Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
مقصود المؤلف بقوله قبل أن يبرد يعني قبل أن تزهق روحه تماما والسلخ وكسر العنق قبل أن تخرج الروح تماما فيه تعذيب للبهيمة فعليه أن ينتظر إلى أن تخرج الروح ثم إن شاء سلخ وكسر الرقبة ومن هنا نعلم أنّ كسر الرقبة بالتعجيل بموت الذبيحة أيضا مكروه فإنّ كسر الرقبة مكروه لأي غرض سواء كان للاستعجال أو لغيره وهو مكروه لأنّ فيه تعذيبا للبهيمة وقول الفقهاء كسر الرقبة معلوم أنّ مقصودهم كسر الرقبة وهي حية أما كسر الرقبة بعد الموت لا إشكال فيه لكنهم يقولون كسر الرقبة ويقصدون يعني قبل أن تموت.
باب الصيد
الصيد في اللغة /يأتي على معنيين:
المعنى الأول: نفس المصيد يعني الحيوان
والمعنى الثاني: الفعل يعني الإصطياد
فهذه الكلمة تطلق على المعنيين في آن واحد.
وأما تعريف الصيد في الاصطلاح / فهو جرح حيوان مباح غير مقدور عليه.
هذا التعريف جيد في الحقيقة وشامل جرح حيوان مباح غير مقدور عليه هذا تعريف للمالكية من وجهة نظري أنه من أسلم التعاريف وأوضحها وأدلها على المقصود وأشملها للحيوان المتوحش والحيوان الأهلي إذا ند وتوحش.
ثم - قال ﵀ (لايحل الصيد المقتول في الاصطياد إلى بأربعة شروط: أحدها: أن يكون الصائد من أهل الذكاة)
الشرط الأول أن يكون الصائد الذي صاد هذا الحيوان من أهل الذكاة وتقدم معنا في الباب السابق من هم أهل الذكاة فمن يجوز له ومن تحل ذبيحته هو الذي يحل منه الصيد ولهذا لو جاء المجوسي وصاد أو الوثني وصاد فإنه صيده ميتة وإن جاء الكتابي فصاد أو جاء المسلم فصاد فصيده حلال إذا من تحل ذبيحته هو من تقدم في باب الذكاة.
ثم - قال ﵀ (الثاني: الآلة: وهي نوعان محدد:)
الشرط الثاني أن يستعمل في الصيد آلة وآلة الصيد في الشرع تنقسم إلى قسمين: المحدد والجوارح. بدأ الشيخ بالمحدد. الصيد بمحدد جائز بإجماع الفقهاء واستدلوا على هذا بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ المائدة/٩٤] فدل هذا على أنّ قتل الصيد بالرمح صيد يعني اصطياد فدل عليه النص والإجماع لكن هذا المحدد له شروط.
يقول المؤلف ﵀ (يشترط فيه ما يشترط في آلة الذبح)
стр. 2767
وخلاصة ما يشترط في آلة الذبح أمران: الأول" أن ينهر الدم بالقطع لا بثقله. والثاني: أن لا يكون بالسن ولا بالظفر. هذا خلاصة شروط الآلة السابقة هذه الشروط تشترط أيضا في آلة الصيد فيجب أن يقتل بجرحه وقطعه وإسالته للدماء لا بثقله وسيؤكد المؤلف الشرط الثاني ولهذا هو يقول وأن يجرح يعني ويشترط في الآلة أن يجرح وفي الحقيقة هذا الشرط مستفاد من الشرط السابق لأنه من شروط الآلة السابقة أن تجرح وبيّنها المؤلف تماما وهي أن تنهر الدم وألاّ تقتل بدق العروق وإن خرج بعد ذلك الدم بل يجب أن يخرج الدم نتيجة الجرح لا نتيجة الثقل والدق.
ثم - قال ﵀ (فإن قتله بثقله لم يبح وما ليس بمحدد .... الخ)
قوله فإن قتله بثقله لم يبح وما ليس بمحدد مسألة واحدة هاتان المسألتان مسألة واحدة لأنّ الذي يقتل بثقله هو ما ليس بمحدد وإذا أردنا أن نقول العلة في ما ليس بمحدد البندق والشبكة والعصا أيضا سنعلل هذا أنه يقتل بثقله إذن نقول فإن قتله بثقله لم يبح وما ليس بمحدد كالبندق والعصا والشبكة والفخ لا يحل ما قتل به وهذا شيء واحد وهو أنّ الصائد إذا قتل بآلة تقتل بثقلها فإنّ الصيد لا يجوز والدليل على هذا أنّ النبي ﷺ سئل عن المعراض فقال النبي ﷺ إن قتل بجرحه فكل وإن قتل بعرضه فلا تأكل. وهو حديث صريح بأنه إذا قتل المعراض بعرضه يعني بثقله فإنّ الصيد لا يجوز وهو نص يؤيد ما ذهب إليه الحنابلة من أنّ القتل بآلة الصيد يشترط فيه القطع والخزق.
والقول الثاني: أنه لا يشترط وأنّ الإنسان إذا رمى صيدا بأي آلة ولو لم تجرح فإنه يجوز أن يأكل واستدلوا على هذا بالعمومات. وأنها لم تذكر الخزق والراجح الأول لأنّ الحديث صريح في اشتراط القطع ومما يؤكد صراحة الحديث أنه قسم القتل إلى قسمين شيء بعرضه وشيء بجرحه وهذا يؤكد أنّ القتل بالثقل لا يبيح الصيد. ولهذا نقول إن شاء الله الراجح هو مذهب الجمهور وهو القول الأول.
قوله ﵀ (كالبندق)
البندق طينة مدورة إذا يبست استعملوها في الرمي فهذه تقتل بالثقل ولا تخرق جسم الطائر وإنما تضربه مع الرأس أو مع الجسد ضربة قوية فيسقط بدون أن تسيل منه الدماء.
стр. 2768
ثم - قال ﵀ (والنوع الثاني الجارحة , فيباح ما قتله إذا كانت معلمة)
النوع الثاني من آلات القتل الجارحة والجوارح تنقسم إلى قسمين: ما يصيد بنابه وما يصيد بمخلبه.
والجوارح يجوز الصيد بها بالإجماع واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل. وبقوله تعالى ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة/٤] ومعنى مكلبين يعني مغرين , والجارحة في لغة العرب أو الجارح هو الكاسب فهل الأصل أنّ الجارح هو الحيوان واشتق منه إلى كل كاسب , أو الأصل أنه الكاسب واشتق منه للجارح؟ الجواب يحتاج إلى بحث قرأت في كتب اللغة لكن ما ظهر لي من عبارتهم أيهما الأصل أيهما الاشتقاق فتحتاج توسع في البحث اشترط الفقهاء لصحة الصيد بالجوارح ثلاث شروط: الشرط الأول" أنه إذا أرسله ذهب. الثاني" أنه إذا زجره وقف. الثالث" أنه إذا صاد لم يأكل.
واستدلوا على هذه الشروط بقول النبي ﷺ إذا أرسلت كلبك المعلم. وإذا كان الكلب إذا أرسل لم يذهب فليس بمعلم واستدلوا على هذا بأنّ الحديث والآية نصت على اشتراط التعليم والتعليم يكون عند أهل الصنعة بذلك.
القول الثاني: أنه يرجع في حد التعليم وضبطه إلى العرف فما اعتبروه معلما من الجوارح فهو معلم وما لا فلا ولا نتقيد بالإرسال والزجر والأكل فالفهد مثلا إذا زجر لم يزجر عنيد لكنه يعلم على أن لا يأكل فلا يأكل فدل هذا على أنه ينبغي الرجوع بحسب كل حيوان إلى أهل الخبرة والمعرفة وهذه الشروط التي ذكرت هي الشروط التي تتعلق بما يصيد بنابه.
القسم الثاني: ما يصيد بمخلبه والشروط هي هي تماما والبحث هو هو تماما إلاّ أنه يستثنى أنه لا يشترط أن تأكل وهذا خاص بالطيور.
وعللوا هذا بأنّ الطير يصعب تعليمه على ترك الأكل ولا يمكن أن يضرب كما تضرب السباع معلوم أنه لن يضرب أليس كذلك؟ يمكن أن تضرب الصقر؟ لا يمكن ليس فيه مكان للضرب بخلاف الكلب والفهد والنمر فإنها تضرب وتتعلم بالضرب وهذا صحيح أنه لا يشترط في الطير أن لا يأكل فتحصل معنا الآن أنه يشترط هذه الشروط وهي أن يكون معلم وأنّ التعليم يحصل بما ذكرت.
стр. 2769
مسألة / ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يشترط في جميع الجوارح أن لا تأكل وأنها إذا أكلت جاز واستدلوا على هذا بالعمومات فإنه كلب معلم صاد فيدخل في العمومات.
والقول الثاني: أنّ هذا الشرط صحيح وأنه يشترط أن لا يأكل واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ إذا أكل كلبك فلا تأكل فإنك لا تدري أمسك عليك أو عليه لأنّ أكل الكلب يجعل الأمر مختلط هل الكلب أمسك لك أو أمسك لنفسه وهذا القول الثاني مهما يكن من أمر هو الراجح لوجود الدليل الصريح ويجب المصير إلى مثله.
ثم - قال ﵀ (الثالث: إرسال الآلة قاصدا)
الشرط الثالث أن يكون إرسال الآلة أيّا كانت قصدا يعني بقصد من المرسل فإن ذهب الكلب وانطلق بغير إرسال من الصائد فإنه لا يحل يعني ما يصيد وإن أطلق النار على هدف لا على صيد فأصاب صيدا فإنه لا يحل واستدلوا على اشتراط القصد بقول النبي ﷺ إذا أرسلت كلبك المعلم. فاشترط الإرسال واستدلوا بدليل ثاني وهو أنّ إرسال الآلة يقوم مقام الذبح بالسكين والذبح بالسكين يشترط له القصد قصد التذكية.
مسألة / فإن انطلق الكلب ثم سميت عليه فإنه على الصحيح لا يجوز يعني ما يصيد به لأنّ شرط التسمية وجد ولكن شرط القصد مفقود. يشترط من هذا المسألة التي ذكرها المؤلف
يقول الشيخ ﵀ (فإن استرسل الكلب أو غيره بنفسه لم يبح إلاّ أن يزجره فيزيد في عدوه في طلبه فيحل)
إذا انطلق الكلب بغير أمر السيد ثم زجره فزاد في عدوه فإنّ الصيد حينئذ حلال واستدلوا على هذا بأنّ الكلب لما زاد عدوه بسبب الزجر الجديد تبيّن أنه يصيد على صاحبه وهذا صحيح.
يقول المؤلف ﵀ (فإن استرسل الكلب أو غيره)
أشار المؤلف بقوله أو غيره إلى أنّ الفقهاء ﵏ اختلفوا في الطائر هل يشترط فيه القصد أيضا كالكلب أو لا يشترط ولو انطلق الطائر بغير إرسال صاحبه لجاز فمن الفقهاء من قال هذا شرط في السباع دون الطيور والصحيح أنه شرط في الطيور والسباع لأنّ الدليل والتعليل يعم الجميع.
ثم - قال ﵀ (الرابع: التسمية عند إرسال السهم أو الجارحة)
стр. 2770
يشرط عند إرسال السهم أو الجارحة مثلا أن يسمي واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل. وإذا صاد كلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل. والاستدلال بالشطر الأول فا شترط التسمية وهذا أمر واضح. قول المؤلف (عند إرسال) لا يقصد أنه يشترط في ذات اللحظة فلو تقدمت التسمية قليلا أو تأخرت قليلا جاز أما إن تقدمت كثيرا أو تأخرت كثيرا فإنه لا يجوز.
مسألة / فإن أرسل كلبه ونسي التسمية ثم سمى والكلب يجري ففيه خلاف والصحيح أنه صيد علمنا من هنا أنّ شرط قصد الإرسال أهم أو أدق من شرط؟ لأنه يمكن أن تدرك التسمية ولا يمكن أن تدرك قصد الإرسال إلاّ بالزجر وهذا ممكن في الآلات القديمة أما في الآلات الحديثة فإنه لا أظن هل يتصور أنه يسمي بعد أن يرمي ممكن؟ من وجهة نظري لا يوجد وقت فبمجرد ما يضغط على الزناد وهو لم يسم يعتبر الأمر انتهى هل يمكن أن يقول مباشرة بسم الله , أيهم أسرع قوله بسم الله أو وصول؟ يبدوا أنّ وصول الرصاصة أسرع المهم أنه في الحقيقة بالنسبة للآلات الحديثة إذا لم يسم قبل أن يطلق فهي ليست ذبيحة فهي ليست صيد. أما في الآلات القديمة ومن يستخدم الآن الطيور والجوارح فهذا ممكن.
ثم - قال ﵀ (فإن تركها عمدا أو سهوا لم يبح)
إذا ترك التسمية في الصيد عمدا أو سهوا لم يبح وبهذا اختلف قول الحنابلة بين الذبح والصيد ففي الذبح يعذرون بالبسملة أي يعذرون بنسيانها وفي الصيد لا يعذرون وفرقوا أو ذكروا وجه التفريق بقولهم أنه في الذبح وقع الذبح في مكانه الذي حدده الشارع فتسوهل في التسمية وأما في الصيد فإنه خرج عن القياس وجاز الذبح في غير المنحر ولهذا تشددنا في التسمية هذا دليلهم ﵏
القول الثاني: وهو للجمهور يجوز الصيد وهو صيد حلال إذا نسي التسمية.
стр. 2771
والقول الثالث: التفريق بين أن يصيد بالجوارح أو أن يصيد بالمحدد أيهما الذي يعفى فيه؟ في وجه فقهي لو تأملتموه. قالوا أنّ الكلب له قصد بخلاف الآلة فليس لها قصد مطلقا وإذا كان الكلب له قصد فيشترط التسمية بخلاف الآلة فهي آلة فيعفى عن نسيان التسمية والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة , إما أن نقول يعفى أو لا يعفى والتفريق ليس له وجه التفريق ضعيف لأنّ الكلب وإن كان له نوع قصد إلاّ أنه يبقى كالآلة والقصد الذي عنده غير معتبر مطلقا فنبقى أنه إذا عذرنا في الذبيحة فمن باب أولى في الصيد
لأنّ النسيان فيه والسرعة توجب العذر وإن لم نعذر هناك لم نعذر هنا من هذا الخلاف عرفنا أنه لا يوجد من الفقهاء من عكس مذهب الحنابلة أليس كذلك لا يوجد من قال يعفى حسب ما أوقفت عليه في الصيد ولا في الذبح مع أنّ هذا هو المتبادر للذهن لمشقة تذكر البسملة أو التسمية عند إرسال الصيد وسهولته عند الذبح لكن مع ذلك لم نجد من عكس مع أنّ الحنابلة عكسوا هذا المتصور والمتبادر للذهن.
ثم - قال ﵀ (ويسن أن يقول معها: الله أكبر كالذكاة)
يسن ذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث أنس أنّ النبي ﷺ لما أراد أن يضحي قال بسم الله والله أكبر وذبح بيده فيسن أن يجمع بين البسملة والتكبير.
стр. 2772
كتاب الأيمان
الدرس (١) من الأيمان
الأيمان جمع يمين وهي في اللغة تطلق على عدة معان منها اليد اليمنى ومنها العهد ومنها القوة ومنها وهو المراد الحلف والقسم وكأنهم يفهم من عبارات أهل اللغة أنها تطلق على هذه الأشياء وليس لها أصل ترجع إليه هكذا يفهم من عباراتهم وإن كان لو قيل أنّ أصلها أي هذه المعاني أصلح؟ القوة لماذا؟ لأنك تستطيع أن تبرر التسمية الأخرى يد اليمنى لأنها أقوى من اليسرى واليمين لأنّك تقوي كلامك والعهد لأنك تقوي ما بذلته أليس كذلك؟ لو قيل بهذا كان متوجه.
وأما شرعا فهو توكيد الحكم بذكر معظم على وجه مخصوص.
يقول ﵀ (واليمين التي تجب بها الكفارة إذا حنث هي اليمين بالله .... الخ)
стр. 2773
اليمين مشروعة يعني من حيث الأصل مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. وسيأتينا الأدلة التفصيلية في مباحث الكتاب وكان أكثر قسم النبي ﷺ ومقلب القلوب ومصرف القلوب. ومصرف هو الذي في الصحيح ومقلب أيضا صحيح كان هذا غالب قسمه وكونه هذا غالب القسم دليل على مشروعية القسم من حيث الأصل.
قال ﵀ (هي اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته)
أجمع الفقهاء على أنّ من حلف بالله أو باسم من أسماء الله أو بصفة من صفات الله فهو يمين شرعية منعقدة بلا خلاف.
ثم - قال ﵀ (أو بالقرآن أو بالمصحف)
ذهب الجماهير الأئمة الثلاثة مالك وأحمد والشافعي. إلى أنّ اليمين بالقرآن أو بالمصحف يمين شرعية منعقدة بشرط أن لا ينوي المداد والورق واستدلوا على هذا بأنّ القرآن والمصحف هو كلام الله وكلام الله صفة من صفاته وهم أجمعوا على أنّ اليمين بصفة من صفات الله أنه يمين شرعية.
القول الثاني: أنّ الحلف بالمصحف والقرآن لا يجوز ولا ينعقد واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول" أنّ القرآن مخلوق.
والدليل الثاني: لهم أنه لم يعهد الحلف بالمصحف والقرآن ولم يقولوا لم يعهد عند من؟ لكن من الواضح أنّ مقصودهم عند السلف وهذا القول الثاني مذهب الحنفية أو لبعض الحنفية وهو ضعيف جدا وأدلته أضعف منه , أما الدليل الأول أنه مخلوق فهو قول باطل والقرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود وليس بمخلوق بل صفة من صفات الله. وأما أنه ليس بمعهود فلا يشترط في اليمين لتكون شرعية أن تكون معهودة فالراجح أنه قسم مشروع ومنعقد ويحنث إذا خالفه.
ثم - قال ﵀ (والحلف بغير الله محرم)
الحلف بغير الله هو توكيد الأمر بذكر مخلوق معظم. يقول ﵀ وهو محرم الحلف بغير الله محرم عند الجماهير واستدلوا على هذا بنصوص صريحة , الأول قوله ﷺ ألا لا تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت.
الثاني قوله ﷺ من حلف بغير الله فقد أشرك. وهي نصوص واضحة.
стр. 2774
القول الثاني: أنّ الحلف بغير الله مكروه وليس بمحرم واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ للرجل الذي سأله عن شرائع الإسلام فلما خرج قال أفلح وأبيه إن صدق. فقال هذا فهذا النبي ﷺ حلف بأبي الرجل مما يدل دلالة واضحة على أنه ليس بشرك ولا بمحرم.
والجواب على هذا الحديث. الحديث صحيح والجواب عليه بأحد جوابين أجابوا عليه بسبعة أوجه فيها ضعف وأحسن الأجوبة أن يجاب بأحد أمرين: الأول" أنّ هذا مما يجري على الألسن وما يجري على الألسن فهو من اللغو واللغو ليست من الأيمان المنعقدة. يعني من لغو اليمين.
الثاني: أنه منسوخ وأنّ النبي ﷺ قال هذا في أول التشريع ثم نسخ بالأحاديث الدالة على تحريم الحلف بغير الله.
والثالث: الجواب الثالث وهو كالسابقين في القوة محكم وترك المتشابهه وتلك النصوص محكمة جدا فالنهي عن الحلف بغير الله وهذا متشابهه فاحتمل أنه قبل المنع ويحتمل أنه من لغو اليمين ويحتمل أنه أمر جاء على لسان النبي ﷺ وورود مثل هذه الاحتمالات تضعف الاستدلال به وبكل حال الحلف بغير الله محرم بل نوع من الشرك وقد يكون شرك أكبر وقد يكون شرك أصغر بحسب ما يقوم بقلب الحالف.
ثم - قال ﵀ (ولا يجب به كفارة)
لا يجب بالحلف بغير الله كفارة لأنّ هذا الحلف لم ينعقد والحلف الذي يوجب الكفارة هو المنعقد وهذا بطبيعة الحال مذهب الجماهير الذين يرون أنه محرم , أما من يرى أنه منعقد فاليمين عند كل العلماء إذا انعقدت فيها كفارة.
قال ﵀ (ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط: الأول" أن تكون اليمين منعقدة)
الأيمان إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: اليمين المنعقدة. والقسم الثاني: اليمين الغموس. والقسم الثالث: لغو اليمين.
وسيتحدث المؤلف ﵀ عن كل واحدة على حدة من حيث الانعقاد ومن حيث الكفارة.
يقول ﵀ (ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط أن تكون اليمين منعقدة وهي التي قصد عقدها مستقبل ممكن).
стр. 2775
ذهب الجمهور إلى أنّ اليمين لا تنعقد إلاّ إذا اتصفت بصفتين. الأول أن يقصد عقد اليمين. الثاني: أن تكون على مستقبل. واستدلوا على الشرط الأول بقوله تعالى ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة/٨٩] وفي الآية الأخرى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم﴾ [البقرة/٧٤] ومفهوم الآيتين. أنّ اليمين لا ينعقد إلاّ إذا قصد عقد قلبه عليه.
أما الشرط الثاني فهو أن يكون على مستقبل واستدلوا على قوله تعالى ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة/٨٩] وجه الاستدلال أنه قوله إذا حلفتم يعني إذا حلفتم فحنثتم في المستقبل واليمين المنعقدة فيها الكفارة بالإجماع ولهذا سيخصص المؤلف لكفارة اليمين المنعقدة كلاما مستقلا.
ثم - قال ﵀ (على مستقبل ممكن)
اشترط المؤلف أن يكون على مستقبل ممكن. وقوله ممكن يخرج المستحيل والمستحيل ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يحلف على ترك على المستحيل كقوله والله لا أصعد السماء , حلف على فعل أو ترك المستحيل؟ على ترك المستحيل فإذا حلف على ترك المستحيل فإنّ اليمين لا تنعقد ولا كفارة فيها بالإجماع لأنّ هذا اليمين عبث وعدم حصول مقتضى اليمين معلوم.
القسم الثاني: أن يحلف على فعل المستحيل ليس على ترك المستحيل كأن يقول والله لأصعدن السماء , وفي الأول قلنا والله لا أصعد إلى السماء فهذا الثاني ذهب الجماهير إلى أنه منعقد وفيه الكفارة واستدلوا على هذا بأنّ الحلف على مستحيل يدخل في عموم الأدلة فهو حلف على أمر مستقبل.
والقول الثاني: أنه لا ينعقد لأنه حلف على أمر يتعذر البر به وقياسا ما لو حلف على ترك المستحيل والأقرب مذهب الجمهور وإن كانت المسألة تحتاج إلى مزيد تأمل.
ثم - قال ﵀ (فإن حلف على أمر ماض كاذبا عالما فهي الغموس)
стр. 2776
اليمين الغموس هي أن يحلف على أمر في الماضي كاذبا. فهم من كلام المؤلف أنه لا يشترط أن يكون الحلف يقتطع مال أمر مسلم بل يشمل ما لو أراد ذلك وغيره وهو كذلك وهو الراجح أنه لا يشترط أن يكون المقصود من اليمين الغموس أن يقتطع مال امرئ مسلم واليمين الغموس من الكبائر التي تحتاج إلى توبة والدليل على هذا أنّ النبي ﷺ جعلها كما في صحيح البخاري من الكبائر والدليل الثاني: أنّ النبي ﷺ قال من حلف ليقتطع مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه عضبان فدلت النصوص على أنه من الكبائر وهو محرم.
مسألة / بعد التقرر أنه محرم هل فيه كفارة اختلف الفقهاء , فذهب الجمهور إلى أنه لا كفارة فيه واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول أنّ الأحاديث التي فيها تحريم اليمين الغموس لم يأتي فيها ذكر الكفارة.
الدليل الثاني: أنّ الأدلة الدالة على اشتراط الاستقبال دالة على عدم وجود الكفارة في اليمين الغموس لأنّها تتعلق بالأمر الماضي وهذا القول هو الراجح واليمين الغموس أعظم من أن تكفرها كفارة اليمين.
القول الثاني: أنها فيها كفارة واستدلوا بالعمومات وعلمنا أنّ هذه العمومات مخصوصة بأدلة اشتراط الاستقبال.
ثم - قال ﵀ (ولغو اليمين الذي يجري على لسانه بغير قصد كقوله لا والله وبلى والله وكذا يمين عقدها يظن صدق نفسه فبان بخلافه)
القسم الثاني لغو اليمين وهي تصدق على أمرين: عند الحنابلة الأمر الأول: ما يجري على لسانه من غير قصد.
الثاني: إذا حلف يظن صدق نفسه فهذا يعتبر من لغو اليمين فإذا تصدق على صورتين: أما الدليل على الصورة الأولى فمن وجهين الوجه الأول: أنه تقدم معنا أنه يشترط في اليمين المنعقدة أن تكون مقصودة من كسب القلب وعقده وما يجري على اللسان ليس كذلك.
الدليل الثاني: ما جاء في حديث عائشة أنّ النبي ﷺ قال قول الرجل لا والله وبلى والله من لغو اليمين وكفارة فيه وهذا الحديث منهم من جعله مرفوعا إلى النبي ﷺ ومنهم من أوقفه على عائشة والمتأخرون يرفعونه كما هي عادة كثير من المتأخرين يرفعون الموقوفات.
стр. 2777
والقول الثاني: للدار قطني وهو يرى أنه حديث موقوف وهذا هو الصحيح أنه موقوف على عائشة ولكن وإن كان موقوفا على عائشة فيصلح الاستدلال به لأنه يتوافق مع النصوص العامة.
القسم الثاني: إذا حلف يظن صدق نفسه والدليل على أنّ هذا من لغو اليمين أيضا من وجهين الوجه الأول: أنّ الرجل الذي طلب منه النبي ﷺ كفارة الجماع في نهار رمضان قال في آخر الحديث فلا والله ليس بين لابتيها أفقر مني! وهذا ظن لأنه لم يقف على كل بيت حتى يعلم من هو أفقر منه أو لا مع ذلك أقسم وأقّره النبي ﷺ .
الدليل الثاني: أن النبي ﷺ طلب من أولياء المقتول في حديث القسامة التي تقدم معنا أن يحلفوا وهو حلف على الظن وذهب الجماهير إلى أنّ لغو اليمين لا كفارة فيه واستدلوا على هذا بأنه يمين ليس بمنعقدة لعدم وجود القصد واليمين المكفرة هي اليمين المنعقدة فقط.
стр. 2778
الدرس: (٢) من الأيمان
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كنا تحدثنا عن قول المؤلف ﵀ (ولغو اليمين الذي يجري على لسانه بغير قصد كقوله: لا والله , وبلى بالله وكذا يمين عقدها يظن صدق نفسه فبان بخلافه) وذكرت حد لغو اليمين وحكمه من حيث الكفارة وأحب أن أنبه أنّ قوله تعالى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [البقرة/٢٢٥] يفيد عدم الكفارة لكن لا دخل له في تحديد اللغو فإنّ الآية أثبتت عدم المؤاخذة ولكنها لم تبيّن ما هو لغو اليمين فهو يكتسب من أدلة أخرى وهو ما شرحناه في الدرس السابق. ثم قال مبيّنا الشرط الثالث. من شروط وجوب الكفارة
قال ﵀ (الثاني: أن يحلف مختارا فإن حلف مكرها لم تنعقد يمينه)
стр. 2779
الشرط الثاني لوجوب الكفارة أن يحلف مختارا فإن حلف مكرها لم تنعقد اليمين وإلى هذا ذهب الجمهور عدم انعقاد اليمين إذا أكره عليها وعدم وجوب الكفارة تبعا لذلك إذا حنث فيها واستدلوا بالأدلة العامة الدالة على رفع المؤاخذة إذا تم العمل إكراها. تقدمت معنا مرارا من الكتاب والسنة.
والقول الثاني: أنها تنعقد ويؤاخذ بها نظرا لأنه أتى باليمين فتترتب على اللفظ أحكامه والراجح إن شاء الله أنها لا تنعقد.
بيّن المؤلف ما هو الحنث أو كيف يحصل الحنث قبل هذا أريد أن أنبه إلى أنّ بعض الذين ذهبوا إلى انعقاد اليمين كرها استدلوا بحديث من باب التنبيه وهو أن النبي ﷺ قال ثلاث جدهن جد وهزلهن جد. اليمين والطلاق والنكاح. فوضعوا اليمين في هذا الحديث وهذا الحديث لا أصل له ولذلك أعرضنا عنه لأنه لا أصل له أصلا وليس بحديث ضعيف لكن أحببت أن أنبه إلى أنّ بعضهم استدل به وأنه ليس له أصل نرجع إلى الشرط الثالث. الشرط الثالث شرحه المؤلف
ثم - قال ﵀ (الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله مختارا ذاكرا)
بيّن المؤلف كيف يحصل الحنث. الحنث يحصل بمخالفة مقتضى اليمين فإن حلف أن لا يفعل ففعل أو أن يفعل فلم يفعل فقد حنث أي فقد خالف ما عقد اليمين عليه والحنث من شروط وجوب الكفارة لأنه إذا لم يحنث فإنه لم يهتك حرمة اليمين وإذا لم يهتك حرمة اليمين فلا كفارة وهذا مجمع عليه.
ثم - قال ﵀ (فإن فعل مكرها أو ناسيا فلا كفارة)
стр. 2780
الإكراه في الشرط الثاني إكراه على. ما الفرق بين هذا وبين الشرط الثاني.؟ الشرط الثاني إكراه على نفس اليمين. وهذا الشرط إكراه على الحنث في اليمين. إذا أكره على الحنث في اليمين فإنه لا يعتبر حنث ولا تعتبر يمينه انتهكت والإكراه على اليمين ينقسم إلى قسمين: القسم الأول" أن يلجأ إلى مخالفة اليمين إلجأً كأن يحلف أن لا يدخل البيت فيحمل ويدخل به البيت فهذا لا حنث عليه بلا إشكال. القسم الثاني: أن يكره إكراها على فعل اليمين بلا إلجاء يعني أن يكره بالضرب والتهديد والإيذاء فهذا ذهب الأئمة الثلاثة وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم إلى أنه لا يحنث. واستدلوا بالعمومات.
والقول الثاني: أنه يحنث واستدلوا بعموم قوله تعالى ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [البقرة/٢٢٥] وهذه الأيمان معقودة وقد خالفها والراجح مع الجمهور وهو انه لا يحنث.
ثم - قال ﵀ (أو ناسيا)
الخلاف في الناسي كالخلاف في المكره تماما من حيث القائلين والأدلة.
مسألة / الجاهل ما حلف على تركه جهلا أو ترك ما حلف على فعله جهلا فالخلاف فيه كالخلاف في السابق تماما أيضا والراجح فيه هو الراجح فيه فإذا الآن عرفنا حكم من فعلها مكرها أو ناسيا أو جاهلا.
ثم - قال ﵀ (ومن قال في يمين مكفرة إن شاء الله لم يحنث)
إذا حلف الإنسان واستثنى بقوله إن شاء الله فإنه إذا خالف ما حلف عليه لم يحنث والدليل على هذا من ثلاثة أوجه:
الأول: ما جاء عن ابن عمر ﵁ أنّ النبي ﷺ قال من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث وهذا الحديث اختلفوا في رفعه ووقفه فذهب الأئمة إلى وقفه وذهب كثير من المعاصرين إلى رفعه والصواب إن شاء الله أنه موقوف لكن مثله يصلح للاستدلال.
الدليل الثاني: قصة سليمان وفيها النبي ﷺ قال في آخرها ولو قال إن شاء الله لم يحنث وهو نص في رفع الحنث والمؤاخذة إذا اقترن اليمين بأن شاء الله.
الدليل الثالث: الإجماع فإنهم أجمعوا على أنّ الاستثناء من حيث الجملة يرفع الحنث ووجوب الكفارة.
стр. 2781
مسألة / وقول إن شاء الله مع اليمين لا يشترط له أي شرط فلا يشترط الاتصال ولا أن ينوي أن يقولها قبل أن يبدأ باليمين ولا يشترط له أي شرط فإذا حلف وقال إن شاء الله فإنه لا يحنث مطلقا.
ثم - قال ﵀ (ويسن الحنث في اليمين إذا كان خيرا)
إذا حلف الإنسان على شيء وكان ترك الحلف خير من الالتزام به فإنه يسن ولا يجب أن يحنث في يمينه والدليل على هذا من وجهين:
الأول: أنّ النبي ﷺ قال إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأجد غيرها خيرا منها إلاّ أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني. وهو نص في المطلوب.
الدليل الثاني: أنهم لم يختلفوا في أنّ هذا مستحب وهو أولى وأفضل من الاستمرار في اليمين.
ثم - قال ﵀ (ومن حرم حلالا سوى زوجته أو أمة أو طعام , أو لباس أو غيره لم يحرم)
إذا حرم الإنسان على نفسه شيئا مباحا فإنّ الجماهير من الأئمة الثلاثة ذهبوا إلى أنه لا يحرم مطلقا كفر أو لم يكفر واستدلوا على هذا بقوله تعالى ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ [النساء/١٧١] واستدلوا أيضا بدليل آخر وهو أنّ التحليل والتحريم إلى الله.
والقول الثاني: أنه يحرم إلى أن يكفر فإذا حرم على نفسه شيئا فإنه يحرم إلى أن يكفر وهذا مذهب الأحناف واستدلوا بقصة تحريم النبي ﷺ العسل وأنّ الله تعالى قال ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ [التحريم/١] ﴿قد فرض الله لكم تحلت أيمانكم﴾ [التحريم/١] فهم فهموا من قد فرض الله لكم تحلت أيمانكم يعني إحلال أيمانكم.
والجواب على الاستدلال بهذا الآية. أنّ المقصود بالآية بتحلت هنا ليس التحليل وإنما إحلال اليمين يعني فك اليمين وحلها فهو من الحَلْ وليس من الحِل [يعني من فك العقدة وليس من الحِل الذي هو ضد التحريم] والراجح مذهب الأئمة الثلاثة إن شاء الله.
ثم - قال ﵀ (وتلزمه كفارة يمين إن فعله)
стр. 2782
لإشكال في وجوب كفارة اليمين فإن النبي ﷺ لما حرم على نفسه كفّر كفارة يمين ونحن حملنا الآية على حلها وحل اليمين يكون بالكفارة فلا إشكال في وجوب الكفارة إذا حرم على نفسه شيئا.
فصل
هذا الفصل في كفارة اليمين وكفارة اليمين فيها تخيير وترتيب وبدأ المؤلف بالتخيير فهو
يقول ﵀ (يخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة)
فالتخيير بين الإطعام والكسوة والعتق , فإن شاء أطعم وإن شاء كسا وإن شاء أعتق والتخيير تخيير تشهي وليس تخيير مصلحي فيختر ما يناسبه ويكون أسهل عليه. وهل ينبغي للمفتي أن يبيّن أو أن يرشد السائل إلى الأسهل أو يخيره فقط يظهر لي بعد التأمل ينبغي للمفتي أن يبيّن للسائل الأسهل السبب في هذا أنه يظهر والله أعلم من تخيير الله في هذه الأجناس أنه أراد التوسعة على المكفر ولهذا خيره بين عدة أشياء وتعلمون أنّ هذه الأصناف أحيانا ترتفع وأحيانا تنخفض فقد يكون الشيء بعضه أغلى من بعض ففي الحج مثلا الإطعام أرخص بكثير من الذبيحة مهما رخصت الذبيحة فكون المفتي يبيّن للسائل أنه مخير في كفارة الأذى وأنّ الإطعام هو أسهل الخصال الثلاث هذا جيد هنا في اليمين غالبا الأسهل من الخصال الثلاث هو كذلك الإطعام.
يقول المؤلف ﵀ (إطعام عشرة مساكين)
لم يبيّن المؤلف الجنس ولا المقدار والسبب في هذا أنّ الجنس والمقدار تقدم معنا في ثلاثة أبواب في كتاب الصيام وفي كتاب الحج وفي كتاب الظهار وهو أنهم يرون أنه مد من بر أو نصف صاع من غيره من الأطعمة. والمد تقريبا ٦٠٠ غرام فنصف الصاع ألف ومائتين غرام من الحبوب من الأرز أو القمح وما شاكلها مما يطعم الناس فإذا عرفنا الآن المقدار والنوع حسب المذهب.
القول الثاني: أنه لا حد لمقداره ولا نوعه وأنه من أوسط ما تطعمون أهليكم فالإنسان يطعم بحسب الطعام الموجود والذي يأكل من أهله ثمينا كان أو رخيصا أو وسطا وهذا الثاني هو المتوافق مع ظاهر الآية والأول هو الأسهل تطبيقا والأضبط بين الناس فلا شك أنّ صدقة من أوسط ما تطعمون أهليكم يستمر في السؤال ماذا يعني هذا؟ وكيف أطعم أوسط أهلي ومرة نأكل كذا ومرة نأكل كذا
стр. 2783
فتدخل أنت وأياهم في برنامجهم العائلي وتكون مشكلة يعني بينما على المذهب نصف صاع وانتهت المشكلة وهو في الحقيقة أضبط للمفتي وأضبط المستفتي.
مسألة / هل يجب إذا أخرج مد من البر أو نصف صاع من غيره أن يخرج معه الإدام في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يجب وجوبا أن يخرج مع ما يخرجه في كفارة اليمين إداما. واستدلوا على هذا بأنّ العادة جرت بأنّ الطعام لا يخلو من الإدام.
القول الثاني: أنه لا يجب وهو ظاهر المذهب واستدلوا على هذا بأنّ من أطعم نصف صاع أو مد بر فإنه يسمى مطعم ولو لم يخرج إدام.
والقول الثالث: التفصيل إن كان يطعم أهله مع الإدام فيكفر مع الإدام , وإلاّ فلا. وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀ والإدام يطلق على كل ما اعتاد الناس أكله مع الخبز تناولا أو تغميسا وعلى رأسه اللحمة فاللحمة من أشرف أنواع الإدامات في عرف اللغة والشرع فإذا كان يطعم أهله مثل هذا الشيء فإنهم ينبغي إذا أراد أن يخرج مثلا ستمائة غرام من الأرز أن يجعل معه ماذا؟ لحم سواء كان لحم حيوان أو من الدجاج.
ثم - قال ﵀ (أو كسوتهم)
كذلك لم يبيّن المؤلف قدر الكسوة والمذهب أنّ قدر الكسوة هو ما يجزئ في الصلاة بحسب المعطى فقد يكون امرأة وقد يكون رجلا.
القول الثاني: أنه يكسى ما يصدق عليه اسم الكسوة ولو كانت أقل مما يلبسه المسلم في الصلاة وإلى هذا ذهب ابن حزم.
والقول الثالث: أنّ الكسوة يرجع في تحديدها إلى العرف فما اعتبر عرفا كسوة فهو الواجب ولو لم يجزئ في الصلاة وهذا القول الثالث هو المتوافق مع ظاهر الآية.
ثم - قال ﵀ (أو عتق رقبة)
تقدمت معنا في كتاب الظهار مباحث كثيرة في عتق الرقبة فجميع المباحث بدون استثناء التي تقدمت في عتق الرقبة في الظهار تأتي معنا هنا في عتق الرقبة في كفارة اليمين وعلى رأس هذه المسائل قضية هل يشترط أن يكون مؤمنا أو لا تقدم معنا أنّ الجماهير والجم الغفير يرون اشتراط هذا الشرط وأنه هو الأقرب.
وأنّ القول الثاني أنه لا يشترط وهو مرجوح.
ثم - قال ﵀ (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة)
стр. 2784
انتقل من التخيير إلى الترتيب فإذا لم يتمكن من الإطعام والكسوة وعتق الرقبة حينئذ ينتقل إذا لم يستطع إلى الصيام ويشترط في الصيام أن يكون متتابعا واستدلوا على هذا بقراءة ابن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعة وهو بإسناد صحيح واستدلوا أيضا بأنّ أبي بن كعب قرء مثل قراءة ابن مسعود تماما.
والقول الثاني: أنه لا يشترط التتابع فإنّ الله أمر بالصيام فأطلق ولا يمكن أن نقيّد بغير القرآن والراجح إن شاء الله وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين فإنّ قراءة ابن مسعود إما أن تكون قراءة من القرآن فهي حجة وإلاّ فلا تنزل عن أن تكون خبر آحاد وخبر الآحاد حجة ولو فرضنا وليس كذلك أنه موقوف على حكمه حكم الموقوف على ابن مسعود فكذلك له حكم الرفع لأنه مما لا مجال للرأي فيه لكنه ليس بموقوف لأنّ ابن مسعود ذكره كقراءة فلا ينزل عن مرتبة المنسوب للنبي ﷺ .
ثم - قال ﵀ (ومن لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد فعليه كفارة واحدة)
من حلف على أكثر من يمين لكن موجبها والمقصود بموجبها يعني ما توجبه يعني الكفارة فإذا حلف على أيمان كفارتها واحدة هذا معنى كلام المؤلف ولم يكفر فتجزؤه كفارة واحدة. مثاله كأن يقول والله لا أكلم عمروا والله لا آكل خبزا فهاتان يمينان كفارتهما واحدة لأنها يمين كفارة اليمين واحدة. أفادنا المؤلف أنه يكفر كفارة واحدة إذا لم يكفر فالمسألة الأولى أنه إذا كفر فإنه يلزمه كفارة أخرى بلا خلاف فإذا قال والله لا أكلم زيدا والله لا أكلم عمروا ثم كلم زيدا وكفر ثم كلم عمروا فإنه يجب أن يكفر كفارة أخرى بلا خلاف نأتي إلى مسألة ما إذا لم يكفر فالمذهب على أنه كفارة واحدة. لأنها أيمان لها كفارة من جنس واحد فتتداخل قياسا على الحدود. فلو زنا ثم زنا فإنه يقام عليه حد واحد.
والقول الثاني: أنه يجب عليه كفارة لكل يمين كفر عن التي قبلها أو لم يكفر واستدل هؤلاء بأنّ هذه أيمان مختلفة مخرجها مختلف والآية أو جبت في كل عقد يمين كفارة والراجح بوضوح القول الثاني. فيجب عليه كفارات لأنّ هذه أيمان مختلفة.
ثم - قال ﵀ (وإن اختلف موجبها كظهار ويمين بالله لزماه ولم يتداخلا)
стр. 2785
إذا كان موجب هذه الأيمان مختلف كفارات مختلفة كأن يظاهر من زوجته ويقتل خطأ ويحلف يمينا فكل واحد من هذه الأمور أوجبت كفارة مختلفة فلا تتداخل. قال الشيخ المرداوي بلا نزاع لأنها أجناس مختلفة فلم تتداخل وهذا صحيح ولا أظن أنّه هناك خلافا خارج المذهب. بهذا انتهى هذا الفصل. ولله الحمد.
باب جامع الأيمان
هذا الباب باب مهم جدا لأنه يعين المحلوف عليه والترتيب عند الحنابلة ترتيب رباعي نرجع إلى النية ثم إلى السبب ثم إلى التعيين ثم إلى الاسم سيأتينا خلاف في هذا الترتيب لكن الحنابلة هكذا يرتبون الأولويات في حمل اليمين على المقصود ولما كانت النية هي الأولى وهي مجمع على البدء بها بدأ بها المؤلف.
يقول ﵀ (يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ)
يرجع في الأيمان إلى نية الحالف بشرطين: الشرط الأول" أن يحتملها اللفظ فإذا قال والله لا آكل لحما ثم رأيناه يأكل فقال نويت أي خبزا لفظ اللحم يتحمل الخبز؟ لا يحتمل. فإذا نقول هذا لا يحتمل وأنت حانث. إذا يجب أن يحتمل اللفظ فأخذنا مثال عدم الاحتمال أما أمثلة الاحتمال فكثيرة مثل أن يقول والله لا آكل لحما ونراه يأكل دجاجا يحتمل أو لا يحتمل؟ ومثل أن يقول والله لا آكل لحما ونراه يأكل من أجزاء الذبيحة الأخرى من الكبد أو من الرئة فهذا يحتمل أو لا يحتمل؟ يحتمل.
الشرط الثاني: أن يكون محقا لا ظالما فإن كان ظالما فإنه يأخذ بلفظه ولا تعتبر نيته فإذا اكتملت الشروط فإناّ نبدأ ونأخذ بالنية لقول النبي ﷺ إنما الأعمال بالنيات. وإلى هذا ذهب الجماهير من أهل العلم أنّ المعتبر والضابط الأول في معرفة مقصود الحالف النية إذا وجدت لهذا الحديث.
والقول الثاني: أنا لا ننظر إلى النية لأنّ اليمين مرتبطة باللفظ فنآخذه بلفظه. وهذا القول فيه بعد وضعف ظاهر جدا وقاعدة الشرع انه إنما الأعمال بالنيات.
ثم - قال ﵀ (فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها)
стр. 2786
المرتبة الثانية السبب وغالبا ما يكون السبب مخصص لا معمم فإذا عرفنا من السبب أنّ مقصوده أخص من لفظه حملنا اليمين على هذا الخاص فإذا قال والله لا أدخل دار فلان وعلمنا قطعا أنّ ما سبب اليمين وهيجها أنّ في الدار منكرات فإنّ الدار إذا خليت من المنكرات ودخلها فإنه لا يحنث. بالنظر إلى أي شيء إلى سبب اليمين وفي الحقيقة السبب إذا تأملت تجده يرجع إلى النية فإنه نوى لما حلف أن لا يدخل الدار نوى أي لوجود المنكرات على كل حال المرتبة الثانية هي السبب وقد تكون من حيث التقسيم أوضح.
والخلاف في السبب كالخلاف في النية.
ثم - قال ﵀ (فإن عدم ذلك رجع إلى التعيين)
إذا لم تكن هناك نية ولا سبب فإنّا نرجع إلى التعيين والتعيين أن يعين ويستخدم لفظ الإشارة هذا كأن يقول والله لا آكل هذا الجدية والله لا آكل هذه الجبنة , فإنّ اليمين تتعين إذا لم توجد نية ولا سبب.
مسألة / فإن تغيرت صفة المعين واسمه كأن حلف على بيضة فصارت دجاجة فالمذهب أنه يحنث إذا أكل الدجاجة لأنه أكل ما عينه واختار ابن قدامة أنه لا يحنث لأنّ اسم المعين وصفته اختلفتا.
القسم الثاني: أن تختلف صفة المعين واسمه وتذهب أجزاءه كأن يحلف أن يكلم صبيا فيصبح الصبي شيخا أو أن لا يأكل تمرا فيصبح دبسا فالمذهب وابن قدامة يرون أنه يحنث لأنه لما عدمنا النية والسبب رجعنا إلى التعين والمعين موجود وإن اختلفت صفته.
والقول الثاني: أنه لا يحنث فإذا حلف أن لا يكلم صبيا فصار شيخا وكلمه فإنه لا يحنث لأنّ صفة المحلوف عليه واسمه وحقيقته اختلفت والراجح؟ أيهم أقرب؟ لا يحنث لأنه المحلوف عليه اختلف واختلاف الصفات نحن وجدنا من خلال دراسة الفقه أنّ اختلاف الصفات يؤثر أو لا يؤثر على الأحكام؟ يؤثر تأثيرا بيّنا فالخل إذا انقلب خمرا والخمر إذا انقلب خلا بغير قصد ولا فعل أبيح والذي تغير أجزاء الشيء أو صفته؟ صفته أما أجزاءه موجودة نفس الأجزاء موجودة لكن صفته تغيرت فلما وجدنا الشرع دائما تختلف الأحكام عنده إذا اختلفت الصفات والأسماء عرفنا أنه أيضا في هذا الباب يجب أن نأتي بالقاعدة فلا يحنث بذلك.
ثم - قال ﵀ ممثلا على التعين الأمثلة القادمة كلها على التعين.
стр. 2787
قال ﵀ (فإذا حلف لا لبست هذا القميص فجعله سراويل , أو رداء أو عمامة , ولبسه)
فإنه يحنث إذا حلف لا لبست هذا القميص فجعله سراويل أو رداء أو عمامة ولبسه فإنه يحنث لماذا؟ لأنّ الحنابلة يقدمون التعين على الاسم والقميص إذا صار سراويل إنما اختلف فيه اسمه ووجه تقديم التعين على الاسم عند الحنابلة أنّ التعين أبلغ في ذهاب الإبهام ورفع الإبهام يعني أنه إذا عينت لم يعد هناك إشكال أنّ المقصود هذا الشيء لكن إذا سميت هل يحتمل أن تقصد شيئا آخرا؟ نعم فرأوا أنّ التعين من هذا الوجه أقوى من الاسم. مثال الثاني:
قال ﵀ (أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا أو زوجة فلان هذه أو صديقه فلانا أو مملوكه سعيدا فزالت الزوجية والملك والصداقة ثم كلمهم) إذا قال والله لا كلمت صديق فلان أو زوجة فلان أو هذا الصبي فصار شيخا فالذي زال الآن ثم صار ليس بصديق وطلقت الزوجة وصار الصبي شيخا فالذي زال هو الإضافة والقاعدة عند الفقهاء أنّ الإضافة أضعف من الاسم فإذا كنا نقدم التعين على الاسم فتقديمه على الإضافة من باب أولى وكل هذا يرجع إلى نفس القاعدة وهي أنّ التعين مقدم على الاسم.
قال ﵀ (أو لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشا ......... )
المجموعة الثالثة. لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشا وهذا الرطب فصار تمرا أو دبسا أو خلا وهذا اللبن فصار جبنا أو كشكا ونحوه ثم أكل المجموعة الثالثة هي ما تحدثنا عنه وهي إذا اختلفت اسمه وصفته.
أما المجموعة الثانية فاختلفت الإضافة. وأما المجموعة الأولى فاختلف الاسم فقط. فإنّ القماش إذا فصلته قميصا أو فصلته سراويل أو رداء إنما اختلف الاسم أما حقيقة القماش موجودة ويجمع الأمثلة أو المجموعات الثلاثة أنّ التعين مقدم على الاسم ففي الأمثلة الأخيرة اختلف الاسم لاختلاف الحقيقة فإنّ الحمل إذا صار كبشا فقد اختلفت حقيقته وانتقل إلى سن آخر وكذا التمر واللبن وما مثل به.
قال ﵀ (إلاّ أن ينوي ما دام على تلك الصفة)
стр. 2788
لأنه تقدم معنا أنه إذا وجد في الحلف نية فالنية مقدمة على التعين فإذا قال قصدت ما دامت هذه الصفة موجودة قدمت النية طبعا هذه المباحث قد تكون قليلة النفع في أحيان كثيرة لأنه يندر أن تخلوا اليمين من النية لأنّ اليمين إنما تخرج من الإنسان بناء على معطيات في الواقع توجب عنده نية وعزم على اليمين فإذا لا بد من وجود نية تحدد لكن لو افترضنا وجود يمين بدون نية فعلى هذا الترتيب.
فصل
قال ﵀ (فإن عدم ذلك رجع إلى ما يتناوله الاسم)
قوله فإن عدم ذلك يعني عدمت النية والسبب والتعين حينئذ نرجع إلى الاسم وهو آخر المراحل عند الحنابلة فهو أضعف المدلولات.
والقول الثاني: أنّ الاسم يقدم على التعين لأنّ العرف غالبا ما يتطابق مع الاسم لا مع التعين.
قال ﵀ (وهو ثلاثة: شرعي وحقيقي وعرفي)
سيبيّن المؤلف تعريف كل واحد من هذه الثلاثة وهي أقسام للاسم لكن يؤخذ على المؤلف أنه ﵀ لم يرتب الحقائق الثلاثة للاسم شرعي وعرفي وحقيقي. لم يرتب بشكل واضح بماذا نبدأ وماذا نؤخر؟ وخالف بهذا لا أقول الأصل حتى الأصل عنده نوع من عدم الوضوح في الترتيب وهو خلل من وجهة نظري غير مقبول ولهذا لو رجعت إلى المنتهى وإلى الإقناع وإلى غيرهما من كتب الحنابلة ستجد أنهم أول ما يبدءون يبيّنون الترتيب وأناّ نأخذ بهذا أولا ثم يليه كذا ثم يليه كذا لأنّ هذا الباب معقود لهذه القضية بماذا نبدأ ولهذا لما جاء في الفصل السابق باب جامع الأيمان مباشرة بدأ بالترتيب فقال يرجع إلى كذا فإن لم يمكن فإلى كذا فإن لم يمكن فإلى كذا هنا لو قرأت أنت هذا الفصل كاملا ربما لا يتبيّن لك كيف ترتب الحقائق وأيها أولى بالتقديم بينما في المنتهى في الحقيقة كانت عبارته محررة
جدا وقال يبدأ بكذا ثم بكذا ثم بكذا وكذلك في الإقناع. بدأ المؤلف بالشرعي:
فقال ﵀ (فالشرعي ماله موضوع في الشرع وموضوع في اللغة)
стр. 2789
اللفظ أو الاسم الشرعي هو كل اسم له معنى في الشرع ومعنى في اللغة فإذا كان له معنى في الشرع ومعنى في اللغة فهو اسم شرعي ويقصد بهذا بطبيعة الحال وله معنى في اللغة يختلف عن معناه في الشرع مثل الصلاة والزكاة والحج والصيام , فالصلاة في اللغة الدعاء وفي الشرع أقوال وأفعال مبتدأه بالتكبير مختتمة بالتسليم. الصيام هو الإمساك وعرفتم معناه في الشرع الحج في اللغة هو القصد وعرفتم معناه في الشرع وهكذا إذن هذه الألفاظ أو هذه بعبارة أدق هذه الأسماء لها معنى شرعي ولها معنى لغوي فكل اسم له معنى شرعي ولغوي فهو من الأسماء الشرعية.
قال ﵀ (فالمطلق ينصرف إلى الموضوع الشرعي الصحيح)
الاسم إذا أطلق فإنه ينصرف إلى الموضوع الشرعي , والدليل على هذا من وجهين:
الأول: أنّ تقديم المعنى الشرعي محل إجماع فقد أجمعوا على أنه إذا كان للاسم معنى شرعي فإناّ نبدأ به.
الثاني: أنّ الأصل في إطلاق الأسماء بين المسلمين إرادة المعنى الشرعي فإذا قال والله لا أصومن يوم الخميس هل يمكن أن نحمل هذا على الإمساك عن الكلام؟ وإذا نوى ويقول والله لا أصومن يوم الخميس قلنا الصيام هو الصيام الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فقال أنا أريد الإمساك عن الطعام؟ يقبل منه أو لا يقبل؟ ينبغي أن تقولوا يقبل ألم نجعل النية هو رقم واحد أليس كذلك؟ ثم في المرتبة الأخيرة الاسم فإذا قال أنا أريد أن أمسك عن الكلام ما أردت الصيام ولا نويت الصيام نقول إنك لا تحنث إذا تركت الصيام وتحنث إذا تكلمت.
ثم - قال ﵀ (فالمطلق ينصرف إلى الموضوع الشرعي الصحيح)
يشترط أن نحمله على المعنى الشرعي أيضا الصحيح فإذا قال والله لا أبيعن هذه السيارة ثم باعها بيعا فاسدا فإنه لا يحنث والدليل على هذا أنّ الله تعالى قال ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة/٢٧٥] وجه الاستدلال؟ أنّ الآية سمت البيع الصحيح فقط هو البيع فإذا باع بيعا فاسدا فإنه لا يحنث.
والقول الثاني: أنه يحنث لأنه أتى بصورة المحلوف عليه والصواب الأول لأنّ مادمنا نحمله على المسمى الشرعي فأيضاً لا بد أن نحمله على التصحيح الشرعي.
стр. 2790
ثم - قال ﵀ (فإذا حلف لا يبيع أو لا ينكح فعقد عقدا فاسدا لم يحنث)
تقدم معنا أنه إذا عقد عقدا فاسدا لم يحنث إلاّ أنّ بعض الفقهاء فرق بين البيع والنكاح فقال إنه يحنث في البيع ولا يحنث في النكاح فإذا نكح نكاحا فاسدا بعد أن أقسم أن لا يفعل فإنه لا يحنث وإن باع بيعا فاسدا بعد أن أقسم أن لا يفعل فإنه يحنث يعني فرقوا بين البيع والنكاح والصواب أنه لا تفريق بين العقود الشرعية. وأنّ الجميع لا يحصل به الحنث.
ثم - قال ﵀ (وإن قيّد يمينه بما يمنع الصحة كأن حلف لا يبيع الخمر أو الحرحنث بصورة العقد)
إذا أنشأ اليمين على عقد فاسد فإنه إذا خالف يمينه فإنه يحنث وعللوا هذا بأنه لا يتصور البر بهذه اليمين إلاّ بذلك ولا يتصور الحنث بها إلاّ بمخالفته.
والقول الثاني: أنه لا يحنث حتى في هذه الصورة لأنّ أيمان المسلمين تحمل على العقود الصحيحة ولو حلف على عقد فاسد بناء على هذا إذا قال والله لا أبيعن هذه الجارية والجارية أم ولد فهو حلف على بيع فاسد او صحيح؟ بيع فاسد على القول بتحريم بيع أمهات الأولاد فحينئذ عند الحنابلة يحنث إذا باعها وعلى القول الثاني متى يحنث؟ لا يحنث لأنه لا يمكن أن يبيعها بيعا صحيحا أليس كذلك؟
يمكن للإنسان أن يبيع البيع الفاسد بيعا صحيحا لا يمكن لو قال والله لا أبيعن الخمر كيف يحنث على القول الثاني؟ لا يحنث لأنهم يقولون انه لا يحنث لأنّ هذه اليمين لا يمكن أن يحنث بها إلاّ ببيع صحيح ولا يمكن البيع الصحيح والراجح المذهب وأنه لو باع فإنه آثم والبيع باطل ولكن عليه كفارة يمين. وانتقل إلى الحقيقي.
قال ﵀ (والحقيقي: هو الذي لم يغلب مجازه على حقيقته كاللحم)
هنا ننبه لشيء أولا الحقيقي يعني اللغوي والتعبير باللغوي أوضح. ثانيا صنيع المؤلف يوهم أنّ الحقيقي يأتي في المرتبة الثانية بعد الشرعي أليس كذلك؟ والواقع أنّ الحنابلة يرون أنّ العرفي مقدم على الحقيقي وهذا مما أشرت إليه آنفا أنّ الشيخ في الحقيقة المؤلف ﵀ لم يرتبها على المطلوب.
стр. 2791
اللفظ الحقيقي هو اللفظ المستعمل في حقيقته اللغوية المؤلف يقول كاللحم. فاللحم إذا قال والله لا آكل لحما فقد حلف على مسمى لغوي صحيح فإنّ اللحم ليس له مجاز فإذا أكل شحما فإنه لا يحنث لأنه حلف على أكل اللحم وهو لم يأكل الآن لحما وإنما أكل شحما
والقول الثاني: أنه إذا حلف على ترك اللحم وأكل شحما يحنث. وقالوا لأنّ الشحم مع بقية أجزاء الجسد تسمى لحما والصحيح المذهب وهذه الأجزاء وإن سميت لحما فإنما تسمى على سبيل الإجمال لا التفصيل.
قال ﵀ (فإن حلف لا يأكل اللحم فأكل شحما أو مخا أو كبدا ونحوه لم يحنث, وإن حلف لا يأكل أدما حنث بأكل البيض والتمر والملح والزيتون ونحوه)
إن حلف لا يأكل أدما حنث بأكل البيض والتمر والملح والزيتون قلنا أنّ الإدام في العرف وفي مقاصد الشرع هو كل ما يأكل بالخبز وما يأكل بالخبز على نوعين: إما أن يأخذ به أخذا. أو أن يغمس فيه غمسا. هو بدأ بالقسم الأول وهو ما يأخذ فيقول حنث بأكل البيض والتمر والملح والزيتون ونحوه. إذ هذه الأشياء تأكل عادة بالخبز ومثلها اللحم وفي الحديث سيد الأدم اللحم؟ وفي الحديث الآخر نعم الإدام الخل إذا هذه الأشياء ونحوها تأكل بالخبز فتعتبر إدام فإذا على أن لا يأكل أدما وأكلها حنث.
القسم الثاني: ما يصطبغ به.
قال ﵀ (وكل ما يصطبغ به)
يعني ما يغمس مثل ماذا؟ مثل العسل وزيت الزيتون والسمن فإنه هذه تأكل بالخبز عن طريق الغمس الذي هو الاصطباغ فأيضاً يحنث.
قال ﵀ (ولا يلبس شيئا فلبس ثوبا أو درعا أو جوشنا أو نعلا حنث)
إذا حلف أن لا يلبس شيئا وأطلق فإنه يتناول كل ما يلبس في اليد والرجل والبدن والرأس لأنّ ما يوضع على هذه الأجزاء يسمى لبسا في الشرع وفي اللغة وفي العرف فإذا إذا لبس أي شيء فإنه يعتبر حانثا فإذا لبس ما يلبس على الرأس في قدمه أو لبس ما يلبس في اليد في قدمه فإنه لا يحنث لماذا؟ لأنّ هذا لا يسمى في العرف ولا في اللغة لبسا ولو لبسه إلاّ أنه لا يسمى لبسا.
قال ﵀ (وإن حلف لا يكلم إنسانا حنث بكلام كل إنسان)
стр. 2792
إذا حلف لا يكلم إنسانا حنث بكلام أي إنسان لماذا؟ لأنه فعل ما حلف على تركه وإذا فعل ما حلف على تركه فهو حانث.
قال ﵀ (ولا يفعل شيئا فوكل من فعله حنث)
إذا حلف أن لا يفعل شيء فوكل شخصا آخر ليفعله حنث والسبب في هذا أنّ حقيقة الفعل تنسب للموكِل لا للموكَل ولهذا في الآية
﴿يا هامان ابن لي صرحا﴾ [طه/٩٢] اعتبرت دليل على أنّ الفعل ينسب الموكِل لا الموكَل وجه الاستدلال؟ لأنه اعتبر البناء بأمره
أيضا وجه آخر اللي بيبني هو هامان من؟ وهو نسب البناء لمن؟ لهامان مع أنه لن يبني إذا ممكن نقول وجه الاستدلال فيها من جهة هامان ومن جهة فرعون. فإذا قال والله لا أبني بيتا وبنا أو وكل أحدا فهو حانث.
قال ﵀ (إلاّ أن ينوي مباشرته بنفسه)
إذا نوى بقوله والله لا أفعل كذا يعني أن لا أباشره ثم وكل غيره فإنه لا يحنث وهذا معلوم من اشتراط أن لا توجد في القضية نية.
مسألة / إذا حلف أن لا يفعل شيئا فوكل في فعله. يعني قال والله لا أقود السيارة فوكل في قيادتها أو قال والله لا أبني فوكل في بناءه أو قال والله لا أبيع فوكل في البيع؟ لأنه كما نقول في العكس أنّ الفعل بنسب للآمر به كذلك إذا وكل فالفعل هذا ينسب للموكِل لا لمن حلف فإذن لا يحنث.
قال ﵀ (والعرفي: ما اشتهر مجازه فغلب على الحقيقة)
العرفي ما غلب مجازه على حقيقته كما أنّ الحقيقي ما غلبت حقيقته على مجازه. إذن العرفي هو ما اشتهر مجازه يعني ما غلب على حقيقته.
يقول ﵀ (كالراوية والغائط)
الراوية في لغة العرب / يطلق على الجمل لكن بشكل خاص وهو الذي يستسقى عليه وفي العرف يطلق على المزادة.
يقول ﵀ (والغائط)
فالغائط في لغة العرب / هو المنخض من الأرض وفي العرف يطلق على ماذا؟ على الفضلات الخارجة من الإنسان.
من أمثلته أيضا. العيش. فالعيش في اللغة يطلق على الحياة الهنيئة أو الحياة الدنيا. وفي العرف يطلق على ما يأكل من خبز ونحوه إذن يوجد كثير من الألفاظ لها معنى في العرف ولها معنى في اللغة العربية , أحيانا يغلب المعنى العربي وأحيانا يغلب المعنى العرفي.
قال ﵀ (فتتعلق اليمين بالعرف)
стр. 2793
اليمين تقدم في العرف على اللغة واستدلوا على هذا بأنّ مقاصد عامة الناس في حديثهم إرادة المعنى العرفي لا اللغوي. وإلى هذا تقديم العرفي على اللغوي ذهب الأئمة الثلاثة والجماهير.
والقول الثاني: أنّ المعنى الحقيقي يعني اللغوي يقدم على العرفي واستدلوا على هذا بأنّ المعنى الحقيقي هو الأصل واعتبار الأصل أولى من اعتبار الفرع والراجح القول الأول وهو المذهب لأنّ القاعدة في الأيمان الرجوع لمقصود الحالف وإذا كان غالبا سيقصد المعنى العرفي فاعتباره أولى.
قال ﵀ (فإذا حلف على وطء زوجته)
فقوله والله لا أطأن زوجتي له معنى لغوي وله معنى عرفي فالمعنى اللغوي هو أن يطأ عليها بقدمه هذا الوطء في اللغة والمعنى العرفي هو أن يجامعها فإن جامعها حنث لأنّ المعنى العرفي مقدم على المعنى اللغوي. المثال الثاني
يقول ﵀ (أو وطء دار تعلقت يمينه بجماعها وبدخول الدار)
فقال إذا قال والله لا وطئت هذه الدار فالمعنى اللغوي أن يطأ الدار بقدمه والمعنى العرفي أن يمتنع عن دخول الدار بأي شكل من الأشكال ولو محمولا ولو راكبا ولو على يديه ولو على أربع أليس كذلك؟ فإذا حملنا لفظه على المعنى اللغوي نقول إذا حمل ثم دخل به الدار لم يحنث لأنه حلف أن لا يطأ وهو لم يطأ وعلى المعنى العرفي إذا دخل الدار بأي طريقة فإنه يحنث ومن المعلوم أنّ الإنسان إذا قال والله لا أطأ دار فلان فهو يريد الامتناع عن أصل الدخول لا عن صفته.
قال ﵀ (وإن حلف لا يأكل شيئا فأكله مستهلكا في غيره) لم يحنث
إذا حلف لا يأكل شيئا فأكله مستهلكا المؤلف يشير إلى قاعدة [وهي أنّ م حلف على ترك أكل شيء فإنه إذا استهلك في غيره بحيث لم يبقى له طعم ولا رائحة ولا لون فإنه لا يحنث بأكل هذا الغير] واستدل الحنابلة على هذه القاعدة بأنّ المستهلك في غيره كالمعدوم.
والدليل الثاني: أنه إذا أكل المستهلك فهو لم يأكل المحلوف على تركه وهذه المسألة تقترب من مسائل التعيين إلى حد كبير.
يقول الشيخ ﵀ (كمن حلف لا يأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن)
стр. 2794
الخبيص هو عبارة عن حلوى تصنع من التمر والسمن واشتهر أنّ أول من صنع هذه الحلوى هو عثمان بن عفان ﵁ لقصد إكرام النبي ﷺ فإذا حلف لا يأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن بشرط لا يظهر فيه طعمه فإنه لا يحنث لأنه أكل السمن مستهلكا في الخبيص إذن المثال واضح لكن أنا أقول أني أستغرب أن يوجد خبيص لا يظهر فيه أثر السمن أليس كذلك؟
هم تواترت عباراتهم على التمثيل بهذا فلا أدري هل يوجد مثلا أكلة عندهم يوضع فيها مواد تذهب بطعم السمن لأنّ السمن أقوى من التمر فأين يذهب أليس كذلك؟ لكن المثال واضح من حيث هو واضح.
يقول ﵀ (أو لا يأكل بيضا فأكل ناطفا لم يحنث)
الناطف: أيضا حلوى يصنع من البيض فإذا صنع البيض ناطفا فإنّ طعمه ورائحته ولونه يذهب , أما الناطف فلا أعرفه. أماالخبيص موجود عندنا خلطة سمن بالتمر موجود معروف لكن الناطف لا أعرفه لا أتصوره حتى أتمكن من تبيّين كيف ذهب طعم ولون ورائحة البيض لكن المثال واضح إذا ذهب لونه وطعمه ورائحة البيض فقد استهلك في هذه الحلوى فإذا أكلها لا يعتبر آكلا للبيض فلا يحنث.
قال ﵀ (وإن ظهر طعم شيء من المحلوف عليه حنث)
أيضا يشير إلى قاعدة أخرى جميلة جدا [وهي أنّ أكل المحلوف عليه يحصل به الحنث مستقلا أو تبعا] لأنه إذا أكل المحلوف على تركه مع غيره فهو كما لو أكله منفردا وأي فرق بين أن يأكل المحلوف عليه مع غيره أو أن يأكله منفردا لا فرق أبدا ولذلك فإنه يحنث.
فصل
يقول المؤلف ﵀ (وإن حلف لا يفعل شيئا ككلام زيد ودخول دار ونحوه ففعله مكرها لم يحنث)
تقدمت هذه المسألة معنا وذكرنا الخلاف فيها وتعليل الحنابلة.
قال ﵀ (وإن حلف على نفسه أو غيره ممن يقصد منعه كالزوجة والولد ألاّ يفعل شيئا ففعله ناسيا أو جاهلا حنث في الطلاق والعتاق فقط)
стр. 2795
يقول إذا حلف على نفسه أو على غيره يقول ممن يقصد منعه ويشترط في هذا الغير أن يكون ممن يمتنع بيمينه كالزوجة والولد فالحكم كالتالي إذا حلف على نفسه أو على غيره ممن يمتنع بيمينه أنه إن فعله ناسيا أو جاهلا فلا حنث عليه ولا إثم ولا كفارة إلاّ في الطلاق والعتاق فإذا حلف بالله أو نذر نذرا أخرجه مخرج اليمين فإنه إذا حنث ناسيا أو جاهلا فلا كفارة. الدليل أنّ الكفارة إنما يراد منها رفع الإثم ومع النسيان والجهل لا إثم.
ثم - قال ﵀ (حنث في الطلاق والعتاق فقط)
أفادنا المؤلف أنه في اليمين والنذر كما تقدم معنا أنه لا يحنث لكنه يحنث في الطلاق والعتاق فإذا حلف بالطلاق والعتاق على نفسه أو على غيره ثم وقع المحلوف عليه فإنه يقع الحنث استدلوا بدليلين:
الدليل الأول: أنّ الحلف بالطلاق كالتعليق والتعليق لا يشترط فيه القصد بدليل لو قال أنت طالق إذا قدم فلان فإنه إذا قدم فلان لا قصد من المعلق ومع ذلك تطلق المرأة إذا الدليل الأول أنّ الحلف بالطلاق إنما هو تعليق والتعليق لا يحتاج إلى قصد.
الدليل الثاني: أنه إذا حلف بالطلاق والعتاق فإنه اشتمل على حق غيره وهو المعتق والمطلق فنفذ الحكم كالإتلافات فإنه إذا أتلف مال غيره فإنه يضمن ولو جاهلا أو ناسيا لماذا يضمن؟ لأنه يتعلق به حق للغير كذلك هنا يحنث لأنه يتعلق به حق للغير.
والقول الثاني: أنه لا يحنث في كل الأنواع بلا فرق لأنّ النصوص المستثنية للجاهل والناسي عامة تشمل أن يحلف بالطلاق أو العتاق أو بغيرهما وهذا هو الصحيح. ثم المسألة الأخيرة
قال ﵀ (أو على من لا يمتنع بيمنه من سلطان وغيره ففعله حنث مطلقا)
إذا حلف على من لا يمتنع بيمينه ففعله هذا الذي لا يمتنع بيمينه فإنه يحنث مطلقا وقوله مطلقا يعني ولو ناسيا أو جاهلا لأنه حلف على من لا يمتنع بيمينه.
ثم - قال ﵀ (وإن فعل هو أو غيره ممن قصد منعه بعض ما حلف على كله لم يحنث , ما لم تكن له نية)
إذا فعل بعض المحلوف على تركه لم يحنث لأمرين: الأول" أنه في حقيقة الأمر لم يفعل المحلوف عليه وإنما فعل بعضه.
стр. 2796
الدليل الثاني: أنّ النبي ﷺ كان وهو معتكف يخرج رأسه إلى عائشة فدل هذا على أنّ إخراج البعض ليس كإخراج الكل.
والقول الثاني: أنه إذا فعل بعض المحلوف على تركه فإنه يحنث لأنّ مقصود الحالف الامتناع عن أصل هذا الفعل بجزئه وكله فإذا قال والله لا أخرج من البيت وأخرج رجله فعلى المذهب لا يحنث وعلى القول الثاني يحنث. والراجح المذهب.
ثم - قال ﵀ (ما لم تكن له نية)
إذا كان ينوي أثناء الحلف ألاّ يفعل كل المحلوف على تركه وبعضه فإنه إذا فعل البعض حنث ويضاف مسألة أخرى تستثنى وهي إذا ما دلت القرائن على أنه أراد البعض كما إذا قال والله لا أشرب هذا النهر فمن المعلوم أنّ القرينة دلت على أنه أراد من هذا النهر لأنه لا يمكن أن يشرب كل النهر فبمجرد ما يشرب أي جزء من هذا النهر فإنه يحنث لدلالة القرينة لا النية.
стр. 2797
الدرس: (٣) من الأيمان
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
باب النذر
النذر هو إلزام النفس نفسه عبادة لله.
قال المؤلف ﵀ (لا يصح إلاّ من بالغ عاقل ولو كافر)
قوله لا يصح بيان للحكم الوضعي ولم يتطرق المؤلف للحكم التكليفي وغيره من الحنابلة تطرقوا وكان ينبغي أن يتطرق لأنّ بيان حكم التكليفي أهم من بيان الحكم الوضعي واختلف الفقهاء في حكم النذر على أقوال:
الأول" وهو المذهب وإليه ذهب الجماهير أنه مكروه وصحيح واستدل الجمهور بأنّ النبي ﷺ نهى النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل. وجه الاستدلال من وجهين: الأول: أنه نهى والأصل في النهي التحريم.
الثاني: أنه إذا كان لا يأتي بخير فبذل المال ففيه من بذله في غير فائدة شرعية فهو إسراف وتبذير والإسراف والتبذير محرم.
стр. 2798
القول الثاني: وهو مذهب بعض السلف واختاره الصنعاني ومال إليه شيخ الإسلام أنه محرم وإن كان صحيحا لكن يحرم على الإنسان أن يعقد النذر واستدل بالدليل السابق وقال دلالته على التحريم لأنّ النهي الأصل فيه التحريم والأصل في الإسراف والتبذير أيضا التحريم.
القول الثالث: أنه يستحب لأنّ الله تعالى مدح الذين يوفون بالنذر وجه الاستدلال أنّ الإيفاء بالنذر ممدوح ولو كان النذر محرما لم يمدح لأنّ سيئة التحريم تفوق الوفاء بالنذر. وأجابوا عن الأحاديث الناهية عن النذر أنّ المقصود بها تأكيد الوفاء بالنذر وليس النهي عنه.
والقول الرابع: أنه مباح جمعا بين النصوص. والراجح أنه مكروه لصريح النهي عنه.
ثم - قال ﵀ (لا يصح إلاّ من بالغ عاقل)
قوله لا يصح إلاّ من بالغ عاقل يعني لا يصح إلاّ من المكلف وفهم من كلام المؤلف أنه لا يجب على المميز ولا على المراهق وإنما يجب على المكلف فقط وهذا صحيح وهو محل وفاق بين الفقهاء لقول النبي ﷺ رفع القلم عن ثلاثة. والإنسان قبل التكليف لا يجب عليه شيء من الواجبات في أصل الشرع ولا بفرعه.
ثم - قال ﵀ (ولو كافرا)
يعني ويصح ويلزم ولو من كافر لأنّ عمر بن الخطاب ﵁ استفتى النبي ﷺ بأنه نذر أن يعتكف يوما
في المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ أوف بنذرك. والمقصود بقوله بنذرك يعني الذي كان حال الكفر. فدل هذا الحديث على أنه يصح من الكافر.
ثم - قال ﵀ (والصحيح منه خمسة أقسام)
النذر لا ينعقد بمجرد النية بل يحتاج إلى قول فلا يصح إلاّ بقول وإلى هذا ذهب الجماهير وإذا ثبت أنه لا يصح إلاّ بقول فهل له ألفاظ مخصوصة أو يصح بكل قول فيه خلاف فمن الفقهاء من قال له ألفاظ مخصوصة أو له لفظ مخصوص وهو أن يقول لله علي كذا وكذا.
أو يقول علي كذا وكذا. ولو بلا لله وإذا لم يستخدم هذا اللفظ فإنه لا يصح.
القول الثاني: أنه ليس لفظ محدد بل ينعقد بكل ما دل عليه.
стр. 2799
والقول الثالث: أنه لا ينعقد إلاّ بلفظه الخاص إلاّ إذا دل عليه قرينة أو حال المتكلم فإنه ينعقد بكل لفظ. والراجح القول الثالث إن شاء الله ويختص بلفظ معين ما لم تدل القرائن على أنه ينعقد بكل لفظ وهذا القول الثالث الخلاف أو الفرق بينه وبين القول الثاني محدود
جدا في مسائل قليلة.
قال ﵀ (المطلق: مثل أن يقول لله علي نذر , ولم يسم شيئا فليزمه كفارة يمين)
المطلق يعني القسم الأول النذر المطلق هو كما قال المؤلف أن يقول لله علي نذر ولم يقيد هذا النذر بعمل معين فحكمه على كلام المؤلف أنه صحيح وفيه كفارة وإلى هذا ذهب الجمهور جماهير العلماء على هذا واستدلوا بأمرين: الأول: قول النبي ﷺ كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين وهذا الحديث فيه ضعف.
الثاني: أنه صح عن ابن عباس وغيره من الصحابة أنهم أفتوا بذلك.
والقول الثاني: أنه يعني النذر الذي لم يسم لا ينعقد وليس فيه كفارة واستدلوا بقول النبي ﷺ إنما النذر ما ابتغي به وجه الله. وهذا لم يقيد الفعل أصلا والراجح الأول لأنه مروي عن الصحابة وليس في الباب ما يدفعه بل فيه حديث ضعفه يسير.
قال ﵀ (الثاني: نذر اللجاج والغضب وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب)
المقصود بنذر اللجاج والغضب هو النذر الذي خرج مخرج اليمين ولم يقصد صاحبه الطاعة والتبرك وإنما قصد أمرا من أربعة إما الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب. فإذا خرج هذا المخرج فهو نذر لجاج وغضب وحكمه قال فيه المؤلف حكمه أنه يخير بين أن يفعل النذر أو يكفر كفارة يمين وإلى هذا ذهب الجمهور ومقصودهم إذا حصل الشرط فإذا قال لله علي نذر أن أصوم إن خرجت أو إن دخلت ثم خرجت أو دخلت فإنه مخير بين أن يصوم وبين أن يكفر كفارة يمين واستدل الجمهور بقول النبي ﷺ لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين. وهذا الحديث أيضا في البخاري.
الدليل الثاني: أنّ هذا مروي عن أصحاب النبي ﷺ
الدليل الثالث: أنّ نذر اللجاج والغضب فيه معنى النذر وفيه معنى اليمين فيبرأ من العهدة بأداء أي منهما.
стр. 2800
القول الثاني: أنّ فيه كفارة يمين فقط يعني تلزمه كفارة اليمين ولو أدى المنذور ولو صام في المثال السابق واستدلوا بأنّ الحديث يقول لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين.
والقول الثالث: أنه لا يبرأ إلاّ بالوفاء بالنذر للعمومات الآمرة بالوفاء بالنذر ولا يخفاكم أنّ الراجح المذهب إن شاء الله. لقوة أدلتهم ولأنّ معهم الآثار.
قال ﵀ (الثالث: نذر المباح كلبس ثوبه , وركوب دابته)
معنى النذر المباح أي التزام المكلف فعلا مباحا فإذا التزم فعلا مباحا لا يوصف بأنه معصية ولا بأنه طاعة فهو من هذا القسم الثالث وهو النذر المباح.
يقول ﵀ (فحكمه كالثاني)
يعني حكمه حكم نذر اللجاج فيكون مخير بين أن يفعل وبين أن يكفر ولا يجب عليه أن يفعل واستدلوا بأدلة الدليل الأول: أنّ جارية نذرت إن قدم النبي ﷺ سالما أن تضرب على رأسه بالدف فقال النبي ﷺ أوف بنذرك.
الثاني: القياس على القسم السابق.
القول الثاني: أنّ النذر المباح لا ينعقد وليس فيه كفارة يمين واستدلوا هؤلاء بدليلين: الأول قول النبي ﷺ إنما النذر ما ابتغي به وجه الله , هذا الحديث صححه ابن الملقن وتقريبا جميع المعاصرين.
والدليل الثاني: أنّ النبي ﷺ صعد على المنبر ليخطب فرأى رجلا واقفا فقال ما بال هذا فقالوا إنه نذر أن يقوم فلا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم. فقال النبي ﷺ مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه.
وجه الاستدلال أنّ النبي ﷺ لم يأمره بكفارة مع أنه نذر أن يقوم , هذا القول الثاني مال إليه ابن عبدوس وهو قول في الحقيقة يعني الآثار تقويه لكن يشكل عليه ما سيأتينا بعد قليل في مسألة نذر المعصية. والقول اللي هو المذهب رجحه شيخ الإسلام ﵀ وقال [من نذر أن يفعل مباحا فقد حلف على فعله أو كأنه حلف على فعله]
ثم - قال ﵀ (وإن نذر مكروها من طلاق أو غيره استحب أن يكفر ولا يفعله)
стр. 2801
قوله نذر مكروها إن نذر فعلا مباحا لكنه مكروه ففي هذه الحال أيضا يخير لكن يستحب أن لا يفعل المكروه. والدليل على هذا القياس على اليمين وتقدمت معنا قياس على لو حلف على أمر غير مستحب.
والثاني: أنّ فعل المكروه لا يستحب ولذلك استحببنا له أن يكفر وأن لا يفعل.
قال ﵀ (الرابع: نذر المعصية كشرب خمر , وصوم يوم الحيض , والنحر)
نذر المعصية أن يلتزم بالنذر فعل محرما كأن يقول لله علي نذر أن أشرب الخمر وأن أصوم يوم الحيض أو النحر. وهذه المسائل التي ذكرها المؤلف نادرا أو لا تكاد تقع لكن من أشهر صور نذر المعصية أن ينذر نذرا يشتمل على قطيعة الرحم المحرمة هذا موجود كثير.
يقول الشيخ ﵀ (فلا يجوز الوفاء به)
نذر المعصية لا يجوز الوفاء به إجماع لقول النبي ﷺ من نذر أن يعصي الله فلا يعصه. فلا إشكال في أنه لا يجوز الوفاء به
ثم - قال ﵀ (ويكفر)
إذا نذر نذر المعصية صار ملزما بكفارة اليمين بخلاف الأنواع السابقة التي يخير فيها هنا لا تخيير بل هو ملزم بالكفارة واستدلوا بأدلة
الدليل الأول: أنّ النبي ﷺ قال لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين. هذا صححه المتأخرون وضعفه جمهور الأئمة والراجح أنه لا يصح لكن مع ذلك الإمام أحمد احتج به وتقدم معنا أنّ احتجاج الإمام أحمد بنص لا يلزم منه التصحيح.
الدليل الثاني: أنّ النبي ﷺ قال النذر يمين وكفارته كفارة اليمين.
الدليل الثالث: أنه صح عن ابن عباس أنه قال من نذر نذر معصية فعليه كفارة اليمين.
والقول الثاني: أنّ من نذر نذر معصية فإنه لا شيء عليه وهو لغو باطل لقول النبي ﷺ لا نذر إلاّ فيما ابتغي به وجه الله. ولعموم قوله ﷺ لا نذر في معصية. والأصل في النفي أنه نفي للحقيقة الشرعية. يعني أنه لم ينعقد وإذا لم ينعقد فهو عبث ولغو. مسألة نذر المعصية ونذر المباح يعني مسألتان قريبتان من بعض. الراجح فيهما اعتمادا على الآثار وجوب الكفارة وإلاّ في الحقيقة من حيث النظر القول بأنه لا ينعقد وجيه جدا لولا الآثار ومال إليه أي إلى هذا الأمر كثير من المحققين
стр. 2802
وهو مذهب الشافعي الذي نصره ونصره تبعا لنصره البيهقي فهو مذهب قوي وحديث الجارية التي نذرت أن تضرب على رأسه ﷺ لا يدل على تصحيح نذر المباح لأنّ الضرب على رأس النبي فرحا بقدومه نوع من العبادة فلا يصدق عليه أنه نذر مباح صحيح الأصل في ضرب الدف أنه مباح في الأحوال التي يجوز فيها لكن في هذه الصورة هو يعتبر طاعة وقربة مقصودي أنه لا يوجد دليل واضح على تصحيح نذر المباح ونذر المعصية وإيجاب الكفارة سوى الآثار. الآثار هي التي جعلت الإنسان يتوقف ويرجح مذهب الجمهور الذين قالوا بوجوب الكفارة.
ثم - قال ﵀ (الخامس: نذر التبرر)
نذر التبرر هو كل نذر قصد به الإنسان التقرب إلى الله بعبادة مشروعة فإذا قصد بالنذر التقرب إلى الله فهو نذر تبرر.
ثم - قال ﵀ (مطلقا أو معلقا)
يعني سواء كان النذر نذر الطاعة طاعة مطلقا أو معلقا , فالمطلق وهو أفضل النوعين أن يبتدئ النذر من غير مقابلة نعمة كأن يقول ابتداء لله علي نذر أن أصوم يوما في سبيل الله. والنذر المعلق هو كل نذر نذره الإنسان في مقابل نعمة أو اندفاع نقمة , كأن يقول لله علي نذر إن حفظت بلوغ المرام أن أصوم لله أو أن أتصدق أو أن أذبح وكان يقول هذا بالنسبة للنعمة , وكأن يقول بالنسبة للنقمة لله علي نذر إن شفيت أو إن شفي مريضي أن أفعل كذا وكذا من العبادات فالنذر بنوعيه صحيح ومنعقد. ثم بيّن حكمه ومثّل
فقال ﵀ (كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه)
نذر الطاعة ينقسم إلى قسمين: القسم الأول أن ينذر واجبا له نظير في أصل الشرع يعني من حيث الوجوب.
القسم الثاني: أن ينذر نذرا ليس له نظير في أصل الوجوب من حيث الشرع فإذا قال لله على نذر أن أصلي فالصلاة تجب بأصل الشرع وإذا قال لله علي نذر أن أزور المريض أو أن أعتكف فقد نذر نذرا ليس له أصل في الوجوب شرعا. المؤلف مثل على القسم الأول ولم يمثل على القسم الثاني ولو أنه شكل ونوّع على كل قسم لكان أوفى.
يقول ﵀ (كقوله إن شفى الله مريضي أو سلم مالي الغائب فلله علي كذا)
стр. 2803
كذلك مثّل دفع نقمة ولم يمثلّ على جلب نعمة , ولو أنه مثلّ على النوعين لكان أوفى فقوله إن شفى الله مريضي هذا نذر تبرر مطلق ولا معلق؟ معلق. وكذلك إن سلم مالي الغائب فلله علي كذا نفس الشيء.
يقول المؤلف ﵀ في بيان الحكم (فوجد الشرط لزمه الوفاء به)
عرفنا من هذا أنّ بعض أنواع النذر يخير وبعض أنواع النذر يلزم بالكفارة وبعض أنواع النذر يلزم بالوفاء ولزوم الوفاء بنذر التبرر ينقسم إلى قسمين: إن كان في طاعة أصلها واجب في الشرع فهو واجب إجماعا لقول النبي ﷺ من نذر أن يطيع فليطعه. وإن كان التزاما لأمر لم يجب لأصل الشرع كالاعتكاف وزيارة المريض والصدقة ونحوها فإنه والحالة هذه يجب عند الجماهير لكن ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجب لأنه لم يجب بأصل الشرع فلا يجب بالنذر وهذا القول الثاني ضعيف جدا لأنه مخالف لنص الحديث بلا مبرر فإنّ النبي ﷺ يقول من نذر أن يطيع الله فليطعه. ولم يفرق بين أنواع النذر والوجوب في النذر مستفاد من النذر لا من الأدلة الدالة على وجوب العبادات في أصل الشرع.
ثم - قال ﵀ (إلا إذا نذر الصدقة بماله كله)
لما قرر وجوب الوفاء بالنذر أراد أن يبيّن المستثنيات , المستثنى الأول: أن ينذر التبرع بماله كله هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء على نحو عشرة مذاهب: يعني الإنسان لا يتصور أن يكون في هذه المسألة هذه المذاهب. لكنهم اختلفوا على القدر نحن نذكر الأقوال القوية من هذه العشر:
القول الأول: أنه لا يجب عليه أن يوفي بنذره , وإنما يحب عليه أن يخرج الثلث واستدلوا بأنّ أبا لبابة ﵁ نذر أن يتصدق بماله كله فقال النبي ﷺ يجزيك الثلث.
الدليل الثاني: أنّ كعب ﵁ لما جاءت توبته قال لله علي نذر أن أتصدق بمالي فقال النبي ﷺ أبق عليك بعض مالك. وهذا في الصحيحين والأول ضعيف.
القول الثاني: أنه يجب عليه أن يوفي بما نذر وأن يتصدق بجميع ماله لعموم من نذر أن يطيع الله فليطعه. وعلى هذا يتصدق بالنقد والأعيان والبيوت وجميع أنواع الأموال.
стр. 2804
القول الثالث: أنه يتصدق بكل المال ويبقي عليه ما يكفيه وولده بالمعروف بلا تحديد قدر معين من المبقى وإلى هذا ذهب عدد من السلف من المتقدمين واختاره ابن حزم واختاره ابن القيم واستدل هؤلاء بالحديث حديث كعب فإنه أمره بأن يبقي بعض المال وهذا القول الأخير وجيه وفيه جمع بين الأدلة إلاّ أنه يشكل عليه شيء واحد وهو أنّ حديث كعب ليس فيه لفظ النذر مطلقا وإنما فيه الصدقة فالاستدلال له قاصر نوعا ما لكن مع ذلك الاستئناس به إلى أنه يجب أن يخرج جميع المال ويبقي ما يكفيه وولده جيد وفيه نوع من الجمع بين الأدلة. يليه في القوة القول أنه يجب أن يخرج جميع ماله لأنه لا يوجد مقيد للحديث من نذر أن يطيع الله فليطعه. فبأي شيء نخرج عن هذا الحديث إذا كان حديث أبي لبابة ضعيف والحديث الآخر ليس في النذر بأي نخرج عن هذا الحديث. هناك قول رابع جيد ما أقول راجح لكن فيه وجهة نظر. أنه عليه أن يخرج جميع ماله النقدي دون ما سواه من الأعيان ودليل هؤلاء أنّ أبا بكر الصديق ﵁ لما أخرج ماله سمي بأنه تبرع بكل ماله مع أنّ بيته الذي يسكن فيه بقي له وهذا القول أيضا جيد المهم الراجح القول الثالث يليه القول الثاني.
ثم - قال ﵀ (أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل)
يعني كذلك إذا نذر أن يتبرع بقدر من المال يزيد هذا القدر على ثلث المال فكذلك لا يجب عليه إلاّ الثلث قياسا على المسألة السابقة فقاسوا ما إذا زاد القدر المتبرع به على أكثر المال ما إذا تبرع بكل المال والراجح أنه يجب عليه أن يتبرع بكل ما نذره إذا كان أقل من كل المال يعني إذا لم يكن من كل المال يعني إذا لم يكن كل المال والمؤلف خالف المذهب في هذه المسألة إذا هو يقول أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل ويجعل ما زاد على الثلث حكمه حكم الكل مع العلم إنما زاد على الثلث قد يكون زيادة قليلة وحينئذ يكون الباقي أكثر من أيش؟ يبقى الثلثان إلاّ قليلا. ففي هذا القول ضعف ظاهر جدا لو كان القول أنه إذا زاد على الثلثين يعني إذا نذر أن يتبرع بثلثي ماله لكان هذا القول وجيه لكن هم يقولون منه ما يزيد على ثلث الكل فقط. ثلث الكل يسير ولا يوجد أي مبرر للخروج عن الحديث.
стр. 2805
ثم - قال ﵀ (فإنه يجزيه قدر الثلث)
يعني في المسألة الأولى وفي المسألة الثانية. ومفهوم عبارة المؤلف أنه يجزيه قدر الثلث بلا كفارة وهو كذلك لأنه إنما نقص عن كل المال بالأدلة الشرعية فلا يجب عليه مع ذلك أن يكفر.
ثم - قال ﵀ (وفيما عداها يلزمه المسمى)
فإذا تصدق بالثلث فأقل فليزمه أن يخرج ما سمى بلا نزاع لعموم من نذر أن يطيع الله فليطعه فهذا القدر لا إشكال في وجوبه فيجب عليه أن يخرجه طاعة لله.
ثم - قال ﵀ (ومن نذر صوم شهر لزمه التتابع)
إذا قال الإنسان لله علي نذر أن أصوم شهرا فيجب عليه بمجرد اللفظ أن يصومه متتابعا واستدلوا على هذا بأنّ المتبادر لإطلاق كلمة الشهر التتابع فليزمه أن يصومه متتابعا.
والقول الثاني: أنّ له أن يصومه ولو بغير تتابع واستدلوا على هذا بأنّ الشهر يطلق على معنيين في الشرع على ما بين الهلالين وعلى الثلاثين يوما ولو نذر أن يصوم ثلاثين يوما فإنه لا يلزمه التتابع فكذلك إن نذر شهرا لأنه أحد معنييه وهذا صحيح وعرفنا الآن الفرق بين أن يقول الإنسان لله علي نذر أن أصوم ثلاثين يوما وبين أن يقول لله علي نذر أن أصوم شهرا بينهما فرق لأنه بالعبارة الثانية يلزمه على المذهب التتابع.
ثم - قال ﵀ (وإن نذر أياما معدودة لم يلزمه إلاّ بشرط ونية)
إذا نذر أياما معدودة يعني سواء كانت أقل من الشهر أو أكثر من الشهر أو بعدد أيام الشهر فإنه لا يلزمه إلاّ أن يصومها ولو بغير تتابع
كأن يقول لله علي نذر أن أصوم ستة أيام فله أن يصوم متتابعة وله أن يصومها متقطعة والدليل على هذا أنّ هذه الصيغة لا توجب التتابع فإنه نذر صيام أيام فلا يلزمه التتابع. واستدلوا أيضا بقوله تعالى فعدة من أيام أخر وقضاء صوم رمضان لا يجب فيه التتابع بالإجماع فكذلك الأيام المنذورة لأنها أيام هنا وأيام هناك.
قال ﵀ (إلاّ بشرط أو نية)
следующие страницы →