Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
إذا تزوجت آخر فله: أي فلهذا الآخر أن يمنع الزوجة من الإرضاع أي من إرضاع الولد من الزوج الأول. والعلة في ذلك: أن الزوج الثاني له الحق في الاستمتاع بالزوجة في كل الأوقات. وإرضاع الزوجة ولدها يحول بين الزوج وبين حقه في الاستمتاع يعني في مدة الإرضاع , وحق الزوج الثاني مقدم على حق الولد.
يقول الشيخ (ما لم يضطر إليها)
وجب على الزوج الثاني أن يمكنها من الإرضاع , لأنه صارت من مسائل الضروريات. وهذا أمر واضح ولا أظن أن فيه خلاف.
فصل
هذا الفصل مخصص لنفقة الرقيق وما يتعلق بتكليفهم ما لا يطيقون.
ثم قال ﵀: (وعليه نفقة رقيقه)
نفقة المملوك واجبة بالسنة والإجماع.
أما السنة فأحاديث منها قوله ﷺ (وللملوك نفقته ورزقه وكسوته بالمعروف وألا يكلف ما لا يطيق)
ومنها قوله ﷺ (من كان أخوه تحت يده فلينفق عليه مما ينفق وليكسه مما يكسوا وليطعمه مما يطعم ولا يكلفه ما لا يطيق فإن كلفه فليعينه) فدلت الأحاديث على أن السيد يجب عليه أن ينفق على سيده. وهذا كما قلت أمر لم يختلف فيه العلماء ولله الحمد.
ثم قال ﵀: (طعاما وكسوة وسكنى)
المقصود بالطعام والكسوة والسكنى يعني ما يكفيه من هذه الأمور.
والنفقة على الرقيق على قسمين: النفقة التامة والنفقة الواجبة.
النفقة التامة: أن ينفق عليه من جنس ما ينفق على نفسه في المطعم والملبس والمسكن.
والنفقة الواجبة - القدر الواجب منها -: أن ينفق عليه ما يكفيه وإن كان دون ما يأكل هو ويلبس ويسكن.
الدليل على هذا التفصيل: الأحاديث السابقة .. ففي الحديث الأول: أوجب على السيد مطلق نفقة المملوك.
وفي الحديث الثاني: أمره أن يطعمه مما يطعم ويكسوه مما يسكوا.
فالجمع بين الأحاديث: أن الأكمل ما في الحديث الثاني والواجب ما في الحديث الأول.
ثم قال ﵀: (وألا يكلفه مشقا كثيرا)
стр. 2557
عليه ألا يكلفه مشقا كثيرا لما تقدم من الأحاديث ولا يكلفه مالا يطيق. وذكر الفقهاء أن ضابط المشقة: أن يعجز عن العمل , ويبدو لي أن هذا الضابط فيه نوع إجحاف لأنه لا يجب أن ننتظر إلى أن يعجز العبد عن العمل. بل تعرف المشقة بالعرف وسؤال أهل الخبرة فإذا بلغ هذا العمل أن يوصف بأنه مشقة فإنه لا يجوز على السيد أن يكلفه إياه وإن لم يعجز عنه. فربما يتمكن الإنسان من أداء بعض الأعمال بالمشقة والعسر وإن كانت توصف بالمشقة والضرر ولكنه لا يعجز عنها , يتمكن بالقيام بها. ولهذا الأولى أن نرجع في مسالة التكليف بما لا يطاق إلى العرف وسؤال أهل الخبرة.
ثم قال ﵀: (وإن اتفقا على المخارجة جاز)
المخارجة: هي أن يتفق السيد والعبد على أن يؤدي العبد للسيد قدرا معلوما في وقت معلوم وما زاد من الكسب فهو له أي للعبد.
المخارجة جائزة بالنص والقياس. أما القياس فتقاس على المكاتبة بجامع أن في كل منهما عقد بين السيد والعبد.
وأما النص: فثبت أن النبي ﷺ لما احتجم طلب من موالي الحجام أن يضعوا عنه من خراجه. وفي هذا إقرار للمخارجة. كما انه ثبت أن عددا من أصحاب النبي ﷺ عاملوا عبيدهم بالمخارجة. فلا شك في مشروعية المخارجة.
ثم قال ﵀: (ويريحه وقت القائلة والنوم والصلاة)
أي في هذه الأوقات الثلاثة: وقت القائلة والنوم والصلاة. والدليل على انه يريحه في هذه الأوقات أن العرف جرى بهذا. كما أن ترك الإراحة في هذه الأوقات
يدخل على العبد المشقة والضرر , والشارع نفى الضرر عن المسلمين. فيجب عليه أن يريحه في الأوقات الثلاثة. ومن المعلوم أن الإراحة في هذه الأوقات الثلاثة يرجع فيها للعرف فقد يطلب من السيد أن يريحه في وقت آخر يكون العرف أنه هو وقت الإراحة المهم يرجع في تحديد ما عدا الصلاة إلى العرف في البدن.
ثم قال ﵀: (ويركبه في السفر عقبى)
стр. 2558
يعني تارة يركب السيد وتارة يركب العبد أثناء السفر , والدليل على هذا: أنه لو لم يفعل لوصف بأنه كلفه ما لا يطيق. لأن تكليف العبد أن يسير المسافة كاملة في السفر بين البلدان من التكليف بما لا يطاق , وتقدم معنا أن الأحاديث نهت عن تكليف العبد ما لا يطيق , فيجب عليه وجوبا أن يركبه عقبى.
ثم قال ﵀: (وإن طلب نكاحا زوجه او باعه) يعني وجوبا.
لقوله تعالى ﴿وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم﴾ [النور/٣٢]
فالآية نصت على وجوب الإنكاح وتمكين العبد من قضاء الوطر.
ويضاف إلى الآية دليل آخر: أن ترك العبد بلا زواج مع حاجته ورغبته إليه من إدخال الضرر عليه وتكليفه بالمشقة. فلا شك إنه يجب عليه إما أن يزوجه أو يبيعه.
ثم قال ﵀: (وإن طلبته الأمة وطئها أو زوجها أو باعها)
إذا طلبته الأمة فالسيد مخير بين هذه الثلاثة أمور: إما أن يطأ أو يزوج أو يبيع. لأن الواجب على السيد أن يرفع المشقة الحاصلة بالرغبة في النكاح , ورفع هذه المشقة يكون بأحد هذه الأمور إما الوطء أو التزويج أو البيع , وكذلك هذا على سبيل الوجوب.
بهذا انتهى الفصل المتعلق بالمماليك وانتقل إلى نفقة البهائم.
فصل
(وعليه علف بهائمه وسقيها وما يصلحها)
على مالك البهيمة وجوبا أن ينفق عليها وليس له أن يتركها عنده بلا نفقة فإن فعل فهو آثم.
والدليل على هذا حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال (دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا , فلاهي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) فهذه المرأة جمعت بين حبس هذا الحيوان وتركه يموت جوعا وعدم إطعامه مع أن هذا الحيوان ليس بمأكول اللحم فهو أقل حرمة من أكول اللحم ومع هذا دخلت هذه المرأة النار بهذا السبب مما يدل على انه يجب على الإنسان إذا امتلك الحيوان أن ينفق عليه فإن تركه بلا نفقة وأجاعه فهو آثم.
стр. 2559
يقول: وعليه علف بهائمه وسقيها وما يصلحها .. ذكر ثلاثة أشياء: العلف والسقي: وهي الأكل والشرب. وما يصلحها: مثل إكنانها عن المطر وعن الحر الشديد وعن البرد الشديد. ومثل علاجها. فإنه ليس من الرأفة بالحيوان أن يترك مريضا حتى يهلك مع إمكانية معالجته.
لكن هل يجب عليه وجوبا مداواة الحيوان.؟
ذكرنا في مسألة تداوي الزوجة أن شيخ الإسلام يقول (أن التداوي ليس بواجب) إذا كان التداوي ليس بواجب في الآدمي ففي الحيوان من باب أولى.
إذا ما يصلحها يستثنى منه مسألة المداواة وإنما ما يقصد بما يصلحها ما ذكرت من إكنانها وتجنيبها المطر والحر الشديد والبرد الشديد.
ثم قال ﵀: (وألا يحملها ما تعجز عنه)
لا يجوز على مالك البهيمة تحميلها ما لا تطيق , والسبب في ذلك أنه في الشرع للبهيمة حرمة. فيجب أن يراعي حرمة البهيمة بأن لا يؤذيها أو يحملها ما لا تطيق.
مسألة: وليس من تحميل البهيمة ما لا تطيق أن يكلفها عملا لا تُستخدم في مثله عادة. هذا ليس من المشقة. وأما حديث (أن رجلا هم بركوب بقرة فقالت ما خلقنا لهذا) فالجواب عليه أنه ما خلقنا لهذا عادة. ولا يدل على المنع. فإذا أراد الإنسان أن يستخدم الخيل للحرث أو البقر للركوب فإنه لا حرج عليه في هذا , لكن إذا كان استخدامه في غير ما خلق له يؤدي إلى المشقة عليه وتحميله ما لا يستطيع فهم ممنوع من هذه الجهة لا من جهة انه استخدمه في غير ما خلق له.
بناءا على هذا ما حكم المسابقة إجراء المسابقة بين ذكور الغنم أو بين الديكة.؟
لا شك أن هذا سفه وأنه محرم .. جعل التيوس يضرب بعضها بعض والديكة ينقر بعضها بعض يدخل دخولا أولويا في قول المؤلف (ألا يحملها ما تعجز عنه) أيهم أشق على البهيمة أن تحمل عليها ما تعجز عنه أو أن تجعلها في معركة مع ند لها. ويزداد الأمر سوءا إذا وضعوا الضعيف مع القوي. ما عندي شك أنه محرم وأنه نوع من السفه وأنه جرأة وجريمة في حق الحيوان وهو يدخل في كلام الفقهاء.
ثم قال ﵀: (ولا يحلب من لبنها ما يضر ولدها)
تعليل هذا الحكم: أن على مالك الولد كفايته من النفقة - ولد البهيمة - وإذا حلب الأم بما يضر بالولد فقد قصر بالنفقة الواجبة للولد , أليس كذلك.؟
стр. 2560
ومن هنا نقول لا يجوز له أن يحلبها بما يضر بولدها من هذا الباب انه يجب عليه هو نفقة الولد ونفقة الولد تتعين بأن يرضع من أمه.
فإن حلب من لبنها ما لا يضر ولدها بأن تمكن من إرضاع ولدها من بهيمة أخرى فهو جائز .. إذ الواجب على مالك الولد أن يكفله وان يطعمه.
ثم قال ﵀: (فإن عجز عن نفقتها اجبر على بيعها أو إجارتها أو ذبحها إن أكلت)
إذا عجز عن النفقة فإنه يجبر بأحد هذه الثلاثة أمور. وتعليل ذلك: أنه لو تركها بلا نفقة فإن في هذا هلاك البهيمة وهو محرم. فنخيره بين أن يبيع أو يؤجر أو يذبح إن كان الحيوان مما يؤكل , وإن كان مما لا يؤكل تعين إما البيع أو الإجارة. بهذا انتهى الباب المتعلق بالنفقات وننتقل إلى باب الحضانة .
باب الحضانة
قوله باب الحضانة. الحضانة مشتق في لغة العرب من الحضن وهو الجنب.
وأما في الشرع: فهو رعاية الطفل وحفظه والقيام عليه بما يصلحه. والحضانة واجبة إجماعا وممن حكى الإجماع ابن رشد.
ووجه الوجوب: أنه إذا كان يجب على الإنسان أن ينفق على من تحت يده فلأن يقوم بالحضانة والحفظ والرعاية من باب أولى.
ثم قال ﵀: (تجب لحفظ صغير ومعتوه ومجنون)
الحضانة تجب لهؤلاء وهم الصغير والمعتوه والمجنون لأن هؤلاء لا يتمكنون من رعاية أنفسهم. وفي تركهم بلا حضانة ورعاية هلاك لهم وضياع لمصالحهم.
وكما قلت إذا وجب على الولي أن ينفق فمن باب أولى أن يجب عليه الحضانة أي الرعاية والقيام على الطفل بما يصلحه. وقد ثبت بالتجربة أن ترك الطفل بلا حضانة مؤد في الغالب إلى ضياعه وهلاكه إما في بدنه أو في دينه. فلا شك في الوجوب إن شاء الله.
ثم قال ﵀: (والأحق بها أم)
لما قرر المؤلف وجوب الحضانة انتقل إلى الأحق بالحضانة عند التنازع , وترتيب الأحق بالحضانة فيه أقوال بين الفقهاء وصفها شيخ الإسلام بقوله (وفي الأقوال في ترتيب الحضانة من التناقض والتعارض ما لا يوجد في غير باب الحضانة من جنسه) فالأقوال في ترتيب من يجب له ومن يؤخر فيها من التعارض والتناقض والتداخل وعسر الترتيب وفهم التعليل ما جعل الشيخ يصفها بهذا الوصف وهو يعتبر أنها من أعظم الأبواب تعارضا يعني من جنسها.
стр. 2561
سنأخذ مذهب الحنابلة إلى نهاية ترتيب الحنابلة ثم نرجع إلى اختيار شيخ الإسلام. وهو يخالف مذهب الحنابلة تماما , ويضع ثلاث ضوابط تضبط للإنسان من يقدم ومن يؤخر من أقارب المحضون لكن نبقى الآن مع ترتيب وأدلة الحنابلة.
يقول ﵀ (والأحق بها أم)
الأم هي الأحق بالحضانة بالإجماع. لا يقدم على الأم أحد يعني ما دامت لم تتزوج. وسيذكر المؤلف الحكم إذا تزوجت.
الدليل على هذا من وجوه الوجه الأول: قوله ﷺ : (أنتِ أحق به ما لم تنكحي)
الدليل الثاني: أن عمر بن الخطاب تنازع مع زوجته في عاصم ابنه وارتفعوا إلى أبي بكر ﵁ فحكم أبو بكر الصديق بعاصم لأمه وقال لعمر ريحها وشمها ولطفها خير له منك) فهذه السنة وفتاوى الصحابة .. ونستطيع أن نقول اتفق على هذا أبو بكر وعمر لأن عمر لم يعترض. وتقديم الأم أمر ظاهر لمزيد عناية وشفقة الأم.
ثم قال ﵀: (ثم أمهاتها القربى فالقربى)
علمنا من هذا أن أم الأم مقدمة على الأب لأنه لم يذكر الأب إلى الآن. عند الحنابلة.
التعليل: قالوا أن أم الأم لها ولادة حقيقية وللأب ولادة حكمية ..
ما الفرق بين الولادة الحقيقية والولادة الحكمية .. ؟
الولادة الحقيقية: هي أن تلد المرأة الابن ولادة حقيقية ..
الولادة الظاهرة: هي ولادة الأب .. لأنه لم يلد حقيقة ولكنه والد .. ولهذا نحن نسمي الأب والد .. ونقصد بكلمة والد ولادة ظاهرة .. قالوا أن أم الأم لها ولادة حقيقية لأنها ولدت الأم والأم ولدت الابن .. بينما الأب له ولادة ظاهرة فنقدم الأم على الأب.
ثم قال ﵀: (ثم أب ثم أمهاته كذلك)
يعني بعد الأم وأمهاتها يأتي الأب .. التعليل لهذا أن الأب هو الأصل في النسب كما أنه له ولاية مقدمة في المال. فلأجل هذين السببين جعلوا الأب يأتي في المرحلة الثالثة بعد أمهات الأم.
ثم قال ﵀: (ثم أمهاته كذلك)
علمنا من هذا أن أم الأب مقدمة على أب الأب .. واستدلوا على هذا بأمرين:
الأول: أنها تدلي بالعصبات .. والعصبة: هو كل من ليس بينه وبين الميت أنثى .. وفيها وصف آخر مع كونها تدلي بالعصبة أنها أنثى .. والنساء في باب الحضانة مقدمات على الرجال.
стр. 2562
ثم قال ﵀: (ثم جد ثم أمهاته كذلك)
الجد: لأنه في معنى الأب .. ثم أمهاته: لنفس السبب في تقديم أمهات الأب ..
وكل شخص يأتي بعد قوله ثم تفترض أنت في المسألة أن السابقين غير موجودين .. فإذا قال ثم جد .. إذا نفترض أن هذا الطفل ليس له أب ولا أمهات أب ولا أم ولا أمهات أم. وهكذا كل شخص يأتي تفترض أن السابقين غير موجودين.
ثم قال ﵀: (ثم لأخت لأبوين)
يعني إذا انتفت الأصول انتقلنا إلى الأخوات .. فنقدم الأخت لأبوين ثم نقدم الأخت لأم ثم الأخت لأب , وقدمنا الأخت لأم على الأخت لأب لأنها تدلي بالأم والأم لها ولادة حقيقية.
ثم قال ﵀: (ثم الخالة)
إذا الخالة مقدمة على العمة. لقول النبي ﷺ كما في الصحيحين (الخالة بمنزلة الأم) فالخالة مقدمة على العمة لهذا الحديث
ثم قال ﵀: (ثم عمات كذلك) يعني لأبوين ثم لأم ثم لأب
ثم قال ﵀: (ثم خالات أمه ثم خالات أبيه)
قدم خالات الأم على خالات الأب لأن خالات الأب يديلين بالأم والأم لها ولادة حقيقية يعني نفس السبب الذي نقدم فيه الأخت لأم على الأخت لأب.
ثم قال ﵀: (ثم عمات أبيه ثم بنات إخوته وأخواته)
بعد خالات أبيه عمات أبيه ثم بنات إخوته وأخواته ثم بنات أعمامه وعماته ثم بنات أعمام أبيه وبنات عمات أبيه .. وفي هؤلاء جميعا نقول تقدم من لأبوين ثم من لأم ثم من لأب.
ثم قال ﵀: (ثم لباقي العصبة الأقرب فالأقرب)
إذا المذكورات في السابق كلهن إناث ولا يأتي دور الذكور إلا بعد ألا يوجد جميع هذه الإناث.
يقول ﵀: (ثم لباقي العصبة)
باقي العصبة يأتون بعد هؤلاء فنبدأ بالابن ثم الأخ ثم العم وهكذا كما نقدمهم في الميراث فالعصبات تقديمهم هنا كتقديمهم في الميراث ولكن لا يأتون معنا إلا بعد ألا يوجد إناث.
ثم قال ﵀: (فإن كانت أنثى فمن محارمها)
стр. 2563
هذا القيد متعلق بقوله (ثم لباقي العصبة) يعني أن المحضونة إذا كانت بنت فإنه يشترط في الحاضن من العصبات أن يكون من المحارم فإذا وجد من العصبات قريب ليس من المحارم وبعيد من المحارم فمن يكون من محارمها مقدم على من لا يكون من محارمها. فإن لم يوجد من العصبات إلا من ليس من محارمها فماذا نصنع.؟.
قال الفقهاء ﵏: إذا لم يوجد إلا هذا فإنا ندفع المحضونة إلى امرأة ثقة تجاه هذا القريب , أو وهو أحسن ندفع المرأة إلى امرأة قريبة من هذا العاصب الذي ليس من محارمها فتعطى إلى زوجته أو إلى أخته أو إلى ابنته.
ثم قال ﵀: (ثم لذوي ارحامه ثم للحاكم)
ثم لذوي أرحامه بعد ألا يوجد أي نوع من النساء القريبات ولا من العصبات ننتقل إلى ذوي المحارم كأبي الأم ويكون له الحق في الولاية بعد ألا يوجد أحد من الأقارب ثم الحاكم لأن لو تركنا الطفل بلا رعاية لأدى هذا إلى هلاكه فيجب على الحاكم وجوبا أن يتولى حضانة هذا الطفل وسيتولى كما هو معلوم بإسناد هذا الأمر إلى الثقات ولن يتولى هو بنفسه حضانة أولاد المسلمين الذين ليس لهم أقارب وإنما يقوم بحضانتهم عن طريق تكليف من يثق بهم.
الآن انتهى تفصيل الحنابلة وشيخ الإسلام له تفصيل آخر بينه من خلال ثلاث ضوابط.
الضابط الأول: إذا اتفقت الجهة والدرجة فإنا نقدم النساء على الرجال فإذا اجتمع أب وأم فالحضانة للأم. وإذا اجتمع خال وخالة فالحضانة للخالة وإذا اجتمع عم وعمة فالحضانة للعمة.
الضابط الثاني: إذا اتفقت الجهة واختلفت الدرجة. فإنا نعطيه للأقرب: كأن يكون للمحضون أخت وبنت أخت.
الضابط الثالث: إذا اختلفت الجهة كأقارب الأم وأقارب الأب فالقاعدة عند شيخ الإسلام (أن نقدم أقارب الأب ما لم تكن أقارب الأم أقرب) فإذا اجتمعت أم الأم وأم أبي الأب من نقدم.؟ .. نقدم أم الأم .. وإذا اجتمعت أم الأم وأم الأب. القاعدة تقول (أنه إذا اجتمعوا من جهتين فالمقدم الأصل أقارب الأب)
стр. 2564
فأم الأم وأم الأب نعطي الطفل لأم الأب. هكذا قرر الشيخ ﵀ وهذه القواعد أو الضوابط الثلاث أرجح من الضوابط التي ذكرها الحنابلة لا سيما فيما يتعلق بالأب فإن الأب عند الحنابلة مؤخر , فيكون الراجح ماذكره شيخ الإسلام على ان المسألة ليس فيها دليل واضح ولهذا نقول أنه ينبغي للقاضي إذا اراد أن يحكم ألا يتمسك كثيرا بالترتيب الذي ذكره الفقهاء , وأن يرجع إلى المصلحة التي تكمل للطفل , فينظر في واقع أهل الأم وينظر في واقع أهل الأب وأيهما أصلح للطفل ويعمل بموجبه , ومن هنا نرى في واقعنا المعاصر أنه أحيانا تكون الأم أنفع للطفل بكثير وأحيانا يكون الأب أنفع للطفل بكثير. فقول الحنابلة والفقهاء جميعا أن تقدم الأم دائما ليس بصحيح , لأن نرى في الواقع أن أحيانا إسناد الطفل للأم يؤدي إلى هلاكه لاسيما ما يتعلق بأخلاقه ودينه فضلا عن النفقة فإن النفقة أمرها سهل لكن الإشكال بما يتعلق بدينه كذلك ..
стр. 2565
الدرس: (٤) من النفقات
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال ﵀ (وإن امتنع من له الحضانة)
يعني انتقلت إلى من بعده إذا امتنع من له الحضانة صار وجوده كعدمه فانتقلت الحضانة إلى من بعده بحسب الترتيب الذي ذكره المؤلف وهذا مبني على أصل آخر وهو أنّ الحضانة عند الحنابلة حق للشخص وليس عليه.
والقول الثاني: أنّ الحضانة حق عليه , فيجب أن يقوم بما عليه من الحقوق وليس له أن يمتنع.
والقول الثالث: أنه حق له وعليه ومعنى هذا القول أنه لا يجوز أن يمتنع إلاّ إذا وجد البديل فإذا وجد من يريد الحضانة جاز لمن الحق أن يتنازل لتكون الحضانة لمن بعده. وهذا القول الثالث هو الراجح
مسألة / إذا تنازل الإنسان عن حقه في الحضانة ثم أراد أن يعود إليه فله ذلك لأنّ الحضانة حق متجدد وكل حق متجدد يجوز للإنسان أن يرجع إليه كما قلنا في الزوجة إذا تنازلت عن حقها في المبيت فلها أن ترجع وتطلب أن يقسم لها في المبيت.
стр. 2566
يقول المؤلف ﵀ (أو كان غير أهل انتقلت إلى من بعده)
إذا كان من له الحق ليس بأهل للحضانة انتقلت إلى من بعده لأنّ من ليس بأهل وجوده كعدمه , ومن ليس بأهل عند الحنابلة هم الرقيق والكافر والزوجة إذا أسلمت والفاسق , هؤلاء الأربع هم من ليس أهلا. وسيذكرهم المؤلف ﵀.
قال ﵀ (ولا حضانة لمن فيه رق)
الرقيق ليس له حق في الحضانة لأنّ الحضانة نوع ولاية كولاية النكاح فليس للعبد حق فيها كما أنه مشغول بخدمة سيده عن أداء واجبات الحضانة.
والقول الثاني: أنّ الرقيق له حق في الحضانة كما في الحر لأنه ليس في النصوص ما يدل على منع الرقيق من اخذ حقه بالحضانة وإلى هذا القول يميل العلامة ابن القيم وهو القول الراجح إن شاء الله لأنّ الحضانة مبناها على الشفقة والقرب وهي تتحقق في الحر والعبد.
قوله ﵀ (ولا لفاسق)
الفاسق ليس له حق في الحضانة لأنه لا يأمن على المحضون وقد يعلمه ما يكره الله ورسوله فليس له الحق في الحضانة لهذه الأسباب وتقدم معنا من هو الفاسق عند الفقهاء.
قوله ﵀ (ولا لكافر على مسلم)
ليس للكافر حق في الحضانة على مسلم واستدل الحنابلة على هذا بأنّ الكافر أبعد من الفاسق وأشد أذى وضررا.
ثانيا: أنّ الكافر قد يعلم المحضون الكفر ولهذا فهو ليس أهلا للحضانة.
القول الثاني: أنّه له الحق في الحضانة واستدل أصحاب هذا القول بأنّ رجلا من أصحاب النبي ﷺ طلق زوجته وهو مسلم وهي كافرة , وتنازعوا في ولدهما فخيره النبي ﷺ فهم بالذهاب إلى أمه يعني الكافرة. فقال النبي ﷺ اللهم أهده. فذهب إلى أبيه وانصرف به أبوه. فهذا الحديث دليل على جواز ولاية الحضانة للكافر لأنّ النبي ﷺ خيره , ولو كانت الأم ليست أهلا للحضانة لم يخيره وإنما صرفه إلى أبيه من الأصل. هذا الحديث فيه خلاف في تصحيحه وتضعيفه. فالمتأخرون من المحدثين يصححونه. وذهب ابن المنذر إلى أنه لا يثبت عن النبي ﷺ ولم يتسنى لي دراسة الحديث دراسة مفصلة للوقوف على أي القولين أصح فإن كان الحديث ضعيفا فالراجح مذهب الحنابلة.
стр. 2567
قال ﵀ (ولمزوجة بأجنبي من محضون من حين عقد)
الرابع ممن تسقط حضانتهم الأم إذا تزوجت من أجنبي واستدل الحنابلة بقول النبي ﷺ أنت أحق به ما لم تنكحي.
والقول الثاني: أنّ المحضون إذا تزوجت أمه إن كان ذكرا سقط حقها في الحضانة وإن كانت أنثى ثبت حقها للحضانة واستدل هؤلاء بالجمع بين الأخبار. فقالوا إنّ النبي ﷺ أنت أحق به ما لم تنكحي. وقال في مسألة التنازع في ابنة حمزة لما أخذها جعفر قضى النبي ﷺ لجعفر بها لأنّ زوجة جعفر خالة لهذه البنت فدل الحديث على أنّ حضانة الأم لا تسقط إذا كانت المحضونة أنثى وتسقط إذا كان ذكرا جمعا بين النصوص. والراجح مذهب الحنابلة.
والجواب عن حديث ابنة حمزة أنّ جعفر ﵁ ليس بأجنبي عن البنت فهو ابن عمها , والحنابلة يشترطون في سقوط الحضانة أن يكون أجنبيا ولهذا لاحظ معي أن المؤلف يقول ولا لمزوجة بأجنبي من محضون فإذا الجواب عن حديث ابنة حمزة ﵁ أن جعفر ليس بأجنبي ولهذا لم تسقط حضانة خالة ابنة حمزة وصارت إليها.
وقوله (بأجنبي من محضون) تقدم معنا أنه من شط سقوط حق الحضانة أن يكون زوج الأم أجنبي فإن كان زوج الأم ليس بأجنبي فإنه لا يسقط حق الأم في الحضانة لأن الأجنبي يكمل الرعاية والتأديب لهذا المحضون.
في مسألة (ولا لمزوجة) ذكرنا قولين .. أنها تسقط مطلقا والقول الثاني أنها تسقط إذا كان المحضون ذكرا وتبقى إذا كانت أنثى.
وبقي قول ثالث وهو انه لا تسقط إذا رضي الزوج وتسقط إذا لم يرض. سواء كان الزوج أجنبيا او من قرابتها.
واستدل أصحاب هذا القول: أن الحق للزوج فإذا رضي بقي الحق للأم في الحضانة اختاره الشيخ العلامة ابن القيم.
ويظهر لي أن الراجح القول الأول.
ثم - قال ﵀ (من حين عقد)
أي ولو قبل الدخول واستدل الحنابلة على هذا بقول النبي ﷺ (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) وإذا عقدت فقد نكحت , فيصدق عليها الحديث ويسقط حقها في الحضانة.
ثم - قال ﵀ (وإذا زال المانع رجع إلى حقه)
стр. 2568
إذا زال المانع بان أسلم الكافر وعتق العبد وصار الفاسق عدلا رجع حقهم في الحضانة لأن سبب الحق موجود فإذا زال المانع وجد الحكم لبقاء سببه وهذا لا إشكال فيه. وهذا يرجع إلى مسألة سابقة وهي أن الحضانة حق متجدد وأن الحقوق المتجددة تبقى لأصحابها.
ثم - قال ﵀ (وإن أراد أحد أبويه سفرا طويلا إلى بلد بعيد ليسكنه وهو وطريقه امنان فحضانته لأبيه)
إذا أراد أحد أبويه سواء كان الأم أو الأب السفر ويشترط في هذا السفر أن يكون سفرا طويلا وأن يكون القصد من السفر الانتقال النهائي فإنه في هذا الحال إذا توفر أيضا شرط الأمن في الطريق والبلد ينتقل الحق للأب سواء كان هو المسافر أو الأم. إذا ينتقل الحق للأب إذا أراد أحدهما أن ينتقل إلى بلد على سبيل السكنى فيه وليس سفرا عارضا.
والقول الثاني: أن الحق للأم.
والقول الثالث: أن الحق للأصلح منهما .. وهذا القول اختاره ابن القيم وهو الراجح إن شاء الله.
وقوله الأصلح: لأنا نفترض أن كل منهما صالح لأن لو كان أحدهما ليس بصالح لكان له الحق ابتداء لكن لما كان كل منهما صالحا وأراد أحدهما أن يسافر صار الحق للأصلح منهما يعني الأكثر قياما بحق الحضانة.
ثم - قال ﵀ (وإن بعد السفر لحاجة أو قرب لها , أو للسكنى فلأمه)
يعني إذا سافر لحاجة سفرا طويلا أو قصيرا فالحق عند المؤلف للأم , وقد خالف المؤلف هذه المسألة المذهب فإنه على المذهب الحق للمقيم منهما. والفرق بين المسألتين أن السفر في المسألة الأولى يراد منه الانتقال والإقامة , بينما السفر في المسألة الثانية سفر عارض لقضاء حاجة. عند الحنابلة الحق للمقيم منهما. وعند المؤلف الحق للأم.
والراجح أن الحق للمقيم منهما لأن السفر متعب ويسبب تشتيتا للمحضون وقلقا وتعبا , فيبقى عند المقيم منهما ويسافر المسافر ويرجع فيكون له الحق بعد الرجوع.
ثم - قال ﵀ (أو للسكنى فلأمه)
стр. 2569
إذا سافر سفرا قريبا للسكنى فالحق للأم عند المؤلف والمذهب. فالمؤلف خالف المذهب في مسألتين فقط: إذا سافر سفرا قصيرا لحاجة أو سافر سفرا طويلا لحاجة. أما إذا سافر سفرا قصيرا للسكنى فكما قال المؤلف أن الحق للأم , لأنه إذا كان الأب من الابن استطاع أن يرعاه وأن يقوم على حوائجه وأن ينتبه له لأن السفر قصير بإمكانه الاستمرار في مراعاته فيبقى الحق للأم.
انتهى هذا الفصل وينتقل المؤلف للفصل الأخير الذي يريد أن يبين فيه متى تنتهي ولاية الحضانة.
فصل
- قال ﵀ (وإذا بلغ الغلام سبع سنين عقلا خير بين أبويه فكان مع من اختار منهما)
إذا بلغ الغلام سبع سنين فالحكم عند الحنابلة انه يخير بين أبويه , واستدل الحنابلة على هذا بثلاث أدلة: الدليل الأول: أن النبي ﷺ (خير غلاما بين أبويه)
الدليل الثاني: أن هذا قضى به اثنان من الخلفاء الراشدين عمر وعلي ﵄
الدليل الثالث: أن هذا مروي عن أبي هريرة.
فتكون الآثار ثلاثة وينتج عندنا الدليل الذي يستعمله ابن قدامة وهو انه نقل عن الصحابة ولم يعلم لهم مخالف فصار إجماعا.
القول الثاني للأحناف: أن يكون مع الأب ولا يخير. القول الثالث للمالكية: أن يكون مع الأم ولا يخير.
وعلمنا من سياق الخلاف أن الأحناف والمالكية يتفقون على قضية وهي عدم التخيير.
واستدلوا على هذا: بأن الصبي الذي بلغ تسع سنين إذا خير فسيختار من أبويه الأسهل الذي يمكنه من اللعب وترك الأمر الجاد فإذا لا تخيير عندهم. وكما ترون دليلهم قوي في الحقيقة ووجيه. لكن يجاب عنه بأمرين: الأمر الأول: أن الحنابلة الذين قالوا بالتخيير قالوا أن الصبي لا يقر في يد من لا يصلحه , فإذا تبين أن هذا الذي اختاره الصبي اختاره ليلعب عنده ويترك الأمر الجاد من التعليم والتربية نزعت منه. الأمر الثاني: أن الحنابلة يستدلون على آثار صحيحة بعضها عن النبي - صلى الله عليه وبعضها عن الصحابة لا يمكن العدول عنها لمجرد دليل عقلي ولو كان قويا. بهذا القول - إن شاء الله - الراجح مذهب الحنابلة.
ثم - قال ﵀ (ولا يقر بيد من لا يصونه ويصلحه)
стр. 2570
يعني ولو كان هو الاحق. لأن من لا يصونه وجوده كعدمه إذا المقصود من الحضانة التربية والرعاية والصيانة وهي مفقودة في حق من لا يصونه. فتنتقل الولاية إلى من بعده.
ثم - قال ﵀ (وأبو الأنثى أحق بها بعد السبع)
وهذا من مفردات الحنابلة. فإذا بلغت السابعة صارت عند أبيها ليقوم عليها بالحفظ والصيانة.
القول الثاني: أنها تبقى عند الأم. لأنها أشكل لها وأقرب إلى تربيتها.
القول الثالث: أنها تبقى عند الأم إلى أن تحيض. قال ابن القيم معلقا على هذا القول (وهو الأشهر عن احمد والأقوى دليل) وما ذكره ابن القيم لعله أقرب الأقوال لأنه بعد الحيض أصبحت امرأة وتحسن نفع نفسها. فتنتقل إلى الأب قبل ذلك تبقى عند الأم هذا إذا افترضنا أنّ الجميع يقوم بما عليه سواء كانت عند الأب أو الأم أما إذا كان أحدهما يفرط فالقاعدة عند الحنابلة [أنه لا يبقى في يد من لا يصونه]
قال ﵀ (ويكون الذكر بعد رشده حيث شاء)
إذا رشد الذكر وبلغ وأصبح يعرف ما فيه نفع له فيعمله وما فيه مضرة فيتركه فإنه يكون حيث يشاء , إن شاء استقل وإن شاء صار عند الأم وإن شاء صار عند الأب , إلاّ أن الحنابلة قالوا لا ينبغي له أن يستقل بنفسه ليتمكن من بر أبويه فليس من البر أن يترك الإنسان أباه ويترك أمه وحدها بلا خدمة ويستقل ببيت.
قال ﵀ (والأنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها)
هذا بناء على ما تقدم من أنها إذا بلغت السابعة انتقلت إلى الأب وإذا انتقلت إلى الأب فإنّ الولاية له تبقى إلى أن يتسلمها الزوج فتنتقل الولاية إلى الزوج فهذه المسألة مبنية على المسألة السابقة وهي متى تنتقل الأنثى إلى الأب.
стр. 2571
الدرس: (١) من الجنايات
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كتاب الجنايات
الجناية في لغة العرب: هي الذنب الذي يؤاخذ عليه الإنسان بين قومه أو عند الله , فلا تطلق الجناية في اللغة على أي ذنب , وإنما على الذنب الذي إذا ارتكبه الإنسان صار محط لوم وتعنيف من قومه.
والأصل في الجناية أنها تطلق على كل اعتداء وإضرار في النفس أو غيرها كالأموال , لكن الفقهاء اصطلحوا على قصر تسمية الجنايات على الاعتداء على النفس فقط وصاروا يسمون الاعتداء على الأموال سرقة وغصبا ونحو ذلك. فالجناية يختص بالاعتداء على النفس في عرف الفقهاء. ولا يعمم عند الفقهاء فلا يطلق على الجناية على الأموال وبهذا عرفنا معنى الجناية في اللغة وفي الشرع.
ثم - قال ﵀ (وهي عمد يختص القود به بشرط القصد)
بدأ المؤلف بالكلام عن أنواع القتل ولم يتطرق إلى حكم القتل لأن حكم القتل معلوم من الدين بالضرورة فالقتل محرم بالكتاب والسنة والإجماع ولم يختلف فيه أحد بل هو محرم في جميع الشرائع , ولعله لهذا لم يتطرق إليه المؤلف ﵀.
والأدلة على تحرينه كثيرة كقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [النساء/٢٩]
وكقول النبي ﷺ (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزان والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) وأما الإجماع فهو معلوم بالضرورة من كلام أهل العلم قاطبة انه محرم.
وقول الشيخ ﵀ (وهي) أي والجناية على النفس تنقسم إلى ثلاثة أقسام سيذكرها إجمالا ثم يذكرها رحمه الله تعالى تفصيلا.
ثم - قال ﵀ (وهي عمد يختص القود به بشرط القصد وشبه عمد وخطأ)
إذا الجناية على النفس ثلاثة أنواع عمد وشبه عمد وخطأ. إلى هذا التقسيم ذهب الجماهير فاعتبروا القتل ينقسم إلى هذه الثلاثة أنواع في الجملة.
واستدل الجمهور بقول النبي ﷺ (ألا إن دية القتل الخطأ شبه العمد مائة من الإبل في بطونها أولادها) وقال في الحديث قتيل العصا والسوط. فدل هذا الحديث على قسم ثالث وهو شبه العمد.
والقول الثاني: أنه لا يوجد إلا عمد وخطأ. ولا يوجد شيء اسمه شبه عمد وهو مذهب المالكية. واستدل المالكية على هذا أن الله ذكر في كتابه نوعين من الجناية على النفس الخطأ والعمد
الجواب على هذا: أن القران ذكر قسمين وأضافت السنة قسما ثالثا ..
стр. 2572
مسألة: إذا لم يكن عند المالكية شيء اسمه شبه عمد ,فالجنايات التي تعتبر شبه عمد عن الجمهور تعتبر عمد إذا هم يعتبرونها عمد ويجرون عليها أحكام العمد. ولهذا كلما جاءنا خلاف يتعلق بالقتل شبه العمد لن تجد للمالكية قول لأنه لا يوجد عندهم شي اسمه شبه عمد.
وقول المؤلف (وعمد يختص القود)
قوله القود يعني القصاص وسمي بذلك لأن القاتل يقاد إلى أولياء المقتول ليقتصوا منه فسمي نفس القصاص قود وإلا أصله أنه يقاد إلى أولياء المقتول ثم لما ذكر المؤلف أنواع الجنايات على النفس بدا بها مفصلة واحدا واحدا فبدأ بالعمد.
ثم - قال ﵀ (فالعمد أن يقصد من يعلمه ادميا معصوما فيقتله بما يغلب على الظن موته به)
اشتمل التعريف على ركنين إذا توفرا فالقتل عمد:
الركن الأول: أن يقصد المجني عليه , الركن الثاني: أن يقصده يما يقتل غالبا.
فإذا قصد الجاني المجني عليه بما يقتل غالبا صارت الجناية تسمى عمدا , وكيف نعرف أن الجاني يقصد القتل.؟ أجاب الفقهاء عن هذا بأنه يُعرف الجاني قصد القتل من خلال الآلة ولا ننظر إلى القصد الداخلي لأنه مجهول فإذا صارت الآلة تقتل غالبا حكمنا على الجاني أن قصده كان القتل. فإذا جاء إنسان معه سيف وضرب شخصا وقتله وقال لم أقصد قتله مطلقا إنما أردت أن أمزح معه فوقع السيف في بطنه .. نقول هذه الدعوة مردودة ونحن نعتبر أن قصدك القتل بدلالة الآلة إذا عرفنا الآن أن يقصده وهو أن القصد يعرف من خلال الآلة لأن القصد الداخلي لا يمكن الوقوف عليه ولو فتح هذا الباب لكان كل يقتل ويقول لم أقصد القتل. ثم لما ذكر حقيقة القتل العمد انتقل إلى الصور وسيذكر المؤلف تسع صور لا يكاد يخرج عنها صورة من صور القتل العمد
١ـ ثم - قال ﵀ (مثل أن يجرحه بما له مور في البدن)
هذه الصورة الأولى: أن يجرحه بما له مور في البدن ..
المور: الدخول والتردد داخل البدن. فإذا جرحه بما له تردد ودخول داخل البدن فإنا نعتبر الجناية عمدا من أمثلة هذا: أن يطعنه بالسكين أو بالسيف أو بالخنجر أو بكل ماله مور.
стр. 2573
واشترط الأحناف للقتل العمد أن يكون بمدبب أو بمحدد .. فهذه الصورة الأولى تدخل عند الجمهور والأحناف لأنهم يشترطون في القتل لكي يكون عمدا أن يستعمل الجاني آلة حادة أو مدببة لأنها الذي يظهر منها قصد القتل بوضوح وأما الجمهور فإنهم لا يشترطون.
في آلة القتل أن تكون محددة بل كل آلة يغلب على الظن القتل بها فيعتبر استعمالها قتلا عمدا واستدل الجمهور بالحديث المشهور بقصة اليهودي الذي قتل الجارية بجحر حتى قتلها فهذا اليهودي استعمل محدد أو مدبب أو ماله ثقل؟ ماله ثقل ويقتل غالبا وأقاده النبي ﷺ بالجارية فدل الحديث على ضعف قول الأحناف وصحة قول الجمهور.
٢ - قال ﵀ (أو يضربه بجحر كبير ونحوه أو يلقي عليه حائطا أو يلقيه من شاهق)
الصورة الثانية ذكر المؤلف لها ثلاث أمثلة أن يضربه بجحر أو يلقي عليه حائطا أو يلقيه من شاهق. والضابط الذي يجمع هذه الصور أنّ نقول [أن يقتله مثقل] وما هو المثقل هو الآلة أو الأداة التي تقتل بثقلها. فإذا قتله بمثقل فإنه يعتبر عمدا كالأمثلة التي ذكرها المؤلف أن يضربه بحجر كبير أو يلقي عليه حائطا أو يلقيه من شاهق , ومن تلك الصور أيضا أن يضربه بعمود كبير فإذا ضربه بعمود كبير فقد قتله بمثقل , ومن تلك الصور أن يضربه بعصا صغير لكن بشرط أن يكون الضرب في موضع يقتل غالبا , فأما إن ضربه بعصا صغير في موضع لا يقتل غالبا ومات فهو كما سيأتينا شبه عمد.
٣ - قال ﵀ (أو في نار , أو ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منهما)
الصورة الثالثة أو في نار أو ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منهما , إذا ألقاه في النار وأغلق عليه الباب أو في الماء ولم يمكنه من الخروج فهو قتل عمد ولا يوجد فيما وقفت عليه يجمع هذه الصور إنما هو قتل بالإغراق أو الإحراق ويشترط في هذا القتل ليكون عمدا أن لا يتمكن المجني عليه من الخروج فإن تمكن من الخروج وتساهل فإنه لا يعتبر من القتل العمد لأنه جنا على نفسه.
٤ - قال ﵀ (أو يخنقه)
وهذه هي الصورة الرابعة وضابطها القتل بقطع النفس سواء بالخنق أو بالشنق أو بلف رأسه بوسادة أو بأي طريقة تمنع من خروج النفس فهذا يعتبر من القتل العمد الذي يقاد به.
стр. 2574
٥ - قال ﵀ (أو يحبسه ويمنعه الطعام أو الشراب فيموت من ذلك في مدة يموت فيها غالبا)
الخامسة القتل بالمنع عن الطعام والشراب فإذا منعه من الطعام والشراب حتى مات فإنه يعتبر قتلا عمدا ويشترط في هذه الصورة أن يمنعه في مدة مثلها تقتل عادة أما إذا منعه لساعة ثم مات فإنه لا يعتبر قتل عمد بل يجب أن يمنعه لمدة في مثلها يموت الإنسان فإذا منعه فيقاد به.
٦ - قال ﵀ (أو يقتله بسحر)
القتل بالسحر قتل عمد ولو زعم الساحر أنه ظن أن لن يموت بمثل هذا العمل , نقتله ونعتبر هذا القتل عمد لكن إذا قتلنا الساحر فهل نقتله حدا أو قصاصا فيه خلاف بين الفقهاء يأتينا في كتاب الحدود الذي يعنينا هنا أنه إذا قتلناه على أساس أنه حد فإنه يجب أن نعطي أهل المجني عليه دية لأنه لم يقتل قصاصا وإن قتلناه على أساس أنه قصاص فليس لأهل المقتول دية , وهذا صحيح بقي الترجيح هل يقتل حدا أو قصاصا وهذا سيأتينا في كتاب الحدود.
٧ - قال ﵀ (أو سُم)
الصورة السابعة أن يقتله بالسُم ومقصود الحنابلة سواء كان هذا السم مخلوطا بغيره أو صرفا أعطاه المقتول وسواء جعله يأكل من حيث لا يشعر أو أجبره على الأكل في كل الصور يعتبر من القتل العمد.
٨ - قال ﵀ (أو شهدت عليه بيّنة بما يوجب قتله ثم رجعوا وقالوا عمدنا قتله ونحو ذلك)
الصورة الثامنة أن تشهد عليه بيّنة بما يوجب قتله ثم يرجع ويقول عمدنا , فصارت الشروط ثلاثة. أن يشهدوا بما يوجب القتل.
الثاني: أن يرجعوا. الثالث: أن يعترفوا أنهم صنعوا هذا عمدا. إذا توفرت الشروط الثلاثة فإنهم يقادون به ويجب عليهم القصاص لأنّ هذا من القتل العمد. والدليل على هذا أنه روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه حكم بهذا وأنه رأى أن من شهد على شخص بقطع أو قتل عمدا فإنه يقاد به.
قال ﵀ (وشبه العمد: أن يقصد جناية لا تقتل غالبا)
شبه العمد يقول المؤلف ﵀ أن يقصد جناية لا تقتل غالبا ولم يجرحه بها. عناصر شبه العمد هو أن يقصد ضربه لكن بما لا يقتل غالبا فقصد الضرب موجود ولكن الآلة لا تصلح للقتل العمد فإذا توفر الشرطان أصبح هذا من شبه العمد من أمثلته المشهورة
стр. 2575
أن يضرب ابنه تأديبا أو تلميذه تأديبا. بما لا يقتل غالبا فهنا يعتبر شبه عمد أما إذا ضربه بما يقتل غالبا صار عمد والفرق بين شبه العمد والعمد في الآلة. فالآلة هي التي تحدد هل هو عمد أو شبه عمد أما قصد الضرب فهو موجود في الصورتين وهذا الذي جعل المالكية يقولون أنه عمد فهم يقولون هذا الرجل قصد أن يضرب هذا الرجل ومات بسبب الضرب المقصود فهو قتل عمد ولم ينظروا لمسألة الآلة لكن الجمهور كما تقدم أحظ بالدليل وأحظ بالنظر لأنه هذا وإن قصد الضرب إلاّ انه لم يقصد القتل وعلمنا أنه لم يقصد القتل من خلال الآلة.
ثم - قال ﵀ (ولم يجرحه بها)
في الحقيقة هذه العبارة لم يذكرها ابن قدامة في الأصل يعني المقنع وإنما ذكرها صاحب الإقناع والمنتهى فقط وعندي فيها نظر ظاهر أرى أنها لا تصح فقها لأنه قد يضربه بما يجرح إلاّ انه لا يقتل غالبا فصح الحد عليه وإن جرحه فالجرح ربما يوجد مع آلة لا تقتل غالبا كأن يضربه بعصا مكسور فإنّ العصا الصغير المكسور يسبب جرحا ومع هذا نعتبره شبه عمد ولهذا نقول لو أنّ المؤلف تابع ابن قدامة وترك ما أضافه صاحب الإقناع والمنتهى لكان أدق.
قال ﵀ (كمن ضربه في غير مقتل بسوط , أو عصا صغيرة , أو لكزه ونحوه)
إذا ضربه بعصا أو سوط فإنه يعتبر شبه عمد ولكن لاحظ أنّ المؤلف اشترط لهذا أن لا يكون في غير مقتل , فإن كان في مقتل فإنه يعتبر من العمد. وتلاحظ في الأمثلة توفر الشروط وهي قصد الضرب بغير آلة تقتل غالبا.
قال ﵀ (والخطأ)
الخطأ ينقسم إلى قسمين: - وهو مهم لكثرة وقوعه.
١ - خطأ في القصد.
٢ - وخطأ في الفعل.
القسم الأول: خطأ في القصد وينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: أن يرمي مايظنه صيدا أو حربيا فيبين مسلما. رجل رمى شيئا يظنه صيدا فتبيّن انه مسلما معصوم الدم فهذا خطأ بالقصد.
القسم الثاني: أن يرمي رجلا في دار الحرب يظنه كافرا وهو أسلم خفية هذه أنواع الخطأ في القصد سيأتينا كيف نفرق بين هذه.
стр. 2576
الثاني: الخطأ في الفعل وهو نوع واحد كأن ينقلب النائم على الطفل فيقتله أو أن يرمي صيدا فيصيب معصوما. الآن عرفنا أنّ الخطأ على نوعين خطأ في القصد وخطأ في الفعل. الفرق بينهما الخطأ في القصد الأول هو رمى ما يظنه صيد فأصبح معصوما. في الصورة الأولى هل يوجد أصلا صيد , لا يوجد صيد أصلا وإنما ظن أنه صيد فتبيّن أنه إنسان في الخطأ في الفعل لما نقول أراد أن يقتل صيدا فأصاب إنسانا يوجد صيد حقيقة لكنه أراد أن يرميه فأخطأ فأصاب إنسانا.
في القسم الثاني من الخطأ في القصد. أن يرمي كافرا في دار الحرب فيتبيّن أنه مسلم هنا الخطأ في القصد لا في الفعل لأنّ هذا الشخص زيد لما رمى عمرو هو يريد عمرو لكنه لم يعلم أنّ عمرو أصبح مسلما. وهذا التقسيم للتقريب والمعنى واضح وهو أن يخطأ في القصد أو في الفعل طبعا النائم إذا انقلب على الطفل لا يوجد منه قصد حتى نقول خطأ في القصد وإنما هو خطأ في الفعل.
يقول ﵀ (أن يفعل ماله فعله)
قوله أن يفعل ماله فعله تبيّن من كلام المؤلف أنه لو فعل ما ليس له فعله فإنه يكون عمدا وهذا منصوص عن الإمام أحمد مثاله / لو أراد الإنسان أن يرمي شاة ملك لرجل فأخطأ وأصاب إنسان هل فعل ماله فعله أو ما ليس له فعله؟ ما ليس له فعله. بخلاف من أراد أن يصيد فإنه فعله وهو الصيد أما هنا فأراد أن يعتدي على مال الآخرين فهنا نص الإمام أحمد على أنّ هذا عمد يعني إذا أراد الإنسان أن يصيد شاة في ملك إنسان عامدا ثم أصاب إنسان فإنّا نعتبر هذا عمد لأنّا نشترط في الخطأ أن يفعل ماله فعله وهنا فعل ما ليس له فعله.
القول الثاني: أنه يعتبر خطأ وإن فعل ما ليس له فعله لأنه أخطأ في القصد فهو يقصد الشاة في المثال لا الرجل المعصوم وإلى هذا القول ذهب ابن قدامة ﵀ -
стр. 2577
القول الثالث: أنه إن قصد معصوما فأصاب معصوما آخر فإنه يعتبر عمد , وإن قصد ما هو أقل من المعصوم كالحيوانات فأصاب معصوما فإنه يعتبر خطأ وإلى هذا ذهب شيخنا ﵀ والراجح إن شاء الله بلا إشكال مذهب ابن قدامة بلا إشكال لماذا؟ لأنه هذا الرجل لا يقصد القتل مطلقا والخطأ في قصده ظاهر ولو قصد معصوما فإذا أراد أن يرمي زيد فأصاب عمرو فهو الآن أخطأ أو لم يخطأ هل أراد قتل عمرو؟ لم يرد لكن بقي عليه أن يبيّن وأن يأتي بدليل على أنه لم يرد عمرو وإنما أراد زيد مثلا فإذا استطاع أن يثبت هذا فإنه لا حرج عليه.
قال ﵀ (مثل أن يرمي صيدا أو غرضا , أو شخصا فيصيب آدميا لم يقصده)
يقصد بقوله شخصا يعني مباح الدم. هذه ثلاثة أمثلة أن يرمي صيد أو يرمي غرض أو يرمي آدميا غير معصوم الدم هذه من الخطأ في القصد أو في الفعل؟ من الخطأ في الفعل. هذه الأمثلة كلها من الخطأ في الفعل ولهذا لو أنّ المؤلف شكل فمثل لخطأ القصد وخطأ الفعل لكان أولى.
قال ﵀ (وعمد الصبي والمجنون)
خطأ بلا نزاع عند الحنابلة لأنه لا قصد لهما أصلا فعملهما يشبه عمل النائم. بهذا انتهى هذا الفصل نختمه
стр. 2578
بمسألة / الذي يظهر من أمثلة الفقهاء وما ذكروه في القتل الخطأ أنه يشترط ليترتب على الجناية الضمان أن يكون من الجاني شيء من التفريط أو من التعدي أو من التقصير أو من مخالفة النظام فإن لم يكن شيء من ذلك فليس من الخطأ. يعني نشترط في القتل الخطأ لنرتب عليه أحكام القتل الخطأ أن يكون من القاتل شيء من التقصير أو التفريط أو مخالفة النظام أو عدم الاحتياط فإذا كان مع الإنسان بيده خشبة وضرب بها وسقطت على إنسان فهذا من القتل الخطأ لماذا؟ لأنه لم يحتط الاحتياط الكافي. أما لو كان يركب الدابة ثم تجاوز الإنسان وهو متحكم بالدابة فرفست الدابة إنسان فمات فليس من الخطأ لأنّ الإنسان يتمكن بمقدمة الدابة مالا يتمكن من التحكم بمؤخرة الدابة. فما قتلته بالمقدمة يعتبر فيه تفريط ولو كان بغير قصد إذ كان عليه أن يحتاط وأن يحذر بخلاف ما قتلته بمؤخرتها فإنه لا يعتبر من التفريط من هنا نقول حوادث السيارات تتنزل على هذا المعنى فإن كان من السائق تفريط في تفقد السيارة أو في السرعة أو في تنبه الطريق أو في أي شيء من الأشياء التي كان ينبغي عليه أن يحتاط فيها فهو قتل خطأ , وإن لم يكن منه أي تفريط وليس منه أي سبب كأن يمشي مشيا صحيحا ثم يخرج رجل راجل فجأة بما لا يتمكن معه السائق من الوقوف فإنّ هذا لا يعتبر من القتل الخطأ لأنه لا تفريط من السائق مطلقا هذا القول لعله هو أحسن الأقوال في مسألة القتل الخطأ وتنزيل حوادث السيارات عليه.
فصل
قال ﵀ (تقتل الجماعة بالواحد)
ذهب الحنابلة إلى أنّ الجماع تقتل بالواحد واستدلوا على هذا بأدلة: -
الدليل الأول: قوله تعالى ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾ [البقرة/١٧٩] والقصاص هو قتل من قتل واحدا كان أو أكثر.
الثاني: أنّ هذا ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ إفتاء وقضاء , فإنه أفتى بهذا وأنّ الجماعة يقتلون بالواحد. وحكم فيمن قتل بصنعاء من قبل عدد أن يقتلوا به , وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به.
الثالث: أنه لو لم نقل بقتل الواحد بالجماعة لصار سببا إلى الاحتيال على الحدود بأن يجتمع العدد ليقتلوا شخصا وبهذا يسلموا من القصاص.
стр. 2579
القول الثاني: أنه لا يقتل العدد بالواحد لقوله تعالى ﴿النفس بالنفس﴾ [المائدة/٤٥] فتأخذ منهم الدية لعدم التساوي فالمقتول واحد والقتلة جماعة.
القول الثالث: أنه يقتل من الجماعة واحد وتقسم الدية على الباقين لأنّ النفس تأخذ بالنفس والباقين لم يقتلوا لمعنى ولوجود مانع فبقيت في ذمتهم الدية. والراجح المذهب بلا إشكال فتقتل الجماعة بالواحد.
قال ﵀ (وإن سقط القود أدوا دية واحدة)
إذا سقط القود إما لعفو الأولياء أو لأي سبب من الأسباب فإنّ على الجماعة أن يؤدوا الدية. ولا نقول على كل واحد دية لأنّ النفس الواحدة فيها دية واحدة فتقسم الدية عليهم وإنما صار القصاص منهم كلهم لأنه لا يمكن أن نقتص إلاّ بقتلهم جميعا , ففرق بين القصاص وبين دفع الدية.
قال ﵀ (ومن أكره مكلفا على قتل مكافئه فقتله فالقتل أو الدية عليهما)
هذه مسألة الإكراه إذا أكره شخص آخر على قتل الثالث , فالقتل أو الدية عليهما يعني على المُكره والمكرَه وهذا هو مذهب الحنابلة واستدل الحنابلة على هذا بأنّ المُكره عمل ما يؤدي إلى الموت غالبا وهو إكراه القاتل. وأما القاتل فأمره واضح فقد باشر القتل.
القول الثاني: لأبي يوسف أنه لا قتل عليهما. أما المباشر فلأنه مكرَه. وأما المُكره فلأنه لم يباشر.
والقول الثالث: أنه يقتل المُكره فقط دون المباشر. واستدلوا على هذا بأنّ المُكره هو القاتل في الحقيقة وأما المباشر فهو كالآلة لأنه قتل بسبب الإكراه.
والقول الرابع: أنه يقتل المباشر فقط دون المُكره لأنه هو المباشر والراجح مذهب الحنابلة. وأضعف الأقوال الذي يقول لا قتل عليهما ولا ينتهي عجب الإنسان من هذا القول بناء عليه إذا أراد الإنسان أن يقتل آخر فما عليه إلاّ أن يجبر غيره وبهذا ينجوا هو والمجبر المُكره من القتل يعني أتعجب من صدور هذا الرأي من فقيه مثل أبي يوسف ﵀ فهو بعيد كل البعد عن الفقه وعن قواعد الشرع ولكن هكذا ظهر له ﵀
قال ﵀ (وإن أمر بالقتل غير مكلف أو مكلفا يجهل تحريمه أو أمر به السلطان
ظلما من لا يعرف ظلمه فيه فقتل فالقود أو الدية على الآمر) هذه ثلاث صور تستثنى من الصور السابقة.
стр. 2580
إذا أمر غير مكلف كصغير ومجنون. أو أمر مكلفا إلاّ أنه يجهل التحريم بأن ظن يجوز أن يقتل هذا الشخص أو كان الآمر به السلطان ظلما والمأمور لا يعرف ظلمه. في هذه الصور القود أو الدية على الآمر لماذا؟ لأنه في الصورة الأولى والثانية. لا قصد لهما ونحن أخذنا أنه مع عدم القصد يكون القتل خطأ وإذا لم يجب عليهما القصاص هؤلاء صار القصاص على الآمر لأنّ نفس المؤمن لا تذهب هدرا فإذا لم يمكن تحميل الضمان عليهم صار على الآمر لأنه هؤلاء أصبحوا كالآلة والآلة لا تضمن.
قال ﵀ (وإن قتل المأمور المكلف عالما بتحريم القتل فالضمان عليه دون الآمر)
إذا أمر شخص شخصا بلا إكراه أن يقتل غيره فقتله فالضمان على المباشر لأنّ الآمر لم يكره والمباشر باشر القتل حفاظا على نفسه فيكون الضمان عليه وبهذا تختلف هذه المسألة وهي مسألة إذا أُمر بغير إكراه عما إذا أُمر بإكراه. إذا تقرر معنا أنه إذا أمر شخص شخصا بالقتل فالضمان على المأمور لأنه الظالم المباشر للقتل. يبقى علينا ماذا على الآمر؟ على الآمر التعزير فقط. يعزر على هذا الأمر تعزيرا بالغا يردع أمثاله عن مثل هذا الأمر.
قال ﵀ (وإن اشترك فيه اثنان لا يجب القود على أحدهما منفردا لأبوة أو غيرها فالقود على الشريك)
رجع المؤلف لمسائل الاشتراك في القتل فيقول المؤلف فإنّ اشترك فيه اثنان ..... الخ إذا اشترك في القتل اثنان أحدهما عليه القود والآخر يوجد مانع من أن يقع عليه القصاص كأن يقتل رجل وآخر ابنه , فالأبوة تمنع من القصاص وكأن يقتل حر وعبد عبدا. فالعبد سيقتل بالعبد والحر لا يقتل بالعبد إذا يوجد الآن مانع , ذكر المؤلف الحكم انه يقتل الشريك الذي ليس فيه مانع واستدل الحنابلة على هذا بأنّ كلا منهما يستحق القود والقصاص فرفعناه عن أحدهما لوجود المانع فبقي في حق الآخر بلا مانع فأمضيناه لأنّ الموجب موجود بلا مانع.
والقول الثاني: أنه لا قصاص عليهما لأناّ لا نعلم جرح أيهما قتل ربما الذي أدى إلى الوفاة جرح الأب في المثال الاول أو الحر في المثال الثاني.
стр. 2581
والقول الثالث: التفريق فإذا كان المانع من قتل الشريك يختص به كالأبوة فإنا نقتل الآخر وإذا كان المانع لا يختص به كنقص السبب والمكافأة فإناّ لا نقتص منه. وهذا الثالث هو المذهب والراجح ما ذكره المؤلف لأنه لا يوجد في الشريك مانع فيجب أن نجري عليه القصاص.
ثم - قال ﵀ (فإن عدل إلى طلب المال لزمه نصف الدية)
أي إن عدل الأولياء عن القصاص إلى الدية فإنّ هذا الذي كنا سنقتله لا يجب عليه إلاّ نصف الدية لأنه كان سيقتل ويرفع القتل عن الآخر لوجود المانع فإذا صرنا إلى الدية فهما مشتركان في القتل فعليهما الدية إذ لا يوجد فأي منهما مانع يمنع من إلزامه بالدية.
والقول الثاني: أنّ على المقتول الدية كاملة لأنه كان سيقتل وهذا القول الثاني ضعيف جدا. ويكون الراجح إن شاء الله القول الأول إذا عدل الأولياء إلى الدية فإنها تكون على المشترك.
стр. 2582
الدرس: (٢) من الجنايات
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀ باب شروط القصاص.
لما ذكر المؤلف ﵀ أحكام القصاص وما يتعلق به وأنواع الجناية على النفس انتقل إلى الشروط التي تشترط ليتم القصاص من الجاني فقال ﵀ (وهي أربعة الأول عصمة المقتول فلو قتل مسلم أو ذمي حربيا أو مرتدا لم يضمنه)
الشرط الأول للقصاص من الجاني: أن يكون المقتول معصوم النفس , فإن قتل حربيا أو مرتدا فلا قصاص ويلحق بهم الزاني المحصن إذا ثبت زناه سواء ثبت قبل القتل أو بعد القتل , المهم أن يثبت زناه. فإذا قتل الجاني شخصا غير معصوم الدم فلا قصاص.
استدل الحنابلة على هذا: أنه قتل من يستحق القتل وأما أنه افتات على الإمام فيعزر لهذا الافتيات.
القول الثاني: أنه إذا قتل الزاني المحصن أو غيره فإنه يقتاد منه لأن القتل من خصائص الإمام , فإذا قتل فقد فعل ما لم يؤذن له فيه , وكل فعل لم يؤذن فيه فعليه ضمانه.
стр. 2583
هذا الخلاف بطبيعة الحال كما قلت في ما إذا قتل الزاني المحصن ونحوه أما إذا قتل الحربي فلا ضمان بالإجماع.
ثم - قال ﵀ (الثاني التكليف فلا قصاص على صغير ولا مجنون)
لا قصاص لا على الصغير ولا المجنون إجماعا. حكي الإجماع
لقول النبي ﷺ (رفع القلم عن ثلاث عن الصغير حتى يبلغ والنائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يفيق)
وإذا كان القلم مرفوع عنه فإنه لا يؤاخذ لأن التكليف مرفوع أيضا عنه. وهذه المسألة كما قلت محل إجماع.
مسألة: لم يتطرق إليها المؤلف: السكران: فيه عن الإمام أحمد روايتان. الرواية الأولى أنه يقتل والراوية الثانية انه لا يقتل.
والصحيح أنه يقتل لدليلين: الأول: أن الصحابة أقاموه مقام القاذف في حد الخمر. فقالوا إنه إذا سكر قذف فاجلدوه ثمانين جلدة.
فقاسوا على حد القذف مما يعني أن الصحابة يؤاخذونه بأفعاله.
الدليل الثاني: انه لو قيل بأن السكر يرفع الضمان عن القاتل فلا يقتل بمن قتل لصار هذا بابا يستغله من أراد أن يقتل غيره , فلسد هذا الباب نقول من قتل يقتل ولو كان سكرانا.
ثم - قال ﵀ (الثالث: المكافأة بان يساويه في الدين والحرية والرق)
الشرط الثالث: المكافأة والمقصود بالمكافأة: ألا يفضل القاتل المقتول في دين ولا في حرية ولا في رق. والفرق بين الحرية والرق أنهم يقصدون بالرق أن يكون أن يكون المقتول مملوكا للقاتل. فإذا كان مملوكا للقتل فإنه ليس بينهما تكافؤ من جهتين:
الأول: تفاوت الحرية. والثاني: أنه مملوك له.
مسألة: ووقت المكافأة المعتبر هو حال الجناية , فإذا قتل عبد عبدا ثم أعتق القاتل فإنه يقتل وإن كان حال تنفيذ القصاص حرا, لكن المعتبر في المكافأة حال أداء عمل الجناية.
ثم لما ذكر الشيخ المكافأة فصل فيها.
ثم - قال ﵀ (فلا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد)
لا يقتل مسلم بكافر ولو كان هذا الكافر ذميا. وقد حكي الإجماع على هذا لقول النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري (لا يقتل مسلم بكافر)
والقول الثاني: أن المسلم يقتل بالكافر ومقصودهم إذا كان ذميا أو مستأمنا أي إذا كان معصوم الدم.
стр. 2584
واستدل أصحاب هذا القول: لأن النبي ﷺ (قتل مسلما بكافر) وهذا الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ والراجح المذهب. قد شدد الإمام احمد وأنكر إنكارا شديدا على من ذهب إلى القول الثاني لكونه خالف الحديث الصريح الذي في صحيح البخاري , ولهذا أنكر عليه إنكارا شديدا , وهذا الإنكار من الإمام احمد إشارة إلى ما ذكره شيخ الإسلام: أن مسائل الخلاف تنقسم إلى قسمين: مسائل خلاف ومسائل اجتهاد , وأن المسائل التي يسوغ فيها الاختلاف هي مسائل الاجتهاد لا مسائل الخلاف, والفرق بينهما أن مسائل الاجتهاد: هي المسائل التي تبني على أدلة صحيحة ولها وجهة صحيحة من النظر , أما مسائل الخلاف فتشمل هذه وتشمل المسائل التي لم تبن على دليل صحيح كخلاف الحنفية في الطمأنينة وعدة مسائل يعتبر الخلاف فيها شاذا وينكر على من خالف فيها فهذا الإنكار من الإمام احمد يشير إلى أن هذا التقسيم صحيح.
ثم - قال ﵀ (ولا حر بعبد)
لا يقتل الحر بالعبد لعدم مكافأة , فإذا قتل حر عبدا صرنا إلى الدية لعدم المكافأة , واستدل الحنابلة على هذا بأمرين:
الأول: انه مروي عن عمر وعلي.
الثاني: حديث (لا يقتل حر بعبد)
أما الحديث فهو ضعيف وأما الآثار فلم أقف على أسانيدها.
القول الثاني: أن الحر يقتل بالعبد. واستدلوا بدليلين:
الأول: قوله ﷺ (المؤمنون تتكافأ دمائهم) والعبد مؤمن.
الدليل الثاني: العمومات فإنها عامة تشمل ما إذا كان المقتول حرا أو عبدا. واختار هذا القول شيخ الإسلام وقال ليس في استثناء العبد حديث صحيح صريح. وأيد شيخ الإسلام قوله بقول النبي ﷺ (من قتل عبده قتلناه) لكن أيضا هذا الحديث فيه ضعف. والراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام.
ثم - قال ﵀ (وعكسه يقتل) إجماعا ..
لأنه إذا أخذ بالأدنى فيؤخذ بالأعلى فإذا قتلنا الحر بالحر فلأن نقتل العبد بالحر من باب أولى. لأن الحر أرفع درجة في باب المكافأة من العبد عن الحنابلة.
ثم - قال ﵀ (ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر)
стр. 2585
أما قتل الأنثى بالذكر فهو إجماع وتدل عليه العمومات. إلا أن بعض الفقهاء وروي عن علي ولا أظنه يثبت أنه قال (إذا قتلت المرأة الرجل فإنا نقتل المرأة ونعطي أهل المقتول نصف الدية) لكونها أقل مرتبة. فقتلها مع نصف الدية يوازي الرجل. ولكن المجد ابن تيمية أنكر هذا القول جدا وقال إنه قول ضعيف ولذلك أنا أقول إن هذا القول لا أظنه يثبت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
المسألة الثانية: أن الرجل يقتل بالمرأة , والدليل على هذا ما في حديث عمرو بن حزم أنه قال (وأن الرجل يقتل بالمرأة)
واستدلوا على هذا بالعمومات (النفس بالنفس) وقوله (الحر بالحر).
والقول الثاني: أن الرجل لا يقتل بالمرأة لأنها أقل منه بل نصير إلى الدية. وهذا القول الثاني ضعيف.
والراجح بلا إشكال إن شاء الله أن الرجل يقتل بالمرأة , ومما يدل على تعين القول بهذا المذهب حديث اليهودي الذي قتل الجارية فإن النبي ﷺ أقاده بها. وهو نص في قتل الرجل بالمرأة.
ثم - قال ﵀ (الرابع: عدم الولادة)
يشترط لتنفيذ القصاص ألا يكون القاتل أبا للمقتول وإلا فإنه لا يقاد به. واستدل الجمهور على هذا بقول النبي ﷺ (لا يقتل والد بولده) وهذا الحديث فيه خلاف شديد في ثوبته أو عدم ثبوته والأقرب والله أعلم أنه صحيح.
والقول الثاني: انه يقتل به. وهو اختيار ابن المنذر واستدل على ذلك بالعمومات. وكأنه يضعف الحديث.
والقول الثالث: اختيار الإمام مالك: أنه إن قتله قتلة لا يشك فيها بالعمد كان أضجعه وذبح فإنه يقاد به وإلا فلا.
والراجح الأول مادمنا نصحح الحديث. والحديث يجب المصير إليه فإنه يقول لا يقاد والد بولده.
ثم - قال ﵀ (فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل)
فلا يقتل احد الأبوين الأب أو الأم سواء علا أو سفل بناء على هذا لا يقتل أبو الأب ولا أبو الأم بحفيدهما. واستدلوا على هذا بأمرين:
الأول: قوله ﷺ (إن ابني هذا سيد) وهو يقصد ابن بنته فسماه ابن فيدخل في الحديث.
الثاني: أنه يطلق على الجد أنه والد.
стр. 2586
القول الثاني: أن الحديث لا يتناول الجد فإذا قتل الجد حفيده أقدناه به. وذهب إلى هذا القول الحسن بن حيي واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. وكأنه خص الحديث بالوالد المباشر فقط.
يعني كأن اختيار شيخ الإسلام قوي والسبب في هذا أن النصوص الدالة على وجوب القصاص محكمة وواضحة الدلالة فالاستثناء منها ينبغي على مورد النص فقط كما أن العلاقة بين الأب والابن ليست كالعلاقة بين الأب والجد. والحقوق والواجبات تختلف من الأب إلى الجد. ولهذا نقول استثنائه جيد
ثم - قال ﵀ (ويقتل الولد بكل منهما)
يعني بالأب أو بالأم .. وهذا إجماع. بل قتل الولد لأبيه أشنع من قتله لأجنبي. كما أن حق الأب على الابن أكبر من حقه على أجنبي القول الثاني: أن الابن لا يقتل بالأب وهو قول نستطيع أن نقول عنه أنه ساقط مخالف للنصوص حتى انه مخالف لقول النبي ﷺ (لا يقتل والد بولده) وجه المخالفة: أن الحديث نص على الوالد فكأنه يؤكد الوجوب في الولد لأن استثناء البعض يبقي الباقي على الحكم الأول فيتوافق حديث (لا يقتل والد بولده) مع العمومات على وجوب قل الولد بوالده كما انه شنيع وغاية في العقوق فكيف يستثنى من القتل ولهذا كله أقول يمكن أن نقول أنه قول ساقط.
باب استيفاء القصاص
لما ذكر في الباب السابق شروط استحقاق القصاص أراد أن يبين هنا أنه إذا ثبتت الشروط وصار الجاني مستحقا للقتل فلابد أيضا للقيام باستيفاء هذا القصاص من تحقق شروط أخرى.
وقبل أن نذكر باب استيفاء القصاص نسينا أن نذكر تعريف القصاص وهو ملحق بباب شروط القصاص.
القصاص في لغة العرب: تتبع الأثر مأخوذ من القص.
وأما في الاصطلاح: أن يُفعل في الجاني مثل ما فعل.
نأتي إلى باب استيفاء القصاص.
- قال ﵀ (يشترط له ثلاثة شروط أحدهما: كون مستحقه مكلفا فإن كان صبيا أو مجنونا لم يستوف)
стр. 2587
الشرط الأول: أن يكون المستحق للقصاص مكلف فإن كان غير مكلف فإنه ينتظر به إلى أن يبلغ الصغير أو يفيق المجنون. ولا يجوز للولي ولو كان الأب أن يستوفي القصاص , واستدل الحنابلة على هذا بان الغرض من القصاص الردع وأن يحصل التشفي من أولياء الدم. وهذه الحكمة لا تحصل إذا قتل وولي الدم صغيرا أو مجنونا بل ينتظر به إلى أن يبلغ ليحصل له التشفي ودرك الغيظ.
والقول الثاني: أن للأب أن يقتص وأن يستوفي وإن لم يبلغ الصغير أو يفيق المجنون. لأن له ولاية تخوله أن يستوفي القصاص.
الراجح المذهب. لكن لو قيل بقول ثالث لكان قولا حسنا جدا لكني لم أقف عليه لو قيل إذا كان مستحق القصاص مجنون فلوليه أن يستوفيه وإذا كان صغير فليس له أن يستوفيه وإنما ينتظر به إلى أن يبلغ لو قيل بهذا القول لكان قولا متجها جدا لأنّ الصغير يكبر ويستوفي بنفسه وربما صفح. أما المجنون فإنه قد يستمر مجنون وقلما يبرأ المجنون أليس كذلك؟ قلما يبرأ المجنون الذي فقد عقله. لو قيل بهذا القول كان قولا متجها لكني بحثت لم أجد من قال به المهم إذا كان قيل به فهو قول جيد.
قال ﵀ (فإن كان صبيا أو مجنونا لم يستوف وحبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة)
إذا انتظرنا الصبي والمجنون فإنه في حال الانتظار يجب أن نحبس الجاني إلى أن يبلغ الصبي أو يفيق المجنون والدليل على هذا من وجهين: -
الأول: أنه مروي عن معاوية ﵁
الثاني: خشية أن يهرب فلا يتمكن منه عند بلوغ الصبي وإفاقة المجنون.
مسألة / هل لولي من له الحق في الاستيفاء هل له أن يعفو إلى الدية. الجواب ليس له أن يعفو إلى الدية إلاّ في حال واحدة فقط إذا كان ولي الدم مجنونا فقيرا أما إن كان صغيرا فقيرا فلا يعدل إلى الدية لأنه إذا كان مجنونا وفقيرا فالعدول إلى الدية في هذه الحال يعني مصلحة ولي الدم فيها ظاهرة لأنه مجنون فلا يشعر باستيفاء حقه ولا يشعر بالتشفي كما انه فقير فهو بحاجة إلى الدية. ففرقوا هنا بين ماذا وماذا؟ ففرقوا بين الصغير والمجنون. وهذا القول جيد إذا رأى ولي الدم أنّ المصلحة في هذا وصنع ذلك فتصرفه حسن وهو مذهب الحنابلة وصحيح.
стр. 2588
قال ﵀ (اتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه وليس لبعضهم أن ينفرد به)
الشرط الثاني: أن يتفق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه ولا يجوز أن ينفرد به أحدهم وهذا يرجع إلى قاعدة أخرى وهي [أنّ حق الاستيفاء موزع على جميع الورثة] فكل من يرث الميت له الحق في الاستيفاء فإذا صفح أحدهم سقط القصاص والدليل على هذا من وجهين الأول" قوله ﷺ من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إما أن يقتل أو يعفو - وفي رواية صحيحة فأهله بخير النظرين. وكلمة أهله تشمل جميع الورثة فالحديث أسند الحق إلى جميع الورثة.
الوجه الثاني: أنّ هذا مروي عن الصحابة أي أنه إذا عفي واحد من مستحقي الدم سقط القصاص.
القول الثاني: أنّ حق الاستيفاء خاص بالعصبة دون النساء لأنّ المقصود من القصاص التشفي ورد العار وهو يتعلق بالرجال يعني رد العار وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام.
القول الثالث: عكس المذهب أنه إذا اختار أي واحد من ورثة الدم القصاص فإنه يقتص من الجاني ولو عفي سائر الباقين عكس المذهب واستدل أصحاب هذا القول بأنّ لكل واحد من الورثة الحق في القصاص فإذا أسقط بعضهم حقه بقي حق الباقين بدليل أنّ النفس تأخذ ببعض النفس كما في قتل الجماعة بالواحد فهذا أخذ للنفس ببعض النفس. الراجح المذهب يليه في القوة اختيار شيخ الإسلام والذي يجعل الإنسان لا يقول باختيار شيخ الإسلام أنه صح عن عمر ﵁ أنه درأ القصاص بعفو امرأة وهي أخت المقتول فلما عفت درأ القصاص فأخذ عمر بمحضر من الصحابة بعفو امرأة لولا هذا الأثر لكان اختيار شيخ الإسلام وجيه لكن مع هذا الأثر وعموم
الحديث من قتل له قتيل يكون قول الحنابلة هو أرجح هذه الأقوال.
قال ﵀ (وإن كان من بقي غائبا , أو صبيا , أو مجنونا , انتظر القدوم والبلوغ والعقل)
يقول المؤلف تفريعا على الشرط الثاني وإن كان من بقي غائبا أو صبيا أو مجنونا , انتظر القدوم والبلوغ والعقل. إذا كان بعض الورثة غائب أو بعضهم صغير أو بعضهم مجنون فيجب أن ننتظر الغائب والصغير ليبلغ والمجنون ليفيق فهذه مسألتان:
стр. 2589
المسألة الأولى: انتظار قدوم الغائب وهي محل إجماع إذا كان أحد أولياء الدم فننتظره بالإجماع.
المسألة الثانية: انتظار بلوغ الصبي أو إفاقة المجنون فالمذهب أنه ينتظر فننتظر إفاقة المجنون وبلوغ الصبي واستدل الحنابلة على هذا بأنه لو عفي عن القصاص إلى الدية لكان لهم حق في الدية فدل هذا على أنّ لهم حقا في القصاص ينتظرون.
الثاني: أنّ هذا الصبي والمجنون لو كان منفردا لانتظرناه أليس كذلك؟ في المسألة السابقة أخذنا إذا كان منفردا ننتظره فكذلك إذا كان مع غيره من أولياء الدم.
القول الثاني: أنه إذا كان الباقون من أولياء الدم كبار بالغون فإنّ لهم الحق في الاستيفاء قبل بلوغ الصبي وإفاقة المجنون واستدلوا على هذا بأنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما قتل كان في ذريته الكبار والصغار , إلاّ أنّ الحسن ﵁ بادر
بقتله قبل بلوغ الصغار ولم ينتظر فدل هذا على أنه لا يجب أن ننتظر الصغار والراجح المذهب والجواب عن حديث الحسن أنه ﵁ لما قتل علي أصبح الحسن هو الإمام فقتله على سبيل الحرابة لا على سبيل القصاص ولهذا لم ينتظر وهذا القول الثاني هو الراجح
قال ﵀ (الثالث: أن يؤمن في الاستيفاء أن يتعدى الجاني)
يعني أن يتعدى الجاني إلى غيره ويكاد هذا ينحصر في الحامل ولهذا
قال بعدها (فإذا وجب على حامل أو حائل فحملت لم تقتل حتى تضع الولد)
يجب أن نأمن من أن نتعدى الجاني إلى غيره لأنه عند التعدي ندخل في قوله تعالى ﴿فلا يسرف في القتل﴾ [الإسراء/٣٣] وإذا قتل الحامل وما في بطنها فقد أسرف لأنه أخذ نفسين بنفس واحدة وهذا هو الإسراف ولهذا صارت هذه المسألة محل إجماع لم يختلفوا في أنه يجب أن ننتظر الحامل إلى أن تضع.
قال ﵀ (وتسقيه اللبأ)
يجب أيضا أن ننتظر بعد الولادة إلى أن تسقيه هذا الحليب اللبأ وهو أول ما يخرج من المرأة وعلل الحنابلة هذا بأنّ فقدان الطفل لأول
حليب يخرج من أمه يلحق به ضررا بالغا كبيرا والنبي ﷺ يقول (لا ضرر ولا ضرار) فإذا يجب أن ننتظر إلى أن تسقيه هذا اللبأ ولا نقتلها بعج الولادة مباشرة.
стр. 2590
ثم - قال ﵀ (ثم إن وجد من يرضعه وإلا تركت حتى تفطمه)
مقصود الحنابلة في المسألة السابقة بقوله (تسقيه اللبأ) يعني ويُنتظر إلى أن ينتهي النفاس وليس المقصود فقط أن تسقيه هذا اللبن بل تسقيه هذا اللبن وننتظر إلى أن ينتهي النفاس لأنه إن لم نفعل ذلك أيضا تضرر الطفل لأنه بحاجة ماسة إلى أمه في مدة النفاس.
إذا وضعته وسقته اللبن وانتظرنا إلى أن ينتهي النفاس نظرنا فإن وجد من يكفل الصبي فذاك وإلا فإنه ينتظر لمدة حولين.
استدل الحنابلة على هذا بأنه إذا كان الشرع يراعي الجنين وهو في بطن أمه فلأن يراعيه بعد أن يولد من باب أولى لأن الإنسان بعد الولادة يكون في الشرع محترما أكثر منه بعد الولادة بدليل أمرين:
الأمر الأول: اختلفوا في إسقاطه قبل نفخ الروح.
الدليل الثاني: أن فطرة الجنين لا تجب بينما إذا وُلد فإن فطرته تجب. وفي هذا كله ما يدل على انه بعد الولادة تعظم حرمة الإنسان.
بناء على هذا نقول يجب أن يُنتظر إذا لم يوجد من يكفل هذا لصغير.
ثم - قال ﵀ (ولا يقتص منها في الطرف حتى تضع)
المؤلف يريد أن يبين أنه كما ننتظر في الجناية على النفس كذلك ننتظر في الجناية فيما دون النفس. في الحالين ننتظر فننتظر المرأة الحامل إلى أن تضع.
والدليل: أن الاقتصاص من المرأة في الأطراف وهي حامل يؤثر على الجنين وربما أسقطه , بناءا عليه ينتظرونه إلى أن يولد.
وظاهر كلام المؤلف أن الاقتصاص في الأطراف يكون بعد الولادة مباشرة ولا ننتظر كما ننتظر في القصاص في النفس.
والصواب أنه كذلك في القصاص في الأطراف ننتظر إلى أن تسقيه هذا الحليب لكي لا يتضرر من تركه. فننتظر مدة النفاس. ثم نقتص منها في الطرف.
ثم - قال ﵀ (والحد في ذلك كالقصاص)
يعني حكم الانتظار في الحدود كحكمه في القصاص , فإن كان الحد يؤدي إلى إتلاف النفس كالرجم فحكمه حكم الاقتصاص من النفس , وإن كان الحد لا يؤدي إلى إتلاف النفس كحد الجلد فحكمه حكم الاقتصاص في الطرف ونحن أخذنا أن الحنابلة يرون انه بعد الولادة مباشرة يُقتص منها في الطرف كذلك هنا يرون أنه بعد الولادة مباشرة يُقام إليها الحد الذي لا يؤدي إلى إتلاف النفس كالجلد.
стр. 2591
والراجح في تلك المسألة هو الراجح في هذه المسألة وهو انه يُنتظر أيضا في إقامة الحد ولو كان بغير متلف للنفس كالجلد ننتظر إلى أن ترضع هذا الطفل لكي لا يتضرر من ذلك.
فصل
- قال ﵀ (ولا يستوفى القصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه)
يشترط لاستيفاء القصاص أن يحضر السلطان أو يحضر نائب السلطان أي ولا يمكن أهل المجني عليه من إقامة القصاص منفردين. وعلة ذلك انه لا يؤمن إذا انفردوا به من أن يتعدوا عليه أو يعتدوا عليه في كيفية القصاص أو في غير ذلك. ولذلك اشترطوا وجود السلطان أو نائبه.
القول الثاني: أنه لا يُشترط بل إذا أذن السلطان أو الحاكم أو الإمام أذن في القصاص فإن ولي الدم يقتص من الجاني ولو بغير حضرة السلطان. واستدل أصحاب هذا القول: بأن رجلا في عهد النبي ﷺ قتل آخر فأعطى النبي ﷺ إخوة المقتول وقال لهم اذهبوا به فاقتلوه) وهذا الحديث صحيح. ولهذا اختار هذا القول الثاني شيخ الإسلام ابن تيمية.
والراجح والله أعلم: أن يقال إذا امن السلطان من أي يحيف أولياء الدم على المقتول ويعتدوا عليه فلهم أن يقتلوه وله أن يمكنهم من ذلك , وإذا لم يأمن فإنه لا يجوز.
السبب في هذا: أن أولياء الدم يملكون من الجاني إقامة القصاص فقط. يعني يملكون القصاص فقط فلا يملكون توبيخه ولا شتمه ولا لطمه ولا ركله ولا يملكون أن يؤذوه بأي طريقه إنما يملكون شيء واحد فقط وهو القصاص. ملكهم الشارع هذا الحق.
فإذا أعطينا القاتل لأولياء المقتول ربما قبل القتل اعتدوا عليه قبل أن يقتلوه تشفيا وهذا لا يجوز لأن الشارع لم يبح لأولياء لدم أن يتشفوا إلى بالقتل الذي هو القصاص.
ولهذا نقول قول الحنابلة قوي ووجيه ولولا هذا الحديث الصحيح لكان حسم الباب هو المتعين لكن نقول هذا القول وسط: إذا أُمن من زيادتهم بأن كانوا أخيار وأمانتهم واضحة فإنه يدفع إليهم وإلا فلا.
ثم - قال ﵀ (وآلة ماضية)
ويشترط في تنفيذ القصاص أن تكون الآلة ماضية فلا يجوز أن يقتل بسيف كال لقول النبي ﷺ (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)
стр. 2592
والدليل الثاني: أن الواجب هو القصاص لا التعذيب بتطويل مدة قطع الرقبة. وهذا لا خلاف فيه إن شاء الله.
ثم - قال ﵀ (ولا يستوفى في النفس إلا بضرب العنق بسيف ولو كان الجاني قتله بغيره)
لا يجوز استيفاء القصاص إلا بالسيف ولا يجوز بغير السيف ولو كان الجاني استخدم طريقة بشعة في قتل المجني عليه.
واستدل الحنابلة على هذا بقول النبي ﷺ (لا قود إلا بالسيف) وهذا حديث ضعيف. وهذا من مفردات الحنابلة.
القول الثاني: وهو للأئمة الثلاثة: أن يُفعل بالجاني كما فعل. واستدلوا بدليلين:
الأول: قوله تعالى ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل/١٢٦]. والآية نص في المقصود.
الدليل الثاني: أن اليهودي لما قتل الجارية برض رأسها بين حجرين أمر النبي ﷺ بقتله بنفس الطريقة.
وهذا القول الثاني هو الراجح بلا إشكال إن شاء الله فيُقتل كما قتل. إلا انه يستثنى من هذا إذا قتل بطريقة محرمة كأن يقتله بتجريعه الخمر فإن الجاني لا يُقتل بهذه الطريقة لأن شرب الخمر محرم , أو قتله باللواط فإن الجاني لا يقتل بهذه الطريقة.
والضابط: أنه لا يُقتل بطريقة محرمة.
باب العفو عن القصاص
قال ﵀ (يجب بالعمد: القود أو الدية فيخير الولي بينهما)
هذه المسألة مسألة مهمة يقول ﵀ باب العفو عن القصاص وبدأ في هذا الباب بمسألة مهمة وهي موجب القتل العمد يعني ما هو الشيء الذي يجب لأولياء الدم إذا قتل وليهم عمدا في هذه المسألة ثلاث أقوال للفقهاء هي ثلاث روايات عن الإمام أحمد.
القول الأول: وهو المذهب أنه مخير بين القتل والعفو إلى الدية. واستدلوا على هذا بالحديث السابق من قتل له قتيل فهو بخير النظرين فأسند الاختيار إلى أولياء الدم.
القول الثاني: أنّ موجَبه القود فقط , ولا ننتقل إلى الدية إلاّ برضا الجاني لأنّ حق أولياء الدم هو في القتل فقط. واستدلوا بقول النبي ﷺ من قتل عمدا فهو قود. وهذا الحديث إسناده حسن.
القول الثالث: أنّ موجب القتل العمد هو القود فقط إلاّ أنّ أولياء الدم لهم أن يختاروا الدية وليس للجاني أن يرفض واستدلوا بدليلين:
стр. 2593
أما أنّ موجبه القود فدليلهم هو دليل القول الثاني. وأما أنه لا يشترط رضا الجاني إذا أرادوا الانتقال إلى الدية فلقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء/٢٩] وإذا لم يرض بالدية فقد قتل نفسه والراجح المذهب.
والقول الثالث من حيث الخلاصة والثمرة كالقول الأول تماما لكن تفقهم في المسألة يختلف ولا النتيجة أنّ أولياء الدم لهم الحق بين القتل أو أخذ الدية.
قال ﵀ (وعفوه مجانا أفضل)
بلا نزاع كونه يعفو إلى غير شيء أفضل لقوله تعالى ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى/٤٠]
وذهب شيخ الإسلام إلى أنّ العفو أفضل إذا كان في العفو مصلحة وإلا فإنّ الاستيفاء أفضل واستدل على هذا بأنّ الله قال ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى/٤٠] فقرن العفو بالإصلاح فليس من الإصلاح أن يعفى عن مفسد في الأرض لم يظهر توبة هذا ليس من الإصلاح في شيء بل الإصلاح أن يستوفى منه ليكون عبرة لغيره.
قال ﵀ (فإن اختار القود , أو عفى عن الدية فقط فله أخذها)
إذا عفى عن القود يعني إلى الدية أو عفى عن الدية فقط يعني دون القصاص فله أن يأخذ الدية وإذا أخذ الدية في هذه الحال فهذه الدية دية جديدة مقابل القصاص وليست هي الدية التي نقول هو مخير بين أمرين وهذا الفرق بين قول المؤلف هنا له أن يختار بين الأمرين وبين هذه المسألة التي نتكلم عليها. بعبارة أخرى إذا قيل لولي الدم أنت مخير بين القصاص والدية فهو إما أن يختار الدية حينئذ يكون له الدية والأمر واضح. أو يختار العفو عن الدية دون القصاص فحينئذ يكون حقه في القصاص فله أن يتنازل عن هذا القصاص الذي اختاره إلى الدية وهذه الدية ليست هي الدية التي للتخيير وإنما بديل عن القصاص الذي اختاره ولولا هذا لكان كلام المؤلف ليس له معنى لأنّ التخيير سبق. وهو يقول في أول الباب [يجب بالعمد القود أو الدية] إذا هذا ليس هو من باب التخيير ولكن ليبيّن أنّ الإنسان له أن ينتقل من القصاص إلى الدية وهذا معنى قوله [فله أخذها]
قال ﵀ (والصلح على أكثر منها)
стр. 2594
هذا الاختيار الثالث وهو أن يختار الدية أو القصاص أو أن يختار أكثر من الدية ذهب الحنابلة إلى أنّ لأولياء المقتول أن يختاروا أكثر من الدية واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية وما اصطلحوا عليه فهو لهم. وهو حديث صحيح.
الدليل الثاني: أنّ الشارع متشوف لحقن الدماء والعفو.
الثالث: أنّ هذا مروي عن أصحاب النبي ﷺ يعني الأخذ أكثر من الدية.
والقول الثاني: أنه ليس له إلاّ أن يقتص أو يأخذ الدية فقط واستدل أصحاب هذا القول بقول النبي ﷺ ليس له إلاّ أن يقتص أو يعفو أو يأخذ الدية فإنّ اختار الرابعة فخذوا على يده. [أي ولي الدم] ماذا بقي؟ أن يأخذ أكثر من الدية وهذا الحديث ضعيف. من وجهين:
الوجه الأول: أنه ضعيف لضعف إسناده.
الوجه الثاني: أنه يخالف متن الحديث السابق وهو أصح منه وهذا يشعر بالنكارة في المتن لمخالفته الأحاديث التي هي أصح منها وربما نضيف وجها ثالثا: وهو مخالفته لعمل الصحابة. ولهذا نقول إن شاء الله الراجح كما هو عليه العمل الآن أنه لهم أن يأخذوا أكثر من الدية ولو بأضعاف مضاعفة.
قال ﵀ (وإن اختارها)
يعني فليس له غيرها إذا اختار الدية فإنه لا يتمكن من الرجوع إلى القصاص لأنه يكون رجع من الأدنى إلى الأعلى وإنما أجزنا له أن يرجع من القصاص إلى الدية لأنه رجوع من الأعلى إلى الأدنى فإذا اختار الدية انتهى الأمر وليس له أن يرجع بل يلزم بأخذ الدية مهما كان الأمر.
قال ﵀ (أو عفا مطلقا)
يقول الشيخ فليس له غيرها يعني إذا عفا مطلقا فله الدية فإذا قال ولي الدم عفوت عنك ما نقول قوله عفوت عنك يعني عن القصاص والدية. بل نقول عليك الدية لماذا؟ لأنّ العفو المطلق ينصرف إلى القصاص لأنه المقصود الأعظم وعلى هذا عمل الناس فإذا قال عفوت يقصد عن القصاص وإذا أراد أن يعفو عن القصاص والدية فهو يؤكد هذا ويقول عفوت مجانا أو عفوت بلا مقابل ويؤكد هذا المعنى أما كلمة عفوت فبلا إشكال أنها لا تتناول الدية لأنّ المقصود الأعظم هو العفو عن القصاص.
قال ﵀ (أو هلك الجاني فليس له غيرها)
стр. 2595
إذا هلك الجاني ليس له إلاّ الدية لأنّ الجاني هلك فإن كان الجاني لا مال له سقط ليس له شيء.
والقول الثاني: أنه بمجرد موت الجاني لا شيء لأولياء الدم وهذا القول اختاره شيخ الإسلام والراجح إن شاء الله المذهب أنه إذا مات الجاني فإنه ننتقل إلى الدية تكون في ماله.
قال ﵀ (وإذا قطع أصبعا عمدا)
المؤلف مقصوده بقوله إذا قطع أصبعا عمدا التمثيل والضابط هو [أن يحصل جرح في الطرف دون النفس مما فيه قصاص] مقصود المؤلف أن يتكلم عن الجروح التي في الأطراف التي فيها قصاص دون التي ليس فيها قصاص إذا يريد المؤلف أن يتكلم عن هذه المسألة
ولهذا لو أنه ﵀ بيّن أنه يريد التمثيل فقط باستخدام حرف الكاف أو كلمة مثل لكان أوضح. نأتي إلى الحكم.
قال ﵀ (وإذا قطع أصبعا عمدا فعفا عنها ثم سرت إلى الكف أو النفس وكان العفو على غير شيء فهدر وإن كان العفو على مال فله تمام الدية)
هذه مسألة واحدة إذا قطعت أصبع شخص فعفا ثم سرت الجناية إلى النفس فإما أن يعفو على غير شيء أو يعفو على مال , فإن عفا على غير شيء فهدر نفسه كلها هدر , وإن عفا على مال استحق بقية الدية أو بتعبير المؤلف تمام الدية ما المقصود بتمام الدية؟
المقصود بتمام الدية أن يأخذ الدية كاملة محذوفة منها قدر دية الأصبع أو العضو المعفو عنه. فمثلا في المثال الذي ذكره المؤلف كم سيأخذ؟ دية الأصبع عشرة من الإبل سيأخذ تسعين من الإبل. هذا مقصود المؤلف بقوله تمام الدية. والمؤلف ﵀ في هذه المسألة خالف المذهب ولكنه تابع الأصل أي المقنع يعني تابع ما ذكره ابن قدامة ﵀
القول الثاني: أنه إذا عفى على مال أو على غير مال وسرت الجناية فإنّ له تمام الدية في الحالين وهذا هو المذهب لا يفرقون بين أن يكون عفا على مال أو عفا مجانا.
следующие страницы →