Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
قال ﵀ (ومبعضة بالحساب ويجبر بالكسر)
المبعضة كما تقدم هي من بعضها حر وبعضها رقيق , فهذه تعامل بالحساب ومعنى أنها تعامل بالحساب أي أنها تتم من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية , فإذا كانت ربعها حرا فإنها تأخذ الشهر الأول والشهر الثاني وربع الشهر الثالث , وإذا كان نصفها حرا فإنها تأخذ الشهر الأول والثاني ونصف الشهر الثالث وإذا كانت كلها حرة لم تصبح مبعضة وخرجت عن مسألتنا ورجعت إلى الحرة.
قال ﵀ (الخامسة: من ارتفع حيضها ولم تدر سببه)
إذا ارتفع الحيض من المرأة ولم تعرف السبب في ارتفاع هذا الحيض , فإنها تعتد عند الإمام احمد والجماهير لمدة سنة , تسعة أشهر للحمل وثلاثة عدة التي لا تحيض , والمجموع سنة الدليل استدل الإمام احمد بأنّ هذا صح عن عمر ﵁ أنه أمر من ارتفع حيضها ولم تدري سبب ارتفاعه أن تعتد لمدة سنة وهذا القول الذي ذهب إليه الإمام احمد والجماهير اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
القول الثاني: أنها تبقى في عدة إلى أن يرجع الحيض أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدة الآيسات , وهذا مذهب الإمام الشافعي ﵀ وقال شيخ الإسلام معلقا على هذا القول وهو قول ضعيف جدا. صدق ﵀ لأنّ فيه من الحرج والعنت والضيق على المرأة ما لا يعلمه إلاّ الله , لأنه إذا ارتفع حيضها وهي تبلغ من السن عشرين سنة فإناّ نأمرها أن تبقى في عدة إلى أن تبلغ كم؟ إلى أن تبلغ سن الإياس خمسين سنة , فتبقى طيلة هذه المدة في عدة لا تتزوج وإنما تبقى في عدة الأول ومعلوم أنّ الشرع لا يأتي بمثل هذا مطلقا لما فيه من الحرج والعنت الشديد فالراجح إن شاء الله مذهب الأول الذي أفتى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
- قال ﵀ (وتنقص الأمة شهرا)
هذا مبني على ما تقدم من أنّ الأمة عدتها إذا كانت آيسة أو صغيرة شهران فننقص من السنة ماذا؟ شهر واحد , وعلى القول بأنّ عدة الأمة كعدة الحرة في الأشهر فإنها لا تنقص شيئا , وعلى القول الثاني الذي يقول أنها شهر ونصف تنقص كم؟ شهر ونصف. فهذه المسالة مبنية على المسالة السابقة
قال ﵀ (وعدة من بلغت ولم تحض)
стр. 2487
أي كعدة الآيسة لأنها لما بلغت ولم تحض دخلت في عموم قوله ﴿واللائي لم يحضن﴾ [النساء/١٥] فهذه لم تحض وإن بلغت بالسن أو بغيره فإذا بلغت المرأة ولم تحض حكمها حكم الصغيرة التي لم تحض وحكم الآيسة تعتد ثلاثة أشهر.
قال ﵀ (والمستحاضة الناسية والمستحاضة المبتدأة ثلاثة أشهر)
المستحاضة الناسية هي المستحاضة التي نسيت وقت الحيض فلم تعد تعرف هل هو في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره.
وأما المستحاضة المبتدأة. فهي المستحاضة التي ابتدأ معها الدم لأول مرة واستمر إلى أن أصبح استحاضة.
فالمستحاضة الناسية والمبتدأة عدتها ثلاثة أشهر , لكن في هذه المسالة تفصيل على النحو التالي: المستحاضة تنقسم إلى قسمين: -
القسم الأول: المستحاضة التي يحكم لها بحيض صحيح وهي المعتادة أو المميزة , فهذه المستحاضة تعتد بالأقراء.
القسم الثاني: المستحاضة التي ليس لها حيض محكوم به , وهي المستحاضة التي ليس لها تمييز ولا عادة فهذه تعتد ثلاثة أشهر لأنها حكمها حكم اللائي لم يحضن , إذ لا يوجد لها حيض محكوم به.
والقول الثاني: أنّ حكمها حكم من ارتفع حيضها ولم تدري سببه فتبقى لمدة سنة , والراجح المذهب.
قال ﵀ (والأمة شهران)
على ما تقدم الأمة شهران كلما اعتدت الحرة ثلاثة أشهر فتعتد الأمة بشهرين والخلاف السابق يأتي معنا هنا.
قال ﵀ (وإن علمت ما رفعه من مرض أو رضاع أو غيرهما , فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته)
إذا ارتفع حيض المرأة وهي تعلم السبب الذي رفعه بأن يرتفع بسبب المرض أو يرتفع بسبب أنها ترضع أو يرتفع بأي سبب لكنها تعرف هذا السبب فالحكم أنها تبقى في عدة إلى أن يرجع الحيض أو تبلغ سن الإياس , إلى هذا ذهب الحنابلة ﵏ استدلوا على هذا بأنّ حبان ابن المنقذ ﵁ طلق زوجته وهي ترضع فتطاولت بها العدة لأنها ترضع فمرض ﵁ فقيل له إنك إن مت ورثتك , فسأل ﵁ عثمان فسأل عثمان الصحابة فأفتوه بأنه إن مات ورثته وإن تطاولت العدة.
стр. 2488
وجه الاستدلال واضح لأنّ زوجة حبان ﵁ ارتفع حيضها بسبب تعلمه وهو الإرضاع, وحكم الصحابة بأنها تبقى في العدة وإن تطاولت.
القول الثاني: أنّ من ارتفع حيضها وهي تعلم سبب ارتفاعه ينقسم إلى قسمين: -
القسم الأول: أن لا ترجو عوده , يعني تعلم أنه لن يعود وإن كانت تعلم السبب في الارتفاع لكنها تعلم أنه لن يعود فهذه تعتد عدة الآيسة ثلاثة أشهر.
القسم الثاني: أن لا تعلم هل سيعود أو لن يعود مترددة فهذه تعتد بسنة , فمثلا إذا كما هو في وقتنا المعاصر يحصل أحيانا إذا قامت المرأة بإجراء عملية جراحية واستأصلت الرحم من أصله فالآن هل تحيض أو لا تحيض؟ لا تحيض. وتعلم السبب أو لا تعلم السبب؟ تعلم السبب. ترجو أن يعود أو لا ترجو أن يعود؟ لا ترجو أن يعود. فمثل هذه المرأة تعتد بثلاثة أشهر لأنّها كالآيسة تماما. بل وجود الحيض في حقها أبعد من وجوده في حق الصغيرة ومن بلغت سن الإياس فإن من بلغت سن الإياس قد تحيض وإن كان خلاف العادة أما هذه لا يمكن أن تحيض.
قال ﵀ (السادسة: امرأة المفقود تتربص ما تقدم في ميراثه ثم تعتد للوفاة)
المفقود هو من انقطع خبره ولم تعلم حياته من مماته , هذا هو المفقود يقول المؤلف ﵀ تتربص ما تقدم من ميراثه ثم تعتد للوفاة إذا امرأة المفقود عليها أن تبقى مدتين. فالمدة الأولى التربص. والمدة الثانية هي عدة الوفاة.
أما التربص فالمؤلف يقول تتربص كما تقدم في الميراث وما تقدم في الميراث هو أنها تتربص أربع سنين إذا كانت غيبته الغالب عليها الهلاك وتسعين سنة من الولادة إذا كانت غيبته الغالب عليها السلامة. فإما أن تتربص لمدة أربع سنين إذا كان الغالب عليه الهلاك أو أن تتربص لمدة تسعين سنة إذا كان الغالب عليه السلامة. الدليل على مدة هذا التربص أنّ عمر ابن الخطاب بأنها تتربص لمدة أربع سنوات فحملوا الأثر على من كان غالب حاله الهلاك. واضح إذاً الآن إما أتبقى أربع سنوات أو تبقى لمدة تسعين سنة. ثم بعد التسعين سنة تعتد للوفاة.
стр. 2489
القول الثاني: أنّ مدة التربص لزوجة المفقود يرجع في تحديدها إلى الحاكم لأنها تختلف باختلاف الأشخاص وباختلاف الملابسات والأحوال فمن فقد في معركة يختلف عمن فقد في رحلة استجمام. يختلف عمن فقد داخل البلد ولكل حاله وملابساته التي تستدعي من الحاكم أن يأمر بمدة تتناسب مع وضع المفقود. وحمل أصحاب هذا القول أثر عمر على أنه فتوى معينة خاصة وليست فتوى عامة
ظاهر كلام شيخ الإسلام اختيار القول الأول إلاّ أنه لا يفرق بين من غالبه الهلاك أو السلامة , بل في الكل أربع سنوات. ولهذا يقول والقول الصواب في مدة التربص زوجة المفقود ما روي عن عمر ﵁ والمروي عن عمر هو أربع سنوات. الراجح أن نقول أما التفريق بين من غالبه السلامة أو الهلاك فهو تفريق ضعيف وليس في أثر عمر التفريق مطلقا.
بقينا في الترجيح بين القولين أن تتربص لمدة أربع سنوات أو أن يرجع في تحديده إلى الحاكم وكل من القولين قوي وجيه ولعل الأقرب أنه يرجع في تحديده إلى الحاكم لأنه أحيانا يكاد يجزم الإنسان بالهلاك فإبقاء المرأة لأربع سنوات فيه مضرة بلا فائدة فلعل الراجح هو هذا القول الثاني.
قال ﵀ (وأمة كحرة في التربص)
يعني أنّ الأمة لا تتخلف عن الحرة في مدة التربص وإن اختلفت عنها في العدة والسبب في هذا أنّ الغرض من التربص هو معرفة حال الزوج وهذا لا يختلف بكون الزوجة حرة أو أمة وهذا أمر واضح.
قال ﵀ (وفي العدة نصف عدة الحرة)
لما تقدم معنا مرارا من أنّ الأمة تعتد نصف عدة الحرة دائما سواء كانت بالأقراء أو بالأشهر إلاّ أن تكون العدة مما لا يتنصف كالحيض فإنها تكون حيضتان فقط لكن القاعدة العامة أنّ الأمة على النصف من الحرة في مدة العدة.
قال ﵀ (ولا تفتقر إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة)
يعني أنّ مدة التربص وعدة الوفاة تبدأ بهما المرأة من حين فقد الزوج ولا نحتاج إلى حكم حاكم بأن يحكم بأن تبدأ أو لا تبدأ لا نحتاج إلى هذا , واستدلوا على هذا الحكم بأمرين الأول: أنه لا يوجد دليل على اشتراط حكم الحاكم في مدة التربص أو الوفاء.
الثاني: القياس على من ارتفع حيضها ولم تدر سببه فإنها تعتد لمدة سنة بدون حكم حاكم.
стр. 2490
القول الثاني: أنّ مدة التربص وعدة الوفاة تحتاج إلى حكم حاكم ولا تبدأ إلاّ بحكم حاكم واستدلوا على هذا بأمرين:
الأول: أنّ كل مدة فيها خلاف فإناّ نحتاج إلى حكم الحاكم ليرفع هذا الخلاف كما أنّ كل مدة تحتاج إلى نظر نحتاج فيها إلى رأي الحاكم. الدليل الثاني: أنّ فتح هذا الباب يؤدي إلى التلاعب , فبإمكان المرأة أن تزعم أنّ زوجها مفقود وتتربص مدة يراها الحاكم ثم تعتد عدة الوفاة وتتزوج ويكون في هذا نوع من التلاعب أليس كذلك؟ أي القولين أرجح؟ الثاني لأنه أضبط يعني العمدة في ترجيحه أنه أضبط ويتأكد اختيار القول الثاني في وقتنا هذا لأنه في وقتنا هذا كثير من العمال يذهب لمدة طويلة للعمل وقد لا تتمكن زوجته من الاتصال به فتزعم أنه مفقود , وتبدأ بالتربص من حين ترى هي أنه مفقود وتبقى مدة التربص ثم العدة وبهذا تستطيع أن تتزوج بزوج آخر وهذا يفتح باب شر لا شك في ذلك فالراجح إن شاء الله أنه لا بد أن يستشار الحاكم وتضرب المدة برأي الحاكم.
ثم لما ذكر حكم زوجة المفقود من حيث التربص والعدة انتقل إلى ما يترتب على ما لو تزوجت بزوج ثاني.
قال ﵀ (وإن تزوجت فقدم الأول قبل وطء الثاني فهي للأول)
قوله وإن تزوجت الحنابلة يرون أنّ هذا الزواج بالثاني زواج صحيح في الظاهر بمعنى أنه إذا ضربنا المدة للتربص وانتهت مدة التربص ثم اعتدت للوفاة وخرجت من العدة وتزوجت بالزوج الثاني فإنّ هذا الزواج صحيح في الظاهر فقط.
واختار شيخ الإسلام أنّ هذا الزواج الثاني صحيح في الظاهر والباطن. وسيأتينا في مفردات المسائل ما يدل على رجحان اختيار شيخ الإسلام ﵀ يقول المؤلف وإن تزوجت فقدم الأول قبل وطء الثاني فهي للأول. إذا تزوجت بعد مدة التربص وعدة الوفاة فهي للأول ثم بعد الزواج بالثاني قدم الأول يقول المؤلف فهي للأول ومعنى قوله فهي للأول يعني بلا اختيار وإنما تكون للأول مباشرة, الدليل على هذا أنه بقدوم الزوج الأول تبيّنا بطلان عقد الزوج الثاني , وإذا بطل العقد الثاني صارت زوجة للأول.
стр. 2491
والقول الثاني: أنّ الزوج الأول إذا قدم قبل الدخول أو بعد الدخول فهو مخير ولا يلزم بزوجته بل يخير بين زوجته وبين المهر , فإن اختار المهر صارت زوجة للثاني وإن اختار زوجته رجعت زوجته إليه واستدل أصحاب هذا القول على قولهم بأنه ليس في الآثار المروية عن عمر ابن الخطاب ﵁ التفريق بين أن يكون قدوم الزوج الأول قبل الدخول أو بعد الدخول. بل فيه التخيير مطلقا.
واستنبط شيخ الإسلام من هذه القصة قاعدة وهي أنه كل عقد يتوقف على رضا أحد الأطراف فإنه يكون على التخيير وذكر أنّ هذه القاعدة تدل عليها نصوص كثيرة منها فتوى عمر هذه أنه خير الزوج الأول. ومنها أحاديث تلقي الركبان وأنّ النبي ﷺ قال فإنّ صاحب السلعة بالخيار إذا أتى السوق , فجعل له الخيار فدلت هذه النصوص على صحة القاعدة التي قررها ﵀.
يقول ﵀ (وبعده له أخذها زوجة بالعقد الأول)
إذا جاء الزوج الأول بعد دخول الزوج الثاني فهو مخير وهذا بالإجماع بل إنّ هذا الإجماع حكي عن الصحابة هذا إذا أتى الزوج بعد دخول الزوج الثاني.
يقول (وبعده له أخذها زوجة بالعقد الأول ولو لم يطلق الثاني)
له أخذها بالعقد الأول يعني للزوج الأول أن يأخذها بالعقد الأول ولا يحتاج إلى تجديد عقد واستدل الحنابلة على هذا بأنه بمجيء الزوج الأول تبيّنا بطلان عقد الزوج الثاني , وصحة بقاء عقد الأول فلا يحتاج إلى تجديد.
القول الثاني: أنه يجب أن يجدد العقد الأول إذا اختار زوجته , وهذا القول الثاني مبني على مسالة أخرى وهي أنه إذا أرادتا المرأة أن تتزوج فإنّ على الحاكم أن يأمر ولي الزوج الأول أن يطلق , لأنّ عمر بن الخطاب لما أراد أن يزوج المرأة استدعى ولي الزوج الأول وأمره أن يطلق نيابة عن الزوج الأول , وإذا طلق لم تصبح زوجة له لأنه طلق بأمر الشارع فنلزمه بتجديد العقد وهذا القول الثاني أرجح وأحوط ولا يضر الزوج الأول أن يعيد العقد.
يقول ﵀ (ولو لم يطلق الثاني)
هنا نأتي إلى مسألتنا السابقة وهي أنّ الحنابلة يرون أنّ الزواج الذي تم من قبل الزوج الثاني صحيح في الظاهر دون الباطن ولهذا لا يحتاج أن يطلق لأنه زواجه ليس بصحيح في الباطن.
стр. 2492
والقول الأول: أنه لابد أن يطلق الزوج الثاني لأنّ زواجه صحيح في الظاهر والباطن لأنه إنما تزوج بأمر الشرع فزواجه صحيح ظاهرا وباطنا فنقول للزوج الثاني طلق ونقول هنا أيضا كما قلنا في المسالة السابقة لا يضر الزوج الثاني أن يطلق لأنه إذا طلق حلت للزوج الأول بلا خلاف.
قال ﵀ (ولا يطأ قبل فراغ عدة الثاني)
يعني إذا اختار الزوج الأول زوجته فإنه لا يجوز أن يطأ إلاّ بعد فراغ عدة الزوج الثاني , ومقصود الحنابلة في هذه المسالة عدة كاملة لمدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر حسب وضع المرأة المهم أنها عدة كاملة وتقرير الحنابلة أنّ العدة من الزوج الثاني يجب أن تكون كاملة يتوافق مع القول بأنّ الزواج صحيح ظاهرا وباطنا , أو ظاهرا فقط؟ ظاهرا وباطنا , ولو أراد الحنابلة أن يعتبروها ظاهرا فقط فيجب أن يلزموها بالإستبراء فقط لأنها زوجة في الظاهر دون الباطن وهذا مما يقوي اختيار شيخ الإسلام وأنها زوجة في الظاهر والباطن ولذلك تعتد عدة كاملة ولا تستبرأ فقط.
قال ﵀ (وله تركها معه من غير تجديد عقد)
يعني وللزوج الأول أن يترك زوجته مع الزوج الثاني بلا تجديد للعقد واستدل الحنابلة على هذا بأنّ الصحابة لما رجع المفقود واختار المهر بقيت الزوجة مع الثاني ولم ينقل عنهم الأمر بتجديد العقد وهذا يدل أيضا على أنّ زواج الثاني صحيح في الظاهر والباطن.
قال ﵀ (ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني)
يعني يأخذ الزوج الأول قدر الصداق من الزوج الثاني , وهل يأخذ قدر الصداق الذي أعطاها أو الذي أعطاها الزوج الثاني؟ يأخذ قدر الصداق الذي أعطاها هو فإذا افترضنا أنه أعطاها مهرا يساوي مئة ألف , وأنّ الثاني أعطاها مهرا يساوي خمسين ألف , فإنّ على الزوج الثاني أن يعطي الزوج الأول كم؟ مئة ألف وإلى هذا يشير الشيخ بقوله الذي أعطاها.
قال ﵀ (ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه -)
стр. 2493
يعني إذا أخذ الزوج الأول مهره من الزوج الثاني فإنّ الزوج الثاني يعود بالمهر على من؟ على الزوجة واستدل الحنابلة على هذا بأنّ لو لم نأمره أو لو لم نجز له أن يعود بالمهر على الزوجة لصار دافعا لمهرين في عقد واحد والشارع لا يلزم الإنسان أن يدفع مهرين في عقد واحد ولهذا نأمره أن يأخذ المهر من الزوجة هذا اختيار العلامة المرداوي وأيضا الزركشي.
القول الثاني: أنه لا يعود على المرأة لآنّ السبب في دفع المهر هو أنه أخذ المرأة وليس من المرأة سبب يستدعي أن تدفع هذا المهر إذ لم يصدر منها تفريط ولا خطأ وإنما تزوجت بأمر الشارع. أي القولين أرجح؟ هل يرجع على الزوجة أو لا يرجع؟ في الحقيقة فيها إشكال؟ في الحقيقة فيه تردد لم يظهر لي بعد التأمل هل يرجع على الزوجة الثانية أو لا يرجع أحيانا تقول يرجع فتظلم المرأة وأحيانا تقول لا يرجع فينظلم الزوج الأول أو الثاني؟ الزوج الثاني في المسألة تردد تحتاج إلى مزيد تأمل.
فصل
قال ﵀ (ومن مات زوجها الغائب أو طلقها اعتدت منذ الفرقة وإن لم تحد)
معنى هذه العبارة أنّ الزوجة من حين يطلق الزوج أو يموت تبدأ في العدة ولو لم تعلم بالطلاق أو الموت واستدلوا على هذا بأدلة: الأول " أنه لا يشترط في العدة القصد والنية بدليل صحة العدة من الصغيرة والمجنونة.
الدليل الثاني: أنّ المرأة إذا طلقت وهي حامل ولم تعلم بالطلاق أو مات زوجها وهي حامل ولم تعلم بموته فإنها بمجرد الوضع تخرج من العدة ولو لم تعلم.
القول الثاني: أنه يشترط العلم ولا تبدأ في العدة إلاّ بعد العلم بالموت أو الطلاق واستدلوا على هذا بأنّ العدة تشتمل على محذورات تتركها الزوجة ومن لم تعلم لم تترك هذه الأشياء. والراجح مذهب الحنابلة لأنّ ترك هذه المحذورات واجب في العدة وليس شرطا لصحتها. بناء على هذا إذا طلق الرجل زوجته وهي آيسة ولم تعلم إلاّ بعد مرور ثلاثة أشهر فإنها تعتبر خرجت من العدة.
قال ﵀ (وعدة موطوءة بشبهة , أو زنا , أو بعقد فاسد كمطلقة)
ذكر المؤلف ثلاثة مسائل: - المسالة الأولى: الموطوءة بشبهة , والثانية: المزني بها , والثالثة: الموطوءة بعقد فاسد.
стр. 2494
نبدأ بمسألتين متشابهتين. وهي المرأة الموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد فهذه عند الحنابلة عدتها كعدة المطلقة تماما واستدلوا على هذا بالقياس فقالوا إنّ الموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد تشبه المطلقة من حيث لحوق النسب ومن حيث طلب براءة الرحم فتعتد كعدة المطلقة وأما المزني بها. وهي المسألة الثانية فتقاس على الموطوءة بشبهة.
القول الثاني: أنّ المزني بها والموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد تعتد بحيضة واحدة , واستدل أصحاب هذا القول على قولهم بأنّ المقصود بالنسبة للمطلقة حين أمرت أن تعتد بثلاث حيض تحقيق حكمتين: - الأولى: العلم ببراءة الرحم.
والثانية: مراعاة حق الزوج فيما لو أراد المراجعة. فأما براءة الرحم فتحصل بحيضة واحدة وأما المراجعة فلا سبيل إليها لأنها ليست بزوجة وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله أنها تعتد بحيضة واحدة فقط لنعلم براءة الرحم.
تنبيه!! مسألة اعتداد الموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد هذه لم يروى فيها عن الإمام احمد قول ثاني بل حكي فيها الإجماع بخلاف مسالة عدة المزني بها ففيها حتى عن الإمام احمد عنه رواية أخرى فيها ومن هنا تعلم أنّ الخلاف أقوى في الموطوءة بشبهة منه في المزني بها.
قال ﵀ (وإن وطئت معتدة بشبهة أو نكاح فاسد فرق بينهما وأتمت عدة الأول)
إذا كانت المرأة مطلقة وهي معتدة ثم وطئت بشبهة أو بنكاح أو بعقد فاسد يقول الشيخ المؤلف فرق بينهما وأتمت عدة الأول.
الحكم الأول أنه يفرق بينهما مباشرة لأناّ علمنا أنّ العقد فاسد.
الثاني: أنها تتم عدة الأول وجه ذلك أنّ حقه سابق فنتم عدة الأول ثم كما سيأتينا نرجع لعدة الواطئ بشبهة ويستثنى من هذا مسالة واحدة وهي ما إذا كانت حملت من الوطء بشبهة أو بعقد فاسد فإنه لابد حينئذ أن نتم عدة الأول أو الثاني؟ الثاني. لأنها حملت منه فإذا وضعت رجعت ماذا؟ عدة الزوج الأول فيما عدا هذه الصورة فإنها تعتد بعد التفريق عدة الأول لأنّ حقه سابق.
قال ﵀ (ولا يحتسب منها مقامها عند الثاني)
стр. 2495
لا يحتسب من عدة الأول المدة التي أقامتها عند الثاني. التعليل أنها في مدة الإقامة عند الثاني هي فراش له وإذا كانت فراش للثاني فإنّ عدة الأول لا تبقى فإذا افترضنا أنها تعتد بالأشهر واعتدت من الأول لمدة شهر ثم نكحت نكاحا فاسدا لمدة شهر ثم فرق بينهما كم بقي عليها من عدة الأول؟ شهرين. ولو احتسبنا مدة بقائها عند الثاني لكان بقي عليها شهر واحد ولكنا لا نحسب هذه المدة لما تقدم من أنها أصبحت فراشا للثاني.
قال ﵀ (ثم اعتدت للثاني)
يريد المؤلف أن يبيّن أن عدة الأول والثاني لا تتداخل ليس بين العدد تداخل بل لكل واحد منهما الحق بعدة مستقلة.
يقول المؤلف ثم اعتدت للثاني تقدم معنا أنّ هذا الكلام أنّ معناه أنّ العدتين من رجلين لا يتداخلان بل لكل واحد منهما عدة مستقلة قال ﵀ (وتحل له بعقد بعد انقضاء العدتين)
تحل له للوطئ بشبهة أو بعقد فاسد ولكن بعد انقضاء العدتين فإذا انقضت عدتها من الأول ثم انقضت عدتها من الثاني جاز للثاني أن يتقدم إلى خطبتها وأن يتزوجها بعقد جديد واستدلوا على هذا بأنّ هذا مروي عن علي ﵁ أنه أفتى بأنّ الثاني له أن يتزوجها بعد انتهاء عدة الأول والثاني.
القول الثاني: أنها لا تحل لثاني أبدا مطلقا يعني للوطئ بشبهة أو بعقد فاسد فقالوا أنّ هذا مروي عن عمر ﵁ أنه أمر الثاني الذي نكح المعتدة في عدتها أن لا يتزوج بها أبد الدهر. وهذا الأثر المروي عن عمر بن الخطاب ﵁ فيه انقطاع ولا يصح.
القول الثالث: أنّ للثاني أن يتزوجها في مدة عدته , ألم نقل أنها تعتد للأول ثم تعتد لمن للثاني فإذا بدأت بعدة الثاني فله أن يتزوجها في عدته لماذا؟ لأنّ العدة عدته والماء ماءه وهذا القول الثالث فيه وجاهة لأنها إذا انتهت من عدة الأول وبدأت بعدة الثاني فله أن يتزوجها لأنها في عدته ولا نقول له أن يراجعها لأنه لم يتزوج فالعقد فاسد بل نقول له أن يتزوجها.
مسالة / وللأول أن يراجع زوجته في عدته لأنها زوجة رجعية فله أن يراجعها في مدة عدته إذا عرفنا الآن الخلاف في تزوج الزوج الثاني بالمرأة بعد انتهاء العدتين.
стр. 2496
ثم - قال ﵀ (وإن تزوجت في عدتها لم تنقطع حتى يدخل بها)
مقصود المؤلف أنّ المعتدة إذا تزوجت بزوج ثاني وتم العقد فإنّ عدة الأول لا تنقطع إلاّ بدخول الزوج الثاني أي أنها لا تنقطع بمجرد العقد بل ننتظر إلى الدخول فإن لم يدخل فهي باقية على عدتها من الأول , فالدخول هو الذي يقطع عدة الأول لا مجرد العقد.
ثم - قال ﵀ (فإذا فارقها)
أي الثاني بنت على عدتها من الأول ثم استأنفت العدة من الثاني. هذه المسالة كالمسالة السابقة تماماً. وهي أنها تبدأ بعدة الأول لأنه حقه سابق ثم إذا انتهت بدأت بعدة الثاني , وفي هذه العبارة من المؤلف نوع تكرار والحكم في هذه المسالة كالحكم في المسالة السابق.
انتهى الدرس
стр. 2497
الدرس: (٣) من العدد
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀ (وإن أتت بولد من أحدهما انقضت منه عدتها به ثم اعتدت للآخر)
مازال المؤلف في الكلام عن ما إذا وجد في العدة أكثر من رجل.
إذا أتت المرأة بولد من الزوج الأول أو من الزوج الثاني فهو ينقسم إلى قسمين: أن تأتي بولد من الزوج الأول فإذا أتت بولد من الزوج الأول انتهت عدتها منه واستأنفت عدة يعني بدأت عدة جديدة للزوج الثاني.
القسم الثاني: أن تأتي بولد من الثاني فإذا أتت بولد من الثاني فإنها تنقضي عدتها من هذا الزوج الثاني ثم إذا انقضت عدتها من الزوج الثاني فإنها لا تستأنف عدة للأول وإنما تتم عدة الأول وتعليل ذلك أنّ عدة الأول لم يوجد ما يبطلها شرعا , ولذلك نأمرها أن تتم العدة ولا يشترط ولا يجب عليها أن تستأنف عدة جديدة. وبهذا علمنا أنّ قول المؤلف (ثم اعتدت للآخر) ظاهره أنه حتى لو كان الولد للثاني وليس الأمر كذلك بل إذا كان الولد للثاني فإنها تتم عدة الأول ولا تستأنفها من جديد.
ثم - قال ﵀ (ومن وطئ معتدته البائن بشبهة استأنفت العدة بوطئه ودخلت فيها بقية الأولى)
стр. 2498
إذا وطئ الرجل زوجته التي تعتد منه بشبهة , فإنّ الحكم أنها تستأنف العدة للوطء الثاني وتدخل العدة من الوطء الأول في ضمن العدة الثانية , أي ولا نقول تتم العدة الأولى ثم تستأنف عدة ثانية للوطء بشبهة بل تتداخل العدتان , إذا وطئ الإنسان معتدته بشبهة فحينئذ تستأنف عدة للوطء بشبهة وتدخل العدة الأولى في العدة الثانية التي هي بسبب الوطء لشبهة ولا نقول تتم العدة الأولى فإذا انتهت بدأت بعدة جديدة للوطء بشبهة بل تتداخل العدتان. التعليل عللوا ذلك بأنّ هذا الوطء من شخص واحد يلحق فيه النسب لحوقا واحدا فتداخلت فيه العدتان وهذا صحيح , فتعتد من الوطء بشبهة وتكتفي بذلك. ولهذا يقول (استأنفت العدة بوطئه) يعني بدأت عدة جديدة للوطء بشبهة ودخلت فيها بقية الأولى , يعني دخلت بقية العدة الأولى في العدة الثانية ولا نحتاج أن نجعل للوطئين عدتان.
قال ﵀ (وإن نكح من أبانها في عدتها ثم طلقها قبل الدخول بنت)
البحث الآن في التي أبانها بغير الثلاث والبينونة بغير الثلاث تكون بماذا؟ بفسخ أو خلع. معنى هذه العبارة أنّ الإنسان إذا بانت منه زوجته بفسخ أو خلع فإنه إذا أراد أن يتزوجها في أثناء العدة جاز له ذلك , فإذا تزوجها في عدتها منه ثم طلقها قبل الدخول فإنها لا تستأنف عدة جديدة وإنما تبني على العدة الأولى , إذا خالع الإنسان زوجته فإنها تعتد منه أليس كذلك؟ يجوز للإنسان إذا خالع زوجته أن يتزوجها في أثناء العدة فإذا تزوجها في أثناء العدة ثم طلقها قبل الدخول فإنها تكمل العدة الأولى ولا تستأنف عدة لهذا الزواج الثاني التعليل عللوا ذلك بأنّ الزواج الثاني ليس فيه مسيس ولا خلوة. فلم يوجب عدة وهذا صحيح تقدم معنا في أول الباب أنّ أسباب وجوب العدة كم؟ ثلاث وهي الخلوة والموت والمسيس أو الوطء أو الجماع , كلها مسميات لمسمى واحد.
إذا في هذه الصورة لا يوجد شيء من مقررات أو من موجبات العدة ولذلك تستأنف عدتها الأولى ولا تكمل بخلاف ما يظنه بعض الناس أنه إذا تزوجها فإنه إذا طلقها قبل الدخول تعتد عدة جديدة.
стр. 2499
مسألة / مفهوم كلام المؤلف أنه إذا تزوج من معتدته البائن ثم طلقها بعد الدخول فإنها تستأنف عدة جديدة وتدخل العدة الأولى في العدة الثانية لأنهما من رجل واحد.
فصل
هذا الفصل مهم جدا وعقده المؤلف لبيان أحكام الإحداد.
والإحداد لغة / المنع. وأما شرعا فسيذكره المؤلف ﵀ في ما يلي وهو اجتناب المرأة ما يدعو إلى جماعها أو النظر إليها. وسيذكره المؤلف.
يقول الشيخ ﵀ (يلزم الإحداد مدة العدة)
الإحداد تابع للعدة فالإحداد حكم من أحكام العدة سواء اعتدت المرأة بوضع الحمل أو اعتدت بالأشهر فالإحداد إنما هو حكم من أحكام العدة وهذا معنى قول الشيخ ﵀ (مدة العدة) فلا يوجد إحداد منفصل عن العدة بل الإحداد حكم من أحكام العدة وقد قرر هذا الشيخ العلامة ابن القيم ﵀
يقول ﵀ (يلزم الإحداد مدة العدة كل متوفى زوجها عنها)
وجوب الإحداد محل إجماع في الجملة بين العلماء لم يخالف فيه أحد وذلك لصراحة النصوص فيه كما سيأتينا من قوله ﷺ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا. كما سيأتينا هذا الحديث الذي يعتبر عمدة في باب الإحداد فإذا وجوب الإحداد محل إجماع ولم يخالف فيه إلاّ رجل واحد من التابعين وهو الحسن ﵁ الحسن البصري ولكن هذا الخلاف في الحقيقة نقول عنه كما قال ابن قدامة هو خلاف شاذ لا يأبه به لمصادمته لصريح السنة ولعل ﵁ الحسن سيد التابعين لعله لم يبلغه النص أو لم يبلغه من طريق صحيح ومثله لا يخالف النصوص بهذا الشكل إلا بسبب.
يقول ﵀ (في نكاح صحيح)
يعني أنّ الإحداد يلزم في النكاح الصحيح دون الفاسد وسيفصل المؤلف فيما يختلف عن النكاح الصحيح بذكر جميع أمثلته وحكم كل مثال منه إنما الذي يعنينا الآن أنّ النكاح الصحيح هو الذي تتعلق به أحكام الإحداد.
قال ﵀ (ولو ذمية)
معنى قول المؤلف ولو ذمية يعني أنه لا يشترط التكليف لوجوب أحكام الإحداد بل يجب ولو على غير المكلف كغير المسلم واستدل هؤلاء بأمرين: الأمر الأول" أنّ هذا تدل عليه عموم النصوص.
стр. 2500
الثاني: أنّ الإحداد لحق الزوج فلا يشترط فيه ماذا؟ أن تكون مسلمة من أهل العبادات.
القول الثاني: أنّ الذمية لا يلزمها أحكام الإحداد ولا يجب عليها , وأنّ هذا خاص بالمسلمين واستدل هؤلاء بدليلين: الأول: قوله ﷺ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر .... ) فعلق الحكم بالإيمان بالله واليوم الآخر.
الثاني: أنّ الإحداد ليس حقا للزوج بل حق لله بدليل أنّ أهل الميت والميت لو أوصى واتفقوا جميعا على إبراء المرأة من أحكام الإحداد وإسقاطها عنها لم يجز للمرأة أن تترك أحكام الإحداد وهذا يدل على أنه من حقوق الله وليس من حقوق الآدميين إذ لو كان من حقوق الآدميين لسقط بإسقاطه. وإلى هذا القول يميل العلامة ابن القيم وهو قول ظاهر الوجاهة والقوة.
قال ﵀ (أو أمة أو غير مكلفة)
يلزم الإحداد الأمة وغير المكلفة , لأنّ الأمة وغير المكلفة يدخلان في عموم قوله ﷺ لا يحل لامرأة تؤمن بالله ....
هذا دليل.
والدليل الثاني: أنّ ابنة أم سلمة توفي عنها زوجها وأمرها النبي ﷺ بأحكام الإحداد ولم يسأل عن سنها. عن عمرها مما يدل على أنّ أحكام الإحداد تلزم المرأة ولو كانت صغيرة ولهذا يقول أمة أو غير مكلفة.
قال ﵀ (ويباح لبائن من حيّ)
حكم الإحداد للزوجة البائنة من حي أنه مباح عند الحنابلة لكن لا يسن , وحكي وهو غريب نوعا ما حكي الإجماع على إباحته.
والقول الثاني: أنّ الإحداد واجب على الزوجة البائن , قياسا على الزوجة المتوفى عنها زوجها وهذا القول الثاني غاية في الضعف لقول النبي ﷺ لا يحل لامرأة تؤمن بالله .......... أن تحد على ميت. فأحكام الإحداد تتعلق بالموت ولو هذا الإجماع المحكي على الجواز لكان الإنسان يميل تماما إلى أنّ إحداد البائن بدعة , لا أصل له في الشرع لكن يحول بين أن يقول هذا الإجماع المحكي ولهذا أنا أقول أنه غريب. والحنابلة كما ترون توسطوا فقالوا يباح ولا يسن.
قال ﵀ (ولا يجب على رجعية)
стр. 2501
لا تجب أحكام الإحداد أو لا يجب الإحداد على الزوجة الرجعية , والدليل على هذا أنّ الزوجة الرجعية مطلوب منها عكس المطلوب من الزوجة المحدة. لأنّ الزوجة الرجعية يطلب منها أن تتزين وتتشرف لزوجها لعله أن يراجع فالمطلوب منها عكس المطلوب من المحدة وهذا الحكم وهو عدم الوجوب محل إجماع لم يختلف فيه الفقهاء.
قال ﵀ (وموطوءة بشبهة , أو زنا , أو في نكاح فاسد. أو باطل , أو ملك يمين)
هذه ثلاث الأولى: موطوءة بشبهة , والثانية: موطوءة بزنا , والثالثة: بنكاح فاسد أو باطل , والرابعة: موطوءة بملك اليمين.
هؤلاء النساء لا يجب عليهن الإحداد والتعليل ظاهر وهو أنّ الإحداد إنما يجب على الزوجة وهؤلاء لسن من الزوجات فهذه النساء لسن زوجات فلا يجب عليهن الإحداد ولا تتعلق بهن أحكام الإحداد وهو أمر واضح.
قال ﵀ (والإحداد: اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها ( .....
الإحداد هو كما ذكر المؤلف أن تجتنب المرأة كل ما يدعو إلى النظر إليها أو جماعها أو الرغبة فيها , وهناك عناصر أربعة تكاد تشمل جميع المحظورات. الأول: الطيب وهو على رأس المحظورات. الثاني: الزينة في البدن كالحناء. الثالث" الزينة في الثياب كالثوب المصبوغ والرابع" الحلي. هذه الأربع عناصر تشمل تقريبا جميع ما يجب على الزوجة المحدة أن تجتنه. الدليل على هذا التفصيل قول النبي ﷺ لا يحل لامرأة تؤمن بالله ................ إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا , ولا تكتحل ولا تمس طيبا) فهذا نص في اجتناب زينة البدن وزينة الثياب وهذا الحديث كما قلت لك هو أصل في هذا الباب وما لم يذكر في الحديث مما يجب على المرأة أن تجتنبه زمن الإحداد يقاس على المذكور في الحديث وما ذكره المؤلف من مفردات المسائل كله مأخوذ ومستفاد من هذا الحديث نصا أو قياسا.
يقول ﵀ (اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها من الزينة والطيب)
стр. 2502
الطيب محل إجماع كما قلت لك. قوله (والتحسين) المقصود بالتحسين كالمواد التي تسبب تبييض الوجه , قوله (والحناء) الحناء معروف ويتخذ للزينة لتجميل البدن في اليد أو في الرجل , قوله (وما صبغ بالزينة) يعني من الثياب. هذه المذكورات مستفادة من الحديث.
ثم - قال ﵀ (وحلي)
الحلي كذلك من الأشياء التي يجب على المرأة أن تجتنبها , وذهب إلى هذا الحنابلة والأئمة الأربعة بل حكي إجماعا , واستدلوا على هذا بدليلين: الأول" أنّ في حديث أم سلمة ﵂ أنه أمر المحد أن تجتنب الحلي) وزيادة الحلي محل خلاف بين العلماء تصحيحا وتضعيفا. فممن ضعفها ابن حزم وصححها عدد من المحققين. والذي يظهر لي أنّ هذا اللفظ صحيح وثابت.
الدليل الثاني: أنّ الحلي من الزينة وقد أشار حديث أم سلمة أنّ جنس الزينة تمنع عنه المحدة.
القول الثاني: أنّ الحلي مباح وإلى هذا ذهب ابن حزم ﵀ واستدل على أنه ليس في الكتاب ولا في السنة ما يمنع المحدة من أن تلبس الحلي وقوله فيه ظاهرية وجمود , والحلي من أعظم ما تتزين به المرأة وإذا منعت من الكحل والطيب والثوب المصبوغ وهي أقل من الحلي فلئن تمنع من الحلي من باب أولى ولهذا نقول أنّ هذا القول الأول الذي حكي إجماعا هو الراجح إن شاء الله.
ثم - قال ﵀ (وكحل أسود)
الكحل لم يختلفوا في المنع منه لقول النبي ﷺ ولا تكتحل. فأمره ظاهر إنما وقع الخلاف بين الفقهاء فيما إذا احتاجت المحدة إلى الكحل ضرورة , اختلفوا في هذه المسألة على قولين القول الأول: وهو المذهب بل هو مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز للمرأة أن تكتحل عند الضرورة. واستدلوا على هذا بأمرين: الأول: أنّ أم سلمة ﵂ كانت تفتي بهذا يعني بجواز الكحل للضرورة مع أنها هي التي روت حديث أحكام الإحداد.
الثاني: حديث لأم سلمة آخر فيه أنّ النبي ﷺ نهى عن الكحل وأذن به في الليل للضرورة , والأقرب والله أعلم أنّ هذا الحديث ضعيف.
стр. 2503
القول الثاني: أنّ لا يجوز للمرأة أن تضع كحلا ولو للضرورة ولو خشيت على عينيها من الذهاب , لما روي أنّ امرأة مات زوجها فأصيبت في عينيها واشتد عليها فسألوا النبي ﷺ أن تضع الكحل فقال لا. قال الراوي مرتين أو ثلاث يعني إما قال لا لا أو قال لا لا لا. وهذا معناه أنه أكد المنع ﷺ الراجح والله أعلم الجواز.
سبب الترجيح: أنّ وضع الكحل في حال الضرورة إنما هو من باب التداوي لا من باب التزين وهي إنما تمنع من التزين لا من التداوي لا بد من الجواب عن الحديث فهو نص في المسألة.
أجاب الفقهاء عنه بأحد جوابين: الجواب الأول: أنّ المرأة لم تبلغ حال الضرورة وأنّ النبي ﷺ علم هذا وإن أفادت السائلة أنها بلغت لأنه هو ﷺ علم أنها لم تبلغ حال الضرورة.
الثاني: أنّ في حال السائلة وجد ما يغني عن الكحل من الأدوية الأخرى , ولهذا لم يجز لها النبي ﷺ أن تضعه.
أجابوا بأحد هذين الجوابين: وكما قلت الراجح إن شاء الله مذهب الجماهير وهو الجواز عند الضرورة ونحن في يومنا هذا في عصرنا في هذا لا نحتاج إلى هذا المسألة مطلقا وأنا أرى أنه لا يجوز أبدا أن تضع الكحل أبدا في وقتنا هذا لأنه يوجد من الأدوية ما يغني عنه بل يوجد من الأدوية ما مفعوله أبلغ وأقوى من الكحل فلا حاجة للكحل وإنما ذكرنا المسألة ليعلم فيها الراجح من حيث الأدلة أما في وقتنا هذا فلا شك أنه لا يجوز لوجود ما يغني عنه فلا يجوز مطلقا في أي حال ولو مهما بلغت المرأة لأنها تستطيع أن تستغني عنه بالأدوية الحديثة.
قال ﵀ (لا توتيا ونحوه)
التوتيا معدن أبيض أو أخضر يوضع في العين وإنما استثنى المؤلف التوتيا من الكحل لأنه يكتحل به والتوتيا جائز لأنه ليس من الزينة وإنما من العلاج بل ذكر الشيخ الفقيه ﵀ ابن قدامة أنه يسبب سوء منظر العين فهو جائز بلا إشكال.
قال ﵀ (ولا نقاب)
стр. 2504
يعني ولا يحرم النقاب لأنّ النقاب ليس من الزينة وليس في النصوص ما يمنع منه على حد كلام الفقهاء أنّ النقاب ليس في النصوص ما يمنع منه وهو أيضا ليس من الزينة وهذا البحث إنما هو في باب الإحداد ولا يعني تقرير هذا جواز النقاب المعاصر أو الكلام عن حكم النقاب لأنّ النقاب أرى أنه لا يجوز مطلقا في وقتنا هذا لما يؤدي إليه من مفاسد ولأنه ثبت بالتجارب العديدة أنه يجر إلى الفاحشة أو إلى سوء الأخلاق على كل حال نحن لا نتكلم عن النقاب وحكم النقاب وأنا أقول أنا أرى أنه محرم , لكن الفقهاء يقولون النقاب ليس من الزينة وليس في النصوص ما يدل على أنّ المحدة تمنع منه ولهذا لو أرادت أن تلبس نقابا عند النساء لجاز لأنه لا يتعلق بأحكام الإحداد.
يقول ﵀ (وأبيض)
يعني ولا تمنع المحدة من لبس الثوب الأبيض , وعللوا هذا بأنّ الثوب الأبيض زينته أصلية وليست مكتسبة فجاز للمرأة وإن كانت في زمن الإحداد أن تلبس هذا الثوب.
القول الثاني: أنّ الثوب الأبيض يجوز إلاّ إذا اتخذ للزينة , إلاّ إذا تزينت به المرأة حينئذ لا يجوز فمن المعلوم أنّ المرأة المحدة قد تلبس ثوبا أبيض ليس للزينة ثوبا أبيض لمهنة البيت فهذا يجوز وأما إن لبست ثوبا أبيضا وضع وأعد للزينة فهو محرم وإلى هذا القول مال الشيخ الفقيه المرداوي ولا شك في رجحانه وهو أقرب الأقوال أنه يجوز ما لم يتخذ للزينة.
يقول ﵀ (ولو كان حسنا)
يعني ولو كان جميلا من حيث الأصل.
فصل
لما انتهى المؤلف من بيان أحكام الإحداد انتقل إلى مكان الإحداد
فيقول ﵀ (وتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت)
ذهب الجماهير الأربعة وغيرهم من فقهاء المسلمين إلى أنه يجب على المرأة أن تعتد في البيت الذي مات الزوج وهي فيه سواء كان هذا البيت مملوكا أو مستأجرا أو معارا , يجب عليها أن تعتد في هذا البيت واستدلوا على هذا بأدلة:
стр. 2505
الدليل الأول: أنّ أخت أبي سعيد الخدري ﵁ لما توفي زوجها ﵃ أمرها النبي ﷺ أن تمكث في البيت إلى أن يبلغ الكتاب أجله وهذا الحديث في تصحيحه وتضعيفه خلاف بين الفقهاء وبين المحدثين , فممن صححه الإمام الترمذي والإمام الذهلي وضعفه ابن حزم ﵀ والذي يبدوا أنه مقبول وحسن.
الدليل الثاني: أنه ذهب عدد من أصحاب النبي ﷺ إلى وجوب بقاء المعتدة في بيتها الذي توفي الزوج وهي فيه.
ممن ذهب إلى هذا من أصحاب النبي ﷺ عمر وابنه وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃ أجمعين
القول الثاني: وهو مذهب الظاهرية أنه لا يجب على المرأة أن تبقى في بيتها واستدلوا على هذا بأمرين الأول: أنه ليس في النصوص في الصحيحة المرفوعة إلى النبي ﷺ ما يدل على وجوب ذلك.
الأمر الثاني: أنه روي عن أصحاب النبي ﷺ عدم وجوب ذلك منهم ابن عباس وعائشة ﵃ الأمر الثالث: وهو من وجهة نظري من أقوى أدلتهم أنه توفي في زمن النبي ﷺ عدد كبير من أصحاب النبي ﷺ في الحروب التي حصلت في الزمن النبوي ولو كانت نساء هؤلاء الذين ماتوا في العهد النبوي كلهم تبقى في البيت مدة الإحداد لم يخفى هذا على ابن عباس وعائشة مما يدل على أنّ هذا الأمر لم يكن موجودا في زمن النبي ﷺ .
تنبيه!! هذه المسألة اختلف فيها الصحابة , وتقدم معنا مرارا أنّ المسألة التي اختلف فيها الصحابة يكون الإشكال فيها أكبر , الراجح والله أعلم مذهب الجمهور لأنّ الحديث قابل للتحسين هذا أولا.
стр. 2506
ثانيا" أنّ بعض السنن قد تخفى على بعض الصحابة , فكما يقول الظاهرية أنّ هذا لا يخفى على عائشة وابن عباس كذلك نقول عدم الوجوب لو كان متقرراً في الزمن النبوي لم يخفى على عمر وابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت أليس كذلك؟ فنقول إن شاء الله أنه الواجب على المرأة أن تبقى في بيتها إلى أن تنتهي العدة على أنّ الخلاف في هذه المسألة قوي ومن المسائل التي استغربت أنه لا يوجد خلاف إلاّ مع الظاهرية أو مع عدد قليل من أهل العلم والجماهير على من الأئمة كلهم يرون الوجوب مع أنّ الأدلة متكافئة وفيها قوة والله في القرآن أمر الزوجة المطلقة الرجعية أن لا تخرج من البيت أليس كذلك بينما لما ذكر عدة الوفاة وأمرها أن تبقى أربعة أشهر وعشرة أيام لم يأمر بماذا؟ بالبقاء في البيت وهذا الدليل ذكره ابن عباس واعتمد عليه استدل به وفي الحقيقة دليل قوي لكن نقول مادام في المسألة حديث وإليه ذهب جماهير الأئمة والفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وغيرهم فهذا يقوي القول بالوجوب.
قال ﵀ (فإن تحولت)
انتقال المرأة من بيت الإحداد ينقسم إلى قسمين: انتقال دائم بأن تنتقل للسكن في بيت آخر.
القسم الثاني: انتقال مؤقت بأن تخرج لغرض ثم ترجع إلى بيتها بدأ المؤلف بالقسم الأول وهي الخروج الدائم.
يقول (فإن تحولت) يقصد بقوله تحولت يعني انتقلت انتقالا دائما إلى بيت آخر والمؤلف بيّن الحكم إذا تحولت أنها تذهب إلى أي بيت شاءت ولم يبيّن ماذا؟ ولم يبيّن حكم التحول ولعله لأنه استقر عنده أنّ التحول لا يجوز. حكم التحول أنه لا يجوز إلاّ للضرورة أو للحاجة الماسة. وإنما قلنا أنه لا يجوز إلاّ للضرورة أو الحاجة الماسة لأنّ بعض الفقهاء قال ولا تتحول إلاّ ضرورة. وبعضهم قال ولا تتحول إلاّ لحاجة , فمقصودهم والله أعلم أنها لا تتحول إلاّ لحاجة ماسة أو لضرورة.
يقول ﵀ (فإن تحولت خوفا)
معنى قول المؤلف خوفا يعني على نفسها أو مالها , فإذا خافت على نفسها أو مالها فإنها تتحول جوازا لأنّ هذا من باب الضرورة.
قوله ﵀ (أو قهرا)
стр. 2507
يعني إذا تحولت بغير إرادتها قهرا بأن أجبرت على الخروج من المنزل , وهذا أيضا من صور الجواز فلو أراد الورثة إخراجها من البيت جاز لهم لأنه لا يجب على الورثة تمكينها من السفر وإنما ينبغي.
قوله ﵀ (أو لحق)
يعني إذا أخرجت المرأة لحق يعني بحق بأن كانت مؤذية وتعتدي على من بجوارها فإنه يجوز إخراجها. وإخراجها حينئذ بحق. إذا ذكر المؤلف ثلاث صور لجواز التحول وكأنه يقول فيما عداها لا يجوز أن تتحول.
ثم - قال ﵀ (انتقلت حيث شاءت)
إذا أجبرت الظروف المرأة على الخروج من البيت الذي مكثت فيه للإحداد فإنها تنتقل إلى أي بيت شاءت وتعليل ذلك أنّ محل الوجوب هو البيت فإذا سقط لم يلزمها بعد ذلك أن تبقى في بيت آخر.
والقول الثاني: أنها إذا تحولت فإنه يجب عليها أن تذهب إلى أقرب منزل لمنزلها الذي تحولت منه. واستدل أصحاب هذا القول بالقياس على الحج فإنه إذا لم يتمكن الإنسان من البقاء في منى فعليه أن يبقى في أقرب مكان من منى.
والراجح أنّ لها أن تنتقل إلى بيت شاءت لأنّ هذا القياس قياس مع الفارق لأنّ الحكم يتعلق في الإحداد بالبيت الذي مات الزوج وهي فيه فقط فإذا لم تتمكن فأي فائدة من البقاء بجواره. ثم انتقل المؤلف لبيان الخروج العارض بأن تخرج لقضاء حاجتها ثم تعود.
فيقول الشيخ ﵀ (ولها الخروج لحاجتها نهارا لا ليلا)
يجوز أن تخرج لحاجتها في النهار لا في الليل , وقد ذكر شيخ الإسلام قاعدة مفيدة في هذا الباب , فيقول يجوز الخروج في النهار لحاجة وفي الليل لضرورة , وعلل الفقهاء ذلك بأنّ النهار زمن لقضاء الحاجات وإنهاء المصالح بينما الليل زمن للسكينة والبقاء في البيت كما أنه عرضة لتأذي المرأة بالفساق ولهذا قالوا لا تخرج إلاّ في النهار لحاجة وأما في الليل فلا تخرج إلاّ للضرورة.
والقول الثاني: أنه يجوز في الليل ولو لحاجة بلا ضرورة.
قال ﵀ (وإن تركت الإحداد أثمت , وتمت عدتها بمضي زمانها)
стр. 2508
إذا تركت المرأة أحكام الإحداد سواء الأحكام التي تتعلق بالزينة وما يجب اجتنابه أو الأحكام التي تتعلق بالمكان فإنّ العدة تنقضي بمضي الزمان ولو تركت أحكام الإحداد ودليل ذلك أنّ الإحداد واجب في العدة وليس شرطا لصحتها فهي آثمة والعدة تنقضي بمضي الزمن.
باب الإستبراء
ختم المؤلف كتاب العدد بباب الإستبراء لأنه نوع من العدة ,
والإستبراء في لغة العرب / القطع والحد , يقال استبرأ اللحم من العظم
يعني فصله. وأما في الشرع / فهو تربص يقصد منه العلم ببراءة رحم الأمة. وخصوه بالأمة لأنّ الإستبراء عندهم فقط للأمة
يقول ﵀ (من ملك أمة يوطأ مثلها)
قوله ﵀ من ملك عام سواء كان الملك بإرث أو هبة أو شراء , بأي نوع من أنواع التملكات الشرعية.
يقول ﵀ (أمة يوطأ مثلها)
اشترط المؤلف لوجوب الإستبراء أن تكون الأمة يوطأ مثلها , فإن كانت الأمة صغيرة لا يوطأ مثلها فإنه لا يجب على المشتري أن يستبرأ لأنّ الغرض من الإستبراء العلم ببراءة الرحم وهو معلوم في حال الأمة التي لا يوطأ مثلها ,وهذا شرط صحيح لوجوب الإستبراء
ثم - قال ﵀ (من صغير وذكر وضدهما)
يعني أنه لا يشترط في الإستبراء أن يكون البائع من لا يطأ مثله فلو كان البائع صبي لا يطأ مثله أو كان البائع امرأة فإنه يجب على المشتري أن يستبرأ.
والقول الثاني: أنّ البائع إذا كان لا يطأ مثله أو كان إمرأة فإنه يجب على المشتري أن يستبرأ , لأنّ الغرض من الإستبراء معرفة براءة الرحم ......... هنا انقطاع.
فإذا يشترط لوجوب الإستبراء بالنسبة للبائع أن تكون الأمة ممن يوطأ مثلها , وأن يكون البائع أيضا ممن يطأ مثله وأن لا تكون امرأة.
قال ﵀ (حرم عليه وطؤها ومقدماته قبل استبرائها)
يحرم على المشتري أن يطأ قبل أن يستبرأ , لقول النبي ﷺ لا يحل للرجل أن يسقي زرع غيره. كما أن هذا الحكم محل إجماع فلا يجوز للمشتري أن يطأ إلاّ بعد أن يستبرأ ولا إشكال في هذا, لكن يقول المؤلف ﵀ (ومقدماته قبل استبرائها)
فعلى المذهب لا يجوز الوطء ولا مقدمات الوطء.
стр. 2509
والقول الثاني: أنّ مقدمات الوطء من التقبيل والمباشرة ونحوهما تجوز واستدلوا على هذا بدليلين:
الدليل الأول: أنّ النبي ﷺ إنما نهى عن الوطء خاصة.
الدليل الثاني: أنّ ابن عمر ﵁ كان يقبل قبل الإستبراء , فإنّ النبي ﷺ قسم غنيمة وكان من نصيب ابن عمر امرأة جارية جميلة قال ابن عمر فلم أملك أن قبلتها والناس ينظرون. وهذا التقبيل كان متى بعد القسمة مباشرة وقبل الإستبراء فإنه ملك هذه الجارية بالقسمة من الغنائم وقبل الإستبراء قبّل مما يدل على أنّ التقبيل والمباشرة قبل الإستبراء جائز كما أنّ التقبيل والمباشرة لا يتعارضان مع التأكد من براءة الرحم , فالراجح إن شاء الله هو القول الثاني وهو الجواز.
قال ﵀ (واستبراء الحامل بوضعها , ومن تحيض بحيضة)
استبراء الحامل بأن تضع والحائل بأن تحيض حيضة واحدة , لأنّ النبي ﷺ لما جاء السبي في عام أوطاس نهى أن توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض , فجمع الحديث حكم المسألتين أن الأمة الحامل لا يجوز أن توطأ ولو طالت المدة إلاّ بعد الوضع والحائل لا توطأ إذا كانت تحيض إلاّ بعد الحيض.
قال ﵀ (والآيسة والصغيرة بمضي شهر)
الأمة الآيسة أو الصغيرة لا توطأ إلاّ بعد مضي شهر , عللوا هذا بأنّ الحائض تعتد بحيضة ويقابل هذه الحيضة كم؟ شهر واحد فإذا كانت لا تحيض فإناّ نجعل عدتها أو استبراءها بشهر واحد وهذا يتناول الآيسة والصغيرة.
والقول الثاني: أنه يجب أن تعتد ثلاثة أشهر وليس شهرا واحدا واستدل أصحاب هذا القول بأنّ الغرض من الإستبراء العلم ببراءة الرحم ولا يكون إلاّ بثلاثة أشهر لأنّ الحمل لا يظهر في أقل من ثلاثة أشهر وهذا القول الثاني هو الراجح إن شاء الله , إلاّ أنه في وقتنا هذا إذا أمكن أن يعلم براءة رحم الأمة بالوسائل الطبية الحديثة فإنا نرجع إلى المذهب ونقول عدة الأمة التي لا تحيض هو شهر واحد
وبهذا انتهى كتاب العدد ولله الحمد
стр. 2510
الدرس: (١) من الرضاع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كتاب الرضاع
المقصود بهذا الكتاب الكلام عن أحكام التحريم بالرضاع , ولا يقصد الكلام عن أحكام إرضاع الزوجة لولدها بل الكلام عن التحريم بالرضاع.
والرضاع في لغة العرب / هو مص الثدي واستخراج اللبن منه.
وأما في الشرع / فالرضاع هو حصول اللبن في معدة الطفل. فإذا أيهما أخص وأيهما أعم؟ اللغة أخص والشرع أعم لأنّه في اللغة لا يسمى رضاع إلاّ في صورة واحدة وهي دخول اللبن عن طريق المص , بينما في الشرع يعتبر رضاع إذا وصل اللبن إلى المعدة بأي طريق عرفنا إذا الآن معنى الرضاع في اللغة والشرع.
والأصل في التحريم بالرضاع الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء/٢٣]
وأما السنة فقوله ﷺ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. وفي السنة أحاديث كثيرة تتعلق بالرضاع.
والتحريم بالرضاع محل إجماع.
مسألة / التحريم في الشرع يكون بأحد ثلاثة أسباب: - السبب الأول بالنسب كالأم والأخت.
السبب الثاني "للتحريم المصاهرة كأم الزوجة وبنت الزوجة المدخول بها ونحوهما.
السبب الثالث هو ما نحن بصدده وهو الرضاع. التحريم لا يكون إلاّ بأحد هذه الثلاث أسباب.
قال ﵀ (والمحرم خمس رضعات)
هذه المسألة كبيرة ومهمة جدا وهي عدد الرضعات المحرمات فالمذهب أنّ المحرم خمس رضعات واختار هذا القول مع الحنابلة أيضا الشيخ الفقيه ابن حزم واستدل هؤلاء بقول عائشة. كان فيما يتلى أنه عشر رضعات معلومات محرمات , فنسخن بخمس رضعات محرمات. وهذا الحديث صحيح وهو نص بأنّ التحريم يكون بكم رضعة؟ بخمس رضعات.
الدليل الثاني: أنّ النبي ﷺ أمر المرأة أن ترضع من أرادت إرضاعه خمس رضعات. وهو صحيح إن شاء الله أمرها أن ترضعه بخمس رضعات فقال أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه. وهو سالم مولى أبي حذيفة ﵁ -
стр. 2511
القول الثاني: أنّ عدد الرضعات المحرمة ثلاث فقط وإلى هذا ذهب داود الظاهري فتكون هذه المسألة من المسائل التي اختلف من داود مع ابن حزم استدل داود ﵀ بقول النبي ﷺ لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الإملاجة ولا الإملاجتان.
مفهوم الحديث أنّ الثلاث يحرمن.
القول الثالث: وهو منسوب للجمهور أنّ قليل الرضاع وكثيره يحرم. ولو رضعة واحدة واستدل هؤلاء بأنّ النصوص الدالة على مشروعية الرضاع عامة [وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم] ولم يذكر عددا. [يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب] ولم يذكر عددا.
والراجح المذهب لصحة الدليل الدال على اشتراط خمس رضعات , يليه في القوة الجمهور وهو أنه لا عدد والسبب في قوة القول الثالث وضعف القول الثاني أنه تقدم معنا مرارا أنّ دلالة المفهوم تضعف إذا كانت في مقابلة المنطوق, فدلالة لا تحرم المصة ولا المصتان تتعارض مع أدلة القول الأول ومع أدلة القول الثالث , مما يدل على أنّ مفهوم هذا الحديث غير مراد فالراجح إن شاء الله والأحوط هو القول الأول ولا أقول الأحوط أنّ أرجح احتياطا بل أنا أرجحه استلالا لقوة أدلته. لكن هو مع ذلك أحوط الأقوال.
مسألة / ذكر المؤلف عدد الرضعات ولم يذكر حد الرضعة , وهي أيضا مسألة مهمة اختلف الفقهاء في حد الرضعة.
فذهب الحنابلة إلى أنّ حد الرضعة هو أن يمسك الطفل بالثدي ويمصه ثم يتركه باختياره وهذا قيد مهم سواء كان تركه لينتقل إلى ثدي آخر أو ليتنفس أو لأي سبب فإنّ هذه تعتبر رضعة. وإلى هذا القول كما قلت ذهب الحنابلة واختاره شيخ الإسلام واختاره أيضا ابن حزم. الدليل استدل هؤلاء بأدلة: الدليل الأول: قوله ﷺ لا تحرم المصة ولا المصتان. وجه الاستلال من الحديث أنّ المصة في لغة العرب هو أخذ الشيء اليسير.
الدليل الثاني: أنّ الوجور والسعوط يحرم. وقد تكون كميته يسيرة ستأتينا هذه المسألة لكن المقصود الآن الاستدلال بها.
стр. 2512
القول الثاني: أنّ الرضعة هي الرضعة الكاملة إلى أن ينتهي في مجلس واحد. وبعبارة أخرى يشترط في الخمس رضعات أن تعدد المجالس بأن ترضعه في مجالس مختلفة خمس مرات. واستدل هؤلاء على قولهم بأنّ الرضعة في العرف لا تكون إلاّ الرضعة المشبعة كالأكلة فلو قال الإنسان وهو يأكل والله لا آكل أكلة أخرى ثم أكل واستمر في أكله الذي هو عليه لم يعد حانثا , لأنّ هذه الأكلة ليست أكلة أخرى أليس كذلك وإلى هذا ذهب العلامة ابن القيم أنه يشترط تعدد المجالس استنادا إلى العرف. أي القولين أرجح. مسألة غاية في الأهمية ينبني عليها أن يكون الطفل ابن من الرضاع في مجلس واحد أو في خمس مجالس؟ المسألة فيها إشكال لكن الراجح إن شاء الله المذهب وهو القول الأول وإن كانت المسألة فيها إشكال. لكن أولا يعضد هذا القول حديث.
ثانيا: يعضده وبقوة القياس على السعوط والوجور لأنّ أصحاب القول الثاني يقولون بتحريم السعوط والوجور وهو كمية قليلة لذلك نقول إن شاء الله الراجح هو القول الأول.
قال ﵀ (في الحولين)
لما بيّن المؤلف عدد الرضعات المحرمات انتقل إلى الزمن , فقال (في الحولين)
يعني أنه يشترط في تأثير الرضاع أن يكون في الحولين , فإذا استمر الطفل في الرضاع بعد الحولين فإنه إذا رضع بعدهما فإنّ هذا الرضاع لا يؤثر واستدل هؤلاء بقوله تعالى ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة/٢٣٣]
فدلت الآية على أنه بمضي السنتين تتم الرضاعة فالرضاعة بعد السنتين بعد تمام الرضاعة وإذا جاء الشيء بعد تمامه فإنه لا ينفع.
الدليل الثاني: لهذا القول قوله ﷺ في حديث عائشة إنما الرضاعة من المجاعة. يعني أنها تؤثر في وقت المجاعة إذا الطفل يعتمد في غذائه على لبن الأم وهو في الحولين.
الدليل الثالث: أنه صح عن ابن عباس أنه أفتى بهذا.
стр. 2513
القول الثاني: أنّ مناط تأثير اللبن الفطام وعدمه , فإذا فطم ولو في الحولين فإنّ اللبن لا يؤثر , ومعنى أن يفطم أي يعتمد في الغذاء على غير اللبن وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀ ومذهب لبعض الفقهاء واستدل ﵀ بقول النبي ﷺ ﴿إنما الرضاعة ما فتق الأمعاء وكان في الثدي قبل الفطام] ومعنى قوله ﷺ وكان في الثدي يعني في الحولين لأنّ معنى في الثدي يعني في مدة الإرضاع والمدة الشرعية هي الحولين. ومن هنا نستطيع أن نستنبط من الحديث أنه يشترط لتأثير اللبن شرطان. الشرط الأول" أن يكون في الثدي يعني كما قال النبي ﷺ في الثدي يعني في الحولين.
الثاني: أن يكون قبل الفطام. وهذا القول الثاني هو الصحيح لدلالة الحديث عليه ولأنّ الطفل إذا فطم ولو قبل مضي الحولين لم يعد يعتمد على اللبن فلا ينشأ اللحم ولا ينشز العظم بناء على هذا الحليب لأنه يعتمد على الطعام الآخر.
مسألة / أخيرة رضاع الكبير. أولا المقصود بالكبير عند الفقهاء هو من تجاوز السنتين , اختلف الفقهاء في تأثير رضاع الكبير على ثلاثة أقوال: - القول الأول" وهو مذهب الجماهير وحكي إجماعاً أنه لا يؤثر مهما كانت الظروف.
والقول الثاني: أنّ رضاع الكبير يؤثر مطلقا.
والقول الثالث: أنّ رضاع الكبير يؤثر عند الحاجة الماسة وإذا دعت إليه الضرورة , وهو مذهب شيخ الإسلام ﵀ واستدل على هذا بالقصة المشهورة أنّ سالم مولى أبي حذيفة لما كبر شق على أبي حذيفة أن يدخل بيته فاستفتوا النبي ﷺ وزوجة أبي حذيفة سألته فقال لها النبي ﷺ [أرضعيه تحرمي عليه] فدل هذا الحديث على أنه إذا دعت الحاجة كما في حديث سالم إلى هذا الحكم فإنه يجوز أن نرضع الكبير ويؤثر , وأما دليل ابن حزم الذي يرى أنّ تأثير الرضاع مطلقا في أي كبير في جميع الأحوال فهو يستدل بهذا الحديث ويقول هذا الحديث دليل على تأثير رضاع الكبير ولا يأخذ بملابسات الحديث والأحوط مذهب الجماهير وهو أنّ رضاع الكبير لا يؤثر مطلقا
انتهى الدرس
стр. 2514
الدرس: (٢) من الرضاع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀ (والسعوط والوجور)
أي والسعوط والوجور يحرم فإذا وصل اللبن إلى معدة الطفل عن طريق السعوط أو الوجور فإنه يحرم.
والسعوط: هو أن يصب اللبن في أنف الصبي فيصل إلى حلقه. ولا بد من هذا القيد وهو أن يصل إلى حلقه.
والوجور: هو أن يوضع اللبن في الفم وضعا بدون رضاع فيبتلعه الصبي. ذهب الجماهير من أهل العلم إلاّ أنّ السعوط والوجور يحرم لأنه ينبت العظم واللحم. ولأنّ الجسم ينتفع به كما ينتفع بوصوله عن طريق الرضاع.
والقول الثاني: للظاهرية هو أنّ السعوط والوجور لا يؤثر تحريما يعني لا يحرم إذا كان عن طريق السعوط والوجور واستدل الظاهرية على هذا بأنّ الله علق أحكام الرضاع على الرضاع ولم يوجد رضاع هنا , والصحيح مع الجمهور وما ذكره الظاهرية نوع من الجمود والوقوف مع ظاهر اللفظ دون تجاوزه إلى المعنى الذي شرع الحكم من أجله.
يقول ﵀ (ولبن الميتة)
يعني ويحرم لبن الميتة وإلى هذا ذهب الجمهور واستدلوا على هذا بأنّ لبن الميتة يدخل في عموم النصوص. فلو رضع الطفل من امرأة ميتة واستوفى الشروط فإنه يؤثر تحريما.
والقول الثاني: أنّ لبن الميتة لا يؤثر لأنه نجس , وأجاب الجمهور عن هذا الدليل بأنّ الآدمية الميتة طاهرة , والقاعدة الفقهية تقول بعض الطاهر طاهر , واللبن بعض من هذه الميتة فإذا كانت طاهرة فهو طاهر وقول الجمهور هو الصواب.
ثم - قال ﵀ (والموطوءة بشبهة , أو بعقد فاسد)
يعني إذا وطئت المرأة بشبهة أو بعقد فاسد وثاب عن هذا لبن ورضع الطفل فإنه يحرم , والقاعدة التي تندرج تحتها هاتان المسألتان هو أنه أي لبن وجد بسبب حمل ينسب إلى الأب فهو محرم , والحمل الذي ينشأ عن الوطء بشبهة أو بعقد فاسد يصح نسبه إلى أبيه فيكون اللبن الناشئ عنه محرما.
ثم - قال ﵀ (أو باطل أو زنا محرم)
стр. 2515
اللبن الذي وجد بسبب الزنا أو بسبب العقد الباطل محرم لكنه يثبت الأمومة دون الأبوة فيكون الطفل ابن للمرأة والواطئ ليس أبا له يعني من الرضاع , استدل الجمهور على هذا بأنّ النبي ﷺ يقول يثبت من الرضاع ما يثبت من النسب , أو يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. وهذا الطفل لا يثبت نسبه للواطئ فلا يثبت تحريمه بلبنه.
القول الثاني: أنّ اللبن الذي ثاب عن زنا أو عقد باطل يثبت في الأمومة والأبوة في الرضاع واستدلوا على هذا بأنه وطء ثاب عنه حمل ولبن فيقاس على الوطء الصحيح وهو قياس ضعيف جداً لأنه قاسوا في الشكل الظاهر فقط بينما حقيقة المعنى أنّ هذا عقد محرم أي الباطل أو الزنا , وهذا عقد مشروع ولا يقاس مشروع على الممنوع ولهذا نقول الراجح مذهب الحنابلة وهو ثبوت الأمومة دون الأبوة.
قال ﵀ (وعكسه البهيمة)
لما انتهى من الأنواع التي يثبت فيها التحريم انتقل إلى بيان الأنواع التي لا يثبت فيها التحريم فقال (وعكسه البهيمة) مقصود المؤلف بقوله (وعكسه البهيمة) يعني أنّ التحريم لا يكون إلاّ بلبن المرأة ويخرج بهذا لبن البهيمة والخنثى والرجل. ولهذا لو أنّ المؤلف عبر بتعبير آخر فقال (ولا يثبت إلاّ بلبن المرأة) لكان أجود ليخرج كل ما عداه البهيمة وغير البهيمة التعليل عللوا هذا بأنّ أحكام الرضاع إنما تثبت أصالة في الأم ويتبعها الآخرون فإذا لم يثبت في الأم لم يثبت فيما عداه. ولهذا لو أنّ البهيمة أرضعت طفلا فلا تسمى أمه من الرضاع أو تسمى؟ لا تسمى لأنّ لفظ الأمومة يتعلق ببني آدم كذلك لو أرضع رجل طفلا إذا قدرنا وجود اللبن في الرجل فإنه هل يكون أمه من الرضاع لأنّ الأمومة تتعلق بجنس الإناث من بني آدم.
ثم - قال ﵀ (وغير حبلى , ولا موطوءة)
ذهب الحنابلة إلى أنّ اللبن المؤثر لا يكون مؤثرا إلاّ إذا كان بسبب الحمل , وظاهر عبارة المؤلف أنه يكون بسبب الحمل أو الوطء بلا حمل وقد خالف بذلك المذهب , والمذهب أنه لا يكون إلاّ بحمل فإذا وجد لبن في المرأة من غير حمل فإنه لا يؤثر واستدلوا على هذا بأنه خلاف المعتاد.
стр. 2516
والقول الثاني: أنّ المرأة البالغة إذا وجد فيها اللبن وأرضعت صار محرما , ولا يشترط أن يكون من حمل , وابن المنذر يحكي الإجماع هذا القول الثاني مع أنّ مذهب الحنابلة الاصطلاحي على خلافه مع ذلك يحكي الإجماع على هذا القول الثاني ودليله ظاهر وهو أنّ الله علق أحكام الرضاع على أن يرضع الطفل لبن المرأة بغض النظر عن سبب وجود اللبن هل هو من حمل أو بغير سبب. وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله لأنّ النص الدال على تحريم الرضاع عام.
قال ﵀ (فمتى أرضعت امرأة طفلا صار ولدها في النكاح والنظر والخلوة والمحرمية)
يريد المؤلف أن يبيّن أنّه إذا وجد الرضاع الصحيح المكتمل الشروط. فإنه يكتسب هذه الأحكام من أحكام النسب دون بقية الأحكام فلا يثبت الإرث ولا يثبت وجوب النفقة ولا يثبت أي حكم من أحكام النسب إلاّ هذه الأحكام الأربعة.
الحكم الأول: في النكاح يعني تحريم النكاح. والحكم الثاني: النظر يعني جواز نظر المرتضع لمن أرضعته ومن يجوز ممن سيبيّن المؤلف جواز النظر إليهم. (والخلوة والمحرمية) الخلوة يعني يبقى هو وهي بلا ثالث. والمحرمية يعني في السفر. فهذه أربعة أحكام تترب على الرضاع الصحيح دون بقية أحكام النسب. والدليل على هذا الحديث [يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب]
قال ﵀ (وولد من نسب لبنها إليه بحمل أو وطء)
قوله وولد هذا عطف على قوله في الأول (صار ولدها) يعني صار ولدها وولد من نسب لبنها إليه بحمل أو وطء هذه المسألة تسمى لبن الفحل , يعني أنّ المحرمية لا تقتصر على المرضعة بل تتعداه إلى صاحب اللبن أي الشخص الذي وجد الحمل والحليب بسببه وهو من ينسب إليه الحمل والدليل على أنّ الرجل أيضا يصبح أبا للرضيع أو للمرتضع ما ثبت أنّ عائشة ﵂ رضعت من امرأة فجاء أخو زوجها ليدخل فمنعته فقال النبي ﷺ دعيه يدخل فإنه عمك. وصار عماً باعتبار أنه أخ لمن؟ لأبيها من الرضاع ﵂ فهذا الحديث نص في المقصود ..... انتقل المؤلف لبيان من يحرم بسبب الرضاع
قال ﵀ (ومحارمه في النكاح محارمها ومحارمها محارمه)
стр. 2517
المحقق اختار نسخة محارمها , والنسخة الأخرى كما يشير هو في الهامش (محارمه) وهي أجود فتكون العبارة (ومحارمه في النكاح محارمه ومحارمها محارمه) ومعنى العبارة ومحارمه في النكاح محارمه أي محارم الواطئ اللاحق به النسب محارم لهذا الرضيع ولذلك لا معنى للهاء معنى لمحارمها , فتكون العبارة ومحارمه يعني محارم الواطئ يعني محارم الأب من الرضاع محارمه يعني محارم للرضيع أو المرتضع.
ثم قال ومحارمها محارمه. يعني ومحارم المرضعة محارم لمن؟ للمرتضع محارمها ومحارمه يعني الأب والأم تقدم ذكرهم مفصلا في النكاح وهم الآباء والأمهات والأبناء والأعمام والعمات والإخوة والخوال والخالات , الحواشي والأصول والفروع. هؤلاء هم محارمها ومحارمه وهم أيضا محارم لمن؟ لهذا الرضيع. إذا عرفنا الآن انتشار المحرمية من قبل الأب والأم وأنها تشمل جميع المحارم من النسب. ثم لما ذكر انتشار المحرمية من جهة الأب والأم من الرضاع. أراد أن ينبه إلى أنّ هذا الانتشار لا يوجد من جهة المرتضع.
فيقول ﵀ (دون أبويه وأصولهما وفروعهما)
يعني أنّ المحرمية بالنسبة للمرتضع لا تنتشر في الأصول ولا في الحواشي وإنما فقط في الفروع ولهذا يقول هنا الشيخ ﵀ دون أبويه وأصولهما وفروعهما. أصول الأبوين الأجداد وفروع الأبوين , الحواشي وهم الأعمام والخوال ,هؤلاء لا تنتشر المحرمية معنى هذا الكلام وسيذكر المؤلف أمثلته. إذا ارتضع زيد من خديجة فإنّ آباء زيد وإخوان زيد وأعمام زيد لا علاقة لهم بأمه من الرضاع إنما الذين لهم علاقة هم أبناءه فقط , ولما قرر المؤلف هذا الحكم أراد أن يبيّنه بالتمثيل والتوضيح.
فقال ﵀ (فتباح المرضعة لأبي المرتضع وأخيه من النسب)
يعني أخو المرتضع من النسب وأبو المرتضع من النسب تباح لهم أمه من الرضاعة لماذا؟ لما تقدم معنا أنّ المحرمية لا تنتشر في أصول الرضيع إذا تباح لهم ما لم يمنع منه بسبب آخر إذا منع منه بسبب آخر هذا حكم آخر لكن من حيث الرضاع يجوز لأبي المرتضع من النسب أن يتزوج بأمه من الرضاع.
قال ﵀ (وأمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه)
стр. 2518
يعني من الرضاع فيجوز لأبيه من الرضاع أن يتزوج بأمه وأن يتزوج بأخته من النسب هذا الحكم محل إجماع أي عدم انتشار المحرمية في أصول الرضيع محل إجماع لم يختلفوا فيه ولله الحمد لأنّ الحديث نص المحرمية على الرضيع فقط.
قال ﵀ (ومن حرمت عليه بنتها فأرضعت طفلة حرمتها عليه)
هذه المسألة تشير إلى قاعدة وهي أنّ كل امرأة يحرم عليك ابنتها فإنها إذا أرضعت طفلة صارت هذه الطفلة أيضا محرمة عليك. مثال المرأة التي تحرم عليك بنتها من أمثلة هذه المرأة أمك لأنّ بنت أمك تعتبر أختك , مثالها أيضا أختك لأنّ بنت الأخت محرمة باعتبار أنها بنت أختك. الأم والأخت إذا أرضعنا فإنها هذه الطفلة تعتبر أيضا محرمة عليك لأنها أختك إذا كانت المرضعة أمك أو تكون بنت أختك يعني أنت خالها إذا كانت المرضعة أختك. وهذا ظاهر لكن يريد الحنابلة أن يبينوا الحكم بالتفصيل.
قال ﵀ (وفسخت نكاحها منه إن كانت زوجته)
يعني إذا أرضعت هذه الأم أو الأخت طفلة صغيرة وهذه الطفلة هي ماذا؟ زوجتك فإنّ النكاح ينفسخ في هذه الصورة لماذا؟ لأنها أصبحت محرمة عليك إما أن تكون أختك أو أن تكون أنت خالها إلى آخره فإذا بسبب هذا الرضاع انفسخ لأنها أصبحت من المحرمات لكن بقينا في مسألة وهي أنّ هذه الطفلة الصغيرة إذا انفسخ نكاحها بسبب الإرضاع بقي عليك أن تعطيها نصف المهر لأنه انفسخ النكاح قبل الدخول ولماذا نفترض أنّ انفساخ النكاح كان قبل الدخول. لأنها صغيرة لا يوطأ مثلها ولا يوجد رجل يدخل على زوجته وعمرها أقل من سنتين. ولذلك نفترض دائما في هذه الصورة أنّ لها نصف المهر بناء على أنه لم يدخل بها.
قال ﵀ (وكل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول فلا مهر لها)
صورة المسألة. أن تتزوج بامرأة كبيرة وقبل أن تدخل بها ترضع هذه المرأة الكبيرة زوجة لك صغيرة , حينئذ صارت هذه الزوجة الكبيرة تسببت في فسخ نكاحها لأنها أصبحت أم زوجتك. وبهذا انفسخ نكاحها. ما هو الحكم
يقول الشيخ ﵀ (فلا مهر لها)
стр. 2519
لماذا لأنها تسببت في فسخ النكاح , وإذا انفسخ النكاح بسبب من الزوجة قبل الدخول فلا مهر لها وقد تقدمت معنا هذه القاعدة في باب الصداق أنه إذا انفسخ النكاح بسبب من المرأة قبل الدخول فلا مهر لها إنما تقدم معنا الخلاف فاعتبار هل هذا سبب من الزوجة أو ليس بسبب من الزوجة في مسألتنا هذه إذا أرضعت هو بسبب من الزوجة , ولذلك فلا مهر لها.
قال ﵀ (وكذا إن كانت طفلة فدبت فرضعت من نائمة)
يعني إذا تزوج الإنسان بطفلة فدبت هذه الطفلة ورضعت من أمك أصبحت حينئذ أختك فإنّ النكاح ينفسخ ولا مهر لها لماذا؟ لأنّ النكاح انفسخ بسبب من هذه الطفلة الصغيرة ولا عمل للزوج مطلقا فلا مهر عليه. وهذا صحيح. فإذا حصلت هذه الصورة فالعقد ينفسخ ولا مهر لها. في المسألة السابقة إذا أرضعت الزوجة الكبيرة قبل الدخول زوجة صغيرة انفسخ نكاحها أليس كذلك؟
انتهينا من الكبيرة لكن ما حكم الصغيرة؟ التي ارتضعت من الزوجة الكبيرة. هل تبقى زوجة أو أيضا ينفسخ نكاحها.؟
الجواب تبقى زوجة لماذا؟ لأنّ أمها حرمت لكن قبل الدخول , وبنات الأمهات لا يحرمن إلاّ بعد الدخول وهنا لا يوجد دخول فتبقى الصغيرة زوجة.
قال ﵀ (وبعد الدخول مهرها بحاله)
يعني إذا تزوج الإنسان بامرأة ودخل بها ثم ارضعت زوجة صغيرة له فإنّ النكاح ينفسخ ولا يرجع الزوج على زوجته بالمهر لأنها أي الزوجة الكبيرة استحقت المهر بالدخول وتقدم معنا في باب الصداق أنّ من مقررات المهر الدخول. إلى هذا ذهب الجماهير وحكي إجماعا لأنّ الدخول من مقررات المهر.
والقول الثاني: أنه يرجع عليها بمهره. لأنها تسببت في إفساد النكاح. وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام وأثبت وجود الخلاف.
стр. 2520
شيخ الإسلام ﵀ عنده قاعدة في هذا الباب وهي [أنّ البضع متقوم على الزوج مطلقا ولو بسبب خارجي أو بسبب من المرأة] ما معنى هذه القاعدة. يعني أنه إذا تسبب أجنبي أو تسببت المرأة في فسخ النكاح فإن للزوج الحق في قيمة البضع , الأدلة استدل بأدلة قوية. الدليل الأول: تقدم معنا أنّ الصحابة في امرأة المفقود حكموا أنه إذا رجع ولم يختر الزوجة فله المهر وفي هذه الصورة سيرجع المهر إلى الزوج بعد الدخول ولا قبل الدخول؟ بعد الدخول لأنّ هذه الزوجة زوجة المفقود إنما فقد بعد الدخول. فأثبت الصحابة إرجاع المهر بعد الدخول وهو دليل قوي جدا لشيخ الإسلام.
دليله الثاني: أنّ المهر إنما هو دفع على سبيل المعاوضة , فاستحق الزوج إرجاعه إذا خرج البضع بسبب من غيره وكلام شيخ الإسلام قوي جدا ولا يعكر عليه إلاّ حكاية الإجماع التي لم يثبتها هو ﵀ وذكر أنّ في المسألة خلافا بين الفقهاء على كل حال من حيث الدليل أرجح الأقوال قول شيخ الإسلام ﵀.
قال ﵀ (وإن أفسده غيرها فلها على الزوج نصف المسمى قبله وجميعه بعده ويرجع الزوج به على المفسد)
يعني إذا أفسد النكاح غير الزوجة فإنّ النكاح يفسد ولها نصف المهر قبل الدخول والمهر كاملا بعد الدخول لأنّ الإفساد ليس من قبل الزوجة فيجب أن تأخذ حقها كاملا لكن يرجع الزوج على من أفسد النكاح.
صورة المسألة أن يتزوج الإنسان بزوجة كبيرة وزوجة صغيرة فتدب الزوجة الصغيرة فترضع من الزوجة الكبيرة , وبهذا الرضاع صارت الزوجة الكبيرة أم زوجة بالنسبة للزوج فينفسخ النكاح فهنا انفسخ النكاح بسبب ليس من المرأة يعني الزوجة الكبيرة فاستحقت كامل المهر بعد الدخول والنصف قبل الدخول , وهذا صحيح ويرجع الزوج على من أفسد عليه زوجته.
قال ﵀ (ومن قال لزوجته أنت أختي لرضاع بطل النكاح)
стр. 2521
بلا نزاع عند الحنابلة لأنه أقر بما يوجب فساد العقد وهذا الإقرار إقرار عليه , وإقرار الإنسان على نفسه مقبول فإن كان صادقا فيما يقول فهي ليست زوجة له في الظاهر والباطن , وإن كان كاذبا فيما يقول فهي ليست زوجة له في الظاهر وهي زوجته في الباطن ,فإن تزوجت فإثم الزواج الثاني عليه يحاسب به يوم القيامة لأنّا نتكلم الآن عن أحكام الباطن فهي في الظاهر ليست زوجة له.
قال ﵀ (فإن كان قبل الدخول فصدقته فلا مهر)
أيضا بلا نزاع عند الحنابلة لأنها أقرت واتفقا على بطلان النكاح من أصله , فلا تستحق شيء قبل الدخول.
قال ﵀ (وإن أكذبته فلها نصفه)
إذا كذبته فإنّ النكاح يفسد وينفسخ العقد لكن لها نصف المهر لماذا؟ لأنّ إقراره عليها لا يجوز أن يسقط حقا من حقوقها فيقبل إقراره على نفسه ويرد على غيره فهو مقبول على نفسه لأنّا نفسد النكاح ومردود على غيره لأنّا نثبت الحق للزوجة في المهر لئلا يؤدي إقراره إلى إسقاط حق غيره وهذا صحيح.
قال ﵀ (ويجب كله بعده)
إذا كذبته أو إذا صدقته. لأنّ المهر يتقرر بالدخول ويصبح حقا من حقوق الزوجة سوء صدقته أو كذبته.
قال ﵀ (وإن قالت هي كذلك وأكذبها فهي زوجته حكما)
إذا قالت هي أنت أخي من الرضاع وكذبته فهي زوجته حكما , لأنّ القاعدة تقول [لا يقبل إقرار الشخص فيما يسقط حق غيره] فإقرارها بأنه أخوها فيه إسقاط لحقه وهو حق الزوجية , لكن إن طلقها بعد هذا الإقرار فإن كانت قبضت المهر فهو لها , وإن كانت لم تقبض المهر فليس لها شيء لأنها تقر أنه لا حق لها هذا كله إذا كان قبل الدخول , أما إذا طلقها بعد الدخول فإن أقرت على نفسها بأنها أخته وأنها عالمة بذلك قبل الدخول فلا مهر لها لماذا؟ لأنها زانية. فإنها أطاعت زوجها أن يطأها وهي تعلم أنه أخته. وأما إن كانت علمت بعد الدخول فلها المهر لأنّ المهر يتقرر بالدخول.
стр. 2522
قوله (حكما) يعني في الظاهر فهي زوجته في الظاهر ومع ذلك نأمر المرأة التي ترى أنّ زوجها أخ لها بأن تسعى بالتخلص منه بكل ما تستطيع نثبت الحق ولكن في نفس الوقت نقول للمرأة إذا كنت تعلمين حقاً أنه أخ لك في الرضاع فيجب أن تسعي في التخلص منه بكل ممكن لماذا؟ لأنها تعلم أنها لا تحل له في الباطن وتشبه هذه المسألة مسألة أخرى وهي ما إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا ثم أنكر وهي تعلم أنه طلق ثلاثا تعلم علم اليقين أنه طلق ثلاثا. كذلك هي في الظاهر والحكم زوجة له لأنه لا نستطيع أن نثبت أن الزوج طلق ثلاثا ولكن نأمر هذه المرأة أن تفتدي منه وأن تتخلص بكل ممكن. والجامع بين الحكمين جمع صحيح ولا حرج فيه لأنه من جهة العقد صحيح ومن جهتها العقد باطل.
قال ﵀ (وإذا شك في الرضاع أو كماله أو شكت المرضعة ولا بيّنة فلا تحريم)
إذا حصل الشك في أي شرط من شروط الرضاع , شكوا في عدد الرضاع شكوا في وقت الرضاع شكت المرضعة هل أرضعت أو لم ترضع فإنّ لا تحريم والدليل أنّ الأصل عدم التحريم فنبقى مع هذا الأصل إلى أن يأتي ما يدل على خلافه.
بهذا تكون انتهت مباحث الرضاع باقي مسألة. لم يتطرق لها المؤلف وهي هل [يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة أو من النسب فقط] المحرمات بالمصاهرة الرضاعية أربعة: أم الزوجة , وبنت الزوجة , وأب الزوج , وابن الزوج من الرضاع. يعني أب الزوج من الرضاع , وأم الزوجة من الرضاع , وبنت الزوجة من الرضاع. هذه الأربع نساء هن فقط المحرمات بالمصاهرة. فهل يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والمصاهرة أو ما يحرم من النسب فقط؟ المسألة فيها خلاف.
صورة المسألة أو مثال للمسألة. هل يحرم على أب الإنسان من الرضاع زوجته , أو هل تحرم زوجة الإنسان على أبيه من الرضاع. أو لا تحرم , يعني إذا أنت رضعت من امرأة سيكون لك أب من الرضاع أليس كذلك هذا الأب هل هو من محارم زوجتك وهل يجوز له بأن يتزوج بزوجتك فيما لو طلقت أو مت هذا محل خلاف:
ذهب الأئمة الأربعة والجماهير وحكي إجماعا أنه يحرم. واستدلوا بالعمومات كقوله تعالى ﴿وأمهات نسائكم﴾ [النساء/٢٣] فإنّ أم الزوجة من الرضاع أم , فتدخل في التحريم.
стр. 2523
وذهب شيخ الإسلام وابن القيم ونصراه بأدلة إلى أنها لا تحرم واستدلوا على هذا بأن النبي ﷺ قال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ونحن أخذنا أنّ المحرمات في الشرع ثلاثة أقسام أليس كذلك؟ في بداية كتاب الرضاع.
١ـ محرمات بالنسب ٢ - محرمات بالمصاهرة ٣ - محرمات بالرضاع. فتلاحظ أنّ الرضاع قسيم للنسب وأنّ النسب قسيم للرضاع الحديث تحدث عن أمرين فقط النسب والرضاع فبيّن أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب يعني فقط كما ترى استدلال شيخ الإسلام وجيه نستطيع أن نقول منطوق الحديث يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ كما مرّ معنا مرارا أنه مثل هذه المسائل
التي يخالف فيها شيخ الإسلام الجماهير أو ما حكي إجماعا الإحتياط فيها متعين فلو احتاط الإنسان وأخذ بمذهب الجمهور لكان هذا شيئا حسنا.
وبهذا انتهى كتاب الرضاع ولله الحمد
стр. 2524
كتاب النفقات
الدرس (١) من النفقات
قوله كتاب النفقات جمع نفقة , والنفقة اسم بمعنى الإنفاق وإنفاق المال في لغة العرب / يعني صرفه وصرفه يعني إهلاكه فيما يراد الانتفاع به وسميت النفقة نفقة لأنها مشتقة من النفوق وهو الهلاك. وجه التسمية أنّ الإنسان أنفق ماله فقد أهلكه.
وأما في الشرع / فإنّ النفقة كفاية من يمونه كسوة وسكنا وأكلا وشربا. هذه أصول النفقة وسيأتينا أشياء أخرى قد تخرج عن مسمى السكن والكسوة والطعام والشراب لكن أصول النفقة ترجع إلى هذه الأشياء.
والنفقة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع ولم يختلفوا فيها ولله الحمد.
فمن الكتاب قوله تعالى ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ [الطلاق/٧]
وأما من السنة فأحاديث منها حديث جابر ﵁ فعليكم نفقتهن وكسوتهن بالمعروف.
وأما الإجماع فهو محكي ولم يختلف الفقهاء في وجوبه في الجملة سيأتينا خلاف في بعض المفردات لكن في الجملة هو محل إجماع.
يقول المؤلف ﵀ (يلزم الزوج نفقة زوجته)
стр. 2525
بدأ المؤلف بنفقة الزوجة لأنها آكد أنواع النفقات ونفقة الزوجة تختص بأنها لا تسقط بالتقادم , يعني لو أنّ الإنسان لم ينفق على زوجته لمدة يوم وشهر وسنة فإنّ النفقة لا تسقط بل تبقى في ذمته بخلاف نفقة الأقارب فإنها تسقط بالتقادم فلو أنّ الإنسان لم ينفق على قريب من أقاربه الذين يلزمهم أن ينفق عليهم لمدة سنة فبعد هذه السنة لا يجب عليه أن يدفع له ما لم ينفقه ولا يبقى هذا أو هذه النفقة في ذمته. دليل التفريق أنّ النفقة على الزوجة من باب المعاوضة , بينما النفقة على الأقارب من باب الصلة والإحسان ومن هنا افترقا , وهذا يدل على تأكد نفقة الزوجة.
يقول المؤلف ﵀ (يلزم الزوج نفقة زوجته)
وجوب نفقة الزوجة محل إجماع يدل عليه قوله ﷺ خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ... وحديث جابر السابق عليكم نفقتهن وكسوتهن بالمعروف ... فلا شك أنه يجب على الزوج أن ينفق على زوجته لاشك في هذا وهو محل إجماع وتدل عليه النصوص.
يقول ﵀ (قوتا وكسوة وسكناها بما يصلح لمثلها)
قوله قوتاً إلى آخره في هذه العبارة دليل على أنّ الحنابلة يرون أنّ النفقة تقدر بالمعروف يعني يجب عليه أن ينفق عليها كفايتها بالمعروف واستدلوا على ذلك بالحديث السابق وهو قوله ﷺ خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ... فدل على أنه يجب على الزوج يدفع كفاية الزوجة بالمعروف يدفع ما يكفيها بالمعروف.
والقول الثاني: أنّ نفقة الزوجة مقدرة تقديرا وليست كفاية بالمعروف. وقدّروها بتقديرات منها ثلاثة أرطال من الخبز واستدلوا على هذا بأن هذا القدر مذكور في الكفارات فنقيس عليها النفقة , والراجح المذهب الأول بلا إشكال إن شاء الله وهو أنه مقدرة بالكفاية وليست مقدرة بقدر محدد إذا ليس في النصوص أبدا ما يدل على أنّ نفقة الزوجة مقدرة بشيء محدد. وكل حديث فيه تقدير نفقة الزوجة بقدر محدد فهو ضعيف.
قال ﵀ (ويعتبر الحاكم ذلك بحالهما عند التنازع فيفرض للموسرة تحت الموسر قدر كفايتها ..... إلى آخره)
следующие страницы →