← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

قوله نذر مكروها إن نذر فعلا مباحا لكنه مكروه ففي هذه الحال أيضا يخير لكن يستحب أن لا يفعل المكروه. والدليل على هذا القياس على اليمين وتقدمت معنا قياس على لو حلف على أمر غير مستحب. والثاني: أنّ فعل المكروه لا يستحب ولذلك استحببنا له أن يكفر وأن لا يفعل. قال ﵀ (الرابع: نذر المعصية كشرب خمر , وصوم يوم الحيض , والنحر) نذر المعصية أن يلتزم بالنذر فعل محرما كأن يقول لله علي نذر أن أشرب الخمر وأن أصوم يوم الحيض أو النحر. وهذه المسائل التي ذكرها المؤلف نادرا أو لا تكاد تقع لكن من أشهر صور نذر المعصية أن ينذر نذرا يشتمل على قطيعة الرحم المحرمة هذا موجود كثير. يقول الشيخ ﵀ (فلا يجوز الوفاء به) نذر المعصية لا يجوز الوفاء به إجماع لقول النبي ﷺ من نذر أن يعصي الله فلا يعصه. فلا إشكال في أنه لا يجوز الوفاء به ثم - قال ﵀ (ويكفر) إذا نذر نذر المعصية صار ملزما بكفارة اليمين بخلاف الأنواع السابقة التي يخير فيها هنا لا تخيير بل هو ملزم بالكفارة واستدلوا بأدلة الدليل الأول: أنّ النبي ﷺ قال لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين. هذا صححه المتأخرون وضعفه جمهور الأئمة والراجح أنه لا يصح لكن مع ذلك الإمام أحمد احتج به وتقدم معنا أنّ احتجاج الإمام أحمد بنص لا يلزم منه التصحيح. الدليل الثاني: أنّ النبي ﷺ قال النذر يمين وكفارته كفارة اليمين. الدليل الثالث: أنه صح عن ابن عباس أنه قال من نذر نذر معصية فعليه كفارة اليمين. والقول الثاني: أنّ من نذر نذر معصية فإنه لا شيء عليه وهو لغو باطل لقول النبي ﷺ لا نذر إلاّ فيما ابتغي به وجه الله. ولعموم قوله ﷺ لا نذر في معصية. والأصل في النفي أنه نفي للحقيقة الشرعية. يعني أنه لم ينعقد وإذا لم ينعقد فهو عبث ولغو. مسألة نذر المعصية ونذر المباح يعني مسألتان قريبتان من بعض. الراجح فيهما اعتمادا على الآثار وجوب الكفارة وإلاّ في الحقيقة من حيث النظر القول بأنه لا ينعقد وجيه جدا لولا الآثار ومال إليه أي إلى هذا الأمر كثير من المحققين

стр. 2802

وهو مذهب الشافعي الذي نصره ونصره تبعا لنصره البيهقي فهو مذهب قوي وحديث الجارية التي نذرت أن تضرب على رأسه ﷺ لا يدل على تصحيح نذر المباح لأنّ الضرب على رأس النبي فرحا بقدومه نوع من العبادة فلا يصدق عليه أنه نذر مباح صحيح الأصل في ضرب الدف أنه مباح في الأحوال التي يجوز فيها لكن في هذه الصورة هو يعتبر طاعة وقربة مقصودي أنه لا يوجد دليل واضح على تصحيح نذر المباح ونذر المعصية وإيجاب الكفارة سوى الآثار. الآثار هي التي جعلت الإنسان يتوقف ويرجح مذهب الجمهور الذين قالوا بوجوب الكفارة. ثم - قال ﵀ (الخامس: نذر التبرر) نذر التبرر هو كل نذر قصد به الإنسان التقرب إلى الله بعبادة مشروعة فإذا قصد بالنذر التقرب إلى الله فهو نذر تبرر. ثم - قال ﵀ (مطلقا أو معلقا) يعني سواء كان النذر نذر الطاعة طاعة مطلقا أو معلقا , فالمطلق وهو أفضل النوعين أن يبتدئ النذر من غير مقابلة نعمة كأن يقول ابتداء لله علي نذر أن أصوم يوما في سبيل الله. والنذر المعلق هو كل نذر نذره الإنسان في مقابل نعمة أو اندفاع نقمة , كأن يقول لله علي نذر إن حفظت بلوغ المرام أن أصوم لله أو أن أتصدق أو أن أذبح وكان يقول هذا بالنسبة للنعمة , وكأن يقول بالنسبة للنقمة لله علي نذر إن شفيت أو إن شفي مريضي أن أفعل كذا وكذا من العبادات فالنذر بنوعيه صحيح ومنعقد. ثم بيّن حكمه ومثّل فقال ﵀ (كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه) نذر الطاعة ينقسم إلى قسمين: القسم الأول أن ينذر واجبا له نظير في أصل الشرع يعني من حيث الوجوب. القسم الثاني: أن ينذر نذرا ليس له نظير في أصل الوجوب من حيث الشرع فإذا قال لله على نذر أن أصلي فالصلاة تجب بأصل الشرع وإذا قال لله علي نذر أن أزور المريض أو أن أعتكف فقد نذر نذرا ليس له أصل في الوجوب شرعا. المؤلف مثل على القسم الأول ولم يمثل على القسم الثاني ولو أنه شكل ونوّع على كل قسم لكان أوفى. يقول ﵀ (كقوله إن شفى الله مريضي أو سلم مالي الغائب فلله علي كذا)

стр. 2803

كذلك مثّل دفع نقمة ولم يمثلّ على جلب نعمة , ولو أنه مثلّ على النوعين لكان أوفى فقوله إن شفى الله مريضي هذا نذر تبرر مطلق ولا معلق؟ معلق. وكذلك إن سلم مالي الغائب فلله علي كذا نفس الشيء. يقول المؤلف ﵀ في بيان الحكم (فوجد الشرط لزمه الوفاء به) عرفنا من هذا أنّ بعض أنواع النذر يخير وبعض أنواع النذر يلزم بالكفارة وبعض أنواع النذر يلزم بالوفاء ولزوم الوفاء بنذر التبرر ينقسم إلى قسمين: إن كان في طاعة أصلها واجب في الشرع فهو واجب إجماعا لقول النبي ﷺ من نذر أن يطيع فليطعه. وإن كان التزاما لأمر لم يجب لأصل الشرع كالاعتكاف وزيارة المريض والصدقة ونحوها فإنه والحالة هذه يجب عند الجماهير لكن ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجب لأنه لم يجب بأصل الشرع فلا يجب بالنذر وهذا القول الثاني ضعيف جدا لأنه مخالف لنص الحديث بلا مبرر فإنّ النبي ﷺ يقول من نذر أن يطيع الله فليطعه. ولم يفرق بين أنواع النذر والوجوب في النذر مستفاد من النذر لا من الأدلة الدالة على وجوب العبادات في أصل الشرع. ثم - قال ﵀ (إلا إذا نذر الصدقة بماله كله) لما قرر وجوب الوفاء بالنذر أراد أن يبيّن المستثنيات , المستثنى الأول: أن ينذر التبرع بماله كله هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء على نحو عشرة مذاهب: يعني الإنسان لا يتصور أن يكون في هذه المسألة هذه المذاهب. لكنهم اختلفوا على القدر نحن نذكر الأقوال القوية من هذه العشر: القول الأول: أنه لا يجب عليه أن يوفي بنذره , وإنما يحب عليه أن يخرج الثلث واستدلوا بأنّ أبا لبابة ﵁ نذر أن يتصدق بماله كله فقال النبي ﷺ يجزيك الثلث. الدليل الثاني: أنّ كعب ﵁ لما جاءت توبته قال لله علي نذر أن أتصدق بمالي فقال النبي ﷺ أبق عليك بعض مالك. وهذا في الصحيحين والأول ضعيف. القول الثاني: أنه يجب عليه أن يوفي بما نذر وأن يتصدق بجميع ماله لعموم من نذر أن يطيع الله فليطعه. وعلى هذا يتصدق بالنقد والأعيان والبيوت وجميع أنواع الأموال.

стр. 2804

القول الثالث: أنه يتصدق بكل المال ويبقي عليه ما يكفيه وولده بالمعروف بلا تحديد قدر معين من المبقى وإلى هذا ذهب عدد من السلف من المتقدمين واختاره ابن حزم واختاره ابن القيم واستدل هؤلاء بالحديث حديث كعب فإنه أمره بأن يبقي بعض المال وهذا القول الأخير وجيه وفيه جمع بين الأدلة إلاّ أنه يشكل عليه شيء واحد وهو أنّ حديث كعب ليس فيه لفظ النذر مطلقا وإنما فيه الصدقة فالاستدلال له قاصر نوعا ما لكن مع ذلك الاستئناس به إلى أنه يجب أن يخرج جميع المال ويبقي ما يكفيه وولده جيد وفيه نوع من الجمع بين الأدلة. يليه في القوة القول أنه يجب أن يخرج جميع ماله لأنه لا يوجد مقيد للحديث من نذر أن يطيع الله فليطعه. فبأي شيء نخرج عن هذا الحديث إذا كان حديث أبي لبابة ضعيف والحديث الآخر ليس في النذر بأي نخرج عن هذا الحديث. هناك قول رابع جيد ما أقول راجح لكن فيه وجهة نظر. أنه عليه أن يخرج جميع ماله النقدي دون ما سواه من الأعيان ودليل هؤلاء أنّ أبا بكر الصديق ﵁ لما أخرج ماله سمي بأنه تبرع بكل ماله مع أنّ بيته الذي يسكن فيه بقي له وهذا القول أيضا جيد المهم الراجح القول الثالث يليه القول الثاني. ثم - قال ﵀ (أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل) يعني كذلك إذا نذر أن يتبرع بقدر من المال يزيد هذا القدر على ثلث المال فكذلك لا يجب عليه إلاّ الثلث قياسا على المسألة السابقة فقاسوا ما إذا زاد القدر المتبرع به على أكثر المال ما إذا تبرع بكل المال والراجح أنه يجب عليه أن يتبرع بكل ما نذره إذا كان أقل من كل المال يعني إذا لم يكن من كل المال يعني إذا لم يكن كل المال والمؤلف خالف المذهب في هذه المسألة إذا هو يقول أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل ويجعل ما زاد على الثلث حكمه حكم الكل مع العلم إنما زاد على الثلث قد يكون زيادة قليلة وحينئذ يكون الباقي أكثر من أيش؟ يبقى الثلثان إلاّ قليلا. ففي هذا القول ضعف ظاهر جدا لو كان القول أنه إذا زاد على الثلثين يعني إذا نذر أن يتبرع بثلثي ماله لكان هذا القول وجيه لكن هم يقولون منه ما يزيد على ثلث الكل فقط. ثلث الكل يسير ولا يوجد أي مبرر للخروج عن الحديث.

стр. 2805

ثم - قال ﵀ (فإنه يجزيه قدر الثلث) يعني في المسألة الأولى وفي المسألة الثانية. ومفهوم عبارة المؤلف أنه يجزيه قدر الثلث بلا كفارة وهو كذلك لأنه إنما نقص عن كل المال بالأدلة الشرعية فلا يجب عليه مع ذلك أن يكفر. ثم - قال ﵀ (وفيما عداها يلزمه المسمى) فإذا تصدق بالثلث فأقل فليزمه أن يخرج ما سمى بلا نزاع لعموم من نذر أن يطيع الله فليطعه فهذا القدر لا إشكال في وجوبه فيجب عليه أن يخرجه طاعة لله. ثم - قال ﵀ (ومن نذر صوم شهر لزمه التتابع) إذا قال الإنسان لله علي نذر أن أصوم شهرا فيجب عليه بمجرد اللفظ أن يصومه متتابعا واستدلوا على هذا بأنّ المتبادر لإطلاق كلمة الشهر التتابع فليزمه أن يصومه متتابعا. والقول الثاني: أنّ له أن يصومه ولو بغير تتابع واستدلوا على هذا بأنّ الشهر يطلق على معنيين في الشرع على ما بين الهلالين وعلى الثلاثين يوما ولو نذر أن يصوم ثلاثين يوما فإنه لا يلزمه التتابع فكذلك إن نذر شهرا لأنه أحد معنييه وهذا صحيح وعرفنا الآن الفرق بين أن يقول الإنسان لله علي نذر أن أصوم ثلاثين يوما وبين أن يقول لله علي نذر أن أصوم شهرا بينهما فرق لأنه بالعبارة الثانية يلزمه على المذهب التتابع. ثم - قال ﵀ (وإن نذر أياما معدودة لم يلزمه إلاّ بشرط ونية) إذا نذر أياما معدودة يعني سواء كانت أقل من الشهر أو أكثر من الشهر أو بعدد أيام الشهر فإنه لا يلزمه إلاّ أن يصومها ولو بغير تتابع كأن يقول لله علي نذر أن أصوم ستة أيام فله أن يصوم متتابعة وله أن يصومها متقطعة والدليل على هذا أنّ هذه الصيغة لا توجب التتابع فإنه نذر صيام أيام فلا يلزمه التتابع. واستدلوا أيضا بقوله تعالى فعدة من أيام أخر وقضاء صوم رمضان لا يجب فيه التتابع بالإجماع فكذلك الأيام المنذورة لأنها أيام هنا وأيام هناك. قال ﵀ (إلاّ بشرط أو نية)

стр. 2806

قوله إلاّ بشرط أو نية يعني إلاّ أن ينوي التتابع في الأيام أو يشرط على نفسه التتابع في الصيام , والفرق بين الشرط والنية أنّ النية بلا نطق والشرط بالنطق فإذا شرط أو نوى لزمه التتابع. وقبل أن نختم من خلال النظر في أحوال الناس تجد أنّ كثير من الناس يسارع في النذر وغالبا ما يجعل على نفسه نذرا صعبا جدا لأنه يتحمس عند النذر طالبا تحقيق مراد أو دفع فساد فيذكر نذرا فيه تصعيب سواء كان في العبادات او في التبرعات والواجب على الإنسان أن يتأنى كما أنّ الواجب على طالب العلم أن ينبه الناس على أنّ النذر مكروه ولا يحبه الله وأنه إذا أراد الإنسان أن ينذر فينبغي أن يقصد النذر المطلق لا المعلق. الثاني أن يتأنى وأن لا يلزم نفسه بشيء يشق عليه في الحال أو المآل. توجد امرأة نذرت أن تصوم يوما وتفطر يوما وحال النذر كانت امرأة قد جاوزت الخمسين سنة لماذا؟ لأنّ ابنها كان مريضا مرضا شديدا وكانت نفسها رقيقة ومتعلقة به فنذرت أن تصوم يوم وتفطر يوم فلما شفي وقعت في إشكال عظيم والإشكال بالنسبة للناذر لاسيما إذا كان شخصا صالحا وتقيا أنه حتى إذا أفتي بالكفارة لعجزه تبقى القضية في نفسه حرجة ويستمر متردد وحرج من هذا الأمر وتعلمون أنّ حتى عائشة ﵂ دخلت في إشكال بسبب النذر أليس كذلك لأنها نذرت أن تكلم عبد الله بن الزبير ﵁ فلما دخل عليها وقبلها يدها ورجلها. وقالت إنما النذر أمر شديد يعني كأنها تقول إشكال ولكن النذر أمره شديد فما زالوا بها حتى كلمته فصارت تعتق تقريبا إلى أن توفيت وهي تعتق عن هذا النذر لأنها دخلت في حرج شرعي بسبب النذر.

стр. 2807

كتاب القضاء الدرس (١) من القضاء قال ﵀ كتاب القضاء. القضاء في اللغة إحكام الأمر وإنفاذه. فيطلق على الإحكام ويطلق الإنفاذ كل على حدة. وأما في الشرع / القضاء هو تبيّين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات. والتعريف لخص الحقيقة عمل القاضي. ثم - قال ﵀ (وهو فرض كفاية) القضاء مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. من حيث الأصل أما الكتاب فقوله تعالى. ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة/٤٩] وأما السنة فقوله ﷺ إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران , وإذا أخطأ فله أجر. وأما الإجماع فقد حكاه عدد من أهل العلم أنه مشروع من حيث الأصل. والمؤلف يقول أنه فرض كفاية يعني إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين وإلاّ أثموا جميعا. واستدلوا على كونه فرض كفاية بأمور:

стр. 2808

الأمر الأول: أنه لو لم يوجد القضاء لأدى ذلك إلى ضياع الحقوق ووقوع الظلم وهذا محرم. الثاني: أن النبي ﷺ نصب القضاء وأرسلهم. والقول الثاني: أنه سنة وليس بفرض. والقول الثالث: أنّ المستحب تركه فرق بين فرض الكفاية والمستحب والترك. واستدل الذين قالوا أنه مستحب تركه. أما الذين قالوا أنه سنة فاستدلوا بأدلة الذين قالوا أنه فرض كفاية. وأما الذين قالوا أنه سنة فقالوا ليخلص نفسه من تبعات تولية القضاء ولئلا يعرض نفسه للفتنة في الدين أو في الدنيا. والراجح الأول أنه فرض كفاية. ثم - قال ﵀ (يلزم الإمام أن ينصب في كل إقليم قاضيا) الحكم الأول: لحكم تولي القضاء. الحكم الثاني " جعل الإمام قاضيا. الإمام يجب عليه وجوبا أن ينصب قاضيا والدليل على هذا وجوه: الوجه الأول: أنّ النبي ﷺ أرسل عليا قاضيا وأرسل معاذا قاضيا. وعمر أرسل شريحا قاضيا في الكوفة ومازال النبي ﷺ وخلفائه ينصبون القضاة. الثاني: القياس على وجوب الجهاد والخراج ودفع الجباه إرسال الجباه ونحوها من أعمال ولي الأمر الواجبة عليه. الأمر الثالث: أنّ تولي القضاء فرض كفاية فيجب على ولي الأمر أن يسد هذا الفرض ولا شك أبدا طرفة عين أنه يجب على الولي أن ينصب القضاة وهذا أمر تتفق عليه جميع الشرائع والعقول والأنظمة والقوانين. ولذلك لا تجد بلدا من البلدان إلاّ وفيه قضاة مهما كانت شريعة البلد ودينهم لأنّ أمر الناس لا يستقيم إلاّ بهذا. ثم - قال ﵀ (ويختار أفضل من يجده علما وورعا)

стр. 2809

يجب على ولي الأمر إذا أراد أن يختار القاضي أن يراعي هذين الأمرين. الورع والعلم لأنّ العلم يعينه على تحقيق الصواب والورع يحجزه في الوقوع عن في المحرم , والدليل على الوجوب أنه إذا كان تعيين القاضي واجب فهذا مما يحقق المطلوب من تعيين القاضي وهو إقامة العدل ولا شك أنّ هذا واجب وينبغي عليه أن يحرص على البحث عن العالم الورع فإن عرفه بنفسه فذاك وإلاّ سأل والسؤال حينئذ أيضا واجب لأنه يحقق الوجوب الأول. ثم - قال ﵀ (ويأمره بتقوى الله وأن يتحرى العدل ويجتهد في إقامته) يجب على ولي الأمر أن يأمر القاضي بأمرين الأول: أن يتقي الله. والثاني: أن يتحرى العدل. والدليل على الوجوب أنّ الغرض من القاضي إيصال الحق إلى أصحابه ولا يكون إلاّ بذلك ولا يكون إلاّ بأن يتقي الله ثم يتحرى العدل. وفي الحقيقة التقوى تثمر أن يتحرى. يعني لو كان تقيا فإنه سيتحرى العدل وإنما نص عليه وأكد عليه لأهميته في باب القضاء. ثم - قال ﵀ (فيقول وليتك الحكم أو قلدتك ونحوه) لا يكون القاضي قاضيا إلاّ بتولية ولي الأمر وتولية القاضي لها ألفاظ صريحة وألفاظ كناية. المؤلف ذكر الألفاظ الصريحة فاللفظ الصريح أن يقول ولي الأمر للقاضي وليتك ولا تنعقد الولاية إلاّ إذا قال القاضي قبلت. فإذا قال قبلت فقد أصبح واليا إما ولاية عامة أو خاصة حسب الولاية التي ولاه إياها الحاكم. القسم الثاني: الألفاظ غير الصريحة الكناية. من أمثلتها أن يقول اعتمدت عليك , أو أن يقول عولت عليك. حكم هذه الألفاظ أنه لا يكون بها وليا ولا حاكما إلاّ إذا دلت القرينة. وإلاّ فهو ليس بقاضي والتعليل أنّ هذه الألفاظ تحتمل أن يريد تعيينه قاضيا وتحتمل أن يريد استشارته في قضية معينة فقط ولهذا نقول يجب أن توجد هناك قرينة تدل على إرادة توليته القضاء. ثم - قال ﵀ (ويكاتبه في البعد) مراد المؤلف بهذا أنّ التوليه كما تحصل باللفظ للقريب تحصل بالكتابة للبعيد وأنّ الكتابة مجزئة ويحصل بها التولية ولو لم يشافهه بها والدليل على هذا أنّ النبي ﷺ أرسل كتابا مع عمرو بن حزم.

стр. 2810

والدليل الثاني: أنّ عمر لما ولى شريحا أرسل بالكتاب ليقرأ على الناس في المسجد. والدليل الثالث: أنّ النبي ﷺ مازال يرسل الكتب لتبليغ الرسالة ولا يشترط في كل ذلك المشافهة. مسألة هل يشترط أن يشهد؟ فيه خلاف من الفقهاء من قال لابد أن يشهد وأن يجعل شاهدين على هذا الكتاب يذهبان يشهدان أنّ هذا الكتاب صحيح وهو من الحاكم. القول الثاني: أنه يشترط إلاّ أن يستفاض الأمر فإن استفاض فنكتفي بالاستفاضة. القول الثالث: أنه لا يشترط مطلقا لأنّا لا نعلم أنّ النبي ﷺ كان يرسل الشهود مع كتبه والأقرب الأخير. ثم - قال ﵀ (وتفيد ولاية الحكم العامة) المؤلف يريد أن يبيّن أنه إذا ثبتت للقاضي ولاية عامة فإنها تفيد الصلاحيات المذكورة وهي العشر هذا إذا ثبتت الولاية العامة. والقول الثاني: أنّ ما يستفاد بالولاية ليس له حد شرعي بل يرجع في معرفته إلى الأعراف وما جرت العادة به فقد تكون أكثر من هذه العشر وقد تكون أقل من هذه العشر. وهذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام ﵀ وهو الصحيح إن شاء الله. قال ﵀ (الفصل بين الخصوم) الولاية العامة أول ما تفيد من الصلاحيات الفصل بين الخصوم وتعليل ذلك أنّ القاضي إنما وضع لهذا الغرض ولهذا بدأ به المؤلف. والفصل بين الخصوم يثمر الصلاحية الثانية وهي قوله ﵀ (وأخذ الحق لبعضهم من بعض) لأنّ ثمرة الفصل بين الخصوم هي أخذ الحق من بعضهم لبعض. ثم - قال ﵀ (والنظر في أموال غير المرشدين) يعني النظر في نحو صغير أو يتيم أو مجنون أو معتوه وسبب وجوب ذلك على القاضي من وجهين: الوجه الأول: إما أن لا يوجد ولي على هؤلاء فهذا يؤدي إلى ضياع أموالهم. الثاني: أن يوجد ولي على هؤلاء من قبل الحاكم أو من قبل الحاكم السابق فإذا لم يلاحظ هذا القاضي عمل الوالي أدى هذا إلى أن يجترئ على سرقة أموالهم فإذا عليه أن يراعي أموال اليتامى سواء كان يوجد والي عليهم أو لا يوجد والي عليهم وسواء كان هو المنصب لهذا الوالي أو المنصب القاضي السابق له. ثم - قال ﵀ والحجر على من يستوجبه لسفه أو فلس)

стр. 2811

يعني ويجب على القاضي ومن صلاحياته أن يحجر على من يستحق الحجر سواء كان لفلس أو لسفه وتعليل هذا من وجهين: الأول: حرصا على نفع المحجور عليه لئلا يتصرف تصرفا يضر بنفسه لاسيما السفيه. الثاني: حرصا على عدم وقوع الضرر على المتعاملين مع السفيه أو المفلس. ثم - قال ﵀ (والنظر في وقوف عمله ليعمل بشرطها) معنا قوله في وقوف عمله يعني المنطقة التي يعمل فيها والقاضي يجب أن ينظر في أوقاف العمل ولو كان عليها ناظرا يعني وجود الناظر لا يعفي القاضي من التحقق من جريان الوقف حسب الشرط لئلا تضيع حقوق الموقوف عليهم أو حقوق الواقف من حيث ترتب الأجر على الوقف. ثم - قال ﵀ (وتنفيذ الوصايا) لأنّ حاجة الميت إلى ذلك قد أعظم من حاجة الحي في الأعمال السابقة لأنّ الميت لا يوجد من يقوم له بتنفذ وصيته وهذا في الحقيقة من أوجب واجبات القاضي لأنّه دائما ما يقوم الورثة لاسيما إذا كانوا قليلي الدين بتضييع الوصية لأنها تنقص المال عليهم. ثم - قال ﵀ (وتزويج من لا ولي لها) إذا كانت المرأة لا ولي لها فإنّ القاضي يجب عليه أن يزوجها لإعفافها والقيام على مصالحها وذلك لقول النبي ﷺ فان اشتجروا فالسلطان ولي من ولي له. ثم - قال ﵀ (وإقامة الحدود) إقامة الحدود تقدم معنا بكتاب الحدود أنّ المنوط بإقامة الحدود هو الحاكم أو الوالي فإذا قلنا لا يقيم الحدود إلاّ الحاكم والحاكم صار ليس من مهامه إقامة الحدود صار الأمر ضائعا بين هؤلاء وهؤلاء ولم تقم الحدود ولهذا نقول الواجب على القاضي أن يقيم الحدود لأنه المنوط به هذا العمل. ثم - قال ﵀ (وإمامة الجمعة والعيد) لأنّ النبي ﷺ كان هو والخلفاء الراشدين ﵃ يقيمون الجمع والأعياد والمقصود بإقامة الجمعة والعيد أن يكون إماما فيها وأشار الفقهاء إلى أنّ هذا من عمل القاضي ما لم ينيب غيره فإذا أناب غيره صار هذا المناب هو الذي يقوم بالإمامة في العيد والجمعة والإنابة هي عمل المسلمين من قرون متطاولة. ثم - قال ﵀ (والنظر في مصالح عمله)

стр. 2812

لكف الأذى عن الطرقات وأفنيتها ونحوه. النظر في مصالح المسلمين ومثل عليه بكف الأذى عن الطرقات وكف الأذى عن الأفنية والأفنية هي الأماكن الواسعة أمام الدور لأنّ مصالح الناس تتعلق بهذه الأفنية التي هي أمام الدور ومن المعلوم أنّ هذا انتقل اليوم من القضاة إلى البلديات ومن هنا تعلم أنّ صلاحيات القاضي كانت واسعة جدا والمقصود بالقاضي يعني القاضي الذي له ولاية عامة فالقاضي الذي له ولاية عامة في القديم كان واسع الصلاحيات جدا بشكل كبير به يناط تقريبا جميع الأعمال الشرعية لكن اليوم مع كثرة أصبح لا يمكن أن يناط بالقاضي إلاّ فصل الخصومات وفصل الخصومات أيضا أعمال كثيرة لا يتمكن للقاضي من إنهائها في وقت وجيز ولهذا ناسب جدا إخراج بعض الصلاحيات وإسنادها إلى مرافق أخرى ليتم العمل الوجه المطلوب. ثم - قال ﵀ (ويجوز أن يولى في عموم العمل) لما بيّن الشيخ الولاية العامة أراد أن يبيّن أنه يجوز أن يولى ولاية خاصة أو بعض ولاية وأنه لا يلزم أن يولى ولاية بل له أن يوليه ولاية خاصة فقال ويجوز أن يولى عموم النظر في العمل وهذا هو الولاية العامة التي تقدمت وذلك بأن يوليه سائر الأحكام في كل البلدان وهذا لأظنه وقع إلاّ اللهم أن يريد مثلا قضية قاضي القضاة وهو أنه مسئول عن جميع القضاة في البلدان أما من حيث مباشرة العمل لا يمكن أن يتولى جميع الأعمال في كل البلدان إلاّ بالإنابة. ثم - قال ﵀ (وأن يولى خاصا فيهما) كأن يوليه النظر في الحدود في بلد معين فإذا ولاه النظر في الحدود فقط دون الأنكحة والبيوع فقد ولاه ولاية خاصة ثم إما أن يوليه الحدود في كل البلدان فقد ولاه ولاية خاصة في مكان عام أو يوليه الحدود في بلد معين فيكون ولاه عملا خاصا في بلد خاص ولهذا. قال المؤلف ﵀ (أو في أحدهما)

стр. 2813

يعني إما أن يكون عموم النظر في عموم العمل , أو عموم النظر في خصوص العمل. أو خصوص النظر في عموم العمل. وهذا كله وقع في القديم وأما في الحديث فالعمل على توليته عموم النظر في خصوص العمل فكل إنسان مسئول عن القضايا جميعا ولكن في بلد معين إلاّ أنه يبدوا جرى العرف أنه كثير من القضاة يتخصص مثلا في شيء معين فقاضي من القضاة تحال إليه قضايا المعاملات وقاضي من القضاة تحال إليه قضايا الحدود وقاضي آخر قضايا الأحوال الشخصية لإتقانه مثلا لهذا التخصص. قال ﵀ (يشترط في القاضي عشر صفات) يعني أنه لا يجوز أن يولى القاضي إلاّ إذا اتصف بهذه العشر صفات. وإلاّ فإنها لا تنعقد له الولاية فهي شروط صحة وأشار شيخ الإسلام ﵀ إلى أنّ هذه الشروط شروط في القاضي العام لا فيما يحكم تحكيما خاصا بين شخصين وإن كان ظاهر عبارات الفقهاء أنّ هذه الشروط شروط في الحاكم العام وفي المحكم تحكيما خاصا. قال ﵀ (بالغا عاقلا) كونه بالغا عاقلا مسلما ولو جعل الشيخ المؤلف الإسلام بعد البلوغ والعقل لكان هو المناسب هذه الشروط محل إجماع وذلك لأمرين: الأول: أنّ شروط في العدالة ومنصب القضاء أرفع من العدالة. الثاني: أنّ غير المسلم لا يؤتمن وغير العاقل لا يفهم. مسألة / نحن نقول يشترط أن يكون بالغا عاقلا أليس كذلك؟ فإذا كان عاقلا جاز أن يولى القضاء قال بعض الفقهاء وهذا ليس على إطلاقه بل المشترط قدر خاص من العقل وهو ما يوجب الفطنة والتنبه. وهذا القول الذي يقول أنّ المشترط ليس مجرد العقل بل قدر زائد يفيد الفطنة والتنبه صحيح وهو أنه يشترط فيه أن يكون ذا فطنة وليس الشرط أن يكون ذكيا بقدر مرتفع لكن الشرط أن لا يكون مغفلا أوساذجا وهذا الذي أشار إليه بعضهم وجيه في الحقيقة. ثم - قال ﵀ (ذكرا) يشترط أن يكون من يتولى القضاء ذكرا والدليل على هذا من وجوه: الوجه الأول: حكي إجماعا. فقد حكي الإجماع على هذا الشرط. الثاني: قول النبي ﷺ لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. وسواء كان خبر أو دعاء.

стр. 2814

القول الثاني: أنه يجوز أن تولى المرأة مطلقا وإلى هذا ذهب اثنان فقط ابن حزم وابن جرير. أما ابن جرير فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ هذا لا يثبت عنه وممن ذكر ذلك وجزم به ابن العربي وهو عالم محقق ومال إليه أيضا الشيخ العلامة الشنقيطي أنّ مثل هذا القول لا يثبت عن ابن جرير ولا يتصور من مثله مخالفة النص , أما ابن حزم فهو ثابت عنه واستدل ابن حزم بأمرين: الأول: أنّ الأصل الحل فيجوز أن تولى. الثاني: أنّ النبي ﷺ يقول والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها قال ابن حزم فأفاد الحديث أنّ من أهل الولايات فهي والية في بيتها. القول الثالث: أنه يجوز في غير الحدود وهو هذا القول منسوب إلى الأحناف إلاّ أنّ كثيرا من الأحناف أنكر أن يكون هذا مذهبا لهم وقالوا مقصود الأحناف بهذا أنّ المرأة إذا وليت فإنّ أحكامها تنفذ وإن كان المولي لها آثم ولهذا نجد في بعض كتب الأحناف حكاية الإجماع على عدم جواز تولية المرأة وفي الحقيقة الجزم بأنّ هذا مذهب الأحناف أوليس بمذهب للأحناف والصواب أنهم يقصدون نفوذ الأحكام وإلاّ إن ولاها فهو آثم الجزم بتحديد القولين غير واضح وكتب الأحناف فيها التصريح بهذا والتصريح بهذا. ولكن حكاية هذا الخلاف تنبئك عن أنّ هذا القول الثالث ضعيف بل في ثبوته ضعف يوجد تشكيك في ثبوته من قبل بعض الأحناف أنفسهم والراجح القول الأول بل محكي إجماعا والنص دل عليه. والله أعلم - وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين -

стр. 2815

الدرس: (٢) من القضاء قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. مازال الحديث في الصفات التي تشترط في القاضي وتوقفنا على شرط أن يكون حرا. ذهب الجماهير إلى اشتراط حرية القاضي وأنه لا يصح تنصيب العبد قاضيا واستدلوا على هذا بأمور: الأمر الأول: أنه حكي إجماعا الثاني: أنّ العبد لا يقبل في بعض المواضع كشاهد فلئلا يقبل كقاضي كم باب أولى الأمر الثالث: أنه مشغول بخدمة سيده فكيف يجلس للناس قاضيا. والقول الثاني: أنّ الحرية ليست بشرط لأنه ليس في النصوص ما يدل على اشتراطها فلو نصب الإمام قاضيا ليس حرا صح ونفذت أحكامه وإلى هذا ذهب بعض محققي الحنابلة واختاره شيخ الإسلام وهو صحيح إن شاء الله إذ لا يوجد ما يمنع أبدا أن يكون العبد قاضيا مادام أعلم وأفقه وأعرف بالأحكام. ثم - قال ﵀ (مسلما) وتقدم معنا الكلام عن اشتراط الإسلام عند الكلام عن الشرط الأول والثاني في قوله بالغا عاقلا. ثم - قال ﵀ (عدلا) يشترط أن يكون القاضي عدل لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات/١] وإذا اشترطنا التبيّن في كلام القاضي صار القاضي غير مقبول الأحكام لأنّ كلامه غير مقبول وهذا لا يصح ولا يجوز هذا هو الدليل الأول. الدليل الثاني: أنّ العدالة شرط في الشاهد فكيف بالقاضي ولا شك أنه يشترط أن يكون عدلا وأنّ الفاسق لا تصح توليته. ثم - قال ﵀ (سميعا بصيرا متكلما) يشترط أن يتمتع القاضي بحواسه السمع والبصر والكلام لأنه إذا لم يكن يسمع فكيف يفهم الدعوى ثم يفهم الحجج بعد ذلك فإنه لم يفهم الدعوى ولا الحجج لأنه لا يسمع يشترط أن يكون بصيرا ليفرق بين المدعي والمدعى عليه. ويشترط أن يكون متكلما ليتمكن من بيان الحكم إذ كيف يتصور بيان الحكم للخصوم وهو لا يتكلم. والقول الثاني: أنه يشترط سميعا متكلما ولا يشترط أن يكون بصيرا لأنّ الأعمى يتمكن من معرفة الشهود إما بسمعه وتفريقه أو بتعريفه كما يعرف الأدلة إذا كانت بغير اللغة العربية فكذلك يعرف الخصوم بقول من حضر عنده من الثقات هذا فلان وهذا فلان واستقر الأمر على رجحان القول الثاني ومازال قضاة المسلمين منهم الأعمى ومنهم البصير وقد يكون الأعمى أفقه وأقدر في إيصال الحق أحيانا إلى مستحقه لكون سمعه مرهفا يعرف الحجج ولحن القول وهذا هو الراجح. ثم - قال ﵀ (مجتهدا)

стр. 2816

يشترط أن يكون القاضي مجتهدا ومقصود المؤلف بقوله مجتهدا يعني الاجتهاد المطلق وحكي الإجماع على أن يكون القاضي مجتهدا واستدلوا على هذا بقوله تعالى ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [ص/٢٦] وقوله تعالى ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء/٥٩] والرد إلى غير المجتهد لا فائدة فيه لأنه لن يتمكن من التفقه في النصوص فعلى هذا القول يشترط أن يكون مجتهدا اجتهادا مطلقا وهو الذي يتمكن من استنباط الأحكام من النصوص مباشرة والنظر فيها واستكمال آلة ذلك. ثم - قال ﵀ (ولو في مذهبه) قوله ولو في مذهبه المؤلف خالف المذهب لأنّ المذهب يجوزن أن يكون القاضي أن يكون مجتهدا في مذهبه بشرط الضرورة فلا بد أن يقيّد بأنه ضرورة والمجتهد في المذهب هو الذي يعرف أصول الإمام ومتقدم قوله ومتأخره ويتمكن من الترجيح بين الأقوال من هذا عرفنا أنّ الاجتهاد ينقسم إلى أقسام: ذكر المؤلف بعضها. فالقسم الأول: المجتهد المطلق وهو ما تقدم معنا الذي لا يتقيد بأصول إمام من الأئمة بل يتفقه في نصوص الكتاب والسنة مباشرة. الثاني: مجتهد المذهب وهو من يتفقه في نصوص الكتاب والسنة لكن على أصول إمامه. القسم الثالث: مجتهد المذهب ويسمى أيضا وهو من يعرف أقوال الإمام المتقدم والمتأخر ويستطيع أن يخرّج أقوال الإمام ويستطيع يرجح بين الأوجه داخل المذهب.

стр. 2817

القسم الأخير: هو المقلد فالمقلد هو من يأخذ أقوال إمامه بلا استدلال والمطلع على تقسيمات العلماء للمجتهدين يعرف أنّ هذه التقسيمات متداخلة وأنه لا يوجد حد فاصل بين المجتهد المطلق وبين مجتهد المذهب ويضيف بعضهم مجتهد الباب كالذي يجتهد في الفرائض فقط أو في الحدود فقط وبعضهم يقول مجتهد المسألة وهو من يتمكن من الاجتهاد في مسألة واحدة هذه الأقسام تتداخل مع عدا المجتهد المطلق فهو قسم مستقل واضح المعالم لا يكاد يوجد إلاّ في الرجل بعد الرجل في القرن بعد القرن أما المجتهد داخل المذهب والمجتهد المجزئ فيوجد في كل الأعصار. عرفنا الآن أنه يشترط في الأصل إما أن يكون مجتهدا ويجوز أن يكون مجتهد مذهب لكن عند الضرورة يعني إذا لم يوجد سواه. نبّه شيخ الإسلام إلى مسألة وهي أنه في هذه الشروط وفي اشتراط الاجتهاد ينبغي أن يأخذ الأمثل فالأمثل من الموجود بل إنّ المرداوي في الإنصاف يقول استقر الأمر على تقليد أو تنصيب من يقلد من أزمنة ولو اشترطنا الاجتهاد لأنغلق باب القضاء فمن فترة طويلة وكثير من القضاء يعتبرون من قسم التقليد لعدم وجود المجتهد المطلق أو مجتهد المذهب والخلاصة أنّ اشتراط الاجتهاد إلاّ أنه ينبغي أن يأخذ الأمثل فالأمثل من الموجود من أهل العلم في حال تطلّب الإمام أحدا للقضاء وأنه على هذا أي أخذ الأمثل فالأمثل والتجاوز عن بعض الشروط عليه العمل من قرون كثيرة ولو وقفنا مع هذه الشروط لا تكاد تجد قاضيا يصلح للتنصيب. ثم - قال ﵀ (وإذا حكم اثنان بينهما رجلا ... الخ)

стр. 2818

أفادنا المؤلف أنه يجوز للإنسان مع خصمه أن يحتكم إلى من يرون الاحتكام إليه ولو لم يكن هذا الرجل منّصباً من الإمام فيجوز أن يحتكم الخصوم إلى رجل لم ينصّبه الإمام واستدلوا على هذا بأنّ أبا الحكم أو من كان يكنى بأبي الحكم جاء إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ الحكم هو الله فلما سميت أبا الحكم فقال إنّ قومي كانوا إذا اختلفوا جاءوا إليّ فقضيت بينهم فرضوا بما قضيت فقال النبي ﷺ ما أحسن هذا فأقرّ أن يحكم رجل لم ينصب من قبل الإمام بين الناس كما أنّ عمر بن الخطاب وعثمان وعلي كلهم احتكموا إلى غير القاضي فدل النص والأثر عن أصحاب النبي ﷺ على جواز الاحتكام لغير القاضي المنّصب. ثم - قال ﵀ (يصلح للقضاء) أفادنا المؤلف أنّ هذا الرجل المنصّب يجب أن يصلح للقضاء ومن يصلح للقضاء هو من توفرت فيه الشروط العشرة السابقة فلا يصلح أن نجعل حكما بين خصمين إلاّ وهو مستوفي الشروط السابقة. والقول الثاني: أنّ الحكم المنّصب من قبل شخصين لا يشترط أن يستوفي هذه الشروط بل هذه الشروط خاصة فيمن يوليه الإمام فقط وهذا القول الثاني هو الراجح وعليه العمل وإذا كنا نقول القاضي نفسه العمل من قرون على عدم استيفاء الشروط فكيف بالمحكم. ثم - قال ﵀ (نفذ حكمه في المال) إذا حكم خصمان رجلا بينهما فإنّ حكمه نافذ كنفوذ القاضي المحكم وليس لغيره من القضاة حتى الرسميين أن ينقض أحكامه إلاّ في ما يجوز نقض الحكم فيه لأنه حكم أو قاضي شرعي أجاز الشرع تنصيبه ويستثنى من هذا ما إذا رجع الخصوم قبل أن يبّت بالحكم حينئذ لهم أن يرجعوا أما إذا ذكر وبيّن الحكم فإنّ الحكم حينئذ يصبح ملزما للطرفين.

стр. 2819

والقول الثاني: أنّ الحكم حكمه يرجع إلى رضا الخصمين فإن حكم ورضوا صار ملزما وإن لم يرضوا انتقلوا إلى من نصبه الإمام والراجح القول الأول لأنّ هذا حكما دل الشرع على اعتباره ومن هنا نقول ينبغي للرجل إذا حكّم أن يتجاوز هذه المسألة الخلافية وأن يشترط على الخصمين أن يقبلا بقوله وأن يوقعا على القبول بقوله. لأمرين: الأول: خروجا من هذه المسألة الخلافية حتى يصبح حكمه لازما لهما. الثاني" حتى لا يصبح هذا المجلس الذي عقد للقضاء مجلس عبث أنهم يجلسون ويحتكمون ويتناقشون ثم يصدر المحكّم حكمه ثم تجد أنّ المحكوم عليه لا يرضى فتكون المسألة عبث وضياع للوقت للخصمين والمحكم فينبغي عليه أن يراعي إلزامهما لهذين الأمرين. ثم - قال ﵀ (والحدود واللعان وغيرها) أي أنه حكمه نافذ في جميع الأشياء واستدلوا بالعمومات فإنّ النصوص الدالة على تجويز تحكيم غير الحكم المنّصب عامة ليس فيها تخصيص موضوع دون موضوع من القضايا. والقول الثاني: أنه لا ينفذ إلاّ في الأموال لأنّ الحدود والأنكحة وغيرها أمور حساسة وفتح الباب فيها لغير القاضي الرسمي يؤدي نوعا ما إلى التلاعب والتساهل والراجح إن شاء الله أنّ له أن يحكم بالأموال والأنكحة والمقصود بالأنكحة توابع الأنكحة كالطلاق والخلع والرجعة وليس له أن يحكم في القصاص والحدود ونحوها وبهذا تجتمع إن شاء الله الأدلة. باب آداب القاضي قوله باب آداب القاضي. المقصود بآداب القاضي يعني أخلاقه التي ينبغي أن يكون عليها والخلق هو صورة النفس الداخلية لأنّ الإنسان له صورة خارجية وداخلية فالصورة الداخلية هي الأخلاق. لأنك تجد الإنسان جميل الشكل حسن الهندام ثم لا تكاد تعامله معاملة خلطة وصحبة أو معاملة مالية إلاّ وتجد عنده من سوء الخلق وعسر التعامل ما لا يخطر على بالك وهذه الآداب منها آداب واجبة ومنها آداب مستحبة وسيأتي التنبيه على كل واحد منها. يقول ﵀ (ينبغي أن يكون قويا من غير عنف ليّنا من غير ضعف)

стр. 2820

ينبغي أن يجمع بين القوة وعدم العنف لأنه إذا كان عنيفا امتنع صاحب الحق الضعيف , وإذا كان ليّنا اجترأ المبطل القوي فعليه أن يتوازن بين هذين الخلقين ليتمكن الضعيف من أخذ حقه ويرتدع الغشيم القوي من الاعتداء سواء الاعتداء في مجلس القضاء أو الاعتداء على خصمه. والقول الثاني: أنّ هذا واجب وليس بسنة فيجب عليه أن يتوازن بين الرفق والعنف لأنّ الإخلال بهذين الخلقين يؤدي إلى الإخلال بإيصال العدل إلى مستحقه وإيصال العدل إلى مستحقه واجب فما يخل به محرم وهذا القول وجيه جدا. للعنف يناسب ولا الضعف يناسب بل عليه أن يتوسط بينهما. ثم - قال ﵀ (حليما ذا أناة وفطنة) ذكر ثلاثة أوصاف أن يكون متأنيا حليما فطنا , فشرط الحلم سببه أنه إذا كان القاضي لا حلم عنده يستطيع أي من الخصمين استفزازه بأي كلمة صار سريع الغضب وإذا غضب أصبح لا يتمكن من تصور القضية على الوجه المطلوب فصار الحلم مهما للحكم الصحيح. ذا أناة: يعني يجب أن يكون متأنيا لأنّ الطيش والسرعة والعجلة مظنة الخطأ في كل شيء لاسيما في باب الأحكام والقضاء وهذا خلق ضروري جدا هو أهم من الحلم الاستعجال يمنع من التصور الكامل. ذا فطنة: ينبغي أن يكون القاضي ذا فطنة لئلا يتمكن الخصم من خداعه وغتره وذهب بعض الفقهاء ومنهم المرداوي إلى أنّ البليد الغبي لا يجوز أن يعيّن قاضيا لأنّ ذهاب الفطنة منه مدعاة لضياع الحقوق وتقدم معنا نظير هذا في شروط القاضي حين الكلام عن شرط العقل وأنّ بعض الفقهاء يقول ليس مجرد العقل وإنما ما هو أكثر من هذا فهذا الكلام يلتقي مع هذا الخلق من أخلاق القاضي وهو أن يكون فطنا وهذا صحيح ومن المعلوم لكل إنسان أنه إذا قيل أن يكون فطنا لا يعني هذا أن يكون من أذكى الناس ولكن يعني أن لا يوصف بالبلادة فإذا وصف بها من خلال التجربة فإنه لا يجوز أن يعيّن قاضيا. ثم - قال ﵀ (وليكن مجلسه في وسط البلد)

стр. 2821

يستحب أن يكون مجلس القاضي في وسط البلد سواء اتخذ مكانا خاصا للقضاء أو كان يقضي في بيته لأنّ وجود المجلس في وسط البلد يؤدي إلى سهولة الوصول إلى مجلس القضاء وسهولة رفع القضايا. وهذا قد يكون في زمن الأزمان مهم ولكن الآن الأمر يختلف وسهولة الوصول إلى مجلس القضاء تحقق أينما كان القاضي اليوم لو أردنا نشترط شرطا آخر أو نقول ينبغي تحقيق أمر آخر وهو أن لا تكون المحكمة في مكان فيه زحام هذا الذي يعيق وصول الإنسان إلى مراده من المحكمة لا بعد ولا قرب وإنما مكان الزحام فينبغي أن تكون المحكمة ليست بجوار أي دائرة حكومية ليسهل على الإنسان الوصول إليها هذا هو الذي يعني اليوم ينبغي أن يكون من الآداب. ثم - قال ﵀ (فسيحا) لأنّ المجلس الضيّق يؤذي القاضي والخصوم وربما استعجل القاضي أو استعجل الخصوم بالخلاص من هذا الضيق مما يؤدي إلى الإخلال بالقضية من حيث الحجج والبراهين وأيضا من حيث تصور القضية والحكم فينبغي أن يكون فسيحا رحبا سهل الجلوس لا يتأذى من فيه ثم - قال ﵀ (ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه) هذا الخلق واجب فإن تركه فهو آثم والدليل على وجوبه من وجهين: الأول" أنّ هذا محل إجماع فإنهم أجمعوا أنه يجب أن يعدل في لحظه وفي لفظه يعني في نظره إلى الخصوم وفي طريقة الكلام معهم. الدليل الثاني: أنّ النبي ﷺ قال من ولي أمر القضاء للمسلمين فليعدل بينهم في لحظه ولفظه. وهذا الحديث إسناده كما قال البيهقي ضعيف لكن معناه لا شك في صحته والنصوص العامة تشهد له.

стр. 2822

الدليل الثالث: أنه لو لم يعدل لأدى هذا إلى انكسار الضعيف الذي جار عليه القاضي وعدم القيام بحجته وهذا يؤدي إلى ضياع الحقوق وهذا مما اتفق عليه المسلمون أنّ القاضي يجب أن يكون عادلا في لفظه ولحظه فلو فرضنا أنّ بعض القضاة إذا تكلم أحد الخصمين توجه إليه بوجهه واستقبله وأرعاه سمعه واستعاد الألفاظ منه ليفهمها وإذا تكلم الخصم الآخر صار ينظر في الأوراق أو يلتفت إلى النافذة فلا شك أنه وقع في محرم وأنه آثم ويحتاج إلى التوبة كذلك طريقة الكلام فكونه إذا تكلم مع أحدهما تكلم برفق وعناية وابتعد عن النهر والتشديد واختيار الألفاظ وإذا تكلم مع الآخر زجره واستعجله وأمره أن يلقي بحججه فورا مما يربك الخصم فأيضا لا شك أنه وقع في محظور يعني يجب أن يتوب منه يستثنى من هذا إذا كان أحد الخصمين لجوجا ليس بمؤدب فلا حرج على القاضي أن يغلظ عليه القول وأن يؤدبه لأنّ هذا الإغلاظ ليس بسبيل الحكومة أو المسألة المعروضة وإنما للتأديب فلا شك وأحيانا ينبغي ويتحتم على القاضي أن لا يدع أحد الخصمين لجوجا غضوبا يعتدي على القاضي تارة وعلى الخصم الآخر في مجلس الحكم تارة ويطلق من الألفاظ ما لا يحسب له حسابه ينبغي أن يضبط مجلس الحكم. ثم - قال ﵀ (ومجلسه , ودخولهما عليه) أيضا يجب عليه أن يسوي بينهما في مجلسه وفي دخولهما عليه ولو قال في دخولهما عليه وفي مجلسه لكان أولى بالتضليل فإنهم يدخلون ثم يجلسون ففي دخولهم لا يقدم أحدا على أحد فلا يأمر بدخول فلان قبل فلان بل يدخلون عليه جملة واحدة فإن كان الباب لا يكفي لأثنين فإنه لا يأمر أحدا بالدخول فإن تقدم أحدهما فتقدمه ليس بأمر القاضي فلا حرج عليه. الأمر الثاني: أن يجلسهما أمامه متساويين فلا يفضل أحدهما على الآخر وهذا القدر أيضا مجمع عليه إلاّ في مسألة واحدة إذا كان أحد الخصمين كافرا فإنّ الحنابلة يرون أنه يجوز أن يقدم في الدخول وأن يفضل في الجلوس لأنه لا يستوي المسلم والكافر ولأنه لا يمكن أن نسوي بين من أطاع الله وبين من عصى الله.

стр. 2823

والقول الثاني: أنه يجب أن يسوي بينهما ولو كان أحدهما كافرا لأنّ الشأن الآن تحقيق العدل ولا يكون إلاّ بذلك فإنّ هذا المجلس مجلس الحكم وليس مجلس تفضيل وهذا القول الثاني يؤيده ظواهر الآثار فإنّ الصحابة احتكموا إلى أهل الذمة في وقائع عديدة ولم ينقل أنّ أحدا من القضاء فضل أحدا منهم على الكافر وهذا القول هو الراجح. ثم - قال ﵀ (وينبغي أن يحضر مجلسه فقهاء المذاهب ويشاورهم فيما أشكل عليه) قال الإمام أحمد ما أحسن أن يفعل القاضي هذا اشتمل كلام المؤلف على أمرين: الأمر الأول: أن يحضرهم مجلسه , والأمر الثاني" أن يشاورهم. نبدأ بالمشاورة. المشاورة حكي الإجماع على استحبابها ومستند الإجماع أنّ النبي ﷺ شاور في وقائع عديدة شاور في أحد وشاور في بدر وشاور في حجة الوداع وشاور الرجال وشاور النساء وشاور أبو بكر ﵁ وشاور عمر ﵁ في ميراث الجدة وعمر شاور في جلد شارب الخمر وشاور في وقائع عديدة فهذه النصوص تدل بمجموعها مع الإجماع على أنه لا شك أنه يستحب أن يشاور. مسألة الثانية / أن يحضرهم المجلس استدل الحنابلة على هذا بأنّ قاضي المدينة كان يجلس القاسم عن يمينه وسالم عن يساره يعني يحضر الفقهاء بجواره , وكان قاضي الكوفة يحضر اثنين من سادة التابعين أحدهم عن يمينه وأحدهم عن يساره. الدليل الثاني: أنّ وجود المشاور في مجلس الحكم يؤدي إلى أمرين: الأول: التسريع في البّت في القضية. الثاني: أنّ المشاور يكون ملما بالقضية سامعا من الخصوم مما يجعل كلامه أتقن لأنه سمع. والقول الثاني: أنه لا ينبغي إحضارهم عند القاضي لأنّ هذا يشعر لاسيما عند العوام بنقص علمه ولأنّ هذا يربك القاضي والخصوم ولأنهم قد يعترضوا على حكمه. أي القولين أرجح؟ يظهر لي أنا أنه يستحب إحضارهم لأمرين: الأول: الآثار عن التابعين وهؤلاء ناس لهم عقول ينبغي عدم تخطيها إلاّ بتأني.

стр. 2824

الثاني: اليوم أثبتت التجارب أنّ في بعض التجارب في المحاكم اللي يكون من شأن الحكم فيها أن يكون جماعيا بعد المشاورة كما يحصل في بعض الأنظمة أنّ هذا صار سببا في إتقان الحقيقة الحكم والتسريع. بل يكاد القاضي إذا مال إلى قول ثم أيدّه جميع أهل المشورة هل سيتوقف في هذا لن يتوقف طرفة عين وإذا خالفوه كلهم عن قول واحد فسيرجع في الغالب إلى قولهم والمحاذير المذكورة تفاديها سهل جدا بأن تضبط في مجلس الحكم بأن يكون القاضي يتقدم إلى من سيشاورهم بأنه وظيفتهم المشاورة لا الاعتراض وأنّ المداولات تكون سرية وضبط هذه القضية سهل جدا. ثم - قال ﵀ (ويحرم القضاء وهو غضبان) لا يجوز للقاضي وهو آثم إذا حكم وهو غضبان لقول النبي ﷺ لا يقضي الحاكم بين اثنين وهو غضبان. وهذا الحديث في الصحيحين ولا إشكال في صحته. الأمر الثاني: أنّ الغضب يحول بين وبين تصور الكلام العادي فضلا عن الحجج والبراهين والمؤلف يقول ﵀ (وهو غضبان كثيرا) أفادنا المؤلف أنّ الغضب اليسير لا بأس معه أن يحكم وهذا صحيح لأنّ الغضب اليسير لا يمنع القاضي من أن يتأمل في القضية وأن يتأنى ثم إنّ المداولات أثناء الجلسة يصعب معها أن نشترط على القاضي أن لا يغضب ولا غضب يسير هذا قد يكون فيه صعوبة مع الأخذ والعطاء وتناقل الحجج والاعتراض على القاضي قد يكون اشتراط أن لا يغضب ولا غضبا يسيرا هذا صعب ولهذا نقول هي عبارة جيدة من المؤلف والغضب اليسير لا يمنع القضاء. ثم - قال ﵀ (أو حاقن) الحاقن هو المحصور بالبول والحاقن هو المحصور بالغائط وإنما ذكر الحاقن لأنه أعظم تشويشا على الذهن فإنّ الحاقن لا يكاد يتصور ما يسمع مطلقا حتى يقضي حاجته وهو من أعظم ما يتأذى به الإنسان ولهذا تعرفون أنّ الفضيل بن عياض أصابه الحصر حتى صار إلى مرحلة عظيمة جدا من الألم وكان لا يطلب الله إلاّ أمر الآخرة ﵀ ولكنه وصل إلى مرحلة جدا حرجة فقال اللهم بحبي إليك أطلقه. قال فثار كأن لم يكن به شيء ﵀ فدعا لما وصل إلى هذه المرحلة مما ينبئك أنّّ انحصار البول ألمه شديد ويمنع تماما التصور.

стр. 2825

ثم - قال ﵀ (أو في شدة جوع) إذا كان القاضي جائع فإنه لا يجوز أن يحكم لكن يشترط أن يكون في شدة جوع , أما الجوع الطبيعي الذي لا يمنعه من التصور ولا يشتت ذهنه فله أن يحكم وهو جائع والحكم وهو جائع لا ينبغي لكن إذا كان في شدة جوع صار محرما وأمره واضح وإذا جاع يأكل قبل أن يحكم والأمر سهل. بخلاف الغضب لأنّه لا نستطيع أن نقول لأنّ بعض الناس لا يتمكن من تهدئة غضبه أليس كذلك؟ ربما يجلس ساعة غضبان ويجلس ساعة ونصف غضبان ولا يستمع لأي كلام لكن الجائع نقول كُلْ وتنتهي المشكلة. ثم - قال ﵀ (أو عطش) مقصود المؤلف في كل القادم يعني في شدة عطش , شدة همّ , شدة ملل , ولا يقصد أنه مجرد العطش اليسير والملل اليسير والهم اليسير فقوله العطش إذا كان عطشان فإنه لاشك أنه لن يتصور كلام الخصوم فيجب أن ينهي هذا العطش والظمأ بأن يشرب. (أو همّ) إذا حمل هما بأي سبب من الأسباب بسبب دنيوي أو بسبب أخروي يعني بعض الناس يشيل هم لأنه لا يجد من ينفق على أولاده أو لا يجد من ينفق على نفسه وبعض الناس يشيل هم أو يحمل الهم لكثرة ذنوبه وعدم قيامه بحقوق الله على الوجه الكامل فسواء كان حمل الهم بسبب الأول الدنيوي , أو الأخروي فإنه يحرم عليه أن يحكم بهذا الشرط أن يكون شدة هم. ثم - قال ﵀ (أو ملل أو كسل) إذا كان في شدة ملل وشدة كسل , فإنه أيضا لا يجوز له أن يحكم لأنّ الملل والكسل ينعكس على نشاط الذهن مما يمنع صاحبه أيضا من تصور القضية وعدم الاستعجال وغالبا من عمل أي عمل مع ملل أو كسل فإنّ طبيعة العمل تكون باستعجال وعدم إتقان لأنه يريد أن ينتهي منها بأي طريقة لأنه ملّ في القضاء لا يجوز هذا لأنه لا يتعلق العمل بك شخصيا وإنما يتعلق بالخصوم. ثم - قال ﵀ (أو نعاس) إذا كان في شدة نعاس فإنه لا يحكم لأنه لن يتصور ما يقول فيذهب ويستريح ثم يستأنف بعد ذلك الحكم. ثم - قال ﵀ (أو برد مؤلم أو حر مزعج)

стр. 2826

هنا لا نقول أو شدة برد مؤلم أو شدة حر مزعج لا فقط مجرد البرد المؤلم والحر المزعج , إذا كان البرد مؤلما والحر مزعجا فإنه لا يحكم لأنه انشغل بالبرودة وانشغل بالحرارة بما لا يتمكن معه من الحكم على الوجه المطلوب , هذه المسائل الست مقيسة على الغضب وإنما ذكر النبي ﷺ الغضب لأنه الأكثر وقوعا والأكثر ضررا في مجريات القضية فنص عليه وأخذ الفقهاء منه ما عداه قال ﵀ (وإن خالف فأصاب الحق نفذ) وإن خالف ما سبق من تحريم الحكم حال الغضب والجوع والألم والهم إلى آخره. فإنّ حكمه ينفذ بشرط أن يصيب. والدليل على هذا أنّ النبي ﷺ لما حكم بين الأنصاري والزبير بن العوام ﵃ قال الراوي فغضب النبي ﷺ وقال اسقي يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر ثم دعه فالنبي ﷺ غضب قطعا لأنّ الصحابي نقل أنه غضب ولأنّ الأنصاري استثاره بقوله أن كان ابن عمتك يا رسول الله فدل هذا على أنّ القضاء حال الغضب ينفذ والجواب على هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أنّ القاضي إذا غضب بعد أن بان له وجه القضية فإنه يجوز أن يحكم. لأنّ هذا الغضب لا يؤثر في القضية فإنّ القضية اتضحت له وهذا ما كان مع النبي ﷺ . الجواب الثاني: أنّ هذا خاص بالنبي ﷺ لأنه إذا حكم فإنه لا يقر على الخطأ ولو كان حكم وهو غضبان ﷺ والجواب الصحيح الأول.

стр. 2827

الدليل الثاني: أنه وإن حكم مخالفا للسنة إلاّ أنه أصاب الحق فدل هذا على نفوذه إذ ليس المقصود من الحكومة والقضاء إلاّ إصابة الحق. والقول الثاني: أنه لا ينفذ لأنه حكم في حال منهي فيها عن الحكم والنهي يقتضي الفساد. والقول بأنّ القاضي يجب عليه أن يعيد الحكم إذا حكم وهو غضبان هو الصحيح وعلمنا الجواب عن أثر أو حديث الزبير أنّ النبي ﷺ إنما حكم بعد أن تبيّنت له القضية ولهذا نقول إذا غضب القاضي من حين بدأت القضية واستثير من قبل أحد الخصوم وغضب فإنه يجب عليه وجوبا أن يؤجل إصدار الحكم إلى مجلس آخر بعد أن يعيد النظر في القضية والأدلة , وإذا استثير من قبل أحد الخصوم بعد أن تمكن من القضية وفهمها في آخر المجلس فإنه لا حرج عليه أن يحكم والحالة هذه. ثم - قال ﵀ (ويحرم قبوله رشوة) يحرم على القاضي أن يقبل الرشوة لأنّ النبي ﷺ لعن الراشي والمرتشي. هذا من وجه من وجه آخر أنّ الرشوة تتناقض تماما مع مقصود الشارع من القضاء فإنّ القصد من الرشوة إحقاق الباطل وإبطال الحق بينما القاضي إنما نصب ليحق الحق ويبطل الباطل وتحريم الرشوة محل إجماع والرشوة هي كل ما يدفعه الإنسان لإعاقة الحق أو لتمرير الباطل سواء في مجلس القضاء أو في غيره. ثم - قال ﵀ (وكذا هدية) يعني كما أنه يحرم عليه قبول الرشوة يحرم عليه قبول الهدية والفرق بينهما أنّ الرشوة تعطى في سياق القضية والهدية تعطى خارج سياق القضية بأنها هدية منفصلة بينما الرشوة مرتبطة بالقضية الهدية محرمة لثلاثة أدلة: الدليل الأول: قوله ﷺ هدايا العمال غلول. الثاني: أنّ الهدية كما قال شيخ الإسلام نوع من الرشوة فكل حديث دل على تحريم الرشوة دال على تحريم الهدية. الثالث: حديث ابن اللتبية الذي بعثه النبي ﷺ ساعيا فلما جاء هذا لكم وهذا أهدوه لي فغضب النبي ﷺ وخطب وقال أفلا جلس في بيت أمه وأبيه فلينظر أيهدى له أو لا.

стр. 2828

ثم لما بيّن الشيخ المؤلف تحريم الرشوة والهدية انتقل إلى مواضع جواز الهدية قبل هذا ذكر شيخ الإسلام ضابطا جميلا جدا لهدايا العمال من القضاة والموظفين فقال هدايا العمال هي كل ما لو نزع عن منصبه لم يهدى إليه. ضابط جميل جدا فإذا كان سبب الهدية من بعيد أو قريب المنصب فهي من هدايا العمال ولهذا إذا كان شخص لا يهديك مطلقا فلما عيّنت في مكان أهداك فقطعا سبب الهدية أنك عينت في هذا المكان كذلك الهدايا التي تجري بين الطلاب والمدرسين في المدارس النظامية باعتبار أنّ المدرس في المدارس النظامية موظف هذه الهدايا سببها أنه مدرس لولا أنه يدرس لم يعطى أما الهدايا التي تكون بين المدرسين والمدير والمدرسات والمديرة فتختلف إن كان لم يهدوها إلاّ لأنها مديرة أو لم يهدوه إلاّ لأنه مدير أو بعد أن أصبح مديرا فلا شك أنها من هدايا العمال وإذا كانت الهدية تجري بينهم عادة ثم وجدت مناسبة لو وجدت وهذا المدير مدرس لأعطوه لم تصبح من هدايا العمال من أبرز الأمثلة أنه جرى العرف بين المدرسات أنه كل من أتى بمولود يعطى هدية فهم يعطون هذه وهذه سواء كانت مديرة أو مدرسة أليس كذلك؟ فهذا ما يظهر لي أنا أنّ إهداء المديرة إذا أتت بولد من هدايا العمال لأنه موجود سواء كانت مديرة أو ليست بمديرة إنما المحرم أنه إذا صارت مديرة بالغوا في الهدية فلا شك أنّ هذا سحت وأنه من هدايا العمال أما إذا أهدوها كما يهدون غيرها وهو أمر جار بينهم وعرف جروا عليه من قديم فليس من هدايا العمال. ثم - قال ﵀ (إلاّ ممن كان يهاديه قبل ولايته) إذا كان يهاديه قبل الولاية فهذا دليل وقرينة على أنّ الهدية ليست بسبب الولاية وإذا كانت الهدية ليست بسبب الولاية فلا حرج لأنّ الأصل أنّ التهادي بين المسلمين مستحب. ثم - قال ﵀ (إذا لم تكن له حكومة)

стр. 2829

يعني أنه يشترط لجواز الهدية أمران: الأول: أن يكون هذا جرى بينهما قبل الولاية. الثاني: أن لا تكون بينهما حكومة. الثالث: أن لا يعلم أنها ستكون بينهما حكومة. فإذا تحققت الشروط جازت الهدية بعد هذا نقول إذا فهم الإنسان المأخذ الشرعي عرف الحكم مباشرة فالمأخذ الشرعي أنّ كل هدية بسبب المنصب فهي من هدايا العمال هذا هو الضابط وما ذكره الفقهاء إنما هو تقريب ولهذا من الخطأ البيّن أن يأخذ طالب العلم القواعد ثم يطبقها بجفاف وعدم فهم لها. مثال يوضح المقصود. رجل مازال بينه وبين أخيه تهادي بينهما تهادي كتب وطيب وأشياء كثيرة , لما عيّن أحدهما أتى له بخمسين رأس شاة هل بينهما تهادي من قبل؟ هل يشك الإنسان أنه هذا بسبب المنصب؟ لو أخذنا القاعدة بلفظها لقلنا يجوز لكن لما تفهم المقصود تعرف أنّ هذه الهدية محرمة عرفت كيف! وأنا بالغت في الهدية حتى يتضح الحكم وإلاّ قد لا يقع هذا. ثم - قال ﵀ (ويستحب أن لا يحكم إلاّ بحضرة الشهود) يستحب للقاضي أن لا يشرع في الحكم ولا يبدأ بالنظر في القضية إلاّ بحضرة الشهود لأنهم سبب القضية ولكي يشهدوا على الحكم فيما لو قيل وليشهدوا على الإقرار لو حصل في مجلس القضاء وقوله يستحب يدل على أنه لا يجب فلو أراد أن ينظر في القضية ويناقش ويبدأ ثم يأتي الشهود في مجلس آخر ثم يحكم في مجلس ثالث لا يوجد فيه شهود فهذا جائز ولا حرج فيه. قال ﵀ (لا ينفذ حكمه لنفسه) وهذا معلوم لأمرين: الأول: أنّ شهادة الإنسان لنفسه لا تصح فمن باب أولى أن نمنع أن يحكم لنفسه. الثاني: أنه تقع التهمة بهذا بدرجة كبيرة. الثالث: وهو الأول في الحقيقة أنّ عمر بن الخطاب لما أراد أن يحاكم أبيّا تحاكموا إلى زيد فلم يحاكمه إلى نفسه فلا شك أنه لا يجوز للإنسان أن يجعل نفسه حكما في قضية هو أحد الأطراف فيها. قال ﵀ (ولا لمن لا تقبل شهادته له) لا يجوز أن يكون حكم وأحد الخصمين ممن لا تقبل شهادته له كأبيه أو أبنه وسيعقد المؤلف فصلا خاصا فيمن لا تقبل شهادته له فلا يجوز للإنسان أن يحكم لكل شخص لا تقبل شهادته له وعللوا هذا بأنه في حكمه تهمة ومظنة الحيف والميلان وقياسا على الشهادة.

стр. 2830

والقول الثاني: أنّ له أن يحكم بين أي خصمين من الأقارب الأدنين أو الأبعدين أو من الأجانب واستدل هؤلاء بأمرين: الأول: العمومات. فإنها لم تفرق بين القريب والبعيد. الثاني: قياس القريب على الأجنبي وهو قياس غريب في الحقيقة كيف تقيس قريب على الأجنبي ونحن ننازعك في حكم القريب أنه ليس كالأجنبي وأنت تقول القريب كالأجنبي لأنه كالأجنبي أليس كذلك؟ فبعيد هذا القياس. القول الثالث: أنه لا يجوز أن يحكم لمن لا يجوز أن يشهد له إلاّ إذا حكم بينهما كأن يحكم بين أبويه وبين ولديه وهذا هو الراجح إن شاء الله لأنه حينئذ تتنتفي التهمة لأنّ طرفي الخصومة من أقاربه فلا تهمة في هذا. ثم - قال ﵀ (ومن ادعى على غير برزة لم تحضر) البرزة هي المرأة التي تخرج بنفسها لقضاء حاجاتها وينبغي أن تعرف أنّ البرزة هي التي تخرج لقضاء حاجاتها وليست المرأة التي تخرج وإنما المرأة التي تخرج لقضاء حاجاتها فإذا كانت تقضي حاجاتها بنفسها فإنها برزة , فإذا لم تكن برزة فإنه يشرع للقاضي أن لا يستدعيها إلى مجلس الحكم واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول: أنّ في استدعائها ضرر بها لأنها لم تعتد الخروج فضلا عن حضور مجلس الحكم. الثاني: أنّ فيه إذهابا لحشمتها وهتكا لتصونها. والقول الثاني: أنه على القاضي أن لا يحكم بل يرسل إليها من يحكم لها في قضيتها واستدلوا على هذا بأنّ النبي ﷺ واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. القول الثالث: أنه يأتي بها إلى مجلس الحكم واستدلوا على هذا بأنّ هذا الخروج خروج يسير لا يضر فتأتي إلى مجلس الحكم , والراجح المذهب بلا إشكال. ثم - قال ﵀ (وأمرت بالتوكيل) يعني أنها لا تحضر وتؤمر بالتوكيل لأنّ القضية لا يمكن أن تتم وتستمر إلاّ إذا وكّلت ليستطيع القاضي المضي في الحكومة والحكم فيها. سؤال / هو يقول إذا كانت برزة لا تحضر وتوكل؟ كل الناس يستطيعون أن يوكّلون! ما هو الجديد؟ ما هو الفرق الآن هي لا تحضر وتوكل؟ كل إنسان يستطيع أن لا يحضر ويوكّل؟ فما هو الجديد؟ الجديد أنه في غير البرزة لا يشرع أن يأتي بها إلى مجلس الحكم لا ينبغي بخلاف سائر الناس فإنه إن شاء وكلّ هو.

стр. 2831

ثم - قال ﵀ (وإن لزمها يمين أرسل من يحلفها) وجه ذلك أنه إذا توجهت اليمين فلا بد منها أي لا بد من اليمين وهي لم تحضر الحكم فلن يكون هناك سبيل لليمين إلاّ أن يرسل من تحلف له وينبغي أن يرسل مع من سيأخذ منها اليمين يرسل معه شاهدين يشهدا على اليمين. ثم - قال ﵀ (وكذا المريض) قوله وكذا المريض لو أنّ المؤلف جعل لهذا قاعدة فقال [وكل من لا يستطيع الحضور إلى مجلس الحكم فهو يوكل ويرسل إليه القاضي من يأخذ اليمين منه إذا توجهت عليه] لكان هذا أضبط من ذكر مثالين المرأة والمريض وإنما ذكر المؤلف المرأة والمريض فقط لأنه الغالب في الأعذار أن تكون امرأة أو أن يكون مريضا فلما كان هذا هو الغالب ذكره واستغنى عن الضابط. باب طريق الحكم وصفته قوله باب طريق الحكم وصفته المقصود بهذا الباب بيان كيفية دفع الخصومات والفصل بينها , أو بيان كيفية الفصل بين الخصومات. يقول الشيخ ﵀ (إذا حضر إليه خصمان قال أيّكما المدعي) إذا حضر الخصمان فإنه يقول أيّكما المدعي ,أفاد المؤلف أنه لا حرج على القاضي أن يسأل الخصمين أيّهما المدعي لأنه إذا سأل أيكما المدعي فإنه لم يوجه الخطاب إلى أيّ منهما فلم يحصل حيف على أحد من الخصمين فيسأل أيّكما لأنّ القضية لا يمكن أن تبدأ إلاّ إذا قال أيّكما المدعي؟ ثم - قال ﵀ (فإن سكت حتى يبدأ جاز) يعني يجوز أن يدخل خصمان ويجلسوا ويجلس القاضي ويسكت القاضي إلى أن يبدأ , فسؤال القاضي للخصمين أيّهما المدعي ليس بواجب بل أن يسكت لكن من المعلوم أنه ينبغي أن لا يطيل بالسكوت وليس من المقبول أن يسكت الخصمان ويسكت القاضي ويجلسون في مجلس الحكم وهم سكوت لمدة ساعة فإنّ هذا من العبث أليس كذلك ولو قيل أنّ هذا يتنافى مع آداب القاضي أن يطول السكوت لكان هذا وجيه وربما يكون من الآداب الواجبة أو المستحبة وهذا بحث نظري أما اليوم فلا يكاد الخصمان إلاّ وبسرعة تبدأ القضية. ثم - قال ﵀ (فمن سبق بالدعوى قدّمه)

стр. 2832

إذا سبق أحدهما بالدعوى صار هو المدعي ولو لم يسأل القاضي أيّكما المدعي وإذا صار هو المدعي فإنه إذا اعترض الآخر وقال أنّ المدعي لم ينظر القاضي إلى كلامه , فإذا الذي يحدد أيّهما المدعي الذي يبدأ منهما فإن بدأو في وقت واحد أقرع بينهما وتحديد أيّهما المدعي وأيّهما المدعى عليه أمر مهم وضروري لأنه ينبني على هذا أحكام كثيرة كما سيأتينا. ثم - قال ﵀ (وإن أقرّ له حكم له عليه) يعني إذا تبيّن أيّهما المدعي وادعى بمال أو بغيره ثم أقّر المدعى عليه فإنه يجب على القاضي بالإجماع أن يحكم بهذا الإقرار لأنّ الإقرار حجة ملزمة وهو أقوى من البيّنات لأنّ البيّنات تحتمل إحتمالات والإقرار لا يحتمل فيجب عليه أن يحكم بمقتضى الإقرار مباشرة وهذه الصورة نادرة في الوقوع لكن ذكرها المؤلف للترتيب المنطقي بما سيكون في مجلس الحكم ولماذا هي نادرة الوقوع؟ لأنه لو كان سيقر ما احتجنا إلى مجلس القضاء. قال ﵀ (وإن أنكر قال للمدعي إن كان لك بيّنة فأحضرها إن شئت) إذا ذكر المدعي دعواه ولم يقر المدعى عليه فإنّ القاضي يقول للمدعي ألك بيّنة ويقول أحضرها إن شئت. أيّ أنّ القاضي ليس له أن يلزم المدعي بإحضار البيّنة فإن أبى المدعي أن يحضر البيّنة وأراد الانتقال إلى يمين المدعى عليه كما سيأتي فله ذلك إنما يعرض عليه القاضي عرض أنه ألك بيّنة؟ أولا. علمنا من هذا أنه لا يلزمه وعلمنا أيضا أنه لا حرج على القاضي أن يقول للمدعي ألك بيّنة وليس هذا من الجور على المدعي عليه , والدليل على هذا ما جاء في الصحيح أنّ النبي ﷺ لما اختصم الحضرمي وخصمه قال له النبي ﷺ ألك بيّنة؟ فدل هذا على أنّ طلب البيّنة لا حرج فيه ولأنّ في طلب البيّنة الإسراع في الحسم في القضية وإعطاء كل ذي حق حقه. ثم - قال ﵀ (فإن أحضرها سمعها وحكم بها)

стр. 2833

يعني إذا أحضر المدعي بيّنته سمعها القاضي ثم حكم بها يعني بعد أن يقول للمدعى عليه أتقدح في هذه البيّنة بقادح فإذا لم يكن عنده قوادح صارت البيّنة سالمة من القوادح وحينئذ يجب عليه أن يحكم بها كما يجب عليه أن يحكم بالإقرار لأنها أصبحت بيّنة سالمة من القوادح فوجب عليه أن يحكم بها وهو أمر بدهي. ثم - قال ﵀ (ولا يحكم بعلمه) لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه سواء علم هذا العلم قبل أن يتولى القضاء أو بعد أن يتولى القضاء , وسواء علم به قبل أن تعرض عليه القضية أو بعد أن تعرض عليه القضية يعني مطلقا لا يجوز له أن يحكم بعلمه مطلقا واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول: أنّ النبي ﷺ لما شكى إليه الأعرابي اعتداء من أخذ النصاب الزكوي عليهم بجراح وأعطاهم النبي ﷺ مقابل الجراح قال لهم إني خاطب بالناس ومخبرهم أنكم رضيتم قالوا نعم. فقام النبي ﷺ وخطب وقال أنهم اعتدوا على بني فلان وأني أعطيتهم حتى رضوا أكذالك؟ قالوا لا. فَهّم بهم الأنصار يعني ليضربوهم أو يقتلوهم. فكفّهم النبي ﷺ ونزل وأعطاهم حتى رضوا. قال أرضيتم؟ قالوا نعم. قال فإني خاطب الناس ومبلغهم قالوا نعم؟ فخطب الناس وقال إني أعطيت بني فلان حتى رضوا كذلك قالوا نعم. في المرة الثانية. وجه الاستدلال أنّ النبي ﷺ أعطاهم في المرة الأخرى مع أنه يعلم أنهم رضوا في المرة الأولى فدل هذا على أنّ القاضي لا يحكم بعلمه. الدليل الثاني: وعليه المعتمد أنّ فتح باب حكم القاضي بحكمه يؤدي إلى التلاعب والتهمة ويستطيع من خلاله القاضي أن يحكم على من يشاء بما يشاء ويدعي أنه حكم بناء على علمه المسبق. والقول الثاني: أنه يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه مطلقا واستدلوا على هذا بأنّ النبي ﷺ قال لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فحكم النبي ﷺ من غير نظر ولا استدعاء للمدعى عليه لأنه يعلم أنه كان بخيلا ﵁ فحكم بعلمه. والجواب أنّ هذا الحديث فتيا وليس بحكم بدليل أنه لم يطلب المدعى عليه إلى مجلس الحكم ولم يسمع منه.

стр. 2834

القول الثالث: أنه يجوز أن يحكم بما استفاض وانتشر وعلمه القاضي وغيره لأنه إذا حكم بما علم واشتهر فإنه لا ينسب إلى تهمة. والقول الرابع: أنه يجوز أن يحكم بعلمه في حقوق الله دون حقوق الآدمي. والراجح الثالث. ثم - قال ﵀ (وإن قال المدعي: مالي بيّنة أعلمه الحاكم أنّ له اليمين على خصمه) إذا ادعى المدعي وبيّن ماله من حقوق وطلبت منه البيّنة ولم تكن له بيّنة أعلمه القاضي أنّ له اليمين على خصمه لأنّ النبي ﷺ قال للحضرمي شاهداك أو يمينه. فقال يا رسول الله إنه لا يتورع عن شيء فقال النبي ﷺ ليس لك إلاّ ذلك وهذا في مسلم. ثم - قال ﵀ (على صفة جوابه) يعني أنّ له للمدعي يمين المدعى عليه على صفة جواب المدعى عليه. لا على صفة دعوى المدعي. صورة هذا أن يقول المدعي أطلبه ألف ريال ثمن سيارة. ويقول المدعى عليه ليس له عندي شيء فاختلف الجواب عن الدعوى , فاليمين تكون على الجواب لا على الدعوى فيقول والله ليس له عندي شيء ولا يلزم المدعى عليه أن يقول والله إنه لا يطلبني ألف ريال ثمن سيارة. والقول الثاني: أنّ اليمين على صفة الدعوى على صفة جوابه بل إنّ اعتراضه أو رفضه اليمين على صفة الدعوى قرينة على كونه ليس بمحق والراجح أنها على صفة الدعوى. ثم - قال ﵀ (فإن سأل إحلافه أحلفه وأخلى سبيله) أفاد المؤلف أمرين: الأمر الأول: أنّ القاضي بعد أن يعرف المدعي حقه في اليمين فإنه لا يطلب اليمين من المدعى عليه إلاّ إذا طلبها المدعي قبل ذلك فإنه لا يطلب اليمين. الثاني: أنه إن طلب اليمين وحلف المدعى عليه فإنه يخلي سبيله أي برئ المدعى عليه ولا يطلبه المدعي شيء لقول النبي ﷺ في الحديث السابق ليس لك إلاّ ذلك. فإذا ليس له إلاّ اليمين. ثم - قال ﵀ (ولا يعتد بيمينه قبل مسألة المدعي)

стр. 2835

يعني أنه إذا بادر بالقسم فإنّ هذا القسم قسم ليس بشرعي ولا نفع له في مجلس القضاء لأنه جاء في غير وقته بل يجب أن لا يقسم أو أن لا يحلف إلاّ بعد طلب المدعي فإن أقسم قبل ذلك وطلب المدعي أن يحلف مرة أخرى فإنه يجب أن يحلف مرة أخرى لأنّ اليمين الأولى ليست يمينا شرعية يعتد بها في مجلس القضاء. ثم - قال ﵀ (وإن نكل قضى عليه. فيقول إن حلفت وإلاّ قضيت عليك فإن لم يحلف قضى عليه) أفادنا المؤلف ﵀ إذا توجهت اليمين على المدعى عليه ونكل فإنه يحكم عليه وتكون العين محل الدعوى للمدعي يعني بمجرد النكول ولا نحتاج إلى رد يمين على المدعي واستدلوا على هذا بأنّ ابن عمر ﵁ وزيد اختصموا إلى عثمان ﵁ في عبد اشتراه زيد من ابن عمر ﵄ وزعم أنّ به عيبا يعلمه ابن عمر ﵁ فقال عثمان ﵁ احلف أنه ليس فيه عيب تعلمه فأبى أن يحلف فقضى عليه عثمان ﵁ ومعنى قضى عليه أنه رد العبد إلى ابن عمر وأخذ زيد المال وفي هذه المسألة خلاف طويل نذكره إن شاء الله الدرس القادم.

стр. 2836

الدرس: (٣) من القضاء قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. توقفنا بالأمس عند حكم نكول المدعى عليه عن اليمين وذلك عند قول الشيخ (وإن نكل قضى عليه. فيقول إن حلفت وإلاّ قضيت عليك فإن لم يحلف قضى عليه) إذا توجهت اليمين على المدعى عليه ثم نكل. والنكول هو / أن يأبى أن يحلف فإنه يقضى عليه وتقدم معنا بالأمس القول الأول: وهو المذهب أنه يقضى عليه بمجرد النكول من غير رد لليمين كنا توقفنا على استكمال هذه المسألة. القول الثاني: أنه لا يقضى عليه بمجرد النكول بل لا بد من رد اليمين لأنّ النبي ﷺ رد اليمين على المدعي. وهذا الحديث ضعيف. الدليل الثاني: أنه روي عن عمر ﵁ أنه رد اليمين ولم يقضي بمجرد النكول.

стр. 2837

القول الثالث: إذا كان الأمر وحقيقة القضية لا تعلم إلاّ من قبل المدعى عليه فإنها لا ترد اليمين , مثاله قصة ابن عمر مع زيد القصة السابقة , فإنّ ابن عمر المدعى عليه هو الذي يعلم هل في العبد عيب أو لا. لأنّ المشتري لا يعلم عن العبد شيئا قبل العقد فهنا لا ترد اليمين وإن كان الذي يعلم القضية هو المدعي وحده ردت اليمين. مثاله أن يدعي زيد على رجل ميت فالآن المدعي يتفرد بمعرفة القضية لأنّ المدعى عليه ميت فهنا نرد اليمين ولا نكتفي بمجرد النكول لأنّ الورثة قد يأبون اليمين لعدم معرفتهم بالقضية فنرد اليمين ولا نحكم بمجرد النكول وهذا القول الأخير فيه تفصيل جيد تجتمع فيه الآثار المروية عن أصحاب النبي ﷺ وإذا لم يختص أيّ منهما بالمعرفة لا المدعي ينفرد بالمعرفة ولا المدعى عليه ينفرد بالمعرفة فهنا فيه خلاف والراجح أنه لا ترد اليمين. ثم - قال ﵀ (فإن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بيّنته حكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق) القاعدة أنّ اليمين مزيلة للخصومة لا للحق فإذا قال المدعي أنه لا بيّنة له ثم أحضرها بعد ذلك فإنها تسمع واستدل الحنابلة على هذا بأنه قد ينسى وقد لا يعلم ببيّنته أصلا ثم يعرف بأنّ له بيّنة بأن يأتي شاهد يشهد في القضية لم يعرفه المدعي فلأجل أنّ المدعي ربما لا يعرف البيّنة يقبل منه أن يحضرها بعد أن لم يأتي ببيّنة. مسألة / فإن قال المدعي ليس لي بيّنة فإنه إذا أتى بها بعد ذلك لا تقبل لأنه أكذب نفسه. والقول الثاني: أنها تقبل لأنه حين قال ليس لي بيّنة إنما قال ذلك بناء على أنه لا يعرف لنفسه بيّنة ثم عرفها بعد ذلك فأتى بها فليس في هذا تكذيبا للنفس بل ربما ظهر له ما لم يكن ظهر من قبل وهذا القول الثاني هو الراجح ويتحصل من ذكر المسألتين والخلاف أنه تقبل البيّنة مطلقا سواء لم يأتي بها ابتداء أو قال ليس لي بيّنة فتقبل مطلقا. فصل قال ﵀ فصل (ولا تصح الدعوى إلاّ محررة معلومة المدعى به)

стр. 2838

ظاهرة عبارة المؤلف أنه يشترط لتصحيح الدعوى أن تكون محررة وأن تكون معلومة المدعى به والواقع أنّ هذا شيء واحد ولهذا عبارة الشيخ في المقنع يقول في المقنع [ولا تصح الدعوى إلاّ محررة تحريرا يعلم به المدعى] فصار هذا الشرط شرطا واحدا وهذا هو الصواب أنه شرط واحد ومعنى هذا الشرط أنّ الدعوى لا تقبل إلاّ وقد بيّن المدعي كل ما يتعلق بالدعوى من حيث قدر المال وصفته وجنسه وسبب وجوبه عند بعض الفقهاء إذا لا تقبل إلاّ وهي محررة أي كاملة مذكور فيها كل ما يتعلق بالحق المدعى واستدل الحنابلة على أنها لا تسمع إلاّ محررة بأنّ الدعوى يترتب عليها أن يحكم القاضي من جهة وأن يلزم المحكوم عليه بدفع الحق من جهة أخرى ولا يتمكن من الحكم ولا بالإلزام من الدفع إلاّ بعد تحرير الدعوى وهذا لا شك وهو بدهي أنّ القاضي لم يحكم إلاّ بعد أن يعرف بماذا يدعي بالضبط المدعي. والقول الثاني: أنه لا يشترط وأنّ له أن يقول ادعي حقا على فلان فإذا قبل القاضي الدعوى أمره بعد الإجمال بالتفصيل وهذا القول الثاني ليس إلاّ تضيعا للوقت ورجوعا للقول الأول والصواب أنّا نلزم المدعي بأن يبيّن ويحرر الدعوى من الأول ولا نقول نسمع الدعوى ثم نطلب تحريرها بعد ذلك فإنّ هذا تطويل ليس له معنى. ثم - قال ﵀ (إلاّ ما نصححه مجهولا كالوصية وعبدا من عبيده مهراً ونحوه) القاعدة أنّ كل ما صح مجهولا صحت الدعوى به وما ذكره المؤلف لا يعدوا أن يكون أمثلة , فكل ما صح مجهولا صحت الدعوى به. ذكر الشيخ ثلاثة أمثلة. المثال الأول: يقول إلاّ ما نصححه مجهولا كالوصية. الوصية تصح بالمجهول كما تقدم معنا فلو قال أوصيت لفلان بشيء أو أوصيت لفلان بأرض أو بسهم فهي مجهولة ومع ذلك نصحح هذه الوصية لأنها ليست من قبيل المعاوضات فإذا ادعى بوصية فله أن يدعي بدعوى غير محررة فيقول فلان أوصى لي وليس بملزم أن يبيّن بماذا أوصى له. المثال الثاني: وعبد من عبيده مهرا. إذا قالت الزوجة مدعية على الزوج أنه أمهرها أو أصدقها عبدا من عبيده صحت الدعوى وإن كانت مبهمة لأنّ المهر يصح أن يكون مبهما ويبيّن بعد ذلك فإذا ترجع إلى القضية السابقة. يقول ﵀ (ونحوه)

стр. 2839

من أكثر الأمثلة وقوعا أن يعترف أو يقّر بمجهول مثل أن يقول زيد لعمرو عندي لك شيء هذا إقرار بحق مجهول هذا الإقرار صحيح فلعمرو أن يدعي على زيد بقوله أنّ له عنده شيء لأنه أقرّ بمجهول لماذا نصحح هذه الدعوى لأنه لا يمكن أن يدعي إلاّ بمجهول لأنه هو لا يعرف الحق ولو لم نصحح الدعوى بمجهول في هذه الصور لأغلقنا الباب على المدعي أن يدعي أصلا لأنه لا يعرف حقه من الأساس إذا تصح الدعوى بكل ما يصح مجهولا. ثم - قال ﵀ (وإن ادعى عقد نكاح أو بيع أو غيرهما فلا بد من ذكر شروطه) إذا ادعى عقدا من العقود سواء في قسم المعاملات أو في قسم الأحوال الشخصية أو الأنكحة أو توابعها فإنه لا بد أن يبيّن شروط العقد واستدل الحنابلة على هذا بأنّ المدعي قد يدعي بعقد يرى هو صحته والقاضي لا يرى أنه صحيح ولأجل هذا لا بد أنّ يبيّن شروط العقد. القول الثاني: أنه لا يشترط وأنه ليس عليه إلاّ أن يدعي بالعقد مجردا بلا بيان لشروطه واستدل هؤلاء بأنّ الأصل في معاملات المسلمين الصحة وحملها على الجواز وهذا يقتضي عدم وجوب السؤال عن الشروط وانتفاء الموانع. والقول الثالث: أنه يجب أن يبيّن الشروط إذا ادعى بعقد النكاح ولا يجب إذا ادعى بعقد البيع وفرقوا بين العقدين مستدلين بأنّ عقد النكاح من العقود التي يجب التحوط لها والاحتراز لما ينبني عليها من الأنساب واستباحة الأبضاع فناسب أن يشترط هذا الشرط والصحيح القول الثاني إن شاء الله. ثم - قال ﵀ (وإن ادعت امرأة نكاح رجل لطلب نفقة أو مهر أو نحوها سمعت) إذا ادعت المرأة بحق من حقوق النكاح لا بالنكاح فإنّ الدعوى صحيحة ودل على هذا أمران: الأمر الأول" الإجماع فإنهم أجمعوا على أنها إذا ادعت بعقد نكاح لإثبات النفقة أنّ الدعوى صحيحة وتسمع. الثاني: أنها دعوى مستوفية الشروط فإنها تدعي بحق مع بيان سببه كما لو قالت هذه السيارة لي اشتريتها من فلان فهي كذلك تقول النفقة واجبة لأنّ فلان زوجي فهي تثبت الحق مع شفعه بسببه وهذه دعوى مستكملة الأركان فتسمع وكما سمعتم هي محل إجماع فلا إشكال فيها. ثم - قال ﵀ (فإن لم تدعي سوى النكاح لم تقبل)

стр. 2840

إذا ادعت المرأة على الزوج مجرد النكاح فقط , فقالت فلان زوجي ولم تضف شيئا على هذا لا طلب نفقة ولا سكنى ولا غيره فإنّ الدعوى لا تسمع أصلا ولا تقبل علل الحنابلة هذا بأنّ النكاح من حقوق الزوج لا من حقوق الزوجة وليس للإنسان أن يدعي بحق لغيره بل الدعوى تكون بحق لنفسه. والقول الثاني: أنّ دعواها صحيحة لأنّ إثبات النكاح يقتضي إثبات الحقوق المترتبة عليه من النفقة والسكنى والمهر وكل ما يترتب على العقد من حقوق للزوجة. الدليل الثاني: أنّ هذا تماما كما لو ادعت عقد النكاح كعقد البيع فإنّ الإنسان يدعي عقدا للبيع راجيا الحصول على ما يترتب على عقد البيع سواء ادعى أنه مشتري ليأخذ السلعة. أو بائع ليأخذ الثمن. ولا شك أنّ هذا القول الثاني هو الصحيح وأنّ المذهب في هذه المسألة ضعيف وأنّ النكاح لا يتمحض حقا للرجل نعم حقه فيه غالب لكن النكاح فيه حقوق للزوج وفيه حقوق للزوجة. ثم - قال ﵀ (وإن ادعى الإرث ذكر سببه) إذا ادعى انه يرث من فلان فلا بد أن يبيّن السبب الذي استحق به الإرث لأنّ الشهادة ستكون على وفق هذا السبب وإذا لم يبيّن السبب فإنه لم نتمكن من معرفة صحة الشهادة وهذا صحيح فإذا ادعى أنه وارث فلا بد أن يقول لأنه ابن أو مولى أو والد أو يبيّن سبب الإرث مع اختلاف أسباب الإرث. وهذا بدهي لأنه لا يمكن أن يقول أحد في المحكمة أنا أرث فلان بدون أن يبيّن سبب الإرث وصلة القرابة التي بينهما. ثم - قال ﵀ (وتعتبر عدالة البيّنة ظاهرا وباطنا) أفاد المؤلف حكم مسألتين: المسألة الأولى" أنه لا بد من العدالة في البيّنة. المسألة الثانية " أنه تشترط في هذه العدالة أن تكون عدالة ظاهرة وباطنة , أما اشتراط العدالة سيأتينا في كتاب الشهادات ما يتعلق بهذا الشرط مفصلا ودليله العام قوله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [البقرة/٢٨٢] فلا بد من العدالة في الشاهد. لكن المؤلف هو في الحقيقة يريد أن يتكلم عن كون البيّنة توصف بالعدالة الظاهرة والباطنة فالعدالة الظاهرة معروفة وهي أن يكون ظاهر الإنسان الابتعاد عن المحرمات وأداء الواجبات , وأما العدالة الباطنة فهي التي لا تتحقق إلاّ بأمرين: أن يكون المعدل صاحبه صحبة طويلة.
следующие страницы →