← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

القسم الثاني: أن تكون قيمته أكثر من دية الرجل الحر كأن يقتل عبد قيمته ألفي مثقال من الذهب أو عشرين ألف درهم , المهم أكثر من دية الرجل الحر المسلم فديته قيمته على المذهب ولو زادت عن دية الحر. لأنّ النظر في العبد إلى قيمته كسائر الأموال. والقول الثاني: أنه لا يزاد في ديته عن دية الحر لأنّ الحر أشرف فكيف تكون دية العبد أكثر والراجح القول الأول بلا إشكال. قال ﵀ (وفي جراحه ما نقصه بعد البرء) يعني إذا أصيب العبد بجراح فدية الجراح بحسب ما نقص من قيمته بعد البرء , فإذا كانت قيمته قبل الإصابة مائة ألف وقيمته بعد الإصابة والبرء خمسون ألف فدية هذا الجرح خمسون ألف وهذا لا إشكال فيه إلاّ إذا كانت الجراح في جزء له دية خاصة من الحر مثلا العين من الحر فيها نصف الدية أليس كذلك كما سيأتينا. فإذا أصيب العبد بجزء له دية مقدرة من الحر ففيه خلاف. القول الأول كالطريقة الأولى مهما أصيب بأي جزء.

стр. 2627

والقول الثاني: أن نعطيه بمقداره من الدية فإذا أصيب في جزء من الحر فيه نصف الدية أعطيناه القيمة نصف القيمة وإذا أصيب في جزء فيه ربع الدية أعطيناه ربع القيمة. فإذا أصيب العبد في عينه وقيمته مائة ألف كم دية الجرح؟ خمسون ألف. القول الأول اختيار عدد من المحققين أنه ينظر إلى قيمته قبل وبعد البرء مطلقا اختيار شيخ الإسلام وغيره من المحققين. وهو فيه عدل وإنصاف وقوة لكن يشكل عليه شيء لم أر هم تطرقوا إليه في الحقيقة ولا أدري لماذا؟ هذا الإشكال هو أنّ العبد أحيانا يصاب بجرح ويبرأ الجرح ثم نجد أنّ العبد بعد الجرح قيمته كقيمته قبلها أليس كذلك؟ وهذا كثير جدا. مثلا إذا صار العبد إنما صار ثمينا لكونه كاتبا أصيب بجرح في بطنه وبرء هل يؤثر هذا على صنعة الكتابة سيبقى سعره كما هو صحيح لو أصيب في يده وهو حمال فسيؤثر هذا على سعره لكن أحيانا لا يؤثر هذه النقطة لم أجد أحدا يعني أنّ الفقهاء تطرقوا إليها وهو في حال ما إذا كان سعره قبل البرء وبعد البرء واحد. إذا كم سنعطيه هنا يكون التقدير الثاني ملجأ الحقيقة للإنسان وينضبط ولا يختلف باختلاف ما إذا زادت أو نقصت قيمة الجناية وفي الحقيقة الجناية أحيانا كثيرة ما تؤثر على السعر أليس كذلك؟ في أحيان كثيرة ما تؤثر وإن أثرت فتأثيرها قليل لا يقاس بالجناية على الحر والدية الواجبة بنفس الجرح لو كان حرا أليس كذلك؟ المهم لهذا كله القول الثاني فيه وجاهة. إلاّ أن يأتي أحد يجيب عن هذا الإشكال فيكون نبقى مع القول الأول ورجحانه. أما بدون إجابة القول الثاني لهذا السبب فيه وجاهة. قال ﵀ (ويجب في الجنين ذكرا كان أو أنثى عشر دية أمه غرة)

стр. 2628

دية أمه إذا كانت حرة ومسلمة كم؟ خمسون من الإبل. العشر؟ خمس من الإبل إذا دية الجنين إذا سقط هو خمس من الإبل تأتي هنا عندنا الإشكال في التقدير السابق فمثلا إذا أردنا أن نأخذ التقدير الذي عليه العمل الآن ستكون قيمة الجناية خمسة آلاف لأنّ خمس من الإبل قيمتها كم؟ خمسة آلاف. بينما إذا أردنا أنّ نأخذ بالتقدير الذي ذكرت فيما إذا جنا شخص على جنين وسقط ستكون المبلغ ستة عشر ألف وأربعمائة ريال. الفرق يأتي دائما هنا أوهنا. متى قدرت سيكون هناك فرق. والدليل على هذا أنّ النبي ﷺ لما اقتلت الهذليتين ورمت إحداهما الأخرى بحجر فسقط ما في بطنها حكم النبي ﷺ في الجنين بدية غرة عبد أو أمة إلى هنا انتهى الحديث من أتى الفقهاء بقضية عشر أمه وجدوا أنّ العبد أو الأمة في العهد النبوي تقدر قيمتهما بخمس من الإبل فعرفوا أنّ دية الجنين عشر دية أمه وأخذوا هذه قاعدة للتبسيط وإلاّ الحديث فيه أنه غرة عبد أو أمة. يقول الشيخ ﵀ (وعشر قيمتها إن كان مملوكا) إذا كان الطفل مملوك فإنّ الواجب في ديته عشر قيمة أمه فإن كانت أمه أمة فالأمر واضح. وإن كانت حرة. يقول الشيخ ﵀ (وتقدر الحرة أمة) فنقول أمه هذه وإن كانت حرة لو كانت أمة كم تساوي؟ ثم نخرج عشر القيمة وهي دية هذا الجنين الذي سقط بالجناية إذا عرفنا الآن الدليل على اعتبار العشر وماذا نصنع إذا كان الجنين عبدا , أما إذا كان حرا فكما قال المؤلف فيه عشر دية أمه. قال ﵀ (وإن جنا رقيق خطأ أو عمدا لا قود فيه أو فيه قود واختير فيه المال أو أتلف مالا بغير إذن سيده تعلق ذلك برقبته)

стр. 2629

لو أنه ذكر ضابط وقال إذا جنا جناية توجب المال لانتهينا من هذا التمثيل فالحكم أنه يتعلق هذا المال برقبته. فقوله إذا جنا رقيق خطأ الخطأ يوجب القود أو الدية؟ الدية. إذا يوجب مالا. أو عمدا لا قود فيه. كما تقدم معنا أنّ الجروح فيها ما فيه دية وفيه ما فيه قصاص فالجروح التي ليس فيها قصاص كالمأمومة والجائفة وكسر الساق كما تقدم معنا في الدرس السابق هذه فيها دية فإذا جنا جناية لا قود فيها فسيكون الواجب في ذمته مال , أو فيها قود لكن اختار من له الصلاحية المال , أو أتلف مالا بغير إذن سيده تعلق ذلك برقبته. الدليل قالوا أنه إذا جنا العبد جناية توجب المال فإما أن يتعلق قيمة هذه الجناية بالسيد وهذا لا يمكن لماذا؟ لأنّ السيد لم يجني أو أن تتعلق بذمة العبد وهذا لا يمكن لماذا؟ لأنّ هذا يؤدي إلى ضياع الحق أو أن تكون هدر ولا يأتي الشارع بالهدر في الجنايات لم يبقى إلاّ أن تتعلق برقبته وهذا صحيح لا مناص من تعلقها برقبته. فإذا تعلقت برقبته سيبيّن المؤلف الحكم. قال ﵀ (فيخير سيده بين أن يفديه بأرش جنايته) الأرش اسم للمال الواجب بسبب الجروح والجنايات هذا المال يسمى أرش. فيخير سيده بين أن يفديه بأرش جنايته. السيد مخير بين أمرين إما أن يفديه بأرش جنايته. ما معنى أن يفديه بأرش جنايته؟ أن يدفع. لأنه قلنا الأرش هي دية الجناية على الأطراف وما دون النفس فنقول أنت مخير إما أن تدفع هذه الجناية أو أن تبيع لكن الحنابلة يرون أنه لا يلزم السيد أن يدفع أرش الجناية إذا كانت أكثر من ثمنه. لأنّ الجناية إنما تتعلق برقبة العبد فيكف نلزم السيد أن يدفع أكثر من قيمته هذا هو المذهب.

стр. 2630

والقول الثاني: الذي يشير إليه المؤلف أنه يجب على السيد أن يدفع الأرش ولو كان أكثر من القيمة أو يبيع العبد فنلزم السيد بأحد أمرين إما أن يبيع أو يدفع الأرش. على المذهب لا يلزمونه بالبيع إذا أراد أن يدفع الأرش الذي هو يساوي قيمة البيع لا يلزمونه أن يبيع وعلى هذا القول نقول إما أن تبيع أو أن تدفع الأرش ولو كان أكثر من القيمة قد يظهر للإنسان أنّ الخلاف لا طائل تحته لأنه إذا ألزمناه وكان السعر بمقدار الأرش أو أكثر فإنّ السيد سيبعه ولن يدفع الأكثر أليس كذلك؟ لكن في الحقيقة الخلاف له أثر لأنّ السيد قد يرغب في ابقاء العبد أليس كذلك؟ وإن كانت قيمته في السوق تساوي أو أكثر من الأرش فنحن نقول أنت مخير بين أمرين على القول الراجح إما أن تبيع أو تدفع كامل الأرش ولو كان أكثر من قيمته وأنتم تعلمون الآن أنه يوجد كثير من السلع هي في لواقع أنفع من سعرها أليس كذلك؟ لو أراد الإنسان أن يبيعها لن تأتي له في السوق بسعر لكن هي مفيدة أليس كذلك؟ كذلك العبد ربما يكون مفيد لكن ليس له سعر في السوق. يبدوا لي أنّ ما ذهب إليه المؤلف وهو أنّ السيد مخير بين البيع ودفع الأرش ولو كان أكثر من القيمة هو القول الراجح. بخلاف المذهب. يقول ﵀ (أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه) إذا سلمه إلى ولي الجناية يعني سلم العبد وملكه لولي الجناية فقد برئت ذمة السيد لأنه أعطاه ما تعلق الحق برقبته فإن قال ولي الجناية لا أريد العبد بل تولى بيعه وأعطني الثمن فإنه لا يلزم السيد أن يبيع ويعطيه الثمن بل له أن يدفع العبد إلى ولي الجناية وتبرأ ذمته بذلك. والقول الثاني: أنه ملزم أن يبيع ويعطيه الثمن. وهذا القول ضعيف في الحقيقة لأنّ السيد لم يجني وليس منه خطأ فكيف نلزمه بأن يتولى البيع ومشقة ذلك ليعطي ولي الجناية الثمن مع أنّ الحق متعلق برقبة العبد وهو دفع العبد برمته. فالراجح أنه لا يلزمه. قال ﵀ (أو يبيعه ويدفع ثمنه)

стр. 2631

إذا باعه ودفع الثمن فقد برئت ذمته لأنه باع العين التي تعلق بها الحق فبرئت ذمته بذلك لأنه كما تقدم فعل ما عليه ببيع العين التي تعلقت به الجناية. إذا السيد مخير بين ثلاثة أمور دفع الأرش أو بعبارة أسهل دفع الدية. الثاني: تسليم العبد للمجني عليه. الثالث: أن يبيع والخيار في ظاهر كلام المؤلف لمن للسيد فهو مخير بين أي من هذه الأمور. مسألة / لو سلم العبد وكانت قيمة العبد أكثر من الجناية كأن تكون الجناية تقدر بألف ريال وقيمة العبد ألف وخمسمائة ريال فإنه لا يلزم ولي الجناية أن يعطي السيد الفرق لماذا؟ لأنّ الجناية تعلقت بكامل الرقبة. والقول الثاني: أنه يجب عليه أن يدفع الفرق لأنّ الجناية إنما تعلقت بالرقبة لأداء الدية ليس إلاّ فإذا أمكن أداء الدية ببعض قيمة العبد وجب أن يرد الباقي للسيد لأنه ملك للسيد. لكن في الحقيقة أنا أرى أنه لا يجب عليه لأنه لو شاء السيد لتولى هو البيع فنقول تولى أنت البيع وخذ ما تشاء وادفع قيمة الدية. باب ديات الأعضاء ومنافعها قال ﵀ باب ديات الأعضاء ومنافعها لما ذكر دية النفس انتقل إلى دية ما دون النفس. يقول الشيخ ﵀ (ومن أتلف ما في الإنسان: منه شيء واحد كالأنف واللسان والذكر ففيه دية النفس)

стр. 2632

الإنسان إما أن يتلف ما في الإنسان منه شيء واحد أو ما في الإنسان منه شيئان أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة. بدأ المؤلف بالأول فإذا أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد كالأنف واللسان والذكر ففيه دية النفس وعلى هذا دل النص والإجماع. إذا ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية وهذا دل عليه النص والإجماع والمؤلف ذكر ثلاثة الأول الأنف واللسان والذكر. والأنف واللسان والذكر مذكور في حديث عمرو بن حزم وأجمع عليه الفقهاء وتعليله أنه أذهب منفعة الجنس. فإذا قطع لسانه فليس في البدن من جنس اللسان عضو آخر يأتي بهذه المهمة أليس كذلك؟ فبقطعه أذهب منفعة الجنس جملة وتفصيلا ولهذا جعل الشارع الحكيم فيه دية كاملة قياسا على النفس لأنه أزهق النفس فقد أذهب كل النفس. وهذا كما قلت دل عليه النص والإجماع فلسنا بحاجة إلى مزيد تأكيد عليه ومن هنا ممكن أن يدفع الإنسان في شخص ثلاث ديات أليس كذلك؟ بأن يقطع لسانه وذكره وأنفه. فيدفع ثلاث ديات مع بقاء النفس. ثم - قال ﵀ (وما فيه منه شيئان: كالعينين) ما فيه منه شيئان كالعين هذا في الدية يعني إذا أذهب الشيئين ولا حظ معي أنّ المؤلف سيقول بعد هذا البحث وفي أحدهما نصفها إذا في العينين الدية وفي أحدهما نصفها وهذا أيضا دل عليه النص والإجماع فذكر دية العينين مذكور موجود في حديث عمرو بن حزم وكذلك أجمع عليه الفقهاء وكذلك أجمعوا على أن في النصف الدية كاملة. فدية العينين ودية النصف محل إجماع , لأنه سيأتينا في بعض هذه الأشياء خلاف في النصف لكن في العينين لا يوجد خلاف لا فيهما ولا في النصف منهما ويجب أن تستحضروا هذا لأنه إذا قال وفي أحدهما نصفها سنكون شرحنا النصف عند كل واحدة منهما. ثم - قال ﵀ (والأذنين) الأذنان فيهما الدية كاملة والتعليل أنه بإذهاب الأذنين أذهب جنس المنفعة ولأنه لا يوجد في البدن ما يقوم مقام الأذنين. القول الثاني: أنّ في الأذنين حكومة ومعنى الحكومة سيأتينا سيصرح المؤلف بتعريفها في آخر هذا الفصل واستدل الذين قالوا في الأذنين

стр. 2633

حكومة أنه ليس فيها نص من الشارع ولا قياس في الديات والراجح أنّ فيهما الدية ,لأنه لا فرق لأبدا بين العينين والأذنين لا من حيث المنفعة ولكن من حيث إذهاب شيء ليس في البدن منه إلاّ اثنين. نأتي إلى النصف. النصف يعني نصف الدية في الأذنين محل إجماع عند الذين قالوا أنه في الأذنين الدية. النصف يعني إذهاب أذن واحدة فيها نصف الدية بالإجماع لكن عند الذين قالوا أنّ في الأذنين الدية أما الذين قالوا أنّ فيها حكومة فهذا لايوجد عندهم نصف أصلا لأنهم لا يوجبون الدية.

стр. 2634

الدرس: (٣) من الديات قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المصنف ﵀: (والشفتين) الشفتين فيهما الدية وفي أحدهما نصفها. أما أنّ فيهما الدية فهذا دل عليه النص والإجماع فإنّ الفقهاء أجمعوا على أنّّ في الشفتين الدية كاملة وهو أي هذا الحكم مذكور في حديث عمرو بن حزم ﵁ المسألة أنّ في إحداهما نصف الدية إلى هذا ذهب الجمهور. والقول الثاني: أنّ في السفلى الثلثين والعليا الثلث. لأنّ منفعة الشفة السلفى أكبر من منفعة العليا والراجح القول الأول لأنّ النص جعل فيهما الدية ففي أحدهما نصفها , وأيضا يعني في الجواب نحن نجعل في اليدين الدية وفي إحداهما نصف الدية مع أنّ منفعة اليمنى أعظم من منفعة اليسرى مع ذلك لم يراعي الشارع هذا الفرق فكذلك في الشفتين. ثم - قال ﵀ (واللحيين) اللحيين هما العظمان اللذان ينبت عليهما أو تنبت عليهما الأسنان السفلية. ففيهما الدية لأنه ليس في البدن من جنسهما شيء يعني ليس في البدن إلاّ هذان العظمان. وفي أحدهما نصف الدية إلى هذا ذهب الجمهور. والقول الثاني: أنّ في اللحيين حكومة وكما قلت سيأتي معنى الحكومة مصرحا به في كلام المصنف استدل أصحاب القول الثاني بأنه ليس في النصوص ما يدل على أنّ اللحيين الدية والأصل في التقدير أن يأتي عن الشارع فلما لم يأتي عرفنا أنّ فيهما حكومة. ثم - قال ﵀ (وثديي المرأة)

стр. 2635

ثدي المرأة فيه نصف الدية وفي الثديين الدية كاملة , وهذا محل إجماع لأنّ في الثدي منفعة عظيمة جدا في إرضاع الولد واستمتاع الزوج كما أنه ليس في البدن من جنسهما شيء آخر ولهذا أجمع الفقهاء على أنّ فيهما الدية. المسألة الثانية / في أحدهما نصف الدية وهو أيضا محل إجماع. ثم - قال ﵀ (وثندؤتي الرجل) ثندؤتي الرجل فيهما الدية عند الجمهور في أحدهما وفي إحداهما النصف والدليل للجمهور أنه ليس في البدن منهما إلاّ اثنان وقد دلت النصوص على أنهما ليس في البدن منه إلاّ واحد أو اثنان فيه الدية. والقول الثاني: أنّ فيهما حكومة لأنهما لا نفع فيهما إنما فيهما جمال فقط ففيهما حكومة. والمسألة محل تأمل وتردد ولكن مع ذلك الأقرب إن شاء الله مذهب الجمهور لأنه يبدوا أنّ الشارع يجعل في كل ما ليس في البدن منه إلاّ اثنان الدية. ثم - قال ﵀ (واليدين والرجلين) اليدان والرجلان فيهما الدية يعني في كل من اليدين والرجلين الدية كاملة بالإجماع وهما من أنفع أعضاء الجسم وقد دل على وجوب الدية فيهما مع الإجماع النص ففي حديث عمرو بن حزم أنه جعل في اليدين الدية وفي الرجلين الدية وأمرهما واضح ولله الحمد أنّ فيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية يعني في كل منهما ففي اليد والواحدة نصف الدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية. ثم - قال ﵀ (والإليتين) ذهب الجماهير إلى أنّ في الإليتين الدية وفي إحداهما نصف الدية لأنّ فيهما نفعا لا يقوم غيرهما فيه مقامهما. ولأنه ليس في البدن منهما إلاّ اثنان وهذا القول هو الراجح بالنسبة للإليتين الأمر فيهما واضح إن شاء الله. وهو رجحان مذهب الجمهور لعظم نفعهما. ثم - قال ﵀ (والأنثيين) الأنثيين يعني الخصيتين فيهما الدية وفي إحداهما نصف الدية وهذا أيضا دل عليه النص والإجماع فإنّ النبي ﷺ جعل فيهما في حديث عمرو بن حزم الدية وقد أجمع على ذلك الفقهاء وأهمية الخصيتين لا تخفى إذ منهما ينتج الحيوانات المنوية وهي سبب حصول على الذرية فلا شك أنّ نفعهما جدير يإيجاب الدية في إتلافهما مع أنّ المسألة محل إجماع وفيها نص. ثم - قال ﵀ (وإسكتي المرأة)

стр. 2636

إسكتي المراة هما اللحمان المحيطان بالفرج إحاطة الشفتين بالفم. بالنسبة للمرأة وفيهما الدية وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة لما فيهما من نفع ولما فيهما من جمال ولما فيهما من وقاية وما ذهب إليه الأئمة الأربعة هو الراجح إن شاء الله والأمر فيهما واضح لنفعهما. قال المؤلف ﵀ (ففيهما الدية) يعني في ما ليس في الإنسان منه إلاّ شيئان الدية. (وفي أحدهما نصفها) تقدم معنا الحديث عن كل واحدة على حدة من جهة أنّ فيها النصف. ثم انتقل إلى قسم آخر. قال ﵀ (وفي المنخرين ثلثا الدية وفي الحاجز بينهما ثلثها) انتقل المؤلف إلى الكلام عن ما في البدن منه ثلاثة. وهو الأنف. فإنّ الأنف يشتمل على ثلاثة أشياء على المنخرين والحاجز بينهما فإذا أتلف الأنف ففيه الدية وهذا حكم إذا أتلف الأنف ما الحكم من أي قسم؟ ما فيه شيء واحد. قال الفقهاء إذا كان الأنف فيه الدية كاملة وهو ينقسم إلى ثلاثة أشياء علمنا أنّ كل واحد من هذه الثلاثة أشياء فيه ثلث الدية وقاسوا هذا على الأصابع وعلى كل ما فيه تعدد في البدن كالعينين والشفتين وما تقدم معنا مما فيه أكثر من واحد وهذا صحيح أنّ في كل من أجزاء الأنف الثلاثة ثلث الدية. قال ﵀ (وفي الأجفان الأربعة الدية) في الأجفان الأربعة الدية عند الجماهير الأئمة الأربعة وغيرهم سواء كان الذي جني عليه أعمى أو بصير. ففي الأجفان الأربعة الدية لأنه لا يوجد منها في الجسم إلاّ أربعة وهذا هو القسم الرابع ما لا يوجد في الجسم منه إلاّ أربعة وهي هذه الأجفان وإنما ذهب الجماهير إلاّ أنّ فيها الدية لنفعهما العظيم في وقاية العين وتجميلها وهذا أمره واضح. قال ﵀ (وفي كل جفن ربعها) الدليل على هذا هو الدليل السابق وهو أنه لما رأينا الشارع جعل فيها الدية علمنا أنّ في كل واحد منها ربع الدية.

стр. 2637

والقول الثاني: أنّ في الجفن الأعلى ثلثي الدية والأسفل ثلث الدية لأنّ نفع الأعلى أعظم من نفع الأسفل عكس الشفتين والراجح مذهب الجمهور والجواب على هذا الدليل هو الجواب على الدليل السابق في الشفتين وهو أنّا نجد أنّ الشارع في اليدين لم يفرق بين اليمنى واليسرى كذلك في القدمين لم يفرق بين اليمنى واليسرى. قال ﵀ (وفي أصابع اليدين الدية كأصابع الرجلين , وفي كل أصبع عشر الدية) انتقل المؤلف إلى ما في الجسم منه عشرة ولهذا يقول وفي أصابع اليدين الدية كأصابع الرجلين في كل أصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر الدية ولهذا نجد في حديث عمرو بن حزم. وفي كل أصبع من الأصابع عشر من الإبل وهذا ينسجم مع القاعدة العامة وهي أنّ الشارع إذا جعل على جزء دية كاملة فإنّ هذه الدية تنقسم على أجزاء هذا العضو وهذا الذي ذهب إليه الحنابلة وما ذهب إليه الحنابلة هو مذهب الجماهير والجم الغفير من أهل العلم. والقول الثاني: أنّ دية الأصابع ليست على حد سواء بل تتفاوت فدية الإبهام أعظم مما يليه ودية السبابة أعظم من الوسطى وهكذا الخنصر والبنصر فتنقص كلما ذهبنا إلى الأصغر لأنّ نفع الإبهام أعظم نفع مما يليه ونفع ما يليه أعظم مما يليه وهكذا. وهذا القول قول ضعيف لأنه مصادم للنص فإنّ النبي ﷺ جعل في كل أصبع عشر الدية كما أنه تقدم معنا أنّ الشارع لا ينظر دائما إلى المفاضلة بين منافع العضو الواحد بل تكاد تكون القاعدة أنّ الشارع لا يفاضل بين منافع العضو الواحد وإنما يفاضل بين منافع العضوين. قال ﵀ (وفي كل أنملة ثلث عشر الدية) لما كان كل أصبع عدا الإبهام فيه ثلاث مفاصل قسمنا العشر من الإبل على كل مفصل من مفاصل الأصبع فستكون دية المفصل الواحد ثلاث من الإبل وربع لكل واحد يعني نقسم العشر من الإبل على مفاصل الأصبع باعتبار أنّ قاعدة الشرع تقسيم دية العضو على أجزائه وهذا صحيح. قال ﵀ (والإبهام مفصلان , وفي كل مفصل نصف عشر الدية)

стр. 2638

الفقهاء يرون أنّ الإبهام فيه مفصلان فقط. ويجعلون الثالث في ما يبدوا للإنسان تابع للراحة وكف اليد إذا كان الإبهام ليس فيه إلاّ مفصلان فستقسم العشر على قسمين لكل مفصل كم؟ خمس من الإبل وهذا واضح وعند الذين يرون أنّ الإبهام ثلاث كباقي الأصابع تقسم العشر على ثلاث ويكون لكل مفصل ثلاث من الإبل وربع. وكان ينبغي في الحقيقة أن نسأل الأطباء هل يعتبر الإبهام فيه ثلاث مفاصل ولا فيه مفصلان فقط مع أنّ الظاهر أنه فيه مفصلان فقط. ما في الوسط وما في الأسفل كما قال الحنابلة. يقول الشيخ ﵀ (كدية السن) الشارع جعل في السن نصف العشر لقوله في حديث عمرو بن حزم وفي السن خمس من الإبل فالسن فيه نصف العشر كما أنّ المفصل الواحد من الإبهام فيه أيضا نصف العشر وهي خمس من الإبل. بهذا نكون انتهينا من الباب الثاني وهو المتعلق بديات الأعضاء ننتقل إلى الفصل الثاني منه وهي دية المنافع. فصل يقول المؤلف ﵀ فصل (وفي كل حاسة دية كاملة: وهي السمع والبصر) في كل حاسة في الجسم إذا أذهبها الجاني الدية كاملة لأنه ليس في الجسم منها إلاّ شيء واحد وقد ذكر المؤلف الحواس جميعا فقال في السمع والبصر. السمع والبصر يجب في كل واحد منهما الدية بالإجماع وفيه حديث أنّ النبي ﷺ جعل في السمع والبصر الدية لكنه ضعيف. لكن عندنا الإجماع وأيضا روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّ رجلا ضرب رجلا بحجر على رأسه فذهب منه العقل والنكاح والبصر واللسان فأوجب عليه عمر بن الخطاب ﵁ أربعة ديات قال الراوي وما يزال الرجل حيا فأوجب فيه عمر أربع ورأينا أنه أوجب هذه الأربع في البصر واللسان يعني الكلام فإذا السمع والبصر محل إجماع. مسألة / إذا ضربه ضربة واحدة ذهبت بالأذنين والسمع فعليه ديتان دية للأذنين ودية لحاسة السمع. قال ﵀ (الشم) الشم الدية كاملة وإلى هذا ذهب الجماهير بل حكي إجماعا وروي عن النبي ﷺ أنه قال وفي الشم الدية.

стр. 2639

والقول الثاني: أنّ في الشم الحكومة وليس فيها دية وعللوا هذا بأنّ منفعة الشم ضعيفة لأنه إنما تراد منفعة الشم ليشم بها والأرواح الكريهة في بعض الأماكن قد تكون أكثر من الأرواح الزكية فإذا قالوا بناء على هذا منفعة الشم ضعيفة. أليس كذلك؟ ماذا ترون بهذا الكلام هذا ذكره فقهاء كبار وجه الضعف من حيث التعليل إذا كنا سنعلل بالحواس أنها قد تلتقط ما يكره إذا قد يسمع ما يكره أليس كذلك؟ وقد يرى ما يكره من الحوادث المؤلمة والمفجعة ومن المناظر التي لا يحب أن يراها إذا التعليل بهذه العلة عليل في الواقع والشارع وهب الإنسان وأنعم عليه بالشم فإذا هو يستحق مقابل هذه النعمة إذا فقدها أن يأخذ العوض وهي الدية كاملة فالتعليل في الحقيقة ضعيف جدا. ثم - قال ﵀ (والذوق) الذوق الخلاف فيه كالخلاف في الشم فذهب الجماهير إلاّ أنّ فيه الدية لمنفعته. والقول الثاني: أنّ فيه حكومة لأنه لا دليل عليه ولأنّ منفعته أقل من منفعة السمع والبصر والراجح والله أعلم أنّ فيه الدية لأنه حاسة قائمة بنفسها كاملة ولهذا فيها الدية انسجاما مع تقرير الشارع الدية في الحواس الأخرى. قال ﵀ (وكذا في الكلام) وقوله وكذا في الكلام يعني إذا جنا عليه جناية منعته من الكلام وأصبح لا يستطيع أن ينطق ففيه الدية وهذا الحكم محل إجماع فإن تسببت الدية بذهاب بعض النطق فإنّ الدية تقسم على الحروف الهجائية وما نقص أخذ ديته. قال ﵀ (والعقل) إذا جنا عليه جناية ذهبت بالعقل فإنه يعطى الدية كاملة ودل على هذا النص والإجماع ففي حديث عمرو بن حزم وفي العقل الدية وأيضا أجمع الفقهاء على هذا والعقل لا شك من أهم ما منّ الله به على الإنسان بل به فضل على البهائم فإذهابه فيه الدية كاملة بلا إشكال فإن صارت الجناية سببا في إذهاب بعض العقل فما الحكم؟ يمكن هذا؟ ممكن إما بما ذكر أنه يفيق أحيانا أو يكون بعد الحادث

стр. 2640

تصوره للأشياء ضعيف وإدراكه للحقائق ضعيف وهذا موجود كثير بعد الجناية يكون عقله وإدراكه وتصوره أضعف منه قبل الجناية فالحكم أنه يعطى من الدية بقدر النقص فإن كان عقله من الأصل قليل قبل الجناية ماذا نصنع؟ أو لا يوجد هذا إنسان يكون عقله ضعيف من الأصل فما الحكم؟ كون المجني عليه من الأصل عقله ضعيف في باب الدية. وهذا من باب التمرين ولا نسأل الله الشفاء وعدم إصابة أي إنسان , في باب الدية هل هو أنفع له أو أضر له. لماذا؟ لأنه هو أصلا ناقص فالنقص لن يؤثر عليه فسيأخذ الدية كاملة بينما عند التفاوت قد ينقص عنه من الدية إذا العقل لا إشكال أنّ فيه الدية وفي نقصه مقداره من الدية لأنه من أهم ما منّ الله به على بني آدم. قال ﵀ (ومنفعة المشي) منفعة المشي فيها الدية كاملة لأنها منفعة مقصودة ولا يقوم غيرها مقامها وبعد البحث لم أر فيه خلاف في أنّ فيه الدية ربما يوجد لكن بعد البحث لم أر خلافا فيه ومع ذلك لم أر حكاية إجماع ولكن يتوجه أنّ فيه إجماع لأنّ منفعة المشي منفعة عظيمة ومقصودة ومنفعة المشي أعظم أحيانا من بعض الأجزاء التي فيها الدية كاملة. قال ﵀ (والأكل) بأن تسبب الجناية بعدم مقدرته على الأكل أي أن يصبح بعد الجناية لا يستطيع يأكل لماذا؟ لأي سبب إما بأن يفقد الشهوة أو أن لا يستطيع البلع المهم أن لا يستطيع الأكل بعد الجناية فحينئذ فيه الدية لأنه أذهب عليه منفعة كاملة. قال ﵀ (والنكاح) إذهاب النكاح المراد به إذهاب القدرة على الجماع وفيه الدية كاملة عند الأئمة الأربعة أولا لأنها بمعنى إذهاب الخصيتين. وثانياً: لأنه أتلف عليه منفعة لا يوجد لها نظير في الجسد. وثالثا: لعظم منفعة القدرة على الإنجاب ويقاس على إذهاب القدرة على الجماع ما لو سقاه دواء يجعله عقيما ففيه الدية ولو كان هذا الرجل يستطيع أن يجامع ولهذا عبر الفقهاء بالنكاح تمشيا مع أثر عمر ﵁ فإنّ الرجل الذي رمى رجلا كما تقدم معنا قال وذهب نكاحه. فإذا إذا ذهب النكاح وذهب ما يحصل به الإنجاب ولو بقي الجماع ففيه الدية. قال ﵀ (وعدم استمساك البول , أو الغائط)

стр. 2641

عدم استمساك البول أو الغائط فيه الدية بلا إشكال وهي محل إجماع والدليل على هذا المنفعة العظيمة في القدرة على التحكم بخروج البول والغائط فإذا ضربه ضربة أفقدته التحكم فإنّ فيه الدية وهذا لا إشكال فيه لعظم منفعة هذه الحاسة ولهذا صارت محل إجماع. قال ﵀ وفي كل واحد من الشعور الأربعة الدية وهي شعر الرأس , واللحية , والحاجبين , وأهداب العينين) في كل واحد منها الدية لأنّ فيها جمالا مقصودا. والقول الثاني: أنّ فيها حكومة لأنه لم يدل على وجوب الدية فيها نص وليس فيها إلاّ جمال بلا منفعة. والراجح القول الأول لأمرين الأمر الأول: أنّ الشارع يوجب الدية في إتلاف الأذنين من الأصم مع أنّ الأذنين في الأصم ليست إلاّ زينة. ثانياً: أنه قولهم ليس فيها نفعا بل هي للجمال ليس بصحيح بل جميع هذه الشعور فيها نفع عظيم للعينين والرأس وجلدة الرأس بالحماية والوقاية من الشوائب التي تدخل العين أو من البرد الذي يصيب الرأس صحيح أنّ نفعها قليل ولا يقارن ببعض الأعضاء لكن نفي النفع منها جملة وتفصيلا ليس بصحيح. قال ﵀ (فإن عاد فنبت سقط موجبه) دل كلام المؤلف على أنّه ينبغي إذا جني على الإنسان في شعره أن ننتظر ولا نبادر بالدية ولا بالقصاص لأنه ربما عاد الشعر وقدر الفقهاء مدة الانتظار بسنة وقالوا أنه إذا لم يخرج بعد السنة ففي الغالب لن يخرج فإن انتظرنا سنة وخرج فسقطت الدية. والصحيح أنّ مدة الانتظار يرجع فيها إلى أهل الخبرة وفي وقتنا هذا يرجع فيها إلى الطبيب فإن قال لا يمكن أن يخرج مرة أخرى فإناّ لا ننتظر وإن قال يخرج أو يمكن أن يخرج فإناّ ننتظر. قال ﵀ (وفي عين الأعور الدية كاملة) المقصود بهذه المسألة إذا جنا إنسان على عين أعور. والأعور هو الذي لا يبصر إلاّ بعين واحدة فإذا جنا عليه جناية أذهبت هذه العين التي يبصر بها ففيه الدية كاملة الدليل استدلوا بدليلين: الأول: أنّ هذا مروي عمر وعلي وعثمان ولا يعلم لهم مخالف من أصحاب النبي ﷺ الثاني: أنه بإذهاب العين والواحدة هو في الحقيقة أذهب حاسة كاملة وهي البصر.

стр. 2642

القول الثاني: أنّ في إذهاب عين الأعور نصف الدية فقط. لقول النبي ﷺ وفي العين نصف الدية وهذه عين وإن كانت في أعور وهذا القول الثاني هو نوع من الجمود على النص ولهذا لم يرتضه أصحاب النبي ﷺ واتفقوا على وجوب الدية كاملة وهذا هو الراجح إن شاء الله. قال ﵀ (وإن قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة عمدا فعليه دية كاملة ولا قصاص) هذا هو الحكم إذا قلع الأعور عين الصحيح فلا قصاص وهذا هو الأهم وعليه الدية كاملة يعني لا نصف الدية. الدليل قالوا أو لا قصاص لأنّ الصحابة حكموا بهذا. ثانياً: لأنّ لو حصل القصاص لأخذ المجني عليه أكثر من حقه فإنه أتلف حاسة كاملة من الجاني بقي علينا دليل على مسألة وهي لماذا عليه الدية كاملة وهو لم يتلف إلاّ عين واحدة أليس كذلك؟ قالوا عليه الدية كاملة لأنه أفتدى بذلك من نفسه حاسة كاملة وهي الإبصار. القول الثاني: أنّ المجني عليه مخير بين نصف الدية أو القصاص لقوله تعالى ﴿والعين بالعين﴾ [المائدة/٤٥] ولقوله ﷺ وفي العين نصف الدية. فهؤلاء بقوا مع النصوص على ظاهرها نقول للمجني عليه إما أن تقتص أو تأخذ نصف الدية كما في النصوص. القول الثالث: انه ليس للمجني عليه إلاّ نصف الدية وتلاحظ أنّ الأقوال فيها طرفا وسط وأنّ الوسط هو مذهب الحنابلة فلا نقتص ولا نكتفي بمجرد نصف الدية وإنما نعفيه من القصاص لئلا تذهب حاسة البصر ومع ذلك نأخذ منه كامل الدية في الحقيقة هذا قول فيه العدل للطرفين. كما أنه مقتضى فتاوى الصحابة. وقول الشيخ ﵀ وإن قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة. أفادنا أنّ الأعور لو قلع عين الصحيح غير المماثلة لعينه بأن كانت عين الصحيح أقل من عينه بأن تكون عين الصحيح مريضة أو معيبة وهو يبصر بها لكنها معيبة وعين الأعور صحيحة وقوية حينئذ ليس بينهما مماثلة وحينئذ لا قصاص وله نصف الدية. يقول الشيخ ﵀ (لعينه الصحيحة عمدا)

стр. 2643

أفادنا أنه لو جنا الأعور على عين الصحيح خطأ فإنّ الحكم أنه لا قصاص لأنه في الخطأ لا يوجد قصاص وليس له إلاّ نصف الدية لأنه في الخطأ لا يملك الإنسان إلاّ نصف الدية وإنما أوجبنا عليه في العمد الدية كاملة ليفتدي نفسه منها. قال ﵀ (وفي قطع يد الأقطع نصف الدية كغيره) الأقطع هو من ليس له إلاّ يد واحدة فإذا جنا إنسان على أقطع وقطع يده فهو بقطع اليد أذهب منفعة اليدين لأنّ الأولى مقطوعة وهو قطع الثانية. قال المؤلف ليس فيها إلاّ نصف الدية يعني ولا تقاس على عين الأعور واستدلوا على هذا بأنّ العين الواحدة من الأعور تقوم مقام العينين بينما اليد الواحدة من الأقطع لا تقوم مقام اليدين فلا قياس. القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد أنّ يد الإقطع الأولى إن كانت قطعت في سبيل الله في الجهاد أو قطعت ظلما ففي الثانية الدية كاملة وإلاّ فلا لأنّ فقده لليد إذا لم تكن في سبيل الله ولا ظلما بحق. الرواية الثالثة عن الإمام أحمد أنّ في يد الأقطع الدية كاملة والمسألة فيها احتمال والراجح القول الثالث لأنه في الحقيقة تقوم في كثير من الأمور مقام اليدين بدليل الفارق العظيم بين أقطع اليدين وأقطع اليد الواحدة. أقطع اليد الواحدة يكاد يكون كالأسوياء. يذهب ويأتي ويكتب ويقود السيارة وربما دافع عن نفسه بخلاف مقطوع اليدين صحيح أنّ العين الواحدة تقوم مقام العينين بالكامل أليس كذلك بخلاف يد الأقطع لا تقوم مقام اليدين بالكامل لكنها تقوم قيام جزئي أو قيام كبير مقام اليدين , خلاصة أنه إذا اعتدى على يد الأقطع ففيه الدية كاملة. لما بيّن الشيخ ﵀ دية النفس ثم دية الأعضاء ثم دية المنافع انتقل إلى آخر شيء في الباب وهو الشجاج وكسر العظام. باب الشجاج وكسر العظام الشج في لغة العرب / القطع. وأما في الاصطلاح فبيّنها المؤلف بيانا واضحا فقال ﵀ (الشجة: الجرح في الرأس والوجه خاصة)

стр. 2644

يعني وأما في باقي الجسم فتسمى جراح فإن كان الجرح في الوجه والرأس فيسمى شجة , وإن كان في باقي الجسد جراح لكن أشار بعض الفقهاء أنّ كثيرا من الفقهاء قد يسمي الجرح في غير الوجه والرأس قد يسميه أيضا شجة لكن الغالب المصطلح عليه هو أنها خاصة بالوجه والرأس. ثم - قال ﵀ (وهي عشر) خمس لا تقدير فيها وخمس فيها تقدير. وبدأ بالتي ليس فيها تقدير لأنّ المؤلف سينتقل من الأدنى إلى الأعلى. قال ﵀ (الحارصة التي تحرص الجلد أي تشقه ولا تدميه) هي التي تشق الجسم ولا تدميه. فهي جرح سطحي بسيط إذا هي تشق الجلد لكنها لا تدميه وأنت تلاحظ التدرج الدقيق بين الشجاج وهذه الأسماء نبه كثير من الشراح إلاّ أنها مأخوذة عن العرب فقبل الإسلام كانت هذه الشجاج تسمى بالاسم وتعرف بهذا الضابط إذا عرفنا الآن الحارصة. قال ﵀ (ثم البازلة الدامية الدامعة: وهي التي يسيل منها الدم) أفادنا المؤلف أنّ البازلة تنقسم إلى قسمين: الدامية والدامعة. فالدامية. هي الجناية التي تجرح الجلد وتظهر الدم لكن من غير سيلان. والدامعة. هي التي تجرح الجلد تشقه ويظهر الدم ويسيل. فإذا الحارصة والدامية والدامعة هي إما أن تكون تشق الجلد بلا دم أو معه بلا سيلان أو معه مع السيلان. قال ﵀ (ثم الباضعة: وهي التي تبضع اللحم) الباضعة هي التي تشق الجلد ثم تشق اللحم أيضا فهي تتجاوز الجلد. تجاوزنا الثلاث الأولى ودخلنا في اللحم فإذا تجاوزت الجلد ووصلت إلى اللحم هل معها سيلان؟ بالطبع إذا كانت الدامعة فيها سيلان فهذه تجاوزت الدامعة ووصلت إلى اللحم. قال ﵀ (ثم المتلاحمة: وهي الغائصة في اللحم) يعني هي التي دخلت في اللحم دخولا كثيرا لأنّ الباضعة دخلت في اللحم إلاّ أنّ دخولها دخولا يسيرا وأما المتلاحمة فهي دخلت دخولا كثيرا فوق الباضعة ودون السمحاق. قال ﵀ (ثم السمحاق: وهي ما بينها وبين العظم قشرة رقيقة) يعني أنها الجرح الذي يشق الجلد واللحم ويصل إلى السمحاق وهو القشرة المغطي للعظم إذا وقفنا على العظم ما باقي إلاّ العظم إذا السمحاق وصل إلى القشرة التي تغطي العظام وتلاحظ أنّ التدرج دقيق جدا.

стр. 2645

قال ﵀ (فهذه الخمس لا مقدر فيها بل حكومة) هذه الخمس جراحات أو الشجاج ليس فيها دية وإنما فيها حكومة استدل الجماهير على هذا بأنّ النبي ﷺ لم يجعل فيما دون الموضحة دية واستدلوا بأنه ليس في النصوص ما يدل على وجوب الدية في هذه الشجاج وإذا لم يجب فيها دية مقدرة انتقلنا إلى الحكومة. والقول الثاني: أنّ فيها دية خاصة ففي الأولى: بعير وفي الثانية: بعيرين والثالثة: ثلاثة. والرابعة: أربعة. ففي السمحاق كم وهي آخر المراحل أربع لأنها آخر المراحل عرفنا من هذا أنّ الأولى وهي الحارصة ليس فيها شيء إنما نبدأ من الثانية فإذا البازلة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق هذه الأربع فيها كل واحد في الأولى: بعير. وفي الثانية: اثنين. والثالثة: ثلاث. والرابعة: أربع. والراجح الأول لأنه ليس على هذا التحديد دليل فالراجح مذهب الجماهير. قال ﵀ (وفي الموضحة: وهي ما توضح العظم وتبرزه خمسة أبعرة) الموضحة هي التي تبدي بياض العظم سواء بدا من هذا البياض قدر كبير أو قدر يسير بالكاد يرى مادام رؤي بياض العظم فهي موضحة ديتها خمس من الإبل بالإجماع لقول النبي ﷺ في الموضحة خمس من الإبل. إذا الموضحة محل إجماع وليست محل إشكال وهذا في الحقيقة لو تأمل الإنسان وتأنى لوجد في هذا من عظمة التشريع شيء عظيم يعني أن يصل الشرع إلى درجة بيان مقدار الجرح كم دية الجرح الموضحة عبارة عن جرح كم دية هذا الجرح لا يوجد هذا في أي تشريع لكن هذا من دقة الله وعدله. قال ﵀ (ثم الهاشمة: وهي التي توضح العظم وتهشمه وفيها عشرة أبعرة) فيها عشرة أبعرة قال وهي التي توضح العظم وتهشمه. الهشم هو الكسر فهي تصل إلى العظم وتوضحه وتكسره فيها عشر من الإبل الدليل القياس على المنقلة فإنّ المنقلة فيها عشر من الإبل بالنص فجعلوا الهاشمة مثلها. والقول الثاني: أنّ فيها حكومة لعدم دليل خاص بها يدل على هذا التقدير وفي الحقيقة الهاشمة فيها تردد لأنها ليست كالمنقلة. المنقلة أعظم فكيف نساويها بها وهي أعظم من الموضحة فيعني الإنسان يتردد في الهاشمة وإن كان المذهب كما ترى يرون أنّ فيها عشر من الإبل.

стр. 2646

قال ﵀ (ثم المنقلة: وهي ما توضح العظم وتهشمه وتنقل عظامها وفيها خمس عشرة من الإبل) المنقلة هي التي تتجاوز التكسير إلى النقل ,والنقل معناه نقل العظم من مكانه إلى مكان آخر وفيه عشر من الإبل بالنص والإجماع وأمره واضح لقول النبي ﷺ وفي المنقلة خمس عشر من الإبل وهذا أمر واضح. قال ﵀ (وفي كل واحدة من المأمومة والدامغة ثلث الدية) يلاحظ أنّ المؤلف لم يبيّن تعريف المأمومة والدامغة مع أنه بيّن معاني السابقات كلها. فالمأمومة هي الجرح الذي يصل إلى أم الدماغ وهي الجلد الذي يغطي ويحوي الدماغ. وأما الدامغة فهي التي تصل إلى الدماغ. فيقول الشيخ وفي كل واحدة من المأمومة والدامغة ثلث الدية. المأمومة فيها ثلث الدية بالنص والإجماع لقول النبي ﷺ وفي المأمومة ثلث الدية. والدامغة: فيها عند الجمهور ما في المأمومة قياسا عليها. والقول الثاني: أنّ في الدامغة الثلث وحكومة فالثلث لمقدار المأمومة منها والباقي لما زاد. والقول الثالث: أنّ في الدامغة الدية كاملة واعلم أنّ كثير من الفقهاء لم يذكر الدامغة أصلا لماذا؟ لأنه لن ينجوا غالبا من الهلاك فسيكون فيه الدية كاملة لكن إن أصيب وصلت الجناية إلى الدماغ ولم يفقد العقل ولم يمت فالراجح أنّ فيه الثلث وحكومة إذا افترضنا أن يقع مثل هذا ففيه الثلث وحكومة وهذا أعدل الأقوال. نريد أن نعيد الخلاف في الهاشمة. الهاشمة يقول المؤلف فيها عشر من الإبل إلى هذا ذهب الجمهور واستدلوا على هذا بآثار عن أصحاب النبي ﷺ وهي ضعيفة نحن قبل قليل قلنا فيها عشر لكن الآن نعيد الخلاف إذا القول الأول أنّ فيها عشر من الإبل اعتمادا على آثار الصحابة القول الثاني: أنّ فيها خمس عشر من الإبل كالمنقلة قياسا عليها. القول الثالث: أنه ليس فيها دية بل فيها حكومة لأنه ليس في النصوص ما يدل على تقدير دية الهاشمة. والراجح بالنسبة للهاشمة في يظهر لي الآن أنّ فيها حكومة وفي هذا مراعاة في الحقيقة للمجني عليه لأنه ربما يأخذ أكثر من المنقلة. وأيضا أكثر من الموضحة. قال ﵀ (وفي الجائفة: ثلث الدية: وهي التي تصل إلى باطن الجوف)

стр. 2647

الجائفة هي التي تصل إلى مجوف في البدن وليس الجوف عند الفقهاء فقط البطن بل الجوف كل مجوف فيشمل الصدر والبطن والحلق والمثانة وكل مجوف في البدن فإذا وصلت الجناية إلى هذا المجوف فيقول المؤلف وفي الجائفة ثلث الدية هذا محل إجماع لم يخالف إلاّ واحد من السلف وهو مكحول ﵁ فقال إن كانت عمدا ففيها ثلثي الدية وإن كانت خطأ ففيها الثلث. والراجح مع الجمهور أنّ في الجائفة الثلث. ودليل الرجحان أنه مذكورة في حديث عمرو بن حزم أنه قال في الجائفة الثلث وعلمنا من هذا أنّ الجائفة والمأمومة ديتهما واحدة. قال ﵀ (في الضلع وفي كل واحدة من الترقوتين بعير) والترقوة العظم الفاصل بين المنكب والرقبة أو الواصل بينهما في كل واحد منهما يقول الشيخ بعير. الدليل أنّ هذا روي عن اثنين من الصحابة عمر وزيد. أما عمر فصح عنه. ﵁ وأما زيد فلم أقف على إسناده. والقول الثاني: أنّ في الترقوتين في كل واحد منهما والضلع حكومة لأنه ليس في النصوص ما يدل على التقدير وحملوا فتوى عمر ﵁ على أنها حكومة والظاهر والله أعلم كما فهم الإمام أحمد وغيره أنها ليست حكومة وإنما حكم ثابت ولهذا نقول الراجح إن شاء الله أنّ فيها بعير. قال ﵀ (وفي كسر الذراع وهو الساعد الجامع لعظمي الزند والعضد. والفخذ والساق إذا جبر ذلك مستقيما بعيران) ذكر الشيخ أربعة من العظام. العظم الأول" الذراع. يقول وهو الساعد الجمع لعظمي الزند. والعظم الثاني العضد ولهذا فإنّ علامة الترقيم الذي ذكرها المحقق ليست في مكانها بل يجب أن يجعل - شرطة - بعد كلمة الزند لأنّ الواو عاطفة على الذراع. إذا الأول الذراع والثاني العضد والثالث الفخذ والرابع الساق. ففي كل واحد من هذه العظام بعيران الدليل روي عن عمر ﵁ أنه أفتى في الزند بهذا وقيس على الزند باقي العظام.

стр. 2648

والقول الثاني: أنها فيها حكومة لعدم وجود الدليل الدال على هذا التقدير الدقيق. وهذه المسألة ليست كالمسألة السابقة لأنه لم يروى عن عمر إلاّ في الزند فإثبات باقي العظام إنما هو من باب القياس لا من باب النص. والقياس على أثر قد لا يكون فيه قوة التنصيص ولهذا الأقرب في العظام الأربع أنّ فيها حكومة. قال ﵀ (وما عدى ذلك من الجراح وكسر العظام ففيه حكومة) ما عدى هذه الجراح العشر والعظام المذكورة وهي أربع مع الأول ست ما عدى كسر هذه العظام والجروح فيها حكومة وهذا إجماع فقد أجمع الفقهاء على أنّ ما عدى هذه الأمور فيها حكومة لعدم الدليل على تقدير شيء معيّن فيها. قال ﵀ (والحكومة: أن يقوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوّم وهي به قد برئت فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية. كأن قيمته عبدا سليما ستون وقيمته بالجناية خمسون ففيه سدس ديته الحكومة كما ذكر المؤلف فالحقيقة عبارته جيدة وموضحة أنّ نقوم المجني عليه كعبد وننظر النقص في قيمته قبل وبعد الجناية فبمقدار النقص نعطيه من الدية فإن نقصت نصف قيمته نعطيه نصف الدية. وإن نقص الربع فالربع وهكذا. هذه هي الحكومة فإذا كانت قيمته كما قال المؤلف عبدا سليما ستون وقيمته بالجناية خمسون ففيه السدس , وإذا كانت قيمته مائة قبل الجناية وبعدها خمسين فله نصف بالنسبة لا بالقدر. وإذا كانت قيمته مائة قبل وبعد ثلاثون. الثلث. وهكذا وأمرها ظاهر لكن في الحقيقة نحن نحتاج الآن إلى أمر آخر حتى نقدر الحكومة وهو لم أر من تعرض إليه وهو أنه ما نملك كم قيمة العبد أليس كذلك. فكيف سنحدد الحكومة لم أجدهم تطرقوا إليها وينبغي في الحقيقة على المعاصرين من الفقهاء بحث مثل هذه المسألة لأنه لا يمكن أن تقول كم قيمته ونقدره عبد لأنه لا نعرف كم قيمة العبد فتحتاج إلى تأمل وهي خطرت في بالي الآن فلعلي أتأمل فيها لا حقا ونرى طريقة للتقدير سوى أن ننظر إلى القيمة قبل وبعد بالنسبة للعبد. قال ﵀ (إلا أن تكون الحكومة في محل له مقدر فلا يبلغ بها المقدر (

стр. 2649

إذا كانت الحكومة له في محل له مقدر لا نبلغ بها المقدر. فالسمحاق الآن فيها دية أو حكومة؟ حكومة لأنها من الخمس التي ليس فيها دية فإذا جاء إنسان وقدر السمحاق بخمس من الإبل الآن بلغت السمحاق دية الموضحة هو يقول أنه إذا بلغت دية إحدى الجراحات في جنسها فإنه لا تبلغ ولا يعطى بقدرها إذا ماذا نصنع؟ قال الفقهاء ينظر الحاكم وينقص منها بحسب رأيه ولا يوجد لهذا ضابط إنما نقول للحاكم نقصّ من هذا التقدير عن الموضحة بما ترى أنت أنه مناسب للجرح. بهذا يكون انتهى الباب ونأخذ إن شاء الله باب العاقلة. باب العاقلة وما تحمل قال ﵀ (عاقلة الإنسان عصابته) العاقلة مأخوذة في اللغة من العقل والعقل هو الدية سمي بذلك لأنه جرى العرف أنّ أولياء القاتل عاقلته يأتون بالإبل ويعقلونها ويربطونها في فناء أولياء المقتول. وبهذا سميت الدية وإن لم تكن من الإبل من العقل وسمي الذين يدفعونها بناء على هذا عاقلة. هذا من جهة اللغة. أما من جهة الشرع فبيّنها المؤلف فقال ﵀ (عاقلة الإنسان عصباته كلهم من النسب والولاء قريبهم وبعيدهم حاضرهم وغائبهم حتى عمودي النسب) قوله قريبهم وبعيدهم يعني وإن لم يرث بعضهم. ولم يبّن المؤلف كيف نقسم الدية على هؤلاء العاقلة وذكر الفقهاء أنها تقسم بحسب رأي الحاكم فيفرض على كل واحد من العاقلة القدر الذي يتناسب مع قربه وبعده ومع حاله المادية فهو أمر يرجع إلى الحاكم. نأتي أخيرا إلى العاقلة وهو الموضوع المهم من هم العاقلة؟ الحنابلة وغيرهم يرون أنّ العاقلة هم العصبة ويستدلون على هذا بقول النبي ﷺ في حديث الهذليتين في آخر قال وقضى بالدية على عصبتها وهذا في الصحيحين. القول الثاني: أنّ العاقلة هم العصبة سوى الأب والابن فليس على الأب والابن أن يدفعا من الدية شيئا. القول الثالث: أنّ العاقلة هم العصبة كلهم إلاّ الابن فقط واستدل أصحاب هذا القول على قولهم بأنّ النبي ﷺ لما حكم بالدية على العاقلة برء زوجها وابنها وهذا الحديث الذي فيه التنصيص على التبريء فيه ضعف.

стр. 2650

واستدلوا بدليل ثاني. وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه أنّ النبي ﷺ ورّث ابنها يعني من الدية هذا اللفظ صحيح وهو في البخاري لكن دلالته ليست صريحة وإنما يستشف منها أنّ الابن ليس من العصبة ولا يلزمه أن يدفع لأنّ النبي ﷺ ورّثه. وهذا القول الثالث اختاره ابن القيم ونصره. أنّ العاقلة هم جميع العصبة إلاّ الابن فقط. والإنسان يتردد بين القول الأول وهو مذهب الجمهور والقول الأخير لأنّ دلالة لفظ البخاري ليس بصريح فالإنسان يتردد بينهما في الحقيقة وإن كان مذهب الحنابلة فيه قوة لتنصيص النبي ﷺ على العصبة لكن يبقى أنّ الإنسان يتردد في أي القولين أما استثناء الأب فقول ضعيف ودليل الذين استثنوا الأب القياس على الابن قالوا إذا كان الشارع برأ الابن من دفع الدية فالأب من باب أولى وهذا القول ضعيف لأنّ القياس في مثل هذه الأمور غير وارد والمقصود بالعصبة كما سيأتينا في كلام المؤلف أي الذكور.

стр. 2651

الدرس: (٤) من الديات قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا في درس الأمس الكلام على من هم العاقلة في الشرع وذكرنا الخلاف على ثلاثة أقوال والراجح منها توقفنا على قول المؤلف ﵀ (ولا عقل على رقيق) لما بيّن المؤلف أنّ العاقلة هم العصبات أراد أن يبّين من يخرج ولا يكون من العاقلة فقال (لا عقل على رقيق) الرقيق لا عقل عليه يعني لا يتحمل من الدية شيء لأنه لا يملك فهو أسوأ حالا من الفقير فإنّ الفقير لا يجد شيئا يدفعه وأما العبد فهو لا يملك أصلا المال الذي بيديه ولهذا فهو لا يكلف بدفع الدية وهذا لا إشكال فيه. ثم - قال ﵀ (وغير مكلف) كالصغير والمجنون لا يحمل من الدية والعقل شيء حكي إجماعا وعللوا هذا بأنّ العاقلة تحمل نظرا لكونهم من أهل النصرة والتأييد , والمجنون والصغير ليس من أهل النصرة فلا يدخل في تحمل العقل. يقول ﵀ (ولا فقير)

стр. 2652

الفقير هو من لا يجد نصابا إذا حال الحول زائد عن نفقته الأصلية , والفقير لا يتحمل من العقل شيء عند الجماهير وحكي إجماعا واستدلوا على هذا بأمرين الأول" أنّ العاقلة يحملون من العقل لأمرين: التناصر وهو موجود في الفقير. والثاني المواساة وهي مفقودة في الفقير لأنه كيف يواسي غيره وهو لا يجد ما يكفيه هو بنفسه. هذا الدليل الأول. الدليل الثاني: القياس على الزكاة فإنها لا تجب على الفقير الذي لا يملك نصابا كذلك لا تجب عليه الدية. والقول الثاني: أنها تجب على الفقير للعمومات لكونه داخلا في العصبة ولأنه من أهل النصرة والتأييد وهي المعنى الذي من أجله شرعت الدية على العاقلة. والراجح المذهب إن شاء الله. قال ﵀ (ولا أنثى) المرأة لا تدخل في تحمل العقل بالإجماع لأنها ليست من أهل التناصر فلا علاقة لها بالدية. ثم - قال ﵀ (ولا مخالف لدين الجاني) إذا كان أحد من عصبات الجاني ليس على دينه فإنه لا يتحمل من العقل شيئا لأنّ المخالف في الدين ليس من أهل النصرة وإذا كان السبب في إيجابها على العاقلة هو التناصر فهذا السبب مفقود فيمن يختلف في الدين مع الجاني وهذا صحيح. قال ﵀ (ولا تحمل العاقلة: عمدا محضا) لعلكم تذكرون أنه في بداية كتاب الديات نص المؤلف على أنّ الدية إنما هي في الخطأ وشبه العمد وأنها هي التي يتحملها العاقلة وأنّ القتل العمد في مال الجاني وهذا تقدم معنا ولعل المؤلف أراد أن يؤكد هذا المعنى. ثم - قال ﵀ (ولا عبدا) المقصود هنا أنّ الجاني إذا قتل عبدا من العبيد فديته وهي قيمته كاملة في مال الجاني ولا تتحمل العاقلة منها شيئا. إذن إذا قتل الجاني عبدا فديته وديته تقدم معنا أنها قيمته في مال الجاني ولا تتحمل العاقلة شيئا واستدل أصحاب هذا القول وهم الجمهور بأثر عن ابن عباس ﵁ أنه قال وهو صحيح إليه لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولأنّ قتل العبد هو من باب إتلاف الأموال والقاعدة في إتلاف الأموال وجوبها في مال المتلف.

стр. 2653

والقول الثاني: أنها تجب على العاقلة كقتل غير العمد لأنه قتل يجب فيه القصاص وتجب فيه الكفارة فيقاس على قتل الحر. والراجح الأول لاسيما وقد صح عن ابن عباس ولا يعلم له مخالف. ثم - قال ﵀ (ولا صلحا) قوله ولا صلحا يعني ولا تتحمل العاقلة الصلح. وصورة ذلك. ما إذا ادعي على شخص أنه قتل خطأ أو شبه عمد وأنكر ثم إنّ هذا المنكر صالح أهل الدعوة صالحهم على مال معيّن فإنّ هذا المال لا تحمله العاقلة. واستدلوا بدليلين: الأول: الأثر السابق عن ابن عباس فيه أيضا ولا صلحا , لا تحمل عمدا ولا عبدا ولا صلحا. الدليل الثاني: أنّ هذا المال وجب عليه برضاه فإذا رضي هو به فيكون في ماله ولا تتحمل العاقلة منه شيء وصحيح أنّ هذا برضاه لأنه لو شاء لا استمر في الإنكار ولم يلزمه دية لكن لما صالحهم صار برضاه. ثم - قال ﵀ (ولا اعترافا) يعني أنّ العاقلة لا تحمل الدية إذا اعترف الجاني بأنه قتل شخصا خطأ أو شبه عمد , والسبب في هذا من وجهين: الأول: أيضا أثر ابن عباس فيه. ولا اعتراف. وهو كما تقدم صحيح. الثاني: أنه لو ألزمنا العاقلة بتحمل الاعترافات لصار هذا بابا لفتح المواطئة بأن يواطئ أناسا على الاعتراف بالقتل الخطأ ثم يحمل العاقلة ويتقاسم بعد ذلك هو وأهل المجني عليه الدية. الدليل الثالث: أنه حكي إجماعا وبهذا عرفنا أنّ قول المؤلف ولا تحمل عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا. هو نص أثر عن ابن عباس بهذا الترتيب لا تحمل عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا. يقول ﵀ (لم تصدقه به) يعني أنه إذا اعترف وأقرّ بأنه قاتل خطأ أو شبه عمد وصدقته العاقلة بأنه قتل فإنه تلزم العاقلة حينئذ بدفع الدية لأنّ الشبهة ارتفعت وكأنهم يرون أنّ أثر ابن عباس ليس على إطلاقه وإنما يحمل على ما إذا لم توافق أو تقّر العاقلة اعتراف الجاني. وهذا صحيح لأنها إذا أقرّت وصدقت انتفت الشبهة وصار قتلا خطأ كسائر القتل الخطأ. قال ﵀ (ولا ما دن ثلث الدية التامة)

стр. 2654

يعني أنّ العاقلة لا يحملون من الدية أقل من الثلث وإنما يحملون الثلث فأكثر أما ما دون الثلث فإنهم لا يحملونه , الدليل استدل الحنابلة بدليلين: الأول: أنه جاء في الحديث ليس على العاقلة ما دون الثلث الثاني: أنّ تحميل العاقلة إنما كان مواساة للجاني لئلا تجحف الدية بماله وما دون الثلث لا يجحف ولا يضر بناء على هذا القول دية كثير من الشجاج ستخرج معنا أليس كذلك؟ لأنها ما يحمل إلاّ الثلث فأعلى إذن كل شجة ليس فيها الثلث فإنها لا تحمل لأنهم ما يحملون إلاّ الثلث فأكثر فالموضحة وما بعدها والجائفة وما تقدم معنا مما فيه دون الثلث كله لا تحمله العاقلة إنما تحمل من الثلث أو الدية كاملة. والقول الثاني: للإمام الشافعي أنّ العاقلة تحمل ما قلّ وكثر من الدية. ودليله ﵀ العموم فإنّ النبي ﷺ حمل العصبة الدية ولم يفرق ما بين دون الثلث والثلث فما فوق. والراجح المذهب إن شاء الله. فصل قبل أن ننتقل لهذا الفصل قلنا أنّ الراجح لا تحمل إلاّ ما دون الثلث ومن أوجه الترجيح حتى يتبيّن لماذا مذهب الجمهور أقوى من مذهب الشافعي أنّ هذا قضى به عمر ﵁ وهذا يؤيد قول الجمهور مادام قضى به عمر خليفة وأقرّه الصحابة ﵁ وعنهم - فهذا يقوي مذهب الجمهور. ثم قال ﵀ فصل هذا الفصل في الكفارة والمقصود بيان كفارة الخطأ وشبه العمد , والكفارة في اللغة مأخوذة من الكَفَر وهي الستر والتغطية لأنها تغطي أثر الذنب وتغطي الذنب نفسه. وأما في الشرع / فالكفارة هي ما يجب في المال لقتل خطأ أو ظهار أو يمين أو نحوها مما يوجب الكفارات. والكفارة من حيث هي كفارة القتل الخطأ وغيره مشروعة بإجماع الفقهاء لم يخالف في هذا أحد فيه خلاف في بعض الأعمال هل فيها كفارة أو لا كما سيأتينا الآن ولكن في الجملة مشروعية الكفارة مجمعة عليها بين علماء المسلمين ﵏ قال ﵀ (من قتل نفسا محرمة)

стр. 2655

قوله من قتل نفسا محرمة يشمل إذا كان القاتل من المكلفين أو من غير المكلفين. كأن يكون صغيرا أو مجنونا وإيجاب الكفارة على غير المكلف هو مذهب الحنابلة بل هو مذهب الجمهور من الفقهاء فهم يرون وجوب الكفارة في مال الصغير واستدلوا على هذا بالقياس على الزكاة فإنهم قالوا كما أنّ الزكاة واجبة في مال الصغير فكذلك تجب عليه الكفارة. والقول الثاني: أنّ الكفارة لا تجب في مال الصغير وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ واستدل على هذا بالقياس على كفارة اليمين فإنها لا تجب على الصغير واستدل عليه أيضا بأنها عبادة والعبادات لا تطلب من الصغير وفي هذه المسألة إشكال كبير بعد التأمل لم يظهر لي أي قول من القولين ولم يترجح لاسيما رجحانا بيّنا. ثم - قال ﵀ (من قتل نفسا محرمة) النفس المحرمة إما أن تكون نفس المسلم أو نفس الذمي والمستأمن والمعاهد , أما نفس المسلم ففيها الكفارة بإجماع العلماء بلا مخالف وأما الذمي فذهب الحنابلة إلى أنّ فيه الكفارة لأنّ الله تعالى لما ذكر من بيننا وبينهم ميثاق جعل فيه كفارة. والقول الثاني: أنه لا كفارة في قتل الذمي فإذا صدم الإنسان كافرا معاهدا أو ذمياً من أي ديانة كانت فلا كفارة لقوله تعالى ﴿ومن قتل مؤمنا﴾ [النساء/٩٢] وهذا ليس بمؤمن. والراجح والله أعلم مذهب الجمهور وهو الأول وجوب الكفارة لأنّ الله رتبّ الكفارة على قتل غير المسلم في الآية وهذا القول أرجح كما أنه أحوط. ثم - قال ﵀ (من قتل نفسا محرمة خطأ) تقدم معنا أنّ القتل إما أن يكون عمدا أو خطأ أو شبه عمد. أما القتل الخطأ ففيه الكفارة بالإجماع وهو المقصود الأصلي بالكفارة. القسم الثاني: قتل شبه العمد فالقتل شبه العمد فيه خلاف فالحنابلة يرون وجوب الكفارة فيها لأنّ شبه القتل شبه العمد بالقتل الخطأ أكبر من شبهه بالعمد يدل على هذا أنه لا قصاص فيه والدية فيها على العاقلة أليس كذلك؟ فشابه بهذا القتل الخطأ.

стр. 2656

والقول الثاني: أنّ القتل شبه العمد لا كفارة فيه لأنه يشبه القتل العمد في أنّ في كل منهما القصد إلى الفعل. والراجح أنّ فيه الكفارة لأنه تقدم معنا مرارا أنّ القتل شبه العمد يشبه القتل الخطأ أكثر من شبهه بالقتل العمد في مواضع كثيرة تقدمت معنا وكذا في هذا الموضع ففيه الكفارة. القسم الأخير: القتل العمد فذهب الجماهير وحكي إجماعا أنه لا كفارة فيه واستدلوا بدليلين: الأول: أنّ الآية نصت على أنّ الكفارة خطأ ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ﴾ [النساء /٩٢] الدليل الثاني: أنّ ذنب القتل العمد أعظم من أن تكفّره الكفارة. والقول الثاني: أنّ فيه كفارة قياسا على القتل الخطأ وشبه العمد والراجح الأول وهو كما قلت مذهب الجماهير. ثم - قال ﵀ (مباشرة أو تسببا بغير حق) يعني سواء كان القتل خطأ قتلا مباشرا كأن يريد أن يقتل صيدا فيقتل معصوم الدم أو تسببا كأن يغرز سكينا يقع عليها مكلف أو يحفر بئرا يسقط فيه مكلف ونحو هذه الأشياء التي تكون سببا في قتل المعصوم سواء كان القتل بالمباشرة أو بالتسبب ففيه الكفارة. ثم - قال ﵀ (فعليه الكفارة) إذا قتل قتلا خطأ فعليه الكفارة والكفارة هي: ١ - عتق رقبة. فمن لم يجد ٢ - فصيام شهرين متتابعين ولو أنّ المؤلف ﵀ نص على الكفارة لكان أولى في الحقيقة لأنّ هذا الفصل موضوع لبيان الكفارة صحيح أنّ الكفارة مذكورة في كتاب الله بشكل واضح ولكن مع ذلك لو نص عليها لكان أولى عرفنا الآن أنّ الكفارة هي عتق أو صيام. تقدم معنا في كفارة الظهار بحوث كثيرة تتعلق بالعتق وشروط الرقبة وبحوث كثيرة تتعلق بالصيام والمتابعة فيه وحكم الإخلال بالمتابعة فكل البحوث التي تقدمت معنا في كفارة الظهار تنطبق في كفارة القتل الخطأ تماما فهي هي أدلة وترجيح ومسائل فهي تتشابه تشابها تاما. مسألة/ بقي معنا إطعام ستين مسكينا فالجمهور يرون أنه ليس في كفارة القتل إطعام ستين مسكينا واستدلوا على هذا بأنّ الله ذكر عتق الرقبة فقال ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء/٩٢] ثم قال ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ [النساء/٩٢] ولم يذكر إطعام ستين مسكينا ولو كان الإطعام واجبا لذكرته الآية مع خصال الكفارة.

стр. 2657

والقول الثاني: أنّ من لم يجد عتق الرقبة ولم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين فإنه يطعم ستين مسكينا قياسا على الكفارات الأخرى كالظهار والوطء في نهار رمضان والراجح والله أعلم أنه ليس في خصال كفارة القتل الخطأ الإطعام لأنه لم يذكر في الآية وفي هذا شبه دلالة على أنه ليس من الخصال. باب القسامة قوله باب القسامة القسامة مصدر أقسم ومعنى أقسم أي حلف والقسامة مشروعة بالسنة فقط. فليس فيها إجماع ولم تذكر في القرآن وأما دليلها من السنة فهو أنّ محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل خرجوا إلى يهود خيبر فلما وصلوا إلى النخيل تفرقا فجاء محيصة بن مسعود ووجد عبد الله بن سهل مقتول بين النخل فذهب عبد الرحمن بن سهل أخو عبد الله بن سهل وابنا عمه محيصة وحويصة إلى النبي ﷺ واتهموا يهود بأنهم قتلوه فقال النبي ﷺ تقسمون خمسين يمينا على رجل منهم فندفعه إليكم فقالوا يا رسول الله كيف نقسم ولم نشهد ولم نرى. فقال النبي ﷺ تقسم يهود لكم خمسين يمينا وليس لكم عليهم شيء فقالوا يا رسول الله قوم كفار ضلال. يعني أنهم لن يتورعوا عن القسم فواده النبي ﷺ من عنده من بيت المال. هذا الحديث جعله الجنابلة أصل في القسامة أما مشروعية القسامة بين الفقهاء ففيه خلاف. القول الأول هو ما سمعتم أنه مشروع وهذا دليله. والقول الثاني: أنّ القسامة لا تشرع واستدلوا على هذا بأنّ القسامة على خلاف قواعد الشرع فإنّ قواعد الشرع تدل على أنّ البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر وفي هذه الصورة وهي القسامة جعلت اليمين على المدعي وهذا خلاف قاعدة الشرع. والراجح أنّ القسامة مشروعة بلا إشكال إن شاء الله وأنّ القاعدة أنّ اليمين في حق أقوى المتداعيين وليست دائما في حق المدعى عليه وإنما خرج الحديث مخرج الغالب لأنّ المنكر غالبا أقوى من المدعي فجعلت اليمين في الحديث عليه وقد استوفى ابن القيم الكلام عن هذه المسألة وأطال جدا وبيّن أنّ القسامة مشروعة وأنها لا تنافي أصول الشرع وأنها بالعكس من هذا تؤدي مقاصد الشرع وذكر كلاما طويلا في ترجيح هذا القول وهو مشروعية القسامة.

стр. 2658

قال ﵀ معرفا لها (وهي: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم) المؤلف يريد أن يعرف القسامة فقال هي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم في الحقيقة المؤلف أغفل في التعريف أمرا ضروريا وجعله شرطا للقسامة وهو اللوث. والواقع أنّ القسامة من حقيقتها الشرعية وجود اللوث ولهذا لو أخذنا هذا التعريف أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم لم يتضح المراد لأنّ هذه الأيمان المكررة في دعوى معصوم لا تقبل ولا ينظر إليها إلاّ مع وجود اللوث ولهذا فإنّ الفقهاء ﵏ قالوا يشترط للقسامة ثلاثة شروط وذكروا تكرار الأيمان والدعوى وقتل المعصوم واللوث. فجعلوا اللوث من حقيقة القسامة. نأتي إلى كلام المؤلف وهي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم. بيّن المؤلف الشروط. الشرط الأول والثاني. الشرط الأول: أن تكون أيمان مكررة في دعوى فلا بد من تكرير الأيمان ولا بد أن يكون هذا التكرير في سياق الدعوى أما إذا كرر بدون دعوى فليست من القسامة إذا يجب أن يدعي أولا أنّ موليه قتل من الفئة الفلانية ثم إذا ادعى أقسم أيمانا مكررة. هذا هو الشرط الأول. الشرط الثاني: في قتل معصوم فإذا القسامة لا دخل لها في الشجاج والجروح إنما هي في القتل فقط ولم يبيّن المؤلف هل قوله في قتل معصوم عمدا أو خطأ أو شبه عمد وهذه المسألة فيها خلاف فمن الفقهاء من قال القسامة تختص بالقتل العمد ففي شبه العمد والخطأ لا قسامة ومن الفقهاء من قال بل القسامة تشمل جميع أنواع القتل وهي وإن جاءت في الحديث بسبب القتل العمد إلاّ أنّ هذا لا يجعلها تختص به فإنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والراجح أنّ القسامة لا تختص بالقتل العمد بل تشمل القتل العمد وأيضا شبه العمد والخطأ. ثم بدأ المؤلف ببيان الشرط الثالث وهو في الحقيقة كما قلت عمدة من عمد فقه القسامة وهي اللوث. فقال ﵀ (ومن شرطها اللوث)

стр. 2659

اللوث هي القرينة الحالية أو القولية التي توجب الظن وإن لم توجد بيّنة تامة , هذا التعريف بعد البحث وجدت أنه خير التعريف في الحقيقة وأقربها لبيان حقيقة اللوث إذا هي قرينة وليست بيّنة ولكن هذه القرينة توجب الظن ويجب أن لا يعتمد على هذه القرينة إلاّ عند عدم وجود بيّنة تامة أما إذا وجدت البيّنة التامة فليس للوث أي قيمة لأنه يكتفى بالبيّنة التامة إذا عرفنا الآن ما هو اللوث. ثم - قال ﵀ (وهي: العداوة الظاهرة كالقبائل التي يطلب بعضها بعضا بالثأر) ذهب الحنابلة إلى أنّ اللوث هو العداوة أي يشترط لوجود اللوث وجود العداوة واستدلوا على هذا بأنّ النبي ﷺ أثبتها في قصة الأنصاري لوجود العداوة بين الأنصار ويهود خيبر ولهذا فهم يرون أنّ اللوث يكون بوجود العداوة فقط. القول الثاني: أنّ اللوث أمر أعم من هذا فهو يشمل كل قرينة توجب التهمة وتدل على وقوع الجناية سواء كانت عداوة أو سواها ومثلوا على هذا بأن يجتمع النفر على شخص ويتفرقوا عنه وهو ميت أو أن نجد شخصا مقتولا وبجواره من يحمل السيف وفيه الدم ومثال ثالث هو أوضح وأقوى الأمثلة في الحقيقة وهو أن يشهد على أنّ فلان قتل فلان من لا تقبل شهادته في باب الجنايات كالمرأة والصبي والعبد فهؤلاء إذا شهدوا شهادتهم لا تكفي لإقامة الحد والقصاص أليس كذلك؟ لكنها توجب قرينة وتهمة أنّ من شهد عليه قام بالقتل حقيقة. وهذا المثال في الحقيقة يبيّن قوة القول الثاني وهذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام وغيره من المحققين وهو الصواب أنه يقصد باللوث كل ما أوجب تهمة. مسألة / مشروعية القسامة تكون عند وجود قتيل لا يعلم قاتله بشرطه , وهي الشروط المذكورة في هذا الباب فإذا توفرت الشروط وهذا المعنى جاز حينئذ القسامة. قال ﵀ (فمن ادعي عليه القتل من غير لوث حلف يمينا واحدة وبرىء)

стр. 2660

إذا ادعي على شخص أنه قاتل ولم يستطع المدعي أن يثبت وجود اللوث فليس على المدعى عليه إلاّ أن يقسم قسما واحدا ويبرأ لأنّ هذا الحكم في سائر الدعاوى ولأنّ عدم وجود اللوث يرفع وجوب تكرار الأيمان وهذا معلوم ولكن المؤلف أراد أن يقرر هذا الشيء ويبيّن أنّ التكرار يتعلق بوجود اللوث. قال ﵀ (ويبدأ بأيمان الرجال من ورثة الدم , فيحلفون خمسين يمينا فإن نكل الورثة أو كانوا نساء حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرىء) ذكر المؤلف في هذين السطرين جملة من المسائل فقوله ويبدأ بأيمان الرجال. المسألة الأولى: أنّ الذي يبدأ باليمين المدعي ثم ينقل إلى المدعى عليهم واستدل الحنابلة على هذا بأنّ النبي ﷺ طلب من المدعين بدم عبد الله بن سهل أن يحلفوا. والقول الثاني: أنه يبدأ بالمدعى عليهم لأنه في هذا الحديث في لفظ منه أنّ النبي ﷺ أمر اليهود أن يقسموا قبل أن يطلب من أهل الميت. وهذا اللفظ ضعيف ولهذا الراجح كما ذهب الحنابلة أنّ الذين يبدؤون باليمين هم أهل الميت الذين ادعوا. قال ﵀ (بأيمان الرجال) في هذه العبارة دليل أو إشارة مسألة وهي أنّ الذي يحلف هم الرجال فقط لقول النبي ﷺ يقسم خمسون رجلا منكم فالنساء لا دخل لهم في اليمين إذا يقسم خمسون رجلا منكم. ثم - قال ﵀ (من ورثة الدم) في هذا دليل على أنّ الذين يقسمون هم الورثة فقط. ومن لا يرث لا يقسم ولا يطلب منه ولا ينفعه أن يقسم وتقسم الأيمان على الورثة بحسب ورثهم فمن يرث النصف فعليه نصف الأيمان ومن يرث السدس فعليه سدس الأيمان ومن لا يرث إلاّ هو فيقسم كل الخمسين إذا للورثة ويقسم حسب ميراثهم. ثم - قال ﵀ (فيحلفون خمسين يمينا) وفي هذا دلالة على أنّ عدد الأيمان خمسون وهذا محل إجماع أجمعوا على أنّ عدد الأيمان خمسون يمينا لقول النبي يقسم خمسون رجلا فهذه المسألة لا إشكال فيها. قال ﵀ (فإن نكل الورثة أو كانوا نساء حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرىء)

стр. 2661

في هذا ما تقدم أنّ اليمين لا تنصرف إلى المدعى عليه إلاّ إذا نكل المدعي أما إذا أقسم فإنه لا يطلب من المدعى عليه يمين بل يدفع إلى أهل القتيل من أقسموا عليه ليقتلوه لكن إنما ترد اليمين إذا أبى أو نكل المدعون عن القسم وهذا صحيح وأفادنا المؤلف أنه إذا أقسم المدعى عليهم فإنهم يبرأون ولا شيء عليهم لا كفارة ولا دية ولا قصاص لأنه لم يثبت في حقهم أو لم تثبت الجناية من الأصل لعدم وجود الدليل الكافي شرعاً فإذا أفادنا المؤلف أنها ترد إليهم وأنهم إذا حلفوا يبرأون والدليل على هذا أنّ النبي ﷺ لما نكل أهل محيصة ﵁ رد اليمين إلى اليهود ولم يلزمهم بشيء. بهذا انتهى كتاب الديات

стр. 2662

الدرس: (١) من الحدود قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. كتاب الحدود الحد في لغة العرب/ المنع. وأما في الاصطلاح / فله معنى عام ومعنى خاص. أما معناه العام فحدود الله محارمه لقوله تعالى ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [النساء/١٣] أي محارم الله فهذا هو المعنى العام. أما المعنى الخاص. فالحدود الممنوعات الشرعية التي رتب عليها الشارع عقوبة محددة. فالزنا من الحدود لأنّ الله رتب عليه عقوبة محددة وهي الجلد أو الرجم كما سيأتينا بينما التقبيل من المحرمات إلاّ أنّ الشارع لم يرتب عليه عقوبة محددة شرعا فليس من الحدود إذا الحدود هي الأشياء التي منعها الشارع وأوجب على من فعلها حدا معيّنا أو عقوبة مقدرة معيّنة من قبل الشارع فجميع المحذورات أو المحرمات التي فيها التعزيرات ليست من الحدود. ثم - قال ﵀ (لا يجب الحد) الحدود مشروعة بالإجماع فإنّ السنة جاء فيها ما يشبه التواتر بإقامة الحدود من قِبل النبي ﷺ وعن خلفاءه الراشدين وستأتينا الأدلة في كل باب من أبواب الحدود اللاحقة. كما أنّ إقامة الحدود محل إجماع من الفقهاء لم يخالف فيه أحد فهي واجبة وفريضة متعيّنة دل عليها النص المتواتر وإجماع الأمة. ثم - قال ﵀ (لا يجب الحد إلاّ على بالغ عاقل) لا يجب الحد على غير البالغ العاقل بالإجماع لقول النبي ﷺ رفع القلم عن ثلاثة. إذا لا يجب إقامة الحد على غير مكلف وهذا محل إجماع والمؤلف ﵀ سيبيّن في هذا الفصل قبل أن يبدأ بالحدود بمسائل سيذكر مسائل تشترك مع جميع الحدود مسائل عامة تشترك فيها جميع الحدود ثم إذا انتهى من هذه المسائل العامة سيعود إلى كل حد ويعقد له بابا خاصا. يقول ﵀ (ملتزم)

стр. 2663

الملتزم يقصد به من التزم الأحكام الشرعية. وهو المسلم والذمي والدليل على أنّ الذمي يحكم فيه قوله تعالى ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة/٤٩] فالذمي تجب إقامة الحد عليه فيما يرى هو أنه محرم والنبي ﷺ أقام حد الرجم على اليهودي واليهودية. أما إقامة الحدود على المسلم فهو محل إجماع باقي الحربي والمستأمن هؤلاء لا تقام عليهم الحدود التي هي لحق الله. وتقام عليهم الحدود التي هي لحق الآدمي كالقذف. إذا صاروا ثلاثة أقسام. المسلم والذمي والحربي والمستأمن كل واحد له حكمه في إقامة الحدود. قال ﵀ (عالم بالتحريم) يشترط لإقامة الحد أن يكون من اقترف الذنب عالما بالتحريم لا بالعقوبة والدليل على هذا من وجهين: الأول: أنّ الصحابة رفعوا الحد عمن ادعى الجهل بتحريم الفعل. الثاني: أنّ قاعدة الشرع كما يقول شيخ الإسلام أنه لا تكليف إلاّ بعد العلم فهذا الشخص الذي لا يعلم يعتبر غير مكلف بهذا الأمر ويشترط لقبول دعوى عدم العلم أن يتصور منه عدم العلم كأن يكون في البوادي أو في قرية نائية أما من يعيش بين المسلمين فلا يقبل منه أن يقول لا أعلم أنّ شرب الخمر محرم أو أنّ الزنا محرم ولو ادعى لم يقبل منه ويقام عليه الحد. ثم - قال ﵀ (فيقيمه الإمام أو نائبه في غير مسجد) أفادنا المؤلف أنّ المعني بإقامة الحدود هو الإمام فقط , وليس لغيره كائنا من كان أن يقيم الحدود والدليل على هذا أن الذي كان يقيم الحدود هو النبي ﷺ فقط وخلفائه الراشدون وعلى هذا جرت الأمة إلى وقتنا هذا فهو إجماع محفوظ يستثنى من هذا أنه يجوز للسيد أن يقيم الحد على عبده ويختص هذا بحد واحد وهو الجلد وليس له أن يقيم حد القتل أو القطع. والدليل على هذا قوله ﷺ إذا زنت أمة أحدكم فليقم عليها الحد ولا يثرب. فدل هذا على أنه للسيد أن يجلد الأمة وأن يقيم عليها الحد إذا زنت. وأما الحدود التي تقتضي القتل أو القطع فإنه لا يجوز له أن يقيمه , ولا يستثنى من إقامة الحدود إلاّ هذه المسألة ونحن نقول لا يقيم الحد إلاّ الحاكم لما تقدم من أنّ النبي ﷺ هو الذي تولاه.

стр. 2664

والدليل الآخر: أنّ إقامة الحدود تحتاج إلى اجتهاد في إثباتها والنظر في البيّنات وهذا موكول إلى الحاكم ولأجل أن لا يحصل فيه تلاعب في الإثبات أو في النفي. ثم - قال ﵀ (في غير مسجد) لا يجوز إقامة الحد في المسجد لأنّ النبي ﷺ نهى عن إقامة الحدود في المساجد وهذا الحديث يعني حسنه المتأخرون. وأنا قلت لكم مرارا أنّ تحسين المتأخرين يحتاج إلى إعادة نظر لكن على كل حال أنا أقول لكم أنه حسنه المتأخرون ولم أجد وقتا للبحث في إسناده بدقة لكن حسنه المعاصرون. الدليل الثاني: أنّ الله أمر بإيجاد المساجد لإقامة ذكر الله لا لإقامة الحدود. الأمر الثالث: أنه لم يحفظ أنّ النبي ﷺ أقام أيّ حد في مسجده. مسألة / فإن أقيم الحد في المسجد فإنه لا يجب إعادته بل يعتبر مجزأ. ثم - قال ﵀ (ويضرب الرجل في الحد: قائما) يعني أنّ الرجل لا يضرب جالسا وإنما يضرب وهو قائم والدليل على هذا من وجهين: الأول" أنّ ضرب المجلود قائما مروي عن علي بن أبي طالب ﵁ إلاّ أنّ هذا الأثر فيه ضعف. الدليل الثاني: أنّ ضربه قائما يؤدي إلى توزيع الضرب على كامل الجسد. والقول الثاني/ أنه يضرب جالسا لا قائما لأنه ليس في النصوص الشرعية ما يدل على أنه لا بد أن يكون قائما فيجزئ إقامة الحد عليه ولو كان جالسا. والراجح إن شاء الله أنّ هذا الأمر فيه سعة ويرجع إلى الإمام. والأحسن أن لا يضرب إلاّ قائما. ثم - قال ﵀ (بسوط) يعني أنّ الجلد يكون بهذه الأداة وهي السوط واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول: أنّ المتبادر إلى الذهن في لغة العرب عند إطلاق كلمة الجلد أنه يكون بالسوط. الثاني: أنه نقل أنّ النبي ﷺ جلد بالسوط. القول الثاني/ أنّ الجلد يكون في شرب الخمر بالنعال والأيدي وأطراف الثياب واستدلوا على هذا بأنّ رجلا شرب الخمر في عهد النبي ﷺ فجلد بأطراف الثياب والأيدي والنعال. والراجح القول الأول. والجواب عن هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أنّ الجلد بهذه الطريقة كان في أول الإسلام ثم نسخ.

стр. 2665

والوجه الثاني: من الجواب أن يقال أنه يرجع في كيفية الضرب إلى رأي الإمام بحسب اختلاف الشارب والراجح والله أعلم أنه لا يضرب إلا بالسوط. لأنّ العبرة والنكاية والتأديب لا يكون إلاّ بهذا وإن ضرب بعض الصحابة بمثل هذا الضرب فهذا لكون الخير عندهم منتشر فاكتفوا بمثل هذا أما في وقتنا بل في وقت عمر بن الخطاب ﵁ أسرف الناس في شرب الخمر فكيف في الأوقات التي تليه ولهذا نقول الراجح أنه لا يجوز الضرب إلاّ بالسوط. ثم - قال ﵀ (لا جديد ولا خلق) يعني أنه لا يضرب بسوط جديد ولا يضرب بسوط خلق , والدليل على هذا من وجهين: الوجه الأول: أنّ النبي ﷺ أوتي بسوط جديد فرده ثم أوتي بسوط خلق فرده ثم قال النبي ﷺ بين هذين. الدليل الثاني: أنّ الجلد بالسوط الجديد يجرح الجلد والجلد بالسوط القديم لا يحصل منه التأديب المرجو فصار الأمر إلى السوط المتوسط. ثم - قال ﵀ (ولا يمد , ولا يربط , ولا يجرد) استدل الحنابلة على عدم المد والربط والتجريد بما روي عن ابن عباس أنه قال ليس في ديننا مد ولا ربط ولا تجريد , وهذا الأثر أيضا فيه ضعف. والقول الثاني: أنه لا بد في الجلد من التجريد ومعنى التجريد أن يقع السوط على الجلد واستدلوا على هذا بأنّ الأصل إذا قيل الجلد أن يجلد الإنسان يعني على جلده والراجح أنه لا مد ولا ربط ولا تجريد في الدين لأمرين: الأول: أنّ من جلد وعليه ثيابه يصدق عليه أنه مجلود. الثاني: أنّ هذه الطريقة لم تنقل عن أصحاب النبي ﷺ وقد كانت هذه الطريقة معمول بها عندنا فكان يمد على الأرض مدا لا يربط وإنما يمسك مسكا قويا ويجلد جلدا قويا وربما أغمي عليه لكن هذا الأمر ترك وصار الآن الجلد على مقتضى كلام الفقهاء يجلد قائما ولا يجرد ولا يربط. لكنهم أحيانا يربطونه إذا أبى الوقوف أو اشتد عليه الألم ثم أبى الوقوف يربطونه ولا يربطونه ابتداء. ثم قال ﵀ (بل يكون عليه قميص أو قميصان)
следующие страницы →