← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. • قال المؤلف ﵀: ويقصد تلقاء وجهه. يعني أنه يسن للخطيب إذا بدأ الخطبة أن يستقبل الناس بوجهه وأن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً. والدليل على هذا من وجهين: - الوجه الأول: أن هذا ظاهر السنة: فإنه لم ينقل أن النبي ﷺ كان يلتفت يميناً وشمالاً. - والوجه الثاني: أن هذا أبلغ في الإيصال وفي استواء الناس في استماع الخطبة لا سيما في القديم فإنه إذا كان يخطب بلا مكبر إذا التفت يميناً لم يسمعه أهل الشمال وكذلك العكس. = مسألة: يسن للناس أن يستقبلوا الإمام بوجوههم ولو انفتلوا عن القبلة. والدليل على هذا: - أن النبي ﷺ اتخذ منبراً في جانب المسجد الأيمن وكان أصحابه ﵃ يتوجهون إليه حال الخطبة. وهذا كالاجماع. والتعليل - بعد أن ذكرنا الدليل: أن توجه المستمع للخطبة للإمام أدعى إلى حسن الإنصات واستيعاب ما يقوله الخطيب. • ثم قال ﵀: ويقصر الخطبة. أي: ويسن للخطيب أن يخطب خطبة قصيرة. - لقول النبي ﷺ : (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه). ومعنى مئنة: أي علامة على فقهه ودليل على معرفته. واليوم كثير من الخطباء يعكس الأمر تماماً: يطيل الخطبة ويقصر الصلاة وهذا مخالفة للسمنة من وجهين: - في الخطبة. - وفي الصلاة. وكون الإمام يقصر الخطبة يستدعي ذلك أن يتقن الإنسان الإعداد للخطبة لأنه إذا كان سيخطب خطبة قصيرة فيجب أن يستوفي ما فيها من معاني وما تشتمل عليه من أحكام في وقتى قصير وهذا يستدعي الدقة أثناء إعداد الخطبة. والتعليل: أن قصر الخطبة أدعى لا ستيعابها من المأموم وهذا ملاحظ ومشاهد فإذا خطب الإنسان خطبة قصيرة استوعبها الناس وعرفوا ما فيها وإذا خطب خطبة طويلة صار بعضها ينسي بعضاً ويخرج الناس قليلي الفائدة. • ثم قال ﵀: ويدعو للمسلمين. يسن للإمام أن يدعو للمسلمين. واستدلوا على هذا بوجهين: - الوجه الأول: أن ساعة الخطبة ساعة إجابة عند عدد من أهل العلم. - الوجه الثاني: أنه إذا كان يندب الإنسان أن يدعو للمسلمين خارج الخطبة ففيها من باب أولى.

стр. 702

وعرف من التعليلين أنه لا يوجد في المسألة نص أن النبي ﷺ كان يدعو للمسلمين إلا أحاديث ضعيفة في هذا الباب. لكن مع ذلك لم أر خلافاً في استحباب الدعاء فلا أقول أن هذه المسألة محل إجماع لكني أقول لم أر بعد البحث أحداً من أهل العلم عارض في مسألة استحباب الدعاء للمسلمين في خطبة الجمعة. = مسألة: وهل يدعو للإمام؟ اختلفوا في الدعاء للإمام على قولين: = القول الأول: أنه لا يدعي للإمام. - لأن الدعاء للإمام بدعة محدثة ليس لها أصل. = والقول الثاني: أنه يشرع أن يدعى للإمام. واستدلوا على هذا بدليلين: - الأول: أن في صلاح الإمام صلاح الرعية وهذا مصلحة عظيمة ينبغي أن يسعى الإنسان في تحصيلها من خلال الدعاء. - الثاني: أن أبا موسى الأشعري ﵁ كان يدعو لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ﵀. والصواب: أن الدعاء للإمام مشروع لكن يكون أحياناً فلا يديم هذا الأمر لعدم وروده ولكنه يدعو أحياناً للإمام لما في الدعاء للإمام من ىمصلحة ظاهرة إذ في صلاحه صلاح الناس. وبهذا انتهى الكلام عن الشروط وما يتعلق بأحكام وآداب وسنن خطبة الجمعة وبدأ بفصل آخر. (كنا سننبه إلى مسألتين نسينا أن ننبه عليهما: من أسئلة الإخوان بالأمس ظهر لي أنها تحتاج إلى تنبيه وأيضاح. المسألة الأولى: وهي: تتعلق بقول المؤلف ﵀: فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً: ذكرت في هذه المسألة ثلاثة أقوال أو أربعة أقوال وذكرت أن اختيار ابن قدامة أنهم إن نقصوا بعد ركعة أتموها جمعة وقلت أنها: وإلا صلوها ظهراً. فيسأل الإخوة: هل قولك: وإلا صلوها ظهراً يعني: استأنفوا أو أتموا؟ والصواب أنهم يستأنفوا فأنا لم أقل هل هم يستأنفون أو يتمون؟ فتلحقون في هذا الموضع أنهم يستأنفونها ظهراً وبهذا يكون ما رجحنا في هذه المسألو متناسق مع ما رجحناه في مسألة: وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً إن كان نوى الظهر.

стр. 703

المسألة الثانية: في مسألة قول المؤلف ﵀: ولم تنعقد به. ذكرنا أن الحنابلة يرون أن المسافر والمرأة والعبد لا تنعقد بهم الصلاة وذكرت أن معنى لم تنعقد بهم الصلاة: أنهم لا يحتسبون في العدد ولا يقيمونها منفردين. ثم تكلمت عن المسافر والمرأة والعبد. بالنسبة للمرأة فلا إشكال: لأنني ذكرت أن المرأة محل إجماع. نأتي إلى مسألة المسافر: قلت أنا: أن الراجح تنعقد بالمسافر وفعلاً هذا هو الراجح فيما يتعلق بإكمال العدد دون مسألة إقامة الجمعة منفردين. بقينا في العبد: والعبد: الصواب: أنها تنعقد به سواء إقامتها منفردين أو إكمال العدد وهذا رواية عن الإمام أحمد أنه حتى على القول بعدم وجوب صلاة الجمعة على العبد فالراجح مع ذلك أن العبد تنعقد بع بمعنى يكمل به العدد وتنعقد به بمعنى يقيمونها منفردين فلو اعتزل مجموعة من العبيد في قرية لا يوجد معهم حر إما للعمل بالزراعة مثلاً أو لأي غرض كان فإنه يشرع لهم مع ذلك أن يقيموا الجمعة. فهذا تنبيه على هذين الموضعين ويلحق في موضعه من الشرح.). فصل [في صفة صلاة الجمعة، وحكم تعددها، وما يسن في يومها] • ثم قال ﵀: فصل يريد المؤلف ﵀ أن يبين في هذا الفصل ما يتعلق بصفة صلاة الجمعة وعدد الركعات والسنن الخاصة بيوم وصلاة الجمعة والمسألة المهمة وهي: حكم تعدد صلاة الجمعة. بدأ بأهم هذه الأمور وهي: صفة صلاة الجمعة: • فقال ﵀: والجمعة ركعتان. اتفق العلماء بلا نزاع من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا أن صلاة الجمعة ركعتان. وهذا الإجماع يعضده النصوص المتكاثرة أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة ركعتين ونقل هذا نقلاً متوتراً فلا إشكال في أن الجمعة ركعتان. • ثم قال ﵀: يسن أن يقرأ جهراً. أفاد المؤلف ﵀: أن القراءة في صلاة الجمعة تكون جهرية. فيجهر الإمام بالقراءة ولو كانت صلاة نهارية. وذلك: - أولاً: لأن هذه الصلاة عيد. وثانياً: لأنها صلاة يجتمع لها الناس. وإذا اجتمع الناس لصلاة شرع الجهر فيها. هذا فضلاً عن أن السنة المتواترة أن الإمام يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة.

стр. 704

ثم بين الموؤلف السنة في السور التي تقرأ في صلاة الجمعة: • فقال ﵀: في الأُولى: ((بِالْجُمْعَةِ))، وفي الثانية: ((بِالْمُنَافِقِيْنَ)). ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقرأ بالجمعة وبالمنافين. وهذه سنة ثابتة. والقراءة في صلاة الجمعة جاءت على ثلاثة أوجه: - الوجه الأول: أن يقرأ بالحمعة وبالمنافقين. الوجه الثاني: أن يقرأ بالجمعة والغاشية. وهذا أيضاً ثابت في صحيح مسلم من حديث النعمان ﵁ وقل من يأتي بهذه السنة كأنها من السنن المتروكة. - الوجه الثالث: وهي السنة المشهور الأخرى: أن يقرأ بسبح والغاشية وهذا أيضاً ثابت في صحيح مسلم. فصارت القراءة على ثلاثة أوجه. يناوب الإنسان بينها تارة يقرأ الجمعة والمنافقية وتارة الجمعة والغاشية وتارة سبح والغاشية. لأن هذا ثابت في السنة الصحيحة وذكره مسلم في صحيحه. • ثم قال ﵀: وتحرم إقامتها: في أكثر من موضع من البلد. تحرم إقامة الجمعة في أكثر من موضع من البلد. =وهذا مذهب الجمهور. بل حكي إجماعاً إلا عن عطاء فقط فلم يخالف إلا هو وروي أن الإمام أحمد أيضاً يرى جواز تعدد الجمعة مطلقاً. لكن القاضي من أصحاب الإمام أحمد حمل هذه الرواية على الجواز عند الحاجة ورأى أنه لا يصح عن الإمام أحمد القول بالجواز مطلقاً. وما ذكره القاضي صحيح إذ أستبعد أن يكون الإمام أحمد يرى جواز تعدد الجمعة بلا حاجة مطلقاً. إذاً: ذهب الجماهير بل حكي إجماعاً أنه لا يجوز أن تتعدد الجمعة بلا حاجة وإنما نقل الخلاف عن اثنين: عطاء. والإمام أحمد وذكرت أنه لا يثبت هذا عن الإمام أحمد إذ هو موؤل ومحمول على الحاجة. والدليل على هذا الحكم: - أن النبي ﷺ كان يقيم الجمعة في مسجده فقط ولم تتعدد في عهده ولا في عهد الخلفاء إقامة الجمعة. ولو كانت الجمعة يجوز أن تتعدد لأقيمت في عهده لألا تتعطل المساجد. أريد أن أنبه هنا: إلى أن ابن حزم وتابعه الشوكاني يرون الجواز فمن من الممكن أن يضافا إلى عطاء والإمام أحمد في الرواية عنه. لكن نحن نقول أن هذا إجماع محفوظ قبل ابن حزم فضلاً عن الشوكاني.

стр. 705

فالإشكال الآن في الحقيقة هو في ابن حزم وعطاء والإمام أحمد وعرفنا أن ابن حزم متأخر وعرفنا ما يتعلق بالإمام أحمد فصار المخالف حقيقة هو عطاء. • ثم قال ﵀: إلاَّ لحاجة. يعني: أنه يجوز أن تتعدد الجمعة عند وجود الحاجة وذكر الفقهاء ثلاثة أمثلة للحاجة: - الأول: وهو أشهر وأغلب الأعذار: الضيق. - الثاني: خشيت وقوع الفتنة من الإجتماع. - الثالث: البعد. فإذا كان المسجد ضيقاً جاز أن نقم الجمعة في جامع آخر. وإذا صار في اجتماع فئتين من الناس في هذا الميسجد وقوع فتنة كأن يكون بينهم خلافات أو شقاقات أو أحقاد قديمة وإذا اجتمعوا في هذا المسجد صار ذلك سبباً لنشوب الفتنة جاز لمجرد ذلك أن نقيم الجمعة في مكان آخر. والتعليل لجواز إقامة الجمعة: أن الشارع الحكيم إنما شرع الجمعة لما فيها من التأليف والاجتماع واقتراب القلوب فإذا حصل ضد ذلك من الجمعة صار هذا سبباً في حواز إقامة الجمعة في جامع آخر. أما الضيق والبعد فلرفع الحرج. ولاشك أنهم ﵏ أرادوا التمثيل لا الحصر فلو وجد سبب آخر يقتضي جواز إقامة الجمعة في أكثر من جامع لجاز إقامة الجمعة في أكثر من جامع. إذاً يقول المؤلف ﵀: وتحرم إقامتها: في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة. وقوله: إلا لحاجة يقتضي أنه إذا ضاق المسجد فإنه يجوز أن نقيم الجمعة الثانية ويحرم أن نقيم الجمعة الثالثة. وإذا لم يتسع المسجد الأول والثاني جاز أن نقيم الجمعة الثالثة دون الجمعة الرابعة وهكذا .. لأنه يقول لحاجة والحاجة تقدر بقدرها. الدليل على ذلك: - استدل الفقهاء على جواز تعدد الجمعة عند الحاجة بدليلين: - الأول: النصوص العامة الدالة على رفع الحرج. - الثاني: أن علي بن أبي طالب ﵁ لما كان بالكوفة أقام صلاة العيد خارج البلد وأقام من يصلي للضعفة والنساء داخل البلد. ونحن نعلم أن صلاة العيد والجمعة كلاهما من صلاة الأعياد وتتشابه في كثير من الأحكام لذلك قاس الفقهاء ما ثبت عن علي ﵁ في صلاة العيد في الجمعة. إذاً: وتحرم إقامتها: في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة. - ذكرنا الدليل الأول:

стр. 706

- والدليل الثاني: أن الحاجة دعت إلى تعدد الجمع في الأمصار ووقع هذا واشتهر وتواتر ولم ينكر فكان كالإجماع من حين أقيمت الجمعة مرة أخرى انتشر هذا في البلدان الإسلامية وصار عليه عمل الناس واشتهر ولم ينكر فهو كالإجماع بين الناس لذلك لاتجد أحداً ينكر إقامة الجمعة الأخرى مع وجود الحاجة. = والقول الثاني: وإن كان قول فيه ضعف - أنه لا يجوز تعدد الجمعة مطلقاً ولو مع الحاجة وإنما يحاول الناس التوسع لبعضهم البعض. واستدلوا على ذلك: - بأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ مع طول صلاتهم الجمعة لم يصلوها إلا في مسجد واحد. والجواب على هذا الدليل من وجهين: - أولاً: أن الحاجة لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ . ثانياً: أن في الصلاة مع النبي ﷺ ميزة لا توجد بعد عهده وهو أنه المبلغ ﷺ المباشر عن الرب فتلقي الأحكام منه مباشرة مزية لا توجد في ما بعهده من الأئمة والخطباء. والراجح مذهب الجمهور وهو جواز الإقامة عند وجود الحاجة. ثم لما قرر المؤلف تحريم تعدد الجمعة ذكر ما يترتب على هذا الحكم: • فقال ﵀: فإن فعلوا فالصحيحة: ما باشرها الإمام أو أذن فيها. أي: إذا أقيمت الجمعة في أكثر من جامع بلا حاجة فالجمعة الصحيحة هي التي باشرها الإمام أي: الجمعة الصحيحة في المسجد الذي صلى فيه الإمام سواء صارت هذه الصلاة - التي مع الإمام - متقدمة أو متأخرة فهي الصحيحة والأخرى باطلة. واستدلوا على هذا بدليلين: - الأول: أن في تصحيح الأخرى افتيات على الإمام. - الثاني: أنه لو قيل بتصحيح الأخرى لأمكن لكل أربعين رجلاً أن يفسدوا صلاة الإمام مع من معه من المسلمين بأن يقيموا هم الجمعة أولاً فتبطل صلاة الإمام ومن معه. وهذا مذهب الجماهير وهو أن الصلاة الصحيحة هي التي مع الإمام وهو الصواب. • ثم قال ﵀: فإن استويا في إذن أو عدمه: فالثانية باطلة. يعني: إذا أقيمت صلاة الجمعة في أكثر من جامع بلا حاجة واستويا الجمعتان في إذن الإمام يعني أنه أذن لكل منهما فالصلاة الصحيحة هي الأولى والصلاة الباطلة هي الثانية.

стр. 707

وتعرف الأولى: بتقدم تكبيرة الإحرام فأي الإمامين كبر أولاً فالثانية باطلة. وقيل تعرف الأولى: بالشروع في الخطبة فأيهما شرع أولاً فالثانية باطلة. = القول الثاني: أن الصلاة الصحيحة هي الصلاة في الجامع الكبير في وسط البلد والجوامع في أطراف البلد صلاتهم باطلة سواء تقدمت أو تأخرت صلاة الجامع الكبير. وهذا قول في مذهب الحنابلة. وهذا القول هو الأقرب. فإذا أقيمت صلاة الجمعة في الجامع الكبير ودعت الحاجة إلى إقامة جمعة أخرى فأقيمت جمعة ثالثة فالكلام في الجمعة الثالثة كالكلام في الجمعة الثانية. فإذا افترضنا أن صلاة الجامع الكبير دائماً صحيحة فأي الجمعتين أصح: = عند الحنابلة يرجع في ذلك إلى الوقت. إلى الأولى. والأولى باعتبار تكبيرة الإحرام أو باعتبار الشروع. وهذا هو الصواب بالنسبة للجمعة الثانية والثالثة. لأنه بالنسبة للجمعة الثانية والثالثة لا يوجد عندنا جامع كبير أو جامع هو الأصل بحيث أن جوامع أطراف البلد نقول هي التي تبطل والجامع الكبير تصح. فنرجع في الصورة الثانية إلى مذهب الحنابلة ونقول من أقام الجمعة أولاً صحت ومن أقام الجمعة ثانياً لم تصح. وذكر شيخنا ﵀ في الممتع قولاً آخر وهو: أن الصلاة الصحيحة هي الأولى: أي هي صلاة الجمعة الذي وجد أولاً والصلاة الباطلة هي صلاة الجامع الذي وجد ثانياً بغض النظر عن أيهما يكبر أولاً فإذا بني مسجد في سنة ١٤٢٧ وبني مسجد في سنة ١٤٢٨ وإمام المسجد الذي بني في سنة ١٤٢٨ كبر أولاً. فأي الجمعتين صحيحة؟ وأيهما الباطلة؟ صلاة الجامع الذي بني أولاً أصح ولو كبر ثانياً. وهذا القول قول قوي جداً إلا أني لم أقف على قائل بهذا القول من أهل العلم أو نص على هذا القول فإن كان أحد من أهل العلم نص عليه فهو قول وجيه وقوي وإن لم يكن أحد نص عليه فالتفصيل السابق هو الصواب. • قال ﵀: وإن وقعتا معاً أو جهلت الأُولى: بطلتا. بلا نزاع عند الحنابلة. - لأنهم أقاموا جمعة متعددة بلا حاجة في وقت واحد فبطلت الجمعتان. فإذا بطلت نقول: - إن أمكن أن تعاد جمعة بأن يجتمعوا في مسجد واحد ويقيموها جمعة وجب أن يفعلوا وإلا صلوها ظهراً.

стр. 708

المسألة الثانية: أو جهلت الأولى: لحنابلة يبطلون الثانية. لكن إذا جهلنا أيهما الأولى وأيهما الثانية فعند الحنابلة تبطل الأولى والثانية. التعليل: قالوا: لأنا نعلم أن إحدى الجمعتين باطلة ولا يمكن أن نبطل إحدى الجمعتين تحكماً بلا دليل فبطلتا لأنه لا مزية لأحدهما على الأخرى. وفي هذه االصورة يجب أن يصلوها ظهراً فقط ولو أمكن أن يصلوها جمعة. التعليل: أن إحدى الصلاتين صحيحة وبها سقطت الجمعة فلا يمكن أن تصلى مرة أخرى لأنه لا يجوز أن تتعدد الجمعة فوجب أن يصلوها ظهراً. فتكون بالنسبة للجماعة التي هي في واقع الأمر الأولى ستكون سنة وتكون بالنسبة للجماعة التي صلوها ثانياً ظهراً حقيقة. طبعاً هذه مسائل يحسن بطالب العلم أن يلم بها وإن كان الوقوع لها بعدما كثرت المساجد وانتشر الإسلام نادر أو متعذر. فإذا وقعت صار عند طالب العلم معرفة بها. إذا أقيمت جمعتان بلا لاحاجة ف ثم لما أنهى الكلام عن ما يتعلق بذات صلاة الجمعة انتقل إلى الكلام عن السنن المتعلقة بالجمعة. • فقال ﵀: وأقل السنة بعد الجمعة: ركعتان وأكثرها ست. جاءت السنة متنوعة في مسألة صلاة السنة البعدية للجمعة. - فثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته. - وثبت أن النبي ﷺ قال: (من كان سيصلي بعد الجمعة فليصل أربعاً). وهذا أيضاً صحيح وفي مسلم. - السنة الثالثة: في سنن أبي داود أن ابن عمر ﵁ صلى بعد الجمعة أربعاً ثم صلى ركعتين. ثم ذكر أنه رأى النبي ﷺ يفعل ذلك. والظاهر أن شاء الله أن أسناده صحيح وليس له علة. فاختلف الفقهاء في التوفيق بين هذه النصوص على عدة أقوال: = القول الأول: أن المسلم مخير إن شاء يصلي أحياناً أربعاً أو ركعتين أو ست وهذا مذهب الإمام أحمد. = والقول الثاني: - من الفقهاء من جمع بشكل آخر فقال: يصلي ست ركعات فنجمع بين حديث الأربع والركتعتين بأن يصلي ست ركعات. = القول الثالث: أنه إن صلى في المسجد صلى أربعاً وإن صلى في البيت صلى ركعتين وإلى هذا ذهب شيخ الاسلام ﵀.

стр. 709

والصواب أن نقول: أنه إن صلى في المسجد صلى أحياناً أربعاً وأحياناً ستاً وإن صلى في البيت صلى ركعتين. وإذا أراد أن يصلي ستاً فإنه يصلي ركعتين ثم أربع. لما في حديث ابن عمر أنه صلى ركعتين ثم أربعاً هكذا لفظه. وقيل: بل يصلي أربعاً ثم ركعتين لأنه إذا صلى ركعتين ثم أربع صارت تشبه الظهر لأنه سيصلي ركعتي الجمعة ثم ركعتين أشبهت ماذا الظهر. والصواب في القول الأول لأن حديث ابن عمر وهو عمدة القائلين بسنية الست فيه أنه صلى ركعتين ثم أربع. والصلاة ست جاء عن عدد من الصحابة منهم علي بن أبي طالب ﵁ وهو من الخلفاء الراشدين الذين لهم سنة متبعة. إذاً قوله ركعتان وأكثرها ست. عرفنا دليل أنه يصلي ركعتين ودليل أنه يصلي ست ثم عرفنا كيف نوفق بين الأحاديث التي جاءت في هذ الباب. ولم يتعرض المؤلف للسنة القبلية والصواب أنه ليس للجمعة سنة قبلية محددة ولكن يندب الإنسان أنه إذا جاء إلى المسجد أن يصلي لما في الأحاديث الصحيحة التي فيها الندب أن يصلي الإنسان إلى طلوع الإمام وسيأتينا الآن بعض هذه الأحاديث. • ثم قال ﵀: ويسن: أن يغتسل. يسن أن يغتسل لصلاة الجمعة. ونريد أن نذكر قبل الخلاف في هذه المسألة تحرير محل النزاع: أولاً: اتفق الفقهاء كلهم أن غسل الجمعة سنة فهذا القدر لم يختلفوا فيه. ثانياً: اتفق الفقهاء كلهم على أن من ترك غسل الجمعة فصلاته صحيحة فهذا القدر لا خلاف فيه. ثم اختلفوا في حكم غسل الجمعة: = فمذهب الحنابلة والجماهير بل حكي إجماعاً - حكاه ابن عبد البر وسيأتينا التعليق على مسألة الإجماع - أنه سنة متأكدة جداً فإن تركها لم يأثم. واستدلوا على أنه سنة: - بما استدل به أصحاب القول الثاني وسيأتينا. واستدلوا على أنها ليست بواجبة: - بحديث سمرة أن النبي ﷺ قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل). هذا الحديث فيه كلام كثير وفي سماع الحسن عن سمرة خلاف طويل والأقرب أنه سمع حديث العقيقة فقط وبضعة أحاديث غير محددة ولم يسمع جميع الأحاديث. والصواب - إن شاء الله - أن هذا الحديث صحيح. وممن صححه الحافظ الكبير أبو حاتم في العلل نص على أنه صحيح.

стр. 710

= القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد أن غسل الجمعة واجب. واستدلوا على هذا بأدلة منها: - الدليل الأول: قول النبي ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستاك وأن يتطيب). والجواب عليه: أن قوله في الحديث: (واجب) يعني: أنه متأكد وليس المقصود الوجوب الذي يأثم تاركه بدليل أنه قرنه بالاستياك وبالتطيب وقد أجمع العلماء كلهم على أن الاستياك والتطيب ليس بواجب. قال الحافظ بن رجب ﵀: الواجب على نوعين: ١ - واجب حتم. ٢ - وواجب سنة وفضيلة. وذكر عن الأئمة ما يدل على أن الواجب ينقسم إلى هذين القسمين. ويدل أيضاً على أن الوجوب في هذا الحديث ليس على سبيل التأثيم حديث سمرة السابق. - واستدلوا: بالحديث الآخر وهو قول النبي ﷺ : (من أتى الجمعة فليغتسل). واللام لام الأمر. والجواب: أن حديث سمرة يصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب المتحتم. - واستدلوا بأن رجلاً دخل وأمير المؤمنين عمر ﵁ يخطب - وفي رواية أنه عثمان ﵁ فأنكر عليه أمير المؤمنين عمر تأخره إلى بداية الخطبة فقال: (لم أزد على الوضوء) فقال عمر ﵁ ألم تعلم أن النبي ﷺ أمر بالغسل. هذا الحديث استدلوا به على الوجوب وهو من وجهة نظري أن (دلالته على الندب أقرب من دلالته على الوجوب). وجه ذلك: أولاً: أنا نربأ بعثمان بن عفان ﵁ أن يترك واجباً فنستبعد على مثله ﵁ أن يترك واجباً. - ثانياً: لو كان عثمان ﵁ ترك واجباً لكان درجة إنكار عمر ﵁ أكبر لتركه الواجب لا سيما من رجل مثل عثمان وهو من أكابر الصحابة. - ثالثاً: ليس بمستغرب أن ينكر عمر على عثمان ترك سنة فإنه ليس بمستغرب بين الصحابة لحرصهم على الخير فمجرد الإنكار لا يدل على الوجوب. الراجح: الراجح بلا إشكال وبلا تردد إن شاء الله أنه: سنة. سبب الترجيح: أن المسألة كأنها محل إجماع لذلك يقول الحافظ ابن رجب وكذلك الحافظ بن عبد البر أن العلماء الذين نقل عنهم الوجوب لا يريدون الوجوب الذي من تركه أثم بل يريدون الوجوب الذي هو على سبيل التأكيد والاستحباب والأفضلية.

стр. 711

فتكون المسألة بناء على هذا محل إجماع. وإلى هذا يميل ابن رجب أنها محل إجماع وأن من نقل عنه من أهل العلم الوجوب فليس مقصوده الوجوب الذي إذا تركه الإنسان أثم. فإذا ثبت هذا التحقيق الذي أبدع به الحافظ ابن رجب والحافظ بن عبد البر صار عدم الوجوب أمر واضح جداً وقوي وسديد. = مسألة: هل الغسل واجب ليوم الجمعة أو لصلاة الجمعة؟ فيه خلاف ونختصر على الراجح: الراجح: أنه للصلاة لا لليوم. بناء على هذا لا يجب على الصبي مثلاً ولا على المرأة ولا على كل من لا تجب عليهم صلاة الجمعة أن يغتسلوا. بدليل: ١ - قول النبي ﷺ : (من جاء الجمعة فليغتسل). ٢ - وقوله ﷺ في الحديث الآخر: (من اغتسل غسل الجنابة ثم أتى الجمعة .. ). ففي الحديثين تعليق الاغتسال بالذهاب لصلاة الجمعة فدل على أنه يتعلق بالصلاة لا باليوم ... انتهى الدرس،،،

стр. 712

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. بعد أن انتهينا من الكلام على سنة الاغتسال للجمعة بدأ المؤلف ﵀ بعد ذلك ببيان السنن الأخرى: • فقال ﵀: ويتنظف ويتطيب. يعني أنه يسن لمن أراد أن يذهب إلى صلاة الجمعة ويتأكد في حقه أن يتنظف وأن يتطيب. والأدلة على هذه السنية متكاثرة جداً. - منها ما تقدم معنا: من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستاك وأن يتطيب) وهذا نص في السنية. - ومنها: ما تقدم معنا أيضاً أن أهل العلم أجمعوا على سنية التطيب والتنظف. - ومنها: ما أخرجه البخاري من حديث سلمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من رجل يغتسل يوم الجمعة ويتطيب ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن ثم يأتي إلى الجمعة ولا يفرق بين اثنين وينصت إلى الإمام إلا غفر له ما بين الجمعتين). ففي هذا الحديث التأكيد الشديد حيث: ذكر الاغتسال ثم قال: ويتطهر ما أمكنه من الطهور ثم قال يدهن ويتطيب. وكل هذا تأكيد لمسألة التنظف والتطيب.

стр. 713

وهذا القدر مما أجمع عليه. وهو من شعائر الجمعة: أي التنظف. والتطيب وأن يأتي الإنسان إليها مستكملاً أكثر ما يستطيع من الجمال والطهارة والنظافة. • ثم قال ﵀: ويلبس أحسن ثيابه. أي: ويندب ويستحب للإنسان أن يلبس يوم الجمعة أحسن ما يجد من ثيابه. والدليل على هذا من وجهين: - الأول: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال للنبي ﷺ لو اشتريت حلة للأعياد وأقره النبي ﷺ . والجمعة من جملة الأعياد. - الثاني: أن النبي ﷺ يروى عنه أنه قال لو أن أحدكم اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته. وهذا الحديث وإن كان معناه صحيح إلا أنه معلول. ولكن يكفي لإثبات هذه السنة الحديث الأول مع أني لم أقف على خلاف بين أهل العلم في أنه يستحب للإنسان أن يلبس أطيب ما يجد من الثياب في الجمعة. إذاً مسألة لبس الثياب هذا أمر لا إشكال في ثبوته لا من حيث النصوص ولا من حيث المعنى ولا من حيث كلام أهل العلم. والسنة أن يوفق الإنسان في لبسه لبس مجتمعه ما لم يكن اللبس محرماً. فيتجمل بما يتجمل به أهل البلد ما لم يكن محرماً. بناء على هذا لا يتعين ثوب معين لا أن يلبس رداء وإزار ولا أن يلبس ثوي ولا غير ذلك ولا أن يغطي رأسه ولا أن يبقي رأسه مكشوفاً. فكل ذلك لا يتعين وإنما يتجمل بما يتجمل به أهل البلد ما لم يكن محرماً. • ثم قال ﵀: ويبكر إليها. يعني: أنه من المستحب والمسنون أن يبكر الإنسان إلى صلاة الجمعة. والدليل على هذا من أوجه كثيرة: - منها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنه ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ثم تحضر الملائكة لسماع الذكر). فهذا الحديث فيه حث واضح وصريح أن يحضر الإنسان إلى الجمعة مبكراً. وقوله: (من اغتسل غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنه ..... الخ. يحتمل أن معنى قوله: (من اغتسل غسل الجنابة: يعني أنه يغتسل كغسل الجنابة.

стр. 714

ويؤخذ من هذا قاعدة: أن جميع الاغسال المستحبة والواجبة في الشرع صفتها صفة غسل الجنابة. ويحتمل أن يكون معناه: أنه يتقصد الجماع يوم الجماع ليغتسل غسل جنابة ثم يذهب إلى المسجد. وهذا المعنى ليس ببعيد. بل قال الإمام أحمد ﵀: وينبغي للرجل أن يطأ زوجته أو أمته صبح الجمعة. فهو فهم من الحديث هذا أي أنه يغتسل غسل الجنابة الحقيقي. على كل حال الحديث يحتمل ذلك. المقصود الآن أن التبكير الذي دل عليه هذا الحديث سنة متفق عليها ويحصل فيها من المنافع أشياء كثيرة. ولكن اختلفوا في: متى يبدأ التبكير؟ - فمن العلماء من قال: يبدأ وقت التبكير من طلوع الفجر. وعلى هذا كأنه يندب الإنسان أن يصلي الفجر في المسجد الذي سيصلي فيه الجمعة لأنه من المعلوم أنه لن يذهب إلى مسجد الجمعة ويترك صلاة الفجر. - ومن الفقهاء من قال: بل يبدأ وقت الفضيلة من طلوع الشمس لأنه قبل هذا الوقت مشغول بصلاة الفجر وبالأذكار وبتطبيق السنة الصحيحة عن النبي ﷺ وهي: البقاء في مصلاه إلى طلوع الشمس. وكأن هذا القول - الثاني أحسن. لأن الإنسان في صدر النهار مشغول بهذه الوظيفة أي صلاة الفجر والأذكار والبقاء في موضعه. • ثم قال ﵀: ماشياً. أي أن المستحب للإنسان أن يذهب إلى صلاة الجمعة ماشياً ولا يركب. واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ : (من غسل واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا واستمع كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها). هذا الحديث ظاهر إسناده الصحة. والحقيقة ليس له علة واضحة. لكن أشكل على كثير من أهل العلم أنه لم يأت في جميع السنة حديث صحيح فيه من الأجر ما في هذا الحديث. ولذلك بعض العلماؤ استغرب متن الحديث. لأنه يقول: له بكل خطوة أجر سنة قيام وصيام. وهذا أجر عظيم جداً لم يأت في أي نص ولم يترتب على أي عمل من الأعمال هذا الأجر ولذلك استغربه بعض الأئمة. لكن من حيث الإسناد صحيح. ثم مفردات هذا الحديث: من غسل واغتسل ودنا ومشا تشهد لها النصوص الأخرى. بناء على هذا: نقول يستحب للإنسان أن يمشي ولا يركب إن كان يستطيع إلى هذا الأمر سبيلاً.

стр. 715

فإن قال الإنسان: - إن ركبت ووصلت إلى الجامع مبكراً وشرعت في العبادات. - وإن ذهبت ماشياً تأخر الوقت. فالأقرب والله أعلم أنه إذا كان يستطيع فإنه يذهب ماشياً لأن المشي في يوم الجمعة بناء على هذا الحديث مقصود لذاته فيمشي فإذا وصل بدأ بالأعمال الصالحة المختلفة من الصلاة والقراءة. - ومن العلماء من قال: إذا ترتب على مشيه أن يتأخر تأخراً ملحوظاً بيناً فإنه يركب. والذي يظهر لي: الأول. لكون الشارع نص على مسألة المشي بالذات في صلاة الجمعة. • ثم قال ﵀: ويدنو من الإمام. الدليل على الدنو: - الحديث السابق. لأن فيه: (ودنا واستمع .. ). ويدل عليه أيضاً عموم الأحاديث الأخرى كقول النبي ﷺ : (لو يعلمون ما في النداء والصف الأول ... ). وهذا عام لصلاة الجمعة ولغيرها من الصلوات. ومن المعلوم أنه كلما تقدم وصار في الصف الأول صار يدنو من الإمام أكثر. • ثم قال ﵀: ويقرأ سورة ((الْكَهْفِ)) في يومها. يندب الإنسان أن يقرأ سورة الكهف يوم الجمعة. وفي الباب نحو ستة أحاديث كلها ضعيفة وأحسن ,اصح ما في الباب حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين). وله ألفاظ سوى هذا اللفظ كثيرة. وهذا الحديث الذي هو أصح ما في الباب أيضاً معلول بالوقف وممن أعله بالوقف الإمام الحافظ النسائي. ولكن كثير من أهل العلم يرون أن هذا الحديث وإن كان له حكم الوقف فله من جهة أخرى حكم الرفع لكونه مما لا يقال بالرأي فإنه من المعلوم أنه لا أحد يعلم أنه يندب الإنسان أن يقرأ في يوم الجمعة سورة الكهف. ولهذا تتابعت أقوال أهل العلم ولم يشذ منهم أحد أن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة مستحبة ومندوبة وإن كان في الحقيقة في هذا الموضوع يحتاج إلى بحث أعمق لا سيما إذا نظر الإنسان في مجموع الأدلة فلا يكاد يجد دليلاً سالماً من العلة يصلح للإعتماد. لكن لا نريد أن ندخل في هذه المسألة. المهم أن أقوى ما في الباب حديث أبي سعيد ﵁ وله حكم الرفع قطعاً من جهة الإسناد. وجماهير أهل العلم يرون استحباب قراءة سورة لكهف يوم الجمعة. •

стр. 716

ثم قال ﵀: ويكثر الدعاء. أي أنه ينبغي على المسلم بالذات يوم الجمعة أن يتحرى كثرة الدعاء بأن يكون دعائه يوم الجمعة أكثر من دعائه في غير هذا اليوم. وعلة هذا: أن في الجمعة ساعة إجابة فإذا أكثر من الدعاء صار أقرب أن يصيب هذه الساعة. والدليل على أن في الجمعة ساعة إجابة: الحديث الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل خيراً إلا أعطاه الله أياه). وفي الحديث مسألة قائم يصلي - هذا في البخاري. فإذا كان في يوم الجمعة ساعة تعتبر ساعة إجابة يجيب الله فيها دعاء العبد أدى ذلك إلى أن الإنسان يكثر من الدعاء لعله أن يصيب هذه الساعة. واختلف العلماء في تحديد هذه الساعة اختلافاً كثيراً ومتشعباً ومتنوعاً وذكر الحافظ ابن حجر نحواً من أربعين قولاً في الفتح. ونقتصر على قولين هما أصح هذه الأقوال: = القول الأول: وهو الذي ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ أنها آخر ساعة من العصر. لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (تحروها آخر ساعة من العصر). قال الإمام أحمد ﵀: وأكثر الأحاديث على أنها بعد صلاة العصر. وتقدم معنا أن الإمام أحمد ﵀ من أهل الاستقراء التام وإذا كان يقول أن أكثر الأحاديث على أنها بعد صلاة العصر فهذا له وزنه الثقيل باعتبار أن الإمام أحمد ﵀ حافظ بل إنه - كما تقدم معنا - قيل: أنه أحفظ الأئمة. وعلى كل حال هو من الحفاظ الذين يستقرئون الأحاديث ويتتبعونها فلكلمته هذه وزن ثقيل جداً عند من يعرف هذه الصنعة. = والقول الثاني: أن ساعة الإجابة من صعود الإمام إلى انتهاء الصلاة. وهذا أيضاً ثابت في صحيح مسلم. فينبغي على الإنسان أن يتحرا هاتين الساعتين بالدعاء والابتهال والتضرع. • ثم قال ﵀: والصلاة على النبي ﷺ . الدليل على أن الجمعة يخص بالصلاة على النبي ﷺ : - قوله ﷺ : (أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة).

стр. 717

وهذا الحديث صححه بعض المتأخرين والصواب أنه ضعيف وممن ضعفه عدد من الأئمة على رأسهم الإمام البخاري والإمام أبو حاتم. - الدليل الثاني: العمومات التي فيها الأمر بالصلاة على النبي ﷺ فإنها تشمل أيضاً يوم الجمعة. وبهذا علمنا أن مسألة الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة إنما يستأنس لها بالأحاديث العامة وأنه ليس في هذه المسألة حديث صحيح خاص. • ثم قال ﵀: ولا يتخطى رقاب الناس. ذهب الحنابلة إلى أنه يكره فقط أن يتخطى الإنسان رقاب الناس. ودليل الكراهة: - أن النبي ﷺ رأى رجلاً يتخطى الرقاب يوم الجمعة فقال له: (اجلس فقد آذيت). - والدليل الثاني: أن في تخطيه الرقاب إيذاء للمؤمنين. وإيذاء المؤمنين ممنوع. = والقول الثاني: أن تخطي الرقاب محرم فإن تخطى الرقاب فهو آثم. وهذا القول اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية وهو الذي تدل عليه النصوص والقواعد العامة. ومتى علم الإنسان أنه إن تخطى الرقاب أثم صار هذا من أسباب التقدم وحضور الصلاة مبكراً. • ثم قال ﵀: إلاّ أن يكون إماماً. إذا كان المتخطي هو الإمام جاز بلا كراهة بشرط أن لا يجد طريقاً آخر يصل من خلاله إلى المنبر بلا تخطي للرقاب فإن وجد طريقاً آخر حرم عليه أن يتخطى الرقاب ولو كان إماماً. والدليل على استثناء الإمام من وجهين: - الأول: أن الحاجة داعية إلى مثل هذا. وتتعلق به مصلحة إقامة الصلاة. - الثاني: أن النبي ﷺ لما أقيمت الصلاة وهو غائب وقام في الصف تخطى أو تخلص من الصفوف حتى قام في الصف الأول. وإنما فعل ذلك ﷺ لأنه الإمام. • ثم قال ﵀: أو إلى فُرْجَة. يعني أن من دخل المسجد ورأى فرجة في الصفوف الأمامية جاز له أن يتخطى الرقاب إلى أن يصل إلى هذه الفُرْجَة بلا كراهة. والدليل: أن الذين لم يتقدموا إلى هذه الفُرْجَة من المأمومين الذين في الصوف أسقطوا حق أنفسهم بعدم تقدمهم إلى هذا المكان والشارع حث على تسوية الصوف والتراص وسد الخلل فإذا لم يقم به هؤلاء فقد أسقطوا حرمتهم. = والقول الثاني: أنه يجوز التقدم إلى الفرجة بشرط أن تكون في الصف الذي بين يديه فقط.

стр. 718

وهذا اختيار شيخ الاسلام بن تيمية. = والقول الثالث: أنه يجوز إذا كان بينه وبين الفرجة صف أو صفين أو ثلاثة فقط. = والقول الرابع: أنه لا يجوز مطلقاً. وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀. في الحقيقة اختيار شيخ الاسلام يتوافق مع هذه الرواية. وجه ذلك: أن الشيخ ﵀ يقول: لا يجوز تخطي الرقاب إلا إذا إلى الفرجة التي بين يديك والفرجة التي بين يدي ليس فيها تخطي للرقاب. فصار قوله كقول الإمام أحمد وربما هو ﵀ يريد هذا - يريد أن يختار هذه الرواية عن الإمام أحمد وهي المنع مطلقاً. وهذا القول هو الصواب - المنع مطلقاً ولو وجدت فرجة. والدليل على ذلك: أن الرجل الذي قال له النبي ﷺ اجلس فقد آذيت إنما تقدم ليجلس في فرجة. وهذا هل هو احتمال أو نص؟ هذا احتمال. لأننا نجد اليوم بعض الناس يتقدم لعله يجد فرجة وليس يتقدم ليجلس في فرجة. فربما كان الرجل كذلك لكن مع ذلك نقول: أنه ولو وجدت فرجة فإن حرمة الناس الذين تقدموا لا تسقط بقضية أنهم لم يتقدموا وأذيتهم لا تجوز مع ذلك. • ثم قال ﵀: وحرم: أن يقيم غيره فيجلس مكانه. يعني: أنه يحرم أن يقيم الرجل رجلاً آخر ويجلس مكانه فإن فعل فهو آثم وفي صحة صلاته خلاف. والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (لايقيم الرجل الرجل من مكانه ليجلس فيه). • ثم قال ﵀: إلاّ من قدّم صاحباً له في موضع يحفظه له. يعني: أنه يستثنى من حكم المسألة السابقة ما إذا أرسل الإنسان رجلاً يجلس في مكان ثم إذا قدم هذا الرجل قام له من مكانه ليجلس فيه. فهذا جائز لدليلين: - الأول: أن الذي قام قام باختياره. - الثاني: أن الشيخ الفقيه الإمام الكبير محمد بن سيرين كان يصنع ذلك. فقد كان يرسل غلاماً يجلس حتى إذا جاء قام وجلس مكانه. وأما القائم فإنه يكره له أن يقوم لأن التبرع بالقرب مكروه. ولذلك القاعدة المشهورة تقول: الإيثار بالقرب مكروه. إذاً عرفنا الآن حكم الذي سيأتي وحكم الذي سيقوم.

стр. 719

فإن قام الرجل للرجل بلا إرسال - فلو حضر رجل كبير وقام له رجل آخر بلا اتفاق سابق فإنه ينبغي للإنسان أن لا يجلس فيه بل ينبغي أن يأمر من قام أن يرجع إلى مكانه وإلى هذا ذهب الإمام أحمد فإنه دخل الجامع مرة فقام له رجل فأبى الإمام أن يجلس في مكانه وقال له: ارجع فاجلس في مكانك. وهذا على سبيل الندب ولو جلس لجاز. إذاً في الحقيقة نقول: يكره للقائم ولمن أراد أن يجلس أن يفعل هذا. لكن إن أرسل رجلاً وجلس مكانه فلا مانع على أن هذا لا ينبغي لكن لا نقول أنه لا يجوز بل يجوز لما ذكرنا من الآأثار عن محمد بن سيرين وهو من التابعين وهو بنفسه عالم وقوله معتبر وإقرار الناس له في عصر التابعين أيضاً يستدل به مع أننا لا نقول أن هذا دليل إنما نقول أن غاية ما هنالك أن تكون فتوى لتابعي لكن يستأنس بها الإنسان. • ثم قال ﵀: وحرم رفع مصلى مفروش. يعني أنه يحرم على الإنسان أن يرفع المصلي المفروش الذي وضعه شخص ليأتي بعد حين ويجلس فيه. والدليل على التحريم: من وجهين: - الأول: أن في هذا افتياتاً على من وضع هذا المصلى المفروش. - الثاني: أنه يقع في رفعه غالباً نزاع بين الرجلين والشارع الحكيم إنما أمر بالجمعة وحث عليها كما تقدم معنا تأليفاً للقلوب واجتماع الكلمة. فما كان يسبب عكس هذه الحكمة صار ممنوعاً في الشرع. = والقول الثاني: أنه يجوز رفع هذا المصلى. - لأن من وضعه فهو ظالم مغتصب للبقعة. - ولأن الشارع الحكيم إنما أمر بالتبكير بالأبدان لا بحجز الأمكنة. - ثالثاً: ولأن هذا يفضي غالباً إلى تخطي الرقاب وهو مكروه عند الحنابلة ومحرم على الصواب. إذاً القول الثاني: جواز رفع المصلى لهذه الأدلة الثلاثة. = القول الثالث: وجوب رفع المصلى على ولي الأمر. يعني أنه يجب على ولي الأمر أن يرفع هذا المصلى. لأن صاحب المصلى ظالم ومغتصب وعلى ولي الأمر أن ينكر هذا المنكر. - وولي الأمر: المسؤول سواء كان جهة أو غير ذلك إنما المهم أن تكون مخولة من ولي الأمر. وهذا القول - الثالث - اختيار شيخ الاسلام. وهو الصواب.

стр. 720

فما يصنعه بعض الناس اليوم من وضع مصلى مفروش بعد صلاة الجمعة ثم لا يحضر هو إلا في منتصف النهار أو قريباً من الزوال هو آثم بهذا الصنيع ومغتصب للبقعة وفي صحة صلاته خلاف بين الفقهاء. إذاً صار في هذه المسألة - الراجح عكس المذهب تماماً فالمذهب يقولون: وحرم رفع مصلى. والصواب أنه يجب لكن على ولي الأمر. • ثم قال ﵀: ما لم تحضر الصلاة. يعني: أنها حضرت الصلاة فيجوز رفع هذا المصلى. الدليل: أن الحرمة للمصلي لا لهذا المصلى فإذا لم يحضر رفع هذا المفروش. وفهم من كلام المؤلف ﵀ أنه إذا حضرت الصلاة وصاحب المصلى لم يحضر يحرم أن نصلى فوقه بل يجب أن نرفع هذا المصلى - المفروش - ونصلي في المكان ولا يجوز أن نصلي على هذا المفروش لأن هذا المفروش مال للغير لا يجوز أن ننتفع به. وهذا هو الصحيح: أنه إذا تأخر يجب أن نرفع المصلى المفروش ثم نصلي في مكانه. • ثم قال ﵀: ومن قام من موضع لعارض لحقه ثم عاد إليه قريباً: فهو أحق به. إذا اتخذ الإنسان مكاناً في صلاة الجمعة ثم قام لعارض سواء كان هذا العارض جوع أو احتاج إلى قضاء الحاجة أو ليقضي مصلحة تتعلق بأهله طارئة فإنه أحق بمجلسه لقول النبي ﷺ : (من قام من مجلس فهو أحق به إذا رجع إليه). لكن اشترط الحنابلة: أن يعود قريباً. فإن تأخر جاز لغيره أن يجلس فيه. = والقول الثاني: - أنه إن تأخر وهو ما زال في حاجته التي قام من أجلها وجب أن ينتظر. - وإن اشتغل بحاجة أخرى جاز للآخرين أن يجلسوا في مكانه. وهذا قول للحنابلة وليس رواية عن الإمام أحمد ﵀. وهذا القول هو الصواب لأنه ما دام قام لأداء حاجة وهو فيها فإنه ينتظر ولو تأخر لكن إن اشتغل بغيرها وصار يضيع الوقت بأمور أخرى صار الذين في المسجد أحق منه بهذه البقعة. • ثم قال ﵀: ومن دخل والإمام يخطب: لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما. إذا دخل المصلي والإمام يخطب فإنه يصلي ركعتين ولو فاته استماع الخطبة أثناء صلاته للركعتين. - لقول النبي ﷺ : (من دخل والإمام يخطب فليصل ركعتين). وهذا القدر متفق عليه وفي رواية لمسلم: (وليوجز فيهما).

стр. 721

فاشتمل هذا الحديث على جميع الأحكام التي ذكرها المؤلف ﵀. - والدليل الثاني: أن رجلاً دخل والنبي ﷺ يخطب فقال له: أصليت قال: لا. فقال النبي ﷺ : (قم فصل). - والدليل الثالث: قول النبي ﷺ إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). فلا شك إن شاء الله أن من دخل فالسنة في حقه أن يصلي ركعتين ولو كان الإمام يخطب. • ثم قال ﵀: ولا يجوز الكلام: والإمام يخطب. لا يجوز للإنسان أن يتكلم والإمام يخطب. - لقول النبي ﷺ : (إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت). وإذا كان يحرم على الإنسان أن يأمر بالمعروف وهو قوله: أنصت. فمن باب أولى أن يتكلم بالكلام المباح. - ولقول النبي ﷺ : (من تكلم والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفاراً). وهذا مذهب الجماهير. أنه يحرم على الإنسان أن يتكلم والإمام يخطب. - فإن كان المأموم لا يمكن له أن يسكع كلام الخطيب إما لصمم أو لبعد أو لأي عارض. فإنه أيضاً يجب عليه أن لا يتكلم بكلام مرتفع يسمع. وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀. لكن مع ذلك يجوز له أن يقرأ القرآن أو أن يصلي على النبي ﷺ أو أن يذكر الله. قال الإمام أحمد: ولا يرفع بذلك صوته. إذاً عرفنا أن من لايسمع الخطبة لا يجوز له أن يتكلم مع غيره ولا أن يرفع صوته بالكلام لكن يجوز له أن يذكر الله في نفسه. = إذا رأى الإنسان شخصاً يتكلم فإنه بنص الحديث يحرم عليه أن ينهاه عن هذا المنكر. فلا يجوز له أن يقول له: أنصت أو اسكت. فإن قال فقد لغى. - لكن هل يجوز أن يشير إليه إشارة بالسكوت؟ في هذا خلاف: والصواب أنه يجوز. والدليل على ذلك: - ما جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فتوجه للنبي ﷺ وقال رافعاً صوته: متى الساعة؟ فتركه النبي ﷺ . قال الراوي: فأومأ إليه الناس أن اسكت.

стр. 722

ففي هذا الحديث أن الناس أشاروا إليه بالسكوت والنبي ﷺ يراهم وهو يخطب ولم ينكر عليهم هذه الإشارة فدل ذلك على أن إشارة الناس لمن يتكلم ليسكت تجوز ولا تعتبر من الإخلال بالاستماع للخطبة. • ثم قال ﵀: إلاّ له أو لمن يكلمه. يجوز أن يتكلم الإمام. ويجوز للمأموم أن يتكلم مع الإمام فقط. والدليل على ذلك: - ما تقدم معنا: أولاً: النبي ﷺ قال للرجل: أصليت. فهذا دليل على جواز أن يخاطب الإمام أحد المأمومين. وأما الدليل على أن يخطاطب أحد المأمومين الإمام فهو أن رجلاً دخل على النبي ﷺ وهو يخطب وقال هلكت الأموال وانقطعت السبل .... الحديث. ولم ينكر عليه النبي ﷺ أنه خاطبه أثناء الخطبة. فدلت النصوص إذاً على جواز أن يكلم المأموم الإمام أو أن يكلم الإمام من شاء من المأمومين. ولا أعلم في جواز مخاطبة المأموم للإمام والإمام للمأموم خلاف. • ثم قال ﵀: ويجوز قبل الخطبة وبعدها. يجوز أن يتحدث الإنسان قبل الخطبة ولو بعد دخول الإمام. ويجوز أن يتحدث بعد الخطبة ولو قبل انصراف الإمام. والدليل على ذلك: - أن النبي ﷺ قال: من قال لصاحبه أنصت والإمام يخطب. فحدد المنع في أثناء الخطبة. - والدليل الثاني: أن المأموم ممنوع من الكلام لينصت فإذا لم يكن الإمام يخطب لم توجد هذه العلة. - ثالثاً: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان يدخل ويصعد المنبر ويجلس ويأخذ أصحابه - الصحابة - بالحديث والكلام مع بعضهم إلى أن يبدأ بالخطبة فينصتون. فهذا دليل على أن تحدث المأمومين مع بعض قبل أن يبدأ الإمام بالخطبة جائز ولا حرج فيه. بل لو قيل أن هذا إجماع الصحابة لكان صحيحاً لأن الذين حضروا خطبة عمر ﵁ هم سادة الصحابة ومع ذلك لم ينكروا على الناس أنهم يتحدثون. مسألة: هل يجوز أن يتحدث الإنسان بين الخطبتين؟ الجواب: فيه خلاف. والصواب أنه يجوز. لما تقدم معنا أن الأحاديث علقت المنع بخطبة الإمام والإمام الآن لا يخطب ولا يتكلم فيجوز حينئذ أن يتكلم المأموم مع صاحبه بين الخطبتين. وبهذا انتهى باب صلاة الجمعة ووقفنا على باب صلاة العيدين. انتهى الدرس،،،

стр. 723

باب صلاة العيدين . قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. لما أنهى المؤلف الكلام عن صلاة الجمعة بدأ بالكلام عن صلاة العيد. لأن بين صلاة العيد والجمعة تشابه كبير جداً كما سيأتينا وقيست مسائل كثيرة من مسائل العيد على مسائل الجمعة فهو ترتيب منطقي. وقدم الجمعة على العيد لأنها أوكد منها وأفرض ولأنها تتكرر أكثر من العيد. فهي عيد الأسبوع وصلاة العيدين تتكرر في السنة مرة بالنسبة لكل عيد. • قال ﵀: باب صلاة العيدين. العيد أصله من: عود المسرَّة. ولا يطلق العيد على ما ليس فيه مسرَّة. وهو في اللغة: يطلق على ما يعود ويتكرر ويقصد مجيئه في الزمان والمكان. وأما في الشرع: - فهو معلوم - المقصود بصلاة العيدين أي: صلاة عيد الفطر والأضحى. • قال رحمه الله تعالى: وهي فرض كفاية. صلاة العيد مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. كما ستأتينا النصوص في أفراد المسائل. وأجمع أهل العلم قاطبة على أنها مشروعة محبوبة للشارع لكن الخلاف وقع في الحكم التكليفي لها. = فذهب الحنابلة: إلى أن صلاة العيدين فرض كفاية. واستدلوا على هذا بعدة أدلة منها: - أولاً: أن النبي ﷺ داوم عليها ولم يتركها أبداً. - وثانياً: أنها من شعائر الدين الظاهرة. = والقول الثاني: أن صلاة العيدين سنة. واستدلوا على هذا: - بأن أعرابياً سأل النبي ﷺ عن ما فرض عليه. فذكر له الصلوات الخمس فقال: هل علي من شيء بعدهن؟ قال: لا. إلا أن تتطوع. فالحديث نص على أن غير الفروض الخمسة لا يعتبر من الفرائض. = والقول الثالث: وهو مذهب الأحناف ورواية عن أحمد واختاره شيخ الاسلام وعدد من المحققين. أنها فرض عين. واستدلوا على هذا بأدلة: - الأول: أنه ثبت في السنة أنه إذا اجتمع عيد وجمعة سقطت الجمعة بالعيد: أي: سقط الفرض. والمندوب لا يسقط واجباً. - الثاني: أن النبي ﷺ ثبت عنه أنه أمر الناس بالخروج لصلاة العيد حتى أمر النساء الحيض وذوات الخدور.

стр. 724

ومن المعلوم أن الشارع متشوف جداً لبقاء المرأة في بيتها - فهذا كالمواتر في الشرع - ومع ذلك حث النبي ﷺ وأكد حتى ذهب بعض العلماء إلى وجوب خروج النساء مما رأى من تأكيد النبي ﷺ . فهذا يدل على أنه على الأقل في حق الرجال واجباً باعتبار أنه أمر النساء به مع محبة الشارع بقاء المرأة في البيت. - الثالث: - الأخير -: أن صلاة العيد من شعائر الإسلام الظاهرة والإجتماع لها أكبر من الإجتماع لصلاة الجمعة فلا يناسب مع ذلك أن تكون سنة. والراجح. القول الأخير لقوة ما استدل به أصحابه. والجواب عن دليل المالكية والشافعية: القائلين بالسنية: أن المسؤول عنه في الحديث الفرائض اليومية فقط ولذلك توجد صلوات واجبة بالإجماع لم تذكر في الحديث لأنها ليست يومية كالصلاة المنذورة. إذاً قال: وهي فرض كفاية. وعرفنا أن الراجح - إن شاء الله - أنها فرض عين. • ثم قال ﵀: إذا تركها أهل بلد: قاتلهم الإمام. أي: أنه يجب على الإمام إذا ترك أهل بلد صلاة العيدين أن يقاتلهم حتى يرجعوا. والدليل على ذلك من وجهين: - الأول: أن في تركها تهاوناً في الدين. - ثانياً: أن صلاة العيد من أعظم شعائر الإسلام فإذا تركوها قوتلوا. • ثم قال ﵀: ووقتها كصلاة الضحى. يعني أن وقت صلاة العيدين يبدأ مع بداية وقت صلاة الضحى. ومعلوم أن المؤلف لم يذكر هنا الوقت بالتفصيل وإنما أحال على وقت صلاة الضحى. مع العلم أن صلاة العيد أوكد بل الراجح أنها فرض أوكد من صلاة الضحى فينبغي أن ينص على الوقت بوضوح. المهم: أن صلاة الضحى يبدأ وقتها من خروج الشمس وارتفاعها رمح كما تقدم معنا. واستدل الحنابلة على أن وقت صلاة العيد يبدأ من طلوع الشمس وارتفاعها بأدلة ليست من النصوص. بدليل من النص ودليل من النظر. - أما الدليل من النظر: فقالوا: أن النبي ﷺ صلاها في هذا الوقت. لماذا؟ لأن العلماء أجمعوا أن وقت الفضيلة لصلاة العيد يبدأ من هذا الوقت ويبعد أن النبي ﷺ لم يصلها في وقت الفضيلة.

стр. 725

إذاً هذا دليل مركب لا يعتمد على نص صريح لكنهم يركبون ذلك من إجماع العلماء على أن أفضل الأوقات يبدأ من بعد طلوع الشمس وارتفاعها ويبعد أن النبي ﷺ لم يصلها في هذار الوقت المجمع على أنه أفضل الأوقات. - الدليل الثاني: من الأثر أيضاً - وهو: أن الصحابي الجليل عبد الله بن بسر ﵁ خرج لصلاة عيد أو أضحى فتأخر الإمام فأنكر ﵁ تأخر الإمام وقال: قد كنا صلينا صلاتنا في ساعتنا هذه - يعني: مع النبي ﷺ وكان وقت صلاة التسبيح. فدل هذا الحديث على أن بداية صلاة التسبيح - يعني النافلة - هو وقت بداية صلاة العيدين وهو: طلوع الشمس وارتفاعها. = وهذا مذهب الجمهور: فالجماهير من أهل العلم ذهبوا إلى هذا القول. = خالف الشافعي ﵀ وهو: القول الثاني: فقال: بل يبدأ وقت صلاة العيدين من طلوع الشمس ولو لم ترتفع. والشافعي ﵀ محجوج بجميع الأدلة الدالة على أن هذا الوقت وقت نهي ومذهبه ﵀ في هذه المسألة ضعيف. فالصواب مع الجمهور أن وقت صلاة العيدين يبدأ بعد طلوع الشمس وارتفاعها وأن هذا وقت الجواز والأفضلية. • ثم قال ﵀: وآخره الزوال. الزوال تقدم معنا مراراً بيانه وهو: ميلان الشمس عن كبد السماء. فإذا دخل وقت صلاة الظهر انتهى وقت صلاة العيد. ومعنى كلام الفقهاء: أن أوله طلوع الشمس وارتفاعها وآخره الزوال - أنه يفهم من كلام الفقهاء أنه يجوز للإمام والناس أن لا يصلوا صلاة العيد إلا في آخر النهار مثلاً - يعني بعد طلوع الشمس بساعتين. هذا الذي يفهم من كلام الفقهاء ولم أقف على خلاف في أنه يجوز أداء صلاة العيد في كل هذا الوقت. ولو قال قائل: أن تأخير الصلاة عن الوقت الذي كان يصليه النبي ﷺ وهو صدر النهار أقل أحوال الكراهة لأن النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء كلهم ومعاوية إلى عمر بن عبد العزيز إلى من بعده كانوا يصلون العيد في صدر النهار. فالقول بحواز التأخير إلى بعد طلوع الشمس بساعات كثيرة أقل أحواله في الحقيقة الكراهة لمخالفة السنة مخالفة ظاهرة. • ثم قال ﵀:

стр. 726

فإن لم يعلم بالعيد إلاّ بعده: صلوا من الغد. أي: أنه إذا لم يعلم الناس والإمام بصلاة العيد إلا بعد الزوال فإنه يجوز لهم أن يصلوات صلاة العيد من الغد. = وهذا مذهب الجماهير - في الجملة. واستدلوا على ذلك: - بما صح عن أبي عمير بن أنس بن مالك أن أعماماً له من الأنصار أخبروه أن هلال شوال غم عليهم فأتموا الشهر حتى جاء ركب فأخبروا النبي ﷺ أنهم رأو الهلال فأمر النبي ﷺ الناس أن يفطروا وأن يخرجوا لصلاتهم من الغد. وهذا الحديث صحيح. وكما قلت لكم هذا مذهب الجماهير. = القول الثاني: للإمام مالك ﵀. فإنه يرى أنه إذا فاتت الصلاة بأن لم يعلموا بالهلال فإنها لا تصلى من الغد: - لأن وقتها فات. - وقياساً على الجمعة. فإن الجمعة إذا خرج وقتها لا تصلى جمعة وإنما تصلى ظهراً. والراجح مع الجماهير لوضوح النص وصراحته بذلك. * مسألة: = والحنابلة يرون أن صلاة العيد من الغد قضاء مطلقاً. = والقول الثاني: أن صلاة العيد من الغد: - إن كانت بعذر فهي أداء وليست قضاء. والقول الثاني أقرب إن شاء الله. * مسألة: أيضاً تتعلق بمسألة فوات العيد: هل يشرع لمن فاتته صلاة العيد أن يصليها أو لا يشرع؟ اختلفوا في ذلك على أقوال: = فالمذهب أنه يصلي العيد على هيئة العيد. يعني ركعتين. واستدلوا على ذلك: - بأن أنس بن مالك ﵁ فاتته صلاة العيد مع الإمام فجمع أهله وأمر من يصلي بهم العيد. = والقول الثاني: أن من فاتته صلاة العيد والخطبة يصلي أربعاً. وهو قول عند الحنابلة. = والقول الثالث: أن من فاتته صلاة العيد فإنه لا يشرع له أن يقضيها. وهو للأحناف واختيار شيخ الاسلام بن تيمية. واستدل على ذلك: - بأن صلاة العيد شرعت على هيئة وصفة معينة: منها تقدم الخطبة واجتماع الناس وكل ذلك مفقود في المنفرد فلا يشرع له أن يقضي الصلاة. ولولا أثر أنس ﵁ لكان هذا القول هو أقوى الأقوال. • ثم قال ﵀: وتسن: في صحراء. السنة في صلاة العيد أن تصلى في الصحراء. ومعنى قوله تسن: أنه لو صلاها في البلد لجاز لكن مع الكراهة كما سيأتينا. = وإلى هذا ذهب جميع الأئمة إلا الشافعي.

стр. 727

واستدل الأئمة على هذا الحكم: - بما نقل متواتراً عن النبي ﷺ وعن الخلفاء الراشدين أنهم كانوا يصلون العيد في الصحراء القريبة من البلد وأن صلاة العيد في الصحراء القريبة أفضل من صلاة العيد في المساجد الجوامع. = والقول الثاني: - وهو الذي أشرت إليه - للشافعي ﵀ أن صلاة العيد في الجامع إذا كان يتسع أفضل. واستدل بدليلين: - الأول: أن المسجد أفضل من بقعة الصحراء. - الثاني: أنه أنظف وأهيأ للناس. كأن الإمام الشافعي - نقول: كأنه: هو لم يذكر هذا - كأنه فهم أن النبي ﷺ إنما خرج بسبب ضيق المسجد كأنه فهم هذا ولذاك يقول: إن اتسع المسجد فالأفضل في الجامع داخل البلد. ولكن هذا المذهب ضعيف وخالفه جميع الأئمة سواء من بقية الأربعة أو غيرهم من أئمة المسلمين وأخذوا بهذه السنة المتواترة التي قعلها النبي ﷺ وأصحابه. وهذا هو الراجح إن شاء الله أن الإنسان ينبغي له أن يصلي في مكان قريب من البلد. ومع الأسف الشديد هذه السنة عطلت في كثير من الأماكن وإن كانت باقية ولله الحمد في كثير من الأماكن لكن كثير من المدن الآن يصلون العيد في الجوامع وهو خلاف السنة وكما سيأتينا أن الإمام أحمد يرى أن هذا العمل مكروه. • ثم قال ﵀: وتقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر. يعني: أنه ينبغي للإمام أن يبادر بصلاة الأضحى ويؤخر صلاة عيد الفطر وأنه إن فعل ذلك فقد أصاب السنة وإن خالف فقد ترك السنة. واستدلوا على هذا بأدلة كثيرة: - الدليل الأول: عدة نصوص فيها أن النبي ﷺ فعل ذلك وكل هذه النصوص ضعيفة. فإذا رأيت حديثاً فيه أن النبي ﷺ عجل الأضحى وأخر الفطر فهو ضعيف. - ثانياً: استدلوا بالإجماع. فقد أجمع الفقهاء على هذا الحكم. - ثالثاً: استدلوا بعلل ومعاني استنبطها الفقهاء: فقالوا: بالنسبة لصلاة الفطر ينبغي أن تؤخر لأمرين: - الأول: ليتهيأ للناس إخراج زكاة الفطر. - والثاني: أيضاً ليتمكن الناس من تطبيق سنة الأكل قبل الصلاة.

стр. 728

وبالنسبة للأضحى: استدلوا بمعنيين أيضاً: - الأول: أنه يندب للإنسان أن لا يأكل إلا بعد الأضحى من أضحيته وفي الإمساك مشقة فينبغي أن يبادر الإمام بالصلاة ليأكل الناس. - الثاني: أن ذبح الأضاحي لا يشرع ولا يجوز إلا بعد الصلاة فينبغي أن يبادر بالصلاة ليذبح الناس أضاحيهم. وكما ترون - الإجماع وهذه التعليلات قوية وهي كفيلة إن شاء الله بإثبات هذه السنة مع أن الأحاديث ضعيفة. • ثم قال ﵀: وأكله قبلها. يعني أنه يشرع للإنسان أن يأكل قبل أن يخرج لصلاة الفطر. - لما ثبت في صحيح البخاري عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ لم يكن يغدو لعيد الفطر حتى يأكل تمرات. وفي رواية معلقة في صحيح البخاري موصولة عند أحمد بإسناد صحيح: وتراً. فتلخص لنا الآن بالنسبة لصلاة عيد الفطر أنه يستحب أن يأكل هذا أولاً. ثانياً: يستحب أن يكون الأكل من التمر. ثالثاً: أن يأكل وتراً. فإذا طبق هذه الثلاث فقد اقتدى بالنبي ﷺ . • ثم قال ﵀: وعكسه في الأضحى إن ضحى. يعني أنه يستحب للإنسان أن لا يأكل في الأضحى قبل الصلاة وإنما يؤخر إلى أن يأكل بعد الصلاة. استدلوا على هذا: - بحديث بريدة ﵁ أن النبي ﷺ لم يكن يأكل في الأضحى إلا بعد الصلاة. وهذا الحديث فيه ضعف ولكنه يقبل التحسين. وقال الإمام أحمد ﵀: كان ﷺ يأكل من أضحيته. واستدل على هذا بعدم الأكل قبل الصلاة. ومثل هذه العبارة كما تقدم معنا من الإمام أحمد مقبولة جداً لمعرفته ﵀ بالسنة والسيرة فهو يخبر أن النبي ﷺ لم يكن يأكل إلا من أضحيته ﷺ . • ثم اشترط شرطاً لهذا: فقال ﵀: لمضح. يعني أن ترك الأكل قبل صلاة الأضحى سنة لمن أراد أن يضحي بعد الصلاة. أما من لم يرد الأضحية فالأمر سيان إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل. واستدلوا على هذا: - برواية في حديث بريدة أخرجها الدارقطني أن النبي ﷺ كان إذا لم يرد أن يضحي لم يبال أن يأكل.

стр. 729

- واستدلوا بدليل آخر وهو: أن المنع من الأكل إنما كان ليبدأ بأكل الأضحية تقرباً إلى الله فإذا لم يضحي إن شاء أكل وإن شاء ترك. إذاً: إذا قيل لك: ما هي السنة بالنسبة لمن لم يرد أن يضحي؟ - لا نقول: أن السنة أن يأكل. ولا نقول أن السنة أن لا يأكل: ولكن نقول: السنة إن شاء أكل وإن شاء ترك. • ثم قال ﵀: وتكره في الجامع بلا عذر. ومن المعلوم أن هذه العبارة لو قدمها المؤلف بعد قوله: في صحراء لكان أنسب فيكون الكلام عن موضوع واحد في موضع واحد. إذا صلى في الجامع فإما أن يكون بعذر أو بغير عذر. - فإن كان بعذر صحت بلا كراهة. لما روي أن النبي ﷺ أراد أن يصلي العيد فمطروا فصلاها في الجامع. وهذا فيه ضعف. - وأما إن كان بلا عذر فهو مكروه. ودليل الكراهة: أن في هذا مخالفة صريحة لسنة النبي ﷺ . * مسألة: يستثنى من هذا: صلاة العيد في الحرم المكي فإنها تكون في الحرم لا في الصحراء. واستدلوا على هذا بدليلين: - الأول: شرف البقعة وعظم الأجر في المسجد الحرام. - الثاني: أن هذا عمل السلف والأئمة من القديم فإنه لم يحفظ أن أحداً منهم خرج من مكة ليصلي العيد. - الثالث - وهو تعليل يستأنس به: أن الخروج لضواحي مكة فيه صعوبة لكثرة الجبال. أي هذه الأدلة أقوى؟ الأقوى: الاستدلال بعمل السلف لأن الاستدلال بمسألة كثرة الأجر موجود في حرم المدينة ومع ذلك لم تؤثر. إذاً علمنا أن الذي يؤثر فعلاً هو أن هذا هو عمل السلف. لكن تذكر مثل هذه الأشياء للإستئناس والتقوية. • ثم قال ﵀: ويسن: تبكير مأموم إليها. يسن أن يأتي المأموم لا الإمام إلى الصلاة مبكراً. والدليل على هذا من أوجه: - أولاً: فعله عدد من الصحابة. (وإذا قلنا فعله عدد من الصحابة تعلم مباشرة أنه ليس في المسألة نص). - ثانياً: أن في هذا دنو من الإمام وهو محبوب للشارع في الجملة. - ثالثاً: ما ثبت في السنة أن المسلم في صلاة ما انتظر الصلاة وصلاة العيد داخلة في عموم هذا الحديث. • ثم قال ﵀: ماشياً. يعني أنه يندب أن يخرج الإنسان إلى صلاة العيد ماشياً. والدليل: - أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: المشي إلى العيد من السنة.

стр. 730

وهذا الحديث ضعيف لا تقوم به حجة. - الدليل الثاني: أن في المشي الأجر الذي رتبه الشارع في الخروج للصلاة. - الثالث: أنه روي عن التابعين منهم عمر بن عبد العزيز. = والقول الثاني: إن شاء ذهب ماشياً وإن شاء ذهب راكباً ولا سنة معينة في ذلك. وإلى هذا مال الإمام البخاري ﵀. والأقرب والله أعلم - ما مال إليه البخاري ﵀ لا سيما وأن صلاة العيد تتكرر ويأتي إليها الصحابة من بعيد ومن قريب ولم يأت ما يدل على أن المشي بحد ذاته سنة وهذه الأمور التعبدية تحتاج إلى توقيف. فنقول: يذهب إن شاء ماشياً وإن شاء راكباً. • ثم قال ﵀: بعد الصبح. يعني أن السنة أن يكون الذهاب بعد صلاة الصبح: - لأنه وقت الفضيلة. - وليتمكن من التبكير. - وليضمن عدم فوات الصلاة. - وأخيراً: لأنه مروي عن بعض الصحابة. = والقول الثاني: أن السنة أن يخرج إلى المصلى بعد طلوع الشمس. واستدلوا على ذلك: بما ثبت عن ابن عمر أنه كان يخرج بعد طلوع الشمس. والصواب مع الحنابلة. لقوة ما استدلوا به من التعليلات ولأن ابن عمر روي عنه الخروج بعد الصبح وبعد طلوع الشمس. وحمل بعض الفقهاء خروج ابن عمر بعد طلوع الشمس بمسألة القرب لأن مصلى العيد كان قريباً فإذا خرج بعد طلوع الشمس حصل له الدنو وأمن فوات الركعة الأولى. • ثم قال ﵀: وتأخر إمام إلى وقت الصلاة. يعني أنه بالنسبة للإمام يستحب أن يتأخر وأن لا يأتي إلا إذا أراد أنى يصلي. ولم يذكروا هذه العبارة في صلاة الجمعة فعلمنا أنها سنة خاصة بصلاة العيد. واستدلوا على هذه المسألة: - بحديث جابر في الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا أتى مصلى العيد أول ما يبدأ به الصلاة. فدل على أنه يبنغي أن يتأخر لكي يكون أول ما يبدأ به الصلاة واو أنه تقدم لكان أول ما يبدأ به تحية المسجد عند من يرى وجوبها في مصلى العيد أو الجلوس والتكبير عند من لا يرى تحية المسجد. • ثم قال ﵀: على أحسن هيئة. يعني أنه: يستحب للإنسان في يوم العيد أن يخرج على أحسن هيئة وذلك يكون بعدة أمور: الأول: الاغتسال. والثاني: التطيب. والثالث: الاستياك. والرابع: أن يلبس أحسن ثيابه.

стр. 731

فإذا فعل ذلك فقد خرج على أحسن هيئة. - أما الاغتسال: فدليله: أولاً: أنه مروي عن علي وابن عمر وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ . وثانياً: أنها صلاة شرع لها الاجتماع فاستحب لها الاغتسال كالجمعة. - وأما بالنسبة للبس أحسن الثياب: أولاً: فلما روي أن النبي ﷺ كان له حلة حمراء يلبسها في الأعياد. وهو حديث ضعيف لا يثبت. ثانياً: استدلوا: بأن عمر بن الخطاب ﵁ قال للنبي ﷺ ألا أشتري لك حلة تتجمل فيها بالأعياد وعند الوفود. فدل ذلك على أنهى معروف عندهم التجمل في العيد. وأيضاً أقره النبي ﷺ ولم ينكر هذا المعنى. = والرواية الثانية عن الإمام أحمد ﵀ أن الإنسان إن شاء خرج في لباس حسن وإن شاء خرج مبتذلاً بلباس ليس بحسن. قال: إن خرج بلباس حسن فهو من التجمل للعيد. وإن خرج بلباس ليس بحسن - أو مبتذل - فلما فيه من الخشوع والخضوع ولأنه مروي عن عطاء - يعني الخروج بلباس فيه تواضع. فالإمام أحمد خيَّر في الرواية الثانية بين أن تخرج بهذا أو بهذا. والصواب روايته الأولى. لأن المعاني التي ذكرها الحنابلة والنص الذي ذكر عن عمر ﵁ صريح في السنية. - وأما الاستياك والتطيب: فلا إشكال فيه - أنه من الجمال. • ثم قال ﵀: إلاّ المعتكف ففي ثياب اعتكافه. يعني أنه يستحب لكل الناس التجمل إلا المعتكف فإنه يشرع له أن يخرج من اعتكافه بثيابه التي اعتكف بها ويذهب إلى المصلى بلا تجمل بل على هيئته التي اعتكف بها. واستدلوا على هذا بأمرين: - الأول: قوله ﷺ : (والمعتكف يخرج بثياب اعتكافه). وهو حديث ضعيف لا يثبت. - الثاني: أن هذا اللباس من أثر العبادة ولا ينبغي أن يزال. = والقول الثاني: أن المعتكف كغيره من الناس يذهب إلى بيته ويتجمل ويتزين ويتطيب ويغتسل ويلبس من أحسن ثيابه ويذهب إلى العيد. واستدلوا بدليلين: - الأول: أن عموم النصوص والعلل المذكورة يشمل المعتكف وغير المعتكف. - الثاني: أن النبي ﷺ كان يعتكف ومع ذلك يلبس الثياب الحسنة. وهذا القول الثاني - كما ترون - أنه غاية في القوة. وهو الراجح إن شاء الله.

стр. 732

• ثم قال ﵀: ومن شرطها: استيطان وعدد الجمعة. القاعدة العامة عند الفقهاء أنه يشترط في صلاة العيدين الشروط المذكورة في صلاة الجمعة إلا إن في صلاة العيدين شروط وجوب لا صحة بخلافها في الجمعة فهي شروط وجوب وصحة. فهذه قاعدة المذهب العامة. واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدون لم يصلوا العيد في أسفارهم وقد صادف العيد النبي ﷺ في حجة الوداع ولم يصله ﷺ . = والقول الثاني: أنه لا يشترط للعيد ما يشترط للجمعة. وهذا مذهب مالك والشافعي واختاره من المحققين الشيخ الفقيه المجد. واستدلوا على هذا: - بأن أنس بن مالك ﵁ صلى بأهله العيد. - ثانياً: استدلوا على ذلك بأنه يجوز أن تقضى صلاة العيد عند الحنابلة بلا خلاف ولو بلا هذه الشروط - شروط الجمعة - أي ولو بلا دون عدد واستيطان وما صح قضاء صح أداء. وأجابوا عن كون النبي ﷺ لم يصل في منى بأن النبي ﷺ في منى شغل بالواجب والفريضة وهي أعمال نسك وصلاة العيد للمسافر سنة فقدم عمل الفريضة على السنة. وأما وجه الاستدلال بأثر أنس فمعلوم أن أثر أنس لم يستكمل العدد فدل على أن هذه الشروط لا تشترط في العيد كما في الجمعة. بناء على هذا القول - الثاني -: المرأة والمسافر والعبد والنفرد يصلون العيد أصالة لا تبعاً. وبناء على القول الأول: هؤلاء يصلون العيد تبعاً ولا يجوز أصالة. والراجح في الحقيقة من حيث النصوص والأثر القول الأول. والأسهل للناس لا سيما للمغتربين الثاني. لأنهم يتمكنون أن يقيموا صلاة العيد ولو كانوا كلهم من المسافرين. انتهى الدرس الأول

стр. 733

الدرس الثاني بعد العشاء: قال شيخنا - حفظه الله -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قال رحمه الله تعالى: لا إذن إمام. يعني أنه لا يشترط لصلاة العيدين إذن الإمام كما تقدم معنا في الجمعة أنه لا يشترط لها أيضاً إذن الإمام. وتعليل ذلك: أن هذه الصلاة من شعائر الدين الظاهرة التي لا تتوقف على إذن الإمام أو عدم إذنه بل يقيمها المسلمون إذا توفرت الشروط مباشرة. • ثم قال ﵀: ويسن: أن يرجع من طريق آخر. يعني: أنه يسن للإنسان إذا ذهب إلى صلاة العيد من طريق أن يرجع من طريق آخر. والدليل على ذلك: - ما ثبت في الصحيح عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا ذهب من طريق رجع من طريق آخر فهي سنة ثابتة عن النبي ﷺ .

стр. 734

واختلفوا في العلة أو الحكمة التي من أجلها صنع ذلك رسول الله ﷺ على أقوال كثيرة بلغت نحو عشرة أقوال كلها في تحديد أو معرفة الحكمة التي من أجلها يصنع النبي ﷺ ذلك. والصواب: أن رجوعه - والله أعلم - يحقق حكماً كثيرة ليست حكمة معينة واحدة وإنما يحقق حكماً كثيرة: - منها: شهادة الأرض. - ومنها: إعطاء أهل الطريقين كل منهما حقه في مرور النبي ﷺ من حيث سؤاله والانتفاع بعلمه والتبرك به ﷺ . وذكروا عللاً كثيرة خلاصتها أنها في الجملة تصح أن تكون كلها حكم لإخلاف الطريق. * * مسألة: اختلفوا هل الذهاب من طريق والرجوع من طريق آخر سنة خاصة بصلاة العيدين أو هي تشمل الجمعة والاستسقاء والفروض الخمسة؟ = فمن الفقهاء من قال: هذه سنة في جميع الصلوات فإذا ذهب من طريق ينبغي أن يرجع من طريق آخر. = ومن الفقهاء من قال: بل هذه سنة خاصة لصلاة العيدين فقط لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك إلا في صلاة العيدين فقط. والصواب مع القول الثاني: أنها سنة خاصة بصلاة العيدين دون سواها من الصلوات. • ثم قال المؤلف رحمه تعالى: يصليها ركعتين. أجمع الفقهاء على أن صلاة العيد ركعتان فلم يخالف في هذا أحد من الفقهاء. ودل عليه: - النص الصريح: فعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ صلى صلاة العيد ركعتين. - وعن جابر ﵁ أيضاً أن النبي ﷺ صلى صلاة العيد ركعتين بلا أذان ولا إقامة. فكونها ركعتين - هذا القدر - دل عليه الإجماع والنص. • ثم قال ﵀: قبل الخطبة. يعني: أن المشروع أن تكون الصلاة قبل الخطبة. فإن كانت الخطبة قبل الصلاة بطلت الخطبة.

стр. 735

وهذا القدر - وهو تقدم الصلاة على الخطبة عكس الجمعة - هذا القدر أجمع عليه الأئمة إلا ما يذكر عن بني أمية فإنهم غيروا هذه السنة وأول من غير هذه السنة مروان بن الحكم وفعله لا يعتبر معتداً به في الخلاف بل هو هدر لأن الصحابة أنكروا عليه تقديم الخطبة على الصلاة إنكاراً بالقول والعمل فأنكر عليه أبو سعيد الخدري ﵁ باللسان بأن هذا خلاف السنة وبالعمل بأن جذبه لما أراد أن يصعد ليخطب قبل الصلاة. فعمله هذا مهدر لا قيمة له وأجمع الفقهاء والعلماء المعتد والمشار إليهم على أن الصلاة في العيد قبل الخطبة وأنه إن خطب قبل الصلاة بطلت ووجب أن يعيدها بعد الصلاة. • ثم قال ﵀: يكبر في الأُولى بعد الإحرام والإستفتاح وقبل التعوذ والقراءَة: ستاً. أفاد المؤلف ﵀ في هذه العبارة مسألتين: * الأولى: أن التكبيرات الزوائد ست. * والثانية: أن هذه التكبيرات الزوائد تكون بعد الاستفتاح. بناء على هذا نقول: السنة أن الإمام يكبر تكبيرة الاحرام ثم يقرأ دعاء الاستفتاح ثم يكبر ستاً ثم يستعيذ ويقرأ. = وهذا القول إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. = والرواية الثانية: أن الإمام يسرد التكبيرات الزوائد بعد الإحرام. وهذه الرواية اختارها من العلماء الكبار: الخلال وأيضاً اختارها الحافظ ابن القيم وهي: أن التكبيرات الزوائد تكون بعد الإحرام مباشرة ثم يقرأ دعاء الاستفتاح. واستدلوا على هذا: - بأن ظواهر النصوص أن النبي ﷺ كان يأتي بالتكبيرات متتالية. المسألة الثانية: أن التكبيرات الزوائد بعد تكبيرة الإحرام ست وهذا هو مذهب الإمام أحمد. واستدلوا على هذا: - بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ صلى صلاة العيد فكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً. قالوا: سبعاً. يعني: مع تكبيرة الإحرام. وهذا الحديث صححه الإمام أحمد والبخاري وعلي بن المديني. وتكون التكبيرات الزوائد في الركعة خمساً ليس منها تكبيرة الانتقال. فإذا قال: الله أكبر واستتم قائماً يكبر خمساً متتالية. واستدلوا أيضاً: - بحديث عمر بن شعيب.

стр. 736

وفي هذه المسألة: أي في عدد التكبيرات الزوائد خلاف كبير بين هل العلم. اختلفوا على نحو عشرة أقوال أو أكثر. والسبب في الاختلاف أن الآثار المروية عن أصحاب النبي ﷺ مختلف فيها ففيها أعداد مختلفة. ولكن = مذهب الإمام أحمد ﵀ أن الأمر في التكبيرات واسع. فيقول الإمام أحمد ﵀: اختلف أصحاب النبي ﷺ والأمر فيه واسع. والخلاف هذا لا يقوم في الحقيقة على نصوص وإنما آثار عن أصحابالنبي ﷺ والأقوال كثيرة نأخذ بعض هذه الأقوال حتى يكون عند الإنسان اطلاع. = فمن الفقهاء من قال: - نحن نتكلم عن الزوائد فلا أحد يقول هل هذا مع تكبيرة الإحرام أو لا؟ إنما نحن نتكلم عن الزوائد. = فالقول الأول: المذهب. ما تقدم ست وخمس. = والقول الثاني: سبع وسبع. = القول الثالث: ثلاث وثلاث. = القول الرابع: أربع وأربع. هذه أبرز الأقوال وهي مروية عن الصحابة. فالإنسان: إن كبر تارة بهذا وتارة بهذا فالأمر واسع وإن التزم أن يكبر ست وخمس فهو في الحقيقة موافق للنص وهو حديث عمرو بن شعيب. في مسألة: مع التسليم في أن الأمر واسع: لكن: = الحنابلة يقولون: ست وخمس. = الرواية الثانية عن الإمام أحمد: سبع وخمس. لماذا؟ قال: الحديث فيه أنه كبر سبعاً وخمس. لكن في - رواية للإمام أحمد قال: سبع مع تكبير الإحرام. - وفي رواية قال: سبع بلا تكبيرة الإحرام. وفي الحقيقة الأقرب للنص أن نقول: أنها سبع وخمس. لأنك تقول الخمس زوائد أيضاً السبع يبنبغي أن تكون زوائد. على كل حال الأمر واسع جداً والخلاف فيه ثابت عن أصحاب النبي ﷺ . والعمل على ست وخمس هنا في هذه البلاد. • ثم قال ﵀: وفي الثانية قبل القراءَة: خمساً. وتقدم معنا الكلام عن هذه المسألة. • ثم قال ﵀: يرفع يديه مع كل تكبيرة. لما تبين معنا أن التكبيرات الزوائد ست وخمس فالسنة أن يرفع يديه مع كل تكبيرة زائدة. والدليل على ذلك: - حديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه مع كل تكبيرة. قال الإمام أحمد ﵁ وصلاة العيد من ذلك.

стр. 737

- وبإنه ثبت عن ابن عمر ﵁ أنه كان يرفع يديه في الجنائز والعيد. وهذا إن شاء الله هو الصواب: أن الإنسان يرفع يديه مع كل تكبيرة. • ثم قال ﵀: ويقول: ((اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْماً كَثِيْراً)) وإن أحب قال غير ذلك. أفادنا المؤلف ﵀ مسألتين: - الأولى: أنه يستحب أن يكون هناك ذكر بين التكبيرات. - الثانية: أن الأمر واسع في هذا الذكر. فإن شاء قال ما ذكره المؤلف ﵀ وإن شاء كبر وهلل وإن شاء كبر وسبح فالأمر فيه واسع. الدليل على مشروعية الذكر بين التكبيرات: - أن ابن مسعود ﵁ قال: إذا كبر فإنه يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ قال حذيفة وأبو موسى ﵄ صدق أبو عبد الرحمن. فصار الأثر ثابت عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ . = والقول الثاني: أنه لا يشرع أن يقول شيئاً بين التكبيرات. - لأنه لو وجد ذكر مخصوص لنقل. فلما لم ينقل علمنا أنه لا يشرع. والصواب أن الأمر واسع إن شاء أخذ بهذه الفتوى عن مثل هذا الصحابي الجليل ابن مسعود وحذيفة وأبو موسى وإن شاء أخذ بظاهر النص ولم يذكر بين التكبيرات شيء فالأمر إن شاء الله واسع. • ثم قال ﵀: يقرأ جهراً. أي أن السنة: للإمام أن يجهر بالقراءة. = وهذا مذهب الجماهير وحكي إجماعاً. واستدلوا على هذا: - بأن أصحاب النبي ﷺ أخبروا بما كان يقرأ في الصلاة. فدل على أنه يجهر بالقراءة. وعلى هذا عمل المسلمين من قديم الزمان. • قال ﵀: في الأُولى بعد الفاتحة: ((بِسَبْحِ))، و ((بِالْغَاشِيَةِ)) في الثانية. تقدم معنا: في حديث النعمان وهو في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يقرأ بهاتين السورتين في الجمعة والعيد فإذا وافق يوم الجمعة العيد قرأ بهما في الصلاتين. وفي هذه المسألة سنة أخرى وهي:

стр. 738

- مارواه أبو واقد الليثي أن عمر بن الخطاب ﵁ سأله عن السنة في صلاة العيد فقال: يقرأ بـ: ق واقتربت. وهو حديث صحيح في مسلم. فالسنة أن يقرأ هذا أحياناً وهذا أحياناً. وفي هذا الحديث من الفوائد أن العالم الكبير والفقيه المنظور إليه قد يجهل بعض السنن ولذا نجد أن عمر ﵁ يسأل هذا الصحابي عن سنة القراءة في صلاة العيد مع العلم أن صلاة العيد أمرها لا يخفى وعمر ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ومع ذلك سأله فقد يخفى على كبير الشأن ما يعلمه من هو أقل منه. = والقول الثاني: أنه ليس لصلاة العيد سنة معينة في القراءة وهذا رواية عن الإمام وكأنه حمل هذه الأحاديث على أن النبي ﷺ قرأها مصادفة لا قصداً - كأنه انا أقول: كأنه ﵀ في هذه الرواية حمل الأحاديث على هذا أنه قرأها مصادفة لا قصداً. والصواب بلا شك مع القول الأول وهو: أنه يقرأ أحياناً بهذا وأحياناً بهذا لأن الصحابة الذين رووا هذه الأحاديث ومنهم عمر فهموا أن هذا سنة. • ثم قال ﵀: فإذا سلم: خطب خطبتين كخطبتي الجمعة. يعني: أن المشروع في خطبة العيد أن يخطب خطبتين. وقد اتفق على هذا الفقهاء ﵏. واستدلوا على ذلك: - بأن صلاة العيد تقاس على صلاة الجمعة لكثرة الشبه بينهما. - ثانياً: بما رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: وهذا تابعي كبير القدر وهو من الفقهاء السبعة وهو شيخ عمر بن عبد العزيز ومعلمه. أن النبي ﷺ كان يخطب خطبتين. ولكن هذا الأثر في إسناده ضعف. ثم أن العلماء اختلفوا في قول التابعي: من السنة. هل له حكم الرفع؟ أو حكم الوقف؟ - إذا قال الصحابي من السنة فله حكم: الرفع. لكن إذا قال التابعي من السنة فاختلفوا هل له حكم الرفع؟ أو حكم الوقف؟ فيخ خلاف بين الفقهاء: والأقرب عندي والله أعلم: أن له حكم الرفع. إذا كان القائل بمنزلة هذا التابعي الكبير من العلم والفهم فإنه لا ينسب عملاً إلى السنة إلا وقد علم أنه من السنة. = والقول الثاني: أن المشروع أن تكون خطبة واحدة.

стр. 739

وكأن هذا القول فيه خلاف للإجماع. وممن مال إلى هذا القول شيخنا ﵀ وأظن أن الشيخ ﵀ أخذه من الصنعاني في سبل السلام لأنه ذكر هذا الشيء وهو أن ظاهر النص أنها خطبة واحدة. ولكن في الحقيقة الصنعاني والقول الذي مال إليه شيخنا فيه مخالفة للإجماع فمهما بحثت ف"إنك لا تجد أن أحداً يقول بسنية أن تكون خطبة واحدة وهو أمر معهود معروف من القديم. يعني: نشأ الإمام مالك وهم يخطبون العيد خطبتين. وهذا التابعي الكبير عبيد الله بن عبد الله بن عتبة كذلك يثبت أنها خطبتان فالمهم أنني أظن أن هذا فيه مخالفة للإجماع وخالف هؤلاء الذين ذكرت وكأنهم تفقهوا بالنص مباشرة ولكن الواقع أن أئمة المسلمين كلهم يرون أن المشروع في صلاة العيد أن يخطب الإمام خطبتين. وهذا هو الراجح. • ثم قال ﵀: كخطبتي الجمعة. يعني أن المشروع أو بعبارة أخرى أن شروط خطبتي العيد كشروط خطبتي الجمعة في كل شيء إلا في بعض المسائل غير المهمة نتركها ونأخذ مسألتين مهمتين: - الأولى: أنه لا يشرع للإمام في خطبتي العيد أن يجلس إذا حضر. لأنه في الجمعة يجلس الإمام لينتظر المؤذن وهنا لا أذان. - الثانية: أنهم اختلفوا في الكلان أثناء خطبة العيد: = فمن الفقهاء من قال: يجوز أن يتكلم الإنسان أثناء خطبة العيد. واستدل على ذلك: - بأن حضور الخطبة كله سنة فالاستماع لا يكون واجباً. = والقول الثاني: أن الا ستماع وترك الكلام واجب فإن تكلم فهو آثم مع الإقرار بأن حضور الخطبة سنة كما سيأتينا. - وذلك لأنه لارتباط بين حكم حضور الشيء والأحكام التفصيلية فيه. فهذا الإنسان يجوز له أن يكبر في النفل ويجوز له أن لا يفعل لكنه إذا كبر وجب عليه واجبان وبطلت صلاته إن لم يستوف مافيها من شروط وأركان.

стр. 740

فنقول: لك أن تحضر ولك أن تغيب لكن إذا حضرت لا يجوز لك أن تتكلم ولذلك قال الإمام أحمد: في الرواية التي ينصر فيها تحريم الكلام: أرأيت إذا تكلموا على من يخطب. وهذا معنى كلامه ﵀ أي: إذا صار الناس يتكلمون إذاً الخطيب يخطب على من؟ لا شك أن هذا مخالف لمقتضى الشرع ومخالف للمقصود من خطبة العيد وأيضاً هو فيه من الإخلال بمظهر المسلمين مافيه لو فتح هذا الباب. فالراجح إن شاء الله أنه يحرم لمن أراد أن يحضر الخطبة أن يتكلم. • ثم قال ﵀: يستفتح الأُولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع. يستفتح الخطبة الأولى بتسع والثانية بسبع. وهذه السنة أيضاً ليس فيها نص عن النبي ﷺ وإنما فيها حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة السابق وفيه: أن النبي ﷺ كبر بتسع وبسبع في الخطبة الثانية. واستدلوا على ذلك: - بأن التكبير شعار صلاة العيد فاستحب أن يبدأ الخطبة به. وهذا القول - الأول - قول الجماهير: افتتاح خطبتي العيد بالتكبير. = والقول الثاني: أن المشروع للإنسان أن يبدأ بالحمد. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ﵀ وبعض الفقهاء. واستدل: - بأنه لا يحفظ عن النبي ﷺ أنه بدأ خطبة بغير الحمد. وهذا القول الثاني: أصح. وهو أنه يبدأ بالحمد. لأن هذا هو المعهود عن النبي ﷺ ولأنه لو كان النبي ﷺ يستفتح الخطبة بالتكبير بهذا الشكل تسع تكبيرات قبل أن يقول الحمدلله رب العالمين لكان مثل هذا مما توافر الهمم على نقله وبيانه لا سيما وأنه لو كان وقع فهو يخالف المعهود عن النبي ﷺ فإن الفقهاء جميعاً أقروا أن المعهود عن النبي ﷺ أن يبدأ الخطبة بالحمد لله رب العالمين. لهذا فإن الراجح إن شاء الله أن الإنسان يبدأ خطبة العيد بالحمد لله رب العالمين ولا يكبر. هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.
следующие страницы →