← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ومعلوم أن الحنابلة يرون أن صلاة الفذ باطلة والسبب في ذلك أن وجود الكافر كعدمه إذ أن مصافة الكافر لا تصح بالإجماع. وهذا الحكم وهو: أنه إذا صف مع رجل كافر فهو يعتبر فذاً أجمع عليه أهل العلم إذا كان مع العلم. يعني إذا كان من صف مع الكافر يعلم أنه صف مع كافر فهذا محل إجماع ولا يفعل مثل ذلك إلا متلاعب. القسم الثاني: أن لا يعلم المأموم أن مصافه كافر لأي سبب من الأسباب. = فالجماهير أيضاً يرون أن صلاته كصلاة الفذ. أي أنها لا تصح. = والقول الثاني: أن صلاته صحيحة لأنه معذور بعدم العلك بكون من صافه كافر. وهذا القول الثاني: أقرب لأن من صاف الكافر وهو لا يعلم معذور والله وضع الإثم والجناح عن المعذور. وهو من جنس الخطأ المعفو عنه شرعاً. وقل ما يقع مثل هذا إلا في أحوال المرتد ففي حالات المرتد قد يقع أن يصاف الإنسان مرتداً وهو لا يعلم أنه من المرتدين فحينئذ حكمه عند الجمهور أنه كالفذ والقول الثاني أن صلاته صحيحة. • قال ﵀: أو امرأة. أي إذا لم يقف مع الرجل إلا امرأة واحدة فحكمه حكم صلاة المنفرد. والتعليل: أن المرأة ليست من أهل المصافة. لأنها لا تصح إمامتها فلا تصح مصافتها. = والقول الثاني: أن صلاته صحيحة ولا يعتبر منفرداً لأنه صلى مع من يصلي الفريضة صحيحة فالمرأة تصلي الفريضة صحيحة. ونحن نتكلم الآن عن مسألة: هل تصح الصلاة؟ وهل يعتبر منفرداً أو لا؟ فلسنا نتكلم عن حكم أن تصف المرأة بجوار الرجل فهذه مسألة أخرى. لكن الكلام الآن عن إذا صفت المرأة وقلنا أن مصافة المرأة مع الرجل مكروهة أو محرمة فيبقى النظر هل الصلاة صحيحة؟ أو لا؟. = فعند الحنابلة يعتبر منفرداً وصلاته باطلة. لأن مصافة المرأة لا تصح لا لأنها وقفت بجانبه امرأة. = والقول الثاني: أن صلاته صحيحة لأنه وقف بجانب من صحت صلاته. وفي الحقيقة أنا أميل إلى مذهب الحنابلة لأن النبي ﷺ في حديثين جعل المرأة خلف الصف فكأنه لا يصح للمرأة وقوف بجانب الرجل أي أنها لا تنفي عنه الانفراد.

стр. 597

بناءً على هذا ما نراه أحياناً في المسجد الحرام من أن بعض الناس يتأخر عن الصفوف ويصلي بجوار زوجته فهذا عند الحنابلة صلاته لا تصح لأنه بغض النظر هل المرأة من محارمه أو لا؟ وهل يجوز أن تقف بجانبه أو لا؟ فإن مصافة المرأة غير معتبرة عند الحنابلة فيعتبر كأنه صلى منفرداً ومن صلى منفرداً فصلاته باطلة. وعرفنا القول الثاني. المسألة الأخرى: إذا وقفت المرأة بجوار عدد من الرجال فالآن زالت مسألة الانفراد فنبقى في: هل تصح صلاتها وصلاتهم أولا؟ = عند الحنابلة تصح صلاتها وصلاتهم بهذه الصورة الثانية وهي ما إذا وقفت امرأة بجانب عدد من الرجال فهنا زال الانفراد وعليه رأى الحنابلة أن صلاتهم صحيحة. واستدلوا على هذا بأن النبي ﷺ كان يصلي وبجواره عائشة ﵂ في غرفته وكانت تقف بجواره وهي ليست في عباده فلأن نصحح صلاة الرجل إذا وقفت بجواره امرأة للعبادة من باب أولى. هكذا استدلوا وما ذكروه يعتبر صحيحاً فإذا صلت المرأة بجوار عدد من الرجال فصلاتها وصلاتهم صحيحة أن الانفراد زال وكون المرأة تقف بجوار الرجل فهذا لا يؤدي إلى بطلان الصلاة. • ثم قال ﵀: ومن لم يقف معه إلا .. من علم حدثه أحدهما .. ففذ. إذا وقف رجلان أحدهما محدث فعبارة المؤلف دلت على أنه يندرج تحت هذه المسألة عدة صور: الصورة الأولى: أن يعلم كل منهما حدث أحدهما: فحينئذ تبطل صلاة الإثنين: - أما المحدث فلأنه محدث. - وأما الآخر فلأنه صلى منفرداً عالماً. الصورة الثانية: أن يجهل كل منهما حدث المحدث: فالحكم أن صلاة المحدث باطلة - بلا إشكال - وصلاة من معه: = عند الحنابلة أيضاً باطلة لأنه: صلى بجوار من لم تصح صلاته. = والقول الثاني: أنه في هذه الصورة صلاته صحيحة. والسبب أنه معذور إذ لا يعلم أن من بجواره محدث. الصورة الثالثة: أن يعلم المحدث بحدثه دون من بجواره فحكمها: نفس حكم الصورة السابقة تماماً. = فعند الحنابلة يرون أن صلاته ليست بصحيحة. = والقول الثاني: أن صلاته صحيحة للعذر إذ الإنسان يعذر بكونه لا يعلم أن من بجواره محدث. الصورة الرابعة: إذا علم غير المحدث دون المحدث ففي هذه الصورة تبطل صلاة الإثنين:

стр. 598

- أما المحدث فلأنه محدث. - وأما من علم فلأنه صلى منفرداً عمداً. ويتصور ذلك: أن يعلم أن من بجواره أحدث ثم ينسى المحدث ويبقى الآخر متذكراً فحينئذ صار أحدهما يعلم والمحدث لا يعلم. وهناك صورة أخرى: أن يأتي المحدث بناقض للوضوء يجهل أنه من نواقض الوضوء ويعلم الآخر أنه من نواقض الوضوء: يعني: المتفق عليها فحينئذ تصح هذه الصورة الرابعة وعلمنا أن حكمها بطلان صلاة الاثنين. • ثم قال ﵀: أو صبي - في فرض: ففذ. يعني أن من صلى بجوار صبي في فرض فإنه يعتبر منفرداً وصلاته باطلة لقول النبي ﷺ : (لا صلاة لمنفرد خلف الصف). = وهذه المسألة من مفردات مذهب الحنابلة. ودليلهم: قالوا: أن الصبي لا تصح إمامته في الفريضة فلا تصح مصافته. فكأن القاعدة عندهم أن من لا تصح إمامته لا تصح مصافته. والرد على هذا الدليل: من وجهين: الوجه الأول: ما تقدم معنا أن الصواب أن الصبي تصح إمامته. الوجه الثاني: أن هذه القاعدة منقوضة بصور كثيرة حتى عند الحنابلة: منها: الأخرس فإن إمامته لا تصح لكن هل تصح مصافته؟ نعم بالإجماع حتى عند الحنابلة فهذه الصورة تخرق عليهم هذه القاعدة ففي الحقيقة مذهب الحنابلة في هذه المسألة ضعيف. = القول الثاني: أنه تصح مصافة الصبي في الفريضة والنافلة. والدليل ما تقدم معنا من حديث أنس ﵁ أنه صاف النبي ﷺ في الحديث الآخر لما صلى هو بجوار النبي ﷺ وصلت أمه خلفهما. ففي هذا الحديث أن أنساً ﵁ صف مع النبي ﷺ واعتد النبي ﷺ بمصافته. فإن قيل: أن هذا في النفل. فالجواب: أن القاعدة الصحيحة تقول: أن ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل خاص يستثني الفريضة أو يستثني النافلة وإلا فالأصل تساوي الفريضة والنافلة في جميع الأحكام. وبهذا نعلم أن مصافة الصبي على الصواب صحيحة ولا يعتبر من صاف الصبي منفرداً. نأتي إلى مسألة أخرى وهي: إذا أردنا أن نقرر مذهب الحنابلة ونقول: أن مصافة الصبي لا تصح: ماذا يصنع من لم يجد إلا صبياً؟ قالوا: عليه:

стр. 599

أن يصف هو والصبي عن يمين الإمام فإن صف هو والصبي خلف الإمام بطلت صلاته. أو يصف هو والصبي أحدهما عن يمين الإمام والآخر عن يساره. وبهذا تخلصوا من قضية أن يصلي منفرداً وكذلك تخلصوا من قضية أن يصلي - مثلاً - الصبي بغير جماعة فالآن هم صلوا جماعة وانتفت الفردية وأنه صلى منفرداً خلف الصف. • ثم قال ﵀: ومن وجد فرجة: دخلها. لما قرر المؤلف ﵀ أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة أراد أن يبين ماذا يصنع من جاء فوجد الصف قد امتلأ. لأنه إن صلى خلف الصف منفرداً بطلت صلاته فاحتاج إلى تصرف شرعي يقضي على هذه المشكلة. فرتب المؤلف ﵀ الحل على ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يجد فرجة في أثناء الصف (واعلم أن هذا الترتيب مقصود بمعنى أنه لا يوجد انتقال إلى مرتبة قبل التأكد من عدم وجود المرتبة التي قبلها فمن وجد فرجه فإنه لا يذهب ليصلي عن يمين الإمام ومن وجد مكاناً عن يمين الإمام فإنه لا يجوز له أن يجذب أحداً من الصف). إذاً قال: ومن وجد فرجة دخلها: الفرجة هي المكان الفارغ في الصف والمكان الفارغ في الصف يعتبر خللاً فإذا جاء الإنسان ووجد فرجة فإنه يدخل في هذا الصف لأمرين: الأمر الأول: أن لا يصلي منفرداً. والأمر الثاني أن يسد هذا الخلل. والدليل على هذا أن النبي ﷺ أمر بتسوية الصفوف وسد الخلل وقال ﷺ : (ألا تصفون كما تصف الملائكة قالوا يارسول الله كيف تصف الملائكة؟ قال: يعبون الصف الأول فالأول). فلأجل هذا الحديث ولغيره من الأحاديث الكثيرة التي بلغت حد الشهرة والتي فيها الأمر بتسوية الصفوف وسد الخلل قلنا لمن جاء والصف فيه خلل أنه يدخ ويسد هذا الخلل. وهذه المرحلة لا إشكال فيها أنه: إذا جاء ووجد فتحة أو فرجة أو خللاً في الصف فإنه يدخل في هذا الصف. • ثم قال ﵀: وإلاّ عن يمين الإمام. يعني: وإلا يجد فرجة فإنه يصف عن يمين الإمام. فإذا لم يجد مكاناً في الصف فإنه يتخطى الرقاب إلى أن يصل إلى الإمام ويقف عن يمين الإمام.

стр. 600

الدليل: قالوا: الدليل على هذا العمل أن يمين الإمام موقف إذا لم يكن إلا مأموم واحد فيكون موقفاً إذا لم يجد المأموم الواحد مكاناً في الصفوف. ولأنه إن لم يفعل هذا صلى منفرداً وأدى هذا إلى بطلان صلاته. = والقول الثاني: أنه لا يتقدم ليصلي عن يمين الإمام. وسيأتينا ماذا يصنع؟ لكن نحب الآن أن نقرر فقط أنه ليس من الحلول أن يتقدم ويصلي بجوار الإمام. والسبب من عدة أوجه: أولاً: أن هذا لا يعلم أنه حدث في العهد النبوي إلا مرة واحدة لها حكم خاص وهو حينما أوتي بالنبي ﷺ في صلاة الظهر أو صلاة العصر وكان يؤم الناس أبو بكر ﵁ فتخطي الرقاب ووضعوه بجوار أبي بكر ﵁ وهنا لا يقاس عليها لأنهم لما وضعوه بجوار أبي بكر الصديق ﵁ صار هو الإمام ﷺ . إذا هذه الحال الفريدة في العصر النبوي لا يقاس عليها لأن من تخطى الصفوف صار هو الإمام ﷺ . فيما عدا هذا لا يحفظ أن حداً تقدم وصلى بجوار النبي ﷺ أو بجوار أبي بكر أو عمر أو عثمان ﵃ مع العلم أن المسجد النبوي صغير ويمتلئ. الثاني: أن الشارع الحكيم نهى في النصوص الصريحة عن تخطي الرقاب ولم يستثن ما إذا كانت الصفوف ممتلئة ولا يجد من دخل المسجد مكاناً فيها بل النصوص جاءت عامة في النهي عن تخطي الرقاب لما فيه من الأذى والتشويش وذهاب الخشوع بالنسبة للمأمومين. الثالث: أن بقاء الإمام منفرداً بالإمام يقوي ويهيئ مسألة المتابعة والنبي ﷺ يقول: (إنما جعل الإمام ليؤتم به). إذاً هذا العمل فيه نظر ولا يندب لمن دخل المسجد أن يفعل هذا الفعل وهو تخطي الناس ليقف عن يمين الإمام ولو لم يجد مكاناً في الصفوف. • ثم قال ﵀: فإن لم يمكنه: فله أن ينبه من يقوم معه. إذا لم يمكن أن يتخطى ويقف بجوار الإمام ولم يجد فرجة فالحل عند الحنابلة أن ينبه بعض المأمومين ويكون تنبيههم له بأحد طريقتين: إما بالإشارة بأن يؤشر له بأن يرجع معه. أو بالكلام بأن يقول تأخر يا فلان.

стр. 601

وعلم من كلام المؤلف أنه لا يستحب أن يجذبه جذباً وإنما ينبهه فإن رجع وإلا تركه. وأما الجذب فهو محرم عند الحنابلة. وقيل هو مكروه. وقيل هو مباح. وهذا العمل أيضاً فيه نظر كالعمل السابق. ووجه هذا النظر - وجه تضعيف هذا العمل: أن يجذب أو أن ينبه من يرجع معه: أن في هذا اعتداء على موقف المأموم. والأمر الثاني: القاعدة المشهورة المتقررة: أنه لا يستحب للإنسان أن يتبرع بالقرب فإذا كانت المسألة منافسة على قرب وطاعة لله فإنه لا يندب للإنسان أن يتنازل أو يتبرع لغيره. فهذه القاعدة الشرعية تتناقض مع أن نقرر أنه يندب للإنسان أو عليه أن ينبه من يرجع إلى الخلف. إذاً إذا كان تخطي الرقاب إلى الإمام لا يشرع وأيضاً تنبيه بعض المأمومين ليرجع لا يشرع فالحل هو ما تقدم معنا وهو أن يصلي منفرداً وتصح صلاته حينئذ للعذر وتقدم معنا تقرير هذا القول وأن صلاة المنفرد خلف الصف إذا كان لعذر والعذر هو أن لا يوجد مكاناً مطلقاً في الصف أن صلاته والحالة هذه صحيحة لوجود العذر ولأن النبي ﷺ يقول: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). • ثم قال ﵀: فإن صلى فذاً ركعة: لم تصح. ذكر الشارح أن في هذا تكرار لأنه تقدم معنا أن من صلى فذَّاً ركعة فإن صلاته لا تصح عند قول المؤلف ﵀: ولا الفذ خلف الصف. وفيما أرى أن هذا ليس بتكرار وإنما ذكره المؤلف ﵀ ليبين الحد الذي تبطل فيه الصلاة ويؤخذ من قوله: ركعة. أي: أن من صلى منفرداً خلف الصف فإن صلاته تبطل بشرط: أن لا يجد فرجة ولا يأتي أحد ليصف معه قبل ن تفوته الركعة. إذاً إذا ركع الإمام ورفع قبل أن يجد فرجة في الصف وقبل أن يأتي أحد آخر ليصف معه فحينئذ بطلت الصلاة. فإن جاء أحد قبل ذلك فصلاته صحيحة معنى قول المؤلف: فإن صلى فذاً ركعة. أي إن أدرك الركعة مع غيره صحت صلاته وإن أدرك الركعة منفرداً بطلت صلاته فلعل المؤلف ﵀ أراد أن يبين هذا القيد وهذا الشرط لبطلان الصلاة. إذاًَ ليست المسألة كما يفهم بعض الناس أنه بمجرد التكبير وبقائه وقتاً معيناً منفرداً خلف الصف أنه بهذا المقدار تبطل الصلاة وإنما لا تبطل الصلاة حتى تفوته الركعة.

стр. 602

• ثم قال ﵀: وإن ركع فذاً ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام: صحت. يعني: وإلا فلا. إذاً: إذا ركع قبل أن يدخل في الصف ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل أن يسجد الإمام صحت صلاته وإلا فصلاته باطلة لكن يجب أن نقيد كلام المؤلف حتى عند الحنابلة بقيد وهو: أن يفعل هذا الفعل لعذر. يعني لو أن المؤلف قال: وإن ركع فذاً لعذر ثم دخل ... الخ لصحت العبارة. إذاً يجب أن نقيد هذه العبارة بأن هذا يصح إذا كان بسبب عذر عرض لهذا الذي ركع قبل أن يدخل في الصف. والعذر كأن لا يجد مكاناً أو يخشى فوات الركعة. فإن فعل هذا الفعل لغير عذر فإنه إن دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع صحت وإلا فلا. إذاً خلاصة المذهب: إذا أردنا أن نبين المذهب فيمن ركع قبل أن يدخل في الصف نقول: إن ركع قبل أن يدخل في الصف: ـ فإن كان لعذر فإنه ينتظر إلى أن يسجد الإمام فإن دخل معه آخر أو وجد مكاناً في الصف قبل أن يسجد الإمام صحت صلاته وإلا بطلت. ـ وإن كان فعل هذا الفعل لغير عذر فإن أدرك الإمام مع آخر ووجد فرجة في الصف قبل أن يرفع رأسه من الركوع صحت وإلا فلا. يعني أن الحنابلة يقولون أنه إذا كان فعل هذا الفعل لعذر يعطونه مساحة أكبر ينتظرون إلى أن يسجد الإمام وإن كان فعل هذا لغير عذر فلا يعطونه وقتاً طويلاً وإنما يقولون: إن رفع الإمام قبل أن يدخل معه أحد أو أن يدخل في الصف فصلاته باطلة. = والقول الثاني: أنه إذا فعل هذا الفعل أي: - إن ركع قبل أن يصل للصف لعذر والعذر هنا - في القول الثاني - هو: اكتمال الصف فقط. فإن صلاته صحيحة ولو لم يدخل في الصف ولو لم يأت أحد معه ولو استمر إلى آخر الصلاة لأنه بعذر. - وإن فعل هذا الفعل لغير عذر فإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل المأموم في الصف أو أن يأتي معه آخر بطلت صلاته. وإن أدركه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع بأن دخل معه أحد أو دخل هو في الصف فصحت صلاته.

стр. 603

((الدرس الثاني: بعد العشاء)) فصل [في أحكام الاقتداء] قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقدم معنا الكلام عهن آخر مسألة في الفصل الذي عقده المؤلف للوقوف ونبدأ بالفصل الذي يليه وهو تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام من جهة المكان. • قال ﵀: (فصل) المؤلف ﵀ عقد هذا الفصل كما قلت للكلام عن تأثير المكان الذي يجتمع فيه الإمام والمأموم والبعد والقرب بين الإمام والمأموم تأثير ذلك على صلاة الجماعة أي على صحة الاقتداء أو عدم صحة الاقتداء. واقتداء المأموم بالإمام ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون في المسجد. أو خارج المسجد. بدأ المؤلف بالقسم الأول: • فقال ﵀: يصح اقتداء المأموم بالإمام: في المسجد وإن لم يره. ولا من وراءَه إذا سمع التكبير. إذا اجتمع المأموم والإمام في مسجد واحد صح الإقتداء ولو لم يره ولو كان بينهما حائل ولو لم تتصل الصفوف. وقوله ﵀: (في المسجد) يشمل أن يكون المأموم في ساحة المسجد أو في سطح المسجد أو في بدرون المسجد أو في أي مكان داخل حدود المسجد. فما دام موجود في المسجد فإنه يصح الاقتداء ولو كان بعيداً ولم تتصل الصفوف ولمخ يره. وإنما اشترط المؤلف شرطاً واحداً وهو أن يسمع الصوت والأحسن أن نقول: يشترط إمكان الاقتداء. أن يمكنه أن يقتدي به لأن هذا العبارة أشمل وأوضح. إذاً يشترط للمأموم الذي يقتدي بالإمام داخل المسجد شرط واحد وهو إمكانية الاقتداء فقط. بناء على هذا - لو صلى الإمام مع خمسة صفوف في صدر المسجد في المحراب وصلى خمسة رجال في آخر المسجد منفردين فصلاتهم صحيحة. - ولو صلى رجلان في ساحة المسجد أو في سطح المسجد وبقيت الجماعة كلهم بجوار الإمام صحت صلاة الرجلين. الدليل: أن المسجد وضع شرعاً للجماعة فمن كان فيه صح اقتدائه. ونحن كما قلت مراراً نتكلم عن مسائل معينة فنحن نتكلم الآن عن صحة الاقتداء وصحة الجماعة ولسنا نتكلم عن حكم أن يتأخر خمسة منفردين في آخر المسجد فإنه هذا مكروه بالاتفاق وهو خلاف السنة التي جاءت عن النبي ﷺ المتوترة - وهي اجتماع المأمومين في صفوف متتالية متراصة مع قربهم للإمام. فمن يصلي خلف المسجد منفرداً فلا شك أنه خالف السنة ووقع في المكروه. لكن نحن نتكلم عن مسألة صحت الصلاة.

стр. 604

وهذا الحكم بالإجماع أي أن صلاته صحيحة بالإجماع لكونه في داخل المسجد. ثم لما انتهى المؤلف من تقرير حكم الاقتداء داخل المسجد انتقل إلى حكم الاقتداء خارج المسجد: • فقال ﵀: وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين. إذا كان المأموم خارج المسجد أو كان الإمام والمأموم كلاهما خارج المسجد هاتان مسألتان لهما نفس الحكم فإنه يصح اقتداء المأموم بالإمام ما دام يراه ويمكن له أن يقتدي به. إذاً عند الحنابلة أن شرط صحة الاقتداء لمن كان خارج المسجد بمن كان داخل المسجد هو فقط شرط واحد أن يراه مع إمكانية الإقتداء فقط. ولم يشترطوا في الرؤية أن يراه في جميع الصلاة بل لو رآه في بعض الصلاة دون بعض كأن يراه قائماً ولا يراه راكعاً أو يراه راكعاً وقائماً ولا يراه ساجداً صحت الصلاة أيضاً. فالشرط عند الحنابلة الرؤية فقط مع إمكانية الاقتداء وهذا الشرط موجود حتى لمن كان داخل المسجد فهو شرط لا يتعلق بمسألة من اقتدى وهو خارج المسجد. الدليل: استدلوا بأن النبي ﷺ صلى في حجرته وكان الجدار قصيراً فرآه أناس فقاموا يصلون بصلاته. وظاهر الحال أنهم يرونه ﷺ قائماً ولا يرونه راكعاً ولا ساجداً. ففي هذا الحديث صح الاقتداء مع كون الإمام في مكان والمأموم بمكان آخر. = والقول الثاني: وهو اختيار ابن قدامة ﵀ أنه يشترط اتصال الصفوف فإن اتصلت الصفوف صح الاقتداء وإلا فلا. واستدلوا على هذا: - بأن تجويز صلاة المأموم خارج المسجد مع عدم اتصال الصفوف قد يؤدي إلى تعطيل المساجد إذ يصلي كل إنسان في حانوته أو في مكانه وهو يرى الإمام ولا يذهب إلى المسجد. ثانياً: أن خارج المسجد لم يعد لصلاة الجماعة التي ترتبط صلاة بعضهم ببعض وإنما الذي أعد لذلك المسجد فقط ولا نقول لم أن خارج المسجد لم يعد للصلاة لأن النبي ﷺ يقول: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فكل الأراضي مكان للصلاة لكن نقول ليس مكاناً لصلاة الجماعة التي ترتبط صلاة بعضهم ببعض مع الإمام.

стр. 605

والجواب عن - (حديث عائشة) - أن الصواب أن هذه الحجرة كانت داخل المسجد وليس مراد عائشة ﵂ بهذا الحديث غرفة عائشة أو بيت عائشة ﵂ وهذا ما تدل عليه روايات صحيح البخاري الأخرى. وهذا ما رجحه أيضاً الحافظ بن رجب. ومن الفقهاء من قال بل هي حجرة عائشة - والذي أراد أنه قول ضعيف وبعيد من حيث المعنى والروايات. أما من حيث الروايات فروايات البخاري تبين أنه مكان في المسجد سبق أن اتخذه النبي ﷺ وحجره. وأما من حيث المعنى فإنه يبعد أن ينظر الناس إلى النبي ﷺ من خلال حجرة عائشة يصلي فإن هذا يؤدي إلى أن الحجرة مكشوفة بحيث يرى الناس صلاة النبي ﷺ ويرون ما يفعل في البيت وهذا لا يتأتى. وهذا القول الثاني هو الصواب - الذي رجحه ابن قدامة ﵀ وأنه يشترط لصحة المأموم خارج المسجد اتصال الصفوف. == مسألة: هل يقتضي مذهب الحنابلة صحت صلاة من يرى الإمام في التلفاز أو من يرى الإمام من مكان بعيد في مسكنه؟ أو لا يقتضي؟. الجواب: من الفقهاء من رأى أن قول الحنابلة بصحة صلاة المأموم مع الإمام بمجرد الرؤية يقتضي صحت الصلاة خلف التلفاز في الصلاة المباشرة ومن كان بعيداً عن المسجد ويراه وهو في بيته. = والذي أراه أن هذا القول لا يقتضي ذلك. السبب: أنهم نصوا أن من الشروط بالإضافة إلى الرؤية أن لا يكون بين المأموم والمسجد نهر جارٍ تجري فيه السفن ولا طريق يستطرق. وبين من يرى الإمام في التلفاز والمسجد الذي تقام فيه الصلاة أنهر وأودية وطرق وكل ما تشاء من الفواصل والحجوزات. (أليس كذلك؟!. وكذلك من يصلي قريب من أيضا المسجد في بيته فإن الغالب عليه أن يكون بينه وبين المسجد أقل ما يقال طريق مسلوك. فالذي أراه أن هذا القول لا يقتضي صحت الصلاة خلف هذه الأشياء مع البعد إنما يرى الحنابلة أو يريدون إذا كان الإنسان في مكانه في حانوته والمسجد أمامه وليس بينهما طريق وهو يرى الإمام سواء من خلال الباب أو النافذة أو من أي منفذ فإنه والحالة هذه يصح أن يقتدي بالإمام ولو لم تتصل الصفوف ويصلي في مكانه والإمام في مكانه.

стр. 606

وبهذا يمكن أنه نرفع ما يترتب على هذا القول من مؤاخذات كبيرة أو ضعف شديد بالنسبة لمذهب الحنابلة. على أنا نقول أن الراجح والأظهر ظهوراً قوياً أنه لا بد من اتصال الصفوف إذا أراد الإنسان أن يصلي خارج المسجد. (فائدة: قال شيخ الاسلام: إن صلى مع اتصال الصفوف صحت صلاته باتفاق الأئمة). وهذا مفيد بحيث لا يعرض الإنسان صلاته للبطلان. • ثم قال ﵀: وتصح خلف إمام عالٍ عنهم. ويكره: إذا كان العلو ذراعاً فأكثر. أفادنا المؤلف أن الصلاة خلف الإمام العالي صحيحة وهي تكره بشرط واحد وهو أن يكون علوه ذراه فأكثر فإن كان علوه أقل من ذراع صحت بلا كراهة. نحتاج أدلة لكل هذا التفصيل: أما دليل الصحة والكراهة فواحد وهو أن عماراً ﵁ صلى بقومه على دكَّه فأخذ بيده حذيفة ﵁ وأنزله ثم بعد الصلاة قال: (ألم تعلم أن النبي ﷺ نهى أن يؤم الرجل القوم وهو أعلى منهم). وهذا الحديث دليل على أمرين: الأول: الكراهة. والثاني: الصحة. ووجه دليله على الصحة أنه لم يستأنف وإنما استمر في صلاته ﵁. وهذا الحديث الذي يظهر لي أنه ضعيف ومن المعاصرين من يحسنه لكن الأقرب أنه ضعيف لا تقوم به حجة. الدليل الثاني: أن ابن مسعود ﵁ قال: كانوا يكرهون ذلك أي أن يصلي الإمام وهو مرتفع عن المأمومين. فهذان أثران عن أصحاب النبي ﷺ ولا يعلم لهم مخالف أن ارتفاع الإمام مكروه مع صحت الصلاة. وأما الدليل على أنه إن صلى لأقل من ذراع انتفت الكراهة فهو أن النبي ﷺ صح عنه أنه صلى على المنبر ليعلم الناس الصلاة. ومعلوم أنه لا يمكن أن نتصف صلاة النبي ﷺ بالكراهة. فدل هذا الحديث أنه إن كان ارتفاعه أقل من ذراع صحت بلا كراهة. وأما الدليل على أنه ﷺ في تلك الصلاة صلى في الدرجة الأولى وهذا هو الذي يدل على أنه أقل من ذراع الدليل على ذلك هو أنه إنما صلى ليعلم الناس وهو سيحتاج إلى الركوع والسجود على الأرض ومن المعلوم أن الأنسب لذلك أن يقف على الدرجة الأولى ليتمكن من ذلك بسهولة.

стр. 607

إذاً الحديث ليس فيه نص أنه صلى على الدرجة الأولى لكن يغلب على الظن أنه صلى الدرجة الأولى. = والقول الثاني: أن من صلى مرتفعاً بقصد تعليم الناس صحت صلاته بلا كراهة بغير قيد من جهة الارتفاع. وهذا مذهب الشافعية واستدلوا بالحديث السابق وهو أن النبي ﷺ صلى مرتفعاً. =والقول الثالث: وهو رواية أنها تصح مطلقاً بلا كراهة. والراجح: مذهب الشافعية. أنه إن كان للتعليم صحت بلا كراهة وإلا صحت مع الكراهة لأن أثر ابن مسعود صحيح وكذلك أثر عمار وحذيفة يظهر من حيث الأسانيد أنه ضعيف لكنه يتقوى بأثر ابن مسعود أو على أقل التقدير يمكن الاستئناس به وإلا فهو ضعيف لا يثبت عن الصحابيين ﵄. إذاً بهذا عرفنا حكم ارتفاع الإمام وعرفنا أن الفقهاء ينظرون لمدى الارتفاع إذا كان الارتفاع كثيراً صار مكروهاً وإلا صار جائزاً. • ثم قال ﵀: كإمامته في الطاق. إمامة الإمام في الطاق مكروهة. والمقصود بالطاق: المحراب. ودليل الكراهة: أن ابن مسعود ﵁ وروي عن غيره من الصحابة كرهوا ذلك. الدليل الثاني: أن صلاة الإمام في المحراب تمنع من كمال الاقتداء لأن المأمومين لن يروه ومعلوم أن الرؤية تكمل الاقتداء. ويشترط لتحقق الكراهة عند الحنابلة أن لا تكون صلاته لحاجة فإن كان صلى في المحراب لحاجة كضيق المكان صحت بلا كراهة. ويشترط أيضاً أن لا يروه فإن صلى في المحراب مع رؤية المأمومين له أيضاً تصح بلا كراهة. إذاً يشترط للكراهة شرطان. هذا حكم الصلاة في المحراب. وأنا أرى أن كلامهم وجيه وأن دخول الإمام في المحراب من غير حاجة يؤدي إلى عدم اقتداء المأمومين بالشكل المطلوب. نأتي إلى مسألة أخرى: وهي حكم اتخاذ المحراب. وكثير من الإخوان يخلط بين المسألتين فيخلط بين اتخاذ المحراب والصلاة. لأن عبارات العلماء في اتخاذ المحراب قد تكون شديدة أحياناً لكن عباراتهم في الصلاة بالمحراب أهون لأنه وجد محراباً فصلى فيه. وحكم اتخاذ المحراب اختلفوا فيه وتشعبت الأقوال - ونحن لا نريد الدخول في هذه المسألة لأنه ليست من هذا الباب ولذلك لا حظ أن المؤلف تكلم عن حكم الصلاة فقط ولم يتحدث عن اتخاذ المحراب.

стр. 608

= القول الأول: أن اتخاذ المحراب بدعة محدثة وهو محرم لأنه لم يكن على عهد النبي ﷺ . = القول الثاني: أن اتخاذ المحراب مستحب. ولا حظ أن هذا رواية عن الإمام أحمد. واستدل بأن في اتخاذ المحراب تتحقق مصالح عديدة منها: معرفة القبلة. = والقول الثالث: أن اتخاذ المحراب مباح ولا يعبد به وإنما هو وسيلة لتسهيل الإمامة ومعرفة القبلة. في الحقيقة من جهة الترجيح المسألة فيها إشكال. ووجه الإشكال: أنه من حيث التأصيل قد يقول الإنسان أن النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ لم يتخذوا المحاريب وهم أعلم الناس بما ينفع الناس والمحراب المسجد والمسجد بيت العبادة في الإسلام فإحداث شيء في مثل هذا البيت هو من أحداث مالم يأذن به الله وهذا يقوى وتدل عليه الأصول العامة. من جهة أخرى ما زال المسلمون يضعون المحاريب وممن كره المحاريب ابن مسعود ﵁ ونفهم من كراهيته ﵁ لها أنها موجودة عهده وإن كنت لم أنظر في إسناد أثر ابن مسعود لكن على فرض صحته فإنه يدل على أن المحاريب وجدت من عهد الصحابة وأنها لم تنكر بينهم على وجه الجملة وإنما أنكرها ابن مسعود وابن مسعود ﵁ له نظرة عميقة في البدع ولذلك نكر من البدع أكثر مما أنكره غيره ﵁ ولكن لم ينقل عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وأبي هريرة وغيرهم من فقهاء الصحابة ما نقل عن ابن مسعود ﵁. ثم أيضاً تتابعت الأمة الإسلامية من القرن الثاني إلى يومنا هذا على وضع المحاريب فتأثيم الناس والحكم على عملهم بأنه بدعة طوال هذه القرون قد ما يقوى عليه الإنسان. ولذلك ربما نقول أن مذهب الحنابلة وهو أنه مباح قد يكون فيه توسط ونظر بين من يشدد في المحاريب ومن يترخص فيها ويجعلها مستحبة. لا سيما وأن رجلاً مثل الإمام أحمد روي عنه استحبابها فهذا يجعل الإنسان يتوقف في الحكم ببدعيتها والنهي عنها وتحريم بنائها. هذا ما ظهر في مسألة اتخاذ المحاريب. • ثم قال ﵀: وتطوعه موضع المكتوبة. الآن الحديث عن الإمام من قوله وتصح خلف إمام عال صار الكلام عن الإمام.

стр. 609

فتطوع الإمام في الموضع الذي صلى فيه المكتوبة مكروه لأمرين: الأمر الأول: أنه يؤدي إلى الالتباس والتشابه بين الفريضة والنافلة. والثاني: أنه قد يظن بعض المأمومين أنه قام لأنه نسي ركعة. الثالث: أنه روي عن المغيرة وعن غيره عن النبي ﷺ أنه نهى أن يصلي الإمام حيث أم الناس. = والقول الثاني: أن صلاة الإمام في مكانه الذي صلى به بالناس تطوعه جائز بلا كراهة. وأجابوا عن الأدلة: أنها جميعاًً ضعيفة وممن أشار إلى ضعف جمع الأحاديث الإمام أحمد لأنه قال: لم يثبت فيه إلا عن علي - يعني هذا معنى كلامه ليست هذه عبارته. فإذا كان الإمام أحمد يقول أنه ليس في الباب إلا أثر عن علي ﵁ دل على أنه يرى أن حديث المغيرة ﵁ وغيره حديث ضعيف. وحكم بعض الحفاظ على أفراد هذه الأحاديث بالضعف إما للانقطاع أو للجهالة. الخلاصة: أن أحاديث نهي الإمام أن يتطوع في مكانه الذي صلى فيه بالناس ضعيفة كلها فإذاً الصلاة صحيحة بلا كراهة. ولا يستهين الإنسان بهذا البحث لأن أهل العلم يعتنون بقضية الكراهة فإن بعض الناس لا يرى وزناً لأن الأمر مكروه أو الفعل مكروه أو غير مكروه لكن الأئمة يعتنون بهذا لأنهم لا يقدمون على المكروه لا سيما إذا تعلق بركن الدين وهو الصلاة. • قوله ﵀: إلاّ من حاجة. هذ الاستثناء يرجع إلى مسألتين: المسألة الأولى: تطوع الإمام في مكان المكتوبة. المسألة الثانية: صلاته في الطاق أو في المحراب. فلاستثناء يرجع إلى المسألتين جميعاً وهو أن الكراهة تزول إذا كان هناك حاجة والحاجة في الغالب وأثر ما يمثل الفقهاء به هو ضيق المكان. فإذا صلى الإمام بالناس ثم أراد أن يتطوع ولم يجد مكاناً لضيق المكان فإنه والحالة هذه يصلي في مكانه بلا كراهة لوجود الحاجة. • ثم قال ﵀: وإطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة. يعني: ويكره للإمام أن يطيل الجلوس بعد السلام مستقبل القبلة.

стр. 610

وجهه: أن هذا خلاف السنة. فإنه ثبتت الأحاديث صحيحة أن النبي ﷺ كان إذا سلم من الصلاة لم يزد على الاستغفار ثلاثاً وقوله تباركت ياذا الجلال والإكرام. ثم ينصرف تارة عن اليمين وتارة عن الشمال. إذاً بقائه أكثر من هذا المقدار ومن الذكر الوارد وهو الاستغفار وقوله: اللهم أنت السلام ... الخ. مكروه لأنه مخالف للسنة الصريحة. وهو مكروه لسبب آخر وهو أن في هذا مشقة على المأمومين لأنه جاء في الحديث نهي المأموم أن يقوم قبل أن ينصرف الإمام. ومعنى انصراف الإمام: أن يلتفت إلى المأمومين. إذاً هو مكروه لأمرين: - مخالفة السنة. - والإشفاق على المأمومين. • ثم قال ﵀: فإن كان ثمّ نساء: لبث قليلاً لينصرفن. إذا كان معه نساء فالسنة في حقه أن يلبث قليلاً قبل أن يقوم والغرض من ذلك أن ينصرف النساء. والدليل: ما صح عن النبي ﷺ أنه كان إذا صلى مكث قليلاً - أي قبل أن يقوم. وقال الزهري ﵀: ولا نعلم ذلك إلا لأجل النساء. وسبق أن علقنا على كلمات الزهري التي يعلق بها على السنة وأن لها ثقلاً عند أهل العلم وسبب ذلك. • ثم قال ﵀: ويكره: وقوفهم بين السواري إذا قطعن. الصلاة بين السواري تحتاج إلى إيضاح بعض المقدمات قبل أن ندخل في نفس المسألة: الأمر الأول - في هذه المسألة: أنه لا يكره بالإجماع أن يصلي بين السواري عند وجود الحاجة. الأمر الثاني: أنه لا يكره للإمام ولا للمنفرد أن يصلي بين السواري لأن النبي ﷺ لما دخل الكعبة صلى بين ساريتين فلا تتعلق الكراهة أصلاً بالإمام والمنفرد. نأتي إلى المأموم: = الحنابلة يرون أن المأموم يكره له أن يصلي بين السواري. واستدلوا على هذا: بأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بين السواري. والدليل الثاني: أن الصلاة بين السواري تؤدي إلى انقطاع الصفوف.

стр. 611

وقبل أن نذكر القول الثاني يضاف إلى ما يشبه تحرير النزاع نقول: الأمر الثالث: أنه لا يوجد قائل بالتحريم بين أهل العلم فكلهم على الكراهة خلافاً لما يشعر به بعض الباحثين كأنه يميل إلى التحريم فإن العلماء لم يذكروا التحريم فيما وقفت عليه مطلقاً وإنما كلهم على أنه يكره. = القول الثاني: أن الصلاة بين السواري جائزة بلا كراهة مطلقاً. وممن رجح هذا القول ابن المنذر ﵀. واستدل على هذا بأمرين: الأول: أن النبي ﷺ صلى بين ساريتين والأصل أنه لافرق بين المنفرد والإمام والمأموم. الثاني: أنه لا يثبت في هذا الباب خبر صحيح عن النبي ﷺ . وممن أشار إلى هذا ابن المنذر نفسه فإنه أشار إلى عدم ثبوت شيء في هذا الباب. وإذا لم يأت عن النبي المعصوم ﷺ حديث فيه النهي عن الصلاة بين السواري فبأي شيء نحكم على صلاة من صلى بين السواري بلا حاجة بأنه فعل مكروهاً. وهذا القول الثاني قوي جداً في الحقيقة ووجيه ولكن يشكل عليه أنه روي عن بعض الصحابة أنه كره الصلاة بين السواري لكن مع ذلك لا يظهر لي أنه يكره الصلاة بين السواري. فمثل هذا الأمر الذي يحتاج إليه الناس كثيراً لا سيما في السابق فإنه في السابق الأبنية تحتاج إلى عدد من الأعمدة والبناء الذي لايعتمد على وجود عدد كبير من الأعمدة إنما حصل أخيراً مع التقدم أما في السابق فكانت الأعمدة كثيرة ولذلك إذا دخلت مسجداً مبنياً من الطين فستجد أن عدد الأعمدة كثير جداً. فالحكم على صلاة الناس بالكراهة إذا صلوا بين الأعمدة بلا حاجة يحتاج إلى دليل. فالأقرب والله أعلم أنه لا يكره وإن احتاط الإنسان لنفسه بأن لا يصلي إلا لحاجة صار هذا جيد بسبب أنه احتاط لصلاته أن لا يصلي مع الكراهة التي توجد عند الحنابلة وغيرهم ويعتمدون فيها على أحاديث صححت من قبل بعض المعاصرين وفيه آثار فمجموع هذه الأمور تؤدي إلى الاحتياط. أما من حيث البحث العلمي فالأقرب عدم الكراهة. والله أعلى وصلى الله وسلم على نبينا محمد ... انتهى الدرس،،،

стр. 612

فصل [في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة] قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله. لما أنهى المؤلف الكلام عن ما يتعلق بصلاة الجماعة من حيث حكمها بحد ذاتها وما يتعلق بالمأمومين والإمام والأماكن التي ترتبط بها صلاة المأمومين بالإمام انتقل بعد ذلك انتقالاً منطقياً إلى ما يعذر فيه الإنسان لترك صلاة الجماعة أو الجمعة وذكر عدداً كبيراً من الأعذار إذا فهمها الإنسان استطاع بإذن الله أن يعرف حكم غيرها لأنه إذا فهم هذه الأعذار استطاع أن يعرف قاعدة الشارع في وزن الأمور التي أباح الشارع الحكيم فيها للمسلم في أن لا يحضر الجماعة. والتي لا يعذر فيها المسلم. وبدأ بالعذر المتفق عليه الذي لا يختلف فيه المسلمون: • فقال ﵀: ويعذر بترك جمعة وجماعة: مريض. المريض يعذر بترك الجمعة والجماعة لعدة أدلة: - الدليل الأول: أن النبي ﷺ - كما تقدم معنا - لما سقط عن فرسه صلى في بيته وترك الجمعة والجماعة. وهذا دليل على أن الإنسان إذا مرض جاز له ترك الجمعة والجماعة. - الدليل الثاني: الإجماع. فقد أجمع العلماء على أن من كان مريضاً فإنه يجوز له أن يترك الجمعة والجماعة. وقول المؤلف ﵀: (المرض) يشمل: - أن يكون مريضاً بحيث لا يستطيع أن يحضر الصلاة. - ويشمل أن يخشى زيادة المرض. - ويشمل أن يخشى بطء البرء. - ويشمل على الصحيح - إن شاء الله - خشية حدوث المرض يعني: لو كان الإنسان سليماً أو معافى ولكنه يخشى إن خرج أن يصاب بمرض فإنه حينئذ أيضاً يجوز له أن يترك صلاة الجماعة. ومن المعلوم أن مقصود الفقهاء بخشية حدوث المرض أو خشية زيادة المرض أو تأخر الشفاء أن تكون خشيةً حقيقيةً متوقعةً متصورة. أما إن كانت مظنونة لا أصل لها فإنه لا يجوز له أن يترك صلاة الجماعة. والعذر بالمرض لا إشكال فيه. • ثم قال ﵀: ومدافع أحد الأخبثين.

стр. 613

إذا كان الإنسان يدافع الأخبثين ودار الأمر بين أن يدرك الجماعة أو يدفع الأخبثين بأن يقضي الحاجة فإنه يجوز إذا كانت هذه حالته أن يترك صلاة الجماعة ويقضي حاجته ثم يصلي بعد ذلك ولو منفرداً أو أو مع الجماعة الثانية التي أقيمت بعد الإمام الراتب. والدليل على هذا: - ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين). وهذا الدليل نص في مسألة أنه يجوز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة إذا حصل عنده مدافعة للأخبثين وهما: البول والغائط. ومن هنا نعلم أن ما يفعله كثير من الناس إذا حضر للمسجد متأخراً ودار الأمر بين أن يدرك الركعة الأخيرة وبين أن يذهب إلى دورات المياه لقضاء حاجته فإنك تجد بعض الناس يذهب للصلاة وإن كان يدافع أحد الأخبثين وهذا الذهاب خطأ شرعاً وهو مخالف للنصوص. وأما هل تصح صلاته أو لا تصح صلاته؟ فهذا تقدم معنا في مباحث شروط الصلاة وذكرنا التفصيل فيمن صلى وهو يدافع الأخبثين والأقوال في حكم صلاته وأنها ثلاثة طرفان ووسط .. إلخ هذا تقدم معنا. إنما الكلام الآن أنه يعذر بترك الجماعة. وأيضاً مدافعة أحد الأخبثين أمرها واضح وظاهر. • ثم قال ﵀: ومن بحضرة طعام محتاج إليه. اشترط المؤلف ﵀ لجواز ترك الجماعة شرطين: ــ الأول: أن يحضر الطعام. ــ والثاني: أن يكون محتاجاً إليه. والدليل على أنه إذا تحققت هذه الشروط جاز للإنسان أن يتخلف عن صلاة الجماعة: - حديث عائشة المتقدم. - وأيضاً قول النبي ﷺ : (إذا حضر العشاء فابدأوا به قبل صلاة المغرب ولا يعجل أحدكم عن عشائه). فهذا نص في تقديم تناول العشاء على صلاة المغرب وغير صلاة المغرب كصلاة المغرب. وأيضاً دليل على أنه لا بد من حضور الطعام لأنه يقول: إذا حضر العشاء. أما إذا كان يعد ولا ينتفع الإنسان من انتظاره فإنه يجب عليه أن يصلي الجماعة. وفي هذه المسألة بعض المسائل الأخرى - يعني: وفي مسألة العذر بحضور الطعام مسائل أخرى نذكر أهم هذه المسائل:

стр. 614

ــ المسألة الأولى: نص الإمام أحمد على أنه إذا حضر الطعام فإنه يأكل منه حتى يشبع ولا يجب عليه أن يأكل فقط ما يسد به رمقه بل يأكل حتى يشبع. واستدل الحنابلة على هذا بدليلين: - الأول: ما تقدم معنا: وهو قول النبي ﷺ : (ولا يعجل عن عشائه). - والثاني: أن الإنسان إذا أكل ما يسد الرمق وبقيت نفسه متعلقه بالطعام ثم خرج إلى الصلاة فإن هذا من أكبر أسباب قلة الخشوع وذهاب الحضور أثناء أداء الصلاة. والشارع الحكيم إنما أجاز التخلف عن صلاة الجماعة عند حضور الطعام لمقاصد من أهمها: تكميل الخشوع. فلذلك نقول: يأكل حتى ينتهي من الطعام. ــ المسألة الثانية: هذا العذر يكون عذراً شرعاً إذا حصل اتفاقاً أما إن حصل على سبيل الترتيب والدوام فإنه لا يصبح من الأعذار ويأثم من جلس لتناول الطعام وترك صلاة الجماعة إذا كان يرتب لهذا الأمر يومياً أو اعتاد عليه. وإنما يكون عذراً شرعياً إذا حصل اتفاقاً. ــ المسألة الثالثة والأخيرة: إذا حضر الطعام وليس للإنسان به حاجة فإنه يجب أن يقوم للصلاة ولو كان يأكل ما دام أنه لا يشعر في نفسه حاجة وانجذاب إلى هذا الطعام. والدليل على ذلك: - ما صح أن النبي ﷺ جلس يأكل من كتف شاة ثم دعي إلى الصلاة فوضع الطعان وقام إلى الصلاة. فحمل العلماء ﵏ هذا الحديث على أن النبي ﷺ لم يكن به حاجة إلى الطعام. جمعاً بين النصوص لأنه هو ﷺ قال إذا حضر العشاء فابدأوا به قبل الصلاة ثم نراه هنا يقدم الصلاة على الطعام فإذا أردنا أن نجمع بين النصين نقول: لم بالنبي ﷺ حاجة إلى الطعام في هذا الحديث. إذاً هذه بعض المسائل التي تتعلق بمسألة حضور الطعام قبل الصلاة.

стр. 615

بناء على هذه الضوابط والمسائل ما يفعله بعض الناس برمضان من وضع جميع الطعام قبل الصلاة فكل ما لديهم من طعام يضعه قبل الصلاة فحكم هذا إن كان يستطيع يتناول هذا الطعام ويدرك الصلاة فهو جائز وإن كان يترتب على هذا فوات صلاة المغرب يومياً فإنه آثم بترك صلاة المغرب ولو حضر الطعام ولو كان يشتهيه لأنه صار يرتب يومياً لمدة ثلاثين يوماً أنه سيترك صلاة المغرب بل نقول تأكل ما يكفي للنشاط وسد الرمق ثم تصلي مع الجماعة وإنما يكون تناول الطعام عذر إذا وقع اتفاقاً كما ذكرت. • ثم قال ﵀ في العذر الرابع: وخائف: من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه. إذا خاف الإنسان من ضياع المال أو فواته أو أن يتضرر هذا المال أي ماله جاز له حينئذ أن يترك صلاة الجماعة. والدليل على ذلك: - ما رواه ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر قيل ما العذر يا رسول الله قال: الخوف أو المرض. وهذا الحديث تقدم معنا أن الصواب فيه أنه موقوف على ابن عباس. وإذا كان موقزفاً على ابن عباس فهو كذلك عذر لأنه فتوى عن صحابي ليس لها معارض تتوافق مع أصول الشرع. وهناك دليل آخر على أن للإنسان أن يترك صلاة الجماعة إذا خشي على ماله: - وهو أن الشارع الحكيم أجاز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة كما سيأتينا غذا خشي من الطين أو المطر والتضرر بفقد المال أكبر من التضرر بالطين والمرض وهذا بإجماع الناس. فكون الإنسان يتضرر بنوع مطر كما سيأتينا حده أو بتلوث بالطين هذا أسهل من أن يفقد ماله أو أن يفقد شيئاً له قيمة واعتبار من ماله. وإذا كان الشارع عذر بما هو أخف فلا شك أنه سيعذر بما هو أعلى. إذاً: إذا خشي الإنسان على ماله فإن له أن يترك صلاة الجماعة. وذكر العلماء أمثلة لهذا الخوف: - منها: الخباز إذا وضع الخبز في الفرن وخشي أن يحترق لو ذهب. - والطباخ: إذا أقام القدر على النار وخشي أن يحترق إذا ذهب. - والحطاب إذا خشي أن يسرق الحطب. وما شابه هذه الأمثلة. ويمكن أن يقاس عليها بالنسبة لواقعنا المعاصر أشياء حديثة من ذلك مثلاً:

стр. 616

- لو كانوا يشتغلون بالبناء والصبة (ما يسمونه الصبة) وترتب على الذهاب للمسجد فساد للصبة أو تحجر الصبة أو فساد ترتيبها على الأرض. فإنه لا شك أن هذا من ضياع المال الذي أجاز الفقهاء لصاحبه ترك صلاة الجماعة. ولذلك ينبغي على المنكر أن ينكر على من ترك الصلاة جماعة أن يعرف هل هو معذور أولا؟ نعم. الغالب على الناس اليوم التهاون في صلاة الجماعة وتركها لسبب غير وجيه أو لا لسبب أصلاً لكن مع ذلك يجب على الإنسان قبل أن ينكر أن يعرف هل هذا الذي ينكر عليه تجب عليه أصلاً صلاة الجماعة أو هو ممن عذر الله بأحد الأعذار التي سنذكر أو بنظيرها. إذاً: الخلاصة أن الخائف على ماله عموما يعذر. • ثم قال ﵀: أو موت قريبه. يعني: إذا خشي الإنسان أنه إن ذهب لصلاة الجماعة مات قريبه. فإنه يجوز له والحالة هذه أن يبقى عند هذا المريض ولا يذهب لصلاة الجماعة. واستدلوا على هذا الحكم بدليلين: - الأول: أن الصحابي الجليل ابن عمر ﵁ استصرخ سعيد بن زيد وهو خارج المدينة فجائه وترك الجمعة. استصرخ يعني: طلب النجدة من سعيد بن زيد فجائه وترك الجمعة وكان عند ابن عمر رجل مريض أو امرأة مريضة. - الثاني: أن هذا محل إجماع. فقد أجمع العلماء على أن من خشي موت قريبه فإنه يجوز له أن يترك صلاة الجماعة. وهذا أمر بدهي أنه إذا ترتب على ذهاب الإنسان موت المريض القريب له فإنه يجوز له أن يترك الصلاة ويصلي في البيت. قال الفقهاء: وكذلك لو خشي موت رفيقه لا قريبه. يعني: حتى لو لم يكن القريب وإنما الصديق والرفيق الذي يجلس بجواره فالحكم كذلك. قال الفقهاء: كذلك التمريض ولو لم يخش من الموت وإنما خشي من الضرر إن ذهب وترك المريض وكان هو الذي يمرض هذا المريض فإنه يجوز له أن يترك صلاة الجماعة وأن يجلس عند هذا المريض. وبالنسبة للتمريض يجوز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة ليمرض قريبه بشرط أن لا يجد وسيلة لتفادي هذا الأمر. فإذا أمكن - مثلاً - أن يجلس عند هذا المريض أحد أهل الدار أو أحد من خارج الدار ليذهب هذا الإنسان ليصلي الجماعة ويرجع فإنه يجب عليه أن يؤمن من يقوم مقامه أثناء أداء صلاة الجماعة.

стр. 617

أما إذا لم يوجد إلا هذا الشخص وهذا يكثر قديماً أن لا يوجد من يمرض الإنسان إلا قريبه أو ابنه أو أخوه فإنه يجوز له أن يجلس عند هذا المريض. ومن غير المقبول ما يفعله بعض الناس يجلس يمرض المريض ويخرج للدوام ثم يرجع وباقي الصلوات يكون يمرض فالذي مكنك من الخروج لأداء الدوام الرسمي الصباحي يمكنك أيضاً من وجود من يقوم مقامك في الصلوات الخمس ما عدا الظهر يعني لو قلنا الأربع ما عدا الظهر لأنه سيكون في الدوام فأيضاً يمكنه أن يوجد من يقوم مقامه ليذهب يصلي هو مع الجماعة. لكن على كل حال الضابط أنه إذا لم يستطع أن يوجد أحداً يقوم مقامه ليذهب هو للصلاة ممن لا تجب عليهم الصلوات فإنه يجوز له أن يجلس عند هذا المريض وهو معذور ولا إثم عليه وصلاته إن شاء الله في البيت صحيحة. • ثم قال ﵀: أو على نفسه من ضرر. يعني خشي على إن خرج أن يتضرر. كأن يتربص به أحد ليؤذيه. أو أن يوجد في الطرقات حيوانات مفترسة كما قد يوجد في بعض الذئاب أو الأسود قديماً في بعض القرى النائية. المهم: هذه أمثلة إذا ترتب على خروج الإنسان ضرر فإنه يجوز أن يجلس في بيته ويصلي ولا يخرج لصلاة الجماعة. ومن أشهر أمثلة الضرر: أن يكون في البلد حرب. فإذا كان في البلد حرب لا سيما إذا كانت داخلية أي في داخل المدينة فإنه لا شك أن خروج الإنسان لا سيما في الليل يترتب عليه ضرر فقد يقتل أو يجرح أو يؤسر ... إلخ. فإذا كان الوضع كذلك فإنه يجوز له أن يبقى في البيت ويصلي ولا حرج عليه. والدليل على هذا: - جميع ما تقدم. كقول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) يشمل العذر في صلاة الجماعة وكون الشارع الحكيم يعذر بالمطر والبرد فهذا الضرر من باب أولى. فقياس أولوي بالنسبة إذا خشي على نفسه الضرر. وكما قلت فيما سبق أقول الآن: مقصود الفقهاء بالضرر الضرر الذي يقدره المكلف ويستحق البقاء في البيت أما الضرر اليسير فإنه لا يوجب الجلوس في البيت.

стр. 618

فمثلاً: لو كان إذا خرج إلى الصلاة قد يؤذيه بعض الصبيان فإن الصبيا أحياناً يؤذون المارة إلى المساجد. هذا ضرر لكنه ضرر لا يستوجب ترك صلاة الجماعة إنما الضرر الذي يستوجب ترك صلاة الجماعة هو المؤذي الملحق بالأذى الظاهر في البدن أو في المال فهذا هو الذي يعذر الإنسان إذا ترك صلاة الجماعة من أجله. • ثم قال ﵀: أو سلطان. يعني: إذا خشي إذا خرج لصلاة الجماعة أن يؤذيه السلطان إما بحبس أو بضرب أو بأخذ للمال وهذه أشهر ثلاث أمثلة. إما بالضرب أو بالحبس أو بأخذ المال فإنه يجوز له أن يبقى في بيته تفادياً لهذا الضرر. لكن اشترط الفقهاء في هذا العذر شرط وهو: أن يكون إيذاء السلطان بظلم فإن كان بحق حرم عليه أن يترك صلاة الجماعة. فمثلاً: لو كان هذا الإنسان يسرق أموال الناس وإن خرج مسكه السلطان فإنه يجب عليه وجوباً أن يخرج وأن يصلي ولو ترتب على ذلك أن يقع في أيدي السلطات لأن مسكه حينئذ بحق وهو الذي اعتدى على أموال أو أعراض الناس. المهم أنه يشترط لهذا العذر أن يكون إيذاء السلطان بظلم فإن كان بظلم جاز له أن يبقى في بيته. • ثم قال ﵀: أو ملازمة غريم ولا شيء معه. يعني: إذا خشي أنه إذا خرج لصلاة الجماعة لزمه الغريم يعني الدائن. لزمه وصار يتنقل معه حيث تنقل ويطالبه بالدين. إذا خشي من هذا الأمر فإنه يجوز له أن يصلي في البيت. لكن بشرط: أن لا يكون مع هذا المدين شيء يؤدي به الدين. وبعبارة أخرى: أن يكون معسراً أو مفلساً. فإذا كان معسراً أو مفلساً ولا شيء معه جاز له أن يبقى في البيت ويترك صلاة الجماعة. - لأنه إذا خرج ولزمه هذا الدائن صار في هذه الملازمة ضرراً ظاهراً وإحراجاً بين الناس وقد تؤدي هذه الملازمة إلى الحبس لأنه قد يلزمه بالذهاب إلى القاضي أو إلى الشرطة ويترتب على ذلك الحبس. إذاً: إذا لم يكن مع المدين شيء بأن كان مفلساً معسراً جاز له أن يصلي في البيت. الدليل على هذا: - أن ملازمة الفقير المعسر حرام لا تجوز حتى من قبل الدائن. لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة/٢٨٠] فأوجب الله أن يُنْظَر وأن يمهل.

стр. 619

إذاً ملازمة الفقير أصلاً محرمة. كذلك حبس الفقير محرم. فإذا كان خروجه سيترتب عليه وقوع المحرم جاز له دفعاً للضرر أن يبقى في بيته ويصلي الفرائض فيه. إذاً: الدليل أن ملازمة وحبس الفقير محرم. وإذا ترتب على خروجه هذا المحرم جاز له أن يصلي في بيته. • ثم قال ﵀: أو من فوات رفقته. أي: أنه لو خشي إذا صلى الجماعة أن تفوته الرفقة. يعني: أن يسافروا ويتركوه. هذا معنى فوات الرفقة. فهو خاص بالسفر. فإنه حينئذ يجوز له أن يصلي في غير الجماعة. واشترطوا لهذا شرطاً: وهو أن يكون السفر مباحاً فإن كان محرماً حرم عليه أن يترك صلاة الجماعة. والدليل على هذا: - أن في ذهاب الرفقة وتركه ضرراً ظاهراً لا سيما في القديم فإنه في القديم يكون السفر جماعياً ولا يكون السفر أفراداً وإنما يكون جماعياً لرد الضرر الحاصل في الطريق إما من اعتداء اللصوص أو السباع أو من العطش أو من الجوع فإذا كانوا جماعة أمكن أن يتعاونوا في دفع هذا الضرر فإذا تخلف عنهم وقع عليه الضرر وهو احتمال كبير أي وقوع الضرر عليه. وفي عصرنا اليوم كذلك ك يعني لو كان هناك رفقة يستعدون للسفر في سيارة واحدة وترتب على بقائه وصلاته مع الجماعة أن يذهبوا ويتركوه فإن في هذا ضرر لا شك لأنه قد لا يستطيع السفر بمفردة أو قد يتضرر ثم مع ذلك إذا صلى مع الجماعة وهو يعلم أن له رفقة ينتظرونه وربما ذهبوا وتركوه صلى وهو مشوش الذهن بعيد كل البعد عن الخشوع وحضور القلب. فهذا إن شاء الله من الأعذار. ونحن نتكلم الآن عن أن هذا الشخص الذي أراد أن يصلي مع الجماعة وله رفقة ينتظرونه وسيذهبون إن صلى فهو معذور ولا نتكلم عن الرفقة - لسنا نتكلم عن الرفقة لأن هؤلاء المجموعة عملهم محرم لأنه يجب عليهم أن يصلوا صلاة الجماعة إذا سمعوا النداء ولو كانوا على وشك السفر. فكل إنسان سمع النداء يجب أن يؤدي هذه الصلاة التي نودي لها في جماعة سواء كان في هذا المسجد أو في غيره. المهم ما دام سمع النداء فيجب أن يصلي مع جماعة المسلمين في أي مسجد.

стр. 620

لكن: وإن كان عمل هؤلاء المجموعة محرم وهو أنهم سيذهبون ويتركون صلاة الجماعة ويصلون فرادى أو في مسجد خارج البلد بلا جماعة لكن باتلنسبة لهذا الشخص الذي سيذهبون ويتركونه هو معذور بهذا العمل وله أن يسافر معهم. • ثم قال ﵀: أو غلبة نعاس. يعني: إذا غلب الإنسان النعاس وسيطر على ذهنه النوم فإنه يجوز له أن يترك صلاة الجماعة. وذكر الفقهاء ﵏ شرط لهذا وهو: أن يخشى فوات الصلاة والجماعة. يعني: يخشى لو انتظر ليصلي مع الجماعة أن ينام بسبب النعاس ثم يؤدي هذا إلى ترك الصلاة والجماعة. أي: إخراج الصلاة عن وقتها وبطبيعة الحال فوات صلاة الجماعة. إذا خشي من هذا جاز له ترك صلاة الجماعة. ظاهر عبارة الحنابلة: أنه في هذه الصورة يعذر. أما إذا صار معه نعاس شديد لا يخشى معه فوات الجماعة ولكن يشق عليه أن يصلي مع الجماعة - يشق عليه مشقة ظاهرة أن ينتظر ويصلي مع الجماعة أنه في هذه الصورة يجب أن يصلي مع الجماعة. هذا ظاهر عبارة الحنابلة لأنهم خصوه بمن خشي فوات الصلاة والجماعة فقط. هذا الشخض الذي إن انتظر ربما فاتته الصلاة والجماعة لأنه سينام مع غلبة النعاس هذا فقط الذي يعذر بترك صلاة الجماعة. هذا ظاهر عبارتهم. والصواب: أن عذر غلبة النعاس يشمل الصورتين: - أن يخشى فوات الصلاة والجماعة. وهو مراد الحنابلة. - وأن يشق عليه مشقة ظاهرة زائدة أن ينتظر صلاة الجماعة. لأنه إن انتظر ولو ضمن إدراك الجماعة فإنه سيصلي مع غلبة النعاس والتعب والبعد كل البعد عن الخشوع واستحضار مقاصد الصلاة ومعاني الأذكار أثناء أداء الصلاة وهذا كله بعيد عن إرادة الشارع أي أن الشارع الحكيم من مقاصده أن يؤدي المكلف الصلاة كاملة بحضور وخشوع واستحضار لمعاني الأذكار التي تكون في السجود والركوع والقيام. فإن شاء الله هذا العذر يشمل الصورتين. ونقول كذلك: على أن يحصل هذا اتفاقاً. أما أن يرتب الإنسان وقته على أن يكون صلاة العصر دائما متعباً يغلب عليه النعاس لا يدري ما يقول إن صلى هذا لا يجوز يجب أن يرتب أموره بحيث يستطيع أن يؤدي الصلاة على الوجه الأكمل. • ثم قال ﵀: أو أذى بمطر ووحل. يعني: أو حصل له أذى بمطر أو وحل.

стр. 621

إذا تأذى الإنسان بالمطر أو بالوحل جاز له أن يترك صلاة الجماعة. - لحديث ابن عمر في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في الليلة الباردة أو المطيرة: صلوا في رحالكم. أو: كلمة أو هذا لفظ البخاري. وأما في الليلة الباردة والمطيرة هذا لفظ خارج البخاري. المهم أنه في صحيح البخاري: في الليلة الباردة أو المطيرة. واستدلوا أيضاً: - بحديث ابن عباس ﵁ أنه أمر المؤذن أن يقول صلوا في رحالكم في ليلة موحلة ممطرة فلما سئل قال خشيت أن تخرجوا فتتأذوا من الطين والوحل. وهذا حديث صحيح أيضاًَ ثابت. واستدلوا أيضاً: - بأن النبي ﷺ في عام الفتح أمطرت على أصحابه ﷺ مطراً لم يبل أسفل نعالهم فقال لهم صلوا في رحالكم وهذا أيضاً إسناده حسن إن شاء الله. فدلت هذه الأحاديث على أن نزول المطر أو وجود الطين في الأرض سبب من أسباب العذر في الخروج لصلاة الجماعة. وضبط الفقهاء الوحل أو الطين: بما يتأذى به الإنسان في بدنه أو ثوبه. أما إن كان طين يسير لا يضر وبإمكان الإنسان أن يتفاداه فإن هذا لايعتبر من الأعذار التي توجب ترك الجماعة. وضبطوا المطر كما سيأتينا أيضاً: بما يبل الثياب. فإذا نزل مطر يبل الثياب فإنه يجوز ترك صلاة الجماعة. بناء على هذا: إذا نزل مطر يبل الثياب لكن لا يؤذي أذية ظاهره فأحيناً ينزل مطر يبل الثياب لكن لا يؤذي أذية ظاهرة. فعند الفقهاء يجوز والحالة هذه أن يترك صلاة الجماعة. ومن العلماء من قال: بل يجب مع كونه يبل الثياب أن يؤذي بحيث إذا خرج الإنسان تضرر وتأذى. ويظهر لي: والله أعلم: أن مذهب الحنابلة: أنه يشترط أن يبل الثياب فقط صحيح لأنه يظهر من النصوص أن الشارع الحكيم يعذر بجنس المطر ولا أقصد بأي مطر لكن أقصد أنه يعذر بجنس المطر الذي يبل الثياب. بدليل هذا الحديث الذي تقدم معنا في قصة الفتح وهو أنهم مطروا مطراً لا يبل أسفل النعال وأنتم تعلمون أن الطرق في القديم كانت كلها من تراب وأن المطر إذا نزل مباشرة تصبح الأرض قريبة من الطين إذا كان المطر يسيراً. يعني: لا بد أن تتأثر الأرض ولو بالمطر اليسير.

стр. 622

وإذا تأثرت الأرض ولو بالمطر اليسير فلا بد أن تتأثر النعال. وهذا المطر الذي نزل عليهم ﵃ هم يقولون أنه لم يبل أسفل النعال فيظهر والله أعلم مع جمع القرائن وما كانت عليه أراضيهم أنه كان مطراً قليلاً. فمن مجموع هذه الأمور يظهر والله أعلم أن الشارع يعذر بالمطر ما دام أنه يبل الثياب ويحصل به أذى ولو لم يكن أذىً كبيراً. أما إذا نزل مطر لا يبل الثياب ولا يؤذي وإنما يشجع على الخروج من البيت فإنه إن ترك صلاة الجماعة في هذه الصورة فقد ارتكب محرماً. صلاته صحيحة لكنه آثم بتركه الصلاة بما لا يسوغ شرعاً ترك الصلاة. • ثم قال ﵀: وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة. العذر الأخير: الريح. لكن يشترط في الريح هذه الشروط الثلاثة: - أن تكون باردة. - وأن تكون شديدة. - وأن تكون في ليلة مظلمة. إذاً لابد من ثلاثة شروط. باردة وشديدة وفي ليلة مظلمة. فإن كانت الريح ساخنة دافئة: فإنها ليست عذراً في ترك صلاة الجماعة. وإن كانت ريحاً باردة لكنها تهب بهدوء وليست شديدة: فكذلك ليست بعذر. وإن كانت ريحاً باردة شديدة في النهار فليست بعذر. إذاً: لابد من تحقق هذه الشروط الثلاثة. نبدأ بالشرط الأول: أن تكون الريح باردة. هذا لا شك أنه شرط صحيح. أما الريح الساخنة فإنها لا تؤذي فبإمكان الإنسان أن يخرج ولا يتأذى بها. إذاً عذا الشرط الأول: بادرة. وهو صحيح ولذلك يقول ابن عمر ﵁: في الليلة الباردة أو المطيرة. الشرط الثاني: أن تكون هذه الرياح شديدة. وقوله: (شديدة) على خلاف مذهب الحنابلة يعني أن المؤلف ﵀ خالف المذهب في هذه المسألة وهي اشتراط أن تكون شديدة. = فالمذهب: لا يشترطون أن تكون شديدة بل يكفي أن تكون باردة. والمذهب الذي هو خلاف ما ذكره المؤلف ﵀ هو الصواب إذا لا لا يشترط في الريح أن تكون شديدة لأنه لم يشترط في الحديث أن تكون شديدة أو أن تكون قوية. هذا شيء.

стр. 623

الشيء الآخر: أن الريح الباردة ولو هبت بهدوء فإنها مؤذية ولو لم تكن شديدة. نعم الشديدة أكثر أذىً ويتضرر بها الإنسان تضرراً شديداً لكن كذلك الريح الباردة ولو هبت بهدوؤ فإنها تسبب ضرراً واضحاً وتأذياً للإنسان. فإذا: لا يشترط أن تكون شديدة وإنما فقط أن تكون باردة. نأتي إلى الشرط الثالث وهو: في ليلة مظلمة. يشترط أن تكون ليلة ويشترط في هذه الليلة أن تكون مظلمة. استدلوا على هذا الشرط: - بقول ابن عمر ﵁: في الليلة الباردة. فنص على أن الريح تكون عذراً في الليل فقط. واستدلوا على ذلك أيضاً: - بأن الريح إذا كانت في النهار فإنها لا تؤذي كما إذا كانت في الليل. = والقول الثاني: أنه لا يشترط أن تكون في الليل بل يجوز أن يترك صلاة الجماعة ولو كانت في النهار. - لأن الريح الباردة ولو هبت في النهار فإنها مؤذية وتضر بدن الإنسان والشارع الحكيم يقول: (لاضرر ولا ضرار). وقد عذر بالطين وعذر بالمطر اليسير فما بالك بالريح الباردة ولو كانت في النهار. فالأقرب إن شاء الله أن الليل لا يشترط وأنه لو هبت في النهار فإنه عذر لترك صلاة الجماعة. مسألة / لم يذكر المؤلف ﵀ البرد. يعني: لو أنه أصبح الجو بارداً من غير ريح فما الحكم؟ الأقرب والله أعلم أنه إذا كان الجو بارداً فإنه يجوز للإنسان أن يتخلف عن صلاة الجماعة بشرط أن تكون هذه البرودة خارجة عن البرودة المعتادة وإلا فإنه من المعلوم أن الشتاء كله يكون الجو فيه بارد. فهل يقول قائل بأنه من حين أن يدخل الشتاء إلى أن يخرج يجوز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة؟ هذا لا يقول به قائل. لكن نحن نقول إذا كان البرد خارج عن العادة. وهذا يقع وربما تذكر أنه في شتاءنا هذا يمر اليوم أو اليومان يكون البرد فيهما خارج عن العادة ومؤذي وهو أشد إيذاء من الطين بلا إشكال. ثم ابن عمر ﵁ يقول: كان النبي ﷺ في الليلة الباردة. هل ذكر الريح؟ لا لم يذكر الريح. إنما قال: في الليلة الباردة. إذاً وجود البرد بحد ذاته الذي يعتبر غير معتاد هو في الحقيقة عذر.

стр. 624

لكن العلماء ﵏ لم يذكروا البرد. لماذا؟ لأنه في الغالب الأعم أنه لا يوجد برد شديد إلا مع ريح فيندر تماماً أن تجد الجو بارد جداً ومؤذي وخارج عن العادة بدون ريح لأن الريح التي تهب مثلاً عندنا في نجد من جهة الشمال هي التي أصلاً تسبب البرودة. ولذلك لم يذكروها ففي الحقيقة الخلاف قد يكون لا طائل تحته لكن أحياناً يوجد برد بلا ريح فإذا وجد هذا البرد الشديد بلا لاريح جاز للإنسان أن يتخلف عن صلاة الجماعة. وبهذا العذر أنهى المؤلف ﵀ الكلام عن الأعذار التي إذا وقعت جاز للمكلف أن يترك صلاة الجماعة. باب صلاة أهل الأعذار • ثم قال ﵀: باب صلاة أهل الأعذار. يعني: باب يبين فيه كيف يصلي المعذور. والمعذور هو: المريض. • يقول ﵀: تلزم المريض: الصلاة قائماً. إذا أطاق المريض أن يصلي قائماً وجب عليه أن يصلي قائماً بالإجماع. بلا خلاف. - أولاً: لأن القيام ركن وهو يستطيع أن يؤديه. - ثانياً: لحديث عمران بن حصين وهو في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب). فبدأ ﷺ بالصلاة قائماً مع أن عمران ﵁ سأله عن صلاة المريض. في الحديث عمران ﵁ قال: أخبرني يارسوال الله عن الصلاة هو لم يقل في الحديث أخبرني عن صلاة المريض وإنما قال أخبرني عن الصلاة لكن الشراح فيما أعلم كلهم قالوا معنى أخبرني عن الصلاة يعني عن صلاة المريض. لأمرين: - الأول: أن عمران كان مريضاً. كان فيه بواسير حين سأل ﵁. - الثاني: أن الجواب: لا يمكن أن يكون جواباً عن الصلاة عموماً وإنما هو جواب يتعلق بالمريض لأنه هو الذي لا يستطيع أن يصلي قائماً. ولهذا حمل الفقهاء ﵏ قوله: أخبرني عن الصلاة يعني عن صلاة المريض. • ثم قال ﵀: فإن لم يستطع فقاعداً. إذا لم يستطع فيصلي قاعداً بالإجماع. - لأنه لم يستطع أن يصلي. والنبي ﷺ يقول: (فإن لم تستطع فقاعداً). والصواب: قاعداً. تنقسم إلى قسمين:

стр. 625

ــ القسم الأول: أن لا يطيق أن يصلي قاعداً. فلو قام لسقط. فهذا يصلي قاعداً بإجماع الفقهاء ﵏ بلا خلاف. - لقوله ﷺ : (فإن لم تستطع فصلي قاعداً). ــ القسم الثاني: أن يطيق ولكن مع مشقة ظاهرة. فهذا يصلي قاعداً أيضاً. لدليلين: - ولا يمكن أن نستدل هنا بحديث عمران لأن حديث عمران يقول: فإن لم تستطع وضابط الاستطاعة هو محل الخلاف الآن. (إذاً: مرة أخرى: القسم الثاني: أذا كان يستطيع لكن مع مشقة ظاهرة. فإنه يصلي أيضاً قاعداً). والدليل على ذلك: - أن النبي ﷺ لما سقط عن الفرس وجحش جنبه أو شقه الأيمن: يعني انقشع عنه جلده: صلى جالساً. والظاهر من حال النبي ﷺ أنه كان يستطيع أن يصلي قائماً ولكن مع مشقة ومع ذلك صلى الفروض والنوافل جالساً ﷺ . هذا دليل. - الدليل الثاني: أنه إن صلى قائماً مع المشقة ذهب عنه الخشوع. - الدليل الثالث: جميع النصوص التي ترفع الحرج في الشرع. لكن مع ذلك نحتاج إلى ضابط: = فمن الذين ضبطوها إمام الحرمين من الشافعية فضبط عدم القدرة بأنه إن قام ذهب عنه الخشوع. لأنه ينشغل بهذا المرض. فإذا حصل هذا الضابط جاز له الجلوس. = والقول الثاني: أنه لا يصلي قاعداً إلا إذا لم يتمكن من القيام لدنياه. وهذه رواية عن الإمام أحمد. معنى هذا: أنه من غير المقبول ما يفعله بعض الناس: يصنع كل شيء يذهب للدوام ويقوم ويجلس وإذا جاءت الصلاة قال: ما أسطتيع أن أصلي قائماً. كيف تستطيع تقوم لدنياك؟ وتذهب وتأتي وتفعل كل هذه الأعمال ثم إذا جائت الصلاة بالذات صرت لا تستطيع. إذاً هذا معنى قول الإمام أحمد: إذا كان لا يستطيع أن يقوم لدنياه جاز له أن يصلي جالساً.

стр. 626

ومع وجاهة هذا القول إلا أن القول الأول: أضبط وأنا نقول له أنت مُدَيَّن وهذا أمر يرجع بينك وبين الرب فإن كنت إذا صليت قائماً ذهب عنك الخشوع وانشغلت بهذا المرض ولم تعد تستحضر الصلاة على الوجه الذي ينبغي جاز لك حينئذ أن تجلس ولا يشترط أن يكون الإنسان إن قام سقط فهذا غير مراد على هذا القول وإنما يجوز له أن يصلي جالساً في هذه الحالة أيضاً وهي ذهاب الخشوع. إذاً القول الأول هو الصواب إن شاء الله. • ثم قال ﵀: فإن عجز فعلى جنبه. يعني إن عجز عن الصلاة قاعداً فإنه يصلي على جنبه. - لحديث عمران (فعلى جنب). ويكون وجهه حينئذ إلى القبلة. وليس رأسه إلى القبلة: إذا صلى على جنب فيكون وجهه إلى القبلة كما يصنع بالميت في القبر لا كما يفهم بعض الناس أنه يضع رأسه إلى القبلة وإنما يضع وجهه. = فمن الفقهاء من قال: يصلي على جنبه الأيمن. = ومنهم من قال: يصلي على أي الجنبين شاء. (((الأذان))). بعد الأذان قال الشارح - حفظه الله -: فقط نكمل هذه المسألة: إذاً إما أن يصلي عن يمينه على قول أو هو مخير بين الجوانب على قول. والصواب أن المريض يصلي حسب ما يتيسر له. فإن تساوت الأمور من حيث المرض فالأفضل أن يصلي على يمينه. - لأن النبي ﷺ يحب التيامن في شأنه. ولا شك أن هذا من أعظم الشؤون وهو الصلاة. أو على أي جنب يصلي. والله أعلم. انتهى الدرس،،،

стр. 627

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله. غير موجود ...

стр. 628

فصل [أحكام قصر الصلاة] قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد. ذكرت في الدرس السابق أن مسألة تحديد المسافة التي إذا قطعها المسافر جاز له أن يقصر وأن يترخص بأحكام السفر أنها مسألة فيها إشكال وتداخلت أقوال الفقهاء فيها وذكرت: = القول الأول وهو مذهب الجمهور. والقول الثاني: وهو مذهب الظاهرية وليس معهم ابن حزم ورجحت أنه ثلاثة (فراسخ) احتياطاً وأن الثلاثة فراسخ تساوي بالكيلو المعاصر ستة عشر كيلو. = القول الثالث: وهو مذهب الأحناف الذي اشتهروا به وهو أن المسافة مسيرة ثلاثة أيام. وهي تساوي بالكيلو = مائة وثلاثة وثلاثون تقريباً = ١٣٣ك. وهذا التحديد هو أطول تحديد عند الفقهاء. واستدلوا على هذا: - بقول النبي ﷺ : (لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ حكم على المرأة التي تقطع مسيرة ثلاثة أيام أنها مسافرة لقوله: (تسافر). والجواب على هذا الاستدلال: أن هذا الحديث في الصحيحين وفي رواية في الصحيح: (تسافر مسيرة يومين) وفي رواية في الصحيح أيضاً: (تسافر مسيرة يوم) وفي رواية خارج الصحيحين وهي في السنن: (تسافر مسيرة أو سير بريد). فلما خرت ألفاظ الحديث مختلفة دَلَّ ذلك على أن النبي ﷺ لا يقصد التحديد أي: لا يقصد أن ما دون الثلاثة أيام أنه لا يسمى سفراً. = القول الرابع: أن المرجع في ذلك إلى العرف لأن الله أطلق السفر في كتابه والنبي ﷺ أطلق السفر في سنته ولم يأت عنهما تحديد للمسافة وتحديد ما أطلقه الشارع لا يجوز. ثم المسافات وتحديدها ومقدارها ليس معروفاً للناس وإنما يعرفه أهل الاختصاص فقط لا سيما في القديم. وهذا القول اختيار شيخ الاسلام وابن القيم ونسب عند بعض المعاصرين خطأ لابن حزم - فالصواب أن هذا ليس قولاً لابن حزم.

стр. 629

عرفنا هذا القول وفي ضمنه دليله وهو أن التحديد ليس موجوداً في الكتاب والسنة والقاعدة التي اتفق عليها الفقهاء أن كل لفظ جاء في الشرع ليس له حد لافي اللغة ولا في الشرع فإنه يرجع في تحديده إلى العرف. فالسفر جاء مطلقاً في الشرع ولم يحدد فنرجع في تحديده إلى العرف. = القول الخامس: أنه ميل فقط وهذا هو مذهب ابن حزم والميل يساوي كيلوين فقط. واستدل ابن حزم بأن الشارع الحكيم ربط أحكام السفر على السفر وأقل ما جاء في الشرع أنه ميل فإنه صح عن ابن عمر ﵁ وهو من أهل اللغة - يقول ابن حزم - الذين يرجع إلى أقوالهم أنه سمى الخروج ميل سفراً فهذا أقل ما جاءنا فنتمسك به. = القول السادس: أن المسافة بريد وهذا اختيار شيخ الاسلام لو قلنا بالتحديد بالمسافة فيقول أننا لو أردنا التحديد بالمسافة لحددنا ببريد. وهو يساوي تقريباً اثنين وعشرين كيلو. الدليل: قال: الشارع سمى قطع مسافة بريد قطعاً في حديثين: - الحديث الأول: وهو الأصح. ما ثبت في الصحيحين وفي غيرهما أن النبي ﷺ قصر في عرفة وقصره ﷺ في عرفة قصر سفر هو ومن معه من أهل مكة والفاكهي يقول - في أخبار مكة - بين مكة وعرفة بريد. - الحديث الثاني: الذي سمى فيه الشارع قطع مسافة بريد سفراً ما تقدم معنا الآن: (لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسافة بريد) فسمى مسافة البريد سفراً. ولا شك بعد أن سمعتم هذه الأقوال منسوبة لكبار أهل العلم أنكم عرفتم أن في المسألة إشكال ويظهر الإشكال جلياً من التفاوت الكبير بين مائة وثلاثة وثلاثين كيلو إلى اثنين كيلو مروراً بثمانين واثنين وسبعين وثمان وثمانين واثنين وعشرين ... إلى آخره ... الراجح: الحقيقة كما قلت أن المسألة مشكلة. - أما اختيار شيخ الاسلام وابن القيم فهو قول لا يكاد ينضبط ويشكل جداً في التطبيق لا سيما مع سهولة المواصلات في عصرنا هذا مما يختلط معه تماماً ما يسمى سفراً وما يسمى خروجاً بلا سفر. - ثانياً: أقوى الأقوال فيما يظهر لي من جهة الأدلة القول الأخير وهو البريد لأن الإنسان يطمأن إلى أن الشارع بنفسه سمى قطع هذه المسافة سفراً. وقلت لكم هذا اختيار شيخ الاسلام إذا قلنا بالتحديد بالمسافة. لكن كونه يقال إذا خرج الإنسان وقطع مسافة اثنين وعشرين كيلو يصبح مسافراً أيضاً أقل ما نقول أنه قد يتردد الإنسان بالجزم به مع أنه لا شك أن أهل مكة لما خرجوا إلى عرفة قصروا لأنهم قطعوا مسافة بريد. فمن الجهة العلمية هو قوي جداً وهو أقوى مما رجحه ابن حزم بقوله: ميل فإن اختيار الميل ضعيف جداً وسيأتينا الآن.

стр. 630

واعتقد أن الذي يسع الإنسان ولو على سبيل التقليد ولا بأس بالتقليد إذا تاربت الأدلة - هو مذهب الجمهور فنقول من قطع ثمانين أو ثمان وثمانين كيلو أنه يتعبر مسافراً وتنضبط القضية ولا يشكل على الناس أي قضية بعد أن حددت لهم الأمر بالمسافة. ومن المفيد أن تستحضر أثناء دراسة مسألة تحديد السفر بالمسافات أن الصحابة كلهم حددوا بالمسافة وإن اختلفوا في مقدارها. فأنس ﵁ تقدم معنا أنه حددها بثلاثة فراسخ وابن عمر ﵁ مشهور عنه التحديد بأكثر من حد وابن عباس ﵁ فكلهم حددوا بالمسافة ولم يرو عن أحد منهم التحديد بغير المسافة. وشيخ الاسلام يقول: أن تحديد الصحابة بالمسافة مع اختلافهم واختلاف الرجل الواحد منهم دليل على أنهم كانوا يفتون كل شخص بحسب حاله أي أنهم يرجعون إلى العرف. ونحن نقول: أن هذا التخريج لفتاوى الصحابة قد يكون مقبولاً لكن مع ذلك نحن نعلم قطعاً أنهم اتفقوا على التحديد بالمسافة ربما رجوعاً إلى العرف وربما لأمر آخر لكن في الخلاصة والنتيجة نهم حددوا بالمسافة وعليه نحن نقلد الصحابة ﵃ ونحدد بالمسافة. ويبقى أي المسافات نختار فكما قلت لكم الاحتياط والأضمن مذهب الجمهور - الشافعية والمالكية والحنابلة - والأقوى دليلاً أن يكون الإنسان إذا قطع اثنين وعشرين كيلو أنه يعتبر مسافراً. هذا ثانياً. - وثالثاً: شيخ الاسلام ﵀ لا يريد أبداً بقوله العرف قصر المسافة. يعني: أنه لا يريد أن من قطع - مثلاً - تسعين كيلو قد لا يكون مسافراً أو من قطع سبعين كيلو قد لا يكون مسافراً بل يريد ﵀ أقل من ذلك لا كما فهمه بعض الناس أن قول شيخ الاسلام يقلل المسافة التي حددها الجمهور الدليل على لذلك أن شيخ الاسلام ﵀ نفسه في الفتاوى يقول: عبارة معناها: والمرجع في السفر إلى ما تعارف عليه الناس أنه سفراً كخروج أهل مكة إلى عرفة. وأخذنا أن بين مكة وعرفة مسافة بريد فهو ﵀ يريد أن يقصر المسافة التي حددها الجمهور هو يقول: أنتم تقولون أن الإنسان لا يسمى مسافراً حتى يقطع مسيرة أربعة برد وهو يقول بل يكفي أن يقطع بريداً واحداً ليكون مسافراً.

стр. 631

فمن الخطأ التضييق على الناس بناء على قول شيخ الاسلام لأنه لا يريد هو التضييق هو يريد أن العلماء - الآخرون - ضيقوا وحددوا مسافة طويلة لا يعتبر الإنسان مسافراً إلى إذا قطع هذه المسافة. هذا ثالثاً: كل هذا في الترجيح حتى يتصور الإنسان معالم المسألة. - رابعاً: قول ابن حزم ضعيف والسبب في ضعفه أن النبي ﷺ كان يخرج إلى قباء كل سبت كما في الصحيح وقباء على مسافة ميل من المدينة. أضف إلى هذا أن من كان حول المدينة ممن يبعد عنها ميل كأهل قباء وغيرهم كانوا أيضاً يدخلون إلى المدينة ولم يكن النبي ﷺ يقصر إذا ذهب إلى قباء ولا الذين خارج المدينة على بعد ميل يقصرون إذا دخلوا المدينة. فتبين أن هذا الحد ليس بصحيح. المسألة الأخيرة: هل من خرج إلى النزهة يعتبر مسافراً؟ الجواب: عن الإمام أحمد روايتان: - الأولى: أنه يعتبر مسافراً. لأنه خرج عن بلدته وقطع مسافة فلا يخرج عن مسمى السفر. - الثانية: أن من خرج في نزهة فإنه لا يسمى مسافراً لأنه لم يخرج لما فيه غرض ومصلحة مفيدة. والأقرب: الرواية الأولى إذ لا دليل على اشتراط أن يكون الخارج خرج لغرض صحيح ثم أرأيت لو خرج يتنزه لمسافة ألف كيلو فهل يعتبر مسافراً؟ الجواب: مسافر بالإجماع فلا أحد يعتبر أن من قطع ألف كيلو أنه ليس بمسافر مع أنه خرج يتنزه وطول وقصر المسافة لا يؤثر في الأحكام. بعد هذه الجولة في هذه المسألة المهمة التي تمس حاجة الناس جداً إليها وإلى معرفة ضوابطها نخلص إلى أن قول الجمهور يعتبر من أحوط وأحسن الأقوال وأسهلها تطبيقاً وأن الإنسان إذا قطع هذه المسافة وخرج فإنه يعتبر مسافراً وأن القول بأنه إذا قطع اثنين وعشرين كيلو خارجاً عن البلد أنه يعتبر مسافراً قول قوي جداً ويسنده نصان صحيحان في تسمية من قطع هذه المسافة مسافراً في الشرع ويترخص ويأخذ أحكام السفر ولكن أرجع وأقول بأن قول الجمهور أحوط وأولى ومن المسائل المهعمة ما ذكرت لكم أن قول شيخ الاسلام بالتحديد بالعرف لا يقصد منه التضييق في مسألة السفر وإنما يقصد منه التوسيع وأن من خرج أصبح مسافراً وإن لم يقطع هذه المسافة التي حددها الجمهور.

стр. 632

أما مذهب الحنفية فهو من أضعف الأقوال لأنه اعتمد على نص لا يقصد منه أبداً تحديد من يعتبر مسافراً ومن لا يعتبر مسافراً في الشرع. ثم إنه فيه مشقة إذ لا يعتبر الإنسان مسافراً إلا إذا قطع مسيرة ثلاثة أيام وهذه مسافة طويلة يشق على الناس تحقيقها إذا اشترطنا عليهم أنهم لا يكونوا مسافرين إلا بقطع مسافة مائة وثلاث وثلاثين كيلو فهذا فيه مشقو وبعد وليس له أصل واضح والحديث الذي ذكروه روي يومين وروي يوم وروي أقل: بريد. - إذاً عرفنا الآن أن من سافر تسعين كيلو فبإجماع الأمة ما عدا الأحناف فإنه يعتبر مسافراً فكل فقهاء المسلمين من الصحابة ومن تبعهم والفقهاء السبعة ومن بعدهم عندهم من قطع تسعين كيلو يعتبر مسافراً وحتى شيخ الاسلام وإن كان يضبطه بالعرف فلا شك أنه عنده يعتبر مسافراً بل من قطع بريداً عنده يعتبر مسافراً. وأما اختياره هو نفسه ﵀ في مسألة العرف فهذا بالتجربة والعمل لا يمكن ضبطه فتختلف أعراف الناس وتختلف عادات الناس ويسميه البعض مسافر والبعض لا يسميه مسافراً مما يدخل معه الفقيه بإشكال له أول وليس له آخر وقد أشار شيخنا ﵀ ابن عثيمين - وإن كان يرجح القول بالعرف أن هذا القول لا ينضبط وأنه مشكل جداً وذكره في أكثر من مناسبة وذكر أن قول الجمهور منضبط وإن كان لا يفتي به لكنه ﵀ أقر بهذا أن مذهب شيخ الإسلام لا ينضبط وأن مذهب الجمهور سهل التطبيق ومنضبط عند الفتوى. • ثم قال ﵀: من سافر سفراً مباحاً أربعة برد: سن له قصر الرباعية ركعتين. القصر مشروع بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة. لكن اختلفوا في حكمه: = فذهب الجماهير الأئمة الثلاثة مالك وأحمد والشافعي إلى أن القصر سنة وليس بواجب. واستدلوا على هذا بأدلة: - منها قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ ورفح الجناح يدل على أن العمل ليس بواجب.

стр. 633

- واستدلوا بحديث يعلى بن أمية أنه سأل عمر بن الخطاب عن هذه الآية (﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم﴾) فقال فقد أمنا فكيف نقصر فقال عمر ﵁ عجبت مما عجبت منه فسألت النبي ﷺ فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم). فقوله صدقة يدل على أنه سنة وليس بواجب. - واستدلوا بأن عثمان ﵁ صح عنه وعائشة وابن عمر وابن مسعود وغيرهم من الصحابة أتموا. - واستدلوا بأن الصحابة كلهم أتم خلف عثمان في منى. - واستدلوا بما أفتى به الصحابة أن المسافر إذا صلى خلف المقيم أتم ولو كانت صلاة السفر ركعتين فقط لكانت كصلاة الفجر لا يجوز أن يزيد فيها الإنسان. وفي بعض هذه الأدلة مناقشات لكن مجموعها لا سيما الآثار والأدلة الأخيرة التي ذكرت تعتبر قوية جداً. = والقول الثاني: للأحناف والظاهرية أن القصر واجب فإن أتم أعاد. واستدلوا: بحديث عائشة الصحيح أنها قالت: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر). فقولها ﵂: فرضت. دليل على أن الركعتين فرض. وأجابوا عن هذا الأثر بأجوبة كثيرة: - منها أنه صح عن عائشة أنها أتمت. - ومنها أن هذا قول لعائشة لا يرفع إلى النبي ﷺ . - ومنها أن هذا الحديث حديث شاذ مخالف لظاهر القرآن. ووجه مخالفته لظاهر القرآن أن القرأن دل على أن الأربع هي الأصل ﴿لاجناح عليكم أن تقصروا﴾ وحديث عائشة دل على أن الركعتين هي الأصل فهذا مخالف لظاهر القرآن. والدليل الثاني: للقائلين بالوجوب حديث ابن عباس ﵁ أنه قال: (فرض رسول الله ﷺ صلاة السفر ركعتين والحضر أربع وفي الخوف ركعة). والجواب عن هذا الحديث: أن العلماء أجمعوا على أنه لا يجب أن يصلي الإنسان في الخوف ركعة واحدة فكذلك في السفر. وفي الحقيقة الأجوبة على أثر عائشة وأثر ابن عباس كلها ضعيفة وكلها ممكن أن تناقش مناقشة قوية جداً ولا تثبت الأجوبة عند المناقشة

стр. 634

الراجح: مع ذلك الراجح قول الجمهور للآثار لأن نعلم قطعاً أن الصحابة صلوا أحياناً أربعاً ونعلم أن جمهور الصحابة صلوا خلف عثمان ﵁ أربعاً ولو كانت فريضة صلاة السفر ركعتين لأنكروا على عثمان لأنه كما يكون كما لو زاد في الظهر ركعة فصارت خمساً فهذا التصرف من الصحابة دليل على أنه لا يجب. وهناك دليل في الحقيقة قوي للجمهور ومن الممكن أن نستدل به وهو أن النبي ﷺ هو نفسه أتم في صلاة الخوف فإنه صلى بالطائفة الأولى ركعتين ثم صلى بالركعة الثانية ركعتين فصارت له أربع ولهم ركعتين فهذا يستدل به أنه يجوز أن يتم (((والنبي ﷺ لم يحفظ عنه أبداً أنه أتم في السفر إلا في صورة واحدة وقد تكون محل أخذ وعطاء وهي هذه الصورة - صلاة الخوف))). وعلى كل حال: القول بالوجوب ليس بقوي. = القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد أن الإتمام مكروه وهو راجع لقول الجمهور أنه يسن القصر والإتمام من فعله فهو مكروه وهذا اختيار شيخ الاسلام وبه تجتمع الأدلة. إذاً الراجح إن شاء الله أن لا يجب على الإنسان أن يقصر لكنه إن أتم من غير أن يكون خلف مقيم فقد فعل مكروهاً ولا ينبغي أبداً لطالب العلم ولا للمسلم أبداً أن يتم إذا لم يكن خلف مقيم لأن هذا فيهخ مخالفة صريحة جداً للسنة وابن مسعود لما أتم عثمان قال إما لله وإنا إليه راجعون وهي كلمة تقال عند المصائب فاعتبر هذا الفعل من المصائب لأنه مخالفة صريحة لما كان عليه النبي ﷺ وما كان عليه أبو بكر وعمر. فالراجح الثالث وهو داخل في الثاني أنه مكروه. • ثم قال ﵀. إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه. يريد المؤلف ﵀ أن يبين متى يبدأ الإنسان بأحكام السفر إذا كان يريد أن يقطع مسافة القصر. وهي عند الحنايلة أربعة برد. يقول: إذا فارق عامر قريته: فإذا خرج الإنسان عن حدود المدينة العامرة بالسكن جاز له أن يترخص برخص السفر. - فإن كانت أطراف المدينة خرابات ليس فيها ساكن جاز له أن يبدأ بأحكام السفر من حين يفارق عامر القرية وإن لم يفارق هذه البيوت الخربة.

стр. 635

- وإن كان في أطراف البلد مزارع لا تسكن - وهذا قيد ضروري - وإنما يخرج إليها الناس ويرجعون جاز له أن يترخص بأحكام السفر إذا فارق عامر القرية وإن لم يفارق هذه المزارع الملحقة بالبلد. فإذاً الضابط هو: عامر القرية. الدليل: - الأول: أن السفر في اللغة لا يطلق إلا على من ظعن وخرج عن بيته وقريته لأنه بذلك يسفر أي يصبح ظاهراً لا تحده البنيان. ذو القعدة الثاني: أنه لا يحفظ عن النبي ﷺ مع كثرة أسفاره أنه قصر بالمدينة قبل أن يخرج. ذو القعدة = والقول الثاني: أن من عزم على السفر وأراد أن يقطع مسافة القصر جاز له أن يترخص من بيته. فيفطر ويقصر ويجمع ويخرج. واستدلوا على هذا: - بأنه روي عن اثنين من الصحابة أنهم فعلوا ذلك. - ولأنه من حين نوى السفر فإنه يصدق عليه اسم المسافر. والصواب القول الأول: وهو مذهب الجماهير من الصحابة ومن بعدهم. أنه لا ترخص إلا إذا فارق عامر قريته. • قال ﵀: أو خيام قومه. إذا فارق خيام القوم أي تجاوز الخيام إذا كان من سكان البادية جاز له بمجرد المفارقة أن يبدأ بأحكام السفر. = مسألة: فإن كان سفره عن طريق البحر فينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: أن يركب السفينة ويسافر لا ماحاذياً للشاطيء (فالإنسان الذي يخرج من جده ويريد اليمن فإنه يكون محاذياً للشاطيء بينما إذا أراد أن يذهب إلى مصر فإنه يجعل جده في ظهره ولا يحاذي الشاطيء). فإن كان يسافر محاذياً للشاطيء فإنه لا يترخص حتى يفارق عامر القرية فينظر عن شماله إذا كان الشاطيء عن شماله فإذا فارق عامر القرية بدأ بأحكام السفر. وإن سافر لا محاذياً للشاطيء فإن كان ينتقل من الشاطيء إلى سفينة السفر - التي سيسافر عليها - بمركب صغير فبمجرد مغادرة هذا المركب فإنه يعتبر مسافراً. وإذا كان يركب السفينة التي يريد أن يسافر عليها ابتداءً فإنه بمجرد أن ينفصل عن الشاطيء فإنه يعتبر مسافراً. ولا يشترط أن يقطع مسافة يصبح بعدها لا يرى المدينة فهذا ليس له علاقة بالسفر وإنما بمجرد ما ينطلق من الشاطيء إذا كان ركب سفينة سيسافر عليها هي فإنه يعتبر مسافراً.
следующие страницы →