← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لقول الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فجعل مناط الكرم والتفضل والتقدم التقوى لا النسب. وليس في السنة حرف واحد يدل على تقديم من كان أقرب نسباً إلى النبي ﷺ في المناصب الدينية - إن صح التعبير - الإمامة والأذان وما شابه ذلك. وهذا القول اختاره شيخ الاسلام وهو قول وجيه وقوي جداً وليس لتقديم النسب أي معنا في الحقيقة ولو كان من سلالة الحسن أو الحسين. مع أنا نقول - وهذا مفروغ منه لا يحتاج إلى تنبيه - أنا نحب أهل البيت ونقدمهم ونعرف حقهم ونؤدي إليهم ما يجب علينا لكن هذا شيء والتقديم بالإمامة شيء آخر فنحن نطيع الله ورسوله حيث رتبا الإمامة في حديث أبي مسعود ﵁ بترتيب لا نخرج عنه إلى غيره. إذاً الأتقى يقدم على الأشرف بل أكثر من ذلك الشرف ليس له علاقو بتقديم ولا تأخير الإمامة. والإجابة على الحديث: يمكن أن نجيب أن الحديث ضعيف عند بعض أهل العلم وممن أشار إلى ضعفه البيهقي لكن في الحقيقة شواهده كثيرة وإسناد الحديث المرسل صحيح إلى مرسله وفيه قوة. والثاني: أن هذا في الإمامة الكبرى لا في الإمامة الصغرى لأن النبي ﷺ جعل ترتيباً خاصاً في الإمامة الصغرى وهو: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ... الخ. • ثم قال ﵀: ثم الأتقى. أي إذا استووا في جميع ما تقدم فإننا نقدم الأتقى. والدليل ما سبق ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. تقدم معنا أن الراجح تقديم الأورع على الأشرف. • ثم قال ﵀: ثم من قرع. أي إذا استووا في جميع الصفات السابقة فإن الإمام أو أهل الحي يقرعون بين المتساويين. الدليل على ذلك: قول النبي ﷺ لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لا ستهموا. وسعد ﵁ في القادسية تنازع الناس الأذان فأقرع بينهم. ولقاعدة مشهورة أنه إذا تساوى الإثنان في الاستحقاق فالترجيح بينهما يكون بالقرعة. = والقول الثاني: أنه في حال التساوي يرجح من يرغب به جماعة المسجد فإذا رغبوا بأحدهما مع التساوي في جميع الصفات قدما لرغبة الجماعة به.

стр. 562

الدليل: قالوا: أن في تقديم من رغب به جماعة المسجد تأليفاً للقلوب واجتماعاً للكلمة. وهذا القول فيه قوة وفيه فقه لكن يحول بيننا وبين ترجيحه مسألة أن سعداً ﵁ لم يستشر الصحابة في أي الصحابة يؤذن وربما كان بعضهم أندى صوتاً فلم ينظر إلى هذه الأمور إنما أقرع بينهم. ثم إذا قدمنا رغبة الجماعة ربما يؤدي هذا إلى شحناء وتباغض بين الجماعة والمؤخر. انتهى الدرس،،،

стр. 563

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا بالأمس الكلام عن من هو الأولى بالإمامة وأخذنا الخلاف في ذلك ونريد أن نذكر الآن الراجح من حيث الترتيب فقط. فأولى الناس حقاً بالإمامة الأقرأ ثم الأفقه ثم الأقدم هجرة ويساويه القدم إسلاماً ثم الأتقى ثم الأسن وليس معهم الأشرف. وفي الحقيقة التقديم بالأتقى أمر نسبي قد لا يتحقق في كثير من الأحوال ففي المرتبة الأخيرة غالباً سيكون الأسن لأن الحكم لفلان أنه أتقى من فلان أمر فيه عسر وقد لا يتضح في كثير من الصور. وعموماً هذا هو الراجح من حيث الأدلة أما من حيث التطبيق فالأقرأ - الأفقه - الأقدم هجرة - الأسن. فهذا هو الذي يكون العمل به متيسراً وسهلاً. لما انتهى المؤلف من بيان القاعدة العامة في ترتيب الأئمة انتقل إلى أشياء خاصة: • فقال ﵀: وساكن البيت وإمام المسجد: أحق. ساكن البيت وإمام المسجد أحق بالإمامة ولو حضر من هو أولى منهما في الصفات السابقة. لما أخرجه مسلمك في صحيحه: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه). فأما صاحب البيت فمعلوم أنه سلطان بيته وأيضاً تقدم معنا أن الإمام الراتب في المسجد كالسلطان في بيته أي: له الحق والأولوية أن يصلي. إذاً عرفنا أنهما يقدمان ولو حضر من هو أولى منهما. • ثم قال ﵀: إلاّ من ذي سلطان. أي: إلا إذا حضر السلطان في البيت أو في المسجد فإنه يقدم على صاحب البيت وعلى الإمام الراتب. والمقصود بالسلطان هنا: السلطان الأعظم.

стр. 564

واستدلوا على تقديم السلطان الأعظم - أي خليفة المسلمين أو من له السلطة العليا في الدولة - بنفس الحديث السابق: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه). قالوا: أن سلطان ولي الأمر أكبر من سلطان صاحب البيت حتى في بيته وحتى من إمام المسجد في مسجده. فلما كان سلطانه أكبر صار وصف الحديث ينطبق عليه أكثر فقدم للصلاة. إذاً إذا حضر السلطان فهو أحق بالإمامة من صاحب البيت أو إمام المسجد ولو كان راتباً. • ثم قال ﵀: وحر وحاضر ومقيم وبصير ومختوم ومن له ثياب: أولى من ضدهم. قوله: (وحر). أي أن الحر مقدم على العبد. فإذا اجتمعا قدم الحر على العبد. واستدلوا على تقديم الحر على العبد بأنه: أشرف وأعلى مكانة. = والقول الثاني: أن العبد إذا كان أفقه فإنه يقدم. واستدلوا بأدلة قوية جداً: الأول: عام. والثاني: حاص. أما الأول: فعموم قوله ﷺ : (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله). فنحن نقدم من قدم الله ورسوله ونؤخر من أخر الله ورسوله. الثاني: أن سالم مولى أبي حذيفة ﵁ صلى بعمر بن الخطاب ﵁ لأنه أقرأ منه. ولا شك أن الراجح هو أن العبد الأفقه أو الأقرأ ولو كان مملوكاً فإنه مقدم على الحر في الصلاة والإمامة إذا كان أفقه. ولاشك في رجحان هذا القول وأظن أن هذا كلام لبعض الحنابلة ولا أظنه يثبت عن الإمام أحمد بن حنبل. قوله: (وحاضر). يقصد بالحاضر هنا: الحضري وهو: من سكن المدن والأمصار فإنه مقدم على أهل البوادي: أي: على البادية. فإذا حضر رجل من الحضر ورجل من البادية فنقدم الحاضر على البادي. واستدلوا على هذا بأن: البادية يغلب عليهم الجهل بالأحكام وعدم معرفة القرآن. = والقول الثاني: أنه يقدم الأفقه سواء كان من الحاضرة أو من البادية. فإذا كان الرجل الذي من البادية أقرأ أو أفقه فإنه يقدم على من ليس كذلك ولو كان من الحضر. واستدلوا: بعموم قول النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله). سواء كان هؤلاء القوم من البادية أو من الحاضرة.

стр. 565

ولا يخفى أن القول الثاني هو القول الراجح وتعليق الأحكام بوصف الحضر والبدو لا أصل له في الشرع إنما نعلق الأحكام على الضوابط التي جاءت عن الشارع. ومنها في هذا الباب: مسألة أن يكون الأقرأ. قوله: (ومقيم). أي أن المقيم مقدم في الإمامة على المسافر. فإذا حضرا قدم المقيم وتأخر المسافر. واستدلوا على ذلك: بأنه يلزم من تقديم المسافر أحد أمرين: الأول: أن يقصر فيفوت بذلك على المقيم الصلاة كاملة جماعة لأنه سيقوم يقضي ركعتين بلا جماعة منفرداً. الثاني: أن يتم المسافر فيعتبر فعل مكروهاً. لذلك قالوا: نقدم المقيم على المسافر. = والقول الثاني: أنه يقدم من قدم الله ورسوله سواء كان مسافراً أو مقيماً لعموم قوله ﷺ : (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله). وفي المسألة: دليل خاص وهو أن النبي ﷺ لما نزل مكة صلى بالناس وقصر الصلاة وقال لأهل مكة: (إنا قوم سفر فأتموا صلاتكم). فهو ﷺ صلى بهم إماماً وهو مسافر وهم مقيمون والأصل العام أن النبي ﷺ يقتدى به في كل أفعال الصلاة لقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي). والراجح القول الثاني. قوله: (وبصير). يعني أنه يقدم البصير على الأعمى. فهو أولى منه بالإمامة. التعليل: قالوا: أن البصير أقدر على استكمال شرائط الصلاة من الأعمى سو اء كان من حيث استقبال القبلة أو الطهارة من النجاسة أو الوضوء وغير ذلك من شروط الصلاة. = والقول الثاني: أن الأعمى أولى لأنه أقرب للخشوع. = والقول الثالث: أنه يقدم من قدم الله ورسوله فمن كان أقرأ قدم سواء كال أعمى أو مبصر وقد صح أن ابن عباس ﵁ لما فقد بصره صلى بالناس إماماً وهو أعمى. وفي رواية أنه امتنع أن يؤم الناس لما صار أعمى. لكن الأقرب للصحة أنه صلى ﵁ ولم يمتنع من الصلاة. والراجح هو القول الثالث. وأجيب عن قضية الخشوع أنه يكره عند العلماء إغماض العينين ولو كان هذا مندوباً إليه وفضيلة لكان إغماض العينين مندوباً إليه. وعلى كل حال فإن فيه شيء من الصواب فلا شك أن الكفيف لا يشتغل بما أمامه من الملهيات.

стр. 566

أما الراجح فهو أن من قدم الله ورسوله فهو المقدم. قوله: (ومختون). المختون مقدم على الأقلف فهو أولى منه بالإمامة. والختن هو: قطع القلفة وهي: الجلدة التي تغطي الحشفة. فإذا قطعت هذه الجلدة صار الإنسان مختوناً وإذا لم تقطع فإنه أقلف. والتعليل: أنه أكمل منه طهارة وأكمل منه اتباعاً للسنة ولا يؤم المفضول الفاضل. الراجح: أن في المسألة تفصيل على النحو التالي: ـ نقول إذا كان الأقلف يستطيع أن يغسل النجاسة المتبقية تحت هذه الجلدة ولم يفعل فإن صلاته باطلة فضلاً عن إمامته لأنه صلى مستصحباً للنجاسة عمداً. وقد تقدم معنا أن الطهارة من النجاسة من شروط صحة الصلاة. ـ أن لا يستطيع أن يزيل هذه النجاسة فهو معذور أو يستطيع وأزالها فعلاً فحينئذٍ تساوى هو والمختون فنقدم من قدم الله ورسوله فالأقرأ منهما يصلي. وهذا القول كما قلت هو الراجح وهو المتوافق مع الأدلة الشرعية. قوله: (ومن له ثياب). أي ومن له ثياب مقدم على من ليس له ثياب. لكن الحنابلة يقصدون بمن له ثياب وبمن ليس له ثياب شيئاً خاصاً. فيقصدون بمن له ثياب: أي من يملك ثوبين وما يغطي به رأسه أولى ممن ليس له ثياب والمقصود به: من ستر العورتين مع أحد العاتقين لأن هذا هو القدر الواجب عند الحنابلة كما تقدم. وفيما أرى أن هذا التقديم صحيح فإن من أخذ زينته فهو مقدم في الصلاة عند التساوي على من لم يأخذ زينته لعموم قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. فأمر الله بأخذ الزينة عند كل مسجد. لكن يستثنى من هذا إن كان من لا يجد الثياب أنه لا يجدها بسبب الفقر فحينئذٍ يصبح معذوراً وسقط اعتبار هذا الوصف فنقدم من قدم الله ورسوله. قال: (أولى من ضدهم). هذه العبارة هي حكم لجميع الأجناس السابقة في قوله: (وحر وحاضر ومقيم وبصير ومختوم ومن له ثياب). فهذه ستة الحكم فيهم أنهم مقدمون على ضدهم وقد ذكرنا الخلاف في كل مسألة منها. وبهذا انتهى المؤلف ﵀ من الكلام على مسألة من الأحق بالتقديم أو الأحق بالتأخير في الإمامة. وانتقل إلى مسألة أخرى وهي الأشخاص الذين لا تصح الصلاة خلفهم. • فقال ﵀: ولا تصح خلف: فاسق.

стр. 567

قبل أن نأخذ حكم الصلاة خلف الفاسق وتعريف الفاسق من المناسب أن نذكر تحرير محل البحث. والفرق بين تحرير محل النزاع وتحرير محل البحث: تحرير محل النزاع هو: إخراج المسائل المجمع عليها وبحث المسألة المتنازع عليها. تحرير محل البحث هو: تحديد المسألة التي ستبحث سواء كانت المسائل الأخرى محل إجماع أو خلاف فلا يعنينا لكن نحن نريد أن نحدد المسألة التي نريد أن نبحثها. ودائماً يستخدمون تحرير محل البحث حينما تكون المسائل التي تخرج أيضاً فيها خلاف لكن الباحث لا يريدأن يبحث هذه المسائل وإنما يتركز بحثه على مسألة معينة. فنذكر الآن تحرير محل البحث: أولاً: تجوز الصلاة خلف الفاسق في الجمع والأعياد بلا إشكال. ثانياً: تجوز الصلاة خلف الفاسق الذي لا يعلم فسقه. ثالثاً: تكره الصلاة خلف الفاسق بالإجماع. إذاً الكراهة ليست محل بحث إنما محل البحث التحريم. نرجع إلى المسألة: • يقول ﵀: ولا تصح خلف: فاسق. الفسق في اللغة: هو الخروج. وفي الاصطلاح: التلبس بكبيرة أو المداومة على صغيرة. والفسق ينقسم إلى قسمين: فسق اعتقادي: كالمعتزلة والأشاعرة والجهمية عند من يحكم بإسلامهم والشيعة عند من يحكم بإسلام بعضهم وبعبارة أوضح نقول: هي البدع غير المكفرة. فسق عملي: وهو ما تقدم: فعل كبيرة أو الإصرار على صغيرة. اختلف الفقهاء ﵏ في حكم الصلاة خلف الفاسق: = ذهب الحنابلة – وهو المذهب – أن الصلاة خلف الفاسق لا تصح. واستدلوا بأدلة نأخذ منها دليلين فقط: الأول: حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن فاجر مؤمناً).وهذا الحديث ضعيف جداً ومنكر ومنن حكم بنكارته الحافظ الكبير أبو حاتم والدارقطني وغيرهما. الثاني: تعليل: أنه لا يؤمن في الفاسق أن يترك بعض شرائط الصلاة لفسقه وضعف دينه. = القول الثاني: أنه تصح الصلاة خلف الفاسق. واستدلوا أيضاً بنص وأثر: أما النص: فهو أن النبي ﷺ أخبر عن أئمة الجور وأنهم يضيعون الصلاة وهذا دليل على فسقهم ومع ذلك قال ﷺ : (صل الصلاة لوقتها فإن وافقتهم فصل معهم تكن لك نافلة).

стр. 568

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ صحح الصلاة خلفهم نافلة ولو كانت الصلاة باطلة فإنها لا تصح لا نفلاً ولا فرضاً. أما الأثر: أن ابن عمر ﵁ صلى خلف الخوارج وهم فساق فسقاً اعتقادياً. وصلى خلف الحجاج وهو فاسق فسقاً عملياً. وصلى الحسن والحسين وغيرهما من الصحابة خلف مروان بن الحكم وهم يعتبرونه من الفساق لأخطائه العظيمة. وإذا كان مع أصحاب القول الثاني نص عن النبي ﷺ وآثار صحيحة بل حكي إجماع الصحابة على صحة الصلاة خلف الفاسق فلا شك في رجحان هذا القول. وطالب العلم يرجح هذا القول مستصحباً الإجماع على كراهة الصلاة خلف الفاسق. • ثم قال ﵀: ككافر. الصلاة خلف الكافر لا تصح. إن كان يعلم كفره فبالإجماع. وإن كان لا يعلم كفره فكذلك لا تصح عند الحنابلة. وذهب بعض الفقهاء كالفقيه أبي ثور إلى صحة الصلاة خلف الكافر إذا جهل المأموم كفره. وعلل ذلك بأن هذا المأموم معذور. والأحوط مذهب الحنابلة أن الإنسان إذا صلى خلف شخص ثم تبين له بعد الصلاة أنه كافر فإنه يعيد. وتتصور هذه المسألة: في أن يكون الكفر من باب كفر الردة فيكون ظاهره الإسلام لكنه ارتد في قول أو عمل ولم يعلم المأموم أن أتى بمكفر فحينئذ قد لا يعلم بكفره. • ثم قال ﵀: ولا امرأة. أي ولا تصح الصلاة خلف المرأة. = وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجماهير العلماء من الخلف والسلف. واستدل الجماهير بأدلة: الدليل الأول: بقول النبي ﷺ (لا تأمن امرأة رجلاً) وهذا الحديث تكملة لحديث: (لا يؤمن فاجر مؤمناً) وقد تقدم معنا أن درجته أنته ضعيف جداً أومنكر. الدليل الثاني: ما جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة) ومن أعظم وأشرف وأهم الولايات ولاية إمامة الناس فإنه يقال الإمامة الصغرى والإمامة الكبرى فتقارن بالإمامة الكبرى لشرفها وأهميتها في الإسلام فكيف نوليها امرأة. الدليل الثالث: أن النبي ﷺ قال: (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) فكيف مع ذلك تكون هي الإمام.

стр. 569

= والقول الثاني: صحة صلاة النافلة وفي التراويح بالذات لأن أم ورقة ﵂ لما طلبت من النبي ﷺ أن تخرج معهم في الغزو أمرها أن تمكث وأن تصلي بأهل بيتها وأن تتخذ مؤذناً شيخاً كبيراً. قالوا: فدل هذا الحديث على أن إمامة المرأة في التراويح صحيحة. وصحة إمامة المرأة في التروايح رواية عن الإمام أحمد. = القول الثالث: الصحة مطلقاً وهو منسوب للطبري والمزني ولأبي ثور. لكن في الحقيقة بالنسبة لهؤلاء العلماء إشكال فبعض الكتب نسبت إليهم هذا القول وبعضها نسبت إليهم القول بأن إمامة المرأة تجوز في التراويح مطلقاً. فهناك اختلاف في التحقق من نسبة القول بجواز الصلاة مطلقاً إلى هؤلاء الأئمة الثلاثة. وفي الحقيقة لم يتسن لي البحث للتحقق من نسبة هذا القول فإنهم في الكتب ينسبون هذا القول تارة الجواز مطلقاً وتارة في التراويح. فالإشكال الأول في هذا القول الأخير هو التحقق من نسبة هذا القول. واستدل أصحاب هذا القول – الأخير – بحديث أم ورقة ﵂ حيث قالوا أنه عام ولم يخصص بالتراويح. والجواب عن حديث أم ورقة ﵂: أن في إسناده مجهولين. ومع وجود الجهالة المتن فيه نكارة فيما يظهر والله أعلم لأن بعضهم يحسنه. وجه النكارة أنه لا يوجد في النصوص ولا في الآثار أبداً الإشارة إلى إمامة المرأة للرجال. مع وجود الفقيهات من الصحابيات والتابعيات. ووجود طلبة العلم من أرحامهن أي ممن يتمكن من الدخول بلا ستر مع ذلك لم ينقل أن منهن من أمتهم أو أن امرأة أمت الرجال. فالراجح والله أعلم مذهب علماء المسلمين سلفاً وخلفاً إلا من ذكرت. أنه لا يشرع. مما يدل على قوة هذا القول قرب وقوع الفتنة بصلاة المرأة بالرجال فإن الفتنة تكاد تكون متحققة لا سيما مع ما في الصلاة من القراءة والتغني بالقرآن ومع مافيها من الركوع والسجود. فلا شك أن مذهب الجماهير إن شاء الله هو الراجح الذي تدل عليه النصوص الخاصة والأصول العامة على أن الحنابلة وغيرهم قالوا لو فرض صحة صلاة المرأة فإنه يجب أن تكون خلف الصف. فإذا جوزنا أن تكون إمامة فيجب أن تقف خلف الرجال هذا إذا جوزنا ذلك. • ثم قال ﵀: وخنثى للرجال.

стр. 570

أي: أنها لا تصح خلف المرأة بالنسبة للرجال أما بالنسبة فلا بأس أن يصلين خلفها وسيأتي معنا ذكر هذه المسألة. ولا تصح صلاة الرجال خلف الخنثى: التعليل: أنه قد يكون امرأة والخنثى هو الذي أشكل أمره فلا يعرف هل هو رجل أو امرأة؟ وهو موجود في الزمن الماضي والحاضر والمعاصر فإنه يوجد من يولد ويشكل أمره هل هو رجل أو امرأة إما لعدم وجود مخرج للمرأة والرجل أصلاً أو لوجود مخرج للمرأة والرجل في ذات الوقت في هذا الخنثى. الخلاصة: أنه لا يجوز للرجال أن يصلوا خلف الخنثى. • ثم قال ﵀: ولا صبي لبالغ. أي ولا تصح صلاة البالغ خلف الصبي. = فالحنابلة يرون أنه لا تصح صلاة البالغ خلف الصبي. وكان ينبغي على المؤلف ﵀ أن يقول: في الفريضة لأن هذا هو مذهب الحنابلة: أن نفي الصحة خاص بالفريضة وهذا أمر لا يترك أساسي فإنه ليس مما يقال أنه من التكميل والشرح. فكان ينبغي أن يقول ولا صبي لبالغ في الفريضة. ففي الفريضة لا يكون الصبي إماماً للبالغ لأن البالغ أكمل منه وصلاة البالغ فريضة وصلاة الصبي نافلة. فهو أكمل من حيث هو فإنه مكلف. وأكمل من حيث صفة الصلاة: فصلاته فريضة وصلاة الصبي نافلة. هذا الدليل الأول. والدليل الثاني: أن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة ... وذكر منهم الصبي حتى يبلغ) فهو مرفوع عنه القلم. = والقول الثاني: أن إمامة الصبي صحيحة. واستدلوا بدليلين: عام وخاص. العام: قالوا: عموم قوله ﷺ : (يؤم القوم أقرأهم) سواء كان بالغاً أو لم لم يبلغ لأن الحديث لم يفصل. الخاص: أن والد عمرو بن سلمة قدم على النبي ﷺ وسأله عن أحكام الدين ليبلغها لقومه فكان مما بلغه النبي ﷺ أن قال له: (ليؤمكم أكثركم قرآناً) فما رجع إلى قومه قال عمرو بن سلمة بحثوا فلم يجدوا إلا أنا فقد كنت أكثرهم قرآناً وهو ابن ست أو سبع سنين. فصار هو الإمام لقومه. ففي هذا الحديث إمامة الصبي للبالغين. وهذا القول الثاني أصح وأقرب.

стр. 571

لكن إذا قال قائل: أنتم تقولون: إن الإمام أحمد إذا وجد نصاً لا يتركه إلى غيره فكيف وقد ثبت عن الإمام أحمد بروايات أنه لا يرى صحة إمامة الصبي. فكيف وقد ترك هذا النص؟ فما هو الجواب؟ الجواب: أن الإمام أحمد سأل – الأثرم أو غيره – سأله فقال له: ما تقول في حديث عمرو بن سلمة فرده الإمام أحمد وقال: أي شيء يكون؟ أو أي شيء هو؟ ولم يرده من حيث الصحة لكن الحنابلة فسروا هذا القول من الإمام أحمد بأنه يرى أن هذا العمل لم يبلغ النبي ﷺ ولذلك لم يأخذ بالحديث. وحاشاه ﵀ أن يكون في المسألة نص صريح عن النبي ﷺ ثم يتركه. لكنه ﵀ ترك هذا النص لهذا المعنى كأنه رأى أن هذا الحديث لم يبلغ النبي ﷺ لأن والد عمرو رجع إلى قومه في البادية وهم يسكنون بعيداً عن النبي ﷺ وصار هو الإمام فربما حصل هذا منهم من غير علم النبي ﷺ . ونحن نريد أن نبين وجهة نظر الإمام أحمد ﵀ فقط وأما الراجح فهو القول الثاني لأن الأصل إن شاء الله كما سيأتيكم في أصول الفقه أن إقرار الله حجة فإن كان النبي ﷺ علم فليس في المسألة إشكال وإن كان لم يعلم فإن الله تعالى يعلم وهي واقعة وقعت في زمن التشريع ولو كانت هذه الواقعة مخالفة للشرع لبينها الله لرسوله ﷺ . إذاً الراجح إن شاء الله صحة صلاة الصبي لبالغ. وقوله: ولا صبي لبالغ: يفهم منه صحة الصبي لمثله وهذا صحيح لتساويهما. ويفهم من مذهب الحنابلة – لا أقول من عبارة المؤلف – أن إمامة الصبي البالغ لا تجوز في الفريضة يفهم منه جواز إمامة الصبي في النافلة وهو مذهب الجماهير وهو الصواب إن شاء الله. فإمامة الصبي في النافلة جائزة حتى عند الحنابلة وهو مذهب الجمهور حتى لو رجحنا عدم صحة إمامته في الفريضة ففي النافلة صلاته إن شاء الله صحيحة عند الجماهير بلا إشكال. • ثم قال ﵀: ولا أخرس. = أي أنه لا تصح إمامة الأخرس وهو من لا يستطيع النطق لا بالناطق ولا بمثله - أي أخرس آخر – عند الحنابلة. الدليل: استدلوا على هذا الحكم:

стр. 572

بأن القراءة ركن مقصود معتبر في الشرع وهو لم يأت به ولا ببدله. = والقول الثاني: صحة إمامة الأخرس بمثله فقط. لأن المنع من ذلك يؤدي إلى أن يصلوا فرادى وتضيع الجماعة. = والقول الثالث: صحة إمامة الأخرس مطلقاً. لأنه وإن كان أخرساً إلا أنه معذور فليس بيده النطق وإلا لفعل. وإذا كان معذوراً سقط اعتبار هذه الصفة وإذا لم تعتبر رجعنا إلى الأصل وهو من كان أقرأ يعني أكثر حفظاً فإنه يصلي بالناس. والترجيح في هذه المسألة فيه إشكال من حيث العموم والأدلة العامة تدل على أنه وإن كان أخرساً إلا أنه معذور. وإذا نظر الإنسان إلى النصوص الخاصة وجد أن الشارع له نظر عميق جداً في القراءة بل إنه قدم القارئ على الفقيه. وقدم القارئ على كل الناس. فقال: (يؤم القوم أقرؤهم). وهذا لا يصدر منه قراءة مطلقاً. فالحقيقة فيه تعارض فما يظهر لي أي الأقوال أرجح إذا تصورنا وقوع مثل هذا الأمر. • ثم قال ﵀: ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام. قبل شرح هذه العبارة أريد أن أنبه إلى تصحيح من حيث تفقير الكتاب (نسخة الهبدان - طبع دار ابن الجوزي) فإن الصواب في كتابة العبارة أن يقول: ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود ثم يضع نقطة ويبدأ مع أول السطر: أو قيام. إلاّ إمام الحي المرجو زوال علته. لماذا؟ لأن الحكم وهو قوله: (إلا إمام الحي المرجو زوال علته) يتعلق فقط بالقيام فليس له علاقة بالعاجز عن الركوع أو السجود أو القعود. وصنيع المحقق وفقه الله وجزاه الله خيراً يفهم منه خلاف ذلك. إذا تكون الجملة: ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود ثم نقطة ومع أول السطر أو قيام. إلاّ إمام الحي المرجو زوال علته. نرجع إلى معنى العبارة: يقول: ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود: يعني ولا تصح الصلاة خلف عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود. والمقصود بقوله: (عاجز عن ركوع أو سجود أو ركوع) أي لا تصح الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الواجبات أو الشروط ففي الحقيقة هم يريدون هذا المعنى ولا يريدون التخصيص بمسألة العاجز عن الركوع أو السجود أو القعود. إذاً لا تصح الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الشروط أو الواجبات.

стр. 573

الدليل عند الحنابلة: أن العاجز عن هذه الأشياء أخل بركن مقصود من أركان الصلاة سواء كان الركوع أو السجود أو القعود ولا يكون المفضول إماماً للفاضل. فمن كان قادراً قدم بالإمامة. = القول الثاني: مذهب الشافعية واختاره شيخ الاسلام بن تيمية ﵀ أنه تصح الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الشروط. لأن هذا العاجز معذور وإذا كان معذوراً لم يؤاخذ بما ترك وصلاته كاملة شرعاً. وإذا ثبت ذلك - أي أنه معذور - فإنا نقدم من قدم الله ورسوله. فنقول الأقرأ يتقدم فيصلي سواء كان هو العاجز أو القادر. • ثم قال ﵀: أو قيام. إلاّ إمام الحي المرجو زوال علته. أي لا تجوز الصلاة خلف العاجز عن القيام إلا بشرطين: أن يكون إمام الحي. أن يرجى زوال علته. واستدلوا على هذا الحكم بأدلة: الدليل الأول: أن القيام أسهل من باقي الأركان بدليل سقوطه فقي النافلة. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ صلى بأصحابه جالساً لما صرع عن فرسه ﷺ فاشتكى. وهذا الحديث في الصحيحين. والنبي ﷺ هو الإمام الراتب وأيضاً يرجى زوال علته لن العلة كانت بسبب السقوط عن الفرس وهذا عادة يزوال. = القول الثاني: أنه تجوز الصلاة خلف العاجز عن القيام ولو لم يكن هو إمام الحي ولو لم يرجى زوال علته. أولاً: لأن النصوص التي فيها أن النبي ﷺ صلى بأصحابه ليس فيها تقييد بهذه القيود. ثانياً: أنه ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في مرض موته حين صلى جالساً وصلى خلفه أبو بكر ﵁ والناس قيام. فدل هذا على أنه لا يشترط أن يرجى زوال علته ... (الآذان .. ) والراجح في هذه المسألة أنه يجوز الصلاة خلف العاجز عن القيام بلا شروط زائدة والدليل هو عموم الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ صلى بالناس قاعداً بلا شروط زائدة بالنصوص. ولعموم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله). والباقي إن شاء الله يأتي غداً. انتهى الدرس،،،

стр. 574

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا بالأمس الكلام عن حكم الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الشروط عند الحنابلة ثم حكم الصلاة خلف العاجز عن القيام فقط عند الحنابلة وذكرنا أدلة الحنابلة والشرطين اللذين ذكرهما المؤلف. • ثم توقفنا عند قول المؤلف ﵀: ويصلون وراءَه جلوساً ندباً. يريد المؤلف ﵀ أن يبين حكم المأمومين في الصلاة التي جلس فيها الإمام من أول الصلاة. إذاً المقصود بقوله: ويصلون وراءَه جلوساً ندباً. في مسألة إذا صلى جالساً من أول افتتاح الصلاة. فإذا كان الإمام مريضاً وجلس من أول الصلاة فإنه يندب للمأمومين أن يصلوا جلوساً ولا يجب عليهم أن يصلوا جالسين وجوباً. = استدل الحنابلة على أنه يندب فقط ولا يجب بحديث عائشة رصي الله عنها أن النبي ﷺ في المرض الذي مات فيه خرج ليصلي بالناس فصلى بهم جالساً وأبو بكر ﵁ والناس خلفه يصلون قياماً. فدل هذا الحديث على أن الصلاة خلف الإمام الجالس جلوساً مستحب ويجوز لهم أن يصلوا قياماً. = والقول الثاني: أنه يجب إذا شرع الإمام في الصلاة جالساً أن يصلي المأمومون وهم جلوس وجوباً أي على سبيل الوجوب لا على سبيل الندب. واستدلوا على هذا بدليلين: الأول: حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به ... أن قال .. : فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون). فقوله: (فصلوا جلوساً) ثم التأكيد بكلمة أجمعين فهذا دليل على أن هذا الأمر خرج مخرج الوجوب. الثاني: ما في حديث عائشة أن النبي ﷺ صلى شاكياً وصلى بعض القوم خلفه قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا. ولم يأمرهم بالجلوس في أثناء الصلاة إلا لأنه واجب. وهذا القول - الثاني - هو الصحيح. ونحتاج إلى الجواب عن حديث عائشة ﵂ لأن الصحابة صلوا خلف النبي ﷺ وهم قيام وهو جالس ﷺ فنقول الجواب: ـ هو بالجمع بين الحديثين كما جمع الإمام أحمد فنقول:

стр. 575

- يحمل حديث عائشة ﵂ على من ابتدأ الصلاة قائماً ثم اعتل وجلس. - ويحمل حديث أنس ﵁ وحديث عائشة الآخر على ما إذا ابتدأ الإمام الصلاة جالساً. وهذا الجمع مقدم على النسخ الذي ذهب إليه أصحاب القول الأول - أي نسخ الوجوب - وستأخذون في أصول الفقه في مبحث مهم جداً لطالب العلم وهو تعارض الأدلة: أن مرحلة الجمع تسبق مرحلة النسخ. إذاً قوله: (ندباً) الصواب أنه وجوباً. • ثم قال ﵀: فإن ابتدأ بهم قائماً ثم اعتل فجلس: أتموا خلفه قياماً وجوباً. إذا بدأ الإمام الصلاة قائماً ثم جلس في أثناء الصلاة فإن المأمومين يصلون خلفه قياماً وكما قال المؤلف ﵀: (وجوباً). ولا أظن أن في هذه المسألة خلاف. والدليل: حديث عائشة ﵂ فإنهم ﵃ صلوا خلف النبي ﷺ قياماً. وقد تقرر أن مخالفة الإمام الفعلية محرمة لقوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به). ولقوله - في بعض الألفاظ - (فلا تختلفوا عليه). فهذا دليل على أن مخالفة الإمام محرمة ومع ذلك خالفوا الإمام مما يدل على أن القيام واجب أي أنهم تركوا المحرم للإتيان بما هو أجوب منه وهو القيام. على كل حال لا إشكال أنه إذا ابتدأ بهم قائماً ثم جلس أنهم يصلون قياماً. عرفنا الآن أن قوله: (ويصلون وراءه جلوساً ندباً) لا يمكن أن يعم الصورتين فيما إذا ابتدأ الصلاة قائماً ثم جلس وفيما إذا ابتدأ الصلاة جالساً وإنما تحمل العبارة الأولى على ما إذا ابتدأ الصلاة جالساً. • ثم قال ﵀: وتصح خلف: من به سلس البول بمثله., المقصود بمن به سلس البول: من يستمر خروج البول ولا يستمسك بالإرادة. ومقصود الحنابلة بقولهم من به سلس البول: كل من حدثه دائم. أي: أن هذا الحكم لا يختص بمن به سلس البول بل يعم كل من حدثه دائم. حكم من حدثه دائم: أنه يجوز أن يصلي بمثله ولا يجوز أن يصلي بغيره - أي بغير من به سلس البول. - أما لماذا يجوز أن يصلي بمثله؟ فسبق معنا التعليل وهو: لتساويهما في الحال. - وأما لماذا لا يصلي بغيره؟ لأن هذا الشخص يخرج منه الحدث المبطل للطهارة وعفي عنه للعذر فلا يصلي بمن استكمل الشروط.

стр. 576

= والقول الثاني: أن من به سلس البول إذا غلبه هذا الأمر فإنه يصلي بمثله وبغيره إذا كان هو الأقرأ ولا ينظر لهذا الوصف أصلاً لأنه خارج عن إرادة الإنسان. وهذا القول هو الصواب وهذا القول عليه العمل فإن كثيراً من الأئمة يصلون بالناس ومعهم سلس فمن الناس من يسأل عن هذه المسألة ويذكر في سؤاله أنه إمام مسجد وعليه فإنه عمله صحيح ومذهب الحنابلة في هذه المسألة ضعيف. ومما يدل على قوة هذا القول - الثاني - عموم قوله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله). • ثم قال ﵀: ولا تصح خلف: محدث ولا متنجس يعلم ذلك. أي ولا تصح الصلاة خلف إمام محدث ومتنجس يعلم أنه أحدث أو أنه تنجس. ويجب أن تلاحظ أن مذهب الحنابلة ولو جهله المأموم فهذه مهمة ونقول: لو أن المؤلف أضافها لكان أولى. التعليل: قالوا: أن من صلى محدثاً أو متلبساً بالنجاسة عالماً فهو متلاعب آثم وصلاته باطلة فمن اقتدى به فقد اقتدى بمن بطلت صلاته فلا تصح صلاة المقتدي. وفي الحقيقة هذا مركب من أن الإمام متلاعب أكثر من أنه صلى صلاة غير صحيحة أيضاً. والشيء الثاني أن المأموم اقتدى بمن لاتصح صلاته لتلاعبه. = والقول الثاني: أنه إذا كان المأموم يجهل حال الإمام ولا يعلم بذلك فإن صلاة الإمام تبطل وصلاة المأموم صحيحة. وهذا القول وجيه جداً. والمسألة يتصور أن تقع فإنه قد يقدم من عليه جنابة فيستحيي أن يذكر أنه على غير طهارة للجنابة ويصلي بأصحابه لا سيما عند بعض السفهاء فهو يعلم أن صلاته باطلة والمأمومون لا يعلمون ذلك فعلى المذهب يجب أن يعيد هو وهم وعلى القول الثاني يجب أن يعيد هو أما هم فصلاتهم صحيحة. • ثم قال ﵀: فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت: صحت لمأموم وحده. إذا صلى الإمام وهو محدث أو متلبس بالنجاسة وهو يجهل ذلك والمأموم يجهل ذلك فالحكم عند الحنابلة أن صلاة المأموم صحيحة والإمام يعيد. ومتى يعيد - لأنه يجهل ذلك؟ نقول: إذا تذكر ذلك وعلم. = دليل الحنابلة: فالوا: أن عمر بن الخطاب ﵁ وابن عمر وغيرهما من الصحابة صلوا بالناس وهم على جنابة جهلاً ونسياناً - يعني جهلاً بواقع الحال ونسياناً.

стр. 577

فأما عمر ﵁ فإنه لما خرج لبعض شغله وحمل متاعاً رأى في ثوبه أثر الاحتلام فأعاد الصلاة ولم يأمر الناس بالإعادة. فهذا دليل قوي على أنه إذا صلى الإمام والمأموم وكلاهما يجهل أن الإمام صلى على غير طهارة فإن صلاة المأموم صحيحة وأما صلاة الإمام فإنه يعيدها. = والقول الصواب: أن في المسألة تفصيل: فإن صلى الإمام جاهلاً للحدث فإنه يعيد هو دون المأمومين. وإن صلى الإمام جاهلاً للنجاسة فإنه لا يعيد لا هو ولا المأمومون فصلاة الجميع صحيحة لأن صلاة الإمام الذي يجهل تلبسه بالنجاسة صلاةٌ صحيحة. لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ صلى يوماً بأصحابه وعليه النعل ثم خلعها لأن فيها أذىً أو قذر. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يستأنف الصلاة وإنما أتم بأصحابه بعد خلع الحذاء فدل ذلك على أن من صلى متلبساً بالنجاسة جاهلاً فإن صلاته صحيحة. وهذا التفصيل كما قلت هو الأقرب الذي تجتمع به الأدلة إن شاء الله. • ثم قال ﵀: ولا إمامه الأُمي: وهو من لا يحسن الفاتحة. الأمي في اللغة: هو من لا يحسن الكتابة والقراءة. والأمي في الاصطلاح الخاص بهذا الباب هو: من لا يحسن قراءة الفاتحة. بناء على هذا مهما حمل الإنسان من شهادات عليا في أي تخصص من التخصصات إذا كان لا يحسن قراءة الفاتحة فإنه يعتبر أمياً في هذا الباب – في باب الإمامة. إذاً إذا قيل لك ما تعريف الأمي في باب الإمامة الخاصة فتقول: من لا يحسن قراءة الفاتحة. ثم أراد المؤلف أن يبين بعض صور عدم الإحسان في قراءة الفاتحة: • فقال ﵀: أو يدغم فيها ما لا يدغم. قوله: (أو) كأن إدغام ما لا يدغم وتبديل الحروف واللحن الذي يحيل المعنى كأنه يختلف عن أن لا يحسن قراءة الفاتحة. وفي الحقيقة هذه الأشياء هي: أمثلة أن لا يحسن قراءة الفاتحة. ولذلك لو أنه قال ﵀: (كأن يدغم) لكان أولى. نعم. عدم الإحسان في قراءة الفاتحة لا ينحصر على الثلاث أمثلة التي ذكرها المؤلف لكن هي أمثلة فإنه لا يخرج الإحسان عن أن يكون من جنس هذه الأشياء وأشياء أخرى.

стр. 578

قوله: (أن يدغم فيها ما لا يدغم). أي أن يدغم حرفاً فيما لا يماثله ولا يقاربه. وبعبارة أخرى (أسهل): أن يدغم في موضع لا يصح الإدغام فيه. فهذا لا يحسن القراءة ولا يصح أن يكون إماماً. التعليل: أنه بهذا الإدغام أسقط حرفاً من الفاتحة وهو الحرف المدغم في غيره سقط في موضع لا يجوز أن يسقط. • قال ﵀: أو يبدل حرفاً. أي أن يبدل حرفاً أثناء النطق بحرف آخر ومثاله المشهور: الألثغ وهو من يبدل الراء غيناً فهذا أشهر مثال ويكثر وقوعه. فهذا الألثغ عند الحنابلة لا يجوز أن يكون إماماً مع وجود غيره. لأنه: أيضاً لم يأت بالفاتحة فقد نطق حرفاً آخر. واستثنى الحنابلة –بل الجمهور – الضاد فلو أبدلها بالظاء فإن صلاته صحيحة ويجوز أن يكون إماماً. واستدلوا على هذا بدليلين: الأول: أنهما في السمع واحد. فإذا سمع الإنسان الضاد والظاء فإنه لا يفرق بينهما في السمع. الثاني: أن مخرج الحرفين متقارب جداً مما يشق معه التحرز من الخلط. وهذا صحيح وهو اختيار شيخ الاسلام ﵀. • ثم قال ﵀: أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى إلاّ بمثله. إذا لحن في الفاتحة لحناً يحيل المعنى فإنه لا يجوز أن يكون إماماً إلا بشخص آخر يلحن كلحنه. من أمثلة اللحن الذي يحيل المعنى: أن يقول: ((أنْعَمْتُ)) بدل ((أنْعَمْتَ)). لأنه صار المنعم المتكلم أو القارئ. وهذا لحن ينقل المعنى إلى أمر آخر بعيد. أو أن يفتح همزة ((اهدنا)) وهذا يقفع عند بعض الأعراب لأن المعنى انتقل من طلب الهداية والتوفيق والصلاح إلى طلب الهدية. فهذا اختلاف كبير في المعنى بسبب اللحن. إذاً إذا لحن الإنسان فإنه لا يصح أن يكون إماماً وسيأتينا حكم صلاته. = القول الثاني في هذه المسألة: أنه يجوز أن يكون إماماً في النوافل فقط. = القول الثالث: الجواز مطلقاً. دليل الحنابلة أن الزهري ﵀ يقول: (مضت السنة بذلك) أي بعدم صحة إمامة اللحَّان. وتقدم معنا مراراً أن الإمام الحافظ الكبير الزهري إذا قال مثل هذه العبارة فإن لها ثقلاً عند أهل العلم. لماذا؟

стр. 579

لأنه ﵀ واسع الاطلاع جداً وغالباً ما يقصد بمثل هذه العبارات ما كان عليه إما العهد النبوي أو على أضعف الإيمان عهد الصحابة. وذلك لسعة اطلاعه ووقوفه على أقوال كبار الصحابة فمثله ﵀ إذا قال: (مضت السنة بذلك) يكون له شأن كبير في الحقيقة. الدليل الثاني: أن القراءة ركن مقصود معتبر عند الشارع فلم يجز الاقتداء بمن يقصر فيه. بناء على هذا: إذا كان بعض الناس يقرأ ويلحن في الفاتحة فإنه يجب وجوباً أن يتخلف عن الإمامة ولا تصح الصلاة خلفه. فإذا كنا نعلم أن الإمام الفلاني يصلي بالمسجد الفلاني ويلحن في الفاتحة لحناً يحيل المعنى ويغيره كالأمثلة التي ذكرت وغيرها فإنه لا يجوز أن نصلي خلفه لأنه لا يصح الاقتداء به. ولا يخفى أن هذا فيه مشقة لا سيما في البوادي إذا يكثر فيهم من يكون إماماً وهو يلحن في الفاتحة وقد أخذنا أن القول الثاني أنه يجوز أن يكون إماماً وتصح الصلاة خلفه. أي الأقوال أرجح؟ الذي يظهر لي وأعتمد في هذا على كلمة الزهري أن نقول أنه لا يصح الإئتمام به فإذا صلى الإنسان خلف من يلحن ناسياً أو جاهلاً فيعيد أي عند الحنابلة. أو نقول: إذا صلى جاهلاً أو ناسياً – المأموم - فإنه يعذر. لكن إن صلى عالماً متساهلاً أعاد. وهناك خطورة أخرى بالنسبة لمن يصلي ويلحن: أن يعتاد الناس على سماع الفاتحة وفيها لحن فيحفظوا الفاتحة ملحونة. ففي الحقيقة تقديم من كان بهذه المثابة فيما يبدو لي أنه لا يجوز أي: أن الإئتمام به لا يصح. • ثم قال ﵀ وإن قدر على إصلاحه: لم تصح صلاته. أي: إن قدر على إصلاح هذا اللحن لم تصح صلاته أصلاً لا منفرداً ولا إماماً. إذاًَ كأن العبارة الأولى يقصد بها المؤلف: من لا يستطيع إصلاح الشأن. أما من يستطيع ولم يفعل فصلاته من حيث هي باطلة. الدليل: - تقدم معنا تعليل هذا مراراً وهو: أن من ترك واجباً عمداً في الصلاة بطلت صلاته. فهذا ترك أمراً واجباً بل ترك أمراً يتعلق بركن كبير من أركان الصلاة وهو قراءة الفاتحة. لما انتهى المؤلف من الذين لا يجوز أن نصلي خلفهم ولا تصح إمامتهم انتقل إلى القسم الثاني وهم الذين يصح أن يكونوا أئمة ولكن مع الكراهة. • فقال ﵀:

стр. 580

وتكره إمامة: اللّحّان. اللحان المقصود به هنا: كثير اللحن. واللحن هو: نطق أواخر الكلمات على غير صوابها من جهة الإعراب. ومراد الفقهاء – وهذا مهم: في كل باب ينبغي أن يعتني الإنسان بمراد المؤلف من كلامه – فمراد المؤلف من قوله: (اللحان): أي: الذي يلحن في الفاتحة لحناً لا يحيل المعنى أو في غيرها يحيل أو لا يحيل المعنى. وبعبارة أوضح: المقصود به هنا الذي يلحن لحناً يحيل المعنى في غير الفاتحة أو فيها لحناً لا يحيل المعنى. لأن اللحن الذي في المعنى يحيل المعنى في الفاتحة تقدم معنا وانتهى المؤلف من بيان حكمه فإذاً هنا يقصد ﵀ اللحن اللذي يكون في الفاتحة ولا يحيل المعنى أو في غيرها سواءً كان يحيل أو لا يحيل المعنى. صلاة اللحان مكروهة عند الفقهاء والتعليل عندهم: أن هذا نقص يؤثر على إمامته بالكراهة. أما أن الصلاة تصح قالوا: لأنه أتى بفرض القراءة وإن لحن. وهذا التعليل يرجح أي القولين في المسألة السابقة؟ ( ..... ) (ماوضح لي الجواب .. ) ذو القعدة فإن لحن لحناً لا يحيل المعنى لكنه فعله متعمداً فإن صلاته باطلة. • ثم قال ﵀: والفأْفاء، والتمتام، ومن لا يفصح ببعض الحروف. هؤلاء ثلاثة وحكمهم واحد. فالفأفاء: هو الذي يكرر الفاء. والتأتاء هو الذي يكرر التاء. ومن لا يفصح هو: الذي لا يظهر الحروف عند النطق بشكل واضح. وإنما ذكر المؤلف ﵀ الفأفاء والتمتام لأنهما الأكثر وقوعاً وإلا لو فرضنا أن شخصاً يكرر حرفاً غير الفاء أو التاء لأخذ نفس الحكم. علة الكراهة في هؤلاء: أنهم زادوا في الصلاة زيادة لا تشرع. فالفأفاء زاد: فاء. والتأتاء زاد: تاء. أما بالنسبة للذي لا يفصح ببعض الحروف فعلة الكراهة النقص الحاصل بعدم الإفصاح فإن هذا نقص في المعنى وإن لم يكن نقصاً في الحروف. فهؤلاء حكم إمامتهم: مكروهة. وأما لماذا تصح الصلاة: فلما تقدم لأنهم أتوا بفرض القراءة كاملاًَ فإنهم قرأوا قراءة كاملة لكن الفأفاء زاد ومن لا يفصح نقص في المعنى بدون نقص في الحروف. وهؤلاء الثلاثة غيرهم أولى منهم وصلاتهم صحيحة وإمامتهم صحيحة. • ثم قال ﵀: وأن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن.

стр. 581

يكره أن يؤم الرجل أجنبية فأكثر إذا كان لا رجل معهن والصواب أن في هذه المسألة تفصيلاً فهي تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يؤم الرجل امرأة واحدة فهذا محرم وليس مكروهاً فقط. والتعليل: أن النبي ﷺ نهى أن يخلو الرجل بالمرأة. والأصل في النهي هو التحريم. القسم الثاني: أن لا يخلو بامرأة واحدة وإنما بامرأتين فأكثر فحكمه الكراهة لأمرين: الأول: خشية الفتنة. والأمر الثاني: تلبسه غالباً بالوساوس. لأنه ليس معه أحد إلا النساء فربما اشتغل بالتفكير بهن أو بغيرهن. = والقول الثاني: أنه لا يكره. فلو فرضنا أن إماماً دخل وصلى وليس وراءه إلا خمس نسوة – مثلاً – فالصلاة صحيحة بلا كراهة إلا إذا خشيت الفتنة. • قال ﵀: أو قوماً أكثرهم يكرهه بحق. يكره أن يكون الإنسان إماماً لجماعة بشرطين: أن يكون الأكثر يكرهه فإن كرهه الأقل لم يؤثر. أن يكرهوه بحق. بناء على هذا إذا كرهه الأقل فصحت إمامته بلا كراهة. وإذا كرهه الأكثر صحت إمامته مع الكراهة. وإذا تساوى الفريقان ففيه وجهان: والأقرب الكراهة. هذا ما يتعلق بالشرط الأول. أما الشرط الثاني وهو: أن يكرهوه بحق. أما إن كرهوه لأنه يأتي بالسنة أو كرهوه لدينه وتمسكه بالحق. فإن كراهتهم لا ينظر إليها ولا عبرة بها. إذاً إذا كرهوه بحق فإنه يتركهم أما إذا كرهوه بغير حق كأن يكرهوه بسبب تطبيقه للسنة فإنه لا ينظر لهذه الكراهة. فإن كرهوه لأمر دنيوي: فهي كراهة بحق. إنما الكراهة التي ليست بحق هي التي بسبب تدينه والتزامه بالسنة ما عدا ذلك فهي كراهة بحق. فإذا كرهوه وانطبقت الشروط فإن إمامته والحال هذه تصح مع الكراهة. ودليل الكراهة قول النبي ﷺ : (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم: العبد الآبق حتى يرجع ومن باتت وزوجها غضبان عليها ومن أم قوماً وهم له كار هون). وهذا الحديث كثير من أهل العلم يضعفه وهو ضعيف لكن في الحقيقة ضعفه ليس شديداً فهو مقبول ويسير جداً وأنا لا أقول أنه حسن لكن لا شك أن هناك فرق بين الحديث الذي ضعفه ضعفاً شديداً والحديث الذي ضعفه ضعفاً يسيراً.

стр. 582

والدليل الثاني: التعليل: أن المقصود من الجماعة الائتلاف والاجتماع وصلاته بهم وهم يكرهونه يناقض هذا المعنى. • ثم قال ﵀: وتصح إمامة: ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما. ولد الزنا هو الولد المولود لغير أبوين شرعيين. فإمامة ولد الزنا صحيحة. وعليه: لماذا ذكرها المؤلف ﵀؟ لأن بعض الفقهاء كرهها. ودليل عدم الكراهة: قول عائشة ﵂ ليس عليه من وزر أبويه شيء. وعموم قول النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم) ولم يخص هل هو ولد زنا أو ولد شرعي. قال: (والجندي). الجندي أيضاً تصح إمامته بلا كراهة لعموم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله). وإنما ذكر الجندي بالذات لأنه عند الفقهاء وأهل التواريخ يغلب على الجندي وقوع الظلم والاعتداء فيصير بذلك فاسقاً فتكره الصلاة خلفه. فهذا السبب الذي جعلهم يذكرون الجندي. لكن في الحقيقة تعليق هذا الوصف بكلمة الجندي غير دقيق مطلقاً بل قد أقول أنه فيه ظلم لجنس الجنود. لماذا؟ لأنه ليس من المناسب أن تعلق وصف باسم ينضوي تحته أنواع كثيرة. فمن الجنود من هو على خير واستقامة وتدين وعدم ظلم والقيام بحقوق الله وحقوق الخلق. ومنهم من هو ظالم لنفسه. كما أن الأطباء فيهم من هو كذلك والمهندسون فيهم من هو كذلك. فإذاً يجب أن نعلق الوصف بالوصف الشرعي فنقول الفاسق والمعتدي تكره الصلاة خلفه. وعلى كل حال الحنابلة لا يرون أن الصلاة خلف الجندي مكروهة لكن نقول من رأى أنها مكروهة وهو الذي احتاط عنه المؤلف فتعليقه بهذا الوصف فيه بعد. المهم أن الصلاة خلف الجندي لا تكره. • ثم قال ﵀: ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها. تصح صلاة من يؤدي الصلاة خلف من يقضيها وهنا نأتي إلى مسألة تحديد مراد الفقهاء. فمراد المؤلف هنا: إذا اتحدت الصلاة بأن تكون الصلاتين كلاهما ظهراً أو عصراً المؤداة والمقضية. فإذا جاء رجل وأراد أن يصلي ظهر أمس لأنه تركها نسياناً فسيؤديها قضاء ثم جاء آخر ويريد أن يصلي صلاة ظهر اليوم فاقتدائه بمن يصلي صلاة الظهر أمس قضاء صحيح بلا كراهة. وهذا معنى قوله وتصح إمامة من يؤدي الصلاة بمن يقضيها.

стр. 583

هذا هو المذهب بل إن الخلال وهو من كبار الحنابلة - ممن ينبغي أن يطالع طالب العلم ترجمته - يقول الخلال: هذا الحكم هو عن أبي عبد الله رواية واحدة وقد غلط من روى عنه خلاف ذلك. يعني أنه ينكر الرواية الثانية ....... (((الآذان))) انتهى الدرس،،،

стр. 584

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. • يقول المؤلف ﵀: (تصح إمامة) من يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه. هاتان مسألتان لهما الحكم نفسه. فيجوز أن يكون من يؤدي الصلاة إماماً لمن يقضي الصلاة ويجوز أن يكون من يقضي الصلاة إماماً لمن يؤدي الصلاة. وهذا - أي صحة الإمامة في هذه المسائل - هو مذهب الحنابلة. وذكرت لكم بالأمس أن الشيخ الخلال يقول: أن الإمام أحمد لم يرو عنه في هذه المسألة إلا رواية واحدة ومن روى عنه خلاف هذه الرواية فقط غلط على الإمام أحمد. = إذن هذا القول الأول بتفصيله. الدليل: الأول: استدلوا على ذلك بأنه تصح صلاة من صلى بنية الأداء فبان قضاء. مثاله: رجل كَبَّر لصلاة العصر يظن أن وقت صلاة العصر باقٍ ثم بان بعد انتهاء الصلاة أن وقت العصر قد خرج. فالآن هو صلى بنية الأداء والواقع أن صلاته قضاء ومع ذلك صحت. فقالوا: إذا صحت في مثل هذه الصورة فمن باب أولى أن يصح أن يقتدي المؤدي بمن يقضي أو بالعكس. الثاني: أنه - كما سأتينا - لا أثر لاختلاف النية بين الإمام والمأموم. = والقول الثاني: أنه لا تصح صلاة من يؤدي بمن يقضي أوبالعكس. والصواب مع الأول - مذهب الحنابلة لقوة ووجاهة ما اسدتلوا به ولما سيأتينا حول مسألة اختلاف نية الإمام مع المأموم وأنه لا أثر له شرعاً. • ثم قال ﵀: لا مفترض بمتنفل. = ذهب الجمهور بمن فيهم الحنابلة أن صلاة المفترض خلف المتنفل لا تصح. واستدلوا على ذلك: بقول النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه). قالوا: أن هذا من الاختلاف فإن كل واحد منهما يصلي جنساً آخر فهذا مفترض وهذا متنفل.

стр. 585

= والقول الثاني: وهو مذهب الشافعية واختاره عدد من المحققين منهم ابن قدامة وابن المنذر وشيخ الاسلام وابن القيم وغيرهم من المحققين. أن صلاة المفترض خلف المتنفل صحيحة. واستدلوا على هذا بما ثبت في الصحيح أن معاذاً ﵁ يصلي مع النبي ﷺ العشاء وهي فريضته ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم العشاء وهي له نافلة ولهم فريضة ومع ذلك صحت صلاتهم. فهذا الحديث نص على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل. والراجح هو: القول الثاني لأن معهم نصاً واضحاً. والجواب على دليل الجماهير أن الاختلاف المنهي عنه في الحديث هو الاختلاف في الأعمال بدليل أنه قال ﷺ : (فلا تختلفوا عليه فإذا سجد فاسجدوا وإذا ركع فاركعوا). وهذا دليل على أن الاختلاف المنهي عنه هو الاختلاف الذي يكون في الأعمال. مسألة: أما صلاة المتنفل خلف المفترض – عكس مسألتنا هذه – فهي جائزة بالإجماع بلا إشكال. فقد أجمع الفقهاء على جوازها وأنها صحيحة. واستدلوا بقول النبي ﷺ : (هل من رجل يتصدق على هذا؟). وذلك في الرجل الذي فاتته صلاة الجماعة وأراد أن يصلي منفرداً فأمر النبي ﷺ بعضهم أن يقوم ويصلي معه فالذي فاتته الصلاة فإنه سيصلي الفريضة ومن قام يصلي معه فسيصلي نافلة ومع ذلك صحت وبحضرة النبي ﷺ وقلت لكم أن هذا الحديث مقبول. • ثم قال ﵀: ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها. إذا اختلفت الصلاة ولو كان كل منهما يؤدي الفريضة فإنه لا يصح أن يأتم أحدهما بالآخر. ولهذا قلت لكم أن قول المؤلف: ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها. خاص بما إذا كانت الصلاة واحدة وذكرت لكم المثال بالأمس: رجل فاتته صلاة الظهر للأمس وأراد أن يصليها اليوم فإنه يصليها خلف من يصلي الظهر اليوم. نرجع إلى مسألتنا: إذا اختلفت الصلاة كمن يصلي الظهر بمن يصلي العصر فعند الحنابلة أنه لا يجوز الاقتداء.

стр. 586

والخلاف في هذه المسألة: كالخلاف تماماً في المسألة السابقة ولا نحتاج إلى إعادة الكلام عليها من حيث الأدلة والترجيح والقائلين: فالجمهور يرون أنه لا يجوز والشافعي وهو اختيار شيخ الإسلام يرى أنه يجوز. تنبيه: يستثنى من الصحة - صحة اقتداء أحدهما بالآخر - إذا اختلفت الأعمال فلا يجوز أن يصلي الكسوف خلف من يصلي الظهر لأن صلاة الظهر تختلف عن صلاة الكسوف بالأعمال. فذكر الفقهاء أنهإذا اختلفت الأعمال فلا يصح الاقتداء. وبهذا انتهى هذا الفصل وانتقل المؤلف إلى فصل آخر يتعلق أيضاً بصلاة الجماعة. فصل [في موقف الإمام والمأمومين] • قال ﵀: فصل يريد المؤلف ﵀ بهذا الفصل أن يبين أين يقف المأموم؟ وما هي السنة في ذلك؟ وإذا خالف السنة فما حكم صلاته؟ • فقال ﵀: يقف المأمومون خلف الإمام. إذا كان المأمومون جماعة فإنهم يقفون خلف الإمام. والدليل على ذلك: ما استفاضت به السنة ونقله الخلف عن السلف أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يقفون خلفه ولا إشكال في هذا الحكم إذا كان المأمومون جماعة. القسم الثاني: إذا كانوا اثنين فقط: = فذهب الجماهير والجم الغفير من أهل العلم إلى أنهم يقفون خلف الإمام أيضاً ولو كانوا فقط اثنين. واستدلوا على هذا: بما ثبت في الحديث الصحيح أن جابر ﵁ قدم إلى النبي ﷺ وهو يصلي فصف عن يساره فأخذه النبي ﷺ وجعله عن يمينه فجاء جبَّار ﵁ وصف عن يسار النبي ﷺ فأخذهما النبي ﵁ وأرجعهما إلى الخلف. فدل هذا الحديث على أن الجماعة إذا كانوا اثنين فيقفون خلف الإمام وهو نص في المسألة. = القول الثاني: وإليه ذهب ابن مسعود ﵁ وتبعه تلاميذه: علقمة والأسود ﵃ وهو أن الجماعة إذا كانوا اثنين فإنهم يقفون عن جانبي الإمام عن يمينه ويساره.

стр. 587

والدليل على ذلك: أن ابن مسعود ﵁ وعلقمة والأسود أقبلوا إلى المسجد فرأوا الناس يخرجون وقد انتهت الجماعة فرجعوا إلى منزل ابن مسعود ﵁ وصلى بهم وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فلما انتهى قال: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ ). قال أصحاب هذا القول أن ابن مسعود ﵁ وهو من كبار فقهاء الصحابة ينسب هذا الحكم إلى النبي ﷺ . والراجح قول الجماهير بلا إشكال لأن النص الذي معهم وهو حديث جابر وجَبَّار واضح جداً وهو نص بأن الجماعة إذا كانوا اثنين فيصلون خلف الإمام. أما الجواب عن أثر ابن مسعود ﵁ فمن ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن نقول أن هذا الحديث منسوح ولم يعلم الصحابي الجليل ابن مسعود ﵁ بأن السنة استقرت على أن الجماعة إذا كانوا اثنين يقفون خلف الإمام. وإلى هذا الجواب ذهب البيهقي. الوجه الثاني: أن هذا الحديث لا يصح رفعه. فإن قوله: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ ) لا يثبت وأن هذا إنما هو من فقه ابن مسعود ﵁. فهذا الوجه في حقيقته جواب بتضعيف الحديث المرفوع وإلى هذا ذهب ابن عبد البر ﵀. الوجه الثالث: أنه ﵁ إنما فعل ذ١لك لضيق المكان أي أنه لا يتسع لصفين. والأجوبة كلها قوية وتصلح جواباً عن أثر ابن مسعود ﵁ ويبقى أن الراجح هو أن الجماعة إذا كانوا اثنين فيقفون خلف الإمام. • ثم قال ﵀: ويصح معه عن يمينه أو عن جانبيه. لما قرَّرَ المؤلف ﵀ أن السنةأن يقف الاثنان خلف الإمام أراد أن يبين أنه يجوز أن يقفوا عن يمين الإمام أو عن يمينه وشماله. واستدلوا على الجواز: بحديث ابن مسعود ﵁. وبأن النبي ﷺ لم يبطل تحريمة جابر وجبار لما وقفا عن يمينه وشماله. ويصح أن يكونوا عن يمينه وعن شماله سواء كانوا اثنين أو جماعة. لكن قال الجماهير: يصح مع الكراهة لمخالفة ظاهر السنة. • ثم قال ﵀: لا قدّامه. أي: لا تصح قدام الإمام. والصلاة قدام الإمام تنقسم إلى قسمين:

стр. 588

القسم الأول: أن يكون ذلك حول الكعبة في غير جهة الإمام بأن يكون المتقدم في غير جهة الإمام. فإذا افترضنا أن الإمام يقف عند مقام إبراهيم والمأموم يقف في الجهة المقابلة له وبين الإمام والكعبة ذراعين وبين المأموم والكعبة من الجهة المقابلة ذراع واحد فهنا: هل تقدم المأموم على الإمام؟ الجواب: نعم. وحكمه: أنه يجوز وحكي الإجماع على ذلك لأنهما ليسا في جهة واحدة. ((ولكن ذكروا مع ذلك أن الصف الأول هو الصف الذي يكون امتداد الصف الذي خلف الإمام والصف الثاني هو صف هؤلاء الذين تقدموا على الإمام من الجهة المقابلة. هكذا ذكروه وحسب المطلاعة – وليست بالطويلة - فإني لم أجد خلافاً. فقد ذكره الفقهاء ولم يذكرو خلافاً. فإن كان في هذه المسألة خلافاً فالصواب أن الصف الأول في كل جهة يعتبر هو الصف الأول. فالصف الأول في جهة الإمام هو الذي يكون خلفه. والصف الأول في الجهة المقابلة هو الصف الأول. لأن هذا الصف الأول الذي في غير جهة الإمام تقدم واتخذ المكان الأول فكيف نجعله هو الصف الثاني ومن خلفه ممن يوازي الصف الأول الذي خلف الإمام هو الصف الأول. فمن وجهة نظري أن هذا فيه بعد لا سيما وأن الشارع الحكيم حث الناس على التقدم إلى الصلوات والجلوس في الصف الأول فهذا الشخص تقدم وصلى في الصف الأول لمن الصف الأول صار متقدماً على الإمام وقد عذره الشارع بالإجماع بأنه متقدم على الإمام فما الذي يمنع أن يكون هو الصف الأول. المهم: أنه إذا كان في هذه المسألة خلاف فأرى أن الصف الأول في كل جهة هو الصف الأول ولو كان متقدماً على الإمام. القسم الثاني: أن يكون تقدم المأموم على الإمام في غير المسجد الحرام. فإذا تقدم فصلاته باطله لأنه خالف السنة المشهورة في موقف الإمام. ولقول النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به). والإئتمام الكامل يكون بحيث يراه المأموم. = القول الثاني: أن صلاة من تقدم على الإمام صحيحة مطلقاًَ لأن التقدم على الإمام لا يمنع الاقتداء.

стр. 589

= والقول الثالث: أنه تصح صلاة المتقدم على الإمام إذا كان لعذر فقط لأن الواجبات تسقط مع العجز وهذا واجب لصلاة الجماعة. فهو أضعف حتى من الواجب للصلاة مطلقاً إنما هو فقط واجب لصلاة الجماعة أي أن لا يتقدم مأموم على الإمام. واختار هذا القول شيخ الإسلام بن تيمية ﵀. ومن الظاهر أن القول الثالث فيه قوة ووجاهة. وبناء على هذا ما يحصل اليوم في صلاة الجمعة مثلاً في غير الحرمين - ففي بعض الأماكن يكثر هذا ويقع – فيزدحم الناس وقد يصلي بعضهم في قبلة المسجد فؤلاء صلوا أمام الإمام. فإذا كانوا صلوا أمام الإمام لعذر للإزدحام وعدم وجود أماكن في الخلف ولا في الجانبين فإن صلاتهم صحيحة. وإذا كان لغير عذر فإنه يجب عليهم أن يعيدوها ظهراً إذا كان هذا التقدم في صلاة الجمعة لأن الغالب في الإزدحام يكون فيها لا في الفرائض. • ثم قال ﵀: ولا عن يساره فقط المؤلف ﵀ لم يبين حكم وقوف المأموم عن يمين الإمام إلا إذا أردنا أن نقول هي داخلة في عموم قوله: (ويصح معه عن يمينه أو عن جانبيه). فهذا ممكن وإن كان الغالب أنه يريد ﵀ بهذه العبارة إذا كانوا اثنين فأكثر. على كل حال يصح بلا خلاف أن يكون المأموم وهو السنة الواحد عن يمين الإمام لما جاء في الصحيح أن ابن عباس ﵁ صف عن يسار النبي ﷺ فأخذه وأداره من خلف ظهره وجعله عن يمينه. ولذلك قال المرداوي ﵀ في هذه المسألة: يصح بلا نزاع لأن السنة فيها واضحة. وتقدم معنا أن المرداوي ﵀ إذا قال في الإنصاف بلا نزاع أنه لا يريد بذلك الإجماع من الأئمة الأربعة وإنما يريد الإجماع داخل المذهب. ولكن مع ذلك إذا قال المردواي ﵀: بلا نزاع فإن له دلالة في أن المسألة ليس فيها كبير خلاف لأن الغالب إذا كان في المسائل الأخرى خلاف فستكون أوجه أو روايات داخل المذهب. • قال ﵀: ولا عن يساره فقط: يعني أن: = الحنابلة يرون أن المأموم إذا صف عن يسار الإمام فإن صلاة المأموم باطلة بشرطين: الشرط الأول: أن يخلو يمينه: أي أن يكون المأموم عن يساره ويمينه فارغ. الشرط الثاني: أن يصلي ركعة كاملة.

стр. 590

دليل الحنابلة: استدلوا على هذا بأن النبي ﷺ لما صف ابن عباس عن يساره أخذه من وراء ظهره وجعله عن يمينه. قالوا: فدل الحديث على أن اليسار ليس موضعاً للإقتداء مع خلو اليمين. = القول الثاني: أن من صلى عن يسار الإمام وحده فهو مكروه لكن الصلاة صحيحة. واستدلوا على هذا بأقيسة منها: = الأول: قالوا: قياساً على صلاة المأموم عن يسار الإمام إذا كان عن يمينه آخر. = الثاني: قالوا: قياساً على صحة صلاة المأموم الذي يقف عن يمين الإمام. وأجابوا عن حديث ابن عباس ﵁ بأن النبي ﷺ إنما فعل ذلك لبيان السنة والأفضلية وليس لبيان بطلان الصلاة. بدليل: أن النبي ﷺ أخذ جابراً وجباراً ﵄ وجعلهما خلفه ومع ذلك نحن نقول لو يصلي شخص عن يمينه وشخص عن يساره لصحت الصلاة مع أن النبي ﷺ أرجعهما إلى الخلف فكذلك نقول: أن ابن عباس ﵁ نقله النبي ﷺ من اليسار إلى اليمين مع صحة صلاة من يصلي عن اليسار. والأقرب هو القول بعدم البطلان استئناساً بحديث جابر فإن دلالته واضحة ولأن النبي ﷺ لم يبطل تحريمة جابر لما صف عن يساره ولا تحريمة ابن عباس لما صف عن يساره. • ثم قال ﵀: ولا الفذ خلفه أو خلف الصف. أيضاً هاتان مسألتان لهما حكم واحد. إذا صلى المنفرد خلف الإمام وحده. أو صلى خلف الصف وحده منفرداً. = فعند الحنابلة وهو القول الأول أن صلاته باطلة. واستدلوا بعدة أدلة: الدليل الأول: قول النبي ﷺ : (لا صلاة لمنفرد خلف الصف). وسأل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: (هو حديث حسن) فكفانا مؤونته. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف منفرداً فأمره أن يعيد الصلاة. وهذا الحديث صححه ابن المنذر وهو قابل للاحتجاج. وبطلان صلاة المنفرد خلف الصف من المفردات. = القول الثاني: للجماهير: أن صلاة المنفرد خلف الصف مكروهة ولا تبطل.

стр. 591

واستدلوا على هذا: بأن أبا بكرة ﵁ دخل والنبي ﷺ راكع فركع عند الباب ودب على قدميه إلى أن دخل في الصف. وجه الاستدلال أنه ﵁ صلى منفردا ً خلف الصف ولما انتهى النبي ﷺ قال له: (زادك الله حرصاً ولا تعد). وذكرنا أن الروايات فيها اختلاف هل قال: (لا تُعِدْ أو لا تَعُدْ). وأن الأقرب رواية ودراية أنه قال: (لا تَعُدْ). حتى من حيث الرواية فإن أكثر الرواة قالوا: (لا تَعُدْ). فنهاه ولم يأمره بإعادة الصلاة مع أنه صلى منفرداً خلف الصف. الجواب على هذا الدليل: أن هذا الصحابي وإن كان دخل في الصلاة منفرداً إلا أنه حقق المصاففة قبل أن يرفع النبي ﷺ .فلم يتحقق فيه وصف الانفراد. وبهذا أجاب شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀. = والقول الثالث: وهو منسوب للعالم الكبير الحسن البصري ﵀ واختاره ابن القيم وشيخ الاسلام أن صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح إلا إذا لم يجد مكاناً. فقولهم مركب من شقين: - الأول: أنه تبطل صلاة المنفرد خلف الصف. وأدلتهم هي أدلة الحنابلة. - الثاني: أنها تصح إذا لم يجد مكاناً. واستدلوا بالقاعدة المشهورة التي يقررها شيخ الاسلام مراراً وتكراراً: ((أن الواجب يسقط بالعذر لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولقول النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). وهذا القول - الأخير - قوي ووجيه جداً ومع ذلك يتحتم على الإنسان أن يحرص حرصاً شديداً أن لا يصلي منفرداً خلف الصف ولو كان في الحقيقة لا يوجد مكان احتياطاً. وسبب الاحتياط: أن الأحاديث التي ذكرها الإمام أحمد ليس فيها تفصيل ولم يسأل النبي ﷺ ذلك الرجل هل كنت تجد مكاناً؟ أو لم تجد مكاناً؟ وإنما حكم على صلاته بالبطلان.

стр. 592

ويشكل مع ذلك أيضاً يؤيد الاحتياط أنه من المعلوم أن مسجد النبي ﷺ كان صغيراً كما ترون الآن المحدد بالفرش التي تتخذ لوناً مميزاً وفي الغالب أن الصفوف تكتمل ولذلك كان عمر يوكل بكل صف شخص ممات يدل على أن الصفوف كانت تكتمل ويتراص أصحاب النبي ﷺ ففي الغالب أن هذا الصحابي لن يصلي منفرداً مع وجود فراغ في الصف والناس يعلمون شدة النبي ﷺ في تسوية الصفوف. ففي الحقيقة مجموع هذه الأمور تجعل الإنسان يحتاط لمسألة الصلاة خلف منفرداً ولو لم يجد مكاناً لكن لو صلى إنسان خلف الصف منفرداً لأنه لم يجد مكاناً فلا نقول له أعد الصلاة بل صلاته إن شاء الله صحيحة. • قال ﵀: إلاّ أن يكون امرأة. فإن كانت امرأة فإنها يجوز أن تنفرد خلف الصف بل السنة في حقها أن تصلي منفردة خلف الصف. والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ صلى بأنس وأمه قال: فقمت عن يمينه وقامت أمي خلفنا. وأيضاً أن النبي ﷺ دخل بيت أم سليم هو وأنس ويتيم معهما فقام النبي ﷺ يصلي بهم فقام أنس واليتيم خلف النبي ﷺ وقامت أم سليم خلفهم في الصف الثاني. فهذان دليلان صريحان على أن المرأة إذا صلت مع الرجال منفردة فإنها تصلي خلف الصف ولا تعتبر منفردة ولا يؤثر هذا على صلاتها بل السنة أن تفعل ذلك. • ثم قال ﵀: وإمامة النساء تقف في صفهن. لو أن المؤلف ﵀ قال كما في الشرح: ندباً. لكانت إضافة متميزة وهذا مهم لأنه في صميم الحكم. إذاً وقوف المرأة في وسط صف النساء إذا كانت تأمهن هو على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب. دليل ذلك: أن عائشة وأم سلمه ﵄ إذا صليتا بالنساء فكن يقفن بوسط الصف. والدليل الثاني: أن هذا أستر للمرأة. فإن وقفت أمامهن صحت الصلاة وخالفت المشروع. وصحت الصلاة لعموم قوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ولا شك أن ائتمام المأمومين بالإمام إذا تقدم أكمل وأوضح. إذاً بهذا عرفنا أين تقف إمامة النساء؟ وما حكم هذا الوقوف؟ وما الحكم إذا خالفته؟ • ثم قال ﵀:

стр. 593

ويليه الرجال ثم الصبيان ثم النساء. لما بين المؤلف ﵀ الحالات الخاصة كأن لا يوجد إلا مأموم واحد أو أن لا توجد إلا امرأة واحدة أو أن لا يوجد إلا اثنان أراد الآن أن يبين الحكم العالم وهو إذا وجد مجموعة من الناس منهم رجال وصبيان ونساء. فقال: الترتيب أنه: يلي الإمام الرجال أولاً. ثم الصبيان ثانياً. ثم النساء ثالثاً. وهذا الحكم يحتاج إلى تفصيل: أما بالنسبة للنساء فنؤخر الكلام عليه لوضوحه. نأتي إلى مسألة الصبيان والرجال: وينقسم حكمهم إلى قسمين: القسم الأول: أن يحضر الرجال والصبيان في وقت واحد. فإذا حضروا في وقت واحد فإن الرجال هم الذين يلون الإمام ثم يليهم الصبيان لعموم قول النبي ﷺ : (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى). ولأن النبي ﷺ كان يحب أن يصلي وراءه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه. وهذا أمره واضح وهو بالإجماع فلا إشكال فيه وهو المذهب والإجماع. القسم الثاني: أن يحضر الصبيان أولاً ثم يحضر بعد ذلك الرجال. والمقصود بالرجال: هو كل ذكر بالغ. والصبيان: كل ذكر لم يبلغ. فإذا حضر الصبيان أولاً ثم حضر بعد ذلك الرجال: = فعند الحنابلة أيضاً يؤخر الصبيان ويتقدم الرجال. أي: يعمد الرجال إلى تأخير وإرجاع الصبيان ويتقدم الرجال. واستدلوا على هذا: بدليلين: الأول: عموم حديث: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى). الثاني: أن أبي بن كعب ﷺ تأخر وجاء إلى الصف ووجد صبياً فجذبه وجلس مكانه فلما انتهت الصلاة قال: أي بني لم أرد نقصك وإنما عهد إلينا النبي ﷺ أن نكون خلفه. فهذا الحديث نص أن هذا الصحابي الجليل أخر الصبي ووقف في مكانه. وهذا الأثر إسناده صحيح. = والقول الثاني: ((الآذان)) ...... انتهى الدرس،،،

стр. 594

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. هذه المسألة وهي: ترتيب الأجناس الثلاثة الرجال والنساء والصبيان إذا اجتمعوا تقدم أني ذكرت (فيها) القول الأول وبينت تقسيم الحنابلة وغير الحنابلة لهم. وهو على وجه الإجمال والإيجاز وتقدم: أنه: إما أن يحضروا جميعاً - أي الرجال والنساء والصبيان -. أو يحضروا متفاوتين. فإن حضروا جميعاً في وقت واحد فالترتيب كما قال المؤلف: يكون الرجال في المقدمة ويليهم الصبيان ثم يليهم النساء. واستدلوا على هذا: - بقول النبي ﷺ : (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى). - ولأنه لو عرض للإمام عارض فإن وجود الرجال العارفين بالأحكام خلفه أدعى لتكميل النقص. والقسم الثاني: إذا حضر الصبيان قبل الرجال: = فعند الحنابلة أيضاً يقدم الرجال ويؤخر الصبيان - أي: يرجعون من مكانهم في الصف الأول إلى الصف الثاني - وهذا هو مذهب الحنابلة. وتقدم معنا أنهم استدلوا بدليلين: الدليل السابق: وهو عموم (ليليني منكم) وهذا يشمل ما إذا حضر الرجال أولاً أو حضر الصبيان أولاً. واستدلوا أيضاً بأن أبي بن كعب ﵁ حضر متأخراً ونظر في وجوه الصف الأول فرأى صبياً فأخره وقال: عهد النبي ﷺ إلينا أن يليه الكبار أو أولي الأحلام. فاستدل هؤلاء بهذين الدليلين. وهذا كله تقدم. ثم نقول: = والقول الثاني: في هذه المسألة - في القسم الثاني -: أنه إذا حضر الصبي قبل الرجل فإنه يبقى في مكانه وهو أحق به من الرجل. وإلى هذا مال الشيخ الفقيه ابن مفلح ﵀ وغيره من المحققين. واستدلوا: بأدلة: الأول: أن الصحابي الجليل عمرو بن سلمة ﵁ جعله قومه إماماً ولأن يكون في الصف الأول أولى من أن يكون إماماً. الثاني: استدلوا بقول النبي ﷺ : (لا يقيم الرجل الرجل من مكانه ليجلس). والثالث: أن في إبعاد الصبي تنفيراً له عن الصلاة. وهذا القول هو الصواب بشرط أن لا يغلب على الصف الأول الصبيان - بأن لا يكونوا أغلبية. فإن كان في الصف الأول صبي أو اثنان أو أكثر فإنه لا يجوز لأحد أن يقوم بتأخيرهم عن مكانهم في الصف الأول إلى الصف الثاني.

стр. 595

تنبيه: قول الفقهاء: الرجال ثم الصبيان ثم النساء. لا يعني هذا أن نجعل جميع الصبيان في الصف الذي يلي الرجال لأنه سيترتب على هذا بلا شك أن يعبث الصبيان وأن يفسدوا الصلاة على المصلين لكن لعل مقصود الفقهاء أن الصف الأول يكون فيه الرجال ثم يتخلل الصبيان الصفوف بعد ذلك وإلا بلا شك لو جعلنا جميع الصبيان في الصف الأخير بعد الرجال لصار في المسجد من اللغط والتشويش شيءٌ لا يعلمه إلا الله كيف وهم الآن يشوشون على الناس وهم متفرقون فكيف إذا اجتمعوا وخلا لهم لجو. إذاً يجب أن لا نأخذ كلام الفقهاء أخذاً جامداً وإنما يُعْلَم أنهم ﵏ يدورون مع المصالح وليس من المصلحة أن يبقى الصبيان مجتمعين في الصف الأخير. • قال ﵀: ويليه الرجال ثم الصبيان ثم النساء. تكلمنا عن الرجال والصبيان. أما النساء فلا إشكال ولا نزاع أنهن يكن بعد الرجال والصبيان. لقول النبي ﷺ : (خير صفوف النساء آخرها). ولما تقدم معنا من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ صف إماماً وجعل خلفه أنس واليتيم وفي الصف الثالث أم سليم. فجعلها النبي ﷺ بعد الصبيان. وهذا المقدار لا شك فيه ولا نزاع فيه بين الفقهاء ولله الحمد. • ثم قال ﵀: كجنائزهم. يعني أن هذا الترتيب يكون في صفوف الصلاة في الفرائض وأيضاً في الجنائز في موضعين: في صلاة الجنازة: فيكون المقدم مما يلي الإمام الرجال ثم يليه الصبيان ثم يليه النساء. وأيضاً هذا الترتيب يكون في القبور ففي القبور يكون التقديم مما يلي القبلة عكس الإمام فيكون أو ميت يلي القبلة رجل ثم يليه الصبي ثم تليه المرأة وسيأتينا تفصيل ذلك وهل يجوز أن يقبر في القبر أكثر من ميت أو لا؟ لكن في الحال التي يجوز فيها أن يقبر في القبر أكثر من ميت فيرتبون كترتيبهم في صلاة الجماعة وكترتيبهم في صلاة الجنازة. ثم بدأ المؤلف بمجموعة مسائل يعتبر من صلى فيها فذَّاً: • فقال ﵀: ومن لم يقف معه - إلاّ كافر ... ففذ. أي إذا لم يقف مع الرجل إلا رجل آخر كافر فهو فَذٌّ.

стр. 596

ومعلوم أن الحنابلة يرون أن صلاة الفذ باطلة والسبب في ذلك أن وجود الكافر كعدمه إذ أن مصافة الكافر لا تصح بالإجماع. وهذا الحكم وهو: أنه إذا صف مع رجل كافر فهو يعتبر فذاً أجمع عليه أهل العلم إذا كان مع العلم. يعني إذا كان من صف مع الكافر يعلم أنه صف مع كافر فهذا محل إجماع ولا يفعل مثل ذلك إلا متلاعب. القسم الثاني: أن لا يعلم المأموم أن مصافه كافر لأي سبب من الأسباب. = فالجماهير أيضاً يرون أن صلاته كصلاة الفذ. أي أنها لا تصح. = والقول الثاني: أن صلاته صحيحة لأنه معذور بعدم العلك بكون من صافه كافر. وهذا القول الثاني: أقرب لأن من صاف الكافر وهو لا يعلم معذور والله وضع الإثم والجناح عن المعذور. وهو من جنس الخطأ المعفو عنه شرعاً. وقل ما يقع مثل هذا إلا في أحوال المرتد ففي حالات المرتد قد يقع أن يصاف الإنسان مرتداً وهو لا يعلم أنه من المرتدين فحينئذ حكمه عند الجمهور أنه كالفذ والقول الثاني أن صلاته صحيحة. • قال ﵀: أو امرأة. أي إذا لم يقف مع الرجل إلا امرأة واحدة فحكمه حكم صلاة المنفرد. والتعليل: أن المرأة ليست من أهل المصافة. لأنها لا تصح إمامتها فلا تصح مصافتها. = والقول الثاني: أن صلاته صحيحة ولا يعتبر منفرداً لأنه صلى مع من يصلي الفريضة صحيحة فالمرأة تصلي الفريضة صحيحة. ونحن نتكلم الآن عن مسألة: هل تصح الصلاة؟ وهل يعتبر منفرداً أو لا؟ فلسنا نتكلم عن حكم أن تصف المرأة بجوار الرجل فهذه مسألة أخرى. لكن الكلام الآن عن إذا صفت المرأة وقلنا أن مصافة المرأة مع الرجل مكروهة أو محرمة فيبقى النظر هل الصلاة صحيحة؟ أو لا؟. = فعند الحنابلة يعتبر منفرداً وصلاته باطلة. لأن مصافة المرأة لا تصح لا لأنها وقفت بجانبه امرأة. = والقول الثاني: أن صلاته صحيحة لأنه وقف بجانب من صحت صلاته. وفي الحقيقة أنا أميل إلى مذهب الحنابلة لأن النبي ﷺ في حديثين جعل المرأة خلف الصف فكأنه لا يصح للمرأة وقوف بجانب الرجل أي أنها لا تنفي عنه الانفراد.

стр. 597

بناءً على هذا ما نراه أحياناً في المسجد الحرام من أن بعض الناس يتأخر عن الصفوف ويصلي بجوار زوجته فهذا عند الحنابلة صلاته لا تصح لأنه بغض النظر هل المرأة من محارمه أو لا؟ وهل يجوز أن تقف بجانبه أو لا؟ فإن مصافة المرأة غير معتبرة عند الحنابلة فيعتبر كأنه صلى منفرداً ومن صلى منفرداً فصلاته باطلة. وعرفنا القول الثاني. المسألة الأخرى: إذا وقفت المرأة بجوار عدد من الرجال فالآن زالت مسألة الانفراد فنبقى في: هل تصح صلاتها وصلاتهم أولا؟ = عند الحنابلة تصح صلاتها وصلاتهم بهذه الصورة الثانية وهي ما إذا وقفت امرأة بجانب عدد من الرجال فهنا زال الانفراد وعليه رأى الحنابلة أن صلاتهم صحيحة. واستدلوا على هذا بأن النبي ﷺ كان يصلي وبجواره عائشة ﵂ في غرفته وكانت تقف بجواره وهي ليست في عباده فلأن نصحح صلاة الرجل إذا وقفت بجواره امرأة للعبادة من باب أولى. هكذا استدلوا وما ذكروه يعتبر صحيحاً فإذا صلت المرأة بجوار عدد من الرجال فصلاتها وصلاتهم صحيحة أن الانفراد زال وكون المرأة تقف بجوار الرجل فهذا لا يؤدي إلى بطلان الصلاة. • ثم قال ﵀: ومن لم يقف معه إلا .. من علم حدثه أحدهما .. ففذ. إذا وقف رجلان أحدهما محدث فعبارة المؤلف دلت على أنه يندرج تحت هذه المسألة عدة صور: الصورة الأولى: أن يعلم كل منهما حدث أحدهما: فحينئذ تبطل صلاة الإثنين: - أما المحدث فلأنه محدث. - وأما الآخر فلأنه صلى منفرداً عالماً. الصورة الثانية: أن يجهل كل منهما حدث المحدث: فالحكم أن صلاة المحدث باطلة - بلا إشكال - وصلاة من معه: = عند الحنابلة أيضاً باطلة لأنه: صلى بجوار من لم تصح صلاته. = والقول الثاني: أنه في هذه الصورة صلاته صحيحة. والسبب أنه معذور إذ لا يعلم أن من بجواره محدث. الصورة الثالثة: أن يعلم المحدث بحدثه دون من بجواره فحكمها: نفس حكم الصورة السابقة تماماً. = فعند الحنابلة يرون أن صلاته ليست بصحيحة. = والقول الثاني: أن صلاته صحيحة للعذر إذ الإنسان يعذر بكونه لا يعلم أن من بجواره محدث. الصورة الرابعة: إذا علم غير المحدث دون المحدث ففي هذه الصورة تبطل صلاة الإثنين:

стр. 598

- أما المحدث فلأنه محدث. - وأما من علم فلأنه صلى منفرداً عمداً. ويتصور ذلك: أن يعلم أن من بجواره أحدث ثم ينسى المحدث ويبقى الآخر متذكراً فحينئذ صار أحدهما يعلم والمحدث لا يعلم. وهناك صورة أخرى: أن يأتي المحدث بناقض للوضوء يجهل أنه من نواقض الوضوء ويعلم الآخر أنه من نواقض الوضوء: يعني: المتفق عليها فحينئذ تصح هذه الصورة الرابعة وعلمنا أن حكمها بطلان صلاة الاثنين. • ثم قال ﵀: أو صبي - في فرض: ففذ. يعني أن من صلى بجوار صبي في فرض فإنه يعتبر منفرداً وصلاته باطلة لقول النبي ﷺ : (لا صلاة لمنفرد خلف الصف). = وهذه المسألة من مفردات مذهب الحنابلة. ودليلهم: قالوا: أن الصبي لا تصح إمامته في الفريضة فلا تصح مصافته. فكأن القاعدة عندهم أن من لا تصح إمامته لا تصح مصافته. والرد على هذا الدليل: من وجهين: الوجه الأول: ما تقدم معنا أن الصواب أن الصبي تصح إمامته. الوجه الثاني: أن هذه القاعدة منقوضة بصور كثيرة حتى عند الحنابلة: منها: الأخرس فإن إمامته لا تصح لكن هل تصح مصافته؟ نعم بالإجماع حتى عند الحنابلة فهذه الصورة تخرق عليهم هذه القاعدة ففي الحقيقة مذهب الحنابلة في هذه المسألة ضعيف. = القول الثاني: أنه تصح مصافة الصبي في الفريضة والنافلة. والدليل ما تقدم معنا من حديث أنس ﵁ أنه صاف النبي ﷺ في الحديث الآخر لما صلى هو بجوار النبي ﷺ وصلت أمه خلفهما. ففي هذا الحديث أن أنساً ﵁ صف مع النبي ﷺ واعتد النبي ﷺ بمصافته. فإن قيل: أن هذا في النفل. فالجواب: أن القاعدة الصحيحة تقول: أن ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل خاص يستثني الفريضة أو يستثني النافلة وإلا فالأصل تساوي الفريضة والنافلة في جميع الأحكام. وبهذا نعلم أن مصافة الصبي على الصواب صحيحة ولا يعتبر من صاف الصبي منفرداً. نأتي إلى مسألة أخرى وهي: إذا أردنا أن نقرر مذهب الحنابلة ونقول: أن مصافة الصبي لا تصح: ماذا يصنع من لم يجد إلا صبياً؟ قالوا: عليه:

стр. 599

أن يصف هو والصبي عن يمين الإمام فإن صف هو والصبي خلف الإمام بطلت صلاته. أو يصف هو والصبي أحدهما عن يمين الإمام والآخر عن يساره. وبهذا تخلصوا من قضية أن يصلي منفرداً وكذلك تخلصوا من قضية أن يصلي - مثلاً - الصبي بغير جماعة فالآن هم صلوا جماعة وانتفت الفردية وأنه صلى منفرداً خلف الصف. • ثم قال ﵀: ومن وجد فرجة: دخلها. لما قرر المؤلف ﵀ أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة أراد أن يبين ماذا يصنع من جاء فوجد الصف قد امتلأ. لأنه إن صلى خلف الصف منفرداً بطلت صلاته فاحتاج إلى تصرف شرعي يقضي على هذه المشكلة. فرتب المؤلف ﵀ الحل على ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يجد فرجة في أثناء الصف (واعلم أن هذا الترتيب مقصود بمعنى أنه لا يوجد انتقال إلى مرتبة قبل التأكد من عدم وجود المرتبة التي قبلها فمن وجد فرجه فإنه لا يذهب ليصلي عن يمين الإمام ومن وجد مكاناً عن يمين الإمام فإنه لا يجوز له أن يجذب أحداً من الصف). إذاً قال: ومن وجد فرجة دخلها: الفرجة هي المكان الفارغ في الصف والمكان الفارغ في الصف يعتبر خللاً فإذا جاء الإنسان ووجد فرجة فإنه يدخل في هذا الصف لأمرين: الأمر الأول: أن لا يصلي منفرداً. والأمر الثاني أن يسد هذا الخلل. والدليل على هذا أن النبي ﷺ أمر بتسوية الصفوف وسد الخلل وقال ﷺ : (ألا تصفون كما تصف الملائكة قالوا يارسول الله كيف تصف الملائكة؟ قال: يعبون الصف الأول فالأول). فلأجل هذا الحديث ولغيره من الأحاديث الكثيرة التي بلغت حد الشهرة والتي فيها الأمر بتسوية الصفوف وسد الخلل قلنا لمن جاء والصف فيه خلل أنه يدخ ويسد هذا الخلل. وهذه المرحلة لا إشكال فيها أنه: إذا جاء ووجد فتحة أو فرجة أو خللاً في الصف فإنه يدخل في هذا الصف. • ثم قال ﵀: وإلاّ عن يمين الإمام. يعني: وإلا يجد فرجة فإنه يصف عن يمين الإمام. فإذا لم يجد مكاناً في الصف فإنه يتخطى الرقاب إلى أن يصل إلى الإمام ويقف عن يمين الإمام.

стр. 600

الدليل: قالوا: الدليل على هذا العمل أن يمين الإمام موقف إذا لم يكن إلا مأموم واحد فيكون موقفاً إذا لم يجد المأموم الواحد مكاناً في الصفوف. ولأنه إن لم يفعل هذا صلى منفرداً وأدى هذا إلى بطلان صلاته. = والقول الثاني: أنه لا يتقدم ليصلي عن يمين الإمام. وسيأتينا ماذا يصنع؟ لكن نحب الآن أن نقرر فقط أنه ليس من الحلول أن يتقدم ويصلي بجوار الإمام. والسبب من عدة أوجه: أولاً: أن هذا لا يعلم أنه حدث في العهد النبوي إلا مرة واحدة لها حكم خاص وهو حينما أوتي بالنبي ﷺ في صلاة الظهر أو صلاة العصر وكان يؤم الناس أبو بكر ﵁ فتخطي الرقاب ووضعوه بجوار أبي بكر ﵁ وهنا لا يقاس عليها لأنهم لما وضعوه بجوار أبي بكر الصديق ﵁ صار هو الإمام ﷺ . إذا هذه الحال الفريدة في العصر النبوي لا يقاس عليها لأن من تخطى الصفوف صار هو الإمام ﷺ . فيما عدا هذا لا يحفظ أن حداً تقدم وصلى بجوار النبي ﷺ أو بجوار أبي بكر أو عمر أو عثمان ﵃ مع العلم أن المسجد النبوي صغير ويمتلئ. الثاني: أن الشارع الحكيم نهى في النصوص الصريحة عن تخطي الرقاب ولم يستثن ما إذا كانت الصفوف ممتلئة ولا يجد من دخل المسجد مكاناً فيها بل النصوص جاءت عامة في النهي عن تخطي الرقاب لما فيه من الأذى والتشويش وذهاب الخشوع بالنسبة للمأمومين. الثالث: أن بقاء الإمام منفرداً بالإمام يقوي ويهيئ مسألة المتابعة والنبي ﷺ يقول: (إنما جعل الإمام ليؤتم به). إذاً هذا العمل فيه نظر ولا يندب لمن دخل المسجد أن يفعل هذا الفعل وهو تخطي الناس ليقف عن يمين الإمام ولو لم يجد مكاناً في الصفوف. • ثم قال ﵀: فإن لم يمكنه: فله أن ينبه من يقوم معه. إذا لم يمكن أن يتخطى ويقف بجوار الإمام ولم يجد فرجة فالحل عند الحنابلة أن ينبه بعض المأمومين ويكون تنبيههم له بأحد طريقتين: إما بالإشارة بأن يؤشر له بأن يرجع معه. أو بالكلام بأن يقول تأخر يا فلان.
следующие страницы →