← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2871–2909 · переход к 2876.

стр. 2871

القول الثاني في هذه المسألة / أنّ العدالة في كل وقت بحسبها فما اعتبر عند أهل العصر من أهل العدالة فهو عدل وما لا فلا وهذا القول فيه غرابة , وجه الغرابة أنه جعل مناط العدالة مرتبط بالعرف وهذا غريب لأنّ العدالة وصف شرعي اسم شرعي يحتاج لتطبيقه إلى أدلة شرعية لكن هذا القول دليله الوحيد من وجهة نظري الضرورة لأنه لو لم نقل بهذا القول لأدى إلى ضياع حقوق الناس جملة وتفصيلا لأنّ اشتراط مثل هذا الشاهد يندر وإذا منعنا شهادة غيره صار هذا سببا في ضياع الحقوق وأنا أقول أنّه هذا في الحقيقة القول مع وجاهته وقوته إلاّ أنّ دليله الوحيد الضرورة لولا الضرورة لقلنا أنه مادام الشارع دلت النصوص على اعتبار هذا الشخص فاسق فإنها لا تقبل شهادته لكن الضرورة دلت على صحة هذا القول يستثنى من هذا على جميع الأقوال وعلى جميع التفريعات من فسقه بالكذب فمن فسقه بالكذب فإنا لا نقبل منه الشهادة لأنها تخل بالمقصود الأساسي من الحكم. ثم - قال ﵀ (فلا تقبل شهادة فاسق) سواء كان فسقه بالعمل أو بالاعتقاد , ويخرج من هذا أن يرتكب محرما يعتبر من محل الخلاف يعني من الأشياء التي اختلف فيها فإنّ ارتكابه لهذا المحرم لا يجعله فاسقا وإن ارتكب محرما فإذا الأشياء المختلف فيها لا تدخل ضمن الأشياء التي يفسق بها الإنسان. قال ﵀ (الثاني: استعمال المروءة , وهو فعل ما يجمله ويزينه , واجتناب ما يدنسه ويشينه) يشترط لصحة الشهادة أن يستعمل المروءة , فإن لم يستعمل المروءة فإنّ شهادته لا تقبل والدليل على هذا أنّ المروءة تمنع صاحبها من الدناءة والكذب نوع من الدناءة فصارت المروءة تمنع الكذب والمروءة في عرف الفقهاء هي ترك كل ما يذم فاعله عرفا وفعل كل ما يذم تاركه عرفا فهي أفعال وتروك. يقول المؤلف ﵀ (استعمال المروءة وهو فعل ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه)

стр. 2872

المروءة تسقط بأمرين: الأول: أفعال. والثاني: صنائع. فالأفعال هو أن يفعل كل ما من شأنه أن يشينه عند الناس. طبعا لا يوجد ضابط غير هذا الضابط ولهذا تجد جميع الفقهاء يذهبون إلى التمثيل فإذا أكل في مكان لا يعهد الأكل فيه أو كشف شيئا من جسده لم يعهد كشفه في هذا المقام , أو تحدث وهذا يحصل من بعض الناس تحدث مع زوجته بما لا يناسب أن يتحدث معها فيه في مثل هذا المكان سقطت مروءته ولهذا نقول ما يفعله بعض الناس من إذا اتصلت عليه زوجته وهو بين أصحابه تكلم معها بما لا ينبغي أن يتكلم به الرجل مع زوجته إلاّ إذا انفردا سقطت مروءته بهذا حتى في وقتنا. كذلك لو وجدنا شخص أخرج سفرة الطعام على الرصيف وجعل هو وأولاده يأكلون وجبة كاملة فإنّ هذا يسقط المروءة كذلك يقولون كشف الرأس في مكان لا يكشف فيه الرأس أو كشف الظهر في مكان لا يكشف فيه الظهر أو كشف البطن في مكان لا يكشف فيه البطن يعتبر من مسقطات المروءة ونحن نقول في تعريف المروءة [أنه فعل كل ما يذم صاحبه عرفا] إذا كان لا يذم صاحبه عرفا فإنه لا حرج عليه فأشياء كثيرة بناء على هذا تختلف باختلاف الأعراف. الثاني: الصناعات: الصناعات الدنيئة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الصناعات الدنيئة المحرمة شرعا فهذه الصناعات تسقط المروءة بالإجماع. القسم الثاني " الصناعات الدنيئة الجائزة شرعا المذمومة عرفا , مثل الحجام والكناس فهذا القسم الثاني فيه خلاف فالحنابلة يرون أنه لا يسقط المروءة واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول" أنه إذا أسقطنا مروءة الكناسين والحجامين فمن يشهد على ما يقع بينهم. الأمر الثاني: أنّ هذه الصنائع بالمسلمين حاجة إليها فإسقاط المروءة بها يؤدي إلى الإضرار به. القول الثاني: أنّ هذه الأعمال المذمومة عرفا الجائزة شرعا تسقط المروءة بها لأنّ صاحبها مذموم عرفا وأنتم تقولون أنّ كل عمل يذم صاحبه عرفا فإنه يسقط المروءة. والراجح؟ أنّ الحاجة ما الناس إليه بحاجة يسقط اعتبار العرف.

стр. 2873

الثاني: أنّ القاعدة التي اتفق عليها الفقهاء كلهم أنّه لكل قاعدة شواذ واستثناءات فالحجام والكناس مستثنى من هذا وهذا وجهة نظر الحنابلة أنه مستثنى والحقيقة القول بأنه ساقط المروءة قول من وجهة نظري ساقط والنبي ﷺ كان في عهده الحلاق والحجام والكناس ولم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلاّ أنّ شهادة مثل هؤلاء غير مقبوله ثم في هذا إزراء بهؤلاء الناس وهم يؤدون خدمة جليلة للمسلمين فكيف نسقط مروءتهم بهذا الشكل ونتبع إسقاط المروءة إسقاط الشهادة. يقول ﵀ (ومتى زالت الموانع فبلغ الصبي وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قبلت شهادتهم) تاب الفاسق نؤخرها. هؤلاء إذا زالت الموانع قبلت الشهادة لأنّ القاعدة أنّ المقتضي إذا وجد بلا مانع فعلى ما أدى فعله أو أدى نتيجته فمادام المقتضي موجود والمانع زال فإنّ نعمل بهذا المقتضي وهذا أمر واضح ولعل الشيخ ذكره ليرتب عليه قضية وتاب الفاسق إذ تاب الفاسق فإنه تقبل شهادته وهذا لا إشكال فيه والتوبة تحصل بشروط: الأول: الإقلاع عن الذنب. الثاني: الندم على وقوع الذنب , الثالث: العزم على عدم العود. الرابع: أداء الحقوق إذا كانت موجودة. وقبول توبة الفاسق لا إشكال فيها لكن اختلف الفقهاء هل يشترط لقبول توبة الفاسق أن يمضي وقت تعلم به توبته أو يقبل مباشرة فيه خلاف. القول الأول: أنه يقبل مباشرة واستدلوا بأمرين: الأمر الأول: أنّ التوبة يمحى معها الذنب مباشرة يعني التوبة الصحيحة. الثاني: أنّ النبي ﷺ يقول التائب من الذنب كمن لا ذنب له. القول الثاني: أنه يشترط مضي مدة تعلم بها توبته واستدلوا على هذا بأنّ عمر ﵁ لما ضرب صبيغا انتظر به سنة ثم كُلِم. والراجح إن شاء الله أنّ هذا يختلف باختلاف التائب فإن كان مما ينبغي الانتظار به انتظر وإن كان ما يغلب على ظن الحاكم توبته قبل. باب موانع الشهادة وعدد الشهود لما بيّن الشروط انتقل إلى الموانع فقال ﵀ (لا تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم لبعض)

стр. 2874

لا تقبل شهادة عمودي النسب فلا يشهد الأب للابن , والابن للأب لأنّ النبي ﷺ نهى عن قبول شهادة الظنين بالقرابة يعني المتهم بسبب القرابة فلا تقبل شهادة أحدهما للآخر للتهمة. والقول الثاني: أنها تقبل شهادة الابن للأب دون العكس لأنّ الأب له أن يتملك من مال ابنه فهو متهم. القول الثالث: أنها تقبل فيما لا يجر نفعا كعقود النكاح والطلاق ونحوها ولا تقبل فيما يجر نفعا كعقود الأموال. والقول الرابع: أنها تقبل مطلقا لعموم الأدلة. والقول الخامس: وهو الصحيح. أنّ مناط الرد والقبول هو التهمة فإذا اتهمنا هذا الأب وظننا به أنه لم يصدق لم نقبل منه وإذا ظننا أنه صادق قبلنا سواء شهد الأب للابن أو الابن للأب وإلى هذا ذهب الشيخ العلامة ابن القيم وهو الصواب لأنه لا يوجد في النصوص شيء صحيح يدل على منع شهادة الأب لإبنه أو العكس ولكن يوجد في النصوص ما يدل على منع الشهادة مع وجود التهمة. ثم - قال ﵀ (ولا شهادة أحد الزوجين لصاحبه) لا يجوز أن يشهد أحد منهما لصاحبه لأنه جرت العادة بتوسع كل منهما بمال الآخر فهو متهم لذلك. القول الثاني: تقبل شهادة الزوج لزوجته ولا تقبل شهادة الزوجة لزوجها لأنها إذا شهدت له فهي تجر نفعا لنفسها لأنه المنفق عليها. القول الثالث: أنها تقبل الشهادة مطلقا لعدم وجود الدليل. والراجح في هذه المسألة هو الراجح في المسألة السابقة أنه متى وجدت تهمة ردت الشهادة من الزوج أو الزوجة أو الأب أو الابن وإلاّ فلا. ثم - قال ﵀ (وتقبل عليهم) يعني تقبل شهادة هؤلاء بعضهم على بعض إنما ترد شهادة بعضهم لبعض أما شهادة بعضهم على بعض فتقبل لأنّ التهمة منتفية تماما. قال ﵀ (ولا من يجر على نفسه نفعا) لا تقبل شهادة من يجر بهذه الشهادة لنفسه نفعا. مثال هذا من يشهد لشريكه فإنه إذا شهد لشريكه فما يأتي شريكه من المال فهو له فكأنه يشهد لنفسه ومن أمثلة هذا أن يشهد بمال لغريمه لأنّ هذا المال إذا جاء الغريم استفاد هو سداد الدين. ثم - قال ﵀ (أو يدفع عنها ضررا)

стр. 2875

لا تقبل شهادته إذا شهد شهادة تدفع الضرر عن نفسه وهذه عكس المسألة الأولى كأن يشهد شهادة تدفع الضرر عن شريكه أو يشهد شهادة تدفع الضرر عن أخيه أو عن أبيه أو عن زوجته أو عن أمه. أو يشهد تدفع الضرر عن غريمه أو يشهد شهادة تدفع الدين أن يثبت على غريمه إذن الضابط [أن يشهد شهادة تدفع عنه ضررا] ثم - قال ﵀ (ولا عدو على عدوه كمن شهد على من قذفه أو قطع الطريق عليه) ذهب الأئمة الثلاثة والجماهير إلى أنّ شهادة العدو على عدوه غير مقبولة لأنه متهم والغالب عليه الحيف. القول الثاني: لأبي حنيفة أنها تقبل وإن كان عدوا له قال أبو حنيفة لأنّا نفترض في الشاهد أن يكون عدلا والعدل لن يشهد إلاّ بالحق ولو على عدوه والراجح إن شاء الله مذهب الثلاثة لأنّ العدل قد يطرأ عليه ما يمنع من صدقه.

стр. 2876

الدرس: (٢) من الشهادات قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال ﵀ (ولا عدو على عدوه كمن شهد على من قذفه أو قطع الطريق عليه) تقدمت معنا هذه المسألة وقلنا أنّ الجماهير على أنّ شهادة العدو على عدوه لا تقبل لأنه متهم بالحيف عليه وأنّ المقصود بالعداوة هنا العدواة الدنيوية وليست العداوة الدينية. وأنّ القول الثاني: القبول وهو مذهب الأحناف فقط من أصحاب المذاهب الأربعة واستدلوا على هذا بأنّ العدل لا يمكن أن يحيف ولو مع وجود العداوة لأنّا نفترض فيه العدالة وأنّ الأقرب إن شاء الله أنها لا تقبل وفي ظني أنّ هذا تقدم. لما بيّن المؤلف ﵀ أنّ شهادة الشخص على عدوه لا تقبل انتقل إلى بيان ضابط العدو فقال ﵀ (ومن سره مساءة شخص , أو غمه فرحه فهو عدوه)

стр. 2877

هذا الضابط يعرّفنا بالعدو من غير العدو فكل إنسان يفرح بمضرة شخص ويغتم بفرحه فهو عدو له ومقصودهم إذا كان يظهر هذا الفرح ويرتب عليه آثاره. أما ما يشعر به الإنسان أحيانا من الفرح أو الحزن فهو مرض إذا أصيب أخوه بشيء مفرح اغتم وإذا أصيب بشيء فيه إصابة فرح هذا مرض من أمراض القلوب ولا يعتبر مانع من الشهادة لأنه هذا من الحسد وغالبا لا يظهر على تصرف الإنسان لكن إذا كان يظهر هذا في المجالس وإذا أصيب هذا الشخص بحادث فرح واستبشر وأظهر السرور فهذا عدو بلا شك لأنه لم يفرح بما أصيب به أخوه إلاّ وهو عدوه. فصل هذا الفصل مخصص للكلام عن العدد المشترط بحسب كل قضية. قال ﵀ (ولا يقبل في الزنا والإقرار به إلاّ أربعة) لا يقبل في الشهادة المثبتة للزنا إلاّ شهادة أربعة من الرجال العدول الأحرار والدليل على هذا نص القرآن فإنّ الله قال ﴿لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور/١٣] قال الشيخ العلامة ابن سعدي ﵀ قوله فأولئك عند الله , ولم يقل فأولئك هم الكاذبون. لأنهم عند الله يعني في حكم الله والسبب أنهم كاذبون في حكم الله أنّ الشارع حرّم الكلام بالزنا عن المسلم إلاّ بعد استيفاء العدد فأي كلام قبل استيفاء العدد فهو كذب شرعا وإن وافق الواقع وهذا منه ﵀ استنباط جيد وسبق لكن عبارته كانت محررة. قال ﵀ (ويكفي على من أتى بهيمة رجلان) هذه المسألة ترجع إلى ضابط وهو أنّ كل ذنب لا يوجب حدا بل يوجب تعزيرا فإنه يكتفى فيه برجلين مثل المثال الذي ذكره المؤلف إتيان البهيمة ومثلوا له أيضا بوطء الجارية المشتركة فهذا الضابط في الحقيقة مريح وتدخل تحته المسائل المشابهة ولو كانت عبارة المؤلف عن ضابط لكان أتقن منه مثالا. ثم - قال ﵀ (ويقبل في بقية الحدود والقصاص)

стр. 2878

يعني ويقبل في بقية الحدود والقصاص رجلان. لا يقبل في بقية الحدود عدا الزنا والقصاص إلاّ شهادة رجلين يعني ولا تقبل شهادة رجل وامرأة واستدلوا على هذا بأنّ الحدود مبنية على الدرء بالشبهات ومجرد شهادة المرأة تعتبر شبهة لأنّ المرأة معرضة للخطأ والنسيان كما قال تعالى ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة/٢٨٢] فكأنّ الآية تشير إلى أنه من شأن المرأة النسيان والوهم والغلط ولأجل هذا صارت شهادة المرأة غير مقبولة في الحدود لوجود هذه الشبهة. والقول الثاني: أنّ شهادة امرأتين مع رجل تكفي في الحدود والقصاص واستدل أصحاب هذا القول بالقياس على الأموال وقالوا أنّ ما يعرض للمرأة من وهم نسيان يجبر بالمرأة الأخرى والراجح إن شاء الله المذهب. لأنه فعلا مهما يكن الأمر لما اشترط الشارع في بعض المواضع أن يكون الشاهد من الرجال دل هذا على أنّ المرأة وإن شفعت بامرأة أخرى إلاّ أنها تبقى عرضة للخطأ والنسيان وتحكم العواطف على كل حال إن شاء الله هذا هو الراجح. ثم - قال ﵀ (وما ليس بعقوبة ولا مال ولا يقصد به المال ... الخ) هذه الأشياء التي تتسم بأنها ليست عقوبة ولا مال ولا يقصد بها المال حكمها حكم الشهادة على الحدود والقصاص فالحنابلة يرون أنه أيضا لا يقبل فيها إلاّ رجلان ولا يقبل رجل وامرأة. الدليل ليس عندهم دليل إلاّ القياس على الحدود والقصاص بجامع أنه يطلع عليه الرجال ولا يقصد به المال وهذا صحيح يجمع بين هذه الأمور والحدود والقصاص أنه يطلع عليه الرجال ولا يقصد بها المال.

стр. 2879

القول الثاني: أنّ ما لا يقصد به المال ويطلع الرجال وليس بعقوبة يكتفى فيه برجل وامرأتان يعني تجوز الشهادة برجل وبامرأتين واستدل هؤلاء بالقياس على الأموال أيهما الراجح؟ القول الثاني لأنه يوجد فارق كبير بين الحدود والقصاص وبين هذه الأمور وهو أنها لا تدرأ بالشبهات , في وجه آخر للترجيح وهو أنهم قاسوا هذه الأمور على الحدود والقصاص. والحدود والقصاص فيه خلاف فهذا يضعف القياس لأنك تقيس على أصل متفق عليه أقوى من أن تقيس على أصل مختلف فيه ولهذا لا إشكال إن شاء الله أنه في الطلاق والنكاح يجزئ شهادة رجل وامرأتين لأنه لا يقصد به مال لأنها أور لا يتطلب إسقاطها بالشبهات فهذا هو الراجح إن شاء الله ورجحانه بيّن. يقول الشيخ في القسم الثالث. القسم الأول: الزنا , القسم الثاني: الحدود والقصاص. القسم الثالث: ما ليس بعقوبة ولا مال ولا يقصد به المال. القسم الرابع: ما هو مال أو يقصد به المال. أما قول الشيخ ويقبل في المال. المال مثل القرض والرهن وسائر الديون هذه من الأموال. وقوله ﵀ (وما يقصد به كالبيع .. إلى آخره) ما يقصد به المال كالبيع والإجارة ونحوها ممكن نضبط ما يقصد به المال بأنّ نقول هو جميع العقود المالية فالحقيقة ما يقصد به المال هي العقود لأنه لا يمكن تحصيل المال من خلال عمل إلاّ من خلال العقود التي يقصد بها المال. يقول الشيخ ﵀ (رجلان ورجل وامرأتان) كونه يجزئ رجلان ورجل وامرأتان محل إجماع في الجملة لقوله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة/٢٨٢] وهذه الآية نص في الاكتفاء بالمال وما يقصد به المال بشهادة رجل وامرأتين أو بشهادة رجلين. وهذا كما قلت محل إجماع. ثم - قال ﵀ (أو رجل ويمين المدعي)

стр. 2880

أيّ أنّ الحنابلة يكتفون برجل ويمين وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة والفقهاء السبعة والأئمة الثلاثة وليس بعد هؤلاء أحد واستدل هؤلاء بحديث أبي هريرة أنّ النبي ﷺ قضى بالشاهد ويمين المدعي. واستدلوا بحديث ابن عباس أنّ النبي ﷺ قضى بالشاهد يمين المدعي وحديث ابن عباس بالذات صححه الإمام النسائي فلا إشكال إن شاء الله أنّ هذا المعنى محفوظ عن النبي ﷺ وهو كما ترى نص في المسألة. القول الثاني: وهو للأحناف أنه ليس من البيّنات الشهادة مع يمين المدعي واستدلوا بأمرين: الأمر الأول: أنّ الآية الكريمة حصرت البيّنات في رجلين أو رجل وامرأتين ولم تذكر الشاهد واليمين. الدليل الثاني: أنّ النبي ﷺ قال البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر. وفي اللفظ الثاني. واليمين على المدعى عليه فحصر اليمين على المدعى عليه فلا تكون في جانب المدعي والراجح إن شاء الله بلا إشكال مذهب الجماهير والأئمة ورجحان هذه المسألة مما يقرر القاعدة التي أشرنا إليها مرارا وهي أنّ اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين وهنا قوي جانب المدعي بوجود الشاهد فلما قوي صارت اليمين في جانبه وهذا إن شاء الله كما قلت هو الراجح. قال ﵀ (وما لا يطلع عليه الرجال. كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والثيوبة والحيض والولادة والرضاع والإستهلال) فكل ما لا يطلع عليه إلاّ النساء فإنه يقبل فيه امرأة واحدة عدل واستدل الحنابلة على هذا. أولا هذا محل إجماع في الجملة لم يخالف فيه أحد من الفقهاء. ثانيا الدليل الذي استدلوا به هو حديث عقبة بن الحارث ﵁ أنه تزوج بامرأة فأتت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما. فجاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنّ فلانة وهي أمة سوداء تزعم أنها أرضعتنا فأعرض عنه النبي ﷺ ثم جاء بعد وقال يا رسول الله إنّ فلانة تزعم أنها أرضعتنا. وأردف هذه المرة قائلا ولا أظنها صادقة.

стр. 2881

فالتفت إليه النبي ﷺ وقال كيف وقد زعمت. وهذا الحديث في البخاري ومسلم. واستدلوا أيضا بأنّ الحاجة ماسة للاكتفاء بشهادة المرأة العدل لأنه لا يطلع عليه غالبا إلاّ النساء وأحيانا لا يطلع عليه إلاّ امرأة واحدة وهذا صحيح لأنّ الحديث ظاهر بأنّ النبي ﷺ اكتفى بالرضاع لأنه لا يطلع عليه غالبا إلاّ من النساء بل إلاّ من امرأة واحدة. القول الثاني: مع أنه محكي الإجماع في الأول لكن القول الثاني أنه لا يجزئ إلاّ شهادة امرأتين قياسا على شهادة الرجلين وهو قول ضعيف لأمرين مخالفة الإجماع المحكي. ومخالفة النص الصريح الصحيح. ثم - قال ﵀ (والرجل فيه كالمرأة) يعني وشهادة الرجل في هذه الأمور كشهادة المرأة لأنه إذا اكتفينا بالمرأة فالرجل من باب أولى فلو افترضنا أنّ الرجل شهد بما لا يطلع عليه إلاّ النساء لأنه اطلع فشهادته مقبولة مادام تحققت الشروط الأولى للعدالة والصدق مع الشروط الأخرى. ثم - قال ﵀ (ومن أتى برجل وامرأتين , أو شاهد ويمين , فيما يوجب القود لم يثبت به قود ولا مال) إذا أتى بالبيّنة الشرعية , ومعنى قول الشيخ ﵀ ومن أتى برجل وامرأتين أو شاهد ويمين. في دعوى إثبات قود يعني قصاص فإنه لا يقبل لأنّ القود تقدم معنا أنه يشترط له أن لا يثبت إلاّ بشهادة رجلين ولا يثبت أيضا به المال وجه ذلك أنّ الشهادة تثبت القصاص والمال فرع عن القصاص فإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع. وهذا صحيح باعتبار أنّ المال إنما يكون بدل عن القصاص فإذا لم يثبت القصاص لم يثبت بدله. يقول الشيخ ﵀ (ومن أتى برجل وامرأتين أو شاهد ويمين فيما يوجب القود لم يثبت به قود ولا مال) إذا ما يثبت به شيء فرجل أتى بشاهد عدل قوي الذاكرة ومعه امرأتين كذلك عدول ضابطات يشهدن بقود أو جراح لا يثبت به في الشرع شيء أبدا وإنما يتمكن الحاكم فقط من التعزير لأنه مرّ معنا مرارا أنّ البيّنة إذا كانت ناقصة فهي توجب التعزير دون الحد. ثم - قال ﵀ (وإن أتى بذلك في سرقة ثبت المال دون القطع)

стр. 2882

إذا أتى بذلك يعني برجل وامرأتين أو بشاهد ويمين لكن في مسألة سرقة فإنه يثبت المال دون القطع وجه ذلك أنّ الشهادة على السرقة تثبت القطع وتوجب ضمان المال فإذا قصرت عن القطع لم تقصر عن ضمان المال بخلاف القود فإنه لا يثبت إلاّ شيء واحد. الشهادة لا تثبت إلاّ شيء واحد وهو القصاص وله بدل. أما هنا فمجرد الشهادة تثبت القصاص والضمان في آن واحد فإذا قصرت عن القصاص وإقامة حد القطع فإنها لا تقصر عن الضمان وهذا واضح وهو صحيح. قال ﵀ (وإن أتى بذلك رجل في خلع ثبت له العوض) والإشارة كما مرّ علينا لشهادة رجل وامرأتين أو شاهد ويمين في خلع ثبت له العوض. إذا أتى بهذا في خلع ثبت له العوض لأنه أصبح يطالب بحق مالي وتقدم معنا في كلام المؤلف أنّ الحقوق المالية يكتفى فيها بشهادة رجل وامرأتين إجماعا أو بشهادة رجل واحد ويمين عند الجمهور ولهذا ثبت به الحق المالي وهو الخلع. قال ﵀ (وتثبت البينونة بمجرد دعواه) يعني وليس بالشهادة لماذا؟ لأنه تقدم معنا أنّ الخلع من الأشياء التي يشترط فيها شهادة رجلين فإذا اشترطنا شهادة رجلين فإنه إذا أتى برجل وامرأتين أو برجل ويمين فإنه لا تثبت أحكام الخلع والنكاح وما تعلق به وإنما تثبت الحقوق المالية لكن لماذا يقول الشيخ وتثبت البينونة بمجرد دعواه؟ يقصد بهذا أنّ البينونة تثبت بإقراره لا بهذه الشهادة لأنه إذا طالب بعوض الخلع فقد أقرّ بوقوع الخلع. إذا نحن نثبت البينونة لا بالشهادة ولكن بإقراره وهذا قد يقع فيه بعض الناس اللي يظنون أنه يستطيع أن يطالب بعوض الخلع بدون إثبات الخلع وهو الواقع أنه بمجرد ما يطالب بعوض الخلع سيثبت الخلع مباشرة لأنه أقرّ بوقوعه. مسألة قبل أن نتجاوز هذا وإن ادعت المرأة هي الخلع وأتت برجل وامرأتين أو برجل ويمين فهل يثبت شيء؟ لا يثبت لماذا؟ لأنها لا تطالب بحق مالي وإنما تطالب بالخلع والخلع لا يثبت عند الحنابلة إلاّ بشهادة رجلين تقدم معنا أنّ الراجح أنّ المرأة وهي اليوم لمثل هذا كثير لو أتت برجل وامرأتين فإنه يكتفى بذلك. فصل

стр. 2883

قال ﵀ فصل هذا الفصل في بيان أحكام الشهادة على الشهادة , والشهادة على الشهادة مشروعة بالإجماع لم يخالف في هذا أحد من الفقهاء ودل على مشروعيتها أنّ الحاجة داعية إليها لأنّ شاهد الأصل قد لا يتمكن من أداء شهادته فنكون بحاجة إلى شاهد الفرع ولهذا دل النص والاعتبار على مشروعيتها ومازال الناس يحتاجون إلى شاهد الفرع مع شاهد الأصل. يقول ﵀ (لا تقبل الشهادة على الشهادة إلاّ في حق يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي) كتاب القاضي إلى القاضي يقبل في الأموال وما تقصد به الأموال دون الحدود كما تقدم معنا , وتقدم الخلاف وأنه قلنا أنّ الراجح أنّ كتاب القاضي إلى القاضي مقبول مطلقا فكذلك الشهادة على الشهادة مقيسة عليها وهي مقبولة مطلقا بل ربما نقول إنّ الشهادة على الشهادة أوثق نوعا ما من الكتابة لأنّ الشهادة يشهد بها مكلف عاقل يستحضر بينما الكتابة قد يعتريها ما يعتري الكتابات من الخطأ والسهو والنسيان وعلى كل حال هي مقيسة عليها فهي مقبولة في كل شيء. قال ﵀ (ولا يحكم بها إلاّ أن تتعذر شهادة الأصل) يشترط لقبول الشهادة على الشهادة أن تتعذر شهادة الأصل فإن لم تتعذر شهادة الأصل فشهادة الفرع باطلة واستدلوا على هذا بأنّ شهادة الفرع يعتريها احتمالان: احتمال الخطأ من شاهد الأصل , واحتمال الخطأ من شاهد الفرع وإذا اعتراها احتمالان صارت لا تقبل إلاّ عند الحاجة. والقول الثاني: أنّ الشهادة عل الشهادة مقبولة مطلقا تعذر أو لم يتعذر واستدلوا على هذا بالقياس على حال التعذر قالوا فإذا كنتم تقبلون حال التعذر فاقبلوها بلا تعذر وعلقنا مرارا على الاستدلال بمثل هذا أنه استدلال بمحل النزاع وأنه استدلال خطأ في الحقيقة من وجهة نظري كيف تستدل بمحل النزاع نحن ننازعك أنّ غير محل الحاجة لا يستوي مع محل الحاجة وأنت تقول أقيس محل غير الحاجة على محل الحاجة وهذا فيه إخلال بالمنطق الفقهي والراجح إن شاء الله أنها لا تقبل إلاّ عند الحاجة. ثم بيّن الحاجة لما فصلها. قال ﵀ (إلاّ أن تتعذر شهادة الأصل بموت , أو مرض , أو غيبة مسافة قصر) ذكر المؤلف ثلاث مسائل: الموت والمرض والغيبة.

стр. 2884

أما الموت فهو محل إجماع فيجوز بالإجماع الشهادة إذا تعذرت شهادة الأصل بناء على أنه مات أو لموته فهذا لا إشكال فيه. الثاني: المرض ومسافة القصر فالجماهير ذهبوا إلى أنها عذر لأنّ المرض ومسافة القصر توجب العذر وتمنع مجيء شاهد الأصل والله تعالى ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ [البقرة/٢٨٢] وإلزام المريض ومن يسافر مسافة قصر بالمجيء مضارة بلا إشكال ومن هنا علمنا أنه إذا كان في مسافة دون القصر فإنّ الحنابلة لا يصححون الشهادة على الشهادة لعدم وجود العذر وعلمنا من البحث السابق أنّ الضابط في مشروعية الشهادة على الشهادة هو تعذر مجيء شاهد الأصل لأيّ سبب مرض أو سفر أو كونه يمرض غيره او اشتغل بأمر عاجل يفوت بذهابه إلى المحكمة أو مثل ما يحصل الآن كثيرا أن يكون في وقت امتحانات ما يستطيع يذهب لأنه مشغول بالامتحانات سواء كان في مراحل دنيا أو في مراحل عليا. هذا في الحقيقة عذر لأنه لو ذهب لذهب عليه الأمر أو يكون مشغول بأداء الامتحان ونحن نعلم أنّ كثير من الناس يؤجل أداء الشهادة في أيام الامتحانات لأنه مشغول بالاختبار بل هو يؤجل عمله إذا توجد ملابسات كثيرة تمنع من أداء الأصل للشهادة فإذا وجدت ملابسات صحيحة جاز له أن ينيب عنه آخر. ثم - قال ﵀ (ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلاّ أن يسترعيه شاهد الأصل فيقول اشهد على شهادتي بكذا) من شروط صحة الشهادة على الشهادة الاسترعاء وقد بيّن المؤلف ﵀ ما هو معنى الاسترعاء فيقول أن يقول اشهد على شهادتي بكذا فلا بد أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع اشهد أني اشهد أنّ فلان باع فلان كذا وكذا فإن كان شاهد الأصل يتكلم مع زميل له ويقول أنّ فلان باع على فلان ولم يوجه الكلام إلى شاهد الفرع فإنّ الشهادة لا تصح واستدلوا بأمرين: الأمر الأول: أنه إذا لم يسترعيه ويوجه الخطاب إليه وقع الاحتمال أنه يتكلم بشيء دقيق أو يتكلم بأمر عام ووقع الاحتمال أنه يتكلم عن علم أو عن سماع. الثاني: أنّ الشهادة على الشهادة هي نيابة ويشترط في النيابة إذن المنيب. والمنيب الآن لم يشهد ولم يأذن

стр. 2885

القول الثاني: أنه لا يشترط الاسترعاء بل لو سمع شاهد الفرع شاهد الأصل يتكلم عن عقد من العقود أو عن شيء يشهد به فله أن يشهد واستدلوا على هذا بشهادة المستخفي فإنّ الحنابلة يصححون شهادة المستخفي وشهادة المستخفي هي أن يوجد رجل يقّر في السر ويرفض في العلانية فلصاحب الحق أن يشهد عليه سرا واستخفاء إذا أقرّ في مجالسه الخاصة وهي شهادة صحيحة فقاسوا هذه على هذه ويبدوا لي أنّ الراجح أنه لابد من الاسترعاء لأنّ الاحتمال الذي أشار إليه الحنابلة موجود وفي شهادة الاستخفاء لا يوجد احتمال لأنّ نفترض أنّ هذا الرجل يقّر في السر ويرفض في العلانية فنحن نشهد عليه في السر لنتمكن من الشهادة عليه في العلانية أما أن يسمع رجل يتكلم مع صاحبه بشيء ثم يقول اشهد كثير من الناس إذا كان يتكلم مع غيره لا في سياق الشهادة يتوسع في العبارة وربما أثبت أشياء لو حقق معه فيها لم يثبتها وهذا كثير بل أنت الآن إذا تكلمت مع أحد الناس وقال لك معلومة لو تتثبت منه وتحاصره وجدت أنها غير دقيقة أليس كذلك؟ فالناس يتوسعون في الكلام أنا أقول مذهب الحنابلة في مثل هذا أنه يجب أن يسترعيه وأن يقول اشهد أني أشهد أنّ فلان باع على فلان وإلاّ فإنه لا يجوز له أن يشهد. قال ﵀ (أو يسمعه يقّر بها عند الحاكم أو يعزوها إلى سبب , من قرض , أو بيع , أو نحوه)

стр. 2886

لما ذكر اشتراط الاسترعاء ذكر ما يستثنى منه وما يستثنى هو في صورتين. أن يسمعه يقّر أو يشهد عند الحاكم أو أن يسمعه ينسب الحكم إلى سببه أو الحق إلى سببه. ففي هاتين الصورتين لا يشترط حتى الحنابلة الاسترعاء وجه عدم اشتراطهم هو أنّ الاحتمال انتفى في هذه الصورة أما في مجلس القضاء فهو لن يتكلم إلاّ بما علم وأما إذا ذكر السبب فعلم أنه ضابط وأنه يعزو الأمر إلى سببه. هكذا قال الحنابلة وكلامهم وجيه فيما إذا سمعه في مجلس الحكم وليس بوجيه فيما إذا سمعه بدون استرعاء ولو مع إضافة الحكم إلى سببه لأنّ كثير من الناس أيضا يضيف الحكم إلى السبب فيقول أنّ فلان يطلب فلان لأنه اشترى منه من غير أن يتثبت ففي الحقيقة في باب القضاء ينبغي على الشاهد أن يتثبت ولا يشهد بمجرد أنه سمع فلان يقول أنّ فلان قال باع عليه بإمكان القاضي أن يتجاوز هذه المسألة وأن يطلب من الشاهد أن يتكلم بحسب ما سمع وأن لا يشهد وأن لا يقول أشهد أنّ فلان باع على فلان وإنما يقول ماذا سمعت فلان يتحدث مع فلان ويقول كذا وكذا بهذه الطريقة خرج من أن يكون شاهد شهادة أصلية وفي نفس الوقت نقل ما سمع ليتثبت منه القاضي. قال ﵀ (وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم ينقض) ولا تأخذ العين من المحكوم له السبب في هذا أنه بعد صدور الحكم أصبحت العين المحكوم بها من أملاك المحكوم له وإذا كانت من أملاكه فإنها لا تخرج بمجرد الدعوى بل تحتاج لأحد أمرين: إما بيّنة أو إقرار. والرجوع عن الشهادة ليس بإقرار ولا بيّنة. ولهذا لا يملك أن يأمر أو ان يطلب بنزع العين من صاحبها بعد صدور الحكم ولو رجع وأكذب نفسه.

стр. 2887

والقول الثاني: أنه إذا أكذب نفسه فإنّ الحاكم ينزع العين من المعاطاة إليه ويعطيها صاحب الحق واستدل هؤلاء بأنّ العين إنما أعطيت لصاحبها بناء على الشهادة فإذا بطلت الشهادة يبطل ما بني عليها وهو دفع العين إلى المشهود له. ولما يتبيّن أيهما الراجح ولعله يرجع إلى القاضي يعني في تحديد مثل هذه الأمور لأنه في الحقيقة أحيانا تجزم في بعض الصور بنزع العين وأحيانا تجزم بعدم نزع العين من صور الجزم بعدم نزع العين أنه يوجد كثير بعد صدور الحكم تلمس أنه مورست ضغوط على الشاهد وهذا يعرفه القاضي ويسمع من الناس أنها مورست ضغوط على الشاهد وطولب منه الرجوع مرارا وتكرارا وضغط عليه ثم بناء على هذا الضغط يرجع إلى القاضي وينقض شهادته فمثل هذه الصورة تجزم أنه لا تنزع العين. صورة أخرى إذا رجع شاهد فيه أمارات العدل وبيّن لك لماذا رجع أنه كان واهما وأنه ظنّ أنّ القضية وقعت على الصفة الفلانية وهي لم تقع فمثل هذه الصورة تجزم بالرجوع وأنّ القضية كانت خطأ فالحكم العام في مثل هذه المسألة لا يظهر لي أنه دقيق. قال ﵀ (ويلزمهم الضمان دون من زكاهم) يعني الشهود مع كونهم لا يقبل رجوعهم إلاّ أنه مع ذلك يلزمهم ضمان المال للمشهود عليه وجه ذلك أنّ شهادتهم صارت سببا في نزع العين بغير حق فصار الضمان عليهم. والقول الثاني: أنهم لا يضمنون شيئا لأنه ليس منهم مباشرة للإتلاف وليست لهم يد متعدية والراجح إن شاء الله أنهم يضمنون لأنّ خسارة المشهود عليه لا شك أنها بسببهم. ثم - قال ﵀ (دون من زكاهم) من زكاهم لا يضمن لأنّ من زكاهم إنما زكاهم بحسب الظاهر وأما الباطن فعلمه إلى الله ولا يملك المزكي ولا غير المزكي أن يعرف حقيقة باطن الشاهد ولهذا فهو يعفى عنه ولا يلزم بشيء وإنما الذي يضمن هم الشهود.

стр. 2888

مسألة / كل هذا في إذا رجع الشاهد أما إذا رجع المزكي فإنه يضمن إذا كان متعديا قاصدا ولا يضمن إذا أخطأ بلا قصد ولا تعدي إذا عرفنا الآن الحكم إذا رجع الشهود وكذلك إذا رجع المزكي يجب أن لا تخلط بين رجوع الشهود والكلام عن ضمان المزكي وبين رجوع المزكي والضمان المفترض عليه إذا كان منه تعدي أو تفريط. طيب إذا رجع المزكي ولم يرجع الشهود؟ قال أنا زكيت هؤلاء وهم ليسوا بعدول ويعرف عنهم الكذب؟ وقال الشاهد بل أنا صادق فيما قلت ولم يرجع من يضمن؟ مسألتنا هذه اللي أنا قلتها الأخيرة مفروضة في أي صورة؟ إذا رجع المزكي هي نفس مسألتنا نحن تكلمنا عن رجوع المزكي دون الشهود فإذا رجع المزكي دون الشهود فالشهود على وضعهم وهم يزعمون أنهم صدقوا فيما قالوا ويضمن المزكي. قال ﵀ (وإن حكم بشاهد يمين ثم رجع الشاهد غرم المال كله) إذا حكم بشاهد ويمين ورجع الشاهد فإنه يغرم المال كله هذا من مفردات الحنابلة واستدلوا على هذا بأنه اعتمد في الحكم في الحقيقة على الشاهد وقوته اليمين فالاعتماد الأصلي على الشاهد ولهذا ضمنوه جميع المال. والقول الثاني: أنّ الشاهد يضمن النصف فقط لأنّ الشاهد أحد شقي الحجة فلا يضمن الكل والراجح قول الجمهور والمذهب فيه ضعف وليس بصحيح أنّ العمدة على الشاهد بل القاضي لم يحكم إلاّ بالشاهد واليمين بدليل أنه لو نكل عن اليمين لم يحكم له فقولهم فيه ضعف. باب اليمين في الدعاوى قوله ﵀ (لا يستحلف في العبادات) يعني لا يستحلف في كل ما هو عبادة ولو كانت تستلزم حقا للعباد مثل الزكاة وكفارة اليمين فإذا زعم الساعي أنّ النصاب كامل والحول قد حال وزعم رب المال أنّ النصاب ناقص والحول لم يحول فالقول قول المالك بلا يمين ولو ادعى شخص على شخص أنّ عليه كفارة يمين أو كفارة ظهار أو كفارة قتل خطأ وأنكر المدعى عليه فالقول قوله بلا يمين. القول الثاني: أنه يشترط مع إنكاره اليمين فيما يلزم فيه حقوق للآدمي مثل الزكاة وكفارة اليمين لأنّ كفارة اليمين تصرف في الفقراء

стр. 2889

وكذلك سائر الكفارات والراجح إن شاء الله المذهب لأنّ العبادات المنظور فيها للعبادة لا لنفع الآدميين وإن كان من الحكم نفع الآدميين لكن الأصل فيها العبادة بدليل أنها لا تصح بلا نية فالأقرب إن شاء الله أنه لا يلزم باليمين. ثم - قال ﵀ (ولا في حدود الله) لا تطلب اليمين في حدود الله لأنّ مبناها على الستر ولأنّ المقر بالحدود لو رجع لقبل إقراره فكيف نلزمه باليمين ولو رجع عن الإقرار لقبل رجوعه وهذا هو الراجح إن شاء الله لا يقال للإنسان في الحدود احلف أنك لم تفعل كذا أو احلف أنك كذا لأنه الشارع يتشوف إلى أصلا الستر عليه ودرأ الحد. قال ﵀ (ويستحلف المنكر في كل حق لآدمي) لما بيّن المسائل التي لا استحلاف فيها انتقل إلى المسائل التي فيها استحلاف. يقول ويستحلف المنكر في كل حق لآدمي يقصد مما يطلب فيه المال أو ما يقصد به المال لعموم قول النبي ﷺ لو يعطى الناس بدعواهم لا ادعى أناس أموال قوم ودمائهم. ولكن اليمين على المدعى عليه. فهذا النص صريح في أنه في حقوق الآدميين المالية تتوجه اليمين. ثم - قال ﵀ (إلاّ النكاح , والطلاق , والرجعة , والإيلاء , وأصل الرق والولاء والإستيلاد والنسب والقود والقذف) هذه المسائل يجمعها ضابط واحد [وهي أنّ اليمين في حقوق الآدميين لا تقبل فيما يشترط له شاهدان] فكل ما يشترط له شاهدان لا يقبل فيها اليمين هكذا قرر الحنابلة ودليلهم واضح القياس على الحدود. والقول الثاني: أنّ اليمين تشرع حتى في النكاح والطلاق إلى آخره , ويستحلف وإلى هذا ذهب الشيخ العلامة ابن قدامة واستدلوا بعموم الحديث فإنّ الحديث لم يفرق بين المال وما يقصد به المال وغيره من العقود , وإذا كنا نرجح الاكتفاء بشهادة رجل وامرأتين كذلك يتوجه هنا أن يستحلف حتى في العقود الأخرى كالنكاح والطلاق وغيره. قال ﵀ (واليمين المشروعة: اليمين بالله)

стр. 2890

يعني اليمين المشروعة الواجبة هي أن يقول والله ولا يجب عليه أن يغلظ فيقول والله الذي لا إله إلاّ هو واستدلوا على هذا بأنّ اليمين عند الإطلاق تنصرف إلى القسم بالله بناء عليه لا يستطيع القاضي أن يجبر المدعي على أن يقسم , أن يجبر من توجهت إليه اليمين على أن يغلظ لا باللفظ ولا بالمكان وسيشير المؤلف إليه. قال ﵀ (ولا تغلظ إلاّ فيما له خطر) مقصود المؤلف أنه يشرع ويجوز أن يطلب القاضي بالتغليظ في اليمين لكنها لا تلزم المدعي فلو نكل عن اليمين المغلظة إلاّ اليمين بالله فقط فهو جائز واستدلوا على هذا بأنّ الواجب هو اليمين بالله فلا يطالب بأكثر من الواجب والله تعالى يقول ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا﴾ [المائدة/١٠٦] والآية تكاد تكون نص بالقسم بالله والقول الثاني: أنّ التغليظ مستحب فقط عند الحاجة. والقول الثالث: أنّ التغليظ إذا رآه الإمام فهو واجب فإن نكل عن التغليظ قضي عليه وهذا القول اختاره العلامة المرداوي واختاره شيخ الإسلام وغيرهم من محققي الحنابلة. وهذا القول الأخير لا شك في رجحانه لأنّ نكول المدعي عن تغليظ اليمين لا يظهر له سبب إلاّ أنه مبطل والإنسان قد يجترأ على اليمين المجردة ولا يجترأ على اليمين المغلظة فنكوله عنها دليل على أنه مبطل ولا يقال لعله نكل عنها لتدينه كما فعل ابن عمر ﵁ لماذا؟ لأنّ الدين يمنع عن اليمين المجردة واليمين المغلظة ولو منعه دينه عن اليمين المغلظ لمنعه عن اليمين المجردة ولهذا نقول إن شاء الله لا شك أنّ هذا هو الراجح.

стр. 2891

كتاب الإقرار الدرس (١) من الإقرار قوله ﵀ كتاب الإقرار الإقرار في لغة العرب / هو ثبوت الشيء بعد أن كان متزلزلا. ويقصد به الاعتراف. وأما في الشرع/ فهو الاعتراف بحق للغير في مجلس القضاء والإقرار مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. ثم - قال ﵀ (يصح من مكلف) يعني يشترط له التكليف. والتكليف كما تعلمون هو البلوغ والعقل , أما العقل فهو شرط بالإجماع وأما التمييز فهو شرط عند الجماهير واستثنى الحنابلة منه ما إذا أقرّ بما سمح وأذن له بالتعامل فيه أيّ المميز الذي أذن له بما يأذن له عادة من أنواع التجارات فإذا أقرّ بهذا الذي أذن له فيه صح. والقول الثاني: أنّ المميز لا يقبل إقراره مطلقا لا فيما أذن له ولا فيما لم يأذن له لعموم قول النبي ﷺ رفع القلم عن ثلاثة , والراجح أنّ إقراره إن شاء الله مقبول فيما أذن له لأنّ الشارع إذا دلت أدلته على أنه يأذن له أن يتصرف فكذلك ينبغي أن يقبل منه الإقرار. ثم - قال ﵀ (مختار) الاختيار شرط بالإجماع لقول النبي ﷺ عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. فهو لا شك شرط صحيح بل إنّ الإكراه مناقض تماما للإقرار لأنّ الإقرار هو أن يقرّ من نفسه ومن دوافع شرعية داخلية بحق الآخرين فهو يناقض تماما الإكراه ولهذا صار محل إجماع. ثم - قال ﵀ (غير محجور عليه) المحجور عليه إما أن يحجر عليه لسفه , أو أن يحجر عليه لفلس كما تقدم معنا والمحجور عليه لا يقبل منه الإقرار مطلقا عند الحنابلة وتقدم معنا أنّ المحجور عليه لفلس الراجح أنه يقبل منه إذا أقرّ بدين بشرط أن يأتي ببيّنة أو أن تدل القرائن ولو لم توجد بيّنة وكذلك المحجور عليه لسفه يقبل إقراره ولكن لا يؤاخذ إلاّ بعد فك الحجر فالصحيح أنّ المنع مطلقا ضعيف والجواز مطلقا ضعيف والصواب هو هذا التفصيل. ثم - قال ﵀ (ولا يصح من مكره) يعني أحيانا الحنابلة يكررون وأي فرق بين قوله مختار ومكره. لكن غالبا إنما يأتون بالشيء المكرر ليبني عليه ما بعده ولكن مع ذلك في الحقيقة هو غير مقبول لأنه تكرار ليس له فائدة واضحة. إذن قوله ولا يصح من مكره تقدم وهو محل إجماع. قال ﵀ (وإن اكره على وزن مال فباع ملكه لذلك صح)

стр. 2892

إذا أكره على وزن مال يعني اكره على أن يسلم مال ثم ذهب ليبيع بيته ليسلم هذا المال فالبيع الثاني صحيح لأنه لم يكره عليه وإنما أكره على دفع المال. ولكن الحنابلة مع هذا يرون أنّ الشراء منه مكروه وإن صح لأنه من الشراء من المضطر ولأنّ فيه تقوية للمكره واستدلوا بدليل ثالث وهو الخلاف في صحة بيعه. والقول الثاني: أنه لا يكره لأنّ في القول بكراهيته إدخال المشقة والضيق والعنت على المكره إذ كيف سيوفر المال وقد امتنع الناس من الشراء منه والراجح. الآن صحة الشراء محل إجماع؟ الخلاف هل يكره أو لا؟ هل يجوز الشراء من المضطر؟ هل نقول للناس لا تشتروا منه حتى يرتدع الغاصب أو نقول اشتروا منه؟ أنه نفرق ودائما قاعدة في باب القضاء والمعاملات لو تأملت في مسائل كثيرة التعميم غير دقيق كونك تقول نحكم بكذا ونحكم بكذا والمعمم نفسه من قال أنه ينبغي الشراء سيأتي في بعض الصور ويقول لا تشتروا منه أليس كذلك؟ إذن التعميم دائما وما ذكره هو من وجهة نظري الراجح واليوم توجد صور لما امتنع من السراق أو من الشراء منهم تركوا هذا الجانب لأنه رأوا أنّ الناس لا يشترون منهم. ثم - قال ﵀ (وإن أقرّ في مرضه بشيء فكإقراره في صحته إلاّ في إقراره بالمال لوارث فلا يقبل) الإقرار ينقسم إلى قسمين: إما أن يقر بمال أو بغير مال. فإنّ أقرّ بغير المال ولو في مرض موته المخوف صح بالإجماع , وإن أقرّ بمال فينقسم إلى قسمين: إما أن يقر بمال لوارث أو لغير وارث فإنّ أقرّ بمال لغير وارث صح عند جماهير الأمة وحكي إجماعا واستدلوا على هذا بعدم التهمة وإن أقرّ في مرض موته المخوف لوارث وهي مسألة الكتاب فالجماهير يرون أنه لا يصح إقراره لأنه متهم بمحاباة هذا الوارث. والقول الثاني: أنّ إقراره في مرض موته المخوف ولو لوارث صحيح قياسا على حال على الصحة.

стр. 2893

والقول الثالث والأخير: أنه إذا أقرّ لوارث صح إذا لم توجد تهمة وبطل إذا وجدت تهمة وهذا مذهب الإمام مالك ﵀ وهو غاية في الجودة والإتقان وتحصيل المصالح للمقر له وللمقِر ومن أكثر صور انتفاء التهمة أن يشفع المقِر إقراره بسبب الإقرار كأن يقول له عليّ كذا ثمن هذه السيارة ونحن نعلم أنّ هذه السيارة ملك للمُقر له أو كانت ملك للمقر له , أو أن يكون سبب لهذا البيت أو سبب لهذه السلعة المهم أن يبيّن السبب إذا بيّن السبب انتفت التهمة ومن صور انتفاء التهمة أن لا يظنّ بهذا الرجل أبدا أنه يريد محاباة هذا الوارث ومن صور إثبات التهمة أن يقرّ لوارث صغير مريض هنا يتهم أو لا يتهم؟ يتهم لأنه يغلب على الظنّ أنه أراد أن يحابيه فهذا القول الراجح إن شاء الله. قال ﵀ (وإن أقرّ لامرأته بالصداق فلها مهر المثل بالزوجية لا بالإقرار) إذا أقرّ لها بالصداق فلها مهر المثل بالزوجية لا بإقراره يعني أننا إنما استفدنا من إقراره أنه زوج والزوجية تقتضي المهر ولهذا لم نعطيها إلاّ ماذا؟ مهر المثل لأنّا استفدنا من الإقرار أنها زوجية فلا نأخذ قيمة الإقرار وإنما نأخذ مقتضى الزوجية. ومقتضى الزوجية هو ماذا؟ مهر المثل. والقول الثاني: أنه لا يقبل مطلقا لأنّ هذا من الإقرار لوارث. والقول الثالث: أنه يقبل وأنها تأخذ الصداق بالإقرار لا بالزوجية والراجح المذهب. والقول بعدم قبول الإقرار جملة وتفصيلا أيضا قوي لأنه يغلب على الذهن أنّ الإنسان إذا أقر لزوجته في مرض موته المخوف غالبا أنه فيه تهمة ومراعاة لها وعطف عليها وأنه يخشى بعد أن يموت أن تهمل إلى آخره. لكن نقول قول الحنابلة أنه يعطى بهذا المقدار مهر المثل لأنه تبيّن أنه لم يعطيها المهر بمقتضى الزوجية فهذا وسط إن شاء الله. قال ﵀ (وإن أقرّ أنه كان أبانها في صحته لم يسقط إرثها)

стр. 2894

إذا أقرّ في مرض موته المخوف أنه أبانها في صحته لم يسقط الإرث بلا إشكال لأنه متهم أنه أراد منعها من الإرث بشكل واضح بدليل أنه أخر الإقرار إلى مرض موته المخوف وظاهر كلام الحنابلة أنه ولو دلت القرائن على أنه أبانها فإنه ربما تدل القرائن على ذلك بأن يكون كل من الزوجين انفصل لمدة طويلة لسنين ثم أراد أن يخبر في مرض موته أنها ليست بزوجة , يعني إن دلت القرائن فيحتمل أن يقبل قوله. وهل يقبل في مرض موته المخوف إذا أتى ببيّنة ولا نقول أنت متهم؟ أنتم يا إخوان أخذتم في أول باب القضاء أنه يجب على القاضي أن يحكم بالبيّنة مطلقا إذا وجدت البيّنة في أي صورة من الصور فإنه يحكم بها مادام بيّنة ونحن إذا قلنا بيّنة يعني أنها مكتملة الشروط فلا يأتي في ذهنك أنه ربما يكذب الشاهد ربما لا يكون دقيق نحن نقول بيّنة والبيّنة الشرعية هي المكتملة الشروط فإذا سئلت عن قضية البيّنة لا تردد في أنّ القاضي يحكم بمقتضى البيّنة. قال ﵀ (وإن أقرّ لوارث فصار عند الموت أجنبيا لم يلزم إقراره لأنه باطل) إذن العبرة في الإقرار بوقت الإقرار لا بوقت الموت عكس الوصية. العبرة في الوصية بالموت لا بوقت صدور الوصية. هنا العبرة بوقت الإقرار لماذا؟ لأنّ تعليل إبطال أو تصحيح الإقرار يقوم على التهمة والتهمة إنما تعرف في وقت الإقرار لا في وقت الموت فإذا أقر له وهو وارث ثم صار حين الموت أجنبيا فلا يستحق شيء لماذا؟ لأناّ تبيّنا أنّ هذا الإقرار شرعا باطل وقد يتوهم كثير من الناس أنه مستحق للإقرار باعتباره أنه الآن أجنبي وهذا خطأ لأنّ الإقرار عقد من العقود الشرعية يصح تارة ويبطل تارة أخرى نحن نقول أنّ الإقرار هنا باطل فلا يترتب عليه أثر. إذن تقرر معنا الآن أنّ الاعتبار بحال الإقرار لا بحال الموت لما قرر هذا المبدأ فرع عليه أيضا بعكس الصورة. قال ﵀ (وإن أقرّ لغير وارث أو أعطاه صح وإن صار عند الموت وراثا) إذن إذا أقرّ لغير وارث ثم صار عند الموت وارثا فإنّ الإقرار صحيح لأنه حال صدوره صح شرعا واستوفى الشروط وهذا ينبني على القاعدة الأولى أنّ الاعتبار بحال الإقرار لا بحال الموت. يقول ﵀ (أو أعطاه)

стр. 2895

أفادنا المؤلف أنّ العطية أيضا كالإقرار والاعتبار فيها بحال الإعطاء لا بحال الموت. والقول الثاني: أنّ العطية كالوصية الاعتبار فيها بحال الموت. وهذه المسألة الراجح فيها أنّ العطية كالوصية وليست كالإقرار لأنه هنا لا يأتي معنا مسألة التهمة. التهمة في الإقرار لأنّ الإقرار عقد ملزم بخلاف العطية فسيعطى المعطى بحسب الشروط فإذا كانت حكمها حكم الوصية فلا وصية لوارث وتأخذ الشروط المذكورة للوصية ولهذا هي في الحقيقة أقرب للوصية منها للإقرار لأنّ طبيعة الإقرار أمر ملزم فهو حق أصلي للمقر له بخلاف العطية فيجب أن لا يعطى من أعطيها إلاّ إذا استوفى الشروط ولهذا الأقرب أنه تحلق بالوصية كما أنّ ذكرها هنا غير مناسب بل المناسب أن تذكر في باب العطية مادام أنّ المؤلف خصص باب كامل للعطية فكان الواجب أن يبيّن هل العطية الضابط فيها حال الإعطاء أو حال الموت والغريب أنه بيّنه هنا ولم يبيّنه في بابه الخاص.

стр. 2896

الدرس: (٢) من الإقرار قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف ﵀ (وإن أقرّت امرأة على نفسها بنكاح ولم يدعه اثنان قبُل) إذا أقرّت المرأة على نفسها بأنها زوجة لفلان قبل لأنها تقر بحق عليها باعتبار أنّ النكاح عند الحنابلة من حقوق الزوج فيكون اعترافها بالنكاح كاعترافها بالمال فيقبل لهذا الأمر. والقول الثاني: أنه لا يقبل لأنّ اعترافها بالنكاح يتضمن الدعوى بالنفقة والميراث فيتضمن بناء على هذا حقا لها فلا يقبل. ثم - قال ﵀ (ولم يدعه اثنان قُبل)

стр. 2897

مفهوم عبارة المؤلف أنه إذا ادعاه اثنان فإنه لا يقبل واعترض الشارح الشيخ منصور ﵀ على الماتن بأنه خالف المذهب لأنّ المذهب أنه يقبل واعتمد في هذا على ما في المنتهى وشرحه. والصواب أنّ ما في المنتهى وشرحه يختلف عن مسألتنا لأنّ الذي في المنتهى إذا ادعاه اثنان فقبلت وأقرّت لهما هذه هي مسألة المنتهى أما مسألتنا فهي أن يدعي لواحد وتقرّ لواحد. وفرق بين أن يدعيه واحد وأن يدعيه اثنان ولهذا نقول أنّ الأقرب أنّ المؤلف هنا مسألته غير مسألة المنتهى التي أشار إليها الشيخ منصور. يبقى إذا كانت مسألة المنتهى غير مسألة الزاد بقينا في مسألة أخرى هل يعتبر المؤلف خالف المذهب في هذه المسألة. المذهب ليس فيه نص صريح على هذه المسألة لكن يفهم منه من عموم إطلاق الحنابلة الجواز مطلقا خلاف لما ذكره المؤلف وهذا كما قلت يفهم من إطلاقات الحنابلة ولا يوجد منصوص بخلاف ما أشار إليه الشيخ منصور أنّ كلام المؤلف يخالف منصوص ما في المنتهى وشرحه هذا ليس بصحيح. ثم - قال ﵀ (وإن أقرّ وليها المجبر بالنكاح صح) صح إقراره لأنّ المرأة في حال الإجبار لقول لها , وإذا لم يكن لها قول صار قول وليها هو المعتمد فصار إقراره كإقرارها. ثم - قال ﵀ (أو الذي أذنت له) إذا أذنت المرأة للزوج بأن يزوجها فلما أذنت أقرّ أنه زوجها صح إقراره لأنه مبني على إذنها واستدل الحنابلة على هذا بأنه يملك أصل التزويج فيملك الإقرار به وهذا صحيح وفهم من كلام المؤلف أنها إذا لم تقرّ أنها أذنت له فإقراره ليس بصحيح وهو كذلك إقراره بدون إذن لا عبرة ولا قيمة له شرعا إنما يكون له قيمة إذا كانت أذنت له فتبيّن معنا أنّ إقرار الولي يكون صحيحا ومعتبرا في صورتين. الأولى: أن تكون المرأة مجبرة. وهو مجبرا. الصورة الثانية: إذا أذنت له في النكاح بمجرد الإذن بالنكاح يصح الإقرار. ثم - قال ﵀ (وإن أقرّ بنسب صغير أو مجنون مجهول النسب وأنه ابنه ثبت نسبه منه ...... إلى آخره) إذا أقرّ الإنسان بنسب شخص آخر فإنّ الإقرار صحيح والمقر به أي الولد ينسب إلى المُقِر بشروط:

стр. 2898

الشرط الأول: أن يكون مجهول النسب. فإن كان معلوم النسب فإنّ الإقرار باطل لأنّ النبي ﷺ لعن من انتسب إلى غير أبيه. الشرط الثاني: أن يمكن نسبة هذا الولد إلى المقُِر يعني من حيث السن والأصل أنّ الشرط عام أن يمكن نسبة هذا الولد للأب من حيث السن أو من حيث غيره مثل أن يقّر شخص بولد وبينهما آلاف الكيلوات ولم يلتقيا يوما من الزمن فإنّ مثل هذا لا يقر بإقراره لأنه لا يمكن أن يكون ابنه لعدم التلاقي. الشرط الثالث: أن لا يكون مكلفا فإن كان مكلفا فلا نقول الإقرار باطل بل يشترط صحة ورضا المقر به فإذا أقرّ بمن له خمسة عشر سنة؟ لا نقول صحيح ولا غير صحيح وإنما نقول موقوف فإن رضي المقر به وإلاّ صار باطلا إذا اكتملت هذه الشروط الثلاث صحت نسبة الولد لهذا المقر لأنّ الشارع يتشوف إلى إثبات النسب وإلحاق الأولاد بآبائهم. ثم - قال ﵀ (فإن كان ميتا ورثه) نص المؤلف على هذه المسألة لأنها محل خلاف وإلاّ فالأصل أنه بمجرد ما تقول يصح النسبة يتبعها هذا الإرث ذهب الحنابلة إلى صحة الإقرار وأنه يستحق الإرث واستدلوا على هذا بأنّ الإرث فرع لثبوت النسب فإذا ثبت الأصل ثبت الفرع إذ يمتنع عقلا أن تثبت الأصل وتنفي الفرع. القول الثاني: أنّ النسب يثبت والإرث لا يثبت لأنّ من أقرّ بميت فالتهمة في حقه كبيرة وإلى هذا مال المرداوي. القول الثالث: أنّ النسب لا يثبت ولا الإرث لأنه لما أقرّ به بعد الموت صارت أيضا كبيرة فلم نثبت بهذا الإقرار شيء والراجح إن شاء الله بلا إشكال ما اختاره المرداوي. وهو القول الثاني أناّ نثبت النسب ولا نثبت الإرث. ثم - قال ﵀ (وإذا ادعى على شخص بشيء فصدقه صح) في المقنع قبل هذه المسألة بوّب الشيخ ابن قدامة باب ما يحصل به الإقرار وهو تبويب مفيد جدا ولو أنّ المؤلف ذكره لكان أنفع لأنه يبيّن بماذا يكون الإقرار لكن لعله رأى أنه مسألة واحدة لا تستحق لا التبويب ولا أن يوضع لها فصل خاص. الإقرار يصح بأن يصدقه فإذا صدقه فقد صح الإقرار وهذا معنى قول الشيخ (وإذا ادعى على شخص بشيء فصدقه صح) فإذا قال أنا أطلب زيد مئة ألف. فقال زيد صدق فإنه صح الإقرار بهذا اللفظ.

стр. 2899

الصورة الثانية: الإنكار أن يقول أنا أطلب زيد مئة ألف فيقول كذب. أو يقول لا يطلبني شيء. الصورة الثالثة: العبارات التي لا تفيد هذا ولا هذا كأن ينكر فإذا قال زيد أنا أطلب عمرو مئة ألف وقال عمرو أنا أنكر هذا هذه العبارة لا تعتبر رفض ولا قبول وإنما وسط واستدل الفقهاء على هذا بأنه يوجد مرحلة بين الإنكار والقبول هي السكوت. واستدلوا بأمر آخر أقوى من هذا وهو أنه يصح أن تقول أنا لا أنكر ولا أقرّ أليس كذلك؟ ألاّ يصح أن تقول هذه العبارة إذن معناه إذا قلت أنت أنا لا أنكر ولا أقرّ إذا أنت تسكت في الوسط. فصح نفي القبول ونفي الإنكار في لفظ واحد فدل على أن الإنكار مرحلة بين القبول والرفض. والقول الثاني: أنّ الإنكار رفض وهو أنه إذا قال أنا أنكر فإنه لا يثبت عليه شيء والأقرب والله أعلم أنه يرجع إلى العرف. واليوم الإنكار في العرف أقوى من قوله لا يطلبني شيء أليس كذلك؟ إذا قال أنا أنكر فهذا اللفظ أقوى من قوله لا يطلبني شيء فإذا أردنا في عرفنا اليوم نعتبر الإنكار رفض وليس بتوسط. فصل قال المؤلف ﵀ فصل إذا وصل هذا الفصل لبيان حكم ما يوصل بالإقرار مما يغيره هل يعتبر أو لا يعتبر ففي صور يعتبر وفي صور لا يعتبر وبدأ الشيخ بالصور التي لا يعتبر فيها. يقول ﵀ (إذا وصل بإقراره ما يسقطه مثل أن يقول له: عليّ ألف لا تلزمني ونحوه لزمه الألف) إذا قال له عليّ ألف لا يلزمني فإناّ نقبل الجزء الأول من كلامه ونرد الجزء الثاني من كلامه واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول: أنّ الجزء الثاني يتضمن نفي الجزء الأول فبينهما تنافي وتعارض فلا نقبل الجزء الثاني لمنافته للجزء الأول. الدليل الثاني: القياس على ما لو استثنى الكل فلو قال هو يطلبني ألف إلاّ ألف فإنه تقدم معنا أنّ استثناء الكل باطل. الدليل الثالث: أنّ فحوى هذا الكلام وجود إقرار ودعوى فالإقرار يقبل والدعوى ترد إلى أن يقيم عليها بيّنة استدلوا بهذه الثلاث أدلة وقول الشيخ لا يلزمني ونحوه مثل أن يقول له عليّ ألف ولكنها قيمة خمر أو قيمة كلب أو قيمة ميتة أو دم. الكل يرد لأنّ في إقراره ونفيه الثاني بينهما تعارض.

стр. 2900

القول الثاني: التفصيل وهو أنه إن قال له عليّ ألف قيمة خمر قبل وإن قال له عليّ ألف لا يلزمني لم يقبل لأنه في الصورة الأولى لا يوجد تنافي له عليه ألف لكن سببها أنها قيمة خمر وفي الصورة الثانية يوجد تنافي حيث أقرّ ثم نفى. والإقرار والنفي لا يجتمعان هكذا وجدت الأقوال في هذه المسألة ولو قيل بقول ثالث. أنه لا يلزمه مطلقا لأنه إنما أقرّ بألف لا تلزمه هو لم يقرّ بألف مطلقا وإنما أقرّ بألف من صفتها أنها تلزمه لو قيل بهذا لكان وجيه وبدل أن يتحايل كثير من الناس على الإقرار ثم النفي إذا عرف أنه إذا أقرّ لم يقبل منه النفي بأن ينفي وينكر الدعوى من أصلها ويتأول أنه لا يطلبه بسبب القضاء بدل هذا لوقيل يقبل منه هذا لكان وجيها. لكن جمهور الفقهاء أنّ عبارة عليّ ألف لا يلزمني تقتضي وجوب الألف والمطالبة بالبيّنة على قوله لا يلزمني. قال ﵀ (وإن قال: كان له عليّ وقضيته فقوله بيمينه) إذا قال الإنسان كان له عليّ فقضيته صح الإقرار والنفي لأنه ليس بين الإقرار والنفي تعارض ولا تنافي وجه ذلك أنه يقول كان ولم يقل له عليّ ومعلوم أنه إذا أخبر بأنه قد كان عليه ثم قضي فإنه لا يوجد تعارض بين الأمرين. والقول الثاني: أنه في هذه الصورة لا يقبل أيضا ويلزم بالبيّنة أو يثبت الألف في ذمته لأنّ بين الإقرار والنفي تعارض فلا يقبل. والراجح هنا بلا إشكال المذهب كيف ونحن نميل في المسألة الأولى أنه لا يلزمه فهم من كلام المؤلف أنه لو قال له عليّ وقضيته لا يقبل إن أسقط كان ومن هنا تعلم أنّ النسخة التي ليس فيها كان لا يعتبر من اختلاف النسخ وإنما يعتبر خطأ فإثبات كان مع اختلاف النسخ يتحتم وتركها مهما كانت النسخة التي ليست فيها كان هي الأصل تركها خطأ لأنّ المعنى ينتقض من أصله. ثم - قال ﵀ (ما لم تكن بيّنة) يعني إذا كانت عليه بيّنة بهذه الألف فإنه لا ينفعه أن يقول كان له عليّ ألف فقضيته مادام الدين ثبت ببيّنة فإنه لا يرتفع بقول المدعي فقضيته وتقدم معنا أنّ البيّنة تقضي على كل شيء صاحب البيّنة الصحيح أنه مقدم على غيره. ثم - قال ﵀ (أو يعترف بسبب الحق)

стр. 2901

إذا اعترف بسبب الحق فقال كان له عليّ ألف ثمن سيارة فقضيته أو قال كان له عليّ ألف قرض فقضيته الآن بيّن الحق وسبب الحق والقاعدة عند الحنابلة أنه إذا بيّن الحق وسببه فإنه لا يقبل منه دعوى القضاء والراجح أنه يقبل منه ولو بيّن السبب وسبب الترجيح أنه من المعلوم أنّ أي حق لا يثبت إلاّ بسبب فكونه يصرح بالسبب أو لا يصرح لا يخرج القضية ولا يغيرها عن حقيقتها فنحن نقول صرح أو لم يصرح فإنه إذا قال كان ثم زعم أنه قضى فإنه يعتبر قضى. قال ﵀ (وإن قال له عليّ مائة ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه ثم قال زيوفا أو مؤجلة لزمه مائة جيدة حالة) السبب في هذا أنّ الأصل في إطلاق الاسم الحلول والكمال فلما أطلق علمنا أنها ثبتت في ذمته حالة كاملة جيدة غير معيبة. وأما قوله بعد ذلك زيوفا أو مؤجلة فإنه لا يعتبر شيئا لأنه لم يتصل وإذا لم يتصل فهو ملغى. والفصل يكون بأحد أمرين: إما أن يسكت سكوتا يمكنه فيه الكلام أو أن يتكلم بموضوع آخر. وقولهم يمكنه فيه الكلام. يعني أنه لو سكت سكوتا لا يمكنه فيه الكلام مثل أن يسكت ليشرب أو يسكت ليكح أو يسكت ليوجه أمر ضروري في بيته إلى آخره إذا كان سكوتا لا يتمكن معه من الكلام فإنه لا يعتبر كلاما منفصلا. أما إذا فصل الكلام فإنه لا يعتبر فإذا جلس وقال له علي ألف فلما مضت ساعة قال زيوفا مؤجلة فإنه لا يقبل منه لأنّ هذا الاستثناء ملغي. قال ﵀ (وإن أقرّ بدين مؤجل فأنكر المقر له الأجل فقول المقر مع يمينه) يعني بكلام متصل فإنه لا يلزمه إلاّ مؤجلا واستدلوا على هذا بأنه إنما اعترف بدين من صفته أنه مؤجل والفرق بين هذه المسألة وبين قوله له عليّ ألف لا تلزمني. أنّ التأجيل لا يتنافى مع الدين أليس كذلك. بينما زعم القضاء يتنافى تماما مع وجوب الدين في ذمة المقر ولهذا رأوا أنه لا يلزمه ويكون القول قول المقر لكن مع يمينه.

стр. 2902

والقول الثاني: أنها تلزمه حالة واستدلوا على هذا بأنّ التأجيل يمنع من استيفاء الحق حالا وهذا الدليل من جنس الأدلة التي تقدمت معنا والتي قلنا فيها أنها استدلال بمحل النزاع. نحن نقول هل يملك التأجيل وهم يقولون لا يملك التأجيل لأنها لا بد أن تكون حالة كيف لا بد أن تكون حالة نحن ننازع في هذه القضية ونقول هو أقرّ بها مؤجلة هذا شيء والشيء الثاني أنّ تعليل الحنابلة في هذه المسألة وإن كنت قلت ونبهت إلى أنّ له عليّ ألف مؤجلة تختلف عن له عليّ ألف لا تلزمني من حيث التعارض إلاّ أنها تشبهها من حيث أنه اعترف بها بصفة معينة وقبلنا الاعتراض بصفة بحسب ما ورد في لفظ المقر يعني بالصفة التي قيد بها المقر المبلغ اللازم له في ذمته وهذا يؤيد القول الذي أشرت إليه إن كان قيل به أنه لا يلزمه إذا قال له عليّ ألف لا تلزمني لأنه أقر بألف وصفها بكونها لا تلزمه. قال ﵀ (وإن أقرّ أنه وهب أو رهن وأقبض , أو أقرّ بقبض ثمن أو غيره ثم أنكر القبض ولم يجحد الإقرار وسأل إحلاف خصمه فله ذلك) هذه ثلاثة مسائل ثم أنكر القبض يعني ولم ينكر أصل العقد ولم يجحد الإقرار أيضا بأنه أقرّ بأصل العقد وأقرّ أنه قبض وسأل إحلاف خصمه فله ذلك. صورة المسألة: أن يقر فيما سبق أو في مجلس الحكم أو عند الناس أنه قبض الرهن والمن والهبة يقر ثم بعد ذلك ينكر ويقول أنا أقررت فهنا أقرّ بإقراره أنا أقررت أني قبضت الثمن لكن في الواقع لم أقبض الثمن هنا جعل له الحنابلة الحق في شيء واحد وهو أنه يملك طلب اليمين من المدعى عليه فيقول اطلب يمينه أنه أقبضني قيمة السلعة أو الرهن أو الهبة إلى آخره. له الحق في المطالبة باليمين واستدلوا على هذا بأنه جرى العرف كثيرا أن يتقدم إقرار على قبض وإذا كان هذا عرف جاري صار ما قاله المدعي محتمل وإذا كان محتملا مقبولا صدقناه في طلب اليمين من المدعى عليه.

стр. 2903

والقول الثاني: أن قوله أنه أقرّ أنه قبض وإنكاره القبض بعد هذا إقرار ودعوى فنقبل الإقرار ونرد الدعوى إلاّ ببيّنة والراجح بلا إشكال المذهب وهو اختيار العلامة ابن قدامة وشيخ الإسلام بن تيمية وغيرهم من المحققين. ويتأكد هذا في زمننا هذا يتأكد جدا ومن لم يحكم به فقد خالف العرف في الحقيقة اليوم مثلا كُتَاب العدل لا يكتبون المبايعة إلاّ بعد الإقرار بقبض الثمن فتسعين بالمئة من المبايعات التي تتم بدون قبض ثمن تثبت في صك كُتَاب العدل مقبوضة الثمن لا يرضى أصلا أن يتمم الكتابة إلاّ إذا أقرّيت أنك فعوام الناس وكثير منهم في المجلس حتى لا يضيع عليه الوقت يقرّ أنه قبض وهو في الواقع لم يقبض فيتوجه جدا أن يحسن القاضي أنّ هذا أمر واقع وأنّ كثيرا من الناس يقر بالقبض وهو لم يقبض فأقلّ ما يستحق هو طلب اليمين من المدعى عليه على أنّ القاضي الفطن لأظنه أنه يكتفي بطلب اليمين مع علمه المتعين أنّ هذا الشخص لم يقبض وأنه جرى كثيرا أن يقر بالقبض بدون أن يقبض. ولهذا نقول لا شك في رجحان المذهب وهو أقّل حقوق المقر في هذه الصورة نحن نتكلم عن صورة معيّنة. قال ﵀ (وإن باع أو وهبه , أو أعتقه ثم أقرّ أنّ ذلك كان لغيره لم يقبل قوله ولم ينفسخ البيع ولا غيره) أي يترتب على هذا حكمان: لم يقبل قوله ولم ينفسخ البيع وهذه المسألة ترجع لقاعدة مرت معنا مرارا في كتاب البيوع والقضاء وهو أنه لا يقبل إقرار الشخص على غيره. صورة أنّ هذا الإقرار هو أنه إقرار على غيره أنه بمجرد ما تم العقد فإنّ السلعة تعتبر ملك من أملاك المشتري فإذا أقرّ هذا الإقرار فهو يقرّ على غيره فلا نقبل هذا الإقرار وتبقى السلعة في ملك المشتري ولا يفسخ العقد ولكن مع ذلك حفظ الحنابلة صاحب السلعة كما يلي: قال ﵀ (ولزمته غرامته)

стр. 2904

للمقر له. المقر له تلزمه الغرامة دون السلعة فنقول أنت أقررت أنّ هذه السلعة لفلان بعد ما بعتها فتبقى السلعة في يد المشتري وعليك أن تدفع ثمن السلعة إلى المقر له الذي تزعم أنت أنّ السلعة ملك له في هذا في الحقيقة عدل وإنصاف ولكن يشكل عليه شيء واحد وهو أنه دائما ما تكون السلعة أهم بكثير من قيمة السلعة وربما كانت السلعة لا يمكن تعويضها بالثمن الذي أعطي للمقر له فمن هذا في الحقيقة يدخل خلل على مثل هذا الحكم وهي مشكلة ولم أجد فيها أقوال بحيث أنّ الإنسان يتفقه فيها ويختار قولا يحصل فيه العدل لكن لو قيل أنّ القاضي أيضا له نظر في مثل هذه المسائل وله تصرف فإذا رأى وعلم أنّ من شأن هذا البائع أن يسرق ويختلس ويغتصب وأنّ هذه السلعة تناسب المقر له فلا يوجد من وجهة نظري مانع من قبض العين من المشتري وإرجاعها إلى المالك الأصلي وتعويض المشتري لا البائع. لأنه تبيّن معنا الآن أنّ العقد ورد على سلعة غير مملوكة للبائع والنبي ﷺ نهى عن بيع ما لم يملك. وأصبح العقد باطل فما دمنا نصدق هذا الإقرار ونرى أنه إقرار صحيح فيبدوا لي أنّ هذا التصرف أقرب للعدل بكثير من أن نقر السلعة في يد المشتري ونبذل العوض للمقر له هذا في مثل هذه الصورة يوجد صور أخرى يتحتم أن نفعل كما قال المؤلف وذلك إذا تبيّن للقاضي أنّ هذا كله حيلة لاسترداد السلعة فبعض الناس بعد أن يبيع السلعة يندم ولا يجد طريقة لاسترداد السلعة إلاّ أن يزعم لفلان حتى ينتقض العقد. ففي مثل هذه الصورة يتوجه ما قال المؤلف ونقول السلعة تبقى عند المشتري وأنت أيها المقر عوّض المقر له عن قيمة هذه السلعة. وهذا يؤكد ما تقدم معنا مرارا أنّ الأحكام الفقهية بالنسبة للقاضي ليست قوالب يحكم بها دائما على ما جاءته وإنما يحتاج أن يكون عنده نوع من النظر والتصرف. قال ﵀ (وإن قال: لم يكن ملكي ثم ملكته بعد وأقام بيّنة قبلت) يقصد بعد بالبيع أو الهبة أو العتق ثم إذا أقام بيّنة على هذا الزعم قبلت لما تقدم معنا أنّ البيّنة مقبولة دائما وأنها إنما وضعها الشارع لإثبات الحق لأصحابه فإذا أتى ببيّنة قبلت وهذا واضح.

стр. 2905

قال ﵀ (إلاّ أن يكون قد أقرّ أنه ملكه أو أنه قبض ثمن ملكه لم يقبل) يستثنى مما سبق إذا أقرّ في ضمن الإقرار الأول أنها ملكه يعني إذا باعها وقال وهي ملكي بعت عليك ملكي أو قال قبضت ثمن ملكي حينئذ أقرّ أنها ملكه فصار الإقرار الأول متعارض مع البيّنة الثانية. فلا تقبل البيّنة هنا لأنها تتعارض مع إقراره فإقراره يكذب بيّنته وهذا من المواضع القليلة التي لا تقبل فيها البيّنة ولا أذكر الآن أنه مرّ علينا عدم قبول البيّنة إلاّ في موضعنا هذا الموضع وموضع سابق فقط فيما عدا هذين الموضعين فإنه لا ترد البيّنة الصحيحة. فصل قوله ﵀ فصل الفصل هذا معقود للإقرار بالمجمل. والمجمل هو كل لفظ لا يدل على معناه بمجرد لفظه. قوله ﵀ (إذا قال: له عليّ شيء أو كذا قيل فسّره) تضمنت كلمة المؤلف بيان حكمين: الحكم الأول أنّ الإقرار بالمجمل صحيح ومشروع وهذا محل إجماع فالإقرار بالمجمل صحيح وصحته مجمع عليها واستدل الحنابلة وغيرهم من الفقهاء على هذا الدليل بأنّ الإقرار اعتراف على النفس فيقبل ولو كان مجهولا لأنه يعترف على نفسه. الحكم الثاني: أنه إذا أقرّ بمجمل طولب بتفسيره ومطالبة المقر بالمجمل بالتفسير أيضا محل إجماع فإنهم أجمعوا على أنه يجب أن يفسر واستدلوا على هذا بأنه إذا أقرّ بمجمل فإنه لا يمكن أن يأخذ الحكم مجراه ولا أن تسلم العين المدعاه إلى صاحبها إلاّ بعد التفسير فنلزمه إلزاما بالتفسير لهذا السبب وللإجماع. ثم سيبيّن المؤلف فيما لو رفض أن يفسر. قال ﵀ (فإن أبى حبس حتى يفسر) إذا أبى حبس حتى يفسر يعني حتى يفسر هذا المجمل الذي أقرّ به والسبب في هذا ما تقدم معنا قاعدة أيضا مرارا وهو أنّ كل من امتنع عن حق متوجه عليه فللقاضي أن يحبسه , هذا امتنع عن حق وهو بيان المجمل الذي أقرّ به وإذا امتنع عن هذا الحق ألزمناه به وحبسناه حتى يقرّ.

стр. 2906

القول الثاني: أنه إذا أبى أن يفسر اعتبرناه ناكلا فإذا اعتبرناه ناكلا أسند التفسير إلى المقر له فنقول هو يقر لك ولم يبيّن فبماذا؟ فإذا فسر المقر له المقر به رجعنا إلى المقر فإنّ استمر رافضا للبيان ألزمناه بالعين التي فسرها المقر له. وهذا القول هو الصحيح واختاره القاضي من الحنابلة وهذا الحكم فيه من فصل ونزعات وإرجاع الحقوق لأهلها وتوفير الأوقات ما ليس في القول بحبسه فإنّ كثيرا من الناس لا يمتنع من الحبس حتى يذهب مدة طويلة وهو يتمتع بالعين التي أقرّ بها أو بالديون ثم يخرج بعد فترة ويسدد أهل الديون أو يؤدي المقر به إلى أصحابه بعد فترة من الانتفاع بها. لذلك نحن نقول يعتبر ناكلا ونقول له إما أن تبيّن أو أن تعتبر ناكلا ونقبل قول المقر له. والشخص الذي يصر على أن لا يبيّن الشيء المجمل أو الذي أقرّ به في هذا أكبر دليل على أنه شيء عظيم امتنع عن أدائه ولهذا نقبل تفسير المقر له ولو ارتفع أليس كذلك؟ من المعلوم أنّ المقر له إذا أسندنا إليه الأمر ماذا سيصنع؟ سيقر بشيء رفيع جدا لأناّ أعطيناه الفرصة أن يبيّن المقر به المجمل وهذا لا غبار عليه نظرا لأنّ المقر رفض وهذا بحث نظري ولا عملي؟ لو في شيء أكثر من نظري لوصفانه بهذا الوصف. لأنه يأتي ويقرّ ثم نتوقف عند التفسير يعني لا يمكن هذا أو لا يقع إلاّ نادرا. قال ﵀ (فإن فسره بحق شفعة أو بأقّل مال قبل) مقصود المؤلف أنه إذا فسره بأي شيء يتمول ولو قّل نقبله لأنه إنما أوجبنا عليه الحق باعترافه فإذا فسر الاعتراف ولو بمال قليل قُبل. قال ﵀ (وإن فسره بميتة أو خمر أو قشر جوزة لم يقبل) إذا فسره بميتة أو خمر لم يقبل لأنه اعترف بحق والحقوق مالية والخمر والميتة ليس بمال في الشرع فإذا اعترف بحق وفسره بأنه ميتة أو دم كان تماما كمن قال له عليّ ألف وقضيته لأنّ آخر الكلام ينفي أول الكلام لأنه اعترف بما ليس بحق ونحن نقول هو اعترف في الأصل بحق ثم فسره بغير حق فصار فيها تناقض وتنافي. ثم - قال ﵀ (أو قشر جوزة)

стр. 2907

إذا فسره بقشر جوزة أيضا لا يقبل لأنه لا يثبت في الذمة وكل ما لا يثبت في الذمة لا يتمول وكل ما لا يتمول لا يصح تفسير الإقرار المجمل به لأنّ هذا الأمر لا يعبأ به ولا ينظر إليه. قوله ﵀ (لم يقبل) لو وضع الشيخ قاعدة فقال [إذا فسره بما لا يتمول لم يقبل] لكان هذا الضابط يكفينا عن جميع الأمثلة إذا فسره بما لا يتمول عادة لم يقبل ولابد من إضافة عادة لماذا؟ لأنّ من الأعيان مالا يتمول عادة في بلد ولكنه يتمول عادة في بلد آخر. فلا يستقيم أن تقول بما لا يتمول لأنّ هذا يختلف من بلد إلى بلد. قال ﵀ (ويقبل بكلب مباح نفعه) الكلب المباح النفع تقدم معنا في كتاب الغصب أنه يجب رده ولا يضمن أليس كذلك؟ والقاعدة عند الحنابلة [أنّ أي عين يجب أن ترد فإنه يصح تفسير الإقرار المجمل بها] فلما كان الكلب يجب رده جاز تفسير المجمل به. والقول الثاني: أنه لا يصح تفسيره بكلب ولو كان مباحا لأنّ الكلب لا يضمن ولو مباحا فلا يصح تفسير الإقرار المجمل به والحنابلة يقولون أنه لا يثبت في الذمة يعللون الرد بالشيء اليسير أنه لا يثبت في الذمة كذلك الكلب لا يثبت في الذمة لأنه لا يضمن لهذا يبدوا لي الأقرب إن شاء الله القول الثاني أنه لا يفسره بكلب ولو مباحا. قال ﵀ (أو حد قذف) إذا فسره بحد قذف يقبل لأنه حق فلما كان حقا صح تفسير الإقرار المجمل به. والقول الثاني: أنه لا يقبل لأنّ موضوع الإقرارات المال وهو الآن لم يقر بمال وإنما أقرّ بحق والصحيح إن شاء الله بلا إشكال أنه يقبل. قال ﵀ (وإن قال: له عليّ ألف رجع في تفسير جنسه إليه , فإن فسره بجنس أو أجناس قبل منه)

стр. 2908

إذا قال له عليّ ألف فهو أقرّ ولم يبيّن فنرجع في بيان هذا الألف إليه وعللوا هذا بأنّ كلامه محتمل لعدة أجناس وهو المستحق لتفسير العين المقر بها كما أننا نلزمه بتفسير المجمل نقبل منه إذا فسر وهذا صحيح وسواء فسر الإقرار بنقد أو بأعيان وسواء فسر الإقرار بنقد حال أو بمؤجل لأنّنا نقبل تفسيره للألف مطلقا. وإن كان العرف اليوم إذا قال له عليّ ألف يقصد من النقود لكن الفقهاء لا يلزمونه بالنقود فيقولون له أن يفسر الألف بما شاء يستثنى من هذا إذا فسر الألف بما لا يتمول أو فسره بما ليس بمال في الشرع كأن يفسره بألف كلب ولو مباح النفع إذن لا بد أن يفسره بما يتمول عادة أو يفسره على الصحيح بحق ولو لم يكن حقا ماليا. قال ﵀ (فإن فسره بجنس أو أجناس) له أن يقول له عليّ ألف ربعها دنانير والباقي دراهم , أو ربعها أراضي والباقي بيوت , أو ربعها كتب والباقي أقلام. المهم أنه له أن يفسر بأكثر من جنس لما تقدم أنّ له الحق في تفسير ما اعترف أو أقرّ به. قال ﵀ (وإن قال: له عليّ ما بين درهم وعشرة لزمه ثمانية) لأنّ الثمانية هي التي بين الواحد والعشرة فإذا اسقطت الواحد وأسقطت العشرة كم باقي؟ ثمانية , فهي التي بينهما. لكن إذا قال مثل هذا ينبغي إذا لم يكن لقوله سبب أن يؤدب لأنه لماذا يتكلف ويقول له علي ّ ما بين درهم وعشرة. لماذا لم يقل له عليّ ثمانية؟ قوله له عليّ ما بين درهم وعشرة يصلح في درس حساب يصلح في درس فقه. أما عند القاضي في مجلس الحكم يعتبر هذا نوع من التنطع. قال ﵀ (وإن قال: ما بين درهم إلى عشرة أو من درهم إلى عشرة لزمه تسعة) إذا قال ما بين درهم إلى عشرة فعليه تسعة لأنّ الحنابلة يرون أنّ الغاية غير داخلة فإذا أسقطنا الأخير وهو العشرة بقي ما تحته وهي التسعة القول الثاني: أنّ ما بين درهم إلى عشرة ثمانية لأن قوله (ما بين) يخرج الدرهم وإذا أسقطنا الأول والأخير بقي عليه ثمانية. أما قوله:" من درهم إلى عشرة" فعليه تسعة لأنّ ما بعد (من) داخل وما بعد (إلى) غير داخل فتكون النتيجة أن عليه تسعة. قال ﵀ (وإن قال: له عليّ درهم أو دينار لزمه أحدهما)

стр. 2909

مقصود المؤلف أنه لا يلزمه الجميع وإنما يلزمه إما درهم أو دينار وعللوا هذا بأنّ أو تقتضي وجوب أحد الشيئين لا وجوب الشيئين وهذه العبارة ليست كالسابقات وإنما يحتاج إليها لأنّ الإنسان قد يتردد وينسى هل له على زيد درهم أو دينار فله أن يقول له عليّ درهم أو دينار لأنه ناسي. لكن يقول ويعيّنه. والتعيين هنا يكون كما تقدم معنا في التفسير تماما نقول عيّن وعلى المذهب إما أن تعيّن حتى يستطيع الحاكم أن يحكم أو تحبس , وعلى القول الثاني: إما أن تعيّن أو نعتبرك ناكلا ونحيل الأمر إلى المقر له. على ما تقدم في تفسير الإقرار المجمل. قال ﵀ (وإن قال له عليّ تمر في جراب أو سكين في قراب أو فص في خاتم ونحوه فهو مقر للأول) إذا قال له عليّ تمر في جراب إلى آخره. فهو مقر بالأول لا بالثاني لأنّ القاعدة عند الحنابلة أنّ الاعتراف بشيء يعني الاعتراف بالمظروف دون الظرف. والقول الثاني: أنه اعتراف بالأول والثاني لأنه اعترف بهما في سياق واحد وبكلام واحد فلزماه جميعا. والراجح إذا لم نقل أناّ نحيل الأمر إلى القاضي الثاني هذا إذا لم نقل نحيل الأمر إلى القاضي والعرف لأنه لا يفهم من قول القائل له تمر في جراب إلاّ الجميع ولو أراد التمر فقط لقال له عندي تمر لهذا أنا أقول أنّ الراجح هو القول الثاني إن شاء الله ما لم نقول أنه يرجع للعرف ونظر القاضي وهل يعتبر هذه الصيغة في هذا البلد تعني الجميع أو تعني أحدهما إذا لم نقل بهذا فالراجح إن شاء الله هو القول الثاني. بهذا تم المتن ولله الحمد والنعمة والشكر ولولا أنّ الله لطف ويسر لما انتهى هذا المتن وبقي فيه الفرائض والعتق لعله تيسر له فرصة أخرى أما في هذا الأسبوع فلا أظن سنكمله لكن فيما عداه لولا أنّ الله يسر لنا أن ننهي هذا المتن ووفق وأعان وسهل لما تمكن الإنسان من إتمام هذا المتن بالنسبة للشارح وبالنسبة للمتلقي. ولهذا نحن نسأل الله أن يتقبل منا أن هو السميع العليم. ونسأله أن يقبل منا الشكر والحمد على مثل هذا التوفيق.