← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الجواب: لا يجوز. لماذا؟ لأن القاعدة تقول: أن كل شيء يحرم استعماله فإنه يحرم اتخاذه. ولماذا أخذوا بهذه القاعدة؟ قالوا: لأن الاتخاذ ذريعة إلى الاستعمال. الآن عرفنا هذه المسائل وهي واضحة وظاهرة: أن الأواني المباحة يجوز أن تستعمل مهما كانت مادة الصنع إلا ما ستثني في قوله: إلا آنية ذهب فضة ومضبباً بهما فإنه يحرم اتخاذها. • قال المؤلف ’: ((إلاّ آنية ذهب وفضة ومضبَّباً بهما: فإنه يحرم إتخاذها واستعمالها)) آنية الذهب والفضة يحرم استعمالها في الأكل والشرب بإجماع العلماء لحديث حذيفة ﵁: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة)). وحديث أم سلمة: ((الذي يشرب في آنية الذهب والفضة كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم)). وهذا الوعيد الخاص يدل على أن الشارع يعتبر أن استعمال هذه الأواني من الكبائر وليست أمراً سهلاً كما يتعامل معها كثير من الناس. • قال المؤلف ’: ((ومضبباً بهما)) يحرم استعمال الآنية التي ضببت بالذهب أو الفضة. والتضبيب هو: إصلاح ما انصدع – ما انكسر - من الإناء بالذهب أو الفضة. وهذا التعريف في هذا الباب وإلا فقد يكون التضبيب بمعدن آخر لكن نحن نتكلم عن التضبيب بالذهب والفضة. والدليل على أنه لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة ولا يجوز استعمال الأواني التي صنعت من مادة أخرى إذا كان فيها ذهب أو فضة: - أن الدارقطني أخرج هذا الحديث وذكر في لفظ له: ((أو إناء فيه شيء منهما)). هذا اللفظ حسنه الدارقطني نفسه في السنن ولذلك فهو صالح للإستدلال. ((نحن الآن نتكلم عن مسألة معينة مهمة وهي أنه كما أنه يحرم أن نستعمل أواني الذهب والفضة فإنه يحرم أن نستعمل الأواني التي فيها ذهب وفضة ولو كانت مصنوعة من نحاس أو من أي معدن آخر)). الدليل الآخر: قاعدة ذكرها شيخ الاسلام – وهي مفيدة أيضاً – قال: ((تحريم الشيء مطلقاً يقتضي تحريم كل جزء منه - أبعاض هذا الشيء)) فتحريم الذهب والفضة يقتضي تحريم أبعاض الذهب والفضة. - فإذا قيل لك ما حكم الإناء المصنوع من نحاس وضبب بالذهب والفضة؟ فالجواب: لا يجوز. - ما حكم الإناء المصنوع من خشب وطلي بالذهب؟ الجواب: لا يجوز.

стр. 37

- ما حكم الإناء المصنوع من بلاستيك وموه بالذهب؟ الجواب: لا يجوز. - ولماذا قلنا بعدم الجواز؟ الجواب: للحديث والتعليل. إذاًُ عرفنا الآن: = حكم الأواني المصنوعة من خالص الذهب أو الفضة. = وحكم الأواني المصنوعة من معادن أخرى وفيها ذهب أو فضة. • ثم قال ’ تعالى: ((فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها)) يعني أن الحنابلة – ﵏ – يرون أن آنية الذهب والفضة يحرم فيهما الاتخاذ والاستعمال سواء كان الاستعمال في الأكل أو الشرب أو في غيرهما كاستعمالها في الإدهان أو الاغتسال أو الوضوء أو لأي غرض آخر. ومذهب الحنابلة هذا هو: مذهب جماهير أهل العلم بل حكي إجماعاً فعامة الأمة على هذا القول وكذلك جملة المحققين من أهل العلم المتقدمين على هذا القول. - ما هو الدليل؟ قالوا: الدليل حديث أم سلمة وأبي حذيفة السابقين. - قيل لهم أنهما وردا في خصوص الأكل والشرب؟ قالوا: أن هذا خرج مخرج الغالب فإن الأواني غالباً ما تستعمل في الأكل والشرب ولذلك ذكرا في الحديث. ثم قالوا: بأن عندنا دليل آخر وهو: أنه جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ ((نهى عن آنية الذهب والفضة)) – هكذا مطلقاً بدون التقييد بذكر الأكل أو الشرب. وهذا الحديث ذكره ابن حزم وصححه. القول الثاني: أن المحرم هو الأكل والشرب فقط. استدل هؤلاء بعدة أدلة: الدليل الأول: أن الأحاديث المانعة جاءت بالأكل والشرب فقط. وهذا الاستدلال واضح فإنهم قالوا بأن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم ولو كان يريد النهي عن جميع الاستعمالات لجاء بلفظ يشمل جميع الاستعمالات. والدليل الثاني: قالوا: أن أم سلمة هي راوية حديث المنع ومع ذلك كانت قد اتخذت جلجلاً من فضة وضعت فيه شعرات للنبي ﷺ . ففيه أنها استخدمت آنية من الفضة والراوي أعلم بما روى فكأنها علمت أن النبي ﷺ أراد تخصيص النهي بالأكل والشرب.

стр. 38

هذا القول لا أعلم الآن أحداً قال به من المتقدمين إلا الصنعاني والشوكاني أما الأئمة كأحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وابن عيينة والفقهاء السبعة ومن بعدهم جملة متقدمي العلماء كلهم يرون أنه لا يجوز الاستعمال في الأكل والشرب وفي غيرهما. إنما من نصر هذا القول وأظهره الصنعاني وبعده الشوكاني. فلذلك أرى - بناء على أن جمهور السلف على القول الأول وبناء على الحديث الذي ذكره ابن حزم وهو نص في المسألة أن هذا القول بأن سائر الاستعمالات محرمة أكلاً وشرباً وغيرهما - هو الصواب إن شاء الله. وينبغي أن يكون الإنسان عنده توقف في الحقيقة إذا صار جمهور السلف أو كل السلف على قول من الأقوال والمخالف متأخر عنهم. فينبغي أن يكون عند الانسان تردد كبير جداً بمخالفة جمهور السلف هذا من جهة. ومن جهة أخرى الدليل الذي ذكره ابن حزم دليل قوي. • قال: ((ولو على أُنثى)) نفهم من هذه العبارة قاعدة مفيدة وهي: أن: باب الآنية أضيق من باب اللباس. وهذه القاعدة قررها شيخ الإسلام وهذه العبارة تدل عليها. وكيف عرفنا ذلك؟ من قوله ((ولو على أنثى)). = فالأنثى هل يجوز لها في باب اللباس أن تتحلى بالذهب والفضة؟ - الجواب: نعم يجوز. = وهل يجوز للأنثى أن تستخدم - في باب الآنية - أنية الذهب والفضة؟ - الجواب: لا. لايجوز. فعرفنا من هذا أن باب الآنية أضيق من باب اللباس. • ثم قال ﵀: ((وتصح الطهارة منها)) يعني أنه مع أن آنية الذهب والفضة يحرم على الإنسان أن يستعملهما. ومع ذلك لو توضأ الإنسان فإنه آثم ولكن طهارته صحيحة. = لماذا؟ - لأن النهي يعود لأمر خارج عن العبادة وهذا الذي ذكره الحنابلة صحيح. فلو أن إنساناً اشترى آنية من فضة وتوضأ منها فنقول أنت آثم ولكن الوضوء صحيح. • قال ﵀: ((إلاَّ ضبةً يسيرةً من فضة لحاجة)) هذا الاستثناء في قوله: ((إلا)) استثناء من التحريم. يعني: يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة والمضبب إلا ضبة يسيرة من فضة لحاجة. تقرير مذهب الحنابلة: أنه يجوز استعمال الآنية المضببة بشروط: الشرط الأول: أن تكون يسيرة. والشرط الثاني: أن تكون من فضة. والشرط الثالث: أن تكون لحاجة.

стр. 39

ويمكن أن نقول بشرط رابع هو: أن تكون ضبة. بمعنى أنه يجوز استخدام الآنية التي فيها فضة بشرط أن تكون على شكل ضبة أما لو كانت حلقة أو تمويه ... (مموه) فإنه لا يجوز وإنما التضبيب فقط. الدليل على هذه الشروط: أن البخاري أخرج عن أنس ﵁ (أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسة من فضة). وكيف نستنبط هذه الشروط التي ذكرها الحنابلة من الحديث؟ - أولاً: قوله: ((ضبة)) من قوله فاتخذ مكان الشعب. - ثانياً: قوله: ((يسيرة)) تستنبط من الحديث لأن غالب التضبيب يكون يسيراً. - ثالثاً: قوله: ((من فضة)) من نص الحديث من فضة. - رابعاً: قوله: ((لحاجة)) من الكسر لأنه لو لم ينكسر لم يحتج إلى تضبيبه ولكن سيأتينا أن هذا القيد ليس بصحيح. والمقصود بالحاجة هنا: أن يتعلق بها غرض صحيح لا أن لا يوجد غيرها. بمعنى لو أنه اتخذ التضبيب للزينة فلا يجوز لكن إذا اتخذه لغرض صحيح فيجوز ولو أمكنه أن يضبب الإناء بمعدن آخر. فالخلاصة أنه يجوز أن نستعمل الإناء إذا كان مضبباً بفضة بشرط أن تكون يسيرة ولحاجة. إذاً لو قيل لك ما هو ضابط التضبيب عند الحنابلة؟ - الضابط - المتبادر إلى الذهن - أن تكون من فضة ويسير ولحاجة فيتعلق الأمر بالكمية لأنه يقول يسيرة وبوجود الحاجة. بينما ذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى ضابط آخر فقال: ((أن الضابط هو الاستعمال وعدم الاستعمال لا الكثرة والقلة)). - فإذا كان إضافة الفضة للإناء في مكان يستعمل فإنه لا يجوز. - وإذا كان في مكان لا يستعمل فإنه يجوز. ومقصود شيخ الإسلام بقوله يستعمل يعني على انفراد. إذاً ما هو الضابط عند شيخ الإسلام الكثرة والقلة أو الاستعمال؟ الاستعمال. مثال يوضح المقصود: = لو وضعنا في إناء حلقة - عروة - هل هو يستعمل أو لا يستعمل؟ - يستعمل - فإنك تستعمله تمسك الإناء فتحمله بالحلقة - العروة. هذه الحلقة أو العروة لا تجوز ولو كانت قليلة لأنها تستعمل. ((انتهى الدرس الثالث))

стр. 40

• زيادة توضيح لقوله ﵀: إلاَّ ضبةً يسيرةً من فضة لحاجة

стр. 41

نريد الآن أن نقرر مذهب الحنابلة وأن يفهم في مسألة الضبة لأن مذهبهم هو أيضاً مذهب لكثير من أهل العلم بل نسب للجمهور. بعد أن قرر المؤلف أن أواني الذهب والفضة والأواني التي فيها شيء من الذهب والفضة كلها محرمة. ذكر ما يستثنى من هذا الحكم العام وهو قوله ((إلا ضبة يسيرة من فضة)). - فما هو الذي يستثنى؟ - يستثنى شيء واحد وهو التضبيب على أن يكون يسير ومن فضة ولحاجة هذا الشيء فقط هو الذي يستثنى. إذاً أربعة قيود وذَكَرْتُ ((بالأمس)) الدليل من حديث أنس ﵁ ((أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة)). وعرفنا الحديث وكيف أخذ الحنابلة منه هذه الأحكام التفصيلية. باقي الآن أن نفهم أن الحنابلة قرروا جواز استخدام الإناء المضبب بهذه الشروط ولكن أضافو حكماً آخر أنه تكره مباشرة الجهة التي فيها الفضة وهو معنى قوله ’ ((وتكره مباشرتها لغير حاجة)). = لماذا تكره المباشرة؟ - قالوا: لأن في المباشرة استعمالاً للفضة فقالوا: ((إلا لحاجة)). ومثلوا للحاجة: بما إذا شرب من غير جهة الفضة فأدى ذلك الى تدفق السائل وانكبابه قالوا: والحالة هذه فيجوز له بلا كراهة أن يشرب من الجهة التي فيها الفضة. الآن عرفنا مذهب الحنابلة: متى نستخدم الفضة في أي إناء؟ وما هو ضابط هذا الاستخدام؟ وما هو دليله؟ ومسألة كراهة مباشرة الجهة التي فيها الفضة. الآن انتهى فقه الحنابلة في هذه المسألة فنأتي إلى القول الثاني. القول الثاني: أن ضابط استخدام الفضة في الأواني هو الاستعمال وعدمه لا الكثرة ولا القلة. فإن الحنابلة يقولون: أن الفضة إذا كانت قليلة فيجوز وإذا كانت كثيرة فلا يجوز. شيخ الإسلام يقول أني قرأت كلام الإمام أحمد وفتاويه وتقريراته ففهمت منها أن الإمام أحمد يجعل الضابط: الاستعمال لا الكثرة ولا القلة. ويقصد بالاستعمال الاستعمال على جهة الإنفراد المثال الذي يوضح شيء يستعمل وشيء لا يستعمل ومعنى قولنا يستعمل على جهة الانفراد. قال شيخ الإسلام مثل الحلقة - وهي العروة - فأنت تستخدم العروة على جهة الانفراد فالعروة يقول شيخ الإسلام هي حرام ولو كانت قليلة لماذا؟

стр. 42

لأنها تستعمل والتضبيب جائز ولو كان كثيراً لأنه لا يمكن أن يستعمل على جهة الانفراد. إلا أن شيخ الإسلام أضاف قيداً دقيقاً يجب أن ينتبه إليه طالب العلم وهو: أنه يجوز أن نستخدم الإناء المضبب بالفضة ولو كثرت بشرط أن تكون أقل مما هي فيه - فلتكن كثيرة لكن بشرط أن تكون أقل مما هي فيه. أما إذا كان الإناء ثلثيه فضة تضبيباً وثلثه نحاس فهذا لا يجوز ولو لم تستعمل. انتهينا الآن من فقه مسألة ما يستثنى من أواني الذهب والفضة • ثم انتقل ’ إلى مسألة أخرى فقال ((وتباح آنية الكفار ولو لم تحل ذبائحهم وثيابهم: إن جهل حالها)) أواني الكفار يقصد بها: أواني أهل الكتاب وأواني غير أهل الكتاب. عند الحنابلة يجوز لنا أن نستعمل أواني أهل الكتاب والكفار من المشركين أو ممن ليس لهم دين واستدلوا على هذا بنصوص واضحة وقوية: الأول: قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (المائدة/٥). ومن المعلوم أن أهل الكتاب إنما يطبخون طعامهم في أوانيهم هذا وجه الاستدلال. الثاني: أن النبي ﷺ دعاه يهودي ودعته يهوديه وأكل ومعلوم أن اليهودي واليهودية طبخا في أوانيهما. = فإن قلت: بأن جميع الأدلة المذكورة تتعلق بأهل الكتاب؟ - فالجواب: أن النبي ﷺ وأصحابه توضئوا من مزادة امرأة مشركة وهذا في صحيح البخاري والمشركة ليست من أهل الكتاب. فتبين جواز استخدام أواني أهل الكتاب والكفار من غيرهم. نأتي إلى الثياب: الثياب تنقسم إلى قسمين: القسم الأول من الثياب: الثياب التي لم تستعمل - الجديدة - فهذه اتفق الأئمة على أن ثياب الكفار الجديدة التي لا تستعمل يجوز للمسلمين أن يستعملوها بدليل أن ثياب النبي ﷺ وأصحابه كانت في الغالب من صنع الكفار. القسم الثاني: الثياب التي يستخدمونها - يعني يلبسونها فهذه أيضاً على قسمين: - إما أن تكون فوقانية: أي أنها لا تمس العورة كالعمامة والثوب الخارجي فهذه أيضاً يجوز للمسلمين أن يستعملوها لأن الأصل العام في الشرع الطهارة ولا نحكم على عين من الأعيان بالنجاسة إلا بدليل.

стр. 43

- ما ولي عوراتهم: يعني إذا لبس لباساً يلي العورة فهذا أيضاً جائز لكن مكروه عند الإمام أحمد وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم من أئمة الإسلام وهذا التفصيل كله فيما لا يعلم نجاسته فإذا علمنا أن الكفار يشربون في هذه الأواني الخمر أو يطبخون الخنزير أو يطبخون الميتة لأن كثيراً من ذبائح أهل الكتاب ميتة لأنها تذبح على غير الطريقة الإسلامية. فإذا علمنا ذلك فإنه لا يجوز لنا أن نستعمل هذه الأواني إلا بعد غسلها. = فإن قيل: أنه يتعارض مع تقرير الجواز أن النبي ‘ سئل عن أواني الكفار فقال: ((لا تستعملوها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها)). = فالجواب عن هذا الحديث من وجهين: - الوجه الأول: أن هذا الحديث يقصد به أناس من المشركين عرفوا بمباشرة النجاسة - الوجه الثاني: أن هذا الحديث يحمل على الكراهة التنزيهية والحامل له على الكراهة التنزيهية النصوص الكثيرة في الشرع التي تدل على جواز استخدام أواني الكفار وبهذا كمل حكم ثياب وأواني الكفار. • وننتقل إلى المسألة الأخرى • قال ’: ولا يطهر جلد ميتة: بدباغ هذه المسألة غاية في الأهمية فمسائل الفقه تتفاوت في الأهمية والمسألة تأخذ أهميتها من كثرة الحاجة إليها. فمسألة دباغ الجلود مسألة مهمة جداً ويحتاج طالب العلم أن يكون على بصيرة ووضوح في أحكامها كما سبق نقرر أولاً مذهب الحنابلة. • يقول ’: ((ولا يطهر جلد ميتة: بدباغ ويباح استعماله بعد الدبغ: في يابس من حيوان طاهر في الحياة)) الحنابلة لا يرون أن أي جلد يطهر بالدباغة فجلود الميتات كلها نجسة ولا يمكن أن تطهر بالدباغة. وهذا القول للحنابلة من المفردات. وعندنا قاعدة في مفردات الحنابلة هي: ((أن أي مسألة من مفردات الحنابلة ففي الغالب لها نص لأن الإمام أحمد لا ينفرد إلا بشي فيه نص)). استدلوا بنص قالوا أنه روي في الحديث الصحيح - رواه ابن عكيم قال أتانا كتاب ﷺ قبل أن يموت بشهر ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)). وهذا الحديث ضعفه الحافظ البارع الناقد ابن معين بل الإمام أحمد كان يأخذ بهذا الحديث ثم تركه لا ضطرابه.

стр. 44

فالحنابلة يرون أن كل الجلود إذا لم تذكى ذكاة شرعية فإنها نجسة ولا يمكن أن تطهر. واستدلوا بحديث ابن عكيم السابق وهو نص. نستكمل فقه الحنابلة: لكنهم يقولون مع كون الجلود نجسة وتبقى نجسة إلا أنه يباح أن تستعمل فقط. يعني ولا يباح أن تباع لأنه لا يجوز أن نبيع ونشتري في النجسات. فيباح أن تستعمل بثلاثة شروط: أولاً: أن تدبغ. ثانياً: أن لا تستعمل إلا في يابس. ثالثاً: أن هذا خاص بجلود الحيوانات التي تكون طاهرة في الحياة. والدليل لقضية أنه لا بد أن تدبغ حديث ميمونة أن النبي ﷺ قال: ((هلا انتفعتم بإهابها)) - يقصد ميتة - فقال: هلا انتفعتم: فقالوا إذاً يجوز أن ننتفع. وفي رواية: ((هلا دبغتموه وانتفعتم به)) فبعض الروايات ذكرت الدباغة وبعضها لم تذكرها ولكن لفظة الدباغة ثابتة. والدليل على أنه يجب أن يستعمل في يابس أن النجاسة لا تنتقل بين يابسين وهذه قاعدة فأي يابسين لا تنتقل بينهما النجاسة. فإذا وضعت شيء نجس في وعاء طاهر والكل يابس فإنه لا تنتقل النجاسة إلى الإناء والعكس صحيح. = إذاً إذا قيل لك لماذا يشترط الحنابلة أن يكون استعمال الإناء في يابسات لا في مائعات؟ - فتقول: لأن النجاسة لا تنتقل بين يابسين. من حيوان طاهر في الحياة. ما هو الحيوان الطاهر في الحياة؟ قالوا الحيوان الطاهر في الحياة على نوعين: النوع الأول: الآدمي. والثاني: ما كان بحجم الهرة فأقل. والثالث: ما لا نفس له سائلة. ولا نريد الوقوف هنا في تحديد ما هو الحيوان الطاهر لأن المؤلف سيعود ويذكر هذه المسألة نصاً ونناقش الحنابلة في هذا الضابط لكن المقصود الآن أن تفهم ما هو مذهب الحنابلة؟ إذاً الآن الحنابلة يرون أن جلد الميتة لا يطهر مهما كان نوعه ومهما دبغ وأنه يجوز أن يستعمل في الطاهرات بعد الدبغ هذا خلاصة مذهب الحنابلة. القول الثاني: أنه أي جلد دبغ فقد طهر مهما كان نوعه من حيوان طاهر في الحياة أو ليس بطاهر. واستدلوا بحديث ابن عباس ﵁ ((أيما إيهاب دبغ فقد طهر)). وهذا الحديث في الصحيح وهو نص في المسألة.

стр. 45

وهذا الاختيار الأول لشيخ الإسلام - لأن له في المسألة اختيارين لصعوبة المسألة واختلاف الآثار فيها. القول الثالث: أنه لا يطهر إلا جلد مأكول اللحم. يعني إذا فرضنا أن شاة ماتت حتف أنفها يعني صارت ميتة فجلدها الآن نجس فعلى القول الثالث هل يطهر بالدباغة؟ الجواب: نعم يطهر. وإذا مات حمار حتف أنفه فهل يطهر جلده بالدباغة؟ الجواب: لا. لايطهر. لأنه غير مأكول اللحم دليل القول الثالث: حديث سلمة بن المحبق أن النبي ﷺ قال: ((دباغها ذكاتها)). فدل الحديث على أن الدباغة إنما تؤثر فيما تؤثر فيه الذكاة والذكاة لا تؤثر إلا في مأكول اللحم. ما معنى جملة أن الذكاة لا تؤثر إلا في مأكول اللحم؟ يعني لو أن إنساناً أخذ كلباً وذبحه على وفق القواعد الشرعية بأن قطع الحلقوم والودجين فهل يصبح جائز الأكل؟ الجواب: لا. لأن الذكاة لا تؤثر فيه أصلاً. وهذا القول هو الاختيار الثاني لشيخ الإسلام واختاره أيضاً شيخنا محمد العثيمين ﵀. والأقرب والله أعلم في هذه المسألة هذا القول الثالث. سبب هذا الترجيح: نقول أن القول الثاني أقوى ولكن هناك مرجح للقول الثالث وهو أن النبي ﷺ ((نهى عن جلود السباع)). وجلود السباع لا تكاد تستخدم إلا مدبوغة ومع ذلك نهى عنها مما يدل على أن الدباغة لا تؤثر فيها. والمسألة تحتمل أكثر من هذا الشرح لكن هذه رؤوس الأقوال والأدلة وعرفت الآن أن الراجح هو القول الثالث. = هل ينبني على هذا القول شيء؟ - الجواب: ينبني عليه مئات المسائل. = فمثلاً - حتى يتدرب طالب العلم على التطبيق - الشنط المصنوعة من جلود النمور ومن جلود الأفاعي ما حكمها؟ - لا تجوز. = ذيل الثعلب - الذي يحتفظ به بعض الناس - ما حكمه؟ - لا يجوز. لكن عند الحنابلة هذه الأمور لا يجوز أن تباع ولا تشترى لكن هل يجوز أن ننتفع بها بعد الدباغة؟ - يجوز. لكن الإشكال أن الأحذية والشنط والأحزمة تباع وتشترى وهذا هو محل الإشكال. فعلى القول الثالث لا يجوز لا أن تباع ولا أن تشترى. ويجب أن تنتبه إلى أن الذي لا يجوز أن يباع ويشترى ما كان من الجلد الحقيقي أما الشكل والرسم فهذا لا بأس به.

стр. 46

فإن كان من جلد حقيقي لنمر وذئب أو لدب أو للأفاعي - وهذه أشهر الجلود التي تصنع منها الشنط والأحذية - فإنه لا يجوز لا أن تباع ولا أن تشرى على القول الثالث وعلى القول الثاني أي جلد دبغ فقد طهر. • ثم انتقل ’ لمسألة أخرى فقال: ولبنها وكل أجزائها: نجسة غير شعر ونحوه، وما أُبين من حي: فهو كميتته في الحقيقة أراد المؤلف ’ في آخر الباب أن يبين أحكام أجزاء الميتة لكنه بدء بالجلد لأهميته ولقوة الخلاف فيه فلما انتهى من الكلام على الجلد انتقل إلى الحديث عن باقي أجزاء الميتة فقال ’: ولبنها وكل أجزائها: نجسة يعني ولبن الميتة وكل أجزاء الميتة نجسة. إذاً الحنابلة يرون أن لبن الميتة وأجزاؤها نجسة. الدليل: قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (الأنعام/١٤٥). فهذه الآية نصت على أن الميتة بكل ما فيها فهو رجس. إذاً عرفنا أن الحنابلة يقررون أن الميتة بجميع أجزائها نجسة هذا بالنسبة للحنابلة. أما على القول الراجح إلا الجلد من مأكول اللحم. القول الثاني: أن لبن وأنفحة الميتة طاهرة. واستدل أصحاب هذا القول على أنها طاهرة بعمل الصحابة ﵃. قالوا: فإن الصحابة è لما فتحوا العراق وكان بعض سكانه من المجوس أكلوا الجبن المصنوع في العراق في ذلك الوقت والجبن معلوم أنه لا ينعقد إلا بالأنفحة والأنفحة لا تؤخذ إلا من الميتة لأنهم هم لا يذبحون إنما يأخذونها منها ميتة ومع كون الجبن انعقد من أنفحة ميتة أكل منه الصحابة. وهذا اختيار شيخ الإسلام وهو أن اللبن والأنفحة من الميتة طاهرة وليست بنجسة وهذا القول هو الصواب. فما يكون للإنسان أن يأتي إلى مسألة فيها آثار صحيحة عن الصحابة وليس لها معارض فيعارضها ويختلف معها. بما أن الصحابة وهم أورع وأعلم الناس وأفقه الناس في كتاب الله يرون أن لبن وأنفحة الميتة طاهر فإنا نقول بقولهم. • قال ’: ولبنها وكل أجزائها: نجسة. إذاً ناقشنا المؤلف في اللبن والأنفحة فهل بقي شيء من أجزاء الميتة؟

стр. 47

نعم باقي أجزاء كثيرة كالأجزاء الداخلية الكبد والمعدة واللحم وغيرها. من الأجزاء التي يناقش فيها المؤلف: العظم والقرن. فالمؤلف يرى أنها نجسة ويستدل بعموم الآية. والقول الثاني في هذه المسألة أن العظم والقرن طاهران. وهذا اختيار شيخ الإسلام ’ ودليله الذي استدل به قوي: يقول ’:أن مناط النجاسة بوجود الدم فإذا وجد الدم وجدت النجاسة بدليل أن الشارع الحكيم جعل ما لا نفس له سائلة طاهر كما في حديث الذباب فإنه أمر أن يغمس وإذا غمس في الماء الحار فسيموت. فهذا دليل على أن ما لا نفس له سائلة طاهر قال: كذلك كل ما ليس فيه دم فهو طاهر لأنا عرفنا أن الشارع إنما رتب النجاسة على وجود الدم. والعظم والقرن ليس فيهما دم. وما ذكره شيخ الإسلام صحيح لكن يحتاج إلى مسألة وهي: هل فعلاً الطب الحديث يثبت أن العظم ليس فيه دم؟ إذا نظرت إلى العظم فهو يابس لكن هل العظم لا دم فيه من الأصل؟ هذا محل تردد من حيث وجود الدم وعدمه لأنه من المعلوم أن الذي يغذي الجسد بأجزائه الدم وهو سبب النمو فيحتاج إلى أن ننظر هل العظام فيها دم؟ أو كما رأى شيخ الإسلام أنه ليس فيها دم. على كل حال إذا كان كما قال شيخ الإسلام ليس فيها دم فالأصل فيها الطهارة. • ثم قال ’: غير شعر ونحوه الشعر طاهر عند الحنابلة وعند غيرهم - فما هو الدليل على طهارة شعر الميتة؟ انتبهو إلى الدليل حتى لا يصعب على بعضكم - يقولون: أنه يجوز أن نجز شعر الحي من الحيوان وإذا جززناه فإنه يبقى طاهراً. مع أن القاعدة تقول: أن ما أبين من حي فهو كميتته فمقتضى القاعدة أنا إذا جززنا شعر الحي فإن هذا الشعر يكون نجس لأن ميتة الحيوان نجسة. فإذا كان الشعر المأخوذ من البهيمة أثناء الحياة يبقى طاهراً مع أن القاعدة: - كما ذكرنا - أن يكون نجساً فكذلك شعر الميتة. وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم. وقوله: ((ونحوه)) أي كالقرن والظفر والصوف بالنسبة للحيوانات التي ليس فيها شعر. • ثم قال ’: وما أُبين من حي: فهو كميتته هذه القاعدة هي نص حديث وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال إلا أن معناه متفق عليه. والقاعدة: ((تقول أن الحديث المتفق على معناه فإنه يصلح للاستدلال)).

стр. 48

فمثلاً: إذا أخذنا يد شاة وهي حية فما حكم هذه اليد؟ الجواب: أنها نجسة. وإذا أخذنا يد إنسان وهو حي فما الحكم؟ الجواب: نقول أنه طاهر لأنه إذا مات فهو طاهر. نأخذ مثالاً أوضح. إذا أخذنا قطعة من سمكة وهي حية فما الحكم؟ الجواب: أنها طاهرة. ولماذا؟ لأن ميتة السمك طاهرة. إذاً ما أبين من حي فهو كميتته = إذا أخذت قطعة من حيوان حي فحكم هذه القطعة كحكم ميتة هذا الحيوان: • إن كان طاهراً فطاهر. • وإن كان نجساً فنجس. • إذا أخذنا جزء من الجراد فطاهر. • وإذا أخذنا جزء من الفرس فنجس. - مسألة: وقد استثنى الحنابلة من هذه القاعدة أمرين هما: = الأول: الطريدة ما المقصود بالطريدة؟ يقصد بالطريدة الأجزاء التي تقطع من الحيوان في الصيد أثناء المطاردة. مثاله: لو أن إنساناً طارد غزالاً وضرب الغزال فانقطع منه قطعة كيد واستطاع أن يجري بعد ذلك ما حكم هذه القطعة؟ الجواب: طاهرة. ما الدليل على هذا الحكم؟ قالوا: أن الصحابة - كانوا يفعلون هذا في مغازيهم فإن الجيش أثناء الغزو يحتاج إلى الصيد أكثر منه إذا كان في مدينته فإذاً هذا استدلال بآثار الصحابة وهذا كثير عند الحنابلة. ونعم الاستدلال. = المستثى الثاني: الفأرة ومسكها. يعني الفأرة وما فيها من مسك. ماهي الفأرة؟ الفأرة هي: وعاء يخرج من الغزال الذكر من نوع معين من الغزلان بعد أن يجري لمدة طويلة. فإذا جرى خرجت هذه الفأرة متدلية منه وفيها مسك وبعد فترة تسقط فإذا وجد الإنسان هذه الفأرة فالأصل أن تكون نجسة لأن ميتة الغزال نجسة لكن هذه مستثناة. ولماذا استثنيت؟ الجواب: لأن عمل المسلمين المتواصل على الاستفادة من المسك ولو كانت نجسة لم ينتفعوا منه. وعليه فالمسك وفأرته طاهران ولو سقطت أثناء الحياة. وبهذا انتهى باب الآنية وننتقل إلى باب الاستنجاء.

стр. 49

باب الإستنجاء ((تابع الدرس الرابع)) قوله: ((باب الاستنجاء)). أي: باب يقصد منه بيان أحكام الاستنجاء وآدابه. الاستنجاء: مأخوذ في اللغة: من القطع. وهو في الاصطلاح: إزالة الخارج من السبيلين بالماء أو الحجر ونحوه. والرابط بين معنى اللغوي والمعنى الشرعي: أن في كل منهما قطع فالاستنجاء قطع لآثار النجاسة. إذاً الآن عرفنا معنى الاستنجاء في لغة العرب وفي اصطلاح الفقهاء. • قال ﵀: يستحب: كثير من أهل العلم يفرق بين قولهم يستحب ويسن. والفرق بين قولهم: يستحب وقولهم: يسن: • أنه لا يقال للشيء يسن إلا إذا أخذ من نص صحيح صريح عن النبي ﷺ . • ويقال للشيء يستحب إذا أخذ من القواعد العامة. قالوا ولا يجوز الخلط بين الأمرين. = فأيهما أعلى مرتبة الذي يسن أو الذي يستحب؟ - الذي يستحب. = لماذا؟ - لاعتماده على نص صريح. إذاًَ من أين نأخذ الاستحباب من القواعد العامة أو من مفهوم النصوص وليس من النص الصريح. = وهل يؤخذ من أقوال الصحابة؟ - الجواب: أنه يؤخذ من أفعال الصحابة مما يقال عنه أنه لا مجال للرأي فيه فيقال يسن. بعد أن عرفنا الفرق بين قولنا يستحب وقولنا يسن السؤال: = فأيهما أنسب أن يقول المؤلف يستحب أو يقول يسن؟ - أن يقول: يسن. = لماذا؟ - لأن فيه نص صحيح صريح. ولكن فيما أرى أن هذا ليس بصحيح بل الأحسن في هذا السياق أن يؤتى بلفظة يستحب. = لماذا؟ - لأن الشيخ سيذكر مجموعة من الأداب والأحكام بعضها تعتمد على نصوص وبعضها تعتمد على قواعد عامة. فالتعبير بيستحب أفضل ليشمل الجميع لأن مصطلح يستحب أوسع من مصطلح يسن. فالذي يظهر لي والله أعلم أنه لا ينتقد المؤلف بقوله: يستحب. والأمر في هذا سهل فإنها اصطلاحات لا يترتب عليها أحكام. • قال ﵀: يستحب عند دخول الخلاء قول: ((بِسْمِ اللَّهِ)) يستحب للإنسان إذا أراد أن يدخل الخلاء أن يقول بسم الله لحديث علي?: ستر عورات الإنس عن الجن إذا دخلوا الخلاء أن يقولوا بسم الله. لكن الإشكال أن هذا الحديث ضعيف. = فإذا كان ضعيفاً فما هو الدليل على قول القائل بسم الله؟ - الدليل عليه آثار عن الصحابة وهي تصلح للتمسك بها في مثل هذا الباب مع حديث علي لأن ضعفه ليس شديداً.

стр. 50

إذاً فصحيح يستحب وإن كان بعض أهل العلم يقول لا يستحب لأنه لا يوجد دليل لكن مع وجود هذا الحديث الضعيف وآثار الصحابة فيستطيع الإنسان أن يقول أنه يستحب. ويستحب أيضاً أن يقول: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)) هذا الحديث حديث صحيح رواه البخاري ولذلك ينبغي أن يعمل به المسلم عند إرادته دخول الخلاء. وقوله: الخبث: الخبث: بالتسكين الشر. والخبائث أهله: فاستعاذ من الشر وأهله. وروي بالضم الخُبُث وهو جمع خبيث يعني ذكران الشياطين وتكون الخبائث على هذه الرواية إناث الشياطين. والأقرب الرواية الأولى لأنها أعم. • قال المؤلف ’: وعند الخروج منه: ((غُفْرَانَكَ. ويقول عند خروجه منه غفرانك: فيستحب للإنسان أن يقول غفرانك إذا خرج من الخلاء وهذا الحديث صحيح ولذا ينبغي أن يعمل به المسلم. • قال ’: ويقول: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِي الأَذَى وَعَافَانِي)) هذا الذكر ورد من حديث ضعيف وهو مروي عن اثنين من الصحابة أنس وأبي ذر. • حديث أنس ضعيف. وممن أشار إلى ضعفه الحافظ الناقد أبو حاتم. • وحديث أبي ذر أيضاً معلول إلا أنه يصح موقوفاً على أبي ذر. ولكن مع ذلك الأظهر والله أعلم أنه لايسن أن يقال هذا الذكر. = لماذا؟ - لأنه موقوف على أبي ذر وهو مما يقال من قبل الرأي فقد يكون أبو ذر قاله تفقهاً والأذكار توقيفية فإذا لم يكن عندنا نص صحيح صريح لا يمكن أن نعتبر هذا الشيء سنة. • ثم قال ’: وتقديم رجله اليسرى دخولاً ويمنى خروجاً: عكس مسجد ونعل. قاعدة الشرع أنه يقدم اليمنى للطيبات واليسرى للخبائث. ويمكن أن تقول بعبارة أدق: يقدم اليسرى لما يكره واليمنى لما عدى ذلك فيكون أوسع. هذا الأصل الشرعي له عدة نصوص تدل عليه. • منها أن النبي ‘ أمر المسلم إذا أراد أن ينتعل أن يبدأ باليمنى وإذا خلع أن يبدأ باليسرى. • ومنها الأكل باليمنى. • ومنها النهي عن الاستجمار باليمنى. فهذا الأصل له نصوص كثير ة وهو أصل ثابت لم يختلف فيه. • ثم قال ’: واعتماده على رجله اليسرى = أولاً: ما معنى الاعتماد على رجله اليسرى؟ - الجواب: أن الحنابلة يقولون إذا جلس الإنسان يريد قضاء الحاجة فإنه يسن له أن يتكئ على رجله اليسرى. يعني يميل قليلاً على رجله اليسرى. فيرون أن هذا سنة - مستحب -. واستدلوا بحديث سراقة بن مالك أن النبي ‘ أمر أن نتكئ على اليسرى وأن ننصب اليمنى. هذا الدليل. ولهم أيضاً تعليل: وهو أن هذا يسهل خروج الأذى.

стр. 51

وفي الحقيقة هذا القول للحنابلة ضعيف جداً ولا أظنه يصح عن الإمام أحمد. أولاً: لأن فيه تكلف شديد. ثانياً: أن الحديث ضعيف. ثالثاً: أنا نجد أن الشارع اعتنى تماماً بآداب الاستنجاء كما سيأتينا فبين أدق التفاصيل ولم يذكر هذا الأدب مما يدل على أنه لا يستحب ولا ينبغي. ثم فيه عناء ومشقة على الإنسان. فالخلاصة أن هذا الأدب القول به ضعيف جداً. • ثم قال ﵀: وبُعْدُه في فضاء. معنى هذا الكلام أنه يستحب للمسلم إذا أراد أن يقضي حاجته في فضاء أن يبعد. الدليل على هذا: أن المغيرة بن شعبة أخبر أنه كان هو والنبي ﷺ في سفر وأن نبينا ﷺ لما أراد أن يقضي حاجته قال المغيرة فانطلق حتى توارى عني - يعني انطلق يمشي إلى أن أصبح المغيرة لا يراه من شدة البعد ولذلك يقولون وبعده في فضاء. هناك تعليلات كثيرة لاستحباب البعد: • منها: حصول الستر للإنسان عند إرادة قضاء الحاجة. • ومنها البعد عن الصوت. • ومنها أن لا يتأذى الناس الذين بجواره به. وعدة فوائد أخرى. فهذا سنة ثابتة من حيث الأثر ومن حيث النظر. • قال ﵀: واستتاره. الدليل على أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته أن يستتر حديث أبي هريرة من أتى الغائط فليستتر. وهناك أحاديث أخرى أصح من حديث أبي هريرة وهو أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يقضي حاجته اتخذ هدفاً أو شجرةً أو عشب نخل. يعني أنه يذهب إلى شيء منتصب يستتر خلفه. والمراد من الاستتار هنا الاستتار من حيث البدن أما العورة فيجب أن تستر فلا يستحب بل يجب وجوباً. فالذي يستحب للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته أن يكون في مكان لا يرى البدن كله حتى لو لم يبعد. وهذه سنة يغفل عنها كثير من الناس أن يقضي حاجته بحيث لا يرى بدنه. • ثم قال ﵀: وارتياده لبوله مكاناً رخواً. استدلوا على استحباب هذه المسألة بقول النبي ﷺ إذا بال أحدكم فليرتد لبوله. = ما معنى ارتياده لبوله مكاناً رخواً؟ - الجواب: هو أن يذهب إلى مكان من الأرض لين وليس بقاس حتى إذا سقط البول لا يكون له رشاش. فمن المعلوم أن البول إذا سقط على أرضية قاسية ارتد. وإذا سقط على أرضية لينة ورخوه لم يرتد.

стр. 52

فيقول الحنابلة أنه يستحب للمسلم أنهإذا أراد أن يقضي حاجته أن يذهب إلى أرض كما قال: رخوة. ﴿﴿وسمعتم الدليل من السنة والتعليل: حتى لا يرتد الرشاش﴾﴾. هذا الحديث فيه ضعف - مسألة فليرتد لبوله فيه ضعف. = قوله ’: وارتياده لبوله مكاناً رخواً: هل هو من أمثلة المستحب أو المسنون؟ - الجواب: أنه من أمثلة المستحب لأنه تدل عليه النصوص العامة. = مثل ماذا من النصوص العامة التي تدل على هذا الاستحباب؟ - مثل الأحاديث التي فيها الأمر بالتنزه من البول فإنها تصلح شاهداً عاماً لهذا الحكم. • ثم قال ’: ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله: من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً، ونتره ثلاثاً. هذان أدبان يسميان المسح والنتر. - المسح هو أن يجعلأصبعه الوسطى تحت الذكر والإبهام فوق الذكر ويبدأ من أصل الذكر ويمسح إلى رأس الذكر. ﴿﴿تصورتم الآن. هذا أمر مستحب عند الحنابلة ينبغي للإنسان أن يفعله .. هكذا ... يعني من الداخل إلى الخارج ولايمكن أن يكون العكس هذا المسح﴾﴾ - والنتر هو: جذب وتحريك الذكر من الداخل. = ماهو الدليل على استحباب المسح والنتر؟ - الجواب: قالوا: التعليل: ليستيقن البرءاة والطهارة لأنه إذا فعل ذلك فقد أخرج يقينا كل ما في الذكر. إذاً عند الحنابلة يستحب. والقول الثاني: - فرق شاسع جداً بين القول الأول والثاني - أن المسح والنتر بدعة - فانتقلنا من الاستحباب إلى أنه بدعة. واعتبار المسح والنتر بدعة اختيار شيخ الإسلام وابن القيم. وهذا صحيح فإنه بدعة لعدة أسباب. السبب الأول: أنه ليس له أصل في الشرع مع أن الشارع قد اعتنى بآداب الاستنجاء. السبب الثاني: شدة مضرة هذا العمل. واستثى شيخنا - ابن عثيمين - ’ شيء قد يكون مفيداً وهو النتر أحياناً عند الحاجة بهذه القيود. أما المسح فلا شك أنه بدعة ومضر جداً لعضلة الذكر. كذلك الإكثار من النتر بلا حاجة مضر جداً أيضاً. عرفنا الآن مذهب الحنابلة في المسح والنتر وما معناهما؟ وما هو القول الثاني في حكم المسح والنتر. • ثم قال ’: وتحوله من موضعه ليستنجي في غيره: إن خاف تلوثاً.

стр. 53

يعني أنه يستحب للإنسان إذا انتهى من حاجته وأراد أن يستنجي أو يستجمر - يستحب له أن ينتقل من موضعه هذا متى؟ إن خاف تلوثاً. فإن لم يخف تلوثاً فإنه لا يستحب. دليل الاستحباب: الأدلة العامة السابقة. وقال بعض الفقهاء بل إذا خاف أن يتلوث فيجب أن يتحول عن موضعه. والأقرب - والله أعلم - أنه بحسب الظن فإذا غلب على ظنه أنه سيتلوث فيجب وإذا ظن ظناً يسيراً عابراً أنه سيتلوث فيستحب. فيختلف باختلاف مدى احتمال إصابته بالنجاسة. لما انتهى الشيخ ’ من بيان المستحبات انتقل إلى المكروهات ثم سينتقل بعده إلى المحرمات ولا يخفى أن في هذا ترتيباً بديعاً لطيفاً. • قال ’: ويكره: دخوله بشيء فيه ذكر اللَّه تعالى إلاَّ لحاجة. يكره للإنسان أن يدخل بشيء يعني بورقة أو بإناء أو بقلم أو بساعة أو بجوال فيه ذكر الله إلا إذا احتاج بأن خشي أن يسرق أو خشي أن يتلف إلى آخره من اختلاف الحاجات. إذاً يكره عند للإنسان عند الحنابلة أن يدخل بيت الخلاء بشيء فيه ذكر الله وترتفع الكراهة إذا وجدت الحاجة. الدليل: قالوا أن النبي ‘ أخبر عنه أنس أنه كان إذا أراد أن يدخل الخلاء نزع خاتمه. ومعلوم أن خاتم النبي ‘ مكتوب عليه محمد رسول الله وفي الرسم هي: - الله - رسول - محمد - حيث جعل لفظ الجلالة في الأعلى. فقالوا: أنه ‘ لم يخلع خاتمه إلا لما فيه من ذكر الله. لكن هذا الحديث ضعفه الأئمة مثل الإمام النسائي صاحب السنن ومثل الإمام الدارقطني فهولاء ضعفوا هذا الحديث. = وإذا كان هذا الحديث ضعيفاً فما هو الدليل على الكراهة؟ - الدليل على الكراهة هو: تعظيم اسم الله. الآن عرفنا حكم الدخول للخلاء إذا كان مع الإنسان شيء فيه ذكر لله أنه مكروه وأنه الكراهة ترتفع عند الحاجة. مسألة: ما حكم دخول الخلاء بالمصحف؟ = قالوا: أن الدخول بالمصحف محرم بل قال المرداوي صاحب الانصاف: أنه لا يتوقف في هذا عاقل. ومع وضوح حكم دخول الإنسان المسلم بالمصحف بيت الخلاء إلا أن بعض أهل العلم ممن قد يأخذ ويبالغ في الظواهر قال: أنه يكره لعدم الدليل وفي الحقيقة هذا بعيد جداً من نصوص الشرع حتى كما أوردنا عن المرداوي قوله أن هذا مما لا يتوقف فيه عاقل.

стр. 54

إذاً بالنسبة للمصحف حتى مع وجود الحاجة حتى مع خشية الضياع ومع أي ظرف من الظروف فلا يجوز الدخول به إلى بيت الخلاء. أما مافيه ذكر الله فكما سمعتم حكمه وهو كما قال أصحاب الإمام أحمد. • ثم قال ﵀: ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض. يكره للإنسان أن يرفع ثوبه قبل أن يدنو من الأرض: يعني أنه يستحب له أن لا يرفع ثوبه إلا إذا دنى من الأرض لأن النبي ﷺ كان لا يرفع ثوبه إلا إذا دنى من الأرض. فرفع الثوب قبل الدنو من الأرض مكروه. • أما إذا كان يشاهده الغير فإن رفع الثوب قبل الدنو من الأرض يكون محرم لأن ستر العورة واجب. وهذه الأحكام كثير منها إذا كان الإنسان في الخلاء أو ليس في بيت خلاء مغلق إنما في الصحراء. • قال ﵀: وكلامه فيه. يكره للإنسان أن يتكلم في بيت الخلاء لأن النبي ﷺ مر عليه رجل وهو يبول فسلم فلم يرد عليه النبي ﷺ السلام. فعلمنا من هذا أنه لا ينبغي أن يتكلم الإنسان وهو في بيت الخلاء. وقال بعض أهل العلم بل لا يجوز أن يتكلم - محرم - لأن النبي ﷺ لم يرد السلام مع أن رده يعتبر واجباً فدل على أنه ما ترك الواجب إلا لوجود المحرم. إذاً اختلف في كلام الإنسان في بيت الخلاء هل هو مكروه أو محرم؟ - وسمعتم الاستدلال - والأقرب أنه مكروه لأن ترك النبي ﷺ لرد السلام علله بقوله: لأنني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة. إذاً الحنابلة يرون أن كلام الإنسان في بيت الخلاء حكمه مكروه والقول الثاني أنه محرم والأقرب ما ذهب إليه الحنابلة. • ثم قال ﵀: وبوله في شَق ونحوه. يكره عند الحنابلة البول في شق لأن النبي ﷺ أن نهى يبول الإنسان في الجحر وهذا الحديث إسناده جيد. وهناك تعليل: أن البول في الجحر قد يؤدي إلى خروج ما يؤذي على الإنسان. إذاً هذه الآداب واضحة الآداب السابقة: رفع الثوب والكلام والبول في الشق. • ثم قال ﵀: ومس فرجه بيمينه

стр. 55

• بسم الله الرحمن الرحيم • يقول المؤلف ﵀ مما يكره أيضاً: مسه فرجه بيمينه واستنجاؤه واستجماره بها. أي أنه يكره للمسلم أن يمس ذكره بيمينه وأن يستجي أو أن يستجمر بها هذان مكروهان: دليلهما: حديث واحد وهو قول النبي ﷺ لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه ولا يتمسح من الخلاء بيمينه. وفي رواية صحيحة لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول. والمؤلف ﵀ يقول هنا - ومس فرجه بيمينه - ولم يقيده بحال البول بينما نجد أنه في الحديث قيد النهي بحال البول. = فهل يكون النهي عام في كل الأحوال أو خاص بأثناء البول؟ - الجواب: أن النهي عام أثناء البول وفي غيره. فالإنسان منهي أن يمس ذكره بيمينه في حال البول وفي غيرها. = ما الدليل؟ - الدليل لايمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول. = فإن قيل: الحديث خصص حال البول؟ - فالجواب أن نقول هذا صحيح أن الإسناد الثابت لحديث أبي قتادة لايمسكن أحدكم ذكره مخصص بالبول لكن إذا كان الشارع نهى عن مس الذكر أثناء البول مع الحاجة إليه ففي غيره الحاجة يكون النهي من باب أولى. يعني: إذا كان المسلم منهياً عن أن يمس ذكره حتى وهو يبول مع الحاجة أثناء البول إلى مس الذكر ففي غير هذه الحال من باب أولى. ومن الفقهاء من قال بل لا ينهى إلا حال البول لأن حال البول هي الحال المستكرهة التي لا يحب الشارع من المسلم أن يمس ذكره بيمينه أثنائها. والأقرب مذهب الحنابلة أنه يكره أن يمس الإنسان ذكره بيمينه سواء في أثناء البول أو في غيره من الأحوال وإن كان الحديث فيه التقييد بحال البول. أما الاستنجاء والاستجمار باليمين فلا شك أنه مكروه لقوله في الحديث السابق ولا يتمسح من الخلاء بيمينه. والشارع الحكيم جعل لليمين ميزة خاصة وأفردها بأحكام كثيرة جداً فينبغي للمسلم أن يهتم بهذا الأمر لأن الشارع اهتم به. فمثلاً إذا مس الإنسان ذكره بيده انتقضت طهارته - على خلاف في المسألة كما سيأتينا - ولا يجوز أن يمس ذكره على القول الصواب ولا في غير حال البول ولا يجوز أن يستنجي أو أن يستجمر بيمينه ويجب أن يبدأ بالطاهرات بيمينه ويجب أن يبدأ بالمستخبثات بغير يمينه. إذاً هناك جملة من الأحكام خص الشارع بها اليد اليمنى مما يدل على أن الإنسان يجب أن يهتم بها لأن على كل مسلم أن يهتم بما اهتم به الله ورسوله ﷺ . • قال ﵀: واستقبال النيرين. وهذا هو المكروه الأخير وهو السابع استقبال النيرين:

стр. 56

فيكره عند الحنابلة أن يستقبل الانسان أثناء قضاء الحاجة النيرين والمقصود بهما الشمس والقمر. والتعليل: قالوا لأن فيهما من نور الله. والقول الثاني: أن استقبال النيرين أو استقبال أحدهما ليس بمكروه. أولاً: لأنه لا دليل على الكراهة والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل. وثانياً: لأن الإنسان منهي عن استقبال القبلة كما سيأتي. والإنسان إذا لم يستقبل القبلة فإنه سيستقبل النيرين - إذا انحرف عن القبلة فسيستقبل النيرين. بل إنه صرح في الحديث الذي سيأتي ذكره النهي عن استقبال القبلة ولكن شرقوا أو غربوا. وإذا شرق الإنسان أو غرب فسيستقبل أحد النيرين. إذاً قول المؤلف ﵀ واستقبال النيرين ضعيف جداً لأنه مخالف للنص من جهة ولعدم وجود ما يدل عليه من جهة أخرى. • لما أنهى المؤلف ﵀ الكلام على المكروهات انتقل إلى المحرمات فقال ﵀: ويحرم: استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان ولبثه فوق حاجته، وبوله في طريق وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة. هذه ثلاث محرمات فقط منهي عنها على سبيل التحريم عند الحنابلة. الاستقبال واللبث والبول في الطريق. • قال ﵀: ويحرم: استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان. ذهب الحنابلة إلى أنه يحرم على المسلم الاستقبال والاستدبار للقبلة إلا في البنيان فيجوز الاستقبال والاستدبار فيه. ومذهب الحنابلة هذا اختاره من المحققين - بهذا التفصيل - الحافظ ابن عبد البر ﵀. واستدل الحنابلة بحديث أبي أيوب الأنصاري - أنه قال إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا. فهذا نص صريح. وروي في الصحيح عن أبي هريرة بلفظ قريب من لفظ حديث أبي أيوب وفيه النهي عن استقبال القبلة في البول والغائط. هذان الحديثان - حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة - يدلان على النهي. يحتاج الحنابلة إلى حديث يدل على استثناء البنيان قالوا الدليل على استثناء البنيان حديث ابن عمر الصحيح قال رقيت يوماً على بيت حفصة فرأيت رسول الله ﷺ يبول وهو مستقبل الشام مستدبر الكعبة. قالوا فهذا دليل على أنه يجوز للإنسان في البنيان خاصة أن يستقبل أو أو يستدبر القبلة. انتهى الآن مذهب الحنابلة وعرفنا دليلهم وعرفنا وجه استثناء البنيان.

стр. 57

القول الثاني: أن الاستدبار والاستقبال في البنيان وفي غير البنيان - في الفضاء - محرم وهذا معنى قول الفقهاء: محرمٌ مطلقاً. وانتصر لهذا القول بقوة شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وانتصر له أيضاً عدد من المحققين ونسب إلى الجمهور. دليلهم: أدلتهم الأحاديث - حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة - قالوا كل حديث يخالف هذه الاأحاديث فهو إما ضعيف أو يدخله الاحتمال ثم قرر ابن القيم قاعدة جيدة في الحقيقة وإن كانت قد لا تسلم في هذا الموضع ولكنها قاعدة ينبغي أن يعتني بها طالب العلم. ((أن الأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة لا تعارض بالأحاديث المحتملة)). فيقول ابن القيم عندنا أحاديث صحيحة صريحة قوية ثابتة وهي نص في المسألة في التحريم المطلق فلا نزول عنها إلى أحاديث محتملة أو أحاديث ضعيفة. القول الثالث: أن الاستقبال والاستدبار يحرم مطلقاً إلا الاستدبار في البنيان. وهذا القول اختاره القاضي أبي يوسف - صاحب أبي حنيفة - أخذاً بحديث ابن عمر بتقييده الخاص. وفي الحقيقة هذه المسألة من المسائل المشكلة ولذلك كثرت فيها الأقوال وتشعبت واختلف فيها العلماء كما ترون اختلاف كثير. وما في شك أن الأحوط اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والأقوى دليلاً اختيار القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فقوله صحيح وكون النبي ﷺ يبول مستدبر الكعبة دليل على الجواز في البنيان خاصة. • ثم قال ﵀: ولبثه فوق حاجته. يعني أنه يحرم على الإنسان أن يبقى فوق حاجته بعد انتهاء الحاجة لتعليلين: الأول: أنه يحرم على الإنسان أن يكشف عورته بلا حاجة بالإجماع - حكي الإجماع عليه وهنا هو كاشف لعورته بلا حاجة. الثاني: أن هذا البقاء بعد انتهاء الحاجة يضر بالإنسان. إذاً ما ذكره المؤلف من أن لبث الإنسان فوق حاجته بعد انتهائه أنه محرم فحكم صحيح. • ثم قال ﵀: وبوله في طريق وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة. يحرم البول في ثلاث أماكن: الأول: الطريق. والثاني: الظل. والثالث: الشجرة التي لها ثمرة. ولو لم يكن لها ظل فمجرد وجود الثمرة يحرم قضاء الحاجة تحت الشجرة. وعلم من كلام المؤلف أنه يجوز للإنسان أن يبول تحت شجرة ليس لها ظل ولا ثمرة.

стр. 58

وتقدم معنا أن النبي ﷺ كان يتخذ هدف أو شجرة وعليه نجزم - والله أعلم - أنه ﷺ كان يتخذ شجرة لا ظل لها ولا ثمرة كصغار الشجر التي تستر الإنسان بدون أن يكون لها ظل ولا ثمرة. الدليل: أن النبي ﷺ قال اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم. ومعنى اللعانين: يعني الأمرين الجالبين للعن. فقوله ﷺ اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم دليل على أنه محرم ودليل على مسألة أخرى وهي أنه من كبائر الذنوب لأن الكبيرة في عرف الفقهاء كل عمل رتب عليه الشارع وعيد خاص. وهذا القول اختاره الذهبي وشيخ الإسلام وابن القيم وعدد من المحققين أن هذا هو حد الكبيرة - كل عمل ترتب عليه وعيد خاص -. واللعن من أشد أنواع الوعيد. ويقاس على الطريق والظل النافع والشجرة المثمرة - كل مكان يتأذى المسلمون بقضاء الحاجة فيه ولو لم يكن طريق ولا ظل ولا شجرة لها ثمرة كالمكان الذي اعتاد الناس أن يجلسوا فيه. فلو فرضنا أن هناك مكان اعتاد الناس أن يجلسوا فيه وليس ظلاً وليس تحت شجرة مثمرة وليس طريقاً أيضاً فقضاء الحاجة في هذا المكان يعتبر محرماً لأن العلة التي نهى الشارع من أجلها هي أن يتأذى المسلمون. انتهى ﵀ من تفصيل الآداب المستحبة أو المكروهة أو المحرمة وانتقل إلى موضوع آخر وهو أحكام الاستجمار. • فقال ﵀: ويستجمر بحجر ثم يستنجي بالماء. المؤلف رحمه يريد أن يبين الطريقة الأمثل في الاستنجاء والتخلص من الأذى والحنابلة يرون أنها على ثلاث مراتب: ١. فأفضل الطرق في تنظيف النجاسة أن يبدأ الإنسان بالحجارة وينظف المحل ثم يتبع الحجارة الماء. ٢. يليه في الأفضلية أن يستعمل الإنسان الماء وحده. ٣. ثم يليه في الأفضلية أن يستعمل الحجارة وحدها. فهذه ثلاث مراتب للاستنجاء والاستجمار أفضلها الجمع ثم الماء ثم الحجر. استدل الحنابلة على هذا التفصيل بأمرين: الأول: الإجماع. قالوا أجمع أهل العلم أن أفضل الطرق أن يبدأ بالحجارة ثم يتبعها الماء. الثاني: استدلوا بحديث عائشة أنها قالت مرن أزواجكن أن يتبعن الحجارة الماء فإني استحييهم وقد كان رسول الله ﷺ يفعله. الحنابلة يقولون بعد هذا الحديث - في كتبهم - رواه أحمد واحتج به.

стр. 59

لكني بحثت بحث طويل عن هذا اللفظ في السنن والمسانيد والمعاجم ومسند أحمد ومعجم الصحابة للإمام أحمد وغيرها من الكتب فلم أجد هذا اللفظ وإنما اللفظ الموجود في سنن النسائي والترمذي والبيهقي وغيرها مروا أزواجكن أن يستنجوا بالماء فلا يوجد ذكر للحجارة. ففي الحقيقة لا أدري من أين أتى الحنابلو بقولهم رواه أحمد واحتج به بل ثبت أن الإمام أحمد احتج بهذا اللفظ فهذا فرع التصحيح وتصحيح الإمام أحمد من أعلى مراتب التصحيح لكن لم نجد هذا اللفظ مطلقاً في الكتب المصنفة والمسانيد مع ذكر الحنابلة له في كتبهم. لكن مع ذلك هذا التفصيل يسنده ماذا؟ يسنده الإجماع. ولكن الإنسان يتردد في قضية أخرى وهي هل كان النبي ﷺ يستخدم الحجارة والماء في وقت واحد أو كان يستخدم الحجارة مفردة والماء مفرد؟ فإنه ليس في النصوص الصحيحة ما يدل على أن النبي ﷺ كان يستخدم الحجارة ثم يتبعها الماء بالطريقة التي يصفها الحنابلة. لكن مع هذا البحث العلمي يبقى أن ما ذكره الحنابلة أفضل وصحيح. أولاً: للإجماع. ثانياً: لأن هذه الطريقة تحول بين الإنسان وبين مباشرة النجاسة لأن الإنسان إذا اكتفى بالماء فيباشر النجاسة بينما إذا استخدم الحجارة ثم أتبع الحجارة بالماء لن يمس النجاسة ومعلوم أن الشارع قطعاً من النصوص العامة والمتكاثرة يحب أن لا يمس الإنسان النجاسة إذاً لهذين الأمرين الإجماع وهذا التعليل نقول أن ما ذكره الحنابلة من التفصيل وهذه المراتب الثلاث تفصيل صحيح. وبالإمكان أن نقول بالنسبة لوقتنا المعاصر مع تيسر أدوات التنظيف أن بإمكان الإنسان أن يستخدم اليوم الماء بدون أن يمس النجاسة فيحصل الاكتفاء بالماء مع عدم مس النجاسة. وعدم مس النجاسة أمر يعتني به الشارع وفي مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق عدة آثار عن أصحاب النبي ﷺ فيها النهي عن مس النجاسة أثناء الاستنجاء إذا أمكن. إذا عرفنا الآن الطرق التي يستخدمها المسلم في الاستجمار والاستنجاء. • ثم قال ﵀: ويجزئه الإستجمار: إن لم يعْدُ الخارج موضع العادة.

стр. 60

يقصد العلماء ﵏ أنه يجزئ الإنسان أن يستخدم الحجارة حتى مع وجود الماء - يعني إذا كان الإنسان يستطيع أن يستنجي بالماء وتركه واستجمر بالحجارة أو بنحوها جاز ذلك حتى مع وجود الماء. الدليل: أجماع الصحابة - والحمد لله فما دام في المسألة إجماع الصحابة فهي مسألة دليلها قوي جداً. لكن قيد المؤلف ﵀ هذا لجواز بقيد فقال: إن لم يعد الخارج موضع العادة. يعني أنه يجوز للإنسان أن يكتفي بالاستجمار بالحجارة بدون الماء بشرط أن لا يتجاوز الخارج موضع العادة. فإذا تغوط الإنسان ثم تعدى هذا الغائط موضع الحاجة المعتاد ووصل إلى الإليتين ففي هذا الحالة يقول الحنابلة لا يجوز للإنسان أن يستخدم الحجارة فقط بل يجب عليه هنا أن يستخدم الماء. الدليل: تعليل: قالوا أن الاستجمار بالحجارة ونحوها إنما شرع لمشقة التكرار - وتعدي الخارج موضع الحاجة لا يتكرر فنرجع إلى الأصل وهو الماء هذا تعليل الحنابلة. والقول الثاني: في هذه المسألة أنه يجوز للإنسان أن يستخدم الحجارة دائماً وفي كل الأحوال بلا استثناء لأن الشارع الحكيم لم يستثن حالاً دون حال وإنما النصوص عامة. وهذا القول - الثاني - اختاره شيخ الإسلام ﵀. وهو القول الراجح كما ترون لأنه اعتمد على عموم الدليل ولا يوجد مخصص. • ثم قال ﵀: ويشترط للإستجمار بأحجار ونحوها: أن يكون طاهراً منقياً، غير عظم وروث وطعام ومحترم ومتصل بحيوان ويشترط: ثلاث مسحات منقية فأكثر، ولو بحجر ذي شعب، ويسن قطعه على وتر. ذكر المؤلف ﵀ هنا شروط الاستجمار - ونذكر الشروط على سبيل الإجمال: الشرط الأول: أن يكون الاستجمار بأحجار ونحوها. يعني بهذا الجنس. الشرط الثاني: أن يكون طاهراً. الشرط الثالث: أن يكون منقياً. الشرط الرابع: غير محترم. ((إجمال لما ذكره في قوله العظم والروث)). الشرط الخامس: أن لا يقل عن ثلاث مسحات. الشرط السادس: أن يقطعه على وتر - على الراجح كما سيأتينا. نرجع إلى بيان الشروط: الشرط الأول: أن يكون بأحجار وهذا الشرط ستبينه الشروط التالية. أولاً: أن يكون طاهراً: الدليل على هذا الشرط. أن النبي ﷺ لما أراد أن يقضي حاجته أمر الصحابي الجليل ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار.

стр. 61

فوجد حجرين ولم يجد الثالث فأتاه بروثة فأخذ النبي ‘ الحجرين وألقى الروثة وقال إنها ركس يعني رجس. فهذا الدليل نص على أن لا يجوز للإنسان أن يستجمر بنجس وإنما يجب أن يستجمر بطاهر. إذاً هذا الشرط صحيح. الثاني: أن يكون منقياً التعليل: أن المقصود من الاستجمار الانقاء فإذا لم يحصل فإن لم يحصل المقصود. الثالث: في قوله ’ تعالى ((غير عظم وروث)) يعني أنه لايجوز للإنسان أن يستجمر بهذين الشيئين العظام والروث. الدليل أيضاً حديث ابن مسعود أن النبي ‘ قال لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنها زاد إخوانكم من الجن. فهذا نهي صريح وهذا الحديث مفيد جداً لأن فيه الحكم والتعليل. فالحكم عدم الجواز والتعليل أنها زاد إخواننا من الجن. فالروث زاد لدوابهم والعظام زاد لهم. فإن استنجى بالروث والعظام فالحنابلة يرون أنه لا يجزئه فكأنه لم يستنج ولم يستجمر وهذا أيضاً مذهب الشافعية قالوا لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد. والقول الثاني: أنه يجزئ مع الإثم لأن النهي عنهما لالأنهما لايطهران بل لأنمهما زاد لأخواننا من الجن. فاستفدنا من التعليل الذي في حديث ابن مسعود حكم زائد وهو حكم ما إذى خالف الإنسان فاستجمر بالروث أو بالعظام. • ثم قال ’: وطعام ومحترم ومتصل بحيوان لا يجوز للإنسان أن يستنجي بالطعام لماذا؟ لأنه إذا كان هي عن الاستنجاء بطعام الجن فطعام الإنس من باب أولى سواء كان الطعام لهم أو لدوابهم قياساً على طعام دواب الجن ((ومحترم)) يقصدون بالمحترم ككتب أهل العلم ويقصدون بالكتب هنا كما صرحوا بالتمثيل الكتب الشرعية ككتب الفقه والحديث ويقاس عليها كتب العلوم النافعة ولا يقاس عليها كتب العلوم الضارة. = فإذا قيل لك هل يجوز للإنسان أن يستجني بكتاب فيه كيفية تعلم السحر؟ - الجواب: نعم يجوز لأنه كتاب غير محترم. = لو قيل لك هل يجوز أن يستنجي الانسان بكتاب فيه تعليم الفيزياءوالكيمياء والرياضيات؟ - الجواب: لا يجوز لأنها علوم نافعة. • قال ’: ومتصل بحيوان. المتصل بالحيون لا يجوز الاستنجاء به. = ما معنى متصل بالحيوان؟

стр. 62

= يعني لو جلس الإنسان يقضي حاجته بجوار شاة فهل يجوز له إذا انتهى من قضاء الحاجة أن يأخذ طرف الشاة ويستجمر به؟ - الجواب: لا يجوز. والتعليل: قالوا: إما أن يكون هذا الحيوان طاهر أو نجس فإن نجساً فإنه لا يطهر وإن كان طاهر فهو محترم والمحترم أخذنا قاعدة المحترم أنه لايجوز أن نستنجي ولا أن نستجمر به. • قال ’: ويشترط: ثلاث مسحات منقية فأكثر. يعني أنه يجب على الإنسان إذا أراد أن يستجمر أن لايقل عن ثلاثة أحجار حتى ولو حصل الإنقاء بحجرين. وهذا الحكم بالذات عامة العوام لا يعرفونه ولا يطبقونه. = ما هو الحكم؟ - الحكم: أنه لا يجوز للإنسان أن يكتفي بحجر ولا بحجرين ولو حصل الإنقاء فلا بد أن يستعمل ثلاثة أحجار. الدليل على هذا الحكم الذي لا تدركه العقول: نقول أن هذا الحكم تعبدي لأنه من الممكن للإنسان أن يتطهر بحجرين. والدليل أن سلمان - روى عن النبي أنه نهى أن يستجمر الإنسان بأقل من ثلاثة أحجار. إذاً يجوز للإنسان أن يكتفي بثلاثة أحجار لكن بشرط ذكره المؤلف وهو أن تكون منقية فلا يجوز للإنسان أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار مطلقاً ويجوز له أن يقتصر على ثلاثة أحجار بشرط أن تكون منقية ولذلك يقول المؤلف ’: منقية فأكثر. = ما معنى فأكثر؟ - يعني: أنها إذا لم تنق الثلاثة فيجب أن يزيد إلى أن يحصل النقاء. • ثم قال ’: ولو بحجر ذي شعب. المقصود ثلاث شعب فأكثر. فإذا وجد الإنسان حجر كبير له ثلاث جهات وهذا معنى ثلاث شعب فيجوز له أن يكتفي به ولا يشترط أن يكون ثلاثة أحجار منفصلة ولكن المقصود ثلاث مسحات. هذا مذهب الحنابلة واختاره من علماء الحنابلة المحققين الخرقي ’. نظراً للمعنى. ومن الحنابلة من قال: يجب أن يستعمل ثلاثة أحجار منفصلة. والمذهب هو الصواب - ما ذكره المؤلف واهتاره الخرقي هو الصواب بشرط أن يكون بحجر كبير له ثلاث جهات يمكن أن يمسح بكل جهة منها. • قال ’: ويسن قطعه على وتر. يسن للإنسان أن يقطع الاستجمار بوتر فإذا مسح الإنسان خمس مسحات ثم أنقى المحل فهل يسن له أن يزيد؟ لا يسن له أن يزيد. وإذا مسح أربع مسحات فهل يسن له أن يزيد؟ نعم يسن له أن يزيد واحدة. لكن المؤلف ’ يقول أن هذا سنة.

стр. 63

الدليل قول النبي ‘ من استجمر فليوتر. واللام للأمر لذلك الأقرب أن قطع الاستجمار على وتر فيما يظهر لي أنه واجب لقوله فليوتر وهذا أمر صريح. هذا الحكم وعدم جواز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار حكمان يجهلهما كثير من العوام بالذات هذين الحكمين. • ثم قال ’: ويجب الإستنجاءُ: لكل خارج إلاّ الريح. بين ’ أنه يجب على الإنسان أن يستنجي بالماء بعد قضاء الحاجة أو يستجمر لحديث عائشة إذا ذهب أحدكم لى الخلاء فليستطب بثلاثة أحجار واللام للوجوب. لكن الحنابلة قيدوا هذا الوجوب بقيد هو: قوله في الروض إذا أراد الصلاة. يعني أن الحنابلة يرون أنه يجب على الإنسان إذا قضى حاجته أن يستجمر أو أن يستنجي لكن إذا أراد الصلاة. أما إذا لم يرد الصلاة فهو مخير فيستطيع أن لا يتنجي ولا يستجمر ثم إذا حضر وقت الصلاة وجب عليه أن يطهر بدنه وثوبه إن كان مس ثوبه شيء من النجاسة. ولكن الأقرب إذا قضى حاجته يجب عليه مباشرة أن يستنجي أو أن يستجمر. لماذا؟ لأن النصوص التي تقدمت معنا كحديث سلمان وحديث ابن مسعود وحديث عائشة كلها لم تقيد الأمر بإرادة الصلاة. ثم الشارع الحكيم متشوف للطهارة وهذا من أهم أنواع الطهارة. ثم هذا من الفروق الكبيرة بين دين الاسلام ودين النصارى فإنهم أناس لا يعتنون بالنظافة بينما الاسلام كما سيأتينا كثيراً - ما يدل على اعتناء الاسلام بالطهارة. إذاً الصواب أنه يجب على الإنسان بعد قضاء الحاجة أن يستجمر أو يستنجي ولو لم يكن يرد الصلاة. • ثم قال ’: ولا يصح قبله: وضوء ولا تيمم. يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يتيمم أو يتوضأ إلا بعد الاستنجاء والاستجمار أما لو قضى حاجته ثم توضأ ثم استنجى أو استجمر فإن الوضوء يكون باطل. الدليل: قالوا: أن علي بن أبي طالب - أمر من يسأل النبي ‘ لأنه كان كثير الإمذاء فسأله عن هذه المسألة مسألة حكم المذي فأفتاه النبي ‘ بقوله اغسل ذكرك وتوضأ. قالوا: فأمره النبي ‘ أولاً بالاستنجاء ثم بعد ذلك يتوضأ. والقول الثاني: أنه يجوز للإنسان أن يبدأ بالضوء ثم يستنجي أو يستجمر. قالوا لأنه ثبت في الصحيح رواية لحديث علي أن النبي ‘ قال له توضأ وانضح فرجك. فبدأ بالوضوء قبل الاستنجاء.

стр. 64

قالوا فهذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يتوضأ ثم بعد ذلك أن يستنجي أو يستجمر. وهذا القول الثاني هو الصواب لأنه لا يوجد ارتباط بين الوضوء وإزالة النجاسة. - انتبهوا لهذه القاعدة لتفهموا هذه القاعدة حتى تريحكم في كثير من الأشياء - لو أن الإنسان على ظهره نجاسة أي نجاسة وقعت على ظهره فهل يجوز له أن يتوضأ ثم يغسل هذه النجاسة؟ نعم يجوز. بالإجماع إذا لم تكن النجاسة في أحد السبيلين فبالإجماع. هذه المسألة تبين أنه لا يوجد ارتباط بين مسألة إزالة النجاسة ومسألة الوضوء. نقول ولا يوجد فرق بين أن تكون النجاسة على أحد السبيلين وبين أن تكون في موضع آخر من البدن. إذاً ما في شك أن الإنسان لو توضأ ثم استنجى أو استجمر فوضوءه صحيح لكن لا ينبغي له أبداً أنت يفعل لوجود الخلاف ولأن الإنسان ينبغي له أن يتطهر تطهراً كاملاً فيبدأ بإزالة الخبث ثم الوضوء وهو التحلي بالطهارة المعنوية.

стр. 65

((تابع الدرس الخامس)) لما أنهى المؤلف ﵀ ما يتعلق بالاستنجاء والاستجمار وآداب التخلي انتقل إلى ما يأتي بعده عادة وهو السواك وسنن الوضوء لأن الإنسان يقضي حاجته ثم يستنجي أو يستجمر ثم يتوضأ وهذا الترتيب المنطقي هو الذي سار عليه المؤلف. باب السواك وسنن الوضوء السواك: من أعظم سنن الإسلام واعتنى به الشارع عناية خاصة كثيرة حتى أنه ﷺ إستاك وهو يموت - وهو في النزع - من شدة عنايته ومحبته للسواك. ولما رأى العلماء اهتمام الشارع واهتمام النبي ﷺ بالسواك جعلوا له بحثاً خاصاً بل إن كثيراًَ من أهل العلم أفرده بمؤلف. - السواك هو: دلك الفم لإزالة التغير ونحوه. • والمقصود الأول من الاستياك: التننظيف. • والمقصود الثاني: إزالة الرائحة. • والمقصود الثالث: إزالة التغير باللون. • قال ﵀: التسوك: بعود لين منق غير مضر لا يتفتت، لا بإصبعه وخرقة مسنون كل وقت، لغير صائم بعد الزوال بدء المؤلف يبين أحكام السواك فبين: أولاً: أنه مسنون لأنه قال: التسوك بعود لين ...... مسنون. إذاً حكمه: أنه سنة. • لحديث أبي هريرة - - (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). • ولحديث عائشة ﵂ - الصحيح أيضاً - (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب).

стр. 66

وحديث عائشة هذا مهم. ولماذا هو مهم؟ الجواب: لأن كثيراً من الأحكام التي يذكرها المؤلف تستنبط من هذا الحديث. • يقول ﵀: التسوك: بعود لين يسن أن يكون العود ليناً ولا يكون يابساً. = ما الدليل على أنه يكون ليناً؟ - قالوا: الدليل لأن العود اللين أنقى من العود اليابس. = ما الدليل على أن العود الأنقى أحب إلى الله من العود الأقل نقاوة؟ - الجواب: حديث عائشة لأنها تقول مطهرة للفم فإذاً كل ما يكون فيه تطهير أشد فهو أكثر محبة للشارع. • ثم قال ﵀: لين منق. = ما الدليل على أنه كلما كان العود منقياً فهو أفضل؟ - الجواب: أن المقصود هو الإنقاء بدليل حديث عائشة. • ثم قال ﵀: غير مضر. هذا الحكم لا يرجع إلى حديث عائشة. ويعني أنه: يكره للإنسان أن يستعمل عوداً مضراً وإن شئت أن تقول يستحب للإنسان أن يستعمل عوداً لا يضر. ومن العلماء من قال: بل يحرم. أن استعمال العود المضر يحرم. والصواب أنه بحسب المضرة: - فإن كانت المضرة شديدة فهو: محرم. - وإن كانت المضرة يسيرة فهو: مكروه. والحنابلة عندهم قاعدة: وهي: أن كل عود له رائحة طيبة فهو مضر. والظاهر أنهم أخذوا هذا الحكم من التجارب. • ثم قال ﵀: لا يتفتت. ما العلة في كونه لا يتفتت؟ - من فهم الكلام السابق فيستطيع أن يذكر التعليل -. الجواب أن العلة هي: أن التفتت يناقض الإنقاء من وجهين: - الوجه الأول: أن الأجزاء المتفتتة ستبقى في الفم. - والوجه الثاني: أن العود إذا تفتت لم ينق. إذاً تستطيع أن تقول: تعليل مختصر: أن العود الذي يتفتت لا يستحب لأنه ينافي الغرض من التسوك. • ثم قال ﵀: لا بأصبع وخرقة. الحنابلة يرون أن استخدام الإصبع أو الخرقة لا يحقق السنة. = ما معنى أنه: لا يحقق السنة؟ - الجواب: أنه يعني: لو أن الإنسان استخدم إصبعه أو خرقة لا يؤجر الأجر المترتب على السواك لأنه لا يحقق السنة. وقيل: بل يحقق السنة بحسب ما ينقي. = وعلى هذا القول أيهما أفضل الأصبع أو الخرقة؟ - الجواب: الخرقة أفضل ولماذا؟: لأنها أنقى. والقول الثالث: أنهما يحققان السنة عند عدم العود. وهذا القول اختاره المرداوي في كتابه - الحافل المفيد لطالب العلم - الإنصاف.

стр. 67

= فكم قول في هذه المسألة؟ - ثلاثة أقوال. وهذا يدل على عناية أهل العلم بمسائل السواك. والصواب ما اختاره المرداوي ﵀: أنهما يحققان السنة بشرط عدم وجود العود لأن الأصل في السواك العود. • ثم قال ﵀: مسنون كل وقت. يعني أنه يسن للمسلم في جميع الأوقات أن يستاك. والدليل واضح جداً من الأحاديث السابقة - حديث أبي هريرة وحديث عائشة ﵂ فهي تدل على أن السواك سنة في كل وقت. • ثم قال ﵀: لغير صائم بعد الزوال. يعني أنه يسن أن يستاك الإنسان في جميع الأوقات: o إلا في وقت واحد وهو: بعد الزوال. o لشخص واحد وهو: الصائم. فالصائم إذا زالت الشمس - أي دخل وقت الظهر - فيكره له أن يستاك. فا نقلب الحكم من غاية ما يحبه الشارع إلى أن يكون مكروهاً - عند الحنابلة. - الدليل: - قالوا: أن النبي ﷺ يقول (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك). فقالوا: إن والاستياك في هذا الوقت يذهب هذه الرائحة المحبوبة للشارع ولذا فهو مكروه. والقول الثاني: أن الاستياك مستحب في جميع الأوقات لعموم الأدلة. والجواب عن هذا الحديث من وجهين: - الأول: أن هذه الرائحة تخرج من المعدة وليست تخرج من الفم. - الثاني: أن مثل هذا الأمر والذي اعتنى به الشارع عناية خاصة لا يجوز أن نخصصه بدليل عام بل لابد من دليل خاص. • ثم قال ﵀: متأكد: عند: صلاة وانتباه وتغير فم بين المؤلف ﵀ بماذا نستاك؟ ثم بين متى نستاك؟ ثم بين متى يكره أن نستاك؟ ثم ختم بمسألة الأوقات المستحبة - بشكل خاص للشارع ليستاك المسلم فيها. فقال: متأكد عند صلاة. لقول النبي ﷺ (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). فلا شك أن هذا تخصيص من الشارع بوقت الصلاة. • ثم قال ﵀: وانتباه: يعني من نوم. فيستحب للإنسان إذا انتبه من النوم أن يستاك لحديث حذيفة أن النبي ﷺ (كان إذا استيقظ من النوم يشوص فاه بالسواك). ومعنى قوله يشوص يعني يدلك ويغسل. فإذاً يستحب للإنسان - بشكل خاص - إذا استيقظ من النوم أن يستاك. • ثم قال ﵀: وتغير فم. إذا تغيرت رائحة الفم فحينئذ يتأكد السواك. لأن النبي ﷺ يقول: (مطهرة للفم). وتطهير الفم يتأكد عند التغير.

стр. 68

ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى موضوع جديد وهو كيفية الاستياك فقسم لنا ﵀ أحكام السواك تقسيماً مبسطاً وجيداً. • فقال ﵀: ويستاك عرضاً مبتدئاً بجانب فمه الأيمن. يستاك عرضاً: وذلك بأن يمرر السواك من ثناياه إلى أضراسه. وإذا أردت أن تفهم العرض افهم الطول فالطول هو أن يبدأ من أصول - منابت - الأسنان إلى أسفلها. إذاً العرض: من الثنايا إلى آخر الفم ذهاباً وعوداً. فيقول ﵀ أن هذا مستحب بأن يستاك عرضاً لا طولاً. = ما الدليل؟ - قالوا أنه روي النبي ﷺ أنه قال: (إذا استكتم فا ستاكوا عرضاً) وهذا الحديث مرسل. ومن المعلوم أن المرسل من أنواع الحديث الضعيف فالحديث ضعيف. والتعليل: أن هذا أنقى وأبعد عن الأذى. فالفقهاء يرون أننا نستخدم المسواك بعكس ما يقول الأطباء في استخدام الفرشاة. وفي الحقيقة ينبغي أن يرجع في كيفية الاستياك إلى الأطباء إذا كان حقيقة أن استخدام العود عرضاً أنفع وأقل ضرراً على اللثة أخذنا به وإذا كان الإستخدام الذي يرشدون إليه في الفرشاة أنفع أخذنا به. ويمكن أن يقال أنه يخنلف العود عن الفرشاة فيمكن أن يكون لكل واحد منهما طريقة تخصه. • ثم قال ﵀: مبتدأً بجانب فمه الأيمن. هذا القول يبين مدى دقة الفقهاء ﵏ فإذا أردت أن تستاك وقبل أن تبدأ فأين تضع المسواك؟ فيرشدون ﵏ أنك تضعه في جانب الفم الأيمن. = ما الدليل؟ - حديث عائشة كان يعجبة التيمن في شأنه كله - وهذا من شأنه. ثم نحن أخذنا قاعدة: أنه إذا أراد الإنسان أن يُنَظِّفْ فَالمُنَظَّفْ يبدأ به من اليمين ويستخدم في التنظيف الشمال. (((هنالك مسألتين سبق الكلام عليهما في باب المياه نريد أن ننبه عليهما: المسألة الأولى: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة: الحكم: أنه إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة ولم يعلم عدد النجسة فإنه يصلي بعدد الثياب بلا زيادة. ولعلي ذكرت أنه بزيادة صلاة واحدة - أظن أني ذكرت هذا - وهذا ليس بصحيح إنما يصلي بعدد الثياب فقط. يعني أنه إذا كان عنده عشرة ثياب فيها ثياب نجسة لا يعرف عددها فبكم يصلي؟ يصلي بعدد العشرة الثياب. وإنما يصلي بعدد النجس ويزيد إذا كان عدد الثياب النجسة معلوماً.

стр. 69

المسألة الثانية: في أقسام المياه ذكر المؤلف قسم الطهور المكروه وذكر أنه إذا اختلط بممازج وذكر قطع الكافور والدهن والملح المائي: ففهم بعض الإخوة أن الملح المائي لا يمازج. ونقول الصواب أن الملح المائي يمازج ولكن لماذا يبقى طهور؟ لأن أصله الماء وقد ذكرت أن هذا هو العلة لكن عدداً من إخواننا اشتبه عليهم الأمر. المسألة الثالثة: أن المؤلف ﵀ ذكر القسم الثالث فقال: والنجَس. بفتح الجيم. والذي في القاموس بالكسر النجِس. (((انقطع التسجيل))). ((انتهى الدرس الخامس))

стр. 70

• يقول ﵀: ويدهن غِبَّاً. يعني أنه يسن للإنسان أن يدهن غِبَّاً يعني: يدهن يوماً ويترك يوماً. والدليل: أن النبي ﷺ نهى عن الترجل إلا غِبَّاً. = فإذا قيل ما هي العلاقة بين الترجل والإدهان الذي ذكره المؤلف؟ - فالجواب: أن الترجل هو تسريح الشعر مع دهنه. أما التمشيط بلا دهن فليس بترجل. وهذا الحديث أن النبي ﷺ نهى عن الترجل إلا غِبَّاً. حديث قابل للتحسين. فمن السنن عند الحنابلة أن يدهن غِبَّاً. فجمعوا بين وجود الإدهان وأن لا يكثر، فلا إفراط ولا تفريط يدهن ولكن لا يكثر. • قال ﵀: ويكتحل وتراً. من السنن عند الحنابلة أن يكتحل الإنسان وأن يكون هذا الاكتحال وتراً. الدليل: - قول النبي ﷺ من اكتحل فليوتر. وهذا الحديث أيضاً قابل للتحسين بمجموع طرقه. = وهنا مسألة: هل الإيتار يكون بالنسبة لمجموع العينين؟ أم يكون بالنسبة لكل عين على حدة؟. - إذا كان لمجموع العينين: فهذا يعني أن يكتحل مثلاً: ثلاث مرات في اليمنى ومرتين في اليسرى فيكون المجموع خمساً. فهذا إيتار بالنسبة لمجموع العينين. - والإيتار بالنسبة لكل عين أن يكتحل في كل عين ثلاث مرات. الذي ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ ورجحه وعمل به القول الأول: أن الإيتار إنما هو لمجموع العينين وما مال إليه الإمام أحمد هو الصحيح لأن في الباب أحاديث وآثار تدل عليه وإن كانت الأحاديث ضعيفه ولكن من طريقة الإمام أحمد أنه إذا لم يكن في الباب إلا حديثاً ضعيفاً أخذ به. إذاً عرفنا حكم الاكتحال وتراً وكيفية هذا الإيتار.

стр. 71

الباب معقود لسنن الوضوء ومع ذلك يقول تجب التسمية ولا إشكال في هذا لأنه أراد أن يبين السنن جملة وينص على ما يراه هو واجباً وإن كان غيره يراه سنة. • قال ﵀: وتجب التسمية: في الوضوء مع الذكر. فالحنابلة يرون أن التسمية في الوضوء واجبة فإن تركها عمداً بطل الوضوء ويستدلون بقول النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). هذا الحديث بالنسبة للمتأخرين محل بحث طويل فكُتِبَتْ فيه بحوث طويلة ورسائل مفردة وغرض الكاتبين إثبات صحة هذا الحديث. فلا يخلوا أي طريق من طرق هذا الحديث من ضعف ولكنهم يصححونه بمجموع الطرق. فإذاً عرفنا الآن: - أن: مذهب المتأخرين من المحدثين تصحيح هذا الحديث بمجموع طرقه. - وذهب الإمام أحمد وأبو حاتم إلا أنه لا يصح في هذا الباب حديث. وما ذهب إليه الإمامان هو الصواب عندي بلا إشكال وبدون تردد لسببين: • السبب الأول: أن طرق هذا الحديث ضعيفة وفي بعضها ضعف شديد. • السبب الثاني: أن كل علم تحتاج إليه الأمة لا سيما في ركن من أركان الإسلام كالصلاة ولا سيما في أهم واجباتها وهو الضوء فلا بد أن يأتي بطرق قوية ثابتة لا يتردد فيها النقاد وهذا الأم غير متوفر في أحاديث البسملة. ثم الذين نقلوا إلينا وضوء النبي ﷺ نحو عشرة من الصحابة أو أكثر ذكرهم ابن الأثير في جامع الأصول لم يذكر أحد منهم في الأحاديث الصحيحة البسملة مما يدل لم تكن موجودة أي أنه ﷺ لم يبسمل. إذاً النتيجة أن هذا الحديث ضعيف وإذا كان ضعيفاً فالصواب في هذه المسألة هو القول الثاني: وهو أن البسملة سنة. بل من العلماء من قال إن البسملة غير مشروعة قالوا: لا يشترط لكل عبادة أن نبدأها ببسم الله فمثلاً: الآذان من أعظم العبادات لا يبدأ فيه ببسم الله. ولعل القول الوسط أن البسملة سنة - فيكون أقرب الأقوال - وإن كان القول بعدم مشروعية البسملة قول قوي. • قوله ﵀: ويجب الختان ما لم يخف على نفسه. الختان: • بالنسبة للذكر: هو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة. • وبالنسبة للأنثى: هو قطعالجلدة أعلى الفرج وذكر الفقهاء أنها تشبه عرف الديك.

стр. 72

فالحنابلة - كما ترون - يرون وجوب الختان للذكر وللأنثى ويستدلون بقول النبي ﷺ (ألق عنك شعر الكفر واختتن). فأمر من دخل بالإسلام أن يختتن وهذا الحديث حديث ضعيف. والقول الثاني في مسألة الأختتان: أنه سنة. وهذا مذهب الحسن البصري واشتهر بهذا القول واستدل بأن عدداً كبيراً من الناس أسلم في عهد النبي ﷺ ولم يذكر أنهم أمروا بالإختتان. والقول الثالث: أنه واجب بالنسبة للرجل سنة بالنسبة للأنثى. - وجه هذا القول: • أن الإختتان بالنسبة للذكر يتعلق بكمال الطهارة وتمامها لأنه إذا لم يقطع هذه الجلدة التي تغطي الحشفة تجمع تحتها بقايا البول فلم تحصل الطهارة على الوجه المطلوب. • ووجه الوجوب هذا بالنسبة للذكر لا يوجد بالنسبة للأنثى فإن الختان بالنسبة إليها أمر كمالي تحسيني. وهذا القول يشعر به كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه يقول في الاختيارات ويجب الختان إذا وجبت الصلاة - فربط الختان بالصلاة. إذاً صارت الأقوال ثلاثة وهذه الثلاثة الأقوال هي أيضاً روايات عن الإمام أحمد فعنه في هذه المسألة ثلاث روايات. والقول بالوجوب على الذكر دون الأنثى اختيار ابن قدامة ﵀. إذا قيل لك متى تكثر الروايات عن الإمام أحمد فالجواب أن تقول تكثر الروايات عن الإمام أحمد في كل مسألة تعارضت فيها الأدلة الصحيحة أو لم يوجد فيها أدلة فإذا لم يجد الإمام أحمد نصوصاً واضحةً تجد أنه مع ورعه يكون له في المسألة أكثر من قول يعني أكثر من رواية. فعرفنا بالتفصيل القول في مسألة الختان بالنسبة للحنابلة وغيرهم. • قوله ﵀: ويكره القزع. يكره القزع عند الحنابلة لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ : (نهى عن القزع). وروى هذا الحديث عن ابن عمر نافع وذكر البخاري ومسلم في الصحيحين تفسير نافع للقزع حيث قال: أن القزع هو: حلق بعض الرأس وترك بعضه. إذاً هذا التفسير المشهور هو تفسير لنافع وهو أيضاً في الصحيحين. = فما حكم القزع؟ - مكروه عند الحنابلة. = فإن قيل: أن الأصل في النهي التحريم فما وجه أن يكون مكروهاً؟

стр. 73

- فالجواب: أني لم أجد قائلاً من الفقهاء المتقدمين بالتحريم - حسب اطلاعي فإذا كان أحد وجد من السلف أو ممن جاء بعدهم قال بالتحريم فنقول إن التحريم متوافق مع النص لأن الأصل في النهي التحريم. وقد يكون بعض العلماء الأجلاء المعاصرين قالوا بالتحريم ولكن حسب بحثي لم أجد قائلاً بالتحريم. ومن سنن الوضوء: السواك، وغسل الكفين ثلاثاً ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء، والبداءَة بمضمضة ثم استنشاق، والمبالغة فيهما لغير صائم، وتخليل اللحية الكثيفة والأصابع، والتيامن، وأخذ ماء جديد للأُذنين، والغسلة الثانية والثالثة. لما انتهى المؤلف من السنن العامة: السواك وما يتعلق به والاكتحال والاختتان انتقل إلى سنن الوضوء لأن الباب معقود للسواك وسنن الوضوء. • قال ﵀: ومن سنن الوضوء: السواك بدأ به لأنه من أهم سنن الوضوء والدليل على سنيته حديث أبي هريرة السابق - (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) - بدل عند كل صلاة. الحديث الذي في الصحيح فيه الصلاة وفي الرواية التي خارج الصحيح الوضوء. = وعليه أيهما أصح وأثبت؟ رواية عند الصلاة أو رواية عند الوضوء؟ - الجواب: عند الصلاة. ومع ذلك فهو سنة عند الوضوء. • ثم قال ﵀: وغسل الكفين ثلاثاً. يعني أنه يسن لمن أراد أن يتوضأ أن يغسل كفيه ثلاثاً قبل أن يبدأ بالوضوء. وما أكثر الذين يتركون هذه السنة أما من جهة العوام فغالبهم يترك هذه السنة وأيضاً الخواص - وهم طلاب العلم وأهله - قد ينسى بعضهم هذه السنة. والدليل على ثبوت هذه السنة: ١ - حديث عثمان بن عفان ﵁. ... ٢ - وحديث عبد الله بن زيد ﵁. ففي كل منهما أنه ﵀: - بدأ بغسل يديه ثلاثاً قبل أن يشرع في الوضوء - فهي سنة ثابتة. • ثم قال ﵀: ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء. هذه المسألة من مفردات الحنابلة. وهو أنه يجب على الإنسان إذا قام من النوم قبل أن يدخل يديه في الإناء أن يغسلهما ثلاثاً. والدليل تقدم معنا: وهو قو النبي ﷺ (إذا استيقظ أحدكم من النوم فلا يغمس يديه في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً). - الجمهور يرون أن هذا الغسل: سنة. - والحنابلة يرون أن هذا الغسل: واجب. = فأي القولين أحظُّ بالدليل؟

стр. 74

- الجواب: قول الحنابلة. لأن الأصل في الأمر الوجوب. المؤلف ’ يقول: ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء. = فهل يجب عليه أن يغسل يديه إذا أراد أن يتوضأ أو إذا أراد أن يدخلهما في الإناء؟ - الجواب: إذا أراد أن يدخلهما في الإناء - يعني: ولو لم يرد الوضوء. = إذاً إذا استيقظ الإنسان من النوم وأراد أن يتوضأ ولم يحتج أن يدخل يديه في الإناء فهل يجب عليه أن يغسل ثلاثاً؟ ... - لا. لا يجب. إذاً لا يوجد ارتباط بين غسل الكفين ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء بعد النوم وبين غسل الكفين ثلاثاً في الوضوء. الخلاصة: يجب على الإنسان إذا استيقظ من النوم وأراد أن يغمس يديه في الإناء أن يغسلهما ثلاثاً ولو لم يرد الضوء لا كما يتصور كثير من الناس أن هذا الوجوب إنما هو إذا أراد الوضوء. • ثم قال ’: والبداءَة بمضمضة ثم استنشاق. البداءة بالمضمضة والاستنشاق سنة والدليل أيضاً حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد حيث بدأ النبي ‘ بالمضمضمة. وفهم من كلام المؤلف ’: أنه يجوز للإنسان أن يبدأ بغسل الوجه قبل المضمضمة والاستنشاق أليس كذلك؟ بلى. لأن البدأ بالمضمضة والاستنشاق سنة. إذاً يجوز للإنسان أن يغسل وجهه ثم يتمضمض ويستنشق فتقديم المضمضة والاستنشاق سنة فقط. • ثم قال ’: والمبالغة فيهما لغير صائم. نحتاج في موضوع المبالغة إلى الكلام في عدة عناصر: أولاً: ما هي المبالغة؟ ثانياً: وما هو الدليل؟ ثالثاً: ولماذا نستثني الصائم؟ نقول أولاً: المبالغة هي: • في المضمضة هي إدارة الماء في جميع الفم. • والمبالغة في الاستنشاق هي جذب الماء إلى أقصى الأنف. • والمبالغة في ما عداهما - يعني في باقي أعضاء الوضوء - دلك ما ينبو عنه الماء. = لو سألنا سؤالاً: بعد أن عرفنا ما هي المبالغة بالنسبة للمضمضة فما هي المضمضة التي لم تؤدى على وجه المبالغة؟ - الجواب: أن لا يدار الماء في جميع الفم - بأن يدير الماء في بعض الفم فهذه مضمضة ولكن ليست على سبيل المبالغة. أما الدليل: فهو حديث لقيط بن صبرة - أن النبي ‘ قال أسبغ الوضوء وخلل الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما. = فإن قيل: الحديث فيه المبالغة في الاستنشاق فما هو دليل المضمضة؟

стр. 75

- فالجواب: الدليل الأول: أن نقول أن المضمضة داخلة في عموم قوله ﷺ (أسبغ الوضوء). والدليل الثاني: القياس: نقيس الضمضة على الاستنشاق. وهو قياس صحيح. وأما استثناء الصائم: فهو من النص فإنه قال: (إلا أن تكون صائماً). وفي هذا الحديث أيضاً دليل على أنه ينبغي للمسلم أن يحتاط لأن الإنسان إذا بالغ في الاستنشاق فدخول الماء إلى الحلق أمر محتمل ومع ذلك نهى النبي ﷺ عنه احتياطاً. = إذاً ما حكم المبالغة للصائم؟ - الجواب: مكروهة. وليست محرمة. والكراهة دليل الاحتياط كما تقدم. • ثم قال ﵀. وتخليل اللحية الكثيفة والأصابع. تخليل اللحية سنة. بدليل حديث عثمان أن النبي ﷺ : (لما توضأ خلل لحيته). والكلام الذي قلناه في حديث البسملة في الوضوء ينطبق تماماً على التخليل لأنه لا يوجد حديث صحيح أبداً يدل على التخليل. وممن ضعف جميع الأحديث التي فيها التخليل الإمام أحمد ولكن مع ذلك المعاصرون يصححون أحاديث التخليل بمجموع الطرق. والبحث الذي ذكرناه في مسألة البسملة عند الوضوء ينطبق تماماً على مسألة التخليل لأن الأحاديث الصحيحة المتكاثرة ليس فيها ذكر التخليل بل حديث عثمان بل حديث عثمان في الصحيح ليس فيه التخليل لكن في رواية خارج الصحيح فيه التخليل لكن عرفنا الآن أن التخليل لم يثبت عن النبي ﷺ لكن مع ذلك الإمام أحمد يرى أنه سنة لأنه ثابت عن بعض الصحابة. قال: وتخليل الأصابع: يسن تخليل الأصابع أيضاً لحديث لقيط السابق. وتخليل الأصابع سنة إذا ظن الإنسان أن الماء وصل إلى ما بين الأصابع. لكن إذا ظن أن الماء لم يصل إلى ما بين الأصابع فإن التخليل حينئذ يكون واجباً لا سنة. فبعض الناس تكون أصابعه ملتصقة جداً - لأي سبب: فقد يكون لسبب طبيعة عمل الإنسان وصناعته أو بسبب طبيعة خلقته وغيره من الأسباب - فإنه إن ظن عدم وصول الماء فالتخليل في حقة في هذه الحالة واجب. لكن الأصل في التخليل أنه سنة. • ثم قال ﵀: والتيامن. التيامن أدلته كثيرة: • أحاديث الضوء كلها أن النبي ﷺ بدأ باليمين. • وفي حديث الاغتسال - في رواية صحيحة - أنه ﷺ بدأ بشقه الأيمن. • وتقدم معنا أن قاعدة الشرع تقديم اليمين في التكريم. • قال ﵀: وأخذ ماء جديد للأُذنين.
следующие страницы →