Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
والراجح في تلك المسألة هو الراجح في هذه المسألة وهو انه يُنتظر أيضا في إقامة الحد ولو كان بغير متلف للنفس كالجلد ننتظر إلى أن ترضع هذا الطفل لكي لا يتضرر من ذلك.
فصل
- قال ﵀ (ولا يستوفى القصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه)
يشترط لاستيفاء القصاص أن يحضر السلطان أو يحضر نائب السلطان أي ولا يمكن أهل المجني عليه من إقامة القصاص منفردين. وعلة ذلك انه لا يؤمن إذا انفردوا به من أن يتعدوا عليه أو يعتدوا عليه في كيفية القصاص أو في غير ذلك. ولذلك اشترطوا وجود السلطان أو نائبه.
القول الثاني: أنه لا يُشترط بل إذا أذن السلطان أو الحاكم أو الإمام أذن في القصاص فإن ولي الدم يقتص من الجاني ولو بغير حضرة السلطان. واستدل أصحاب هذا القول: بأن رجلا في عهد النبي ﷺ قتل آخر فأعطى النبي ﷺ إخوة المقتول وقال لهم اذهبوا به فاقتلوه) وهذا الحديث صحيح. ولهذا اختار هذا القول الثاني شيخ الإسلام ابن تيمية.
والراجح والله أعلم: أن يقال إذا امن السلطان من أي يحيف أولياء الدم على المقتول ويعتدوا عليه فلهم أن يقتلوه وله أن يمكنهم من ذلك , وإذا لم يأمن فإنه لا يجوز.
السبب في هذا: أن أولياء الدم يملكون من الجاني إقامة القصاص فقط. يعني يملكون القصاص فقط فلا يملكون توبيخه ولا شتمه ولا لطمه ولا ركله ولا يملكون أن يؤذوه بأي طريقه إنما يملكون شيء واحد فقط وهو القصاص. ملكهم الشارع هذا الحق.
فإذا أعطينا القاتل لأولياء المقتول ربما قبل القتل اعتدوا عليه قبل أن يقتلوه تشفيا وهذا لا يجوز لأن الشارع لم يبح لأولياء لدم أن يتشفوا إلى بالقتل الذي هو القصاص.
ولهذا نقول قول الحنابلة قوي ووجيه ولولا هذا الحديث الصحيح لكان حسم الباب هو المتعين لكن نقول هذا القول وسط: إذا أُمن من زيادتهم بأن كانوا أخيار وأمانتهم واضحة فإنه يدفع إليهم وإلا فلا.
ثم - قال ﵀ (وآلة ماضية)
ويشترط في تنفيذ القصاص أن تكون الآلة ماضية فلا يجوز أن يقتل بسيف كال لقول النبي ﷺ (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)
стр. 2592
والدليل الثاني: أن الواجب هو القصاص لا التعذيب بتطويل مدة قطع الرقبة. وهذا لا خلاف فيه إن شاء الله.
ثم - قال ﵀ (ولا يستوفى في النفس إلا بضرب العنق بسيف ولو كان الجاني قتله بغيره)
لا يجوز استيفاء القصاص إلا بالسيف ولا يجوز بغير السيف ولو كان الجاني استخدم طريقة بشعة في قتل المجني عليه.
واستدل الحنابلة على هذا بقول النبي ﷺ (لا قود إلا بالسيف) وهذا حديث ضعيف. وهذا من مفردات الحنابلة.
القول الثاني: وهو للأئمة الثلاثة: أن يُفعل بالجاني كما فعل. واستدلوا بدليلين:
الأول: قوله تعالى ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل/١٢٦]. والآية نص في المقصود.
الدليل الثاني: أن اليهودي لما قتل الجارية برض رأسها بين حجرين أمر النبي ﷺ بقتله بنفس الطريقة.
وهذا القول الثاني هو الراجح بلا إشكال إن شاء الله فيُقتل كما قتل. إلا انه يستثنى من هذا إذا قتل بطريقة محرمة كأن يقتله بتجريعه الخمر فإن الجاني لا يُقتل بهذه الطريقة لأن شرب الخمر محرم , أو قتله باللواط فإن الجاني لا يقتل بهذه الطريقة.
والضابط: أنه لا يُقتل بطريقة محرمة.
باب العفو عن القصاص
قال ﵀ (يجب بالعمد: القود أو الدية فيخير الولي بينهما)
هذه المسألة مسألة مهمة يقول ﵀ باب العفو عن القصاص وبدأ في هذا الباب بمسألة مهمة وهي موجب القتل العمد يعني ما هو الشيء الذي يجب لأولياء الدم إذا قتل وليهم عمدا في هذه المسألة ثلاث أقوال للفقهاء هي ثلاث روايات عن الإمام أحمد.
القول الأول: وهو المذهب أنه مخير بين القتل والعفو إلى الدية. واستدلوا على هذا بالحديث السابق من قتل له قتيل فهو بخير النظرين فأسند الاختيار إلى أولياء الدم.
القول الثاني: أنّ موجَبه القود فقط , ولا ننتقل إلى الدية إلاّ برضا الجاني لأنّ حق أولياء الدم هو في القتل فقط. واستدلوا بقول النبي ﷺ من قتل عمدا فهو قود. وهذا الحديث إسناده حسن.
القول الثالث: أنّ موجب القتل العمد هو القود فقط إلاّ أنّ أولياء الدم لهم أن يختاروا الدية وليس للجاني أن يرفض واستدلوا بدليلين:
стр. 2593
أما أنّ موجبه القود فدليلهم هو دليل القول الثاني. وأما أنه لا يشترط رضا الجاني إذا أرادوا الانتقال إلى الدية فلقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء/٢٩] وإذا لم يرض بالدية فقد قتل نفسه والراجح المذهب.
والقول الثالث من حيث الخلاصة والثمرة كالقول الأول تماما لكن تفقهم في المسألة يختلف ولا النتيجة أنّ أولياء الدم لهم الحق بين القتل أو أخذ الدية.
قال ﵀ (وعفوه مجانا أفضل)
بلا نزاع كونه يعفو إلى غير شيء أفضل لقوله تعالى ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى/٤٠]
وذهب شيخ الإسلام إلى أنّ العفو أفضل إذا كان في العفو مصلحة وإلا فإنّ الاستيفاء أفضل واستدل على هذا بأنّ الله قال ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى/٤٠] فقرن العفو بالإصلاح فليس من الإصلاح أن يعفى عن مفسد في الأرض لم يظهر توبة هذا ليس من الإصلاح في شيء بل الإصلاح أن يستوفى منه ليكون عبرة لغيره.
قال ﵀ (فإن اختار القود , أو عفى عن الدية فقط فله أخذها)
إذا عفى عن القود يعني إلى الدية أو عفى عن الدية فقط يعني دون القصاص فله أن يأخذ الدية وإذا أخذ الدية في هذه الحال فهذه الدية دية جديدة مقابل القصاص وليست هي الدية التي نقول هو مخير بين أمرين وهذا الفرق بين قول المؤلف هنا له أن يختار بين الأمرين وبين هذه المسألة التي نتكلم عليها. بعبارة أخرى إذا قيل لولي الدم أنت مخير بين القصاص والدية فهو إما أن يختار الدية حينئذ يكون له الدية والأمر واضح. أو يختار العفو عن الدية دون القصاص فحينئذ يكون حقه في القصاص فله أن يتنازل عن هذا القصاص الذي اختاره إلى الدية وهذه الدية ليست هي الدية التي للتخيير وإنما بديل عن القصاص الذي اختاره ولولا هذا لكان كلام المؤلف ليس له معنى لأنّ التخيير سبق. وهو يقول في أول الباب [يجب بالعمد القود أو الدية] إذا هذا ليس هو من باب التخيير ولكن ليبيّن أنّ الإنسان له أن ينتقل من القصاص إلى الدية وهذا معنى قوله [فله أخذها]
قال ﵀ (والصلح على أكثر منها)
стр. 2594
هذا الاختيار الثالث وهو أن يختار الدية أو القصاص أو أن يختار أكثر من الدية ذهب الحنابلة إلى أنّ لأولياء المقتول أن يختاروا أكثر من الدية واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية وما اصطلحوا عليه فهو لهم. وهو حديث صحيح.
الدليل الثاني: أنّ الشارع متشوف لحقن الدماء والعفو.
الثالث: أنّ هذا مروي عن أصحاب النبي ﷺ يعني الأخذ أكثر من الدية.
والقول الثاني: أنه ليس له إلاّ أن يقتص أو يأخذ الدية فقط واستدل أصحاب هذا القول بقول النبي ﷺ ليس له إلاّ أن يقتص أو يعفو أو يأخذ الدية فإنّ اختار الرابعة فخذوا على يده. [أي ولي الدم] ماذا بقي؟ أن يأخذ أكثر من الدية وهذا الحديث ضعيف. من وجهين:
الوجه الأول: أنه ضعيف لضعف إسناده.
الوجه الثاني: أنه يخالف متن الحديث السابق وهو أصح منه وهذا يشعر بالنكارة في المتن لمخالفته الأحاديث التي هي أصح منها وربما نضيف وجها ثالثا: وهو مخالفته لعمل الصحابة. ولهذا نقول إن شاء الله الراجح كما هو عليه العمل الآن أنه لهم أن يأخذوا أكثر من الدية ولو بأضعاف مضاعفة.
قال ﵀ (وإن اختارها)
يعني فليس له غيرها إذا اختار الدية فإنه لا يتمكن من الرجوع إلى القصاص لأنه يكون رجع من الأدنى إلى الأعلى وإنما أجزنا له أن يرجع من القصاص إلى الدية لأنه رجوع من الأعلى إلى الأدنى فإذا اختار الدية انتهى الأمر وليس له أن يرجع بل يلزم بأخذ الدية مهما كان الأمر.
قال ﵀ (أو عفا مطلقا)
يقول الشيخ فليس له غيرها يعني إذا عفا مطلقا فله الدية فإذا قال ولي الدم عفوت عنك ما نقول قوله عفوت عنك يعني عن القصاص والدية. بل نقول عليك الدية لماذا؟ لأنّ العفو المطلق ينصرف إلى القصاص لأنه المقصود الأعظم وعلى هذا عمل الناس فإذا قال عفوت يقصد عن القصاص وإذا أراد أن يعفو عن القصاص والدية فهو يؤكد هذا ويقول عفوت مجانا أو عفوت بلا مقابل ويؤكد هذا المعنى أما كلمة عفوت فبلا إشكال أنها لا تتناول الدية لأنّ المقصود الأعظم هو العفو عن القصاص.
قال ﵀ (أو هلك الجاني فليس له غيرها)
стр. 2595
إذا هلك الجاني ليس له إلاّ الدية لأنّ الجاني هلك فإن كان الجاني لا مال له سقط ليس له شيء.
والقول الثاني: أنه بمجرد موت الجاني لا شيء لأولياء الدم وهذا القول اختاره شيخ الإسلام والراجح إن شاء الله المذهب أنه إذا مات الجاني فإنه ننتقل إلى الدية تكون في ماله.
قال ﵀ (وإذا قطع أصبعا عمدا)
المؤلف مقصوده بقوله إذا قطع أصبعا عمدا التمثيل والضابط هو [أن يحصل جرح في الطرف دون النفس مما فيه قصاص] مقصود المؤلف أن يتكلم عن الجروح التي في الأطراف التي فيها قصاص دون التي ليس فيها قصاص إذا يريد المؤلف أن يتكلم عن هذه المسألة
ولهذا لو أنه ﵀ بيّن أنه يريد التمثيل فقط باستخدام حرف الكاف أو كلمة مثل لكان أوضح. نأتي إلى الحكم.
قال ﵀ (وإذا قطع أصبعا عمدا فعفا عنها ثم سرت إلى الكف أو النفس وكان العفو على غير شيء فهدر وإن كان العفو على مال فله تمام الدية)
هذه مسألة واحدة إذا قطعت أصبع شخص فعفا ثم سرت الجناية إلى النفس فإما أن يعفو على غير شيء أو يعفو على مال , فإن عفا على غير شيء فهدر نفسه كلها هدر , وإن عفا على مال استحق بقية الدية أو بتعبير المؤلف تمام الدية ما المقصود بتمام الدية؟
المقصود بتمام الدية أن يأخذ الدية كاملة محذوفة منها قدر دية الأصبع أو العضو المعفو عنه. فمثلا في المثال الذي ذكره المؤلف كم سيأخذ؟ دية الأصبع عشرة من الإبل سيأخذ تسعين من الإبل. هذا مقصود المؤلف بقوله تمام الدية. والمؤلف ﵀ في هذه المسألة خالف المذهب ولكنه تابع الأصل أي المقنع يعني تابع ما ذكره ابن قدامة ﵀
القول الثاني: أنه إذا عفى على مال أو على غير مال وسرت الجناية فإنّ له تمام الدية في الحالين وهذا هو المذهب لا يفرقون بين أن يكون عفا على مال أو عفا مجانا.
стр. 2596
والقول الثالث: أنه إذا عفا على مال أو على غير مال ثم سرت الجناية إلى النفس فله كمال الدية كلها. لأنّ هذه الجناية أصبحت جناية على النفس وهو إنما عفا عن جناية الأصبع فهذه الجناية الجديدة لم يعفو عنها وهذا القول في الحقيقة وجيه وجيد. لأنه هو عفا عن شيء والجناية أصبحت شيئا آخر إذ سرت إلى النفس كلها. إذا عرفتا الآن حكم هذه المسألة في المذهب وعند المؤلف وعلى القول الصحيح.
قال ﵀ (وإن وكل من يقتص ثم عفا فاقتص وكيله ولم يعلم فلا شيء عليهما)
إذا وكل من يقتص ثم عفا ولم يعلم الموكل فاقتص فلا شيء عليهما أما الموكل فلأنه لا تفريط منه فهو يعمل بأمر الموكِل. وأما الموكِل
فلأنه عفا والقاعدة [أنّ الإحسان لا يوجب الضمان] فهو محسن ولا نوجب عليه الضمان.
والقول الثاني: أنه على الموكِل الضمان لأنه فرط في المبادرة بإعلام الموكَل والراجح المذهب لأنه في الحقيقة ما على المحسنين من سبيل.
قال ﵀ (وإن وجب لرقيق قود أو تعزير قذف فطلبه وإسقاطه إليه)
إذا وجب الحق للرقيق سواء جناية عليه أو قذف فإنّ الحق هو لنفس الرقيق سواء أراد أن يطالب أو يعفو واستدلوا على هذا بأنّ المقصود من إقامة الحدود والقصاص هو أخذ حق المجني عليه وأن يتشفى من الجاني وهذا المعنى يختص ويتعلق بالنفس.
والقول الثاني: أنّ العبد له أن يقتص أو يعفو إلى المال وليس له أن يعفو مجانا لأنه إذا عفا مجانا فقد أدخل الضرر على سيده أليس كذلك؟ لأنّ المال إذا جاء سيكون لمن للسيد فهو مخير بين أمرين إما أن يقتص وليس للسيد أن يلزمه أن يعفو , أو يعفو إلى المال وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 2597
ولو قيل بقول ثالث أنه ليس للعبد إلاّ أن يقتص أو يعفو على مال إلاّ إذا كان العفو على مال يدخل الضرر على السيد فحينئذ ليس له أن يأخذ حقه. صورة هذه المسألة أن يكون العبد باهظ الثمن جدا ثم يقذف فإذا قذف إذا عفا العبد على مال ربما تتطرق إليه الشك وهذا الشك ينقص من قيمته كثيرا وربما كان النقص من قيمته أكثر بكثير من الدية التي عفا عنها وحينئذ دخل ضرر عظيم على السيد فمن مصلحة السيد أن يقتص وأن يأخذ حقه وأن نجلد القاذف ليتبيّن للناس أنه كاذب فتبقى قيمة العبد كما هي وهذا القول يتوافق مع اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية من حيث حفظ حق السيد.
قال ﵀ (فإن مات فلسيده)
أي إذا مات العبد فإن الحق ينتقل إلى سيده والسبب في هذا أنّ حقوق العبد تنتقل بموته إلى السيد المادية والمعنوية كحق القذف ينتقل إلى سيده فله أن يأخذ حقه أو يعفو مجانا أو إلى عوض.
باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس
قوله باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس المؤلف يريد بهذا التبويب أن يبّن أنّ القصاص كما يكون في الجناية على النفس يكون كذلك في الجناية على مادون النفس القصاص فيهما يكون على ما في النفس وما دون النفس وهذا مراده والتفصيل القادم كله يدور حول هذا المعنى.
قال ﵀ (من أقيد بأحد في النفس أقيد به في الطرف والجراح ومن لا فلا)
القاعدة [أنه من لا يجري بينهما قصاص في النفس لا يجري بينهما قصاص فيما دون النفس] فإذا قطع مسلم يد كافر فإناّ لا نقطع يد المسلم لأنه لا قصاص بينهما في النفس فلا قصاص بينهما فيما دون النفس فهذا الكلام من المؤلف يقرر هذه القاعدة.
قال ﵀ (ولا يجب إلا بما يوجب القود في النفس)
يريد المؤلف الإشارة إلى أنّ التفصيل السابق معنا في العمد والخطأ وشبه العمد كذلك يأتي فيما دون النفس فمثلا الاعتداء على ما دون النفس خطأ لا يوجب القصاص كما أنه لا يوجبه في النفس ويأتي معنا الخلاف بين الجمهور والمالكية في إثبات شبه العمد أو نفيه فما قيل من التقسيم هناك نفسه هنا إلاّ أنه هناك في النفس وهنا فيما دون النفس.
стр. 2598
الدرس: (٣) من الجنايات
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كنا في الدرس السابق تحدثنا عن أول باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس ثم توقفنا على انواعه
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:" وهو نوعان"
أي أن القصاص فيما دون النفس ينقسم إلى قسمين: الأول: الأطراف والثاني: الجروح وسيخصص المؤلف كل واحد من النوعين بكلام يتعلق به , كما أنه توجد أشياء مشتركة كما سيأتينا أثناء الشرح
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:" أحدهما في الطرف"
يعني أنه يجب القصاص في الطرف ولهذا قال فتؤخذ العين والأنف والأذن والسن وهذه الأربعة معروفة
ثم قال والجفن, والجفن هو غطاء العين,
ثم قال والشفة ويقصد المؤلف بالشفة العليا والسفلى ثم قال واليد يعني سواء كان من الكتف أو من المرفق
ثم قال الرجل والأصبع والكف والمرفق والذكر والخصية والألية وهذه معروفة
ثم قال: والشفر , والشفر هو أحد اللحمين المحيطين بفرج المرأة , ثم ذكر الحكم فقال:
كل واحد من ذلك بمثله يعني العين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن إلى آخره فأفادنا المؤلف انه يجب القصاص في الأطراف والدليل على هذا من وجهين الأول: قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾ [المائدة/٤٥] , الوجه الثاني: ما صح أن عمة أنس بن النظر ﵄ وأرضاهما كسرت ثنية جارية في المدينة فقال النبي ﷺ لأنس كتاب الله القصاص , فدل الكتاب والسنة والإجماع على انه يجب القصاص بالأطراف بشرطه الذي سيأتينا فإذاً يجب أن يقتص بالأطراف بهذه الأدلة الصحيحة الثابتة وقد ذكر المؤلف أمثلة ما يقتص بالأطراف وهو ما تقدم من قوله العين بالعين والأنف بالأنف إلى آخره , فإذاً عرفنا الآن وجوب القصاص في الأطراف والدليل عليه من الكتاب والسنة والإجماع. ثم انتقل الشيخ رحمه الله تعالى إلى الشروط.
يقول ﵀ وللقصاص في الطرف شروط
стр. 2599
الواقع أن هذه الشروط ليست خاصة بالطرف بل تشمل الجروح فهي شروط في الطرف وفي الجرح, وهذه الشروط هي شروط جواز الاستيفاء أما شروط الوجوب فهي الأربعة التي تقدمت معنا في الدرس السابق, فإذا تبين معنا أن للقصاص شروط وجوب وشروط جواز , وهو الآن سيشرع في شروط الجواز.
الشرط الأول: الأمن من الحيف , والدليل على هذا الشرط أن القصاص مع عدم الأمن من الحيف فيه ظلم وجور , والظلم والجور لا يجوز , إذا يشترط الأمن من الحيف لجواز القصاص , ثم سيذكر المؤلف الفروع المترتبة على هذا الشرط.
القصاص لا يكون إلا إذا كانت الجناية بقطع من المفصل فإن كان القطع من وسط الساق مثلاً أو من وسط الساعد مثلاً فإنه لا قصاص لأنه ليس من المفصل , وتعليل هذا أن ما ليس من المفصل لا يمكن أمن الحيف فيه , إذ التقدير أصبح صعباً لا يمكن أن نعرف الحد الذي يؤخذ ليستوي القصاص مع أصل الجنية , وسيضيف المؤلف موضع آخر يجوز الاقتصاص منه.
إذا يجوز القصاص في صورتين فقط , إذا كانت الجناية من مفصل أو في شيء له حد , ومثل بما له حد بالأنف , فإن الأنف ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: وهو أوله العظم الجامد في أوله ثم ينتهي بمارن وهو ما فيه المنخرين, فإذا كانت الجناية من حد المارن جاز الاقتصاص , وإذا كانت الجناية في العظم الذي قبل المارن فإنه لا قصاص, لأن المارن له حد وأما وسط العظم قبل المارن فليس له حد فهو يشبه قطع وسط الساق أو وسط الساعد ,إلى هذا ذهب الجمهور وهو أنه مالا يمكن القصاص فيه مع أمن الحيف فإنه لا يجوز أن تقتص , وتقدم دليلهم.
стр. 2600
القول الثاني: أنه يقتص ولو في غير ماله حد ولو في غير المفصل , وطريقة القصاص أن نأتي بطبيب من أهل البصيرة أو المعرفة ويجتهد ما أمكنه في عدم الحيف والزيادة, وتتم عملية القصاص ولو من غير مفصل أو عظم له حد, وهذا القول الثاني هو الصحيح أن شاء الله , وهو مذهب المالكية , واختيار ابن المنذر لأن النصوص عامة وبالإمكان التحرز من الحيف بالاستعانة بمن له بصيرة من أهل الخبرة من الأطباء , هذا التقرير كله يتعلق بالوقت السابق الذي لم يتطور فيه الطب , أما اليوم فبالإمكان أن يقتص الطبيب من الجناية اقتصاصاً لا زيادة فيه ولا نقص عن الجناية , لأنه أمكن معرفة قدر الجناية بالآلات الحديثة وإيقاع نظيرها على الجاني بلا زيادة , فلا شك اليوم أنه يمكن أن يقوم ولي الأمر بالاقتصاص من غير حيف ولا زيادة.
مسألة/ المماثلة تكون بالمساحة لا بالقدر , بمعنى لو قطع الجاني من المجني عليه مثلاً سته صانتي من قدمه , فإن المماثلة تكون بأن ننظر هذه السته صانتي ماذا تمثل من قدم المجني عليه فإن كانت تمثل النصف قطعنا نصف قدم الجاني , وإن كانت تشكل الربع قطعنا ربع قدم الجاني, إذا تعرف بالنسبة لا بالمقدار فننظر إلى نسبة ما جمناه الجاني ونفعل فيه كما فعل.
الشرط الثاني: المماثلة في الاسم والموضع , يشترط لجواز الاقتصاص أن يستوي العضو المجني عليه مع عضو الجاني في الاسم والمكان , واستدل الحنابلة على هذا بأن الأعضاء إذا اختلفت أماكنها اختلفت منافعها فلم تتحقق المساوات , واستدلوا بدليل ثاني وهو أنه لا يجوز أن تقتص من العين بالأنف ولا بالأنف من الأذن فكذلك إذا اختلف الاسم والمكان , وسيذكر المؤلف ما المقصود بالاسم والمكان , عرفنا الآن حقيقة الشرط الثاني, ثم ذكر الأمثلة.
стр. 2601
لا تؤخذ يمين بيسار ولا يسار بيمين , هناك قاعدة تريح طالب العلم (كل ما كان في الجسم منه يمين ويسار أو كان فيه أعلى وأسفل فإنه لا يؤخذ أحدهما بالآخر) , فإذا قطع يده اليمنى فلا نقطع يده اليسرى , يعني إذا جنا جناية على يده اليمنى , فإنا لا نقتص من الجاني بأخذ يده اليسرى , لماذا؟ لاختلاف المكان والاسم , فإن هذه اسمها اليد اليمنى , وهي في اليمين وهذه اسمها اليد اليسرى وهي في اليسار , تقدم معنا دليلهم أن المنافع تختلف باختلاف الاسم والمكان ,وهذا صحيح.
ثم - قال ﵀ ولا خنصر ببنصر
الخنصر والبنصر كلاهما يمين وكلاهما في يد واحدة لكن لا يجوز أن نأخذ أحدهما بالآخر لاختلاف المنفعة وأيضاً لاختلاف المكان بالنظر إلى اليد.
لا يجوز أن نأخذ أصلي بزائد ولا العكس بأن نأخذ زائد بأصلي لعدم المساواة , فإن الأصلي أنفس وأعلى درجة من الزائد , ولا نأخذ الأعلى بالأدنى كما أنا لا نؤخذ الأدنى بالأعلى.
ولو تراضيا , دليل هذا أن الدماء لا تستباح بالإباحة.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى (ولو تراضيا لم يجز) هذا يرجع إلى المسائل السابقة كلها وليس خاص بالأصل في الزائد وإنما يشمل المسائل السابقة كلها , فإذا حصل التراضي فإن هذا التراضي لا أثر له في باب القصاص ويجب أن يستوي.
الشرط الثالث: استوائهما في الصحة والكمال , وهذا الشرط يرجع إلى الاستواء في الصفة , ودليلهم أن قاعدة القصاص تعتمد المساواة والمماثلة , وكما تكون المساواة والمماثلة في الاسم والموضع كذلك في الصفة , فالأدلة الدالة على الشرط السابق تدل على هذا الشرط الذي اعتبره المؤلف الشرط الثالث, ثم أيضاً بدأ بذكر الأمثلة.
стр. 2602
لا تؤخذ صحيحة بشلاء ,فإذا كان الجاني له يد يمنى صحيحة وجنا على يد يمنى لشخص آخر شلاء فإنه لا يجوز أن نقتص منه لأن يد الجاني هنا أعلى مرتبة من يد المجني عليه فلا يجوز أن نقتص هنا , لماذا؟ لما تقدم من أنه يشترط المساواة , والدليل الثاني أنه لو أخذنا يد الجاني الصحيحة بالشلاء لكنا أخذنا حق الجني عليه وزيادة , والزيادة هي في الصفة ,تقدم معنا أن هذا ظلم وجور , ولشارع لا يقر الظلم والجور ول في باب القصاص , وما قيل في الصحيحة بشلاء كذلك ينطبق على كاملة الأصابع بناقصة ,فإذا جنا من له خمسة أصابع على من له أقل من ذلك فإنه لا قصاص , وكذلك ولا عين صحيحة بعين قائمة , والعين القائمة هي العين التي موجودة على حالها إلا أنه لا يبصر بها.
والقول الثاني وهو مذهب داود الظاهري أنه تؤخذ الصحيحة بالشلاء وكاملة الأصابع بناقصتها واستدل على هذا بأن الله تعالى قال: (العين بالعين) , (والسن بالسن) , ولم بفرق بين عين وأخرى وسن وأخرى , وهذا قول ضعيف مخالف لمذهب جماهير الفقهاء ومخالف لقاعدة الشرع في العدل والبعد عن الظلم والجور , فإن اليد الشلاء لا يمكن أبداً أن تستوي مع اليد الصحيحة وكيف نأخذ كاملة بمعيبة فنقول إن شاء الله الراجح مذهب الجمهور , ومذهب داود فيه ضعف.
إذا قطع الأشل يد الصحيح, وهذا هو العكس ولهذا يقول ويؤخذ عكسه ولا أرش , إذا قطع الأشل يد الصحيح فالمجني عليه مخير بين أمرين: الأمر الأول: أن يأخذ الدية وهذا جائز بالإجماع , وله أن يفعل بالإجماع , لأن القصاص على وجه الكمال متعذر فله أن يصير إلى الدية.
القسم الثاني: أن يختار القصاص , فإذا اختار القصاص فعلى الذهب له ذلك لكن لا يعطى أرش النقص , لأنها يد أخذت بيد باختيار المجني عليه , والقول الثاني أنه إذا اختار القصاص فله الحق في الأرش , لأنه باختياره القصا لم يؤخذ حقه كاملاً فقد أخذ معيبة بصحيحة , فصار له الحق بأخذ الفرق ,وإذا كنا نقول أن قاعدة الباب المساواة والعدل فالراجح القول الثاني ولأنه إذا اخذ صحيحة بمعيبة فهو لم يأخذ حقه في الواقع , يعني كاملاً في الواقع.
стр. 2603
قوله فصل النوع الثالث في الجراح , تقدم معنا في أول الدرس وفي آخر الدرس السابق الأدلة على وجوب القصاص في الجراح وأنه أمر تفق عليه إلا في مسائل معدودة اختلفوا في القصاص فيها بالنسبة للجراح , لكن من حيث هو وجملة هو محل إجماع.
لا يجوز الاقتصاص في الجروح إلا في الجروح التي تنتهي إلى عظم , فإن كان الجرح لا ينتهي إلى عظم فلا يجوز القصاص فيه , ستدل الحنابلة على هذا أن الجرح الذي لم ينتهي إلى عظم لا يمكن القصاص فيه بلا حيف , وإذا لم يمكن القصاص فيه بلا حيف لم يجز القصاص لأن الظلم محرم.
والقول الثاني أنه يجوز القصاص في الجروح وإن لم تنتهي إلى عظم وطريقة ذلك أن ننظر إلى مقدار الجرح في الطول والعرض والعمق ثم نحدث في الجاني نظيره , والخلاف في هذه المسألة قريب من الخلاف في مسألة القصاص في الأطراف والراجح إن شاء الله هو هذا , أنه يقتص في الجروح ولو لم تكن إلى العظم ولو لم تنتهي إلى عظم , لكن المؤلف سيفرع في المسائل التالية بناء على هذه القاعدة.
ثم - قال ﵀ (كالموضحة وجرح العضد والساق والفخذ والقدم)
هذه أمثلة لما يمكن قيها الاقتصاص وليست أمثلة لما لا يمكن فيه الاقتصاص.
فالمثال الأول هو الموضحة والموضحة هي: كل جرح ينتهي إلى العظم إذا كان في الرأس أو الوجه فالموضحة فيها القصاص.
والتعليل ظاهر: لأنها تنتهي إلى عظم. وفيها القصاص بالإجماع لأنها تنتهي إلى عظم.
وجرح العضد والساق والفخذ والقدم لأن هذه الأعضاء إذا جرح الإنسان فيها وصل الجرح إلى العظم لقرب العظم من الجلد , إذا لا إشكال فيها أيضا أنها تعتبر فيها قصاص.
لماذا قال المؤلف جرح العضد والساق ونحن نقول إن الموضحة كل جرح يوصل إلى العظم.؟
إذا هذه تعتبر موضحات .. لأن الموضحة تختص بالرأس والوجه ولهذا أراد أن يبين حكم باقي الأعضاء , وهو جميل جدا من المؤلف.
ثم - قال ﵀ (فلا يقتص في غير ذلك من الشجاج والجروح)
стр. 2604
أي لا يقتص من كل جرح لا ينتهي إلى عظم. من أمثلتها الجائفة: الجرح الذي يصل إلى الجوف , يعني ولا ينتهي إلى عظم. فهذا الجرح لا قصاص فيه لأنه لا ينتهي إلى عظم بناءا على هذا لا يمكن أمن الحيف فيه بناءا على هذا لا يجوز الاقتصاص فيه , وهذا كما تقدم بناءا على ما اختار الحنابلة ﵏ وأخذنا القول الراجح وهو انه يمكن الاقتصاص في الجائفة وفي غيرها مما لا ينتهي إلى عظم. ثم أراد المؤلف إن يستثني.
ثم - قال ﵀ (غير كسر سن)
يعني ففيه القصاص وهذا الاستثناء سببه أن السن عبارة عن عظم , ونحن أخذنا أن كسر العظم ليس فيه قصاص إلا إذا كان من مفصل او من حد ينتهي إليه كمارن الأنف فالسن ليس من مفصل وليس من حد يصل إليه ومع ذلك فيه القصاص.
الدليل الأول: قال تعالى ﴿والسن بالسن﴾ [المائدة/٤٥]
الدليل الثاني: حديث أنس ابن النضر السابق.
الدليل الثالث: الإجماع , فإنهم أجمعوا أن السن فيه قصاص. لوضوح وظهور الأدلة من الكتاب والسنة.
قوله ﵀ (غير كسر سن)
فهم من كلام المؤلف أن كسر العظام سوى السن ليس فيه قصاص. والتعليل: لا يمكن أمن الحيف فيه.
قال الإمام الشافعي ﵀ عبارة جميلة جدا (لا يمكن أن يكون كسر ككسر)
مقصوده: أنه لا يمكن أن يستوي كسران فإذا كسر الجاني رجل رجُل لا يمكن أن نكسره كسر يساوي الكسر الأول لأنه لا يمكن أن يكون كسر ككسر لاختلاف الموضع وعدم معرفة مكانه بدقة. تقدم معنا الخلاف في هذا لما تحدثنا عن الأطراف فالأطراف والعظام الخلاف فيها واحد ولهذا نقول الراجح أنه يمكن الاقتصاص في كسر العظام إما بالطريقة التي ذكرها الفقهاء وهي أن نأتي بمختص دقيق حاذق يحسب لنا مساحة الكسر فيكسر يد أو رجل الجاني ككسره من المجني عليه , وإما على طريقة الأطباء المعاصرين وهذا ممكن بلا إشكال , والحديث الدال جواز القصاص في السن دليل على جواز القصاص فيما سواه من العظام , لأنه حتى في السن لا يمكن من الأمن من الحيف وإنما على المنفذ أن يتحرى الدقة قدر الإمكان ثم لا يكلف الله بعد ذلك نفسا إلا وسعها.
ثم - قال ﵀ (إلا أن يكون أعظم من الموضحة)
стр. 2605
معنى هذه العبارة: انه لا يجوز القصاص في الجروح إلا في جرح بلغ الموضحة وتعداه وهو أن يصل إلى العظم ويتعدى العظم , فإذا وصل إلى العظم وتعداه فغنه يجوز القصاص الآن ,ولكن القصاص - كما سيذكر المؤلف - بالجرح الذي إلى العظم.
ثم - قال ﵀ (كالهاشمة والمنقلة والمامومة)
الهاشمة: هي الجراح التي توح العظم وتكسره , والمنقلة: هي التي توضح العظم وتكسره وتنقله من موضعه إلى موضع آخر.
والمأمومة: هي الجناية التي تصل إلى أم الدماغ , والمقصود بأم الدماغ: جلدة فيها الدماغ او جلدة تحتوي على الدماغ.
عرفنا الآن من كلام المؤلف أن الجناية الزائدة على الموضحة فيها قصاص لكن القصاص يكون بقدر الموضحة فقط ويأخذ أرش الباقي.
والمقصود بالأرش هنا: الفرق بين دية الموضحة والجناية التي هي أكثر منها كالهاشمة مثلا , فالفرق بين الديتين هو الأرش الواجب على الجاني , فإذا جن ى رجل على رجل هاشمة فالحكم كالتالي: نقتص من الجاني بقدر الموضحة ثم نعطي المجني الفرق بين دية الجنايتين.
فدية الموضحة كما سيأتينا في كتاب الديات خمس من الإبل ودية الهاشمة عشر من الإبل , الفرق بينهما خمس .. فله خمس من الإبل.
وهذا غاية في العدل في الحقيقة , فقد أخذنا للمجني عليه كامل حقه.
مسألة: الجنايات فوق الموضحة لا يُقتص منها بالإجماع , لأنه يخشى على الجاني في القصاص الهلاك. فالهاشمة والمنقلة والمامومة لا قصاص فيها.
ثم - قال ﵀ (إذا قطع جماعة طرفا)
انتقل المؤلف إلى بيان حكم ما إذا اجتمع جماعة في جناية سواء كانت الجناية في طرف أو في جرح. فالحكم على كلام المؤلف أن القود يكون منهم جميعا. فإذا اشترك خمسة في قطع يد رجل قطعت أيديهم فأخذنا باليد الواحدة خمس أيادي.
التعليل: أن الجناية كانت بفعلهم جميعا ولهذا وجب القصاص عليهم جميعا.
الدليل الثاني: قاسوا القصاص في الأطراف على القصاص في النفس , فإذا كانت النفس الواحدة يُقتص لأجلها من خمسة أنفس كذلك في القصاص.
стр. 2606
القول الثاني: أنا لا نأخذ بالأيدي بيد واحدة. لأن قاعدة القصاص المساواة ولا مساواة .. ولأن الله - تعالى - يقول ﴿والعين بالعين﴾ [آل عمران/١٣]. فواحد بإزاء واحد. والراجح مذهب الجمهور وهو القول الأول لأن العدل هنا يقتضي أن نأخذ الأيدي باليد لأنهم اشتركوا في الجناية. ولأن القياس على النفس - من وجهة نظري - قياس جلي.
مسألة: يشترط عند الحنابلة لأخذ الأيدي باليد أن تكون جناية المجموعة غير متميزة وحصل القطع بمجموعها.
مثاله الذي يوضحه: لو استخدم الجناة فوضعوا السكين على يد المجني عليه ثم اتكئوا عليها جميعا حتى انفصلت اليد. الآن الجناية من مجموعة .. هل أفعالهم متميزة أو غير متميزة.؟ غير متميزة .. وهل وقعت بفعلهم جميعا أو بفعل بعضهم.؟ بفعلهم جميعا ..
إذا تحقق الشرط فيجب أن نقتص. علمنا من هذا أن الجناية من المجموعة لو اختلفت وتمايزت بأن قطع كل منهم من جانب ولم يتفقوا على جانب واحد فلا قصاص , لأن الجناية لم تقع من مجموع الفعل ولأن أفعالهم متمايزة وربما كان بعضها أعمق وأكثر تأثيرا من بعض
ويستثنى من هذا الشرط ما إذا حصل تمالؤا وتواطؤ على هذا الفعل ليتجنبوا القصاص حينئذ يجب القصاص على مجموعهم.
ثم - قال ﵀ (وسراية الجناية مضمونة)
سراية الجناية مضمونة , التعليل: لأن السراية أثر الجناية وإذا كانت الجناية مضمونة فأثرها مضمون كذلك.
إذا السراية مضمونة سواء كانت السراية في العضو أو في النفس. مثاله: إذا قطع الجاني أصبع المجني عليه فإما أن تسري الجناية إلى اليد بأن يلزم من هذا قطع اليد أو أن تسري الجناية إلى النفس بان يستمر في النزف إلى أن يموت. والسراية مضمونة في النفس وما دون النفس. والتعليل: هو ما تقدم معنا إلا أنه يشترط لهذا شرط سيذكره المؤلف.
ثم - قال ﵀ (سراية القواد مهدورة)
стр. 2607
سراية القودة هدر لا فقيمة لها. والمقصود بالقود القصاص: فإذا تم القصاص على الجاني وأدى القصاص إلى سراية أودت بالعضو كاملا أو بالنفس فإنه تعتبر هذه السراية هدر لأن القصاص مأذون فيه شرعا والقاعدة المشهورة أن ما ترتب على المشروع غير مضمون فما دام العمل مشروع فما يترتب عليه فإنه لا ضمان فيه. ثم انتقل المؤلف للشرط الذي أشرت إليه سابقا.
ثم - قال ﵀ (ولا يُقتص من عضو وجرح قبل برئه كما لا تطلب له الدية)
مذهب الحنابلة أنه لا يجوز ويحرم الاقتصاص من العضو وأخذ الدية عليه قبل برئه. أنه لا يجوز ويحرم أن نقتص قبل برئه.
واستدلوا على هذا أن رجلا جنا على ركبة صحابي فجاء إلى النبي ﷺ وقال أقدني من فلان فقال النبي ﷺ (حتى تبرأ) ثم جاء أخرى وقال اقدني فاقتص له النبي ﷺ ثم لما برئ الجرح جاء المجني عليه أصبت بالعرج. فهذه سراية لأن الجرح أصبح يشكل عاهة مستديمة وهي العرج فقال النبي ﷺ (قد نهيتك أبعدك الله) ثم نهى النبي ﷺ عن الاقتصاص قبل البرء. فاستدل الحنابلة بهذا الحديث على التحريم ورتبوا على هذا فرعا فقهيا آخر وهو أنه إذا أبى إلا الاقتصاص فإن السراية التي تكون بعد ذلك تكون هدر ولا يُقتص للمجني عليه منها لأنه ضيع حقه بنفسه.
والقول الثاني: أن الصبر إلى البرء مستحب يعني طلب الاقتصاص مكروه فقط وليس محرما.
والدليل: أنه أذن ﷺ في الحديث واقتص منه.
والراجح انه يحرم لأمرين:
الأول: الاقتصاص قبل البرء دائما يفضل إلى النزاع فيما إذا قعت السراية.
الثاني: أنه في آخر الحديث قال ثم نهى النبي ﷺ عن الاقتصاص قبل البرء.
بناءا على هذا لا يجوز لقاضي أن يقتص في الجناية قبل البرء بهذا انتهى هذا الفصل.
بهذا انتهى كتاب الجنايات ولله الحمد
стр. 2608
كتاب الديات
الدرس: (١) من الديات
الديات: جمع دية ومعنى وداه يعني دفع ديته.
وأما في الشرع: هو المال المدفوع للمجني عليه أو لوليه مقابل الجناية. للمجني عليه: في الأطراف والجروح , ولوليه: يعني في النفس والدية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. ولم يختلف الفقهاء في وجوب الديات لصراحة الأدلة فيها كقوله ﴿فدية مسلمة إلى أهله﴾ [النساء/٩٢] وكما سيأتينا في قصة الهذليتين فإنّ النبي ﷺ أمر بالدية على العاقلة.
وأما الإجماع فهو محكي من أكثر من واحد أنه أجمعوا على وجوب الديات إنما الخلاف في التفاصيل.
قال ﵀ (كل من أتلف إنسانا)
مقصود المؤلف بالإنسان هنا يعني معصوم الدم كالمسلم والذمي والمعاهد والمستأمن. ولا يدخل فيه الحربي ومقصود المؤلف كل من أتلف نفسا يعني أو بعض نفس ولو صرح به لكان أوضح يعني أو بعض نفس فإنّ الدية كما تجب في النفس تجب في بعضها.
قال ﵀ (بمباشرة أو سبب)
أفادنا المؤلف أنّ الجناية قد تكون بمباشرة وقد تكون بسبب فمن أمثلة المباشرة أن يطعنه بسكين أو يقطع طرفه بسيف وأما السبب فكأن يحفر له حفرة فيها حية أو فيها أسد. فالقتل إذا كان بمباشرة أو بتسبب فعلى القاتل الضمان.
стр. 2609
مسألة / فإذا اجتمع مباشر ومتسبب فالقاعدة العامة ويستثنى منها صور ستأتينا [أنه إذا اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر] فإذا حفر زيد حفرة ودفع عمرو خالدا فالضمان على عمرو لأنه المباشر. إذا القاعدة العامة أنه إذا اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على من على المباشر دون المتسبب ويستثنى من هذا صورة هي قاعدة [أنه إذا لم يمكن تضمين المباشر] وقول بعض الفقهاء إذا لم يمكن تضمين المباشر خير من التفصيلات التي تشتت الذهن وإذا تأملت في هذه التفصيلات تجد أنّ جميع هذه التفصيلات ترجع إلى هذه القاعدة لا يمكن أن تخرج عن هذه القاعدة وهي أنه لا يمكن تضمين المباشر. ذكر الشيخ الحافظ العلامة الفقيه الكبير ابن رجب. في القواعد هذه القاعدة إذا اجتمع مباشر ومتسبب وذكر أيضا الاستثناء وهي الصور التي لا نضمن فيها المباشر وذكر بحث طويل فيها خلاصة هذا البحث أنه لا يمكن أنه يستثنى من هذه القاعدة الصور التي لا يمكن فيها تضمين المباشر. من أمثلة عدم التضمين أن يدفع شخص شخصا في حفرة أسد فالمباشر للإهلاك هو الأسد , لكن لا يمكن تضمين الأسد لأنه بهيمة وكأن يربط الإنسان شخصا ويلقيه في البحر فالموت الآن كان بسبب الغرق ولا يمكن تضمينه من البحر لأنه جماد , وهكذا كل مسألة لا يمكن فيها تضمين المباشر فالضمان على ماذا؟ على المتسبب.
قال ﵀ (لزمته ديته)
للأدلة السابقة فإنّ الأدلة السابقة دالة على وجوب الدية وهي عامة تشمل المباشر والمتسبب.
قال ﵀ (فإن كانت عمدا محضا)
إذا كانت الجناية عمدا محضاً يعني وعفا المجني عليه أو وليه فالواجب حينئذ الدية.
يقول الشيخ ﵀ (ففي مال الجاني)
إذا كانت الدية عن جناية عمد فهي في مال الجاني لأمرين: الأمر الأول: أنّ الأصل في الإتلافات أنّ الضمان فيها على المباشر.
الثاني: أنّ الدية إنّما كانت على العاقلة في الخطأ وشبه العمد لمناسبة التخفيف لعدم وجود القصد وهذا المعنى مفقود في العمد ولهذا صارت الدية في مال الجاني.
يقول الشيخ ﵀ (حالة)
стр. 2610
الدية حالة في مال الجاني ولا تؤجل كما في العمد فكما في الخطأ وشبه العمد وسيأتينا الكلام عنها. تكون حالة لما تقدم أنّ التأجيل في الخطأ وشبه العمد كان لمعنى المراعاة للعاقلة حيث أنّ العاقلة هذا إحسان منهم وصلة كما أنّ فيه مراعاة للجاني لأنه لا قصد له في الجناية وهذان المعنيان مفقودان في العمد لأنّ الذي يدفع هو الجاني وليس العاقلة ولأنه قصد إيقاع الجناية ولم تقع منه خطأ ولهذا تكون حالة.
قال ﵀ (وشبه العمد)
شبه العمد تكون الدية على العاقلة وإلى هذا ذهب الحنابلة والمالكية والشافعية. واختاره أيضا ابن المنذر وهو مذهب الجمهور واختيار بعض المحققين. واستدلوا على هذا بأنّ في قصة الهذليتين أنّ إحداهما رمت بحجر على بطن الأخرى فقتلت الأخرى وما في بطنها فقضى النبي ﷺ بالدية على العاقلة وهذا الحديث صحيح وإشكال فيه. فالقتل الذي في هذا الحديث هو من باب شبه العمد لماذا؟ لأنه لا قصد وأن يكون بآلة لا تقتل غالباً , فالحجر هل يقتل غالبا؟ لا يقتل غالبا فإذا تبيّن أن الجناية في الحديث شبه عمد ومع ذلك جعل النبي ﷺ الدية على العاقلة.
والقول الثاني: للأحناف ومال إليه ابن القيم أنّ الدية في مال الجاني في شبه العمد واستدل على هذا بأنّ شبه العمد يشترك مع العمد في ماذا؟ في القصد فناسب أن تكون الدية على الجاني لا على العاقلة, وكلامه وجيه لولا النص الصحيح الذي جعل الدية على العاقلة ولهذا نقول الراجح إن شاء الله مذهب الجمهور.
قال ﵀ (والخطأ)
أيضا الدية فيه على العاقلة وهذا محل إجماع لم يختلفوا فيه ولله الحمد إنما الاختلاف في شبه العمد.
يقول ﵀ (على عاقلته)
سيخصص المؤلف باب كامل للعاقلة سيأتينا من هم العاقلة ولماذا سموا بهذا؟ وكيف تجعل عليهم الدية لكن الذي يعنينا الآن أنّ الدية على العاقلة مؤجلة إجماعاً والتأجيل لمدة ثلاث سنوات , والدليل على هذا أنهم حكم به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁
وأيضا علي بن أبي طالب ﵁ فالدية مؤجلة بالنسبة للقتل الخطأ وشبه العمد.
قال ﵀ (فإن غصب حرا صغيرا)
стр. 2611
قوله فإن غصب حرا صغيرا خرج به العبد والحر الكبير , أما العبد فهو خارج لأنه مضمون على كل حال صغيرا كان أو كبيرا لأنّ العبد هو مال والمال مضمون بالغصب مطلقا.
أما الكبير فإنه لا يضمن لأنّ الكبير يتمكن من تخليص نفسه ويتمكن من الفرار ولهذا انحصر الحكم في الحر الصغير.
يقول ﵀ (فإن غصب حرا صغيرا)
المقصود بالغصب هنا أن يأخذه إلى منزله ولو بغير قيد , فإذا أخذ صغيرا ووضعه في غرفة فهو حينئذ غصبه يعني أخذه غصبا ولو تركه بغير قيد في البيت فإذا هذا مقصود الحنابلة لأنه سيأتينا إذا قيّد الرِجل أو اليد له حكم آخر.
يقول الشيخ ﵀ (فنهشته حية أو أصابته صاعقة)
إذا نهشته حية أو أصابته صاعقة فإنّ الضمان هنا على الغاصب لماذا؟ لأنّ الوفاة كانت بسببه ونحن نقول أنّ الجناية إذا كانت بمباشرة أو تسبب فإنّ الضمان يكون على المتسبب وهنا كان سببا لأنّ الصغير لا يتمكن من الفرار عن الحية أو تفادي الصاعقة وحينئذ نقول الضمان على المتسبب. ووضع شيخ الإسلام ﵀ قاعدة وهي [أنه إذا مات الإنسان بسبب يتعلق بالبقعة فالضمان على من حبسه فيها] فإذا حبسه في هذه البقعة وأصابه حية كما قال المؤلف ﵀ أو صاعقة أو كان هذا المكان معروفا بوباء فتاك يقتل بني آدم وأصيب به فإنه يضمنه أيضا.
قال ﵀ (أو مات بمرض)
стр. 2612
يقول الشيخ إذا مات بمرض فهذه البقعة المغصوب بها فإنّ الضمان على الغاصب وعللوا هذا بأنه مات تحت يده العادية يعني مات بسببه فكان الضمان عليه والمؤلف خالف المذهب في هذه المسألة فالمذهب أنه لا ضمان عليه لماذا؟ لأنّ الموت بسبب المرض لا يتعلق بالبقعة فقد يموت في هذه البقعة أو في غيرها ويستثنى من هذا ما تقدم معنا وهو إذا كان المرض خاص بهذه البقعة وهذا القول الثاني هو الراجح وبهذه المناسبة المحقق وفقه الله استدرك على الشيخ علي الهندي والشيخ علي الهندي له نسخة حقق فيها الزاد وذكر فيها أنّ هذه المسألة من المسائل التي خالف فيها المؤلف المذهب وتعقبه المحقق وفقه الله بأنه لم يخالف والواقع أنّ الصواب مع الشيخ علي الهندي فيما يظهر لي لأنّ الشيخ علي يقصد أنّ المؤلف خالف المذهب في مسألة مات بمرض صحيح هذا خالف فيه المذهب وهذه المسألة خالف فيها المذهب ولو رجع الإنسان إلى المنتهى والإقناع والإنصاف والمبدع وغيرها من كتب الحنابلة لعلم أنّ الصواب مع الشيخ علي وهو أنّ المؤلف خالف المذهب ولا يريد أنه خالف المذهب في مسألة (غلّ حرا مكلفا وقيّده) هذه ليست هي المقصودة المقصود إذا مات بمرض وفعلا المؤلف خالف المذهب وهذا يؤيد أنّ الشيخ المؤلف له اختيارات لكن هنا في الحقيقة لم يوفق فالمذهب في هذه المسألة أصح وهي أنه إذا مات بمرض لا يختص بالبقعة فلا ضمان.
قال ﵀ (أو غلّ حرا مكلفاً وقيّده)
القيد ما وضع في الرجِل , والغّل ما وضع في اليد. يقول الشيخ إذا غل حرا مكلفا وقيّده فمات بالصاعقة أو الحية وجبت الدية فيهما.
فهم من كلام المؤلف أنه يجب ليكون الضمان على الجاني أن يربط يده ورجله فإن ربط إحداهما فلا ضمان وهذا في مسألة الحية والصاعقة والتعليل أنه بربطه يدي ورجلي المجني عليه صار سببا في موته لأنه مع الربط لن يتمكن من تفادي الحية ولا الصاعقة وقول الشيخ ﵀ فيهما أي دون المرض فالمرض لا يجب ضمانه , لأنه إذا ربط يده ورجله وأصيب بمرض فإنه مات لا بسبب الربط ولو أنّ الحنابلة ذكروا قاعدة أسهل من هذا فقالوا إذا مات بسببه فإنّ الضمان عليه وهذا يتناول المرض والحية وغيرها مثال هذا.
стр. 2613
من أصيب بربو مزمن والدواء على الطاولة وهو مربوط إلى الجدار بيده ورجله ثم مات بسبب الأزمة فهل مات بحية أو صاعقة أو مرض
مقتضى كلام الحنابلة لا ضمان والواقع أنّ الضمان واضح لأنّ الموت كان بسبب الربط لا بسبب المرض مجردا.
أي قضية أنه يشترط ربط اليد والرجل أيضا منازعة فيها إذ قد يموت بسبب ربط اليد فقط وقد يموت بسبب ربط الرجل فقط , فإذا جاءت الحية فتفادي الحية باليد وبالرجل؟ باليد والرجل لكن الغالب في تفاديها يعتمد على الرجل لأنه يهرب عنها أنت تهرب بأي وسيلة. الحريق إذا شبّ في الغرفة فتفادي الحريق غالبا باليد أو بالرجل؟ باليد لأنه يستطيع أن يفتح الباب بينما لو ترك رجليه بغير قيد
وقيّد يديه فإنه لا يستطيع أن يفتح الباب مهما كان حاذقا برجله. إذا لو قال المؤلف قاعدة أنه إذا مات بسببه يعني بسبب حجزه في هذه البقعة صغيرا كان أو كبيرا فعليه الضمان ولسنا بحاجة إلى هذا التفصيل أليس كذلك؟ وهذا ما جنح إليه شيخ الإسلام في المسألة الأولى وهي أنه وضع ضابط [أنه الموت إذا كان بسبب البقعة فالضمان على الحابس] الصور لا تنتهي.
فصل
هذا الفصل خصصه المؤلف للكلام عن مجموعة من المسائل الأخرى تتعلق غالبا بأفعال مؤذون فيها. في بعضها تجب الدية وفي بعضها لا تجب الدية يعني الضمان حسب ملابسات القضية.
قال ﵀ (وإذا أدب الرجل ولده , أو سلطان رعيته أو معلم صبيَّه ولم يسرف لم يضمن ما تلف به)
القاعدة أنه إذا مارس من له الحق في التأديب حقه في التأديب وترتب على هذا التأديب تلف فإنّ المؤدب لا يضمن.
يقول المؤلف ﵀ (ولم يسرف لم يضمن)
إذا لا يضمن لأنّ له الحق في ممارسة هذا التأديب إلاّ إذا أسرف والإسراف يكون بأحد أمرين:
١ - إما أن يزيد عن الحد المعقول في طريقة التأديب من حيث العدد والآلة.
стр. 2614
٢ - أو أن يستمر في التأديب مع حصول المطلوب بدونه. مثال هذا وهذا المثال للتوضيح , إذا كان هذا الصبي يحتاج في التأديب إلاّ أن يضرب ثلاث مرات فالإسراف يكون بأحد أمور. إما أن يستخدم آلة عنيفة في للضرب أو أن يضربه كم؟ أكثر من ثلاث أو أن يستخدم آلة مناسبة إلاّ أنه يشدد في الضرب فالخلل يكون بأحد هذه الثلاثة أمور فإذا حصل منه خلل فإنه يضمن لأنه جاوز حقه إلى ما لا يجوز له فيه فضمن وإنما الشارع أباح له قدرا معينّا فقط.
قال ﵀ (ولو كان التأديب لحامل فأسقطت جنينا ضمنه المؤدب)
إذا كان التأديب لحامل وأسقطت فإنّ المؤدب يضمن وظاهر كلام المؤلف يضمن مطلقا ولو لم يتعدى لأنّ التأديب تجاوز الأم إلى الولد وهذا من الإسراف ولأنّ عمر بن الخطاب دعا بامرأة فلما بلغها أنّه يريدها عمر بن الخطاب أسقطت فاستشار عمر ﵁ الصحابة فأفتوه بأنّ عليه الدية فدل على وجوب الضمان في مسألة الحامل. الأثر والتعليل فالحقيقة لم أرى في هذه المسألة خلاف لكن لو قيل أنه إذا أدبّها تأديبا يتناسب مع الحامل من غير زيادة فإنه لا ضمان كان هذا القول هو المتناسب مع تقريرات الفقهاء الباقية ونحن نشترط أن يكون التأديب يتناسب مع الحامل فإذا أدبّها مثله لا تسقط معه الحامل فأي جناية من المؤدب لكن كأنّ الفقهاء يرون أنه إذا تجاوزت الجناية إلى غير المؤدَب فهنا حصل إسراف هكذا يرون لكن إن قيل بهذا القول فهو القول الراجح إن شاء الله.
стр. 2615
الدرس: (٢) من الديات
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀ في مسائل الفصل الذي عقده في بعض التصرفات التي تكون في بعض الصور المضمونة والتي في بعضها لا تضمن يقول (ولو كان التأديب لحامل فأسقطت جنينا ضمنه المؤدب) هذه انتهينا منها.
ثم - قال ﵀ (وإن طلب السلطان امرأة لكشف حق الله)
أي فأسقطت فإنه يضمن إذا طلب السلطان المرأة لحق الله أو لحق آدمي ثم أسقطت فإنه يضمن هذا الجنين وعلة التضمين الأثر المروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه استدعى امرأة فأسقطت فسأل أصحاب النبي ﷺ واتفقوا على التضمين , فهذا الدليل يدل على تضمين السلطان ويستوي في هذا ما إذا كانت المرأة ظالمة أو مظلومة.
стр. 2616
ثم - قال ﵀ (أو استعدى عليها رجل بالشُرط في دعوى له فأسقطت)
إذا استعدى رجل على امرأة ورفع عليها دعوى وطلبت في مجلس الحكم فإنها إذا أسقطت بسبب هذه الدعوى فإنّ المدعي يضمن واشترط المؤلف شرطا وهو أن يصاحب الدعوى من القرائن ما يدخل خوف على المرأة وهذا الذي عبر عنه بقوله بالشُرط. وهذا القيد ذكره الشيخ المجد ابن تيمية وعنه نقل المؤلف وغيره من الحنابلة لم يذكر هذا القيد بل بمجرد أن تدعى إلى مجلس الحكم بسبب دعوى
فإنّ مقيم الدعوى يضمن والذي يظهر أنّ ماذكره الشيخ المجد أولى لأنّ مجرد الدعوى عادة لا تسبب الإسقاط. لكن إذا كان مع هذه الدعوى شُرط وهيئة تدخل الخوف على نفس المرأة ثم أسقطت بسبب هذا فإنه يضمن.
يقول ﵀ (ضمنه السلطان والمستعدي)
ضمنه السلطان يعني في الصورة الأولى والمستعدي يعني في الصورة الثانية هذا هو الحكم وقد ذكرناه أنه عند الحنابلة يضمن لأنّ الإسقاط صار بسبب هذه الدعوى.
ثم - قال ﵀ (ولو ماتت فزعا لم يضمنا)
لما بيّن المؤلف أنها إذا أسقطت فإن الجنين يضمن أراد أن يبّين أنها لو ماتت هي بنفسها فإنها لا تضمن واستدل الحنابلة على هذا بأنّ مثل هذه الدعوى لا تقتل عادة والمؤلف ﵀ خالف المذهب في هذه المسألة والمذهب وهو القول الثاني: أنها تضمن لأنها ماتت بسبب الدعوى فصار الداعي سواء كان الحاكم أو المستعدي سببا في الموت فضمن.
والقول الثالث: أنّ هذه المرأة تضمن إذا كانت مظلومة إذا دعيت وهي مظلومة , ولا تضمن إذا دعيت وهي ظالمة. واستحسن هذا القول بعض محققي الحنابلة كالشيخ ابن قدامة وهو قول قوي ووجيه تفريق بين أن تكون ظالمة أو مظلومة.
قال ﵀ (ومن أمر مكلفا أن ينزل بئرا , أو يصعد شجرة فهلك به لم يضمنه)
стр. 2617
إذا أمر شخص آخر وكان المأمور مكلفا بأن يصعد إلى الشجرة أو فوق الشجرة أو ينزل في البئر فإنه إذا صار الصعود أو النزول سببا في هلاكه فإنّ الآمر لا يضمن والسبب في هذا من وجهين: الأول: القياس على الاستئجار فإنه إذا استأجر شخص شخصا وهلك المستأجر فإنه لا ضمان على المستأجِر.
الدليل الثاني: أنه ليس من الآمر جناية ولا تعدي غاية ما هنالك أنه أمره أن يصعد الشجرة وهو مكلف بالغ عاقل يعرف ما يضره فيجتنبه فلم يحصل منه تعدي فهم من كلام المؤلف انه لو كان المأمور غير مكلف صغير فإنّ الآمر يضمن لأنه بأمره للصغير في صعود الشجرة عرضه للهلاك فصار سببا في الجناية. صحيح لأنّ هذا نوع من التغرير بالصغير , ويستثنى من هذا الأوامر التي تعورف عليها اعتاد الناس عليها عرفا فإنه إذا أمر الطفل بشيء جرى العرف بأمره به فإنه إذا هلك الطفل فإنه لا يضمن أي الآمر. وإلاّ فالأصل الضمان.
قال ﵀ (ولو أنّ الآمر سلطان)
حتى لو كان الآمر هو السلطان يعني الحاكم بسلطته فإنه لا يضمن والسبب في هذا هو التعليل الأول: أنه ليس من السلطان جناية ولا تعدي وإنما أمره فأطاع وهو كبير ومكلف.
والقول الثاني: أنه إذا كان الآمر هو السلطان أي الحاكم فإنّ المأمور إذا أصيب بجناية فعلى الحاكم الضمان واختار هذا القول من الحنابلة الشيخ الكبير الفقيه القاضي أبو يعلى وتعليل ذلك أنّ في أمر السلطان من حيث هو نوع من الإجبار , إذ جرت العادة أنّ السلطان لا يخالف أمره هيبة أو رغبة فصار في هذا الأمر نوع من الإجبار فضمن.
والقول الثالث: أنه يضمن أي الحاكم إن أجبره ولا يضمن إن لم يجبره , وفي الحقيقة أقرب الأقوال والله أعلم اختيار القاضي أبي يعلى والسبب في هذا أنّ الأصل في أمر الحاكم أنه غالبا ما يكون على سبيل الإلزام ويندر ويبعد ويكاد لا يوجد أن يأمر السلطان أحدا ثم لا يستمع لهذا الأمر أو ينقاد فصار في هذا نوع من الإجبار فيكون عليه الضمان , لكن هل الضمان في مال الحاكم أو في بيت المال.
الصواب أنه إن كان الأمر لقضية تتعلق بمصالح المسلمين فالضمان في بيت المال وإذا كان الأمر لشيء شخصي فالضمان في مال الحاكم
стр. 2618
قال ﵀ (كما لو استأجره سلطان أو غيره)
هذا التعليل لعدم ضمان السلطان وهو القياس على ما لو استأجره السلطان فإنّ السلطان لو استأجر شخصا لبناء أو ليصعد شجرة أو لينزل إلى بئر ثم مات فإنه لا ضمان لأنّ الأصل كما تقدم معنا أنّ المستأجِر لا يضمن الجناية على المستأجَر التي بسبب العمل التي استأجره من أجلها. فهذا هو دليل الحنابلة وتقدم معنا أنّ هذا صحيح لولا شبهة الإلزام.
باب مقادير ديات النفس
قال ﵀ باب مقادير ديات النفس يعني باب لبيان مقادير ديات النفس وسيخصص المؤلف بابا آخر مستقل لديات ما دون النفس
وقوله باب مقادير / مقادير جمع مقدار والمقدار هو مبلغ الشيء وقدره مقدار الشيء هو مبلغه وقدره
بدأ المؤلف كما هو المنطقي بدية الحر المسلم
فقال ﵀ (دية الحر المسلم مائة بعير , أو ألف مثقال ذهبا أو اثنا عشر ألف درهم أو مائتا بقرة أو ألفا شاة)
اعتبر المؤلف أنّ هذه الأجناس الخمس هي مقادير الديات هنا نحتاج الدليل على كل واحد من هذه الأجناس فنبدأ بالإبل.
الإبل من أجناس الدية بالنص والإجماع لا إشكال فيها ولله الحمد. أما النص ففي حديث عمرو بن حزم يقول ﷺ ودية النفس المؤمنة مائة من الإبل.
وفي حديث جابر قال قضى النبي ﷺ الدية أنّ فيها مائة من الإبل أو مائتي حلة أو مائتي من البقر أو ألفين من الغنم فهذا الحديث ذكر البقر والغنم والحلل والإبل. لكن هذا الحديث فيه ضعف.
أما البقر والغنم فالدليل عليها حديث جابر هذا , لكن البقر والغنم من مفردات الحنابلة لم يوافق الحنابلة أحد على إدخال البقر والغنم ضمن أجناس الدية.
بقينا في الذهب. الذهب صحيح ثبت في حديث عمرو بن حزم أنه ذكر أنّ الدية من الذهب ألف مثقال.
стр. 2619
بقينا في الفضة. الفضة جاءت في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وجاءت أيضا في رواية لحديث جابر. الآن اكتملت الخمس أجناس في الديات سيذكر المؤلف مسألة مهمة جدا سنتحدث عنها وهي الأصل في الدية هل الأصل الإبل أو الأصل الخمس لكن قبل أن ننتقل لهذا أحب أن نتدارس في قضية أخرى وهي مسألة قيمة مائة من الإبل. مجلس القضاء الأعلى في السعودية نظر مرتين في قيمة الإبل. المرة الثانية المعتمدة أنا سأذكر لكم الآن ماذا خلص المجلس؟ المرة الثانية كانت في سنة ١٤٠١ هـ نحن الآن في صدد بيان قيمة المائة من الإبل باعتبار أنه في وقتنا هذا الديات لا تدفع من الإبل وإنما تدفع قيمة الإبل في سنة ١٤٠١هـ نظر مجلس القضاء الأعلى في دية شبه العمد والعمد , وبعد المدارسة وسؤال أهل الخبرة قضى إلى أنّ دية شبه العمد مائة وعشرة آلاف , ودية الخطأ مائة ألف وهذا التقدير مازال يعمل به إلى وقتنا هذا لكن في الحقيقة لما قرأت بيان مجلس القضاء الأعلى الصادر في هذه السنة ١٤٠١هـ أشكل عليّ جدا اختلاف الأسعار فلما سألت وجدت أنه هناك فارق كبير نحن الآن سنذكر مقادير هي من باب المدارسة وأما في باب القضاء فهم يحكمون بما يرون أنه مناسب لكن نحن الآن في باب المدارسة وتقرير الفقه فقط. الناس الذين يتعاملون بالإبل أربعة أجناس
الجنس الأول: القصابين. الذين يبيعون اللحم. الثاني: قالوا الشريطية اللي يبيعون ويشترون في الإبل. الجنس الثالث: الدلالين. الدلال هذا هو ما يملك ولكنه يسعى في بيعها , الأخير جنس يسمونهم المربية. كم صار أجناس الناس أربعة سألت أنا هؤلاء جميعا يعني نأخذ المتوسط من أسعار هؤلاء جميعا حتى إذا قلت مثلا قيمة الواحدة من الإبل كذا ما تقول هي قيمته عند أصحاب اللحوم ولا قيمته عند المربين الجواب أنه قيمته المتوسط هذا واحد.
اثنين: السؤال سألت بعد ارتفاع الأعلاف في سنة ١٤٢٧هـ ١٤٢٨هـ ارتفعت الأعلاف بشكل ملحوظ وأنا سألت سنة ١٤٢٨هـ بعد ارتفاع الأسعار. هذا اثنين.
стр. 2620
ثلاثة: سألت عن قيم الإبل المتوسطة لا قيم الإبل المرتفعة الثمن ولا الإبل منخفضة الثمن يعني تجنبنا تماما هذه اللي يسمونه المزايين لأنّ هذا غير شيء آخر إنما أخذنا الذي يتعامل به الناس والوسط من أيضا طيب النتيجة تبيّن لي أنه قيمة بنت المخاض ألفين ومائتين وبنت اللبون ثلاثة آلاف وخمسمئة والحقة أربعة آلاف والجذعة أربعة آلاف وخمسمائة. فإذا أردنا أن نأخذ قيمة المائة من كل واحد عشرين كما سيأتينا الآن سيكون مبلغ كبير جدا , ثلاثمائة وثمان عشرين ألف هذا يقابل التقدير المعمول به مائة ألف وهذا فارق كبير على أنه في الحقيقة أنا سعيت قدر المستطاع أني آخذ الوسط وأتحرى قدر الإمكان وكانت النتيجة هو هذا ما سمعت فأنا أرى أنه ينبغي إعادة النظر في القضية المائة ألف هذه فهي إجحاف بالجاني ولا المجني عليه؟ المجني عليه فأنت تعطيه ثلث حقه في الواقع. لاسيما على القول كما سيأتينا على قول بعض الفقهاء الذين يجعلون هي الأصل في الديات على هذا القول يكون في إجحاف واضح جدا فأنتم الآن سمعتم كيفية هذا التقدير والأجناس التي أخذت منها إلى آخره.
بنت المخاض ألفين ومائتين. وبنت لبون ثلاثة آلاف وخمسمائة. والحقة أربعة آلاف والجذعة أربعة آلاف وخمسمائة. وهذه الأسعار يجزم كثير من أصحاب الصنعة أنها أقل أيضا من الواقع يجزم بعضهم أنها أقل من الواقع فنحن أخذنا المتوسط وعند بعض الناس نعتبر أخذنا أقل من المتوسط.
قال ﵀ (هذه هي أصول الدية)
هذه مسألة مهمة. ما هو الأصل في الدية؟ فالحنابلة يرون أنّ الأصناف الخمسة أصول في الدية. الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة.
استدلوا على هذه أصول بحديث جابر السابق فإنه ذكر هذه الأصناف واستدلوا بحديث عمرو بن حزم فإنه ذكر نحوا مما ذكر في هذا الحديث.
والقول الثاني: أنّ أصول الديات الخمسة المذكورة عند الحنابلة مع إضافة الحلل واستدلوا بحديث جابر ففيه ذكر الحلل واستدلوا بأن عمر بن الخطاب قضى بالدية بالحلل هذا هو القول الثاني.
القول الثالث: أنّ الأصل في الدية الإبل والفضة والذهب فقط. لأنها المذكورة في الأحاديث المشهورة ولأنّ حديث البقر والغنم والحلل ضعيف.
стр. 2621
القول الرابع والأخير: أنّ الأصل في الدية الإبل فقط. واستدل هؤلاء بدليلين: الدليل الأول: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ النبي ﷺ كان يقوّم الديات على أهل البوادي بالإبل. فإن غلت رفعها وإن رخصت نقصها. ففي الحديث الدلالة الصريحة على أنّ القيمة تعرف بقيمة الإبل.
الدليل الثاني: أنّ النبي ﷺ لما خطب في مكة ذكر أنّ دية الخطأ مائة من الإبل.
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. حديث فيه اختلاف لكن يظهر لي الآن أنه إسناده حسن والراجح القول الأخير وإن كنت أقول إنّ هذه المسألة فيها إشكال وفي الأقوال قوة لاسيما القول قبل الأخير وهو اعتبار البقر والغنم والذهب والفضة ففيه قوة واضحة جدا. أما الغنم والبقر والحلي ففي القول بها ضعف لكن الخلاف في الحقيقة يدور بين الأصناف الثلاثة. فأقول مع كون الراجح القول الأخير إلاّ أنّ المسألة قوية وفيها احتمال وليست من الوسائل التي يكون فيها الراجح واضحا ظاهرا.
ثم - قال ﵀ (فأيها أحضر من تلزمه لزم الولي قبوله)
إذا أحضر الجاني الدية من أي صنف من الأصناف الخمس فإنه يلزم الولي أن يقبل لأنها أصول وليس له أن يرفض ويشترط الإبل أو الغنم أو البقر ولو كان الجاني من أهل صنف يختلف عن الصنف الذي أعطاه ولو كان المجني عليه من أهل صنف يختلف عن الصنف الذي أخذه. يعني إذا كان الجاني رجل يملك الإبل ودفع الدية من الفضة فيلزم ولي المجني عليه القبول أو لا يلزمه؟ يلزمه.
стр. 2622
لو كان المجني عليه رجل راعي بقر يعني ماله من البقر ودفع الجاني الدية من الإبل فإنه يلزمه أيضا أن يقبل لماذا؟ كل هذا يعود إلى مسألة أنّ الأصول هي هذه الخمسة كلها. وعلى القول بأنّ الأصل الإبل فإنه لا يلزمه أن يقبل وله أن يقول بل أريد مائة من الإبل لأنّ الإبل هي الأصل في الدية وليس له أي للجاني أن يلزم الولي بأن يقبل بدل هذا الأصل لأنّ هذا البدل يعتبر معاوضة ونحن قلنا أنّ المعاوضات لا تتم إلاّ بالرضا وهنا لا رضا. إذا على القول الراجح إذا أحضر له مائة ألف ريال له أن يقول أريد مائة من الإبل وإذا أحضر له من الفضة أو من الذهب أو من البقر أو من الغنم فالأمر كذلك له أن يرفض وأن يقول لا أريد إلاّ مائة من الإبل.
قال ﵀ (ففي قتل العمد وشبهه: خمس وعشرون بنت مخاض)
بدأ المؤلف ببيان أسنان الإبل في الديات. والدية تارة تكون مغلظة وتارة تكون مخففة وبدأ الشيخ بالدية المغلظة وهي دية العمد وشبهه.
فقال أنّ دية العمد وشبهه مائة من الإبل هذا متفق عليه لكن كيف نقسم هذه المائة يقول خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون ... الخ. أي أنها تقسم أرباعا بهذه الأسنان. الدليل على هذا أنّ السائب بن يزيد حدّث أنّ النبي ﷺ
جعل الدية في العمد وشبهه على هذه الأصناف فذكر التربيع. ﵁ لكن هذا الحديث فيه ضعف.
القول الثاني: أنّ الدية المغلظة أثلاثا , ثلاثين حقة. وثلاثين جذعة. وأربعون في بطونها أولادها. وهذا أغلظ بكثير من التقسيم الرباعي أليس كذلك؟ أولا جعل عدد الجذعة والحقة أكبر ثم ألزمه بأربعين في كل واحدة منها ولد. الدليل على هذا أنه جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده , وعمرو بن حزم , وحديث ثالث , في ثلاثة أحاديث جاء التنصيص على أنها أثلاث وهذه الأحاديث أصح بكثير من أدلة المذهب. ولهذا اختار هذا القول اثنان من محققي الحنابلة الأول الزركشي. والثاني أبو الخطاب. وهذا القول الثاني
أصح إن شاء الله وهو التثليث لأنّ أحاديثه أصح وأثبت.
انتقل المؤلف إلى الدية المخففة وهي دية الخطأ. فذكر أنها تجب أخماسا.
стр. 2623
قال ﵀ (وفي الخطأ: تجب أخماسا, ثمانون من الأربعة المذكورة , وعشرون من بني مخاض)
يعني تكون الدية عشرون بنت مخاض. وعشرين بنت لبون. وعشرين حقة. وعشرين جذعة. وعشرين بني مخاض. من كل واحد عشرين. الدليل أولا إلى هذا ذهب الأئمة الأربعة التخميس مذهب الأئمة الأربعة. واستدلوا على هذا بحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا أنه ذكر عن النبي ﷺ هذا التخميس. وحديث ابن مسعود روي أيضا موقوف والموقوف أصح.
القول الثاني: أنها أرباع كدية العمد وهو قول ضعيف يخالف النصوص. نحن قلنا أنّ تقسيم دية الخطأ أخماس مذهب الأئمة الأربعة أليس كذلك؟ إلاّ أنّ المالكية والشافعية. يجعلون بدل عشرين بني مخاض. عشرين بنت لبون. وهذا أصعب كأن يرون أنه أصعب سبب الخلاف بين الحنابلة والحنفية , والمالكية والشافعية. أنه في حديث ابن مسعود الموقوف في بعض ألفاظه عشرين بنت لبون. وفي بعض ألفاظه عشرين بني مخاض. إذا الترجيح بين القولين سيعود إلى الترجيح بين اللفظين. والناظر في اللفظين يرجح أنّ الثابت عن ابن مسعود عشرين بني مخاض فالحنابلة والحنفية أصح إذا التقسيم الرباعي من حيث هو متفق عليه لكن اختلفوا هل هي بني مخاض أو بنت لبون.
قال ﵀ (ولا تعتبر القيمة في ذلك)
يعني لا تعتبر القيمة عند اختيار جنس من الأجناس الخمسة فمثلا إذا جاء بمائة من الإبل لا يشترط فيها أن تكون أقيامها ألف مثقال من الذهب ولا اثني عشر ألف من الفضة لا يشترط ولو كانت أقل أو أكثر لماذا؟ لأنهم يرون أنّ كل جنس من هذه الأشياء هو أصل بنفسه فلا يشترط المساواة كذلك لو أتى بألف مثقال من الذهب لا يشترط أن تساوي قيمة مائة من الإبل. وهذا صحيح إذا قررنا أنّ الأصول الخمسة كل واحد منها أصل بنفسه. وعلى القول بأنّ الأصل الإبل حينئذ يشترط إذا جاء بأي جنس من الأجناس أن تكون قيمته مساوية لمائة من الإبل.
ثم - قال ﵀ (بل السلامة)
стр. 2624
بل تشترط السلامة يعني من العيوب فلا نشترط القيمة بل نشترط السلامة , والدليل على هذا أنّ الأصل في إطلاق النصوص السلامة من العيوب فإذا أمر بإعتاق عبد أو دفع دية من الإبل فالأصل في هذه الأشياء أن تكون سالمة من العيوب لأنه مقتضى الإطلاق.
قال ﵀ (ودية الكتابي: نصف دية المسلم)
في المقنع بعد أن ذكر دية المسلم الحر ذكر بعده دية المرأة المسلمة. والشيخ هنا في الحقيقة خالف ولم يحسن. كان ينبغي أن يبدأ بدية المسلمين ثم يتكلم عن دية غير المسلمين لكنه خالف الأصل ولو لم يخالف الأصل لكان أحسن. دية الكتابي على النصف من دية المسلم
عند الجماهير والدليل على هذا أنه في حديث عمرو بن حزم أنّ النبي ﷺ قال ودية الكتابي على النصف من دية المسلم
والقول الثاني: أنّ دية الكتابي الذمي أو المستأمن أو المعاهد كدية المسلم لأنه معصوم الدم كالمسلم والراجح الأول لأنّ النص فيه ظاهر قبل أن ننتقل استدل الذين قالوا أنّ دية الكتابي كدية المسلم بدليل أيضا آخر قد يكون أقوى من الدليل الذي ذكرت وهو أن الله تعالى قال ﴿فدية مسلمة إلى أهله﴾ [النساء/٩٢] وأنه ذكر هذا الحكم حين ذكر المسلم وحين ذكر الكتابي فدل على أنّ الدية فيهما واحد وهذا استدلال بالمفهوم ونحن أخذنا مرارا وأخذنا أنّ القاعدة أنّ المنطوق مقدم على المفهوم. وحديث عمرو بن حزم نص في أنّ دية الكتابي على النصف من دية المسلم فلا يمكن العدول عنه لظاهر نص ولو كان هذا النص من الكتاب.
قال ﵀ (ودية المجوسي والوثني: ثمان مائة درهم)
يعني دية غير الكتابي. يقول الشيخ ديتهما ثمان مائة درهم. يعني كم من الدية يعني ثلثا عُشر الدية الدليل قالوا أنه روي عن الصحابة ﵃ أنّ هذا هو دية المجوسي كما أنّ الإمام أحمد يقول لا يكاد أن يختلفون في دية المجوسي.
стр. 2625
القول الثاني: أنّ ديته كدية الكتابي سواء لأنّ في حديث عمرو بن حزم لما قال ودية الكتابي على النصف من دية المسلم. في لفظ آخر للحديث ودية الكافر على النصف من دية المسلم. فقالوا ودية الكافر هذا عام يشمل الكتابي وغيره من أصناف الكفار. والراجح القول الأول بل في القول الثاني نوع شذوذ لمخالفته المروي عن الصحابة فالصحابة بيّنوا أنّ المقصود بالكافر في حديث عمروبن حزم هو الكتابي.
قال ﵀ (ونساؤهم على النصف كالمسلمين)
الآن ذكر دية المرأة يقول ونساؤهم على النصف كالمسلمين. يقول أنّ نساء أهل الكتاب على النصف كنساء المسلمين. نبدأ بالأصل المقيس عليه وهو دية الحرة المسلمة. دية الحرة المسلمة على النصف من دية المسلم عند الجماهير بل حكي إجماعا ولم يخالف إلاّ من شذ
واستدل الجماهير بقول النبي ﷺ ودية المرأة على النصف من دية الرجل.
القول الثاني: المنسوب إلى الشذوذ , أنها كدية المسلم لقول النبي ﷺ وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل والمرأة نفس مؤمنة. والجواب عن هذا الدليل أنّ هذا اللفظ في حديث عمرو بن حزم وفي آخره ودية المرأة على النصف من دية الرجل ففي حديث واحد جاء دية النفس المؤمنة مائة من الإبل , ودية المرأة على النصف من دية الرجل , فدل هذا على أنّ المراد بالنفس المؤمنة هنا الرجل كما أنّ القول الثاني شاذ والشذوذ من أدلة الضعف ففي هذا علامة على ضعفه. فالراجح إذا إن شاء الله أنها على النصف. أما دية المرأة الكافرة فهي على النصف بلا إشكال من أهل دينه. ولعله ليس في هذه المسألة خلاف لأنّ الخلاف كان بسبب دية النفس المؤمنة وهذه ليست مؤمنة فهي على النصف من دية الرجل من دينها إذا لا إشكال في المرأة الكافرة وإنما الخلاف وإن كان خلافا شاذا إنما هو في دية المسلمة.
ثم - قال ﵀ (ودية الرقيق قيمته)
دية الرقيق قيمته ودية الرقيق تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: إما أن تكون قيمته أقل من دية الحر. فإذا كانت قيمته أقل من دية الحر فديته قيمته بالإجماع.
стр. 2626
القسم الثاني: أن تكون قيمته أكثر من دية الرجل الحر كأن يقتل عبد قيمته ألفي مثقال من الذهب أو عشرين ألف درهم , المهم أكثر من دية الرجل الحر المسلم فديته قيمته على المذهب ولو زادت عن دية الحر. لأنّ النظر في العبد إلى قيمته كسائر الأموال.
والقول الثاني: أنه لا يزاد في ديته عن دية الحر لأنّ الحر أشرف فكيف تكون دية العبد أكثر والراجح القول الأول بلا إشكال.
قال ﵀ (وفي جراحه ما نقصه بعد البرء)
يعني إذا أصيب العبد بجراح فدية الجراح بحسب ما نقص من قيمته بعد البرء , فإذا كانت قيمته قبل الإصابة مائة ألف وقيمته بعد الإصابة والبرء خمسون ألف فدية هذا الجرح خمسون ألف وهذا لا إشكال فيه إلاّ إذا كانت الجراح في جزء له دية خاصة من الحر مثلا العين من الحر فيها نصف الدية أليس كذلك كما سيأتينا. فإذا أصيب العبد بجزء له دية مقدرة من الحر ففيه خلاف. القول الأول كالطريقة الأولى مهما أصيب بأي جزء.
стр. 2627
والقول الثاني: أن نعطيه بمقداره من الدية فإذا أصيب في جزء من الحر فيه نصف الدية أعطيناه القيمة نصف القيمة وإذا أصيب في جزء فيه ربع الدية أعطيناه ربع القيمة. فإذا أصيب العبد في عينه وقيمته مائة ألف كم دية الجرح؟ خمسون ألف. القول الأول اختيار عدد من المحققين أنه ينظر إلى قيمته قبل وبعد البرء مطلقا اختيار شيخ الإسلام وغيره من المحققين. وهو فيه عدل وإنصاف وقوة لكن يشكل عليه شيء لم أر هم تطرقوا إليه في الحقيقة ولا أدري لماذا؟ هذا الإشكال هو أنّ العبد أحيانا يصاب بجرح ويبرأ الجرح ثم نجد أنّ العبد بعد الجرح قيمته كقيمته قبلها أليس كذلك؟ وهذا كثير جدا. مثلا إذا صار العبد إنما صار ثمينا لكونه كاتبا أصيب بجرح في بطنه وبرء هل يؤثر هذا على صنعة الكتابة سيبقى سعره كما هو صحيح لو أصيب في يده وهو حمال فسيؤثر هذا على سعره لكن أحيانا لا يؤثر هذه النقطة لم أجد أحدا يعني أنّ الفقهاء تطرقوا إليها وهو في حال ما إذا كان سعره قبل البرء وبعد البرء واحد. إذا كم سنعطيه هنا يكون التقدير الثاني ملجأ الحقيقة للإنسان وينضبط ولا يختلف باختلاف ما إذا زادت أو نقصت قيمة الجناية وفي الحقيقة الجناية أحيانا كثيرة ما تؤثر على السعر أليس كذلك؟ في أحيان كثيرة ما تؤثر وإن أثرت فتأثيرها قليل لا يقاس بالجناية على الحر والدية الواجبة بنفس الجرح لو كان حرا أليس كذلك؟ المهم لهذا كله القول الثاني فيه وجاهة. إلاّ أن يأتي أحد يجيب عن هذا الإشكال فيكون نبقى مع القول الأول ورجحانه. أما بدون إجابة القول الثاني لهذا السبب فيه وجاهة.
قال ﵀ (ويجب في الجنين ذكرا كان أو أنثى عشر دية أمه غرة)
стр. 2628
دية أمه إذا كانت حرة ومسلمة كم؟ خمسون من الإبل. العشر؟ خمس من الإبل إذا دية الجنين إذا سقط هو خمس من الإبل تأتي هنا عندنا الإشكال في التقدير السابق فمثلا إذا أردنا أن نأخذ التقدير الذي عليه العمل الآن ستكون قيمة الجناية خمسة آلاف لأنّ خمس من الإبل قيمتها كم؟ خمسة آلاف. بينما إذا أردنا أنّ نأخذ بالتقدير الذي ذكرت فيما إذا جنا شخص على جنين وسقط ستكون المبلغ ستة عشر ألف وأربعمائة ريال. الفرق يأتي دائما هنا أوهنا. متى قدرت سيكون هناك فرق.
والدليل على هذا أنّ النبي ﷺ لما اقتلت الهذليتين ورمت إحداهما الأخرى بحجر فسقط ما في بطنها حكم النبي ﷺ في الجنين بدية غرة عبد أو أمة إلى هنا انتهى الحديث من أتى الفقهاء بقضية عشر أمه وجدوا أنّ العبد أو الأمة في العهد النبوي تقدر قيمتهما بخمس من الإبل فعرفوا أنّ دية الجنين عشر دية أمه وأخذوا هذه قاعدة للتبسيط وإلاّ الحديث فيه أنه غرة عبد أو أمة.
يقول الشيخ ﵀ (وعشر قيمتها إن كان مملوكا)
إذا كان الطفل مملوك فإنّ الواجب في ديته عشر قيمة أمه فإن كانت أمه أمة فالأمر واضح. وإن كانت حرة.
يقول الشيخ ﵀ (وتقدر الحرة أمة)
فنقول أمه هذه وإن كانت حرة لو كانت أمة كم تساوي؟ ثم نخرج عشر القيمة وهي دية هذا الجنين الذي سقط بالجناية إذا عرفنا الآن الدليل على اعتبار العشر وماذا نصنع إذا كان الجنين عبدا , أما إذا كان حرا فكما قال المؤلف فيه عشر دية أمه.
قال ﵀ (وإن جنا رقيق خطأ أو عمدا لا قود فيه أو فيه قود واختير فيه المال أو أتلف مالا بغير إذن سيده تعلق ذلك برقبته)
стр. 2629
لو أنه ذكر ضابط وقال إذا جنا جناية توجب المال لانتهينا من هذا التمثيل فالحكم أنه يتعلق هذا المال برقبته. فقوله إذا جنا رقيق خطأ الخطأ يوجب القود أو الدية؟ الدية. إذا يوجب مالا. أو عمدا لا قود فيه. كما تقدم معنا أنّ الجروح فيها ما فيه دية وفيه ما فيه قصاص فالجروح التي ليس فيها قصاص كالمأمومة والجائفة وكسر الساق كما تقدم معنا في الدرس السابق هذه فيها دية فإذا جنا جناية لا قود فيها فسيكون الواجب في ذمته مال , أو فيها قود لكن اختار من له الصلاحية المال , أو أتلف مالا بغير إذن سيده تعلق ذلك برقبته. الدليل قالوا أنه إذا جنا العبد جناية توجب المال فإما أن يتعلق قيمة هذه الجناية بالسيد وهذا لا يمكن لماذا؟ لأنّ السيد لم يجني أو أن تتعلق بذمة العبد وهذا لا يمكن لماذا؟ لأنّ هذا يؤدي إلى ضياع الحق أو أن تكون هدر ولا يأتي الشارع بالهدر في الجنايات
لم يبقى إلاّ أن تتعلق برقبته وهذا صحيح لا مناص من تعلقها برقبته. فإذا تعلقت برقبته سيبيّن المؤلف الحكم.
قال ﵀ (فيخير سيده بين أن يفديه بأرش جنايته)
الأرش اسم للمال الواجب بسبب الجروح والجنايات هذا المال يسمى أرش. فيخير سيده بين أن يفديه بأرش جنايته. السيد مخير بين أمرين إما أن يفديه بأرش جنايته. ما معنى أن يفديه بأرش جنايته؟ أن يدفع. لأنه قلنا الأرش هي دية الجناية على الأطراف وما دون النفس فنقول أنت مخير إما أن تدفع هذه الجناية أو أن تبيع لكن الحنابلة يرون أنه لا يلزم السيد أن يدفع أرش الجناية إذا كانت أكثر من ثمنه. لأنّ الجناية إنما تتعلق برقبة العبد فيكف نلزم السيد أن يدفع أكثر من قيمته هذا هو المذهب.
стр. 2630
والقول الثاني: الذي يشير إليه المؤلف أنه يجب على السيد أن يدفع الأرش ولو كان أكثر من القيمة أو يبيع العبد فنلزم السيد بأحد أمرين إما أن يبيع أو يدفع الأرش. على المذهب لا يلزمونه بالبيع إذا أراد أن يدفع الأرش الذي هو يساوي قيمة البيع لا يلزمونه أن يبيع وعلى هذا القول نقول إما أن تبيع أو أن تدفع الأرش ولو كان أكثر من القيمة قد يظهر للإنسان أنّ الخلاف لا طائل تحته لأنه إذا ألزمناه وكان السعر بمقدار الأرش أو أكثر فإنّ السيد سيبعه ولن يدفع الأكثر أليس كذلك؟ لكن في الحقيقة الخلاف له أثر لأنّ السيد قد يرغب في ابقاء العبد أليس كذلك؟ وإن كانت قيمته في السوق تساوي أو أكثر من الأرش فنحن نقول أنت مخير بين أمرين على القول الراجح إما أن تبيع أو تدفع كامل الأرش ولو كان أكثر من قيمته وأنتم تعلمون الآن أنه يوجد كثير من السلع هي في لواقع أنفع من سعرها أليس كذلك؟ لو أراد الإنسان أن يبيعها لن تأتي له في السوق بسعر لكن هي مفيدة أليس كذلك؟ كذلك العبد ربما يكون مفيد لكن ليس له سعر في السوق. يبدوا لي أنّ ما ذهب إليه المؤلف وهو أنّ السيد مخير بين البيع ودفع الأرش ولو كان أكثر من القيمة هو القول الراجح. بخلاف المذهب.
يقول ﵀ (أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه)
إذا سلمه إلى ولي الجناية يعني سلم العبد وملكه لولي الجناية فقد برئت ذمة السيد لأنه أعطاه ما تعلق الحق برقبته فإن قال ولي الجناية لا أريد العبد بل تولى بيعه وأعطني الثمن فإنه لا يلزم السيد أن يبيع ويعطيه الثمن بل له أن يدفع العبد إلى ولي الجناية وتبرأ ذمته بذلك.
والقول الثاني: أنه ملزم أن يبيع ويعطيه الثمن. وهذا القول ضعيف في الحقيقة لأنّ السيد لم يجني وليس منه خطأ فكيف نلزمه بأن يتولى البيع ومشقة ذلك ليعطي ولي الجناية الثمن مع أنّ الحق متعلق برقبة العبد وهو دفع العبد برمته. فالراجح أنه لا يلزمه.
قال ﵀ (أو يبيعه ويدفع ثمنه)
следующие страницы →