Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
الدرس: (٣) من القضاء
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
توقفنا بالأمس عند حكم نكول المدعى عليه عن اليمين وذلك عند قول الشيخ (وإن نكل قضى عليه. فيقول إن حلفت وإلاّ قضيت عليك فإن لم يحلف قضى عليه)
إذا توجهت اليمين على المدعى عليه ثم نكل. والنكول هو / أن يأبى أن يحلف فإنه يقضى عليه وتقدم معنا بالأمس القول الأول: وهو المذهب أنه يقضى عليه بمجرد النكول من غير رد لليمين كنا توقفنا على استكمال هذه المسألة.
القول الثاني: أنه لا يقضى عليه بمجرد النكول بل لا بد من رد اليمين لأنّ النبي ﷺ رد اليمين على المدعي.
وهذا الحديث ضعيف.
الدليل الثاني: أنه روي عن عمر ﵁ أنه رد اليمين ولم يقضي بمجرد النكول.
стр. 2837
القول الثالث: إذا كان الأمر وحقيقة القضية لا تعلم إلاّ من قبل المدعى عليه فإنها لا ترد اليمين , مثاله قصة ابن عمر مع زيد القصة السابقة , فإنّ ابن عمر المدعى عليه هو الذي يعلم هل في العبد عيب أو لا. لأنّ المشتري لا يعلم عن العبد شيئا قبل العقد فهنا لا ترد اليمين وإن كان الذي يعلم القضية هو المدعي وحده ردت اليمين. مثاله أن يدعي زيد على رجل ميت فالآن المدعي يتفرد بمعرفة القضية لأنّ المدعى عليه ميت فهنا نرد اليمين ولا نكتفي بمجرد النكول لأنّ الورثة قد يأبون اليمين لعدم معرفتهم بالقضية فنرد اليمين ولا نحكم بمجرد النكول وهذا القول الأخير فيه تفصيل جيد تجتمع فيه الآثار المروية عن أصحاب النبي ﷺ وإذا لم يختص أيّ منهما بالمعرفة لا المدعي ينفرد بالمعرفة ولا المدعى عليه ينفرد بالمعرفة فهنا فيه خلاف والراجح أنه لا ترد اليمين.
ثم - قال ﵀ (فإن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بيّنته حكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق)
القاعدة أنّ اليمين مزيلة للخصومة لا للحق فإذا قال المدعي أنه لا بيّنة له ثم أحضرها بعد ذلك فإنها تسمع واستدل الحنابلة على هذا بأنه قد ينسى وقد لا يعلم ببيّنته أصلا ثم يعرف بأنّ له بيّنة بأن يأتي شاهد يشهد في القضية لم يعرفه المدعي فلأجل أنّ المدعي ربما لا يعرف البيّنة يقبل منه أن يحضرها بعد أن لم يأتي ببيّنة.
مسألة / فإن قال المدعي ليس لي بيّنة فإنه إذا أتى بها بعد ذلك لا تقبل لأنه أكذب نفسه.
والقول الثاني: أنها تقبل لأنه حين قال ليس لي بيّنة إنما قال ذلك بناء على أنه لا يعرف لنفسه بيّنة ثم عرفها بعد ذلك فأتى بها فليس في هذا تكذيبا للنفس بل ربما ظهر له ما لم يكن ظهر من قبل وهذا القول الثاني هو الراجح ويتحصل من ذكر المسألتين والخلاف أنه تقبل البيّنة مطلقا سواء لم يأتي بها ابتداء أو قال ليس لي بيّنة فتقبل مطلقا.
فصل
قال ﵀ فصل (ولا تصح الدعوى إلاّ محررة معلومة المدعى به)
стр. 2838
ظاهرة عبارة المؤلف أنه يشترط لتصحيح الدعوى أن تكون محررة وأن تكون معلومة المدعى به والواقع أنّ هذا شيء واحد ولهذا عبارة الشيخ في المقنع يقول في المقنع [ولا تصح الدعوى إلاّ محررة تحريرا يعلم به المدعى] فصار هذا الشرط شرطا واحدا وهذا هو الصواب أنه شرط واحد ومعنى هذا الشرط أنّ الدعوى لا تقبل إلاّ وقد بيّن المدعي كل ما يتعلق بالدعوى من حيث قدر المال وصفته وجنسه وسبب وجوبه عند بعض الفقهاء إذا لا تقبل إلاّ وهي محررة أي كاملة مذكور فيها كل ما يتعلق بالحق المدعى واستدل الحنابلة على أنها لا تسمع إلاّ محررة بأنّ الدعوى يترتب عليها أن يحكم القاضي من جهة وأن يلزم المحكوم عليه بدفع الحق من جهة أخرى ولا يتمكن من الحكم ولا بالإلزام من الدفع إلاّ بعد تحرير الدعوى وهذا لا شك وهو بدهي أنّ القاضي لم يحكم إلاّ بعد أن يعرف بماذا يدعي بالضبط المدعي.
والقول الثاني: أنه لا يشترط وأنّ له أن يقول ادعي حقا على فلان فإذا قبل القاضي الدعوى أمره بعد الإجمال بالتفصيل وهذا القول الثاني ليس إلاّ تضيعا للوقت ورجوعا للقول الأول والصواب أنّا نلزم المدعي بأن يبيّن ويحرر الدعوى من الأول ولا نقول نسمع الدعوى ثم نطلب تحريرها بعد ذلك فإنّ هذا تطويل ليس له معنى.
ثم - قال ﵀ (إلاّ ما نصححه مجهولا كالوصية وعبدا من عبيده مهراً ونحوه)
القاعدة أنّ كل ما صح مجهولا صحت الدعوى به وما ذكره المؤلف لا يعدوا أن يكون أمثلة , فكل ما صح مجهولا صحت الدعوى به.
ذكر الشيخ ثلاثة أمثلة. المثال الأول: يقول إلاّ ما نصححه مجهولا كالوصية. الوصية تصح بالمجهول كما تقدم معنا فلو قال أوصيت لفلان بشيء أو أوصيت لفلان بأرض أو بسهم فهي مجهولة ومع ذلك نصحح هذه الوصية لأنها ليست من قبيل المعاوضات فإذا ادعى بوصية فله أن يدعي بدعوى غير محررة فيقول فلان أوصى لي وليس بملزم أن يبيّن بماذا أوصى له.
المثال الثاني: وعبد من عبيده مهرا. إذا قالت الزوجة مدعية على الزوج أنه أمهرها أو أصدقها عبدا من عبيده صحت الدعوى وإن كانت مبهمة لأنّ المهر يصح أن يكون مبهما ويبيّن بعد ذلك فإذا ترجع إلى القضية السابقة.
يقول ﵀ (ونحوه)
стр. 2839
من أكثر الأمثلة وقوعا أن يعترف أو يقّر بمجهول مثل أن يقول زيد لعمرو عندي لك شيء هذا إقرار بحق مجهول هذا الإقرار صحيح فلعمرو أن يدعي على زيد بقوله أنّ له عنده شيء لأنه أقرّ بمجهول لماذا نصحح هذه الدعوى لأنه لا يمكن أن يدعي إلاّ بمجهول لأنه هو لا يعرف الحق ولو لم نصحح الدعوى بمجهول في هذه الصور لأغلقنا الباب على المدعي أن يدعي أصلا لأنه لا يعرف حقه من الأساس إذا تصح الدعوى بكل ما يصح مجهولا.
ثم - قال ﵀ (وإن ادعى عقد نكاح أو بيع أو غيرهما فلا بد من ذكر شروطه)
إذا ادعى عقدا من العقود سواء في قسم المعاملات أو في قسم الأحوال الشخصية أو الأنكحة أو توابعها فإنه لا بد أن يبيّن شروط العقد واستدل الحنابلة على هذا بأنّ المدعي قد يدعي بعقد يرى هو صحته والقاضي لا يرى أنه صحيح ولأجل هذا لا بد أنّ يبيّن شروط العقد.
القول الثاني: أنه لا يشترط وأنه ليس عليه إلاّ أن يدعي بالعقد مجردا بلا بيان لشروطه واستدل هؤلاء بأنّ الأصل في معاملات المسلمين الصحة وحملها على الجواز وهذا يقتضي عدم وجوب السؤال عن الشروط وانتفاء الموانع.
والقول الثالث: أنه يجب أن يبيّن الشروط إذا ادعى بعقد النكاح ولا يجب إذا ادعى بعقد البيع وفرقوا بين العقدين مستدلين بأنّ عقد النكاح من العقود التي يجب التحوط لها والاحتراز لما ينبني عليها من الأنساب واستباحة الأبضاع فناسب أن يشترط هذا الشرط والصحيح القول الثاني إن شاء الله.
ثم - قال ﵀ (وإن ادعت امرأة نكاح رجل لطلب نفقة أو مهر أو نحوها سمعت)
إذا ادعت المرأة بحق من حقوق النكاح لا بالنكاح فإنّ الدعوى صحيحة ودل على هذا أمران: الأمر الأول" الإجماع فإنهم أجمعوا على أنها إذا ادعت بعقد نكاح لإثبات النفقة أنّ الدعوى صحيحة وتسمع.
الثاني: أنها دعوى مستوفية الشروط فإنها تدعي بحق مع بيان سببه كما لو قالت هذه السيارة لي اشتريتها من فلان فهي كذلك تقول النفقة واجبة لأنّ فلان زوجي فهي تثبت الحق مع شفعه بسببه وهذه دعوى مستكملة الأركان فتسمع وكما سمعتم هي محل إجماع فلا إشكال فيها.
ثم - قال ﵀ (فإن لم تدعي سوى النكاح لم تقبل)
стр. 2840
إذا ادعت المرأة على الزوج مجرد النكاح فقط , فقالت فلان زوجي ولم تضف شيئا على هذا لا طلب نفقة ولا سكنى ولا غيره فإنّ الدعوى لا تسمع أصلا ولا تقبل علل الحنابلة هذا بأنّ النكاح من حقوق الزوج لا من حقوق الزوجة وليس للإنسان أن يدعي بحق لغيره بل الدعوى تكون بحق لنفسه.
والقول الثاني: أنّ دعواها صحيحة لأنّ إثبات النكاح يقتضي إثبات الحقوق المترتبة عليه من النفقة والسكنى والمهر وكل ما يترتب على العقد من حقوق للزوجة.
الدليل الثاني: أنّ هذا تماما كما لو ادعت عقد النكاح كعقد البيع فإنّ الإنسان يدعي عقدا للبيع راجيا الحصول على ما يترتب على عقد البيع سواء ادعى أنه مشتري ليأخذ السلعة. أو بائع ليأخذ الثمن. ولا شك أنّ هذا القول الثاني هو الصحيح وأنّ المذهب في هذه المسألة ضعيف وأنّ النكاح لا يتمحض حقا للرجل نعم حقه فيه غالب لكن النكاح فيه حقوق للزوج وفيه حقوق للزوجة.
ثم - قال ﵀ (وإن ادعى الإرث ذكر سببه)
إذا ادعى انه يرث من فلان فلا بد أن يبيّن السبب الذي استحق به الإرث لأنّ الشهادة ستكون على وفق هذا السبب وإذا لم يبيّن السبب فإنه لم نتمكن من معرفة صحة الشهادة وهذا صحيح فإذا ادعى أنه وارث فلا بد أن يقول لأنه ابن أو مولى أو والد أو يبيّن سبب الإرث مع اختلاف أسباب الإرث. وهذا بدهي لأنه لا يمكن أن يقول أحد في المحكمة أنا أرث فلان بدون أن يبيّن سبب الإرث وصلة القرابة التي بينهما.
ثم - قال ﵀ (وتعتبر عدالة البيّنة ظاهرا وباطنا)
أفاد المؤلف حكم مسألتين: المسألة الأولى" أنه لا بد من العدالة في البيّنة.
المسألة الثانية " أنه تشترط في هذه العدالة أن تكون عدالة ظاهرة وباطنة , أما اشتراط العدالة سيأتينا في كتاب الشهادات ما يتعلق بهذا الشرط مفصلا ودليله العام قوله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [البقرة/٢٨٢] فلا بد من العدالة في الشاهد. لكن المؤلف هو في الحقيقة يريد أن يتكلم عن كون البيّنة توصف بالعدالة الظاهرة والباطنة فالعدالة الظاهرة معروفة وهي أن يكون ظاهر الإنسان الابتعاد عن المحرمات وأداء الواجبات , وأما العدالة الباطنة فهي التي لا تتحقق إلاّ بأمرين: أن يكون المعدل صاحبه صحبة طويلة.
стр. 2841
الأمر الثاني: أن يكون المعدل عامله معاملة ماليه بهذين الأمرين يمكن الوقوف على العدالة الباطنة استدل الحنابلة على اشتراط العدالة الظاهرة والباطنة أنّ شاهدا أتى عمر بن الخطاب ﵁ فطلب من صاحب الشهادة مزكي فجيء بالمزكي فسأله عمر أسافرت معه أعاملته أصحبته فدلت هذه الأسئلة على أنه لا يكتفى بالتعديل المعرفة الظاهرة ولابد من المعرفة الباطنة وهي مقتضى أسئلة عمر ﵁
القول الثاني: أنّ المشترط العدالة الظاهرة فقط دون الباطنة , واستدلوا على هذا بأمرين: الأول" أنّ الأصل في المسلم العدالة ولسنا بحاجة عن السؤال عن باطنه.
الثاني: أنّ عمر نفسه ﵁ قال المسلمون عدول بعضهم على بعض , والراجح القول الثاني أنّ العدالة الظاهرة يكتفى بها وعليه العمل واشتراط العدالة الباطنة قد يفضي في صور كثيرة إلى تعطيل الشهادة وإذا صح الأثران عن عمر الأول والثاني فالجمع بينهما أنّ لولي الأمر إذا شك أن يتثبت بما شاء إلى الوصول العدالة الظاهرة أو الباطنة أو الاستقصاء أكثر من ذلك فإنّ القاضي قد يقع في ذهنه أو يخطر في باله كذب الشاهد مع عدالة ظاهره فيحتاج إلى نوع من التثبت.
ثم - قال ﵀ (ومن جهلت عدالته سأل عنه وإن علم عدالته عمل بها)
إذا جاء الشاهد إلى القاضي فلا يخلوا الحال من ثلاث. الأول" أن يعلم عدالته حينئذ يجب عليه وجوبا أن يعمل بعلمه بعدالة الشاهد وأن يحكم بمقتضى الشهادة ما لم يوجد مانع.
الثاني" أن يعلم فسقه فإنه لا يجوز والحالة هذه أن يحكم بشهادة هذا الشاهد مطلقا ويجب عليه أن يكتفي بعلمه بعدالة الشاهد وبعلمه بفسق الشاهد وعمل القاضي بعلمه في معرفة الشهود ليس من الحكم بعلمه فإنّ الحكم أو العمل بعلمه في عدالة الشهود جائز أما في العدالة فهو محل إجماع وأما في الفسق فلم أقف على خلاف.
القسم الثالث: أن لا يعلم هل هو عدل أو ليس بعدل فحينئذ يسأل عنه كما صنع عمر ﵁ فإنه سأل عن هذا الشاهد وطلب مزكي.
ثم - قال ﵀ (وإن جرح الخصم الشهود كلف البيّنة به)
стр. 2842
إذا جرح الخصم الشهود فإناّ لا نقبل منه بالجرح إلاّ إذا أتى ببيّنة تثبت هذا الجرح لوجهين: الأول" أنّ الناس يختلفون في الجارح فمن الناس من يعتبر الأمور السهلة من الجوارح ومن الناس من لا يعتبر الأمور الكبيرة من الجوارح فلاختلاف الناس في مقدار ما يجرح به الشاهد صار حتما على القاضي أن يسأل عن سبب وبيّنة الجرح.
الثاني: أنّا لو جعلنا كل خصم يجرح بما شاء لم يبقى للمدعين شهود وبهذا تبطل فائدة الشهادة ولا إشكال أنه إذا جرح سيطالب ببيّنة هذا الجرح.
ثم - قال ﵀ (وأنظر له ثلاثا إن طلبه)
يعني أنه إذا جرح الشهود ثم طلب من القاضي أن يمهله ثلاثة أيام ليتمكن من إحضار البيّنة الدالة على جرح الشهود فإنه يجاب إلى هذا الطلب والدليل من وجهين: الأول" أنّ في إلزامه بالبيّنة بأقل من ثلاثة أيام حرج وعسر فإنه قد لا يتمكن من تجميع بيّناته الدالة على جرح الشهود بأقل من ثلاثة أيام.
الثاني" أنّ هذا مروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وهذا صحيح وثلاثة أيام فترة قصيرة لا تخل بمجريات القضية
يستثنى من هذا إذا غلب على القاضي أنّ الخصم أراد تطويل الوقت ليس إلاّ وأنه لا يملك البيّنات على الجرح وأنه مجرد افتراء فإنه لا يمهله لا فائدة من الإمهال.
ثم - قال ﵀ (وللمدعي ملازمته)
يعني إذا طلب الإمهال ليجرح البيّنة فإنه يجوز للمدعي أن يلازم المدعى عليه وعللوا هذا بأنّ في الملازمة ضمان في عدم ضياع حق المدعي , والملازمة هي أن يذهب معه حيث ذهب فيصلي معه ويذهب معه إلى السوق ولا يتركه إلاّ إذا دخل بيته. طبيعي أنه إذا دخل بيته لن يدخل معه لكن من حين يخرج إلى أن يرجع فهم من كلام المؤلف أنه لا يحبس وإنما يملك فقط الملازمة وهذا صحيح فإنّ المدعى عليه لا يحبس في الفترة التي طولب فيها الإمهال لأنه لم يثبت عليه حق حتى يحبس ولكن له أن يلازمه.
ثم - قال ﵀ (فإن لم يأتي ببيّنة حكم عليه)
стр. 2843
يعني إذا لم يتمكن من جرح الشهود فإنه يحكم عليه لأنه بعجزه عن جرح الشهود تبيّن أنّ البيّنة تامة وتقدم معنا في أول صفة الحكم أنه إذا تمت البيّنة فإنّ الواجب على القاضي أن يحكم بها فلذلك نقول إذا عجز فإناّ نحكم عليه ونسلم العين إلى المدعي.
ثم - قال ﵀ (وإن جهل حال البيّنة طلب من المدعي تزكيتهم)
إذا جهل حال البيّنة وكأنّ مراد المؤلف ولم يتمكن من السؤال فإنه يكلف المدعي بإحضار مزكي يزكي الشهود وتقدم معنا أنّ القاضي لا يحتاج المزكي إلاّ في حال واحدة. ولا يحتاجهم في حالين: فإذا علم أنهم عدول لا يحتاج المزكين , وإذا علم أنهم فساق لا يحتاج إلى المزكين وإذا لم يعلم احتاج إما أن يسأل أو أن يكلف المدعي بالمزكين. والدليل على تكليف المدعي بالمزكين قصة عمر ﵁ فإنه طلب من المدعي أن يأتي بمن يعرف الشهود.
مسألة / فإن عرف القاضي فسقهم وأتى المدعي بمعدلين , فإنه يجب على القاضي أن يعمل بعلمه. لأنه الآن يعلم أنهم فساق وأنتم تعلمون أيهم الذي معه زيادة علم؟ الجارح ولا المعدل؟ الجارح وجه أنّ معه زيادة علم أنّ الأصل العدالة إذا يجب عليه أن يعمل في هذه الصورة بعلمه أنّ الشهود فساق ولا يعمل بتعديل من أتى بهم المدعي إلاّ في صورة واحدة إذا تبيّن له أنّ المزكين يتحدثون عن علم حادث من توبة أو صلاح عمل فحينئذ يجب عليه أن يقبل أما إذا لم يتبيّن له أنّ معهم زيادة علم جاءت بعد علمهم بالفسق فإنه يعمل بعلمه هو.
ثم - قال ﵀ (ويكفي فيها عدلان يشهدان بعدالته)
قوله يكفي فيها يعني في التزكية أن يأتي باثنين يشهدان بعدالة هذا الشاهد واستدل الحنابلة على هذا بالآية ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [البقرة] والتزكية نوع من الشهادة.
والقول الثاني: أنه يكتفى في المزكي بواحد لأنّ المزكي في الحقيقة يخبر وليس بشاهد فنكتفي بمزكي واحد لكن المزكي الواحد لا بد أن يكون عدلا لأنّ المزكي الذي ليس بعدل يحتاج إلى مزكي طالت القضية فإذا لا بد أن يكون المزكي عدلا أما العدد فإنه لا يشترط في المزكي.
ثم - قال ﵀ (ولا يقبل في الترجمة والتزكية والجرح والتعريف والرسالة إلاّ قول عدلين)
стр. 2844
لا يقبل في هذه الأمور إلاّ قول عدلين سواء كان تعريف أو ترجمة أو جرح أو رسالة أو تزكية. الترجمة والتزكية والجرح والرسالة أمرها ظاهر والمقصود منها واضح. والتعريف هو على أصح أقوال العلماء تعريف الحاكم بالمدعي والمدعى عليه والمدعى به والشهود يعني تعريف القاضي بأطراف القضية. ذهب المؤلف إلى أنه يشترط في الترجمة وما بعدها التزكية والجرح أن يشهد بها اثنان واستدل بالآية السابقة. والمؤلف ﵀ خالف في هذه المسألة المذهب فالمذهب وهو:
القول الثاني: أنه يشترط العدد المشترط في المترجم والمزكى إلى آخره فإذا كان سيترجم قضية زنا فإناّ نحتاج إلى أربعة مترجمين لأنه في الزنا لا بد من أربعة شهود وهكذا بحسب القضية نشترط على المزكي ومن بعده العدد.
والقول الثالث: أنه يكتفى في الجميع بواحد واستدل أصحاب هذا القول بأنّ النبي ﷺ اتخذ مترجما واحدا أمره بتعلم لغة اليهود وهو واحد وسينقل للنبي ﷺ الأخبار والقضايا وكل ما يتعلق بشؤون الحكم. والراجح إن شاء الله هو الأخير. لأنّ المترجم والمزكي إلى آخره مجرد ناقل ومخبر وليس بشاهد إلاّ أنه يحسن بالتجربة عدم الاكتفاء بمترجم واحد لأنّ المترجمين غالبا ما يختلفون لأنّ الترجمة تنبني على أمرين أن يكون جيد في اللغة وأن يكون فاهم للقضية فقد يترجم كلاما خطأ لأنه ما فهم موضوع الحكم وقد يترجم ترجمة خطأ لأنه غير جيد في اللغة وهذا موجود كثير ولهذا أنت لو جربت نسخة من الورقة لأثنين من كبار المترجمين ما يتطابقون نعم قد يتفقون ثمانين بالمئة لكن يحصل بينهم خلاف ففي مجال القضاء مع دقته والحساسية التي فيها ينبغي للقاضي أن لا يكتفي بمترجم واحد.
ثم - قال ﵀ (ويحكم على الغائب إذا ثبت عليه الحق)
стр. 2845
المقصود بالغائب هنا المسافر مسافة القصر والواقع أنّ المؤلف يريد بالغائب هنا كل من أبى الحضور إلى مجلس الحكم فهذا الحكم يتناول كل شخص أبى الحضور إلى مجلس الحكم سواء كان مسافر مسافة قصر أو موجود في البلد ومختفي أو موجود في البلد ولم يختفي لكنه من القوة بحيث يأبى الحضور إلى مجلس الحكم المهم الضابط هو أنه كل من لم يحضر إلى مجلس الحكم معاندة أو سفرا فالحنابلة يرون أنه يحكم عليه واستدلوا على هذا بأمور: الأمر الأول" قصة هند بنت عتبة فإنّ النبي ﷺ حكم لها غيابيا فإنّ الزوج لم يحضر ﵁
الثاني: أنّ الامتناع عن الحكم في مثل هذه الصور يؤدي إلى ضياع الحقوق وتقدم معنا الجواب عن حديث هند وأنه فتوى وليس بحكم قضائي.
القول الثاني: أنه لا يحكم على غائب واستدل هؤلاء بأنّ الغائب ربما ملك قادحا في بيّنة المدعي فلا يستقيم مع هذا الحكم عليه مع غيابه يعني والترجيح في هذه المسألة محل إشكال ولكن الأقرب أنه يرجع إلى القاضي فإذا علم أنّ الإنسان مسافر سفرا بعيدا لا بقصد التهرب عن مجلس الحكم فإنه لا يسوغ أبدا أن يحكم عليه غيابيا. وإذا عرف أنه متلاعب ويتأخر فإنّ الحكم الغيابي من أعظم الأمور ردعا للمتلاعبين لأنه يستطيع أنه يغيب عن مجلس الحكم وهذا الغياب يكلف المدعي ما يزيد على أربعة أشهر أو خمسة أشهر بالنظر إلى المواعيد إذا هذا نوع من التلاعب وتأجيل الحقوق فالقول بالحكم مطلقا أو عدمه مطلقا محل نظر والواجب أنه يرجع إلى رأي القاضي.
مسألة / على القول بأنه يحكم له هل نسلم المدعي العين أو تبقى العين إلى حضور المدعى عليه فيه خلاف من الفقهاء من قال تسلم له ومنهم من قال لا تسلم له والصواب أنها تسلم له ولكن بكفيل يضمن إرجاع العين في حال تبيّن عدم صحة ما قاله المدعي وهذا اختيار المرداوي وهو لا شك قول قوي لأنّ المنع من تسليم العين يجعل الحكم غيابيا لا فائدة منه لأنه إذا قلت له احكم ولكن العين لم نسلمك
ما صار في الحكم فائدة وتسليمها إياه مع عدم سماع بيّنة المدعى عليه فيه نوع من الاستعجال. فالوسط أن يسلمها له ولكن نطلب منه كفيل بإحضار العين.
стр. 2846
مسألة / إذا حضر الغائب فهو على حججه وبيّناته وقوادحه ولا تعتبر القضية منتهية فإذا حضر وجاء مجلس الحكم وبيّن قوادح وحجج توهن دعوى المدعي فإنّه يأخذ بها ولا يعني الحكم غيابيا أنّ القضية انتهت.
ثم - قال ﵀ (وإن ادعى على حاضر بالبلد غائب عن مجلس الحكم وأتى ببيّنة لم تسمع الدعوى ولا البيّنة)
إذا ادعى على من يمكن أن يأتي إلى مجلس الحكم فإنّ الدعوى لا تسمع وأيضا لا تسمع البيّنة فلا تسمع الدعوى ولا البيّنة وهذا واضح جدا ودليلهم أنّ المدعى عليه موجود ويمكن أن يسمع منه فلا يسوغ مطلقا على من يتمكن من القاضي من السماع منه واستدلوا أيضا بقول النبي ﷺ لعلي لا تحكم حتى تسمع من الآخر. وهذا الأثر سواء كان صحيح أو ضعيف فلا إشكال مطلقا في صحته وأنّ جميع أصول الشرع تدل عليه فمثل هذا الأثر يسوغ في الحقيقة الاستدلال به أو بأصله صح أو لم يصح.
باب كتاب القاضي إلى القاضي
الأصل في مشروعية كتاب القاضي إلى القاضي , الكتاب والسنة والإجماع.
فالكتاب قوله تعالى ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل/٣٠]
وأما السنة فأكثر من أن يحصر فإنّ النبي ﷺ كاتب كسرى وقيصر والنجاشي وملوك العرب والعجم وأرسل الولاة بكتبه مما لا يجعل مجال للشك في مشروعية كتاب القاضي إلى القاضي فإن قيل هذا كتاب والي إلى ملك وليس كتاب قاضي إلى قاضي. فالجواب أنّ الشرع إذا أجاز كتابة الوالي إلى الوالي وهي أعظم فكتابة القاضي إلى القاضي من باب أولى وهذا صحيح بلا إشكال واستدلوا على مشروعيتها بأنّ الحاجة ماسة إليها فإنه دائما ما يحتاج القاضي أن يكتب ببيّنة أو بالحكم إلى قاض آخر.
قال ﵀ مبيّنا نطاق كتاب القاضي إلى القاضي.
قال ﵀ (يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق حتى القذف لا في حدود الله كحد الزنا ونحوه)
الدعوى أو المدعى به ينقسم إلى ثلاثة أقسام: - القسم الأول: أن يكون أموال. فإذا كان أموالا فإنه يصح فيه كتاب القاضي إلى القاضي بالإجماع.
стр. 2847
القسم الثاني: الحدود فالحدود محل خلاف. القول الأول: أنه لا يشرع كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود واستدل هؤلاء بأنّ الحدود مبناها على الدرء بالشبهات وكتاب القاضي إلى قاضي فيه شبهات كثيرة من حيث أنه فيه فرع وأصل ومن حيث وجود الوهم في الكتابة. والقول الثاني: أنها تصح بالحدود قياسا على الشهادة على الشهادة , وقياسا على الأموال هذا القسم الثاني.
القسم الثالث: ما عدا الحدود مثل القصاص والنكاح والطلاق والخلع ونحو هذه الأشياء ففيه خلاف المذهب صحة كتابة القاضي إلى القاضي لأنّ أحكام هذه الأشياء ليست مبنية على الدرء بالشبهات بل على الإثبات.
والقول الثاني: أنه لا يصح أن يكتب فيها من القاضي إلى القاضي قياسا على الحدود. والراجح أنّ كتاب القاضي إلى القاضي يصح في كل الأشياء بلا استثناء فله أن يكتب إلى القاضي الآخر بجميع أنواع القضايا بلا استثناء لأنه لا يوجد دليل صحيح على الاستثناء إلاّ التوهمات وعلل لا تكفي للمنع.
ثم - قال ﵀ (ويقبل فيما حكم به لينفذه وإن كان في بلد واحد)
إذا حكم القاضي بشيء وأرسل بالحكم لقاض آخر لينفذه فقط فإنّ القاضي الثاني ملزم بتنفيذ الحكم مطلقا ومعنى مطلقا أي سواء كان القاضي المكتوب إليه قريب أو بعيد والقريب والبعيد في عرف الفقهاء هو مسافة القصر واستدلوا على هذا بأنّ حكم القاضي ملزم واجب التنفيذ فعلى من وصله من الحكام أن يعمل به مقصودهم بهذا الكلام أنّ حكم القاضي أعطاه الشارع قوة للتنفيذ فهو يحمل في طياته بيانا وإلزاما كما تقدم معنا في أول كتاب القضاء فهذه القوة التي جعلها الله في حكم القاضي إذا وصلت إلى القاضي الآخر أصبح ملزما بها وهذا لا إشكال فيه.
ثم - قال ﵀ (ولا يقبل فيما ثبت عنده ليحكم به إلاّ أن يكون بينهما مسافة قصر)
إذا كتب له بما ثبت عنده ليحكم القاضي الثاني به فحينئذ لا يجوز إلاّ إذا كان بينهما مسافة قصر فإن كان بينهما دون مسافة القصر فإنه لا يجوز وعللوا هذا بأنّ هذا الكتاب لا حاجة إليه لأنّ القاضي القريب بإمكانه أن يباشر القضية بنفسه.
стр. 2848
والقول الثاني: أنه يعمل بما ثبت عند القاضي إذا أرسل به إلى قاض آخر ليحكم به لأنّ الحاجة قد تدعوا إلى هذا والحاجات كثيرة منها على سبيل المثال في وقتنا هذا أن ينظر القاضي في قضية إلى أن تستوي القضية استوفى الشهود والقضية لم يبقى شيء لم يبقى إلاّ مشكلة واحدة وهو أنه بدء في إجازة القاضي الناظر في القضية. وهو لا يريد أن يحكم باستعجال فحينئذ من المصلحة أن نقول اكتب بما ثبت عندك ليحكم به القاضي الآخر بدل أن تعطل القضية لمدة شهر أو لمدة شهرين. فهذه من الأمثلة المعاصرة وهي توجد بكثرة.
من أمثلة ما يسوغ ذلك أن يكون المحكوم عليه من أقرباء أو أصدقاء القاضي مما يستحي معه النطق بالحكم فيرسل به إلى قاض آخر ليحكم به , من أمثلة القضية. وهو مثال مهم أن يكون القاضي المكتوب إليه يجيد هذه القضايا أكثر من القاضي الذي باشر القضية أول مرة فالقاضي الأول أراد أن يجمع كل ما يتعلق بالقضية فإذا لم يبقى إلاّ النظر والحكم أسنده إلى قاض يحسن مثلا هذا النوع من المعاملات فهو في الحقيقة لا شك أنّ القول بصحته مقتضى قواعد الشرع وهو القول الراجح إن شاء الله.
ثم - قال ﵀ (ويجوز أن يكتب إلى قاض معيّن وإلى كل من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين)
معنى هذه العبارة أنّ القاضي لا يشترط أن يكتب معيّن بل له أن يكتب إلى معيّن وله أن يكتب إلى من يراه من قضاة المسلمين لأنه لا يوجد دليل على اشتراط أن يكون الكتاب موجه إلى قاض معيّن ولأنّ حكم القاضي ملزم سواء كان لهذا القاضي أو لذاك فلا معنى للتعيين ألسنا اتفقنا أنّ حكم القاضي ملزم إذا لسنا بحاجة إلى التعيين.
والقول الثاني: وهو للأحناف أنه يشترط في كتاب القاضي إلى القاضي أن يعيّن وأن يكتب أنه من فلان إلى فلان لأنّ هذا أضبط للقضية وأدعى لتطبيقها ولئلا يتدافعها القضاة المكتوب إليهم ومذهب الأحناف لا شك أنه هو الراجح إن شاء الله وهو مذهب قوي وكتابة كتاب فيه حكم في قضية من قضايا بين المسلمين إلى غير معيّن فيه نوع من عدم الاهتمام بل يجب أن يكتب إلى قاض معيّن ومن حيث العمل لا يوجد إلاّ الكتابة من قاض معيّن إلى قاضي معيّن.
стр. 2849
ثم - قال ﵀ (ولا يقبل إلاّ أن يشهد به القاضي الكاتب شاهدين يحضرهما فيقرأ عليهما .... الخ)
يشترط في كتاب القاضي إلى القاضي أن يشهد عليه اثنان من العدول فيقول اشهدوا أنّ هذا الكتاب كتبته أنا لفلان فيبيّن للشهود الكاتب والمكتوب إليه والمكتوب.
والقول الثاني: أنه لا يشترط بل يكفي أن يرسل الكتاب مع واحد واستدل هؤلاء أنّ عمل المسلمين والخلفاء الراشدين والنبي ﷺ على هذا فإنه يرسل كتبه مع رجل واحد. والأمر كما قال ابن القيم جرى عمل المسلمين على الاكتفاء بواحد. اليوم بطبيعة الحال لا يذهب مع واحد ولا مع اثنين. وإنما يذهب بطريقة آلية ولا يقال إنّ من يحمله هو الواحد لأنّ هذا الواحد لا يعرف شيء عن هذا الخطاب ولأنه سيسلمه لثان وربما انتقل آليا.
هل يجوز كتابة القاضي إلى القاضي بالإيميل؟ يبدوا لي أنا الإيميل إذا كان باسم القاضي الصريح وليس باسم مستعار وأخبر المرسل المرسل إليه بعنوان البريد أنّ هذا جائز بل هو أوثق أحيانا وأسرع من اليدوي.
الفاكس؟ إذا توفرت الضمانات بأن عرف رقم المرسِل والمرسل إليه وكان بينهما تنسيق فكذلك ما يوجد مانع مدام توجد توثقات.
باب القسمة
باب القسمة. القسمة اسم مصدر ومأخوذة من قسمت الشيء بمعنى جعلته أقساما.
وأما في الاصطلاح / فهي تمييز بعض الأنصباء عن بعض. ما هي مناسبة باب القسمة في كتاب القضاء كما سيأتينا أنها تشبه أبواب المعاملات؟ أنه يوجد في القسمة إلزام. والإلزام من شأن القضاء ونحن نقول الآن كما سيأتينا قسمة إجبار وقسمة تراضي مع ذلك بالنسبة لي أنا شخصيا لا أرى أيّ مبرر لوضع القسمة هذه في كتاب القضاء لم أقتنع منذ زمن بترتيب الفقهاء بوضع هذا الباب هنا وهو كما سيأتينا أنسب ما يكون في كتاب إما الشركة أو كتاب البيوع لكن هم روأ هذه القضية أنه فيه إلزام وهذا ليس بمسوغ في الحقيقة من وجهة نظري.
ثم - قال ﵀ (لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلاّ بضرر أو رد عوض إلاّ برضا الشركاء)
تنقسم القسمة إلى قسمين:
١ - قسمة تراضي.
٢ - قسمة إجبار.
стр. 2850
بدأ المؤلف بقسمة التراضي وقسمة التراضي هي القسمة التي لا يجوز أن تفعل إلاّ برضا الطرفين بدأ بها معرّفا فقال [لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلاّ بضرر أو رد عوض إلاّ برضا الشركاء] إذا ترّتب على القسمة أحد أمرين: الضرر أو العوض. فإنه لا يجوز
القسمة إلاّ برضا الطرفين واستدل الحنابلة على هذا بأمرين: أما إذا ترّتب عليها ضرر فالدليل قوله ﷺ لا ضرر ولا ضرار فإذا كانت القسمة تقتضي ضررا على أحدهما فإنها لا تجوز.
وأما إذا كانت تقتضي بذل العوض فإنها تصبح من البيع وأخذنا في كتاب البيوع أنّ اشتراط الرضا محل إجماع ولهذا لا يجوز أن يجبر أي منهما على إجراء القسمة إذا كان فيها رد عوض إذن قسمة التراضي هي كل قسمة يترتب عليها ضرر أو دفع عوض وهذا الذي أراد الشيخ بيانه. يقول الشيخ. لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلاّ بضرر أو رد عوض. لم يبيّن المؤلف ما هو الضرر والضرر محل خلاف. فالقول الأول: أنّ الضرر هو كل قسمة تنقص من قيمة العين سواء أمكن الانتفاع بالجزء المقسوم أو لم يمكن وهذا هو المذهب
القول الثاني: أنّ الضرر هو أن لا يمكن الإنتفاع بالنصيب بعد القسمة فإن أمكن الانتفاع فليس بضرر وهذا القول الثاني اختيار الشيخ ابن قدامة ويبدوا لي أنّ أرجح الأقوال أنّ الضرر يحصل بنقص القيمة وبعدم الانتفاع. مثال إذا كان زيد وعمرو مشتركين في بيت قيمة البيت قبل القسمة عشرة ملايين وقيمته بعد القسمة خمسة ملايين هل هذا ضرر أو ليس بضرر؟ ضرر واضح كبير لا شك فيه المثال الذي يتعلق بالقول الثاني: أن يشترك زيد وعمرو في متجر لو قسم هذا المتجر لم يتمكن أيٌ منهما أن يعرض بضاعته فالآن بعد القسمة هل ينتفع بقسمه أو لا ينتفع هل هذا ضرر أو ليس بضرر لا شك أنه ضرر ولهذا أنا أقول الراجح إن كان قيل به أنّ الضرر يشمل الأمرين.
ثم - قال ﵀ ممثلا (كالدور الصغار , والحمام والطاحون الصغيرين)
стр. 2851
بدأ الشيخ بأمثلة الضرر وذكر له ثلاثة أمثلة: المثال الأول: أن تكون الدار صغيرة. لو قسمت لم يستمتع بها أحد منهما لصغرها وعدم كفايتها. الثاني: أن يكون الحمام والحمام هو موضع الاغتسال لا موضع قضاء الحاجة أن يكون هذا الحمام صغيرا إذا قسم لم يقوم بالمهمة المنوطة به من دخول الناس والتنظف.
الثالث: الطاحون الصغير وهو كذلك إذا قسم لم يتمكن من طحن متاع الناس وطعامهم ولهذا نقول لما ترّتب على القسمة الضرر صارت قسمة رضا وليست قسمت إجبار.
ثم بدأ بأمثلة رد العوض فقال ﵀ (والأرض التي لا تتعدل بأجزاء , ولا قيمة كبناء أو بئر في بعضها)
الأرض لا يمكن أن تتعدل إلاّ بالأجزاء أو بالقيمة فإذا لم يمكن أن تتعدل لا بالأجزاء ولا بالقيمة صارت قسمة هذه الأرض من قسمة التراضي أمثلة التعدل بالأجزاء أن يملك زيد وعمرو أرض مساحتها خمسة آلاف أو ستة آلاف وهي أرض لا يوجد فيها بناء ولا أي شيء فهذه الأرض يمكن أن تقسم بالأجزاء بأن يأخذ أحدهما النصف والآخر يأخذ النصف الآخر هذه يمكن أولا يمكن؟ يمكن.
القسم الثاني: التعديل بالقيمة والتعديل بالقيمة أن يملك زيد وعمرو أرضا إلاّ أنّ عليها بناء أو بئر وهذا البناء أو البئر يوجد في جزء من الأرض فإذا قسمنا فالقسم الذي فيه البئر أو البناء لا شك أنه أرفع ثمنا من القسم الذي ليس فيه بئر ولا بناء ويكون التعديل بأن نعطي صاحب الأرض الفارغة من الأمتار ما يرفع قيمتها إلى أن تصبح مساوية للأرض أو للقسم الذي فيه بئر أو بناء. إذا لم يمكن التعديل إلاّ بهذه الطريقة فهي قسمة تراضي ولهذا نقول أنّ النسخة اللي أشار إليها المحقق وهي قوله لبناء النسخة هي الصحيحة هو المعنى المراد فيكون المعنى والأرض التي لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة لبناء فيها أو بئر في بعضها. هذه النسخة في الحقيقة جيدة والذين أثبتوا نسخة الكاف اضطروا إلى تأويلها ونحن لا نحتاج إلى تأويل مادام توجد نسخة موافقة للمعنى الصحيح.
ثم - قال ﵀ (فهذه القسمة في حكم البيع)
стр. 2852
يعني أنّ قسمة التراضي المذكورة والمشروحة سابقا حكمها حكم البيع في جميع الأحكام فيشترط لها شروط البيع وفيها خيار مجلس وفيها خيار عيب وفيها خيار شرط وكل الأحكام التي تنبني على وجود عقد البيع تنبني معنا هنا وله أن يرجع مادام في المجلس وهذه من أعظم حقوق قسمة التراضي والسبب أنهم جعلوا هذه القسمة حكمها حكم البيع أنه يشترط في هذه القسمة التراضي ونحن نقول البيع هو مبادلة مال بمال بعد الرضا وهذا التعريف ينطبق معنا في هذه القسمة فإذا صارت بيعا وهذا صحيح.
ثم - قال ﵀ (ولا يجبر من امتنع من قسمتها)
هذا تفريع على تقرير أنها قسمت تراضي فإذا قررنا أنها قسمة تراضي فينبني على هذا أنه لا يجبر أحد منهما وتعليل هذا الحكم أنّ في إجبار أي منهما إدخال الضرر عليه , إما بالقسمة المضرة أو بإلزامه بقبول عوض هو لا يريده وذلك نقول التعليل الأقرب بدل تعليل الحنابلة انه إدخال الضرر أنّ نقول هو إما إدخال الضرر أو إدخال الظلم لأنه في صورة العوض ظلم وفي صورة الضرر ضرر. بقينا في مسألة إذا كان الشرع لا يجيز القسمة إلاّ بالتراضي فما هو السبيل لخلوص أيّ من الشريكين من الشركة كيف يخرج من الشركة إذا كان لا يستطيع القسمة فكيف يخرج من الشركة الفقهاء يرون أنه يخرج بأن يلزم بالبيع فنقول أنتم ملزمون بالبيع ويأخذ الثمن يقسّم على الشريكين فإن أراد أحدهما أن يمتلك العين فنقول أدخل أنت كأي مشتر واشتري فإن أبى أحد منهم البيع أجبره القاضي لأنه لا يمكن رفع الضرر عن الشريك الذي أراد الخروج إلاّ بالإلزام بالبيع هل يوجد طريقة أخرى للخروج من الضرر غير البيع؟ لا توجد طريقة لكن أنا حبيت أشوف واختبركم.
ثم - قال ﵀ بادئا بالقسم الثاني (وأما ما لا ضرر , ولا رد عوض في قسمته .... الخ)
القسم الثاني: هو ما لا ضرر فيه ولا رد عوض فهو قسمة إجبار ومعنى قسمة إجبار أنه إذا طلب أحد من الشريكين القسمة أجبر الآخر إجبار عليها لأنه لا ضرر.
يقول ﵀ (كالقرية , والبستان , والدار الكبيرة والأرض والدكاكين الواسعة)
стр. 2853
القرية والبستان لفظ لا يطلق إلاّ على كبير ولهذا لم يقل كالقرية الكبيرة ولم يقل كالبستان الكبير لأنّ القرية لا تكون قرية إلاّ وهي كبيرة والبستان كذلك. ثم قال كالقرية والبستان وقلنا أنّ هذه الأعيان كبيرة يمكن أن تقسم بلا ضرر وعلى أيّ منهما.
ثم - قال ﵀ (المكيل والموزون)
المكيل يختص بأشياء والموزون بأشياء فالحبوب والثمار والمائعات كلها مكيلة , والذهب والفضة والمعادن كلها موزونة , لكن اشترط شرطا فقال ﵀ (من جنس واحد كالأدهان , والألبان ونحوها)
يشترط في المكيل والموزون أن يكون من جنس واحد لأنه لو كان من جنسين لكانت مبادلة نوع بنوع وهو نوع من البيوع ونحن نقول أنّ البيوع تحتاج إلى الرضا.
ثم - قال ﵀ (إذا طلب الشريك قسمتها أجبر الآخر عليها)
يجبر الشريك في قسمة الإجبار على أن يقسم مع شريكه وعللوا هذا بأنّ في هذا الإجبار رفع للضرر عن الشريك الآخر ووجه ذلك أنّ الإنسان إذا تفرد بنصيبه استطاع أن يفعل فيه ما لا يتمكن منه مع شريكه فبإمكانه أن يبني أو أن يغرس ومثلوا بهذين المثالين لأنهما من الأشياء النافعة للشريك متى استقل بقسمها.
ثم - قال ﵀ (وهذه القسم إفراز لا بيع)
هذه القسمة ليست بيع ولا يشترط لها شروط البيع وإلاّ لم تكن قسمة إجبار بل هي إفراز يعني مجرد تمييز نصيب أحدهما عن نصيب الآخر.
والقول الثاني: أنها بيع لأنّ كل واحد منهما يشتري نصيب شريكه المشاع والصحيح أنها إفراز وليست ببيع ولو كان في ظاهر العقد يوجد مبادلة لكنها مبادلة صورية وليست مبادلة على سبيل العوض.
ثم - قال ﵀ (ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم وبقاسم ينصبونه أو يسألوا الحاكم نصبه)
بيّن أنّ القسمة على ثلاثة أنواع:
١ - إما أن يتقاسموا بأنفسهم.
٢ - أو أن ينصبوا هم رجلا يقسم بينهم.
٣ - أو أن يذهبوا إلى الحاكم.
стр. 2854
والجميع جائز بلا خلاف لأنّ الحق بينهما لا يخرج عنهما فلهما أن يستوفياه بماشاءا من الطرق لكن يشترط أن يكون القاسم أمينا عارفا بالقسمة فإن وضعا هما رجلا جاهلا أو فاسقا , فإنّ القسمة ليست بملزمة إلاّ بعد الرضا الثاني. فإذا أتيا برجل متدين وفيه خير وأمانة إلاّ أنه لا يحسن كيفية القسمة فإنّ قسمته ليست بملزمة للطرفين فإن شاء بعد ذلك قبلا وإن شاء ردا.
ثم - قال ﵀ (وأجرته على قدر الأملاك)
أجرة القاسم على قدر الأملاك لا على حسب ما اتفقوا عليه فإذا كان أحدهما يملك ثلاثة أرباع العين والآخر يملك ربع العين وأتوا بشخص عارف أمين ليقسم بينهما بأجرة فإنّ على من يملك ثلاثة أرباع العين ثلاثة أرباع الأجرة وعلى من يملك الربع ربع الأجرة.
والقول الثاني: أنه بحسب ما اتفقوا عليه فإذا اتفقوا أن يدفع صاحب الربع نصف الأجرة وصاحب ثلاثة أرباع نصفها صح لعموم قول النبي ﷺ المسلمون على شروطهم وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله.
يقول الشيخ ﵀ (فإذا اقتسموا أو اقترعوا لزمت القسمة , وكيف اقترعوا جاز)
إذا اقتسموا وانتهت القسمة فليس لأحد الرجوع سواء اقتسموا هم أو بقاسم أتوا به هم أو حكم بينهما القاضي إذا انتهت القسمة فإنه لا يجوز لهم الرجوع ويعتبر إلزام لأنّ قسمة القاسم كحكم القاضي فهي ملزمة ويستثنى من هذا إذا رجعوا قبل أن يبدأ بالقسمة فلهم ذلك أما بعد القسمة فإنه لا يجوز الرجوع لأنّ هذا يؤدي إلى أنه لا فائدة من القسمة.
يقول الشيخ ﵀ أخيرا (وكيف اقترعوا جاز)
يعني أنّ الشارع الحكيم لم يبيّن طريقة معيّنة محددة لإجراء القرعة بل لهم أن يقترعوا حسب ما يرونه مناسبا بالطريقة التي يرونها مناسبة
стр. 2855
الدرس: (٤) من القضاء
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
باب الدعاوى والبيّنات
قال ﵀ باب الدعاوى والبيّنات.
الدعوى في لغة العرب / هي الطلب وأما في الاصطلاح فهي إضافة الإنسان لنفسه استحقاق ما في يد غيره أو ذمته. وأما البيّنات فهي جمع بيّنة والبيّنة في الأصل هي الدلالة الواضحة أو الحجة الواضحة.
وأما في الاصطلاح / فهي عند الفقهاء عبارة عن الشاهدين , أو الشاهد مع اليمين والأربعة شهود ونحو هؤلاء فهذه هي البيّنات عند الفقهاء.
والقول الثاني: أنّ البيّنة هو كل ما أبان الحق سواء كان بالشهود والأيمان أو بغيرها مما يدل على المصيب من المتخاصمين وهذا الثاني هو الذي اختاره ابن القيم وهو الأقرب.
قال ﵀ (المدعي من إذا سكت ترك)
المدعي هو كل من إذا سكت ترك لأنه هو الطالب والطالب إذا سكت ترك وقيل أنّ المدعي هو من يطالب غيره بحق في يده أو ذمته يعني في يد المطلوب أو ذمته. وهذا في الواقع هو الصحيح وهذا هو التعريف. لأنّ قولهم من إذا سكت ترك أخذنا أنه إذا تقدم المدعي إلى مجلس الحكم فإنّ القاضي ينبغي أن لا يستمر في السكوت إلى أن يتكلم أحدهما بل ينبغي أن يبادر فيقول أيّكما المدعي فالتعريف الثاني هذا هو الصواب.
ثم - قال ﵀ (والمدعى عليه من سكت لم يترك)
لأنه مطلوب والمطلوب لا بد أن يجيب إما بالإقرار أو بالإجابة عن بيّنة المدعي , وقيل أنّ المدعى عليه هو من يطالب بحق ومن يطالب بحق لغيره وهذا أيضا هو التعريف الأقرب إن شاء الله.
ثم - قال ﵀ (ولا تصح الدعوى والإنكار إلاّ من جائز التصرف)
جائز التصرف هو من جمع ثلاث خصال البلوغ والعقل والرشد. يعني التكليف مع الرشد فهذا شرط لصحة الدعوى لأنّ من لا يصح قوله لا يصح تصرفه في الأموال فإذا كنا لا نصح تصرفه فلا نصحح قوله وإذا لم نصحح قوله لم نصحح تصرفه.
ثم - قال ﵀ (وإذا تداعيا عينا بيد أحدهما فهي له مع يمينه)
стр. 2856
إذا تداعيا عينا هي في يد أحدهما فهي لمن العين بيده لكن مع يمينه ودل على هذا الحكم قول النبي ﷺ لو يعطى الناس بدعواهم لا ادعى قوم دماء ناس وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه. فهذا الحديث يعتبر قاعدة هذا الباب وهو أنّ الإنسان لا يعطى بمجرد الدعوى ولهذا تجد المؤلف ﵀ (إذا تدعيا عينا بيد أحدهما فهي له لكن مع يمينه يعني فإنها تبقى معه لأنّ الآخر لم يأتي ببيّنة.
ثم - قال ﵀ (إلاّ أن تكون له بيّنة فلا يحلف)
إذا تداعيا عينا بيد أحدهما وأيضا من العين بيده معه بيّنة على أنها له فإنّ العين تبقى بيده بلا يمين إلى هذا ذهب جماهير السلف والخلف
من التابعين والأئمة وجماهير السلف والخلف واستدلوا على هذا بأنّ البيّنة إنما وضعت شرعا لتبيّن مع من الحق فإذا بيّنت أنّ الحق مع صاحب اليد لم نعد بحاجة إلى اليمين.
والقول الثاني: مذهب شريح فإنه ألزم مع البيّنة باليمين يعني لم يكتفي بمجرد بالبيّنة بل أضاف إلى هذا اليمين ولما قيل له ما هذا الذي أحدثت قال أحدث الناس فأحدثت. وهذه العبارة تدل على أنه ﵀ كان متفرد بهذا القول في زمن التابعين لأنّ السائل وصفه بأنه أحدث القول وأيضا شريح لم ينكر ولم يقل بل لي سلف والصحيح إن شاء الله أنّ طلب اليمين مع البيّنة يعود إلى القاضي فإنه إذا شك في بيّنته ورأى أن يلزمه مع ذلك باليمين فله ذلك لاسيما مع فساد الزمان وضعف الذمم وضعف التدين.
ثم - قال ﵀ (فإن أقام كل واحد بيّنة أنها له قضي للخارج ببيّنته ولغت بيّنة الداخل)
الداخل هو من العين بيده , والخارج هو من العين ليست بيده فالمذهب إذا تداعى رجلان كل منهما له بيّنة والعين بيد أحدهما فالحكم أنها تعطى لبيّنة الخارج يعني لمن لم تكن العين بيده واستدلوا على هذا بأدلة:
الدليل الأول" أنّ النبي ﷺ قال البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر. فحصر النبي ﷺ البيّنة في جانب المدعي فبيّنة المدعي هي المعتبرة.
стр. 2857
الثاني" أنّ بيّنة المدعي فيها زيادة والقاعدة أنّ من معه زيادة يقبل. وجه الزيادة يقرره الدليل الثالث وهو أنّ بيّنة من بيده العين قد تكون استفيدت من كون العين بيده فشهد معه لأنه يرى العين بيده وهي أدلة كما ترى وجيهة وترفع الاستغراب الذي قد يقع للناظر في هذه المسألة.
القول الثاني: وهو للجمهور أنها تكون لمن بيده العين لأنّ من بيده العين معه اليد والبيّنة وهذا القول الذي ذهب إليه الجمهور هو القول المتبادر إلى الذهن إذا اجتمع رجلان مع كل منهما بيّنة إلاّ أنّ إحدهما معه أيضا اليد فإنه يرجح باليد وهذا هو الراجح إن شاء الله بقينا في مسألتين إذا كانت العين ليست في يد أيِّ منهما , وإذا كانت العين في يد كل منهما! فالحكم أنهما يتحالفان ويتناصفان العين
لأنه ليس لأحد منهما ما يدل على رجحان جانبه. وهذه المسائل وإن كانت تقرر بهذا الشكل إلاّ أنه لا يخفى على الإنسان أنّ القاضي إذا عرضت عليه القضية لا يجمد على مثل هذه الأقوال بل يتحرر ويلتمس الحق حيث كان ويتأمل في البيّنات وأوضاع المتكلم وأوضاع المتداعيين وطبيعة العين يعني أنا أخشى ما أخشاه أنّ الإنسان يفهم الأقوال قوالب أنّ القاضي إذا جاءه مثل هذه المسائل يحكم بهذه الطريقة أنّ العين بيد فلان إلى آخره هذا هو الأصل ولكن القاضي عليه أن يتحرى وأن يكون مقصوده وهمّه هو إيصال الحق إلى صاحبه بأيّ طريقة كانت.
بهذا انتهى الكتاب وننتقل إلى الشهادات.
стр. 2858
كتاب الشهادات
الدرس (١) من الشهادات
قال ﵀ كتاب الشهادات.
مناسبة الإتيان بكتاب الشهادات بعد القضاء من وجهين:
الوجه الأول: أنّ الشهادة لا تقبل إلاّ في مجلس القضاء فشابهت القضاء الذي لا يكون إلاّ في مجلسه.
الثاني: أنّ في كل بين الشهادة والقضاء قاسم مشترك وهو أنه ينتفع بها أحدهما ويتضرر الآخر وهذا قاسم مشترك بين القضاء والشهادة
ولهذين السببين ناسب أن يذكر الفقهاء كتاب الشهادات بعد كتاب القضاء.
والشهادات جمع شهادة. والشهادة في لغة العرب / هي الإخبار بصحة الشيء عن مشاهدة لا عن ظنّ وتخمين وأما في الشرع فهي قريبة من هذا المعنى فالشهادة في الشرع: هي الإخبار بصدق أحدهما في مجلس القضاء بلفظ الشهادة.
стр. 2859
والشهادة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. وستأتي إن شاء الله الأدلة.
قال ﵀ (تحمّل الشهادة في غير حق الله فرض كفاية)
تحمل الشهادة فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الباقين. والدليل على هذا قوله تعالى ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البقرة/٢٨٢] ومعنى الآية عند الحنابلة إذا ما دعوا ليتحملوا الشهادة واعترض على هذا القول بأنّ الآية إنما هي في الأداء وليست في التحمل ولا يستقيم أن نستدل بها على التحمّل.
والجواب على هذا أنّ الصحيح من أقوال المفسرين الذي ذهب إليه الحسن وغيره أنها في التحمل والأداء فيصلح أن يستدل بها الحنابلة فإذن تحمل الشهادة فرض كفاية إذا لم يقم به من يكفي فإنّ الجميع آثمون فإذا دعي الإنسان إلى أن يشهد واستطاع أن يشهد وعلم أنه لن يشهد معه أحد أو سيتخلف الناس فهو آثم إن لم يشهد مع أخيه.
يقول الشيخ ﵀ (في غير حق الله)
أفادنا المؤلف أنه في حقوق الله فإنّ الشهادة لا تعتبر فرض كفاية وهي عند الحنابلة مباحة أو يستحب تركها واستدلوا على هذا بأنّ الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهات والنبي ﷺ يقول من ستر مؤمنا في الدنيا ستره الله في الآخرة. فدلت هذه النصوص على أنّ تحمل الشهادة في باب الحدود مباح أو يستحب تركه. والأقرب والله أعلم أنه يستحب تركه لأنّ النصوص المروية عن الصحابة تميل إلى هذا المعنى في باب الحدود.
مسألة / هو يستحب تركه إذا لم يكن من أتى الحدود معروفا بالفساد والشر والإيذاء فإن كان معروفا بذلك فإنّ التحمل في حقه يعني في الشهادة عليه يدور بين الاستحباب والوجوب فكل ما كان شره أكبر صار واجبا. وكل ما كان شره أقل صار مستحباً.
ثم - قال ﵀ (وأداؤها فرض عين على من تحملها)
стр. 2860
إذا تحمل الإنسان الشهادة فالأداء فرض عين. لقوله تعالى ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [آل عمران/١٨٧] وهذا صريح في أنّ أداء الشهادة فرض عين ومن المعلوم أنّ أداء الشهادة فرض عين على من تحملها.
والقول الثاني: أنّ أداء الشهادة أيضا فرض كفاية. والمسألة تتصور فيما إذا تحمل أكثر من واحد فإذا لم يتحمل إلاّ واحد فإنّ الخلاف يلتغي لأنه إذا كان فرض كفاية ولم يتحمل إلاّ هو أصبح فرض عين عليه إنما يتصور فيما إذا كانوا أكثر من واحد والصواب مذهب الحنابلة وهو انه فرض عين. لأنّ القول بأنه فرض كفاية يؤدي إلى تدافع الشهادة وهي تؤدي بدورها إلى ضياع الحقوق الأقرب إن شاء الله أنه بالنسبة للأداء فرض كفاية ونحن نشاهد في الواقع ونسمع من كثير من الناس أنّ الإشكال في الأداء قد يكون أكبر من الإشكال في التحمل أليس كذلك؟ التحمل ممكن يأتي وينظر في القضية ويتحمل ويشهد. ثم متى طلب منه الأداء حصل التردد والتلكأ والتباطؤ وكثيرا ما يكون هذا التردد سببا في ضياع الحقوق ولذلك نقول أجاد الحنابلة كل إجادة في اعتبار الأداء فرض عين.
قال ﵀ (متى دعي إليها)
يعني أنه يشترط للوجوب أن يدعى إليها فإن لم يدعى إليها فإنه لا يجب عليه. والدليل على هذا أنّ النبي ﷺ ذمّ قوما من الناس يأتون آخر الزمان يشهدون ولا يستشهدون. فدل الحديث على أنّ من بذل الشهادة بلا طلب منه فهو مذموم ولهذا اشترط الحنابلة للوجوب أن تطلب منه.
стр. 2861
والقول الثاني: أنّ الشهادة إذا لم تكن معلومة للمشهود له فإنّ بذلها واجب ولا ينتظر بها الطلب لأنّ المشهود له لا يعرف أصلا بهذه الشهادة وإذا لم يعرف بها فإنّ بذلها يصبح واجبا لئلا يضيع الحق على أصحابه وهذا القول إن شاء الله هو الراجح ولا يخفى أنّ هذا القول هو الراجح لأنه المشهود له نفترض فيه أنه لا يعرف الشهادة ولا يدري أنّ زيد أنّ زيد يشهد له أو يمتلك معلومة تفيده في القضية حينئذ نقول إذا علمت بهذا فإنه يجب أن تبذل الشهادة وهذا القول هو المتعيّن ويستوي في هذا ما إذا كان الشاهد يعلم أنّ المشهود له لا يعرف عن شهادته شيئا أو إذا كان يجهل هل يعلم أو لا يعلم. فأيضا في هذه الصورة يجب أن يبذل الشهادة لماذا؟ لأنه قلنا نحن أنّ كتاب القضاء كله في الشرع إنما شرعه الله لإيصال الحق إلى أصحابه فكل ما من شأنه أن يؤدي إلى إيصال الحق إلى أصحابه فهو واجب. الشرط الثاني
قال ﵀ (وقدِر بلا ضرر في بدنه أو عرضه أو ماله أو أهله وكذا التحمل)
يشترط للتحمل والأداء أن لا يترتب على أيّ منهما ضرر فإن ترتب عليه ضرر فإنه لا يكلف لا أن يتحمل ولا أن يشهد لقول النبي ﷺ لا ضرر ولا ضرار. واستدل الحنابلة أيضا بتعليل جميل وهو أنه لا يجب على الإنسان أن ينفع غيره بما يضر به نفسه هذه كالقاعدة. ولهذا نحن نقول يجب على المسلم أن ينقذ الغريق إذا كان يحسن السباحة فإذا كان لا يحسن فإنه لا يجب عليه
وهذه ترجع لهذه القاعدة المذكورة.
ثم - قال ﵀ (ولا يحل كتمانها)
كأنّ المؤلف ذكر هذا ليرتب عليه ما بعده. وأما تحريم الكتمان فهو مستفاد من ماذا؟ كونها فرض عين فنحن نقول دليل تحريم الكتمان
أنّ الأداء فرض عين لكن لعل الشيخ ﵀ ذكرها ليرتب عليها ما بعدها.
قال ﵀ (ولا أن يشهد إلاّ بما يعلمه)
стр. 2862
يشترط للشهادة أن يكون الشاهد عالما بما يشهد لقوله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء/٣٦] ولقوله ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ [الزخرف/٨٦] ولما يروى عن النبي ﷺ أنه قال أترى الشمس على مثلها فاشهد. وهذا الحديث ضعيف أو ضعيف جدا ولكن لا إشكال في صحة معناه وهو معنى صحيح محفوظ في الشرع. والشهادة بغير علم من شهادة الزور والظلم وصاحبها آثم لأنّ من شروط الأداء وهو شرط صحة لا شرط وجوب أن يشهد بما يعلم.
ثم - قال ﵀ مرتبا على هذا (برؤية أو سماع)
لما قرر الشيخ أنّ العلم واجب أراد أن يبيّن طريقة العلم. فبيّن أنه لا يمكن أن نعلم عن شيء إلاّ من خلال ثلاثة أمور السمع والبصر والاستفاضة , لا يمكن للإنسان أن يعرف خبر إلاّ بالسمع أو البصر أو الاستفاضة. بدأ الشيخ بالأصل وهو السمع والبصر والغالب على البصر أن يعلم به الأفعال والغالب على السمع أن يعلم به العقود والأقوال. أليس كذلك؟ والسمع والبصر من أدوات العلم التي أجمع عليها الفقهاء والعلماء والعقلاء لأنّ الإنسان إنما يعرف الأشياء بسمعه أو ببصره.
ثم - قال ﵀ (أو الاستفاضة)
الاستفاضة في اللغة وفي الاصطلاح / هي ذيوع الشيء وانتشاره. فإذا ذاع وانتشر فهو استفاض هذا في اللغة وفي الاصطلاح.
يقول ﵀ (أو استفاضة فيما يتعذر علمه بدونها)
إنما تعتبر الاستفاضة بهذا الضابط أو القيد أن يتعذر العلم بالمشهود به بدونها والمقصود بقوله بدونها يعني الضمير يعود إلى الاستفاضة لكن متى يكون متعذرا العلم بدونها إذا تعذر السمع أو البصر لأنّ أقسام الإدراك تنقسم إلى ثلاثة فقط. السمع والبصر والاستفاضة.
стр. 2863
الدليل ذهب الحنابلة والجمهور إلى اعتبار الاستفاضة من أدوات الإدراك التي يجوز الاعتماد عليه في الشهادة لأنه إذا لم يمكن إدراك الشيء بالسمع ولا بالبصر فإذا أغلقنا الشهادة عليه بالاستفاضة فقد أدينا إلى الإضرار بالمشهود له. وذلك أنه لن يشهد له باعتبار أنه تعذر السمع والبصر فإذا أغلقنا باب الاستفاضة أيضا أدى هذا إلى عدم الشهادة له. وهذا صحيح ولا إشكال فيه وهو أنه إذا تعذر العلم بالسمع والبصر جاز أن نشهد عليه بالاستفاضة , ومع كونه وضع ضابطا ذكر أشياء معيّنة يجوز الشهادة بها بالاستفاضة.
يقول الشيخ ﵀ (كنسب)
النسب ومثله الولادة يجوز الشهادة بالاستفاضة عليها بالإجماع لأنّ العلم بالنسب والولادة مما يتعذر ولأننا لو منعنا الشهادة عليه بالاستفاضة لأدى هذا إلى ضياع الأنساب. فالنسبة للنسب والولادة أمر مفروغ منه وأجمع عليه الفقهاء.
ثم - قال ﵀ (وموت وملك مطلق , ونكاح ووقف)
هذه الأشياء محل خلاف فالحنابلة يرون أنّ الشهادة عليها بالاستفاضة صحيح لأنه يتعذر غالبا وليس دائما العلم بها بدون استفاضة.
القول الثاني: أنه لا يجوز الشهادة بالاستفاضة إلاّ على أمرين فقط النكاح والموت.
والقول الثالث: أنّ الشهادة بالاستفاضة تجوز في كل ما لم يطلع عليه إلاّ خواص الناس مما يتعذر معه العلم بالسمع أو البصر وهذا القول الثالث هو الصحيح. مثلا الموت الآن محل خلاف ولا إجماع؟ محل إجماع لأنّ القول الثاني يقول النكاح والموت إذا هو محل إجماع لكن نذكره من باب التمثيل لتقريب الضابط عادة إذا احتضر الإنسان يحضره كل الناس ولا أقربائه؟ أقربائه العامة أو خاصتهم.
стр. 2864
الخاصة. خاصة الخاصة. ولهذا نقول الموت من الأمور التي لا يمكن أن يشهد عليها بالسمع والبصر لأنه لا يحضره عادة إلاّ خواص الناس كذلك عقد النكاح من الأمور التي يحضرها عامة الناس ولا الخاصة؟ بل جرى العرف عندنا أنهم يجلسون في مجلس عام فإذا أرادوا عقد القران انتقلوا إلى مجلس خاص إذن كل أمر لا يمكن أن يطلع عليه إلاّ خواص الناس فيجوز الشهادة عليه بالاستفاضة. تقدير هذا الأمر يرجع إلى القاضي. طبعا المالكية هم أكثر الناس توسعا في الشهادة بالاستفاضة توسعوا وذكروا صورا كثيرة في إثبات الشهادة بالاستفاضة وهذا من وجهة نظري من محاسن مذهب المالكية.
قال ﵀ (ومن شهد بنكاح أو غيره من العقود فلا بد من ذكر شروطه)
في هذه المسألة خلاف يشبه تماما الخلاف في مسألة سابقة وهي أنهم رأوا أنّ من ادعى بشيء من العقود فعليه أن يذكر شروطه فالخلاف في تلك المسألة كالخلاف في هذه المسألة تماما.
قال ﵀ (وإن شهد برضاع , أو سرقة , أو شرب , أو قذف , فإنه يصفه ويصف الزنا ..... ثم قال ويذكر ما يعتبر للحكم ويختلف به في الكل)
أفادنا المؤلف مسألتين: المسألة الأولى أنه إذا شهد برضاع أو سرقة إلى آخره. فإنه يجب أن يصف هذا الرضاع أو السرقة وأفادنا أيضا أنّ الوصف يجب أن يشتمل على ما ذكره في الأخير وهو أن يشتمل على كل ما يعتبر للحكم ويختلف الحكم باختلافه فإذا شهد بالرضاع يجب أنّ يبيّن عدد الرضعات وكيفية الرضعة وسن الرضيع وكل ما يختلف الحكم به وإذا شهد بالسرقة فيجب أن يذكر الحرز وأنه حرز شرعا والمال وأنه بلغ نصابا ويجب أن يذكر كل ما يتعلق بالحكم لأنه قد يرى هو سرقة ما ليس بسرقة في الشرع. الدليل على وجوب ذكر هذه الأشياء هو أنّ اعتبار هذا العمل سرقة واعتبار أخذ الطفل رضاع مما يختلف فيه العلماء فعليه أن يبيّن ليتبيّن للقاضي هل ما يشهد به يعتبر صحيح أو ليس بصحيح. وهذا صحيح ولا تشبه هذه المسألة المسألة السابقة وهي أن يذكر شروط العقد بل هنا ما يتعلق بالرضاع والسرقة ونحوها أمور حساسة ويترتب عليها أمور كبيرة فيجب عليه أن يبيّن بالضبط ويصف كل ما يشهد به لكن المؤلف يقول ﵀ (ويصف الزنا بذكر الزمان والمكان)
стр. 2865
وهذا تقدم معنا في حد الزنا.
ثم - قال ﵀ (والمزني بها)
يعني ويجب أيضا أن يبيّن في جملة ما يبيّن المرأة المزني بها وعللوا هذا بأنّ المرأة المزني بها ربما تكون ممن يحل للزاني أن يطأها فعلى الشاهد أن يبيّن من هي المرأة لتزول هذه التهمة أو ليزول هذا الاحتمال.
والقول الثاني: أنه لا يجب عليه أن يبيّن من هي المزني بها وأنّ الشهادة تامة وكافية بذكر ما يتعلق بالزنا دون هذا الأمر واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول" أنّ النبي ﷺ لم يسأل ماعزا عن المزني بها.
الثاني: أنه لا تعلق لهذا بحد الزنا فإنّا الزنا معلوم عند الناس أنه أن يطأ أجنبية.
الثالث: أنّ في هذه فضحا للمرأة وهتكاً لسترها والشارع يتشوف إلى عدم ذلك ولا إشكال أنّ هذا هو الراجح وما ذكره الحنابلة ضعيف جدا وغريب وهو أنه يلزم الشاهد من هي المرأة إذا كان النبي ﷺ لم يلزم الزاني بذكر المرأة فكيف نلزم الشاهد بذكر المرأة وعلى هذا جرى عمل المسلمين فيما أعلم من شهد بزنا فإنه لا يكلف باسم المرأة وكذلك من زنى لا يكلف بذكر اسم المزني بها يستثنى من هذا مسألة وهي ما إذا علم القاضي او مباشر القضية أنّ المزني بها مشتهرة بالفساد وداعية له فمثل هذه المرأة
ينبغي على القاضي ومن تولى القضية أن يهتك سترها وأن يوقفها عند حدها لأنّ مشهورة بالفساد والجلب للناس من نساء المسلمين ليزنى بهن هذه شرّها لم يتوقف عليها وإنما تعداها إلى غيرها فمثل هذه لا يحسن أبدا أن يستر عليها.
فصل
قال المؤلف ﵀ (شروط من تقبل شهادته ستة: البلوغ فلا تقبل شهادة الصبيان)
الشرط الأول: في الشاهد أن يكون بالغا فإن لم يكن بالغا ولو كان مراهقا من أعقل الناس فإنها لا تقبل له شهادة واستدلوا على هذا بقوله تعالى ﴿ممن ترضون من الشهداء أ﴾ [البقرة/٢٨٢] والصبي لا يرضى وقوله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة/٢٨٢] فنص على من رجالكم.
والقول الثاني: أنه تقبل شهادة ابن العشر في غير الحدود لأنه مميز ويعقل ويعرف ما يقول أشبه بذلك البالغ.
القول الثالث: أنها تقبل من الصبيان مطلقا فيما يقع بينهم.
стр. 2866
القول الرابع: أنها تقبل من الصبيان مطلقا فيما يقع بينهم بشرطين: أن يكون في الجراح , وقبل أن يتفرقوا. واستدل أصحاب القول الرابع بأنّ هذا هو المروي عن علي أبي طالب فإنه قبل شهادة الصبيان بينهم قبل أن يتفرقوا في الجراح ولأنهم قبل أن يتفرقوا يوثق بكلامهم وبعد أن يتفرقوا لا يوثق من جهتين. الأولى " قد يهموا وينسوا لصغرهم. والثانية وهي التي قد تقع قد يلقنوا. فلأجل هذا نشترط أن يكون قبل التفرق. والقول الراجح إن شاء الله هو الأخير وفهم من ترجيح هذا القول أنّ الصبي في غير ما يقع بين الصبيان
لا تقبل شهادته مطلقا لكن تقدم معنا أنّ القاضي له أن يعزر إذا نقصت الشهادة عن الحكم الشرعي مثل أن تشهد المرأة فيما لا يقبل به إلاّ الرجال أو أن يشهد الصبي فيما لا يقبل به إلاّ الكبار فمثل هذا القاضي وإن لم يعتبر الشهادة إلاّ أنه ينبغي أن يعزر تعزيرا بليغا وإن لم يصل إلى إقامة الحد.
ثم - قال ﵀ (الثاني: العقل فلا تقبل شهادة مجنون ولا معتوه)
شهادة المجنون لا تقبل بالإجماع لأنه لا يفقه ما يقول ولا يعي ولا يضبط فشهادته ملغاة ولا قيمة لها شرعا وهو أمر محل إجماع وبدهي.
ثم - قال ﵀ (وتقبل ممن يخنق أحيانا في حال إفاقته)
الشهادة تقبل ممن يغيب عقله ويحضر ونشترط لهذا أن يشهد حال إفاقته لأنه حال إفاقته عاقل شهد بما يعلم فاستوفى الشروط وهل مقصودهم أن يشهد حال إفاقته أو أن يتحمل حال إفاقته؟ يعني إذا جاءنا رجل يجّن ويصحوا جاءنا حال الصحوا والإفاقة وعقله على أكمل ما يكون فهل نقول له هل تحملت وأنت في حال الجنون أو نقبل شهادته؟ نقبل شهادته وهذا كلام المؤلف دقيق يقول أن يشهد حال إفاقته فإذا شهد قال اشهد أنّ فلان باع على فلان شهادته ولا نسأل كان حاضر أثناء العقد. لماذا لا نسأل هذا السؤال؟ لماذا نفترض لن يشهد إلاّ وهو عالم؟ لأنّا نفترض أنه عدل والعدل لن يكذب مادام هو الآن عاقل سيأتينا الآن أناّ نفترض أنه عدل أليس كذلك؟ فهذا هو السبب فقط ما عداه ليس بسبب ولا نفترض أنه لن يتحمل إلاّ وهو عاقل لأنه قد يتحمل وهو مجنون ويكذب أليس كذلك؟
ثم - قال ﵀ (الثالث: الكلام فلا تقبل شهادة الأخرس)
стр. 2867
الأخرس الذي لا يتكلم ولا تفهم إشارته لا تقبل شهادته عند الأئمة الأربعة لأنّ مثله لا يتمكن من الأداء بحال فليست له إشارة تفهم ولا يتمكن من الكلام وهذا واضح.
ثم - قال ﵀ (ولو فهمت إشارته)
يعني أناّ لا نقبل منه ولو فهمنا إشارته إلى هذا ذهب الحنابلة واستدلوا على هذا بأنّ الأخرس وإن فهمت الإشارة إلاّ أنّ يبقى واردا فلا نقبل منه الشهادة.
والقول الثاني: أنّ شهادة الأخرس المفهوم الإشارة مقبولة لأنّا تمكنّا من فهم ما يريد فحصل الأداء بهذا وهذا اختيار ابن المنذر وهذا هو الراجح إن شاء الله ولاشك ويتحقق هذا جدا في وقتنا فإنّ إشارة الأخرس اليوم أصبحت كالنطق فيؤدي بها جميع المعاني ولو كانت دقيقة فلا مجال اليوم للقول بأنّ من يستطيع أن يتفاهم مع غيره بالإشارة لا تقبل شهادته فالحقيقة يكاد يكون قول شاذ وضعيف لأنّ اليوم الأخرس بالإشارة يصل إلى ما يصل به المتحدث تماما ولو دقت المعاني لأنه أصبح علم يدرس بدقة وتوضع لكل معنى دقيق عند المتكلم ما يقابله إشارة.
ثم - قال ﵀ (إلاّ إذا أداها بخطه)
فإذا أداها بخطه قبلت لأنّ التوهم والإشكال زال تماما فإنه سيكتب ما في نفسه.
والقول الثاني: التوقف وإلى هذا ذهب الإمام أحمد فإنه توقف في كتابة الأخرس وهي غريبة من الإمام ﵀ فإنه إذا كتب لا أدري ما معنى أو ما هو سبب التوقف إذا كتب فإنه لن يكتب إلاّ ما شاهد وأصبحت الكتابة تقوم مقام النطق تماما لاسيما والحنابلة يرون أنّ الكتابة في الطلاق من الصرائح , الحنابلة لا حرج عليهم. لكن الإمام أحمد لا أدري لماذا توقف! في مثل هذه المسألة إذا كتب فكتابته واضحة.
قال ﵀ (الرابع: الإسلام)
يشترط في الشاهد أن يكون مسلما فإن كان كافرا فلا تقبل شهادته على مسلم ولا على كافر لأنّ الكافر أبعد ما يكون عن العدالة والعدالة شرط كما سيأتينا والفقهاء يقولون الكافر أفسق الفساق فلا تقبل منه الشهادة مطلقا.
стр. 2868
القول الثاني: أنّ شهادة الكافر على الكافر تقبل ولا تقبل على المسلم واستدلوا على هذا بأنّ النبي ﷺ قبل شهادة الذميين بعضهم على بعض. وهذا الحديث ضعيف والراجح أنّ القاضي المسلم لا يقبل شهادة الكافر على كافر ولا على مسلم
وهذه المسألة تحتاج في الحقيقة إلى مزيد تأمل لكن اللي يظهر لي الآن هو أنها لا تقبل لأنها تنافي تماما العدالة والكافر يكذب على الله أليس كذلك؟ فكيف نستجيز كلامه وهو يكذب على الله فعلى خلقه من باب أولى. لكن مع ذلك المسألة تحتاج إلى أكثر ربما بحث.
يستثنى من شهادة الكافر على الكافر شهادة الذمي على المسلم في الوصية في السفر وتقدمت معنا في الوصية وهذه من مفردات الحنابلة
والأئمة الثلاثة لا يقبلونه في الوصية ولا في غيرها واستدلوا على هذا بأنّ من لا يقبل في الوصية لا يقبل في غيرها وأما الإمام أحمد فهو ذهب إلى قبولها قال شيخ الإسلام ﵀ ومذهب أحمد نص القرآن. صدق ﵀
قال ﵀ (الخامس: الحفظ)
стр. 2869
الحفظ هو أن لا يكثر منه السهو والغلط فإن كثر منه أحد هذه الثلاثة لم يقبل واستدلوا على هذا بأنه لا يأمن مع كثرة غلطه أن يخطأ في أداء الشهادة وهذا صحيح وشهادة المغفل غير مقبولة بل لكونه ضعيف الذاكرة ومن الناس من يكون قوي الذاكرة ولكنه مغفل يعني لا يفهم فلا يقبل لأنه مغفل , بعض الناس يضبط ولكنه مغفل لا يفهم مجريات القضية فمثل هذا ينبغي للقاضي أن لا يقبله والإنسان إذا تحدث مع أيّ شخص عرف مستوى تفكيره لاسيما القاضي الذي مارس الشهود والقضايا والخصوم فبمجرد ما يأخذ ويعطي مع الشاهد يعرف أنّ هذا الشاهد مغفل وربما ضحك عليه من المشهود له. ولهذا قال الحنابلة وغيرهم من الفقهاء أنه على القاضي إذا لم يقبل شهادة الشاهد لكونه مغفلا أو لكونه فاسقا عليه أن يقول نريد مع هذا الشاهد شاهد ولا يقول لم نقبل شهادة الشاهد وهذا من حسن الخلق ومن الابتعاد عن جرح مشاعر الشاهد فيقول نريد مع شهادة هذا الشاهد شاهد , وبإمكانه أن يقول قبلنا شهادة الشاهد لكن مع شاهد , وشهادة هذا الشاهد مع شاهد تكون مقبوله لماذا؟ لأنّّ الشاهد الثاني يؤكد شهادة هذا الشاهد وينفي عنه الوهم والغلط أليس كذلك؟ فبإمكانه أن يستخدم إحدى العبارتين ولا يقول يا أخي أنت مغفل لا نقبل شهادتك هذا غير مقبول مطلقا ولا يتناسب مع أخلاق المسلم.
ثم - قال ﵀ (السادس: العدالة)
العدالة شرط بالإجماع من حيث الجملة. لقوله تعالى ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة / ٢٨٢] والفاسق غير مرضي ونحن نقول في الجملة لأنه سيأتينا الآن عند بيان حد العدالة والخلاف بين أهل العلم.
والعدالة في لغة العرب / هي الاستقامة. وأما في الشرع / فقد أطال المؤلف في بيانها.
قال ﵀ (الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض بسننها)
العدالة عند الفقهاء تحصل بأمرين: اجتناب المحرمات وفعل الأوامر والالتزام بالمروءة سيأتينا.
يقول الشيخ ﵀ (ويعتبر لها شيئان: الأول الصلاح في الدين)
стр. 2870
الصلاح في الدين يعتبر للشهادة وذلك بأن يأتي بالواجبات ويبتعد عن المحرمات لكن الشيخ يقول ﵀ (أداء الفرائض بسننها الراتبة) اشتراط أداء الفرائض ليتصف الشاهد بالعدالة عليه الجماهير ولم أقف فيه على خلاف لأنه إذا ترك الفرائض فهو على قسمين:
إما أن يترك تركا مطلقا. فانتقل من الإسلام إلى الكفر , أو أن يترك تركا مقيدا فصار بترك الفرائض فاسقا.
يقول الشيخ ﵀ (بسننها الرواتب)
يشترط أن يلتزم بالرواتب مع النوافل وإلاّ لا يعتبر مستقيما واستدل الحنابلة على هذا بأنّ المداومة على ترك الرواتب تشعر بضعف الدين ورقته. مما لا يوثق مع بكلام الشاهد ومقصود الحنابلة بالرواتب هو أن لا يداوم على ترك الرواتب وليس مقصودهم انه بترك أي نوع من الرواتب يعتبر خرج من العدالة هذا ليس بمقصود لهم.
القول الثاني: أنّ المحافظة على الرواتب لا تشترط جملة وتفصيلا لأنّ الرواتب ليست بواجبة وترك غير الواجب لا يخل بالعدالة وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله.
ثم - قال ﵀ (واجتناب المحارم بأن لا يأتي كبيرة ولا يدمن على صغيرة)
المؤلف قال اجتناب المحارم ثم فسّر اجتناب المحارم بأن لا يأتي كبيرة ولا يداوم على صغيرة والكبائر في عرف الشرع هو كل عمل توعد عليه بالنار أو بالعذاب أو ترتب عليه حد في الدنيا. فهم من كلام المؤلف أنّ الإلمام أحيانا بالصغائر لا يخل بالعدالة لأنه اشترط الكبائر أو المداومة على الصغائر فإن دوام على الصغائر أو أتى شيئا من الكبائر فإنها لا تقبل شهادته بناء على هذا في وقتنا المعاصر كل من يشرب الخمر لا تقبل شهادته كل من يزني لا تقبل شهادته كل من يداوم على مشاهدة القنوات لا تقبل شهادته كل من يداوم على حلق اللحية لا تقبل شهادته كل من يداوم على الإسبال لا تقبل شهادته أليس هذا هو مقتضى؟ كل من لا يطيع والديه لا تقبل شهادته كل امرأة لا تتستر ولا تتحجب لا تقبل شهادتها , وبهذا صار تسعين بالمئة من الناس لا تقبل شهادتهم لهذا
стр. 2871
القول الثاني في هذه المسألة / أنّ العدالة في كل وقت بحسبها فما اعتبر عند أهل العصر من أهل العدالة فهو عدل وما لا فلا وهذا القول فيه غرابة , وجه الغرابة أنه جعل مناط العدالة مرتبط بالعرف وهذا غريب لأنّ العدالة وصف شرعي اسم شرعي يحتاج لتطبيقه إلى أدلة شرعية لكن هذا القول دليله الوحيد من وجهة نظري الضرورة لأنه لو لم نقل بهذا القول لأدى إلى ضياع حقوق الناس جملة وتفصيلا لأنّ اشتراط مثل هذا الشاهد يندر وإذا منعنا شهادة غيره صار هذا سببا في ضياع الحقوق وأنا أقول أنّه هذا في الحقيقة القول مع وجاهته وقوته إلاّ أنّ دليله الوحيد الضرورة لولا الضرورة لقلنا أنه مادام الشارع دلت النصوص على اعتبار هذا الشخص فاسق فإنها لا تقبل شهادته لكن الضرورة دلت على صحة هذا القول يستثنى من هذا على جميع الأقوال وعلى جميع التفريعات من فسقه بالكذب فمن فسقه بالكذب فإنا لا نقبل منه الشهادة لأنها تخل بالمقصود الأساسي من الحكم.
ثم - قال ﵀ (فلا تقبل شهادة فاسق)
سواء كان فسقه بالعمل أو بالاعتقاد , ويخرج من هذا أن يرتكب محرما يعتبر من محل الخلاف يعني من الأشياء التي اختلف فيها فإنّ ارتكابه لهذا المحرم لا يجعله فاسقا وإن ارتكب محرما فإذا الأشياء المختلف فيها لا تدخل ضمن الأشياء التي يفسق بها الإنسان.
قال ﵀ (الثاني: استعمال المروءة , وهو فعل ما يجمله ويزينه , واجتناب ما يدنسه ويشينه)
يشترط لصحة الشهادة أن يستعمل المروءة , فإن لم يستعمل المروءة فإنّ شهادته لا تقبل والدليل على هذا أنّ المروءة تمنع صاحبها من الدناءة والكذب نوع من الدناءة فصارت المروءة تمنع الكذب والمروءة في عرف الفقهاء هي ترك كل ما يذم فاعله عرفا وفعل كل ما يذم تاركه عرفا فهي أفعال وتروك.
يقول المؤلف ﵀ (استعمال المروءة وهو فعل ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه)
стр. 2872
المروءة تسقط بأمرين: الأول: أفعال. والثاني: صنائع. فالأفعال هو أن يفعل كل ما من شأنه أن يشينه عند الناس. طبعا لا يوجد ضابط غير هذا الضابط ولهذا تجد جميع الفقهاء يذهبون إلى التمثيل فإذا أكل في مكان لا يعهد الأكل فيه أو كشف شيئا من جسده لم يعهد كشفه في هذا المقام , أو تحدث وهذا يحصل من بعض الناس تحدث مع زوجته بما لا يناسب أن يتحدث معها فيه في مثل هذا المكان سقطت مروءته ولهذا نقول ما يفعله بعض الناس من إذا اتصلت عليه زوجته وهو بين أصحابه تكلم معها بما لا ينبغي أن يتكلم به الرجل مع زوجته إلاّ إذا انفردا سقطت مروءته بهذا حتى في وقتنا. كذلك لو وجدنا شخص أخرج سفرة الطعام على الرصيف وجعل هو وأولاده يأكلون وجبة كاملة فإنّ هذا يسقط المروءة كذلك يقولون كشف الرأس في مكان لا يكشف فيه الرأس أو كشف الظهر في مكان لا يكشف فيه الظهر أو كشف البطن في مكان لا يكشف فيه البطن يعتبر من مسقطات المروءة ونحن نقول في تعريف المروءة [أنه فعل كل ما يذم صاحبه عرفا] إذا كان لا يذم صاحبه عرفا فإنه لا حرج عليه فأشياء كثيرة بناء على هذا تختلف باختلاف الأعراف. الثاني: الصناعات: الصناعات الدنيئة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الصناعات الدنيئة المحرمة شرعا فهذه الصناعات تسقط المروءة بالإجماع.
القسم الثاني " الصناعات الدنيئة الجائزة شرعا المذمومة عرفا , مثل الحجام والكناس فهذا القسم الثاني فيه خلاف فالحنابلة يرون أنه لا يسقط المروءة واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول" أنه إذا أسقطنا مروءة الكناسين والحجامين فمن يشهد على ما يقع بينهم.
الأمر الثاني: أنّ هذه الصنائع بالمسلمين حاجة إليها فإسقاط المروءة بها يؤدي إلى الإضرار به.
القول الثاني: أنّ هذه الأعمال المذمومة عرفا الجائزة شرعا تسقط المروءة بها لأنّ صاحبها مذموم عرفا وأنتم تقولون أنّ كل عمل يذم صاحبه عرفا فإنه يسقط المروءة. والراجح؟ أنّ الحاجة ما الناس إليه بحاجة يسقط اعتبار العرف.
стр. 2873
الثاني: أنّ القاعدة التي اتفق عليها الفقهاء كلهم أنّه لكل قاعدة شواذ واستثناءات فالحجام والكناس مستثنى من هذا وهذا وجهة نظر الحنابلة أنه مستثنى والحقيقة القول بأنه ساقط المروءة قول من وجهة نظري ساقط والنبي ﷺ كان في عهده الحلاق والحجام والكناس ولم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلاّ أنّ شهادة مثل هؤلاء غير مقبوله ثم في هذا إزراء بهؤلاء الناس وهم يؤدون خدمة جليلة للمسلمين فكيف نسقط مروءتهم بهذا الشكل ونتبع إسقاط المروءة إسقاط الشهادة.
يقول ﵀ (ومتى زالت الموانع فبلغ الصبي وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قبلت شهادتهم)
تاب الفاسق نؤخرها. هؤلاء إذا زالت الموانع قبلت الشهادة لأنّ القاعدة أنّ المقتضي إذا وجد بلا مانع فعلى ما أدى فعله أو أدى نتيجته فمادام المقتضي موجود والمانع زال فإنّ نعمل بهذا المقتضي وهذا أمر واضح ولعل الشيخ ذكره ليرتب عليه قضية وتاب الفاسق إذ تاب الفاسق فإنه تقبل شهادته وهذا لا إشكال فيه والتوبة تحصل بشروط: الأول: الإقلاع عن الذنب. الثاني: الندم على وقوع الذنب , الثالث: العزم على عدم العود. الرابع: أداء الحقوق إذا كانت موجودة. وقبول توبة الفاسق لا إشكال فيها لكن اختلف الفقهاء هل يشترط لقبول توبة الفاسق أن يمضي وقت تعلم به توبته أو يقبل مباشرة فيه خلاف.
القول الأول: أنه يقبل مباشرة واستدلوا بأمرين: الأمر الأول: أنّ التوبة يمحى معها الذنب مباشرة يعني التوبة الصحيحة.
الثاني: أنّ النبي ﷺ يقول التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
القول الثاني: أنه يشترط مضي مدة تعلم بها توبته واستدلوا على هذا بأنّ عمر ﵁ لما ضرب صبيغا انتظر به سنة ثم كُلِم.
والراجح إن شاء الله أنّ هذا يختلف باختلاف التائب فإن كان مما ينبغي الانتظار به انتظر وإن كان ما يغلب على ظن الحاكم توبته قبل.
باب موانع الشهادة وعدد الشهود
لما بيّن الشروط انتقل إلى الموانع فقال ﵀ (لا تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم لبعض)
стр. 2874
لا تقبل شهادة عمودي النسب فلا يشهد الأب للابن , والابن للأب لأنّ النبي ﷺ نهى عن قبول شهادة الظنين بالقرابة يعني المتهم بسبب القرابة فلا تقبل شهادة أحدهما للآخر للتهمة.
والقول الثاني: أنها تقبل شهادة الابن للأب دون العكس لأنّ الأب له أن يتملك من مال ابنه فهو متهم.
القول الثالث: أنها تقبل فيما لا يجر نفعا كعقود النكاح والطلاق ونحوها ولا تقبل فيما يجر نفعا كعقود الأموال.
والقول الرابع: أنها تقبل مطلقا لعموم الأدلة.
والقول الخامس: وهو الصحيح. أنّ مناط الرد والقبول هو التهمة فإذا اتهمنا هذا الأب وظننا به أنه لم يصدق لم نقبل منه وإذا ظننا أنه صادق قبلنا سواء شهد الأب للابن أو الابن للأب وإلى هذا ذهب الشيخ العلامة ابن القيم وهو الصواب لأنه لا يوجد في النصوص شيء صحيح يدل على منع شهادة الأب لإبنه أو العكس ولكن يوجد في النصوص ما يدل على منع الشهادة مع وجود التهمة.
ثم - قال ﵀ (ولا شهادة أحد الزوجين لصاحبه)
لا يجوز أن يشهد أحد منهما لصاحبه لأنه جرت العادة بتوسع كل منهما بمال الآخر فهو متهم لذلك.
القول الثاني: تقبل شهادة الزوج لزوجته ولا تقبل شهادة الزوجة لزوجها لأنها إذا شهدت له فهي تجر نفعا لنفسها لأنه المنفق عليها.
القول الثالث: أنها تقبل الشهادة مطلقا لعدم وجود الدليل. والراجح في هذه المسألة هو الراجح في المسألة السابقة أنه متى وجدت تهمة ردت الشهادة من الزوج أو الزوجة أو الأب أو الابن وإلاّ فلا.
ثم - قال ﵀ (وتقبل عليهم)
يعني تقبل شهادة هؤلاء بعضهم على بعض إنما ترد شهادة بعضهم لبعض أما شهادة بعضهم على بعض فتقبل لأنّ التهمة منتفية تماما.
قال ﵀ (ولا من يجر على نفسه نفعا)
لا تقبل شهادة من يجر بهذه الشهادة لنفسه نفعا. مثال هذا من يشهد لشريكه فإنه إذا شهد لشريكه فما يأتي شريكه من المال فهو له فكأنه يشهد لنفسه ومن أمثلة هذا أن يشهد بمال لغريمه لأنّ هذا المال إذا جاء الغريم استفاد هو سداد الدين.
ثم - قال ﵀ (أو يدفع عنها ضررا)
стр. 2875
لا تقبل شهادته إذا شهد شهادة تدفع الضرر عن نفسه وهذه عكس المسألة الأولى كأن يشهد شهادة تدفع الضرر عن شريكه أو يشهد شهادة تدفع الضرر عن أخيه أو عن أبيه أو عن زوجته أو عن أمه. أو يشهد تدفع الضرر عن غريمه أو يشهد شهادة تدفع الدين أن يثبت على غريمه إذن الضابط [أن يشهد شهادة تدفع عنه ضررا]
ثم - قال ﵀ (ولا عدو على عدوه كمن شهد على من قذفه أو قطع الطريق عليه)
ذهب الأئمة الثلاثة والجماهير إلى أنّ شهادة العدو على عدوه غير مقبولة لأنه متهم والغالب عليه الحيف.
القول الثاني: لأبي حنيفة أنها تقبل وإن كان عدوا له قال أبو حنيفة لأنّا نفترض في الشاهد أن يكون عدلا والعدل لن يشهد إلاّ بالحق ولو على عدوه والراجح إن شاء الله مذهب الثلاثة لأنّ العدل قد يطرأ عليه ما يمنع من صدقه.
следующие страницы →