قال ﵀ (تلزم العدة كل امرأة فارقت زوجا خلا بها)
قوله تلزم العدة .. أفادنا المؤلف بهذه العبارة أن العدة واجبة ووجوب العدة محل إجماع في الجملة , والعدة مشروعة من حيث الأصل بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فعدد من الآيات منها قوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ البقرة/٢٢٨
فهذه الآية نص في عدة المطلقة وأما الأحاديث فكثيرة كما سيأتينا في أنواع المعتدات كما في حديث فاطمة بنت قيس وغيره من الأحاديث وقد أجمع أهل العلم على أن العدة مشروعة بل سمعتم أنها واجبة , فهذا معنى قول المؤلف تلزم العدة كل امرأة فارقت زوجا خلا بها. بدأ المؤلف في بيان ما هي أو من هن الزوجات الآتي تلزمهن العدة وبدأ بالأولى فقال تلزم العدة كل امرأة فارقت زوجا خلا بها
стр. 2466
إذا الأولى هي المرأة التي فارقها زوجها بعد الخلوة فإذا خلا بها فإن العدة تجب , ومعنى قول المؤلف خلا بها يعني ولو بلا وطء , وهذه المسألة وهي وجوب العدة بمجرد الخلوة محل خلاف. فالقول الأول: هو ما سمعت هو مذهب الحنابلة بل هو مذهب الجمهور من السلف والخلف أن العدة تجب بمجرد الخلوة واستدل الجماهير على هذا الحكم بالآثار الثابتة عن أصحاب النبي ﷺ فقد روي عن التابعين أن الخلفاء الراشدين قضوا وحكموا أن من أرخى سترا أو أغلق بابا فقد وجب المهر والعدة. فهذا الأثر مروي عن الخلفاء الراشدين ﵃ إلا أن هذا الأثر في إسناده شي من الضعف فهو معلول بالإرسال.
الدليل الثاني: أنه صح عن عمر ﵁ أنه أوجب العدة بالخلوة. الدليل الثالث: صح عن ابن عمر , الدليل الرابع: صح عن علي. الدليل الخامس: صح عن زيد بن ثابت. فهو مروي عن الصحابة. والأثر المروي عن الخلفاء الراشدين وإن كان في إسناده ضعفا إلا انه يتقوى بالآثار الأخرى المروية عن عمر وعلي ﵁.
القول الثاني: وهو مذهب الشافعي القديم: أن العدة لا تجب بمجرد الخلوة. واستدل الشافعي ثم ﵀ بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ [الأحزاب/٤٩]. وقد صرحت الآية أن العدة إنما تجب بالمسيس ونفى العدة عند انتفاء المسيس والخلوة المجردة عن الوطء ليس فيها مسيس. والمس في الاية هو الجماع. والدليل الثاني لأصحاب القول الثاني أن عدم وجوب العدة مروي عن ابن عباس وابن مسعود. وأثر ابن عباس وابن مسعود ضعيف , ضعفه الامام أحمد وضعفه البيهقي وابن المنذر وأعله الإمام أحمد بأنه مخالف لما روي عن الصحابة وقال أنه لم يصح عن الصحابة إلا وجوب العدة , الراجح المذهب بلا إشكال وهو مروي عن الصحابة , وليس للإنسان أن يخرج عن ما أفتى به أصحاب النبي ﷺ ولا يحفظ عنهم فيه خلاف صحيح. فمجرد الخلوة توجب العدة.
ثم - قال ﵀ (مطاوعة مع علمه بها وقدرته على وطئها ّ)
стр. 2467
هذه شروط قال المؤلف خلا بها مطاوعة .. يشترط لوجوب العدة بمجرد الخلوة ان تكون المرأة مطاوعة يعني ليست مكرهة. فإن كانت مكرهة فإن مجرد الخلوة لا يوجب العدة. والدليل الذي استدل به الجنابة على اشتراط أن تكون مطاوعة قالوا أن الخوة إنما اوجبت العدة لانها أقيمت مقام الوطء لأنها مظنة له , والمكرهة لا تمكن من نفسها.
والقول الثاني: أن الخلوة ولو مع الإكراه توجب العدة لأن الزوج قد يتمكن من وطء الزوجة ولو بالإكراه , والأقرب عندي والله أعلم المذهب. لأنه جرى العرف والعادة أن الزوج لا يتمكن من الوطء مع امتناع الزوجة عن الوطء. فهذا الشرط إن شاء الله شرط صحيح.
ثم - قال ﵀ (مع علمه بها)
يعني يشترط أن يعلم الزوج بوجود الزوجة في الغرفة التي حصلت فيها الخلوة , فإن وجدت الزوجة والزوجة بلا علم من الزوج كأن يكون الزوج أعمى لم يشعر بها , أو لم يكن هناك ضوء فلم يشعر بها, أو لأي سبب فإن العدة لا تثبت ولا تجب. والدليل على اشتراط هذا الشرط التعليل السابق أن الخلوة إنما اعتبرناها مقررة للعدة لأنها مظنة الوطء ومع عدم علم الزوج لا يمكن أن يكون هناك وطء مطلقا.
ثم - قال ﵀ (وقدرته على وطئها)
يشترط في الخلوة أن يتمكن الزوج وان يقدر على وطء الزوجة ,فإن لم يتمكن فإن العدة لا تجب وقد انتقد كثير من الشراح انتقدوا المؤلف على هذه العبارة وهي قوله (وقدرته على وطئها) لأن ظاهر هذه العبارة يتعارض مع العبارة التالية وهي قوله (ولو مع ما يمنعه) فرأوا أن بين العبارتين تعارض فانتقدوا المؤلف بإيراده لهذه العبارة , والذي يظهر لي أن عبارة المؤلف سليمة وأنه يقصد بقوله (وقدرته على وطئها) أن يكون الزوج ممن يطأ مثله. وقد تقدم معنا في اللعان أن الأزواج على قسمين: زوج يطأ مثله وهو ابن عشر وزوج لا يطأ مثله وهو دون العشر. فالمؤلف يشير إلى هذا الشرط أن يكون مثله يطأ. وبها نخلص العبارة من الانتقاد.
قال ﵀ (ولو مع ما يمنعه منهما أو من أحدهما حسا أو شرعا (
стр. 2468
مقصود المؤلف بهذه العبارة أنّ الخلوة توجب العدة ولو مع وجود ما يمنع الوطء سواء في الزوجين أو في أحدهما وسواء كان المانع مانعا حسيا أو مانعا شرعيا. فالمانع الحسي كأن يكون الزوج مجبوبا أو عنينا , والمانع الشرعي كأن يكون الزوج أو الزوجة محرم أو محرمة أو تكون الزوجة حائض فهذه موانع شرعية وليست حسية فالخلوة توجب العدة ولو كان الزوج أو الزوجة فيهما أو في أحدهما ما يمنع الوطء حسا أو شرعا , وهذا مذهب الجماهير أنّ الخلوة تقرر العدة ولو مع وجود ما يمنع الوطء
قال ﵀ (أو وطئها)
انتقل إلى النوع الثاني وهي المرأة أو الزوجة الموطوءة. فقول المؤلف أو وطئها معطوف على قوله خلا بها يعني تكون العبارة تلزم العدة كل امرأة فارقت زوجا خلا بها أو وطئها. إذا وطء الزوج زوجته فإنّ العدة تجب بالإجماع بلا خلاف , من مفهوم الآية السابقة فقوله من قبل أن تمسوهن. معنى أو مفهوم الآية يعني بعد المسيس تجب العدة فوجوب العدة في الوطء محل إجماع وهل نشترط في الوطء الخلوة أو لو جامعها بحضرة الناس؟ لا يشترط في الوطء الخلوة بل الوطء بمجرده يوجب العدة بالإجماع.
قال ﵀ (أو مات عنها حتى في نكاح فاسد فيه خلاف)
وهو النوع الثالث الموت , فإذا الأول الخلوة والثاني الوطء والثالث الموت. فموت الزوج يوجب العدة على المرأة سواء قبل الدخول أو بعد الدخول وهذا محل إجماع أنّ الموت يوجب العدة.
يقول المؤلف ﵀ (حتى في نكاح فاسد فيه خلاف)
إذا مات الزوج ولو كان العقد فاسدا وقد عرف المؤلف العقد الفاسد بالعقد الذي فيه خلاف يعني في صحته خلاف فإنّ العدة كذلك تجب واستدل الجمهور على وجوب العدة في النكاح الفاسد بأنّ النكاح الفاسد يوجب أمرين: -
الأول: ثبوت النسب ... والثاني: وجوب الطلاق.
وقد أخذنا في كتاب الطلاق أنه يجب على الزوج في النكاح الفاسد أن يطلق وأخذنا الخلاف في هذه المسألة وأنّ الراجح أنه يجب أن يطلق فإذا كان النكاح الفاسد يوجب الطلاق ويثبت معه النسب فنقيس عليهما ماذا؟ العدة وهذا صحيح أنّ نكاح الفاسد تجب معه العدة.
قال ﵀ (وإن كان باطلا وفاقا لم تعتد للوفاة)
стр. 2469
المؤلف عرّف النكاح الباطل بأنه النكاح الذي فسد بالإجماع فهذا يسمى نكاحا باطلا.
قال المؤلف ﵀ (لم تعتد للوفاة)
إذا كان النكاح نكاحا باطلا فإذا مات هذا الزوج فإنه ليس على الزوجة أن تعتد بالإجماع , وتعليل ذلك: أن النكاح الباطل وجوده كعدمه , لأنه لا حقيقة له شرعية. وهذا محل إجماع. ولما قرر المؤلف الأسباب الثلاثة وهي الخلوة والوطء والموت التي تجب معها العدة انتقل لبيان أنواع لا تجب فيها العدة يعني في الحياة.
ثم - قال ﵀ (ومن فارقها حيا قبل وطء وخلوة)
قوله ومن فارقها حيا .. أخرج ما لو مات , فإن الزوج إذا مات كما تقدم معنا تجب العدة , فالأحوال التي سيذكرها المؤلف التي لا تجب فيها العدة تتعلق بحال الحياة أما في الموت فإنه مطلقا تجب العدة سواء بعد الدخول أو قبل الدخول بالوطء وغير الوطء في كل الأحوال تجب العدة بالوفاة , إذا البحث الآن فيمن فارقها حيا.
ثم - قال ﵀ (من فارقها حيا قبل وطء وخلوة) يعني فلا عدة .. وهذا محل إجماع .. إذا فارقها وهو حي بلا وطء ولا خلوة فإنه لا يوجد سبب شرعي يوجب العدة .. ولهذا أجمعوا على أنه لا عدة.
ثم - قال ﵀ (أو بعدهما أو أحدهما وهو ممن لا يولد لمثله)
إذا فارق الزوج الحي زوجته بعد الوطء والخلوة أو بعد الوطء أو بعد الخلوة لكنه ممن لا يولد لمثله فإنه لا تجب العدة. معنى هذه العبارة أن الزوج إذا كان لا يوطأ لمثله وهو من كان سنه دون العشر. والزوجة كانت دون التسع فإنه في هذه الأحوال لا تجب العدة.
لاحظ كلام المؤلف (ولو بعد الدخول أو الخلوة) بناء على هذا لو تزوج صبي عمره تسع بامرأة وجامعها دخل بها وجامعها ثم طلقها فإنه عند الحنابلة لا تجب لأن هذا الزوج لا يولد لمثله واستدل الحنابلة على هذا أن المقصود من العدة التأكد من براءة الرحم وهي معلومة في الزوج الذي لا يولد لمثله.
القول الثاني: أن الصبي إذا وطء الزوجة ثم فارقها فإن العدة تجب واستدلوا بدليلين: الدليل الأول: العمومات فإن العمومات لم تستثني الطفل الذي لا يولد لمثله.
стр. 2470
الدليل الثاني: أن الإنزال أمر خفي يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال , والشارع إنما علق العدة بالوطء أو الخلوة لأن الإنزال أمر خفي فلم يجعل علة للحكم , كما أن في السفر لا نجعل علة القصر والترخص هي المشقة. إنما العلة هي السفر بحد ذاته. والحكمة هي المشقة. وهذا القول وجيه جدا وقوي لاسيما مع الوطء. فمن حق هذا الزوج الصبي إذا وطء زوجته أن تعتد خشية أن يكون أنزل ومذهب الحنابلة لا أقول أنا ضعيف لكن مرجوح.
ثم - قال ﵀ (أو تحملت ماء الزوج أو قبلها أو لمسها بلا خلوة فلا عدة)
يقول المؤلف أو تحملت ماء الزوج: مقصود المؤلف بقوله أو تحملت ماء الزوج يعني بلا وطء. فلو تحملت الزوجة ماء الزوج بلا وطء فلا عدة , ولو وصل الماء إلى الرحم. واستدل الحنابلة على هذا بأن الآية اشترطت لوجوب العدة المسيس , وإذا تحملت الماء بلا وطء فلا مسيس .. بناء عليه فلا عدة. والمؤلف ﵀ خالف في هذه المسألة المذهب الاصطلاحي.
فالمذهب وجوب العدة إذا تحملت الزوجة بماء الزوج يعني ولو بلا وطء.
استدل أصحاب القول الثاني وهو المذهب: بأن الصحابة جعلوا الخلوة سببا في وجوب العدة لأنها مظنة الوطء وانشغال الرحم , وانشغال الرحم بتحمل ماء الزوج أقرب وأعظم , فوجوب العدة به أولى. وهذا القول الثاني لا شك أنه هو الراجح , وأن أصحاب القول الأول لم يتأملوا في قولهم وإلا لعلموا انه قولا ضعيفا .. إذ كيف يجعل الصحابة مجرد الخلوة توجب العدة لأنه قد يكون الرحم انشغل ولا نجعل إدخال ماء الزوج موجبا للعدة مع أن انشغال الرحم به أقرب. بناء على هذا لو وضعت الزوجة ماء الزوج بأي وسيلة في فرجها فإنه تب العدة ولو بلا وطء.
ثم - قال ﵀ (أو قبلها أو لمسها بلا خلوة فلا عدة)
إذا قبل أو لمس الزوج لكن بلا خلوة فإن العدة لا تجب .. فما يحصل بين الأزواج في مكان لم يغلق بباب ولو كان داخل المنزل فإنه لا يوجب العدة. لأنه في هذه الحالة لا يوجد لا وطء ولا خلوة. بناءا على هذا المباشرة لا توجب العدة , إنما الذي يوجب العدة الخلوة والوطء والموت فقط.
стр. 2471
مسألة: إذا خلا الزوج بزوجته في السيارة فهل هذه خلوة.؟.؟ الصحابة يقولون إذا أرخى سترا أو أغلق بابا .. وهنا أغلق بابا ..
السيارات على قسمين:
سيارات مسترة أو مظللة: هذه لا شك أنها خلوة لأنها تشبه الدار والغرفة.
سيارات غير مسترة: فيها تردد كبير. لأنا نجعل السيارة بالنسبة لوجود المرأة والرجل الأجنبي خلوة او ليست خلوة.؟ نجعلها خلوة ولا شك في هذا أن وجود المرأة والرجل الأجنبيان يعتبر خلوة وهو محرم. إذا اعتبرناها في هذا الباب خلوة فهي كذلك خلوة في باب تقرير العدة .. ففيها تردد يعني .. يتردد فيها الإنسان. لأن مقصود الصحابة بالخلوة هي التي يمكن معها الوطء أو يتصور معها الوطء. في السيارة يعني يبعد عادة وعرفا أن يطأ الزوج زوجته في السيارة. فيها تردد .. لم يظهر لي فيها بعد التأمل شيء.
فصل
- قال ﵀ (والمعتدات ست)
حصر المعتدات بأنهن ست جاء عن طريق السبر والتقسيم والاستقراء والتأمل في النصوص وكلام الفقهاء وإلا ليس في النصوص النص أن عدد المعتدات ست لكن هذا من تقريب الفقهاء الذي يحمدون عليه لأن في هذا تسهيلا للعلم. الأولى: الحامل
ثم - قال ﵀ (وعدتها من موت وغيره)
الحامل عدتها من الموت ومن غيره كالطلاق والخلع وأنواع المفارقات. عدتها أن تضع الحمل. ولو وضعت الحمل بعد الموت أو المفارقة بساعة فإنها تحل للأزواج عقدا , وأما الوطء فيجب على الزوج الجديد أن ينتظر إلى أن تطهر من النفاس.
والدليل على أن الحامل تنتهي عدتها من الموت وغيره عموم النصوص فالنص عام ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾﴾ الطلاق/٤ ﴿وليس في الآية تحديد أو التقييد بكونه من وفاة أو من طلاق.
الدليل الثاني: حديث سبيعة الأسلمية أنه أفتاها النبي ﷺ بعد موت زوجها أن عدتها تنتهي بوضع الحمل. وهذا الحديث في البخاري ومسلم. وهو نص على أن عدة الحامل من وفاة تنتهي بالوضع.
الدليل الثالث: أنه في هذه المسألة حكي الإجماع.
стр. 2472
القول الثاني: أنها تعتد بأطول الأجلين. وهو مروي عن ابن عباس. وهذا القول ضعيف. وقد روي أن ابن عباس ﵁ رجع عنه لما بلغه حديث سبيعة ﵂ والراجح هو مذهب الجماهير هذا الذي حكي إجماعا , وأظن أن رجوع ابن عباس صحيح لأن حديث سبيعة صريح في المسألة.
ثم - قال ﵀ (إلى وضع كل الحمل)
يشترط لانتهاء العدة أن تضع كل الحمل. يعني كل ما في بطنها. واستدلوا على هذا بقوله ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق/٤]
والآية تشمل جميع ما في البطن. فإذا حملت بتوأم اثنين او ثلاثة فإنها لا تنقضي العدة إلا بوضع جميع ما في البطن لعموم الآية.
ثم - قال ﵀ (بما تصير به أمة أم ولد)
هذه العبارة يريد أن يبين فيها ما هو الحمل الذي إذا وضعته المرأة انتهت عدتها به. فقال أنه التي تصير به الأمة أم ولد.
والتي تصير به الأمة أم ولد: هو ما تبين فيه خلق الإنسان.
وهذه المسألة ما ضابط الحمل الذي تنتهي به العدة مسألة مهمة جدا فنقول في تفصيلها الحمل يمر بثلاثة مراحل نطفة وعلقة ومضغة.
نأتي إلى القسم الأول إذا ألقت نطفة. إذا ألقت الزوجة نطفة فإنها لا تخرج من العدة بهذا الحمل لأنّ النطفة ليس إلاّ ماء فلا تنقضي العدة به.
الثاني: المرحلة الثانية للجنين: العلقة فإذا ألقت علقة ففي حكم انتهاء العدة خلاف بين الفقهاء. الجمهور يرون أنّ العدة لا تنتهي بالعلقة لأنّ حقيقة العلقة دم وهذا الدم مشكوك فيه هل هو قطعة دم أم حمل؟ ومع الشك لا تنقضي العدة لأنّ العلقة ليست إلاّ دما وهذا الدم مشكوك فيه هل هو مبدأ حمل أو مجرد دم ومع الشك لا تنقضي العدة.
القول الثاني: أنّ العدة تنقضي إذا وضعت المرأة علقة , واستدلوا على هذا بأنّ العلقة هو المرحلة الأولى من مراحل تبيّن إنشاء الجنين فتنقضي العدة به. والراجح القول الأول وهو مذهب الجمهور ويستثنى من هذا ما إذا أثبت الطب الحديث أنّ هذا الشيء الذي وضعته المرأة هو مبدأ خلق إنسان حينئذ تنتهي العدة بالعلقة.
نأتي إلى المضغة وهي المرحلة الأخيرة. والمضغة تنقسم إلى قسمين: مخلقة , وغير مخلقة.
أما المخلقة فبالإجماع تنقضي بها العدة.
стр. 2473
القسم الثاني: غير المخلقة وغير المخلقة فيه خلاف بين الفقهاء كثير متشعب نختصره على الأقوال التالية: -
القول الأول: أنّ المضغة غير المخلقة إن شهدت النساء القوابل الثقات العارفات بأنه مبدأ خلق إنسان وفيه صورة الإنسان فإنّ العدة تنقضي به وإلاّ فلا.
القول الثاني: أن العدة لا تنقضي بالمضغة غير المخلقة مطلقا يعني ولو شهدت القوابل بأنّ فيه صورة إنسان , واستدلوا على هذا بوجود فيه هل هو حمل أو دم أو قطعة لحم.
القول الثالث: أنّ المضغة غير المخلقة تنقضي به العدة ولو لم يكن فيه صورة إنسان إذا شهدت القوابل والنساء الثقات أنّ فيه مبدأ خلق إنسان.
إذا تلخيص المذاهب القول الأول يشترطون أن يشهد النساء أنّ فيه صورة لابد يكون فيه صورة. القول الثاني لا يعتدون بالمضغة مطلقا التي لم تخلق. القول الثالث: وهو أو سع الأقوال يشترطون فقط أن تشهد القوابل أنه مبدأ خلق إنسان ولو لم يكن فيه صورة.
والراجح هو هذا الثالث, لأنّ المقصود أنّ الرحم انشغل بهذا الولد فإذا علمنا أنه مبدأ خلق إنسان فتنقضي العدة به ولو لم توجد فيه صورة , هذا البحث عند الفقهاء المتقدمين وعرفتم الآن الراجح من هذه الأقوال , أما الآن فبإمكان المرأة أن تتأكد من خلال الطبيب هل هذا الذي ألقته جنين أو قطعة لحم. فإذا أخبرها بهذا الأمر فإنها تنقضي عدتها بحسب إفادة الطبيب.
قال ﵀ (فإن لم يلحقه لصغره أو لكونه ممسوحا)
يعني إذا حكمنا على هذا الجنين الذي سقط بأنه لا يلحق لأبيه لأحد سببين: أن يكون الأب صغيرا والصغير عند الفقهاء في هذا الباب هو من لا يولد لمثله أو يكون ممسوحا يعني مقطوع الذكر والخصيتين فإذا كان الزوج صغيرا لا يولد لمثله أو ممسوحا فإنّ العدة لا تنقضي بوضع هذه المرأة , والتعليل: أناّ نعلم قطعا أنّ هذا الولد ليس من هذا الزوج فلا تنقضي عدة الزوج بهذا الولد الذي ليس منه فتعتد عدة الحيض ولا تعتد بوضع هذا الحمل للسبب الذي سمعته.
قال ﵀ (أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكحها)
стр. 2474
يعني فإنّ العدة لا تنقضي فإذا تزوج الإنسان بامرأة وأتت بولد لدون ستة أشهر فإنّ العدة لا تنقضي بهذا , والسبب أنّ أقل مدة الحمل ستة أشهر فإذا أتت بولد قبل مضي ستة أشهر علمنا أنّ هذا الولد حملت به المرأة قبل عقد النكاح يعني وليس من هذا الزوج فإذا لم يكن من هذا الزوج فإنّ عدة الزوج لا تنقضي بوضعه وإنما يحتاج إلى عدة أخرى. والسبب كما سمعت أناّ نجزم أنّ هذا الولد ليس من هذا الزوج.
يقول ﵀ (ونحوه)
يعني إذا وضعته لأكثر من أربعة سنين , فإذا طلق الزوج زوجته ووضعت طفلا بعد أكثر من أربعة سنوات فإنّ هذا الطفل لا ينسب للزوج ولا تنقضي العدة به لأنّ أكثر مدة الحمل أربع سنوات فعلمنا قطعا أنّ هذه المرأة حملت بهذا الطفل بعد الطلاق فلا يكون ولدا له ولا تنقضي العدة بوضعه.
يقول ﵀ (وعاش)
يقصد المؤلف ﵀ بقوله وعاش يعني الطفل الذي وضعته لدون ستة أشهر , إذا وضعت المرأة الطفل لدون ستة أشهر فإنّ العدة لا تنقضي بشرط أن يعيش فإن مات انقضت العدة لأنه إذا مات فإنه يحتمل أنّ هذا الطفل حملت به ووضعته قبل أن يتخلق وهو حمل من الزوج بينما إذا ولدته وعاش علمنا أنه حملت به قبل النكاح , إذن إذا وضعت المرأة الطفل لدون ستة أشهر ومات هل تنقضي العدة أو لا تنقضي؟ تنقضي. وإن عاش ولم يمت لم تنقضي العدة. ومن قول المؤلف فإن لم يلحقه لصغره إلى آخره أراد أن ينبه إلى المسائل التي لا يكون وضع الحمل فيها نهاية للعدة.
قال ﵀ (وأكثر مدة الحمل أربع سنين)
استدلوا على هذا بأمرين: الأول: أنّ عمر ﵁ ضرب للمفقود أربع سنوات كما تقدم معنا وقالوا إنما ضربه أو ضرب هذه المدة للمفقود لأنّ أكثر مدة الحمل أربع سنوات.
الثاني: قالوا أنه لا يعرف أكثر من هذه السنوات.
القول الثاني: أنّ أكثره خمس سنوات.
والقول الثالث: أنّ أكثره سبع سنوات.
стр. 2475
والقول الرابع: أنه لا حد لأكثره. واختار هذا القول من المحققين الشيخ الحافظ أبو عبيد واستدلوا على هذا القول بأنه لا يوجد في النصوص ما يدل على أنّ أكثر مدة الحمل أربع سنوات , فتحديده به تحكم بلا دليل , ولعل الأقرب هو هذا القول الأخير أنه لا حد لأكثره ما لم يثبت الطب الحديث أنّ هذا لا يمكن أن يقع فإن لم يتعارض هذا القول مع الطب الحديث فهو الراجح.
قال ﵀ (وأقلها ستة أشهر)
استدل الحنابلة وغيرهم من الفقهاء على هذا بالجمع بين آيتين: الأولى قوله تعالى ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ [الأحقاف/١٥] والفصال هو انقضاء الرضاع.
الآية الثانية قوله تعالى ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة/٢٣٣] فإذا نقصنا الحولين من الثلاثين شهرا بقي كم؟ ستة أشهر فقالوا هذه أقصى مدة الحمل وهذا صحيح فإنّ ظاهر هاتين الآيتين هذا التحديد وهو أنّ أقل مدة الحمل ستة أشهر.
قال ﵀ (وغالبها تسعة أشهر)
دليله النظر في حال غالب الناس وهذا بالإجماع ولا إشكال فيه أنّ غالب الحمل تسعة أشهر بل يندر ويشذ أن يزيد ويقل جدا أن ينقص أيهما أكثر أن ينقص أو أن يزيد؟ أن ينقص أكثر من أن يزيد. الزيادة قليلة جدا ولو زادت فهي أيام لا تزيد أشهر يعني قليل جدا.
قال ﵀ (ويباح إلقاء النطفة قبل أربعين يوما بدواء مباح)
يريد المؤلف أن يبيّن حكم الإسقاط. إسقاط الجنين هل يجوز أن يسقط الزوج أو الزوجة أو أن يأمر الزوج زوجته بالإسقاط أو لا؟
هذه المسألة فيها خلاف متشعب جدا وكثير , والسبب في وجود هذا الخلاف أنه ليس في المسألة نص. وتقدم معنا مرارا أنّ المسألة إذا لم يكن فيها نصوص من الكتاب والسنة فإنّ أقوال العلماء تتشعب فيها وتتداخل.
والحنابلة كما تسمع يقول المؤلف (ويباح إلقاء نطفة قبل أربعين يوما بدواء مباح) في الأربعين يوم الأولى من مدة الحمل يعني في مرحلة النطفة يجوز عند الحنابلة إلقاء الحمل ولو بلا حاجة يجوز مطلقا بشرط أن يكون بدواء مباح وفي مدة الأربعين يوما الأولى. هذا مذهب الحنابلة. نحن نقول سنتكلم عن المسألة من حيث هي. إسقاط الجنين ينقسم إلى قسمين: -
القسم الأول: بعد نفخ الروح. والقسم الثاني قبل نفخ الروح.
стр. 2476
أما القسم الأول: إسقاط الجنين بعد نفخ الروح فهو محرم بالإجماع ولم يختلف أهل العلم ولله الحمد في هذه المسألة. لأنه بعد نفخ الروح أصبح نفسا معصومة لا يجوز الاعتداء عليها.
القسم الثاني: قبل نفخ الروح. وقبل نفخ الروح ينقسم الجنين كما تقدم معنا إلى ثلاث مراحل. نطفة وعلقة ومضغة.
قبل أن ندخل في التفصيل مما يساعد على معرفة الحكم الشرعي أن نتصور معنى النطفة والعلقة والمضغة.
النطفة في لغة العرب/ هي الماء الصافي. وأما في الاصطلاح/ فالنطفة هي ماء الرجل أو ماء المرأة إلى أن يصل إلى مرحلة العلقة.
أما العلقة فهي في اللغة/ الدم المتجمد. وأما في الاصطلاح/ فهي الدم الذي انعقد جنينا.
وأما المضغة فهي قطعة اللحم سميت بذلك لأنها تشبه القطعة التي يمضغها الإنسان في فمه. من حيث الشكل. الآن تصورنا أنّ النطفة ليست إلاّ ماء الرجل أو ماء المرأة , وتصورنا أنّ العلقة ليست إلاّ دم , وتصورنا أنّ المضغة ليست إلاّ قطعة لحم. ونحن نتكلم قبل النفخ أو بعد النفخ؟ قبل النفخ لأنّ بعد النفخ الأمر واضح. نأتي إلى خلاف الفقهاء اختلف الفقهاء:
القول الأول: هو مذهب الحنابلة وهو أنّ الجنين يجوز إسقاطه في مرحلة النطفة فقط. إلاّ أنّ بعض الفقهاء أضاف قيدا وهو أن يكون لحاجة أو ضرورة. واستدل الحنابلة على هذا بأنّ الجنين في مرحلة النطفة ليس إلاّ ماء يشبه أن يكون لا فرق بين أن يكون في رحم المرأة أو في صلب الرجل الآن علتم أنّ القول الأول الجواز في مرحلة النطفة. معنى هذا التحريم فيما عداه.
القول الثاني: الجواز مطلقا ما لم ينفخ الروح. وهذا القول اختاره ابن عقيل واختاره ابن عبد الهادي واستدلوا بأنه لا يوجد نص صحيح يدل على تحريم إسقاط الجنين. والحمل قبل نفخ الروح ليس إلاّ قطعة لحم أوقطعة دم.
القول الثالث: التحريم مطلقا , لا يجوز الإسقاط مطلقاً في أي مرحلة من مراحل الجنين واستدلوا على هذا بدليلين:
الدليل الأول: القياس على وأد البنات. قالوا أنّ إسقاط الجنين يشبه الوأد بجامع أنّ في كل منهما قتل للطفل.
стр. 2477
والجواب أنّ الوأد يسمى قتل , والقتل لا يطلق إلاّ على من نفخ فيه الروح نحن نتحدث عن الجنين قبل نفخ الروح فإسقاطه لا يسمى قتلاً لأنّ لا يطلق إلاّ على ما فيه روح.
الدليل الثاني: لهم أنّ هذا الجنين في أي مرحلة من مراحله قد استعد وهيئ ليكون نفساَ معصومة.
والجواب عليه أن نقول إنما هيئ ليكون نفساً معصومة , لكنه الآن ليس معصوماً. وهذا القول اختاره ابن رجب ونسب لشيخ الإسلام لكن لم أجد في الحقيقة كلام لشيخ الإسلام في كتبه صريح في المنع لكن الذين يحكون الخلاف ينسبون القول له أنه يرى التحريم مطلقاً. الراجح إن شاء الله المذهب مع إضافة قيد أن يكون الإسقاط لحاجة أو ضرورة. ولا شك عندي في جواز إسقاط النطفة في مرحلة الأربعين الأولى عند الحاجة كأن تكون الأم مريضة أو يتوقع أن يكون الطفل مشوهاً أو ناقصا شيئاً من الأعضاء إلى آخره. بل إني أقول الراجح القول الأول مع ذلك أقول أنّ القول الثاني وجيه جداً لأنه لا يوجد دليل على التحريم. والتحريم حكم شرعي يحتاج إلى دليل , فهذا القول وجيه لولا أنّ موضوع الإسقاط موضوع حساس وقد يستغله بعض الناس استغلالا سيئاً لكان هذا القول فيه وجاهة لأنه لا يوجد دليل على المنع صريح ونصوص واضحة تمنع من إسقاط الجنين ,وأيضا لم أجد آثار لو وجد في الباب آثار عن أصحاب النبي ﷺ لكان الأمر أوضح بهذا نكون انتهينا من هذه المسألة المهمة.
فصل
قال ﵀ (الثانية: المتوفى عنها زوجها بلا حمل , قبل الدخول أو بعده)
النوع الثاني من المعتدات المتوفى عنها زوجها بلا حمل , لأنّ الحامل تقدم معنا أنّ عدتها تنقضي بوضع الحمل ولهذا يقول بلا حمل منه. المتوفى عنها زوجها تعتد سواء توفي الزوج قبل الدخول أو بعد الدخول , لأنّ الوفاة كما تقدم معنا من أسباب وجوب العدة.
يقول الشيخ ﵀ (للحرة أربعة أشهر وعشرة)
دليل هذا النوع قوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة/٢٣٤] والدليل الآخر عليه الإجماع فإنّ عدة المتوفى عنها عند جميع العلماء أربعة أشهر وعشرة أيام فهذا النوع من المعتدات واضح. ولا إشكال فيه إن شاء الله.
стр. 2478
قال ﵀ (وللأمة نصفها)
فتكون عدة الأمة شهرين وخمسة أيام , وذهب إلى هذا مع الحنابلة الجماهير وعامة التابعين بل لم يحفظ فيه خلاف عن أحد من التابعين إلاّ عن رجل واحد وهو ابن سيرين ﵀. إذا على هذا القول عامة التابعين وجماهير الفقهاء وهذا القول أنّ عدة الأمة على النصف من عدة الحرة هو الراجح ويدل على رجحانه ما تقدم معنا من أنه جاء عن الصحابة فتاوى صريحة أنّ عدة الطلاق بالنسبة للأمة نصف عدة الحرة فكذلك عدة الوفاة. وأيضا تقدم معنا عن الصحابة فتاوى صريحة أنّ العبد يملك نصف ما يملك الحر من عدد الطلاق فكل هذه الفتاوى تدل على أنّ الأمة على النصف من الحرة في هذا الباب.
معنى هذا الكلام أنّ الزوج إذا طلق زوجته طلاقا رجعياً ثم في أثناء اعتداد الزوجة من هذا الطلاق الرجعي مات الزوج فالحكم حينئذ أن تستأنف المرأة عدة وفاة وأن تترك العدة الأولى التي كانت فيها وهي عدة الطلاق الرجعي , الدليل على أنّ المرأة تترك العدة الأولى وتبدأ بالعدة الثانية , الدليل على هذا أنّ الرجعية زوجة تقدم معنا أنّ الرجعية زوجة في كل الأحكام إلاّ أحكام يسيرة خمسة أحكام أو ستة أحكام مستثاة وأما ما عدا هذه الأحكام فالمطلقة الرجعية تشبه الزوجة في جميع الأحكام
وإذا كانت زوجة إذا مات زوجها اعتدت عدة وفاة ولهذا نأمر هذه الرجعية بأن تترك العدة الأولى وتنتقل للعدة الثانية.
قال ﵀ (وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل)
إذا طلق الزوج زوجته طلاقاً بائنا , أو فارقها أي فرقة بائنة وبدأت بعدة هذا الفراق ثم مات الزوج فإنها لا تنتقل لعدة الوفاة وتبقى على العدة كانت فيها. والسبب في هذا أنّ المبانة ليست زوجة ولا تأخذ أحكام الزوجات وإذا لم تكن زوجة لم يلزمها أن ترجع إلى عدة الوفاة لأنه مات وهي ليست زوجته هذا صحيح وواضح.
قال ﵀ (وتعتد من أبانها في مرض موته ......... )
стр. 2479
لا حظ أنّ المؤلف قال في المسألة الأولى في عدة من أبانها في الصحة , ثم قال في المسألة الثانية وتعتد من أبانها في مرض موته الأطول من عدة وفاة وطلاق. إذا أبان الزوج زوجته في مرضه هو ثم مات فإنّ الزوجة تعتد بالأطول من الأجلين عدة الوفاة أو عدة الطلاق. قلنا أنّ الزوج إذا أبان زوجته ثم توفي فإنها تعتد بالأطول من الأجلين أيّ عدة الوفاة أو الطلاق تعليل هذا عدة الحنابلة قالوا أنّ الزوجة إذا طلقها الزوج في مرضه فإنها تشبه البائن والرجعية , فتشبه الرجعية بأنها ترث , وتشبه البائن بانقطاع علاقتها بالزوج وإذا كانت تشبه هذه وهذه فإنّا نحطاط ونأمرها أن تعتد بأطول الأجلين لوجود الشبه بالرجعية والبائن. ولا نقول نحطاط بل يجب لأنّ فيها شبها من الرجعية والبائن.
والقول الثاني: أنها تعتد عدة بائن وإذا قلنا تعتد عدة بائن فهل تستمر في عدتها أو تنتقل إلى عدة الوفاة؟ تستمر في عدتها , دليل القول الثاني أنّ المطلقة طلاقاً بائن تشبه البائن في كل الأحكام إلاّ في حكم واحد وهو ماذا؟ وهو الإرث ولا تشبه الرجعية في شيء من الأحكام إلاّ في حكم واحد وهو الإرث فلئن نلحقها بمن تشبهه في جميع الأحكام أولى أن نلحقها بمن تشبهه في حكم واحد , ولهذا نقول الراجح إن شاء الله هو القول الثاني وهو أنها تبقى على عدتها ولا تنتقل إلى العدة الثانية لأنّ هذه في الحقيقة بائن. وهذا القول كما قلت إن شاء الله هو الراجح.
قال ﵀ (ما لم تكن أمة ........ )
إذا كانت هذه المطلقة أمة أو ذمية أو كان الطلاق بسببها فإنها تعتد لطلاق لا غير لماذا؟ لأنها في هذه الأحوال لا ترث. وإذا كانت لا ترث فإنها لا تشبه الرجعية في شيء فتأخذ حكم البائن ولا تنتقل إلى عدة الوفاة بل تبقى على عدتها.
قال ﵀ (وإن طلق بعض نسائه مبهمة أو معينة ثم نسيها, ثم مات ......... إلى آخره)
أولا اعلم الآن أنّ المؤلف يتحدث عن الطلاق البائن ولا يتحدث عن الطلاق الرجعي ولو أنّ المؤلف قال وإن طلق بعض نسائه طلاقاً بائنا لكان أوضح وغيره من الحنابلة ذكر صرح بهذا فقال طلاقاً بائناً لأنه الطلاق الرجعي تقدم معنا حكمه.
стр. 2480
يقول إذا طلق بعض نسائه. يعني طلاقاً بائناً. مبهمة أو معينة ثم نسيها ثم ماتت قبل قرعة يعني قبل أن يحدد من هي المطلقة , فالحكم أنّ كل واحدة منهن سوى الحامل تعتد الأطول من الأجلين. علة هذا الحكم أنّ كل واحدة منهن يحتمل أنّ القرعة وقعت عليها وتكون بائن ويحتمل أنّ القرعة لم تقع عليها فتكون زوجة لهذا نأمر كل واحدة منهن أن تعتد ماذا؟ أطول الأجلين لوجود هذا الاحتمال إلاّ الحامل لأنّ الحامل ستنتهي العدة بالنسبة لها بالوضع سواء كانت بائنة أو زوجة. وهذا هو تعليل ما ذكره المؤلف وهذا التعليل صحيح ومن هنا نقول كما تقدم معنا في كتاب الطلاق أنّ الإنسان أو الزوج يحرم عليه أن يطلق طلاقاً مبهماً لأنه يدخل زوجاته في إشكال وضيق وهنا نكون انتهينا من النوع الثاني من المعتدات.
انتهى الدرس
стр. 2481
الدرس: (٢) من العدد
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀ (الثالثة: الحائل ذات الأقراء وهي الحيض)
الثالثة من المعتدات هي المرأة الحائل أي التي لم تحمل جنينا في بطنها فعدتها بالأقراء يقول الشيخ ﵀ ذات الأقراء وهي الحيض , كون الحائض تعتد بالأقراء هذا محل إجماع لكن الخلاف وقع في تفسير الأقراء وهي مسالة اختلف فيها السلف والخلف. والمؤلف ﵀ يقول (وهي الحيض) وهذا هو القول الأول أنّ الأقراء هي الحيض. وإلى هذا القول ذهب كثير من السلف والخلف وذهب إليه كثير من الصحابة وهو القول الذي رجع إليه الإمام أحمد ﵀.واستدل اصحاب هذا القول بأدلة:
الأول منها: أنّ هذا القول مروي عن أكابر الصحابة ﵃
الدليل الثاني: أنه جاء في الشرع تسمية الحيض بالأقراء كما في قول النبي ﷺ دع الصلاة أيام أقراءك. يعني أيام حيضك.
الدليل الثالث: أنّ النبي ﷺ أمر امرأة ثابت بن قيس أن تعتد بحيضة.
стр. 2482
القول الثاني: أنّ الأقراء هي الطهر , الأطهار واستدل أصحاب هذا القول بأدلة الأول منها: أن هذا مروي عن عائشة ﵂ وهذه المسالة تتعلق بالنساء لأنّ العدة تتعلق بالنساء فستكون أضبط أي نساء الصحابة أضبط لأحكامها من الرجال.
الدليل الثاني: قالوا إنّ هذا ظاهر القرآن ففي القرآن يقول الله ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [النساء/١] قال أصحاب هذا القول فاللام في قوله عدتهن بمعنى في يعني في عدتهن والدليل على أنّ هذا هو معناها في الآية أنّ ابن عمر ﵁ لما طلق أمره النبي ﷺ أن يراجع وان يطلق في الطهر , فإذا جمعنا بين الآية والحديث تبيّن أنّ الله أمر بالطلاق في الطهر وأنه هو العدة. والراجح القول الأول إن شاء الله بلا إشكال لأنه مروي عن الصحابة.
وأما الجواب عن الآية فإنّ اللام في الآية تحمل على الاستقبال , لأنّ الأصل في معنى اللام الاستقبال كما أنّ الأصل في الحروف عدم تبادل المعاني يعني أنه ليس الأصل في الحروف أن ياتي الحرف بمعنى حرف آخر بل الأصل عدمه وهم يحملون اللام هنا على في وكما قلت الأصل عدم تبادل الحروف للمعاني فيكون معنى الآية لعدتهن يعني مستقبلات للعدة. والزوج إذا طلق زوجته في الطهر فقد استقبلت العدة لأنها تستقبل الحيض وكما قلت هذا القول إن شاء الله هو الراجح أي المذهب وأنّ الأقراء هي الحيض.
يقول ﵀ (المفارقة في الحياة)
قوله ﵀ المفارقة في الحياة يشمل ثلاثة أنواع من المفارقات , أي من النساء المفارقات. الأول: المطلقة الرجعية فالمطلقة الرجعية إذا كانت حائل تعتد بالأقراء وهذا محل إجماع أنّ الحائل المطلقة الرجعية تعتد بالأقراء.
القسم الثاني: مما يشمله كلام المؤلف , المختلعة من خولعت فهذه عند الحنابلة أيضا تعتد بثلاثة قروء , واستدلوا على هذا بأمرين:
الأول: أنّ الخلع طلاق عند الحنابلة , وإذا كان طلاقا فعدته عدة الطلاق.
الثاني: أنّ كون التي اختلعت من زوجها تعتد بثلاثة قروء مروي عن ابن عمر.
стр. 2483
القول الثاني: أنّ عدة المختلعة حيضة واحدة واستدلوا بأدلة: الأول ما تقدم معنا من أنّ النبي ﷺ أمر زوجة ثابت بن قيس ﵁ أن تعتد لما خالعها بحيضة واحدة وهو صحيح إن شاء الله.
الدليل الثاني: أنّ اعتداعها بحيضة مروي صحيح عن عثمان ﵁
الدليل الثالث: كما تقدم معنا ليس بطلاق على الصحيح بل هو فسخ. وهذا القول الثاني هو الراجح.
والمروي عن ابن عمر الجواب عنه أنّ ابن عمر ﵁ رجع إلى قول عثمان بن عفان ﵁ فتبيّن معنا أنّ الراجح هو هذا وهو أنها تعتد بحيضة واحدة.
الثالثة: مما يدخل في عموم قول المؤلف المفارقة في الحياة. النوع الثالث. المطلقة آخر ثلاث تطليقات فهذه عند الجماهير بل حكي إجماعا أنها تعتد بثلاثة قروء.
والقول الثاني: أنها تعتد بحيضة واحدة وهو قول اختاره شيخ الإسلام وعلق القول به على وجود مخالف , وقد وجد المخالف وهو ابن اللبان ﵀ فإنه خالف الجماهير ورأى أنها تعتد بحيضة واحدة , فشيخ الإسلام يقول إنّ هذا القول هو الراجح بشرط أن لا تكون المسالة إجماع بأن يوجد مخالف , ووجد المخالف ودليل أصحاب هذا القول أنّ الاعتداد بثلاثة قروء إنما شرعه الله ليتمكن الزوج من المراجعة في خلال هذه المدة والمطلقة آخر ثلاث تطليقات ليس لزوجها أن يراجعها أصلا. من حيث الدليل القول الثاني قوي ولكني أقول لا ينبغي أبدا أن تعتد المطلقة آخر ثلاث تطليقات بحيضة واحدة , أولا لأنّ الإجماع محكي ولم يوجد بعد البحث إلاّ مخالف واحد ولهذا ليس من المستساغ أبدا أن تعتد بحيضة وتتزوج بعد ذلك لأنّ الخلاف في هذه المسالة قوي والاحتياط فيه متوجه.
قال ﵀ (فعدتها إن كانت حرة أو مبعضة ثلاثة قروء كاملة)
لقوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة/٢٢٨] وهذا الحكم محل إجماع فيما عدا الخلاف الذي أشرت إليه في المختلعة والمطلقة آخر ثلاث تطليقات , والآية صريحة في أنّ التي لها حيض أنها تعتد بثلاثة قروء إذا كانت حائلاً.
وقول المؤلف ﵀ إن كانت حرة أو مبعضة , المبعضة هي من بعضها حر وبعضها رقيق , فهذه أيضا تعتد بثلاثة حيض.
стр. 2484
وتعليل ذلك أنّ الحيضة لا تتبعض وإذا كانت لا تتبعض فإنها يجب أن تعتد بثلاثة قروء.
ثم - قال ﵀ (وإلاّّ قرآن)
يعني وإلاّ بأن كانت المطلقة أمة فإنها تعتد بقرآن يعني بحيضتين وإلى هذا ذهب الجماهير والجم الغفير من أهل العلم واستدلوا على ذلك بأنه مروي عن الصحابة منهم عمر وابنه وعلي ﵃ أجمعين.
والقول الثاني: أنّ الأمة تعتد بثلاثة قروء كالحرة وهو مذهب ابن سيرين وحده من التابعين , والراجح إن شاء الله القول الأول المروي عن أصحاب النبي ﷺ
قال ﵀ (الرابعة: من فارقها حياً ولم تحض لصغر, أو إياس)
الرابعة من المعتدات هي من فارقها زوجها حيا ولكنها لم تحض إما لأنها صغيرة أو لأنها آيسة بلغت سنا لا تحيض معه , فهذه تعتد كما قال المؤلف ثلاثة أشهر لقوله تعالى ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [النساء/١٥] فنصت الآية على أنّ عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر وهذا محل إجماع وهو ظاهر لدلالة القرآن الصريحة عليه.
مسألة / إذا طلقت في أثناء الشهر في وسط الشهر فإنها تعتد كالتالي: تحسب بقية أيام الشهر ثم تحسب الشهرين التي بعد هذا الشهر بالأهلة ثم تأخذ من الشهر الثالث ما يتمم الثلاثين يوماً بالنسبة للشهر الذي بدأت به.
مثاله إذا طلقت في اليوم العاشر من الشهر التاسع , فإنها ستبقى من هذا الشهر كم يوم؟ ستبقى لمدة عشرين يوم ثم تأخذ الشهر العاشر والشهر الحادي عشر ثم تأخذ من الشهر الثاني عشر كم يوم؟ عشرة أيام لتتم ماذا؟ لتتم الشهر الذي طلقت في أثناءه ولكن يشترط أن تتمه ثلاثين يوما ولو كان ذلك الشهر لم يتم من حيث الأهلة , فلو كان الشهر التاسع لم يكمل وإنما بلغ تسعة وعشرين يوما فقط فعند هؤلاء تتم من الشهر الثالث كم؟ ثلاثين يوما.
стр. 2485
والقول الثاني: أنها تتم من الشهر الثالث بحسب الشهر الذي بدأت به , فإن كان الشهر الذي بدأت به تاما أتمت ثلاثين , وإن كان ناقصا أتمت تسعة وعشرين. وبهذا تكون اعتدت الثلاثة أشهر بالأهلة , وهذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام واستدل على هذا بأنّ الشهر في الشرع هو الشهر الهلالي , والفرق بين الجمهور ورأي شيخ الإسلام سيكون دائما كم؟ يوم واحد فقط. فإذا أرادات المرأة أن تحتاط لا شك أنها ستتم هذا اليوم ولكن كلام شيخ الإسلام في هذه المسالة قوي لأنّ الأشهر في الشرع تحسب باعتبار الأهلة.
قال ﵀ (فتعتد: حرة ثلاثة أشهر وأمة شهران)
يعني وتعتد الأمة الآيسة أو الصغيرة لمدة شهرين فقط , واستدلوا على هذا بأنّ: عدة الأمة إذا كانت تحيض حيضتان , فيقابل كل حيضة كم؟ شهر واحد فبذلك تكون عدتها شهرين كل شهر يقابل حيضة.
والقول الثاني: أنّ الأمة تعتد لمدة شهر ونصف فقط. واستدل هؤلاء بأنّ الأمة إنما أمرت بأن تعتد لمدة حيضتين لأنّ الحيضة لا تتبعض وأما الأشهر فإنها تتبعض , ولذلك تعتد الأمة نصف عدة الحرة فتأخذ شهر ونصف فقط.
والقول الثالث: أنّ الأمة تعتد لمدة ثلاثة أشهر كالحرة واستدل أصحاب هذا القول بأنّ الغرض من العدة معرفة براءة الرحم وبالنسبة للتي لا تحيض لا يمكن أن تعرف برآءة الرحم إلاّ بمرور ثلاثة أشهر لأنه بمرور الثلاثة أشهر يبلغ الجنين المرحلة الثالثة وهي التي يظهر فيها الحمل بخلاف الحيض فإنّ برآءة الرحم تعرف من حيضة واحدة , والحكمة من العدة معرفة براءة الرحم وهذا لا يحصل إلاّ بثلاثة أشهر وتستوي في هذا الأمة والحرة , وهذا القول مال إليه الحافظ الشيخ ابن القيم وهو قول كما ترى وجيه , إلاّ أنه في وقتنا هذا لا نحتاج إلى هذا القول لأنه بالإمكان معرفة براءة الرحم بطرق أخرى , ولهذا أنا أرى أنّ الراجح هو القول الثاني. أنها تعتد بشهر ونصف لأنه عرفنا من طريقة الصحابة أنهم يجعلون الأمة تعتد على النصف من عدة الحرة فإذا كانت الحرة ثلاثة أشهر فالأمة شهر ونصف.
وأما براءة الرحم فتعلم بطرق أخرى وإذا لم نتمكن من معرفة براءة الرحم بالطرق الطبية المعاصرة فإنه نرجع إلى قول من؟ ابن القيم وهو القول الثالث.
стр. 2486
قال ﵀ (ومبعضة بالحساب ويجبر بالكسر)
المبعضة كما تقدم هي من بعضها حر وبعضها رقيق , فهذه تعامل بالحساب ومعنى أنها تعامل بالحساب أي أنها تتم من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية , فإذا كانت ربعها حرا فإنها تأخذ الشهر الأول والشهر الثاني وربع الشهر الثالث , وإذا كان نصفها حرا فإنها تأخذ الشهر الأول والثاني ونصف الشهر الثالث وإذا كانت كلها حرة لم تصبح مبعضة وخرجت عن مسألتنا ورجعت إلى الحرة.
قال ﵀ (الخامسة: من ارتفع حيضها ولم تدر سببه)
إذا ارتفع الحيض من المرأة ولم تعرف السبب في ارتفاع هذا الحيض , فإنها تعتد عند الإمام احمد والجماهير لمدة سنة , تسعة أشهر للحمل وثلاثة عدة التي لا تحيض , والمجموع سنة الدليل استدل الإمام احمد بأنّ هذا صح عن عمر ﵁ أنه أمر من ارتفع حيضها ولم تدري سبب ارتفاعه أن تعتد لمدة سنة وهذا القول الذي ذهب إليه الإمام احمد والجماهير اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
القول الثاني: أنها تبقى في عدة إلى أن يرجع الحيض أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدة الآيسات , وهذا مذهب الإمام الشافعي ﵀ وقال شيخ الإسلام معلقا على هذا القول وهو قول ضعيف جدا. صدق ﵀ لأنّ فيه من الحرج والعنت والضيق على المرأة ما لا يعلمه إلاّ الله , لأنه إذا ارتفع حيضها وهي تبلغ من السن عشرين سنة فإناّ نأمرها أن تبقى في عدة إلى أن تبلغ كم؟ إلى أن تبلغ سن الإياس خمسين سنة , فتبقى طيلة هذه المدة في عدة لا تتزوج وإنما تبقى في عدة الأول ومعلوم أنّ الشرع لا يأتي بمثل هذا مطلقا لما فيه من الحرج والعنت الشديد فالراجح إن شاء الله مذهب الأول الذي أفتى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
- قال ﵀ (وتنقص الأمة شهرا)
هذا مبني على ما تقدم من أنّ الأمة عدتها إذا كانت آيسة أو صغيرة شهران فننقص من السنة ماذا؟ شهر واحد , وعلى القول بأنّ عدة الأمة كعدة الحرة في الأشهر فإنها لا تنقص شيئا , وعلى القول الثاني الذي يقول أنها شهر ونصف تنقص كم؟ شهر ونصف. فهذه المسالة مبنية على المسالة السابقة
قال ﵀ (وعدة من بلغت ولم تحض)
стр. 2487
أي كعدة الآيسة لأنها لما بلغت ولم تحض دخلت في عموم قوله ﴿واللائي لم يحضن﴾ [النساء/١٥] فهذه لم تحض وإن بلغت بالسن أو بغيره فإذا بلغت المرأة ولم تحض حكمها حكم الصغيرة التي لم تحض وحكم الآيسة تعتد ثلاثة أشهر.
قال ﵀ (والمستحاضة الناسية والمستحاضة المبتدأة ثلاثة أشهر)
المستحاضة الناسية هي المستحاضة التي نسيت وقت الحيض فلم تعد تعرف هل هو في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره.
وأما المستحاضة المبتدأة. فهي المستحاضة التي ابتدأ معها الدم لأول مرة واستمر إلى أن أصبح استحاضة.
فالمستحاضة الناسية والمبتدأة عدتها ثلاثة أشهر , لكن في هذه المسالة تفصيل على النحو التالي: المستحاضة تنقسم إلى قسمين: -
القسم الأول: المستحاضة التي يحكم لها بحيض صحيح وهي المعتادة أو المميزة , فهذه المستحاضة تعتد بالأقراء.
القسم الثاني: المستحاضة التي ليس لها حيض محكوم به , وهي المستحاضة التي ليس لها تمييز ولا عادة فهذه تعتد ثلاثة أشهر لأنها حكمها حكم اللائي لم يحضن , إذ لا يوجد لها حيض محكوم به.
والقول الثاني: أنّ حكمها حكم من ارتفع حيضها ولم تدري سببه فتبقى لمدة سنة , والراجح المذهب.
قال ﵀ (والأمة شهران)
على ما تقدم الأمة شهران كلما اعتدت الحرة ثلاثة أشهر فتعتد الأمة بشهرين والخلاف السابق يأتي معنا هنا.
قال ﵀ (وإن علمت ما رفعه من مرض أو رضاع أو غيرهما , فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته)
إذا ارتفع حيض المرأة وهي تعلم السبب الذي رفعه بأن يرتفع بسبب المرض أو يرتفع بسبب أنها ترضع أو يرتفع بأي سبب لكنها تعرف هذا السبب فالحكم أنها تبقى في عدة إلى أن يرجع الحيض أو تبلغ سن الإياس , إلى هذا ذهب الحنابلة ﵏ استدلوا على هذا بأنّ حبان ابن المنقذ ﵁ طلق زوجته وهي ترضع فتطاولت بها العدة لأنها ترضع فمرض ﵁ فقيل له إنك إن مت ورثتك , فسأل ﵁ عثمان فسأل عثمان الصحابة فأفتوه بأنه إن مات ورثته وإن تطاولت العدة.
стр. 2488
وجه الاستدلال واضح لأنّ زوجة حبان ﵁ ارتفع حيضها بسبب تعلمه وهو الإرضاع, وحكم الصحابة بأنها تبقى في العدة وإن تطاولت.
القول الثاني: أنّ من ارتفع حيضها وهي تعلم سبب ارتفاعه ينقسم إلى قسمين: -
القسم الأول: أن لا ترجو عوده , يعني تعلم أنه لن يعود وإن كانت تعلم السبب في الارتفاع لكنها تعلم أنه لن يعود فهذه تعتد عدة الآيسة ثلاثة أشهر.
القسم الثاني: أن لا تعلم هل سيعود أو لن يعود مترددة فهذه تعتد بسنة , فمثلا إذا كما هو في وقتنا المعاصر يحصل أحيانا إذا قامت المرأة بإجراء عملية جراحية واستأصلت الرحم من أصله فالآن هل تحيض أو لا تحيض؟ لا تحيض. وتعلم السبب أو لا تعلم السبب؟ تعلم السبب. ترجو أن يعود أو لا ترجو أن يعود؟ لا ترجو أن يعود. فمثل هذه المرأة تعتد بثلاثة أشهر لأنّها كالآيسة تماما. بل وجود الحيض في حقها أبعد من وجوده في حق الصغيرة ومن بلغت سن الإياس فإن من بلغت سن الإياس قد تحيض وإن كان خلاف العادة أما هذه لا يمكن أن تحيض.
قال ﵀ (السادسة: امرأة المفقود تتربص ما تقدم في ميراثه ثم تعتد للوفاة)
المفقود هو من انقطع خبره ولم تعلم حياته من مماته , هذا هو المفقود يقول المؤلف ﵀ تتربص ما تقدم من ميراثه ثم تعتد للوفاة إذا امرأة المفقود عليها أن تبقى مدتين. فالمدة الأولى التربص. والمدة الثانية هي عدة الوفاة.
أما التربص فالمؤلف يقول تتربص كما تقدم في الميراث وما تقدم في الميراث هو أنها تتربص أربع سنين إذا كانت غيبته الغالب عليها الهلاك وتسعين سنة من الولادة إذا كانت غيبته الغالب عليها السلامة. فإما أن تتربص لمدة أربع سنين إذا كان الغالب عليه الهلاك أو أن تتربص لمدة تسعين سنة إذا كان الغالب عليه السلامة. الدليل على مدة هذا التربص أنّ عمر ابن الخطاب بأنها تتربص لمدة أربع سنوات فحملوا الأثر على من كان غالب حاله الهلاك. واضح إذاً الآن إما أتبقى أربع سنوات أو تبقى لمدة تسعين سنة. ثم بعد التسعين سنة تعتد للوفاة.
стр. 2489
القول الثاني: أنّ مدة التربص لزوجة المفقود يرجع في تحديدها إلى الحاكم لأنها تختلف باختلاف الأشخاص وباختلاف الملابسات والأحوال فمن فقد في معركة يختلف عمن فقد في رحلة استجمام. يختلف عمن فقد داخل البلد ولكل حاله وملابساته التي تستدعي من الحاكم أن يأمر بمدة تتناسب مع وضع المفقود. وحمل أصحاب هذا القول أثر عمر على أنه فتوى معينة خاصة وليست فتوى عامة
ظاهر كلام شيخ الإسلام اختيار القول الأول إلاّ أنه لا يفرق بين من غالبه الهلاك أو السلامة , بل في الكل أربع سنوات. ولهذا يقول والقول الصواب في مدة التربص زوجة المفقود ما روي عن عمر ﵁ والمروي عن عمر هو أربع سنوات. الراجح أن نقول أما التفريق بين من غالبه السلامة أو الهلاك فهو تفريق ضعيف وليس في أثر عمر التفريق مطلقا.
بقينا في الترجيح بين القولين أن تتربص لمدة أربع سنوات أو أن يرجع في تحديده إلى الحاكم وكل من القولين قوي وجيه ولعل الأقرب أنه يرجع في تحديده إلى الحاكم لأنه أحيانا يكاد يجزم الإنسان بالهلاك فإبقاء المرأة لأربع سنوات فيه مضرة بلا فائدة فلعل الراجح هو هذا القول الثاني.
قال ﵀ (وأمة كحرة في التربص)
يعني أنّ الأمة لا تتخلف عن الحرة في مدة التربص وإن اختلفت عنها في العدة والسبب في هذا أنّ الغرض من التربص هو معرفة حال الزوج وهذا لا يختلف بكون الزوجة حرة أو أمة وهذا أمر واضح.
قال ﵀ (وفي العدة نصف عدة الحرة)
لما تقدم معنا مرارا من أنّ الأمة تعتد نصف عدة الحرة دائما سواء كانت بالأقراء أو بالأشهر إلاّ أن تكون العدة مما لا يتنصف كالحيض فإنها تكون حيضتان فقط لكن القاعدة العامة أنّ الأمة على النصف من الحرة في مدة العدة.
قال ﵀ (ولا تفتقر إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة)
يعني أنّ مدة التربص وعدة الوفاة تبدأ بهما المرأة من حين فقد الزوج ولا نحتاج إلى حكم حاكم بأن يحكم بأن تبدأ أو لا تبدأ لا نحتاج إلى هذا , واستدلوا على هذا الحكم بأمرين الأول: أنه لا يوجد دليل على اشتراط حكم الحاكم في مدة التربص أو الوفاء.
الثاني: القياس على من ارتفع حيضها ولم تدر سببه فإنها تعتد لمدة سنة بدون حكم حاكم.
стр. 2490
القول الثاني: أنّ مدة التربص وعدة الوفاة تحتاج إلى حكم حاكم ولا تبدأ إلاّ بحكم حاكم واستدلوا على هذا بأمرين:
الأول: أنّ كل مدة فيها خلاف فإناّ نحتاج إلى حكم الحاكم ليرفع هذا الخلاف كما أنّ كل مدة تحتاج إلى نظر نحتاج فيها إلى رأي الحاكم. الدليل الثاني: أنّ فتح هذا الباب يؤدي إلى التلاعب , فبإمكان المرأة أن تزعم أنّ زوجها مفقود وتتربص مدة يراها الحاكم ثم تعتد عدة الوفاة وتتزوج ويكون في هذا نوع من التلاعب أليس كذلك؟ أي القولين أرجح؟ الثاني لأنه أضبط يعني العمدة في ترجيحه أنه أضبط ويتأكد اختيار القول الثاني في وقتنا هذا لأنه في وقتنا هذا كثير من العمال يذهب لمدة طويلة للعمل وقد لا تتمكن زوجته من الاتصال به فتزعم أنه مفقود , وتبدأ بالتربص من حين ترى هي أنه مفقود وتبقى مدة التربص ثم العدة وبهذا تستطيع أن تتزوج بزوج آخر وهذا يفتح باب شر لا شك في ذلك فالراجح إن شاء الله أنه لا بد أن يستشار الحاكم وتضرب المدة برأي الحاكم.
ثم لما ذكر حكم زوجة المفقود من حيث التربص والعدة انتقل إلى ما يترتب على ما لو تزوجت بزوج ثاني.
قال ﵀ (وإن تزوجت فقدم الأول قبل وطء الثاني فهي للأول)
قوله وإن تزوجت الحنابلة يرون أنّ هذا الزواج بالثاني زواج صحيح في الظاهر بمعنى أنه إذا ضربنا المدة للتربص وانتهت مدة التربص ثم اعتدت للوفاة وخرجت من العدة وتزوجت بالزوج الثاني فإنّ هذا الزواج صحيح في الظاهر فقط.
واختار شيخ الإسلام أنّ هذا الزواج الثاني صحيح في الظاهر والباطن. وسيأتينا في مفردات المسائل ما يدل على رجحان اختيار شيخ الإسلام ﵀ يقول المؤلف وإن تزوجت فقدم الأول قبل وطء الثاني فهي للأول. إذا تزوجت بعد مدة التربص وعدة الوفاة فهي للأول ثم بعد الزواج بالثاني قدم الأول يقول المؤلف فهي للأول ومعنى قوله فهي للأول يعني بلا اختيار وإنما تكون للأول مباشرة, الدليل على هذا أنه بقدوم الزوج الأول تبيّنا بطلان عقد الزوج الثاني , وإذا بطل العقد الثاني صارت زوجة للأول.
следующие страницы →