← Книги сунны

Книги сунны · id 96615

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ت حسين أسد

نور الدين الهيثمي

Полный текст (942 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ وَمَنْبَعُ الفَوَائِدِ لِلحَافِظِ نُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي بَكْر الهَيْثَمِي المتَوَفَّى سنة ٨٠٧ هـ الجزْء الأوَّل حَقَّقَهُ وَخَرَّجَ أَحَادِيثَهُ حسين سليم أسد الدّاراني دَارُ المَأْمُون لِلتُّرَاثِ دمشق - ص. ب ٤٩٧١ - بيروت - ص. ب ٦٤٣٣/ ١١٣

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدِّمة التّحقيق إنَ الحَمد لله، نحمدُهُ وَنَسْتعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَمِن سَيئاتٍ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ، فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. "وأحمد الله حمد الشاكرين على عظيم نعمائه وجميل بلائه، وأسأله تعالى أن يكف عنا نوائب الزمان، وأرغب إليه في التوفيق والعصمة، وأبرأ إليه من الحول والقوة، سائله يقيناً يملأ الصدر ويعمر القلب، ويستولي على النفس حتى يَكُفَّها إذا نزعت، ويردها إذا تطلعت. فالخير والشر بيده، والنعم كلها من عنده، لا سلطان لأحد مع سلطانه، نوجه رغباتنا إليه، ونخلص نِياتنا في التوكل عليه: أن يجعلنا ممَّن همُّه الصدق، وبغيته

стр. 3

الحق، وغرضه الصواب. ونعوذ بالله من ادعاء شيء لا نعلمه، ونسأله متوجهين إليه تعالى أن لا يجعلنا مِمَّن يعجبهم أن يجادلوا بالباطل ويموهوا على السامع، ولا من الذين قال فيهم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨]. اللهم سدد خطانا، وخذ بيدنا إلى الحق والخير، اهدنا فيما اختلف فيه إلى الحق بإذنك يا أكرم مسؤول، ويا أسرع من يجيب" (١). أما بعد فإن الحمد لله الذي خلق الإنسان وجهزه بجهاز الحس والفكر، ولفت نظره إلى عظيم هذه القدرة، وجزيل هذه النعمة اللذين يفرضان على الإنسان عميق الشكر والامتنان فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وقال أيضاً: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]. لقد خلق الله الإنسان لعبادته في إطار إعمار الأرض واستثمار خيراتها، وحسن استخدامها، والعدل في توزيع خيراتها وعطاءاتها، ولكنه لم يتركه يتخبط في عشواء محاولاً أن يعبد ربه وفق ما يخترعه من طرق، أو ما يستحسنه ويروق له من أساليب، فأرسل له الرسل مبشرين ومنذرين، وختمهم بالرسول العظيم خاتم المرسلين، الذي أوتي القرآن ومثله معه: القرآن العظيم، والسنة المطهرة وهما البرنامج العام للعقل الإنساني، فهو على الصراط المستقيم ما دام منفذاً ما أمرا به، مبتعداً عما نهيا عنه، لأن

стр. 4

الله هو الذي خلق بعلمه وقدرته، وأرشد وهدى بلطفه ورحمته، فأرسل إلى الإنسان ما يحقق إنسانيته ويرشده إلى قيمة القيم في السلوك الإنساني والحياة البشرية بامتدادها الأفقي، وعمقها الشاقولي، ومن المسلم به أن مخترع الحاجة أعلم بما يصونها ويحفظها من التلف، وهو الأدرى بإصلاحها إن أصابها شيء من عطب، فالله هو الخالق، والله هو الهادي، والله على كل شيء قدير: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وما أجمل وصف الرسول الكريم لما أتى به، وما أوجز عبارته وأعمقها تحذيراً من التفلتْ وترغيباً في الالتزام حيث قال: "أَلَا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللهِ هُوَ حَبْلُ اللهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ، كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ، كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ" ... مسلم (٢٤٠٨) (٣٧). وحيث قال: "تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ الله، وَسُنَّتِي". لقد آمن الصحابة الكرام الإيمان العميق بصدق الرسالة وخيرها فاحتضنوها وأحاطوها بمقل العيون، بل زرعوها في سويداء القلوب، وحولوا ما جاء فيها من مبادئ إلى سلوك يومي لأنها دستور الإصلاح العام: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. فهي تهذيب للنفس وسمو بها إلى عالم الأمن والأمان والسلامة والإسلام، ترسم لها أسلوب التعامل مع ذاتها، وتوضح لها أطر العلاقات مع الخلق الذين هم عيال الله، وتزرع في عمقها "أَن أَحَبَّ الْخَلْقِ إلَى الله أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ". وهي تهذيب للمجتمع حتى لا يُفْرِطَ ولا يُفَرِّط، فهو الحامي للفرد من كل طغيان، وهو الصاعد بالفرد من حدود الذات، فالمجتمع كالجسم يكون سليماً بسلامة أعضائه. ولكنه يضعف إذا اعتل أحد الأعضاء، فهو الذي

стр. 5

عليه أن يأخذ منه إذا احتاج، ولكن دون إرهاق، وهو الذي عليه أن يقدم له ما يحتاج إليه أمثاله نوعاً وكمّاً إذا عرض لهذا الفرد ما يجعله بحاجة إلى هذا الإمداد. وهي التي تحدد العلاقة بين الخالق والمخلوق بأسلوب عملي واضح لا مجال فيه لاجتهاد مجتهد، أو افتراء متنطع، "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"، و"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ"، و"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرَنَا هذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ". لذلك فإن الصحابة قد حملوا هذه الرسالة أمانة أغلى عندهم من أموالهم وأولادهم بل ومن أنفسهم، فوقَّعوا على صك البيع: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ... ﴾ وهم مختارون فرحون بهذا الفوز العظيم. ثم تلا أصحابَ رسول الله ﷺ أولئك الذين: ﴿اتَّبَعُوهُمْ بِإحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ... ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وهم الذين اختارهم الله لإقامة دينه، وخصَّهم بحفظ فرائضه وحدوده، وأمره ونهيه، وأحكامه جميعها، وسنن رسوله المبينة لها، فحفظوا عن الصحابة ما فقهوه وأتقنوه علماً وعملاً، ثم علَّموه للأئمة الثقات الذين جمعوا السنة مما كتب الكاتبون (١) وحفظ الحافظون. وقد أخذ هؤلاء الأئمة عن كتب شيوخهم الذين يكتبون كما أخذوا عن الحفاظ الذي اكتفوا بالحفظ ولم يكتبوا، وجمعوا هذا إلى ذاك بالطرق المختلفة التي كانت معروفة آنذاك في التأليف والتصنيف. لقد جمعوها بإفراد أبواب الفقه باباً باباً كما فعل الشعبي الذي روي عنه

стр. 6

أنه قال: هذا باب من الطلاق جسيم وساق فيه أحاديث. كما جمعوها أبواباً وأحكاماً فمزجوا بين الحديث وفتاوى الصحابة كما فعل مالك في "الموطأ" وقد توخى جمع القوي من أحاديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين. وقد استقصى هذا فجمع وأوعى عبدُ الرزاق (٢١١) هـ، وأبو بكر بن أبي شيبة (٢٣٥) هـ. ثم رأى كثير من الأئمة أن يفردوا حديث رسول الله ﷺ فأصبحتَ قلّما تجد إماماً من الحفاظ إلا وله مسند: كالطيالسي، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، والبزار وأبي يعلى الموصلي. ومن الحفاظ من رتب على العلل فجمع لكل متن طرقه، واختلاف الرواة فيه بحيث يتضح إرسال ما يبدو متصلاً. ووقف ما يبدو أنه مرفوع. ثم أصبح التأليف الأغلب الذي صار سائداً والتأليف على الأبواب بغير تمييز بين درجات الحديث. ثم بدا لبعض الحفاظ أن يتقيد بالصحيح، فكانت التجربة الفذة التي قام بها الإمام البخاري، والتي تابعه عليها مسلم بن الحجاج النيسابوري. وقام حفاظ آخرون بإفراد الحديث الصحيح جملة، فكانت محصلة ذلك صحيح ابن خزيمة. غير أن ابن حبان تلميذ ابن خزيمة قام بتجربة أوسع على غير الطريقة التي أصبحت مألوفة في التأليف، فابتاع طريقة رأى بعض العاملين في هذا الميدان الشريف أنها عسرة، ورأينا غير ذلك. فهجر ابن حبان، وهُجر صحيحه إلى أن قام ابن بلبان بإعادة ترتيبه على أبواب الفقه وقد بينا ذلك في مقدمتنا لهذا الصحيح -طبعة أولى- الذي قامت بنشره مؤسسة الرسالة. ولقد اعتنى المحدثون بالكتب الستة، ووضعوا عليها الأطراف، كما

стр. 7

وضعت المستخرجات على الصحيحين، والمستدرك عليهما. ثم رأى جماعة من الحفاظ أن يجمع بين الكتب المعروفة في موضع واحد، فجمع الحميدي بين الصحيحين، وجمع ابن الأثير الكتب الستة في "جامع الأصول" وجاء علي بن أبي بكر الهيثمي -بإشارة شيخه الحافظ العراقي وإرشاده- ليجعل من الزوائد تكملة لما وصل إليه من سبقه. فم ا الزوائد هذه، ومن الحافظ الهيثمي ﵀؟ أ- الزوائد إذا أطلقت كلمة "الزوائد" أريد بها الأحاديث التي يزيد بها كتاب في الحديث مسنداً كان أو معجماً على الكتب الستة. وقد قام علماء أفاضل باستخلاصها من المسانيد والمعاجم المرتبة على أسماء الشيوخ والتي لم ترتب على أبواب الفقه، لأن البحث فيها عن حديث ما صعب وعسير، ويستهلك الوقت الطويل والجهد الكبير، فأرادوا -جزاهم الله خيراً- أن يوفروا هذا الجهد، وهذا الوقت على الباحثين، فعرضوا هذه المسانيد، وتلك المعاجم على الكتب الستة، واستخلصوا منها ما زاد على ما جاء في هذه الكتب، ثم أضافوا إلى ذلك ما أخرجه بعض أصحاب الكتب الستة من طريق أخرى انفرد بها أصحاب المعاجم والمسانيد، أو أخرجوه وكان فيه بعض زيادة أو اختلاف في المتن أو الإسناد، وما أجمل أن يتحدث المصنف عن منهجه: قال الهيثمي في مجمع البحرين ١/ ١: "فقد رأيت المعجم الأوسط، والمعجم الكبير لأبي القاسم الطبراني ذي العلم الغزير قد حويا من العلم ما لا يحصل لطالبه إلا بعد كشف كبير، فأردت أن أجمع كل شاردة، إلى باب من الفقه يحسن أن تكون فيه واردة، فجمعت ما انفرد به عن أهل الكتب الستة من حديث بتمامه وحديث شاركهم فيه بزيادة عنده،

стр. 8

مميزاً لها بقولي: أخرجه فلان خلا كذا، أو: ذكرته لأجل كذا، ولم أره بهذا السياق، وشبه هذا". وبذلك فقد وفروا على الباحث الجهد والوقت، ويسروا عليه الوصول إلى ما يريد من أقصر الطرق. وزودوا الباحثين بما يمكن أن يعتبر نسخة أخرى للأصول التي استخلصوا منها زوائدها، كما وثقوا نسبتها إلى أصحابها بالأسانيد المتصلة منهم إلى مؤلفيها. ولهذا كله فقد كانت كثيرة المنافع، غزيرة الفوائد. ولم يذكر لنا مؤرخو السنة متى بدأ التأليف في هذا الباب، وأقدم ما وقعنا عليه في هذا الباب. ما قاله الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" ٦/ ٧٤ ترجمة مغلطاي: "ومن تخريجاته ترتيب (بيان الوهم والإيهام) لابن القطان، و (زوائد ابن حبان على الصحيحين) ... " وانظر مقدمة موارد الظمآن بتحقيقنا. هذه هي التجربة الأولى التي وقعنا على ذكرها أثناء بحثنا، وأما التجربة الثانية التي وقعنا عليها فهي ضم زوائد الطبراني، وأبي يعلى إلى مسند أحمد الذي رتبه الحافظ ابن كثير على حروف المعجم. ولم يذكر الهيثمي شيئاً عن الذين سبقوه في هذا الميدان، وليست لدينا تجاربهم لنعلم هل استفاد منها أم لا؟ ولنحدد مقدار هذه الفائدة إن كانت واقعة. ولذلك فإننا نعدُّ الحافظ الهيثمي رائد هذا الميدان حتى نقع على ما يجعلنا نبدل رأينا، فقد أنضج تجربته حتى أصبحت المعين الذي نهل منه كل من جاء بعده، سواء اعترف بهذه الفائدة كالحافظ ابن حجر، أو تجاهلها كما فعل الشهاب البوصيري، غير أنهما معاً اعترفا بفضل الهيثمي في هذا المضمار وسبقه في مجال التأليف في هذا الباب المفيد.

стр. 9

وقد أجمع مترجمو الهيثمي على أن العراقي هو من درب تلميذه على هذا الفن، قال محمد بن محمد بن فهد الهاشمي المكي في "لحظ الألحاظ" ص (٢٣٩): " وأشار عليه بجمع ما في مسند الإمام أحمد من الأحاديث الزائدة على الكتب الستة، فأعانه بكتبه، وأرشده إلى التصرف في ذلك ... ". وقد ذكر لنا الهيثمي فضل شيخه عليه وإشارته إليه في مقدمته لهذا الكتاب إذ قال: "وبعد فقد كنت جمعت زوائد مسند الإمام أحمد، وأبي يعلى الموصلي، وأبي بكر البزار، ومعاجيم الطبراني الثلاثة -رضي الله تعالى عن مؤلفيهم وأَرضاهم، وجعل الجنة مثواهم- كل واحد منهم في تصنيف مستقل، ما خلا المعجم الأوسط والصغير فإنهما في تصنيف واحد. فقال لي سيدي وشيخي العلامة، شيخ الحفاظ بالمشرق والمغرب، ومفيد الكبار ومَنْ دونهم، زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة مثوانا ومثواه. اجْمَعْ هذه التصانيف، واحذف أسانيدها لكي تجتمع أحاديث كل باب منهَا فىِ باب واحد من هذا. فلما رأيت إشارته إلي بذلك صرفت همتي إليه، وسألت الله تسهيله والإعانة عليه. وأسأل الله تعالى النفع به إنه قريب مجيب". فأعانه الله ويسر له فكان هذا الكتاب. وإنني أرى من الواجب علي أن أنقل هنا كلمة الناشر حسام الدين القدسي -اعترافاً بجهده، وطلباً للرحمة لنا وله- التي كتبها في نهاية الجزء الأول من طبعته. وفيها الكثير مما كنا نودّ إبرازه والحديث عنه فسبقنا ﵀ إليه. يقول الناشر: "بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على توفيقه لطبع هذا الكتاب الذي جمع فيه مؤلفه الزيادات

стр. 10

على كتب السنن الستة من أعظم المعاجم والمسانيد: المعاجيم الثلاثة -الكبير، والأوسط والصغير- للطبراني، ومسند البزار. ومسند الإمام أحمد، ومسند أبي يعلى الموصلي. ويذكر أحياناً بعض السنن المروية في غير هذه الكتب كصحيح ابن حبان، والأحاديث المختارة للضياء المقدسي، وغيرهما. ورتبه على الكتب والأبواب، وتكلم على الأحاديث ورجالها تصحيحاً وتضعيفاً، وجرحاً وتعديلاً. فهو -مع الكتب الستة- كمعلمة (دائرة معارف) للسنن النبوية التي هي الينبوع الفياض لسعادة العالمين، يرى المتبصر فيه كثيراً من الأحاديث التي لا وجود لها في الكتب المطبوعة، مما يساعد على حَلِّ المشكلات الفقهية والعلمية، وينير الطريق لفهم السنن التي اختلف الشراحُ فيها. كما يجد فيه أحاديث وفيرة تكشف عن وجوه الأحاديث التي يوهم ظاهرها التناقض، وهو خير مؤازر على تفسير السنن بالسنن. وقد توفر الحافظ الهيثمي على تأليفه، وأعانه شيخه الحافظ الزين العراقي عليه بتحريره ونحو ذلك -كما يقول الحافظ السخاوي وغيره- ثم جاء الحافظ ابن حجر فقرأه على مؤلفه، واستدرك عليه في مواضع يسيرة، فهو إذاً كتأليف ثلاثة من أئمة الحفاظ الذين وقفوا حياتهم لخدمة السنة النبوية. ﵃. وقد عثرنا على الأصل العظيم لهذا الكتاب الذي عليه قراءةُ الحافظ ابن حجر على المؤلف، وفيه استدراكاته المذكورة. فقابلنا به. وأثبتنا استدراكاته كما نقلنا صورة خط الحافظ ابن حجر بهذه القراءة، وخط الصنف بإجازته له ولمن حضر القراءة، وختمنا أكثر الأجزاء بما وجد في آخرها من السماعات والبلاغات، والقراءات، وغيرها.

стр. 11

وزيادة على ذلك فإن هذا الأصل مكتوب بخط تلميذ المؤلف أحمد بن محمد الفوي. وعارضنا بعض أجزائه بثلاث نسخ غير الأصل في مصر والشام". رحم الله حسام الدين القدسي، وأجزل ثوابه، وإنني سأقدم الدراسة الوافية -إن شاء الله وأراد لي ذلك- في نهاية الكتاب. حيث يكون العمل تاماً والإحصائيات مهيأة أسبابها، حيث يكون الرأي مدعماً بالإحصائيات. لأن التعميم لا يفيد عالماً، ولكنه يضر بدون شك شداة العلم ومدعيه. نسأل الله التوفيق والسداد، والتثبت والرشاد إنه على ما يشاء قدير. وقال السيد محمد بن جعفر الكتاني في "الرسالة المستطرفة" ص (١٢٩) وهو يتحدث عن "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد": "وهو من أنفع كتب الحديث، بل لم يوجد مثله كتاب، ولا صنف نظيره في هذا الباب". وقال الأستاذ أحمد رافع الطهطاوي -هامش ذيل طبقات الحفاظ-: "وهو من أهم كتب السنن بعد الأصول الستة، ومن يطَّلعْ عليه، يخضع لجلالة قدر مؤلفه في الحديث". وقال الشيخ محمد عابد السندي يصف هذا الكتاب: "وهو كتاب عظيم جليل القدر، كبير الشأن، لم أر أحداً سبقه إلى هذا المنهج الجلي، ﵁ رضاء لا سخط بعده". ب- علي بن أبي بكر الهيثمي (١) إن دراسة حياة أيّ علم من أعلام الحديث أو الفقه أو الأدب دراسة علمية يتوصل بواسطتها الدارس إلى المكونات النفسية والفكرية، ومجالات

стр. 12

الإبداع أو التخلف، وحجم العطا وتناسبه مع الفترات التي كان خلالها، لهي أشق على الدارس من غزل الصوف بدون مغزل، ومن البحث عن إبرة في بيدر من القش. وخاصة إذا أغفلت المصادرُ المراحل التي مرت بها حياته. إن الفترة الزمنية التي عاشها الحافظ الهيثمي تمتد من ولادته سنة (٧٣٥) هـ إلى سنة وفاته وهي سنة (٨٠٧) هـ. وما أكثر ما مر بالبلاد الإسلامية من أحداث في هذه الفترة الطويله العصيبة. لقد ورثت مصر العراق في الزعامتين: الدينية والسياسية للعالم الإسلامي، كما عقد لها لواء الزعامة الفكرية والحضارية، وصارت القاهرة خليفة بغداد منذ عام (٦٥٦) هـ وطوال قرون طويلة. قال العلامة ابن خلدون (٧٣٢ - ٨٠٨) هـ: "واختص العلم بالأمصار الموفورة الحضارة، ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر، فهي أم العالم، وإيوان الإسلام، وينبوع العلم والصنائع". لقد وجد صلاح الدين نفسه أمام تيار ضخم عميق الجذور من الفكر

стр. 13

الفلسفي الوافد والهجين، فقابله بحرب لا تهدأ لإحلال الفكر السني، فركز على نشر الحديث والمذاهب الأربعة، وبنى المدارس في مصر والشام، واستدعى العلماء والفقهاء، وأغراهم بالحضور، وسار خلفاؤه على سننه ونهجوا نهجه. واستمرت سياسة المماليك في نشر المذاهب الأربعة مع التعصب الشديد لها، وبناء المدارس، والجوامع، وجمع الكتب المختلفة في التفسير والحديث وعلوم القرآن، وعلوم اللغة، والتاريخ، والجغرافيا، والسير، والطب والصيدلة. ومع هذا كله فإن المماليك لم يدَّعوا لأنفسهم السلطة الدينية، بل احتفظوا بالسلطة الزمنية والسياسية، وكثيراً ما كان يثور الخلاف بين السلطتين الدينية والزمنية، فيمتلئ صدر العلماء بالضيق لجهل المماليك وتهورهم وظلمهم، واقرأ معي نفثه قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد المصدور إذ قال: أَهْلُ الْمَنَاصِبِ فِي الدُّنْيَا وَرِفْعَتِهَا ... أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَرْذُولُونَ بَيْنَهُمُ قَدْ أَنْزَلُونَا لأنَّا غَيْرُ جِنْسِهِمُ ... مَنَازِلَ الْوَحْشِ فِي الإهْمَالِ عِنْدَهُمُ فَمَا لَهُمْ فِىِ تَوَقِّي ضُرِّنَا نَظَرٌ ... وَلاَ لَهُمْ فِي تَرَقِّي قَدْرِنَا هِمَمُ فَلَيْتَنَا لَوْ قَدِرْنَا أَنْ نُعَرِّفَهُمْ ... مِقْدَارَهُمْ عِنْدَنَا أَوْ لَوْ دَرَوهُ هُمُ لَهُمْ مُريحَانِ: مِنْ جَهْلٍ وَفَرْطِ غِنىً ... وَعِنْدَنَا الْمُتْعِبَانِ: الْعِلْمُ، وَالْعَدَمُ

стр. 14

ومن مظاهر الحياة الدينية عند المماليك الاحتفال بليلة النصف من شعبان، والاهتمام الزائد بالمولد النبوي، وموالد الأولياء والصالحين، وكثيراً ما تتخذ مناسبات موالد الأولياء والشيوخ مجالاً للتحرر من الأخلاق والفضيلة، وارتكاب المفاسد والشرور. وتمكنت في الناس عقيدة الكرامات لأولياء الصوفية، وكثر الحديث عما يأتون من خوارق الأعمال والكرامة في عرف البسطاء والجاهلين من الناس. وأصبح الناس يعتقدون بالتنجيم والمنجمين وعلى رأس هؤلاء الناس سلاطينهم. وقد استطاع مشايخ الصوفيين أن يدخلوا فى روع السلاطين أن بمقدروهم الكشف والتصريف والإتيان بالخوارق، وقد أحب المماليك انتشار هذا الوهم، لأن سياستهم تتطلب أناساً منصرفين عن الدنيا، زاهدين في الحياة والمال والنعيم، وهذا شيء يجيد الحديث عنه أولئك المتصوفون. وعلى الرغم من أن سوس الفساد انتشر في بناء هذا المجتمع، فساد العسف والجور، والمصادرة، والسخرة، وعمت السرقة، والتحلل الخلقي، والفساد السياسي، والفساد الاجتماعي، والظلم الاقتصادي، فإن المماليك كانوا مهتمين بالحفاظ مظهراً على أمور الدين ورعاية أوامره ونواهيه، حتى أظهر الكثير منهم التشدد في تطبيق أحكامه ومحاربة الخارجين عليه فأخذوهم بصورة لا يقرها الشرع نفسه. وليس أدل على ذلك من أن جماعة من الأقباط تظاهروا بالإسلام، وتسللوا إلى الوزارة والدواين فتسلطوا عليها، وتشددوا في ظلم الرعية. قال شهاب الدين الأعرج (ت ٧٨٥) هـ: وَكَيْفَ يَرُومُ الرِّزْقَ فِي مِصْرَ عَاقِلٌ ... وَمِنْ دُونِهِ الأتْرَاكُ بِالسَّيْفِ وَالتُّرْسِ وَقَدْ جَمَعَتْهُ الْقُبْطُ مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ ... لَأنْفسِهِمْ بِالرُّبْعِ وَالثُّمْنِ وَالْخُمْسِ

стр. 15

فَلِلتُّرْكِ وَالسُّلطَانِ ثُلْثُ خَرَاجِهَا ... وَلِلْقِبْطِ نِصْفٌ وَالْخَلائِقُ فِي السُّدْسِ وفوق كل ما تقدم فإن المماليك فعلوا ما عجز عنه غيرهم: لقد صَفَّوُا الجيوب الصليبية تصفية نهائية من المنطقة، ودحروا جيوش المغول التي كان الكثير من الناس يزعم أنها قضاء الله قدره الذي لا مرد له. وإليك ما كتبه تيمورلنك في رسالته إلى السلطان برقوق (٧٩٦) هـ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. اعلموا أنا جند الله مخلوقون من سخطه ومسلطون على من حل عليه غضبه، لا نرق لشاكٍ، ولا نرحم لباكٍ، قد نزع الله الرحمة من قلوبنا، فالويل ثم الويل لمن لم يكن من حزبنا ومن جهتنا، قد خربنا البلاد، وأيتمنا الأولاد، وأظهرنا في الأرض الفساد، وذلت لنا أعزتها، وملكنا بالشوكة أزمتها، فإن خيل ذلك على السامع وأشكل، وقال: إن فيه عليه مشكل، فقل له: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] وذلك بكثرة عددنا وشدة بأسنا، فخيولنا سوابق، ورماحنا خوارق، وأسنتنا بوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وجيوشنا كعدد الرمال، ونحن أبطال وأقيال، وملكنا لا يرام، وجارنا لا يضام، وعزنا أبداً لسؤدد منقام، فمن سالمنا، سلم، ومن رام حربنا، ندم، ومن تكلم فينا بما لا يعلم جُهل. وأنتم إن أطعتم أمرنا، وقبلتم شرطنا، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خالفتم، وعلى بغيكم تماديتم، فلا تلوموا إلا أنفسكم فالحُصون منا -مع تشديدها- لا تمنع، والمدائن بشدتها لقتالنا لا ترد ولا تنفع. ودعاؤكم علينا لا يستجاب فينا ولا يسمع.

стр. 16

فكيف يسمع الله دعاءكم وقد أكلتم الحرام، وظلمتم جميع الأنام، وأخذتم أموال الأيتام، وقبلتم الرشوة من الحكام، فأعدت لكم النار وبئس المصير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] فلما فعلتم ذلك، أوردتم أنفسكم موارد المهالك. وقد قتلتم العلماء، وعصيتم رب الأرض والسماء، وأرقتم دم الأشراف، وهذا والله هو البغي والإسراف، فأنتم بذلك في النار خالدون. وفي غد ينادى عليكم: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠]. فأبشروا بالمذلة والهوان، يا أهل البغي والعدوان. وقد غلب عندكم أننا كفرة، وثبت عندنا أنكم -والله- الكفرة الفجرة، وقد سلطنا عليكم الإله، له أمور مقدرة، وأحكام محررة. فعزيزكم عندنا ذليل، وكثيركم لدينا قليل، لأننا ملكنا الأرض شرقاً وغرباً، وأخذنا منكم كل سفينة غصباً، وقد أوضحنا لكم الخطاب، فأسرعوا برد الجواب، قبل أن ينكشف الغطاء، وتضرم الحرب نارها، وتضع أوزارها، وتصير كل عين عليكم باكية، وينادي منادي الفراق: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] وُيسْمِعُكُم صارخُ الفناء بعد أن يهزكم هزاً ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨]، وقد أنصفناكم إذ راسلناكم، فلا تقتلوا المرسلين كما فعلتم بالأولين فتخالفوا -كعادتكم- سنن الماضين، وتعصوا رب العالمين "وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ" وقد أوضحنا لكم الكلام، فأرسلوا برد الجواب والسلام". في هذا الجو الذي يجمع المتناقضات: العلم إلى جانب الجهل، والتحقيق إلى جانب الإيمان العميق بالخرافة، والأمن النسبي، إلى جانب الخوف الذي يخلع القلوب، وبارقة من العدل إلى موجات متعاليات من الجور والظلم والعسف، وومضة من إنزال الناس منازلهم، إلى جانب

стр. 17

احتقار من هو جدير بالاحترام، وإبعاد لمن حقه التقريب، وهجر لمن يجب وصله ... في هذا الجو الذي يقابل فيه ومْضةَ الضوء، سيلٌ لا يكاد ينتهي من الظلم والظلام، ويصارع كل داع إلى الحق فيه جيش من الدساسين الذين يثيرون العوام، ويوغرون صدور الحكام. سلاحهم نشر الخرافة والشعوذة، وغايتهم إغراق الناس في شطحات الوهم قتلاً للوعي، وتعطيلاً للعقل عن الكشف عن قوانين الحياة. في هذا الجو الذي اعتزل فيه العرب السياسة، وهجروا -وللأسف الشديد- ساحات الجهاد إلى الزراعة والصناعة، وبقية الحرف التي يكسبون منها معاشهم، وكان من جملة ما انصرفوا إليه العلم الذي كان انصرافهم إليه غَيْرَةً على الدين، ورغبة في إعادة الإسلام التليد، يشجعهم على ذلك فئات من السلاطين تحدت أساليبهم واختلفت غاياتهم: أ- فئة منهم صادقة الحب للدين، مخلصة لرب العالمين، أحسنت إلى العلماء العاملين وقربتهم وكانت لهم الحظوة في بلاطها. ب- وفئة كانت -لجهلها- تعتقد أن الإحسان إلى العلماء، وعمارة المساجد والمدارس كفارةٌ لسيئاتها الأخلاقية وستاراً لظلمها، ولما تسببت فيه من ويلات ومجاعات واضطرابات. ج- وفئة -لخبثها- كانت تستغل هذا استغلالاً لتخدع عامة الناس بأنها العين الساهرة على حفظ ما يحبون، وبأنها حريصة على إشادة ما به يرغبون. في هذا الجو المشحون بالصراعات المحمومة، وفي صحراء الفسطاط المستلقية بينها وبين المقطم، في ذاك الجو، وفي هذه البقعة المنعزلة عن صخب الحياة وضجيجها ولد الحافظ الهيثمي سنة (٧٣٥) هـ. فهل أثرت

стр. 18

هذه البيئة بنفسه؟ وما آثارها؟. نعم هناك من ينكر أثر البيئة على الإنسان، وهناك من يغالي في تصوير آثارها فيجعلها المصنع الذىِ يصبُّ جميع أفرادها بقوالب خاصة لا يتخلف عن الخضوع لقواعدها أحد. وهذا غلو يأباه العقل، ويرده واقع الناس، فهما بين إفراط وتفريط. فالبيئة لابد أن تترك بصماتها على جانب أو أكثر من جوانب الشخصية الإنسانية التي تترعرع في أحضانها، وتتقلب بين ناسها عواطف وأفكاراً، ومشاعر وسلوكاً. ولكن الذي لا شك فيه أن تأثير البيئة يختلف نوعاً كما يختلف باختلاف النفوس التي تتعرض له: فالحياة في الصحراء مثلاً تطبع الإنسان بالشجاعة، والكرم، والوضوح ... غير أن هذه الصفات لا يمكن أن تكون بدرجة واحدة عند جميع الأشخاص، فلو كان التأثير بدرجة واحدة، لكان سكانها جميعهم عنترة بن شداد شجاعة، وحاتماً الطائي كرماً وإيثاراً. والظلم في البيئة الاجتماعية يؤثر في النفوس التي تكتوي بسياطه، ولكن تأثيره يكون في بعضها انعزالاً عن واقع الحياة، وهروباً من المواقف الإيجابية فيها، بينما يكون في أخرى ثورة عارمة، ومواقف أبية تمثل الرجولة الحقة، والانتصاف الجميل. وهنا لا بد من السؤال: هل أثرت هذه البيئة بنفس الهيثمي؟ ما هذا الأثر؟ هل اعتزل تلك الصراعات وجانبها فانصرف إلى ما انصرف غيره من العرب، أم ركب موجها وخاض غمارها؟ وحتى ندرك هذا لابد من متابعة حياة هذا الإمام خطوة فخطوة، نرصد ما له وما عليه: لقد نسبه تلميذه الحافظ ابن حجر فقال: "علي بن أبي بكر بن

стр. 19

سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صالح الهيثمي، الشيخ نور الدين أبو الحسن، ولد سنة خمس وثلاثين وسبع مئة" (١). وتشح المصادر فتغفل ذكره: فلا نجد فيها ذكراً لطفولته المبكرة، ولا شيئاً يتعلق بظروف نشأته الأولى، وإنما تبدأ الحديث عنه حين بلغ الخامسة عشرة من العمر، حيث "صحب زين الدين العراقي وهو صغير فسمع معه ابتداء طلبه على أبي الفتح الميدومي، وابن المملوك، وابن القطرواني، وغيرهم من المصريين. ومن ابن الخباز، وابن الحموي، وابن قيم الضيائية، وغيرهم من الشاميين. ثم رحل معه جميع رحلاته، وحج معه جميع حجاته، ولم يكن يفارقه حضرًا، ولا سفراً، وتزوج ابنته، وتخرج به في الحديث، وقرأ عليه أكثر تصانيفه، وكتب عنه جميع مجالس املائه" (٢). تبدأ مصادر الترجمة بالحديث عنه منذ اتصاله بالحافظ العراقي، ولا تقدم لنا شيئاً عن طفولته الأولى وهي مرحلة التكوين الفعلي، ومجال العمل التربوي الفعال للأسرة حيث تتكون في هذه المرحلة البنية الأساسية للأفكار والأحاسيس والمشاعر، فهي مرحلة الأساس التي يقوم عليها بناء الشخصيّة الشامخ، كما أنها لا تقدم لنا شيئاً عن أسرته: مكانتها الاجتماعية، وعدد أفرادها، ووضعها الاقتصادي، ومستوى أفرادها العلمي، غير أنها تُجمع على أن حافظ عصره الإمام العراقي حدب عليه، ورعاه، وأحاطه بالعناية والاهتمام والرعاية التي لم يحظ بمثلها تلميذ من تلامذة هذا الحافظ على كثرتهم ونبوغ بعضهم، حتى إنه أسمعه جميع الشيوخ الذين سمعهم، ولم

стр. 20

ينفرد عنه "بغير ابن البابا، والتقي السبكي، وابن شاهد الجيش" (١). كما أن الهيثمي لم ينفرد عنه -عن شيخه العراقي- بغير صحيح مسلم عن ابن عبد الهادي (٢). لقد شارك الهيثمي شيخه جميع شيوخه: بمصر، والقاهرة، والحرمين، وبيت المقدس، ودمشق، وحلب، وحماة، وحمص، وطرابلس، وغيرها، وصحبه في رحلاته، وحجاته، لأنه احتل من نفسه المكانة التي عجز غيره عن احتلالها، فـ "لم يكن الزين يعتمد في شيء من أموره إلا عليه" (٣). لقد اصطفاه من دون طلابه -وفيهم ابن حجر وغيره- وخصه بصحبته، زوجه ابنته، ولم يأمن أحدًا كما أمنه، فكان لا يطمئن إلى أحد اطمئنانه إليه، ولا يثق بأحد ثقته به. وقد بادله الهيثمي حباً بحب، واخلص له إخلاصاً كان مضرب المثل، إلى جانب الوفاء والتضحية والاحتواء. لقد وجد فيه -في العراقي- الأنموذج الإنساني الذي يتطلع إليه، والمثل الأعلى الذي يقتدي به فكراً، وثقافة، وأخلاقاً، وسلوكاً، فكان له الأخ الصادق، والابن البار، والصديق الصدوق، والصاحب الوفي، والتلميذ المطيع، والخادم الأمين الذي "لا يخاطبه إلا بسيدي حتى كان في أمر خدمته كالعبد" (٤). وقام بخدمته قياماً لا يصبر عليه غيره، فإن الحافظ ابن حجر وهو تلميذ للعراقي والهيثمي قال: "رأيت في خدمته لشيخنا وتأدبه معه، من غير

стр. 21

تكلف لذلك، ما لم أره لغيره، ولا أظن أحداً يقوى عليه" (١). وكانت للهيثمي خصوصية عند العراقي يحسده من أجلها أقرانه، فهذا ابن حجر وهو واحد منهم يقول متحدثاً عن تلامذة العراقي: "ومن أخصهم به صهره: شيخنا نور الدين الهيثمي. وهو الذي دربه وعلمه كيف التخريج والتصنيف، وهو الذي يعمل له خطب كتبه، ويسميها له" (٢). وابن حجر زامل الهيثمي بالتلمذة على شيخهما العراقي، وتتلمذ على الهيثمي، فهو أقرب الناس إليه، وأعرف الناس به، ولكن غيرة التلامذة أمر معروف، وأقوال الأقران في بعضهم ينبغي التوقف عندها. فالصفات التي وصفه بها تلامذته، والذين ترجموا له، هي أنه "كان هيناً، ليناً، خيراً، ديناً، محباً في أهل الخير، لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ وكتابه. الحديث. وكان سليم الفطرة، كثير الخير، كثير الاحتمال للأذى خصوصاً من جماعة الشيخ" (٣). "وكان ساكناً، شديد الإنكار للمنكر" (٤). "وكان محباً للغرباء وأهل الدين والعلم والحديث، كثير التودد إلى الناس مع العبادة والاقتصاد والتعفف. وكان -يرحمه الله تعالى- من محاسن القاهرة، ومن أهل الخير، غالب أوقاته في اشتغال وكتابة، كغير التلاوة بالليل والتهجد" (٥).

стр. 22

"وكان عجباً في الدين والتقوى، والزهد، والإقبال على العلم والعبادة، وخدمة الزين، وعدم مخالطة الناس في شيء من الأمور" (١). ومما تقدم نخلص إلى أننا أمام إنسان ذكي، صبور، دؤوب، مطيع، وفيّ، أمين، ثقة، مجانب للناس مع حبه لهم، محب للعلماء والعلم، لا يدع لحظة من حياته تمر إلا في خدمتهما. حدب عليه شيخ مشايخ عصره فأسمعه جل ما سمع، وكتب لشيخه معظم ما ألف، وقرأ عليه جل ما صنف حتى صار "لشدة ممارسته أكثر استحضاراً للمتون من شيخه" (٢). نقول: لقد حدب عليه شيخ خبر الحياة والأحياء وأفاد من تجربة عاشها. فقد كان العراقي مهتماً بعلم القراءات، فقال له قاضي القضاة عز الدين بن جماعة: "إنه علم كثير التعب، قليل الجدوى، وأنت متوقد الذهن، فينبغي صرف الهمة إلى غيره"، وأشار عليه بالاشتغال بعلم الحديث، فاستجاب الحافظ العراقي، ولم يبخل ببذل الجهد، فأصبح "الإمام الأوحد، العلامة الحجة، الحبر الناقد، عمدة الأنام، حافظ الإسلام، فريد دهره ووحيد عصره ... " (٣). إننا إذن أمام طاقة جبارة توفرت لها كل أسباب العطاء: أسباب ذاتية: الذكاء، والصبر، والدأب، والوقت. أسباب خارجية: شيوخ علماء ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس، مع إشراف دائم وتوجيه مستمر من شيخ مشايخ العصر الذي فاق أقرانه علماً، ونضج تجربة وخبرة لا ينقطع مدة ستة وخمسين عاماً.

стр. 23

فما الآثار التي خلفتها هذه العبقرية التي توفرت لها هذه الظروف؟!. يروي الحافظ ابن حجر أن العراقي "هو الذي دربه، وعلمه كيفية التخريج والتصنيف، وهو الذي يعمل له خطب الكتاب" (١). وأن الهيثمي "تخرج به في الحديث" (٢). وليس من شك عندنا أن العراقي تجام مقام الوالد من الهيثمي، وقد اختصه من دون تلاميذه فأمنه على علمه، وعلى عرضه، وبين أولئك التلاميذ من هو أرسخ قدماً، وأجل شأناً من الهيثمي، ولذلك فإننا لا نشك أيضاً أن الهيثمي يتمتع بصفات شخصية جذبت إليه العراقي، وجعلته يؤثره على بقية تلاميذه وفيهم ابن حجر، ويثق به أكثر من جميع رواده، ويطمئن إليه أكثر من أخص الناس به: أهله وولده. ويجمع مترجمو الهيثمي -وعن الحافظ ابن حجر نقلوا لأنه أقدم من ترجم له- أن العراقي أشار عليه: أولاً: أن يجمع ما في مسند أحمد من الأحاديث الزائدة على الكتب الست، وأرشده إلى التصرف بذلك، وعندما فرع من تسويده، راجعه الحافظ العراقي وسماه "غاية المقصد في زوائد أحمد" وهو في مجلدين. ثم حبب إليه هذا التخريج فصنع "كشف الأستار عن زوائد البزار". وقد حققه الأستاذ الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في أربعة مجلدات، نشر مؤسسة الرسالة. ثم أتبعه بزوائد مسند أبي يعلى الموصلي، وسماه "المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي" وقد حقق الجزء الأول منه الدكتور نايف بن هاشم الدعيس، وفيه (٦١٥) حديثاً.

стр. 24

وكان عمله الرابع جمع زوائد "المعجم الكبير" للطبراني. وسماه "البدر المنير في زوائد المعجم الكبير". وختم ذلك بجمع زوائد المعجمين: الأوسط، والصغير، في مصنف واحد سماه "مجمع البحرين في زوائد المعجمين". ثم جمع ما تقدم من أحاديث فحذف أسانيدها، ورتبها على أبواب الفقه، وتكلم على كل حديث منها بالصحة والضعف، جمع ذلك في كتاب واحد سماه "مجمع الزوائد، ومنبع الفوائد" وهو الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه، أعاننا الله على إتمامه. وبعد أن رسخ قدمه في هذا المضمار الشريف، جمع زوائد ابن حبان على الصحيحين، وليس على الكتب الست كما تقدم، ورتبها على أبواب الفقه أيضاً في كتاب سماه "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان". وقد حققناه بفضل الله مع الأستاذ عبده علي الكوشك، ونشرته دار الثقافة العربية. ثم صنع "بغية الباحث عن زوائد الحارث". ورتب "ثقات ابن حبان" على الحروف، ورتب "ثقات العجلي" كذلك حتى تسهل العودة إليهما والفائدة منهما. كما رتب أحاديث "الأفراد للدارقطني" على أبواب الفقه في مجلدين، ورتب أيضاً "الغيلانيات" و"الخلعيات"، و"فوائد تمام" على أبواب الفقه أيضاً. وسود ترتيب أحاديث "حلية الأولياء" لأبي نعيم على الأبواب، ولكنه انتقل إلى رحمة الله تعالى قبل إتمامها، فبيضها تلميذه الكبير الحافظ ابن حجر، تغمدهما الله في رحمته. هذه هي مجموعة الآثار التي خلفها هذا الإمام، وهي -بحق- تفرض على من يطلع عليها أن يعترف بجلالة قدر صانعها، وبحفظه، وبقدرته على

стр. 25

الترتيب والتبويب، وبفائق الجهد المبذول فيها من أجل أن ييسر الوصول إلى الإفادة منها، رحم الله مصنفها ومرتبها. وهنا يلوح على استحياء سؤال: هل الآثار التي تركها الحافظ الهيثمي -على جلالها، وعظيم قدرها، وكبير فائدتها- تملأ الإطار الزمني الذي عاشه هذا الحافظ الجاد؟ وتكون الركيزة الأساسية التي اعتمد عليها تلامذته ومن ترجموا له ليصفوه بما وصفوه به؟ لقد عاش الهيثمي ﵀ اثنتين وسبعين عاماً، أنفق منها ستة وخمسين عاماً في صحبة سيده وشيخه، حافظ الحفاظ في المشرق والمغرب، أبي الفضل العراقي. وهو الذي "كان عجباً في الدين والتقوى، والزهد، والإقبال على العلم ... وعدم مخالطة الناس" (١). وهو الذي أصبح "لشدة ممارسته أكثر استحضاراً للنصوص من شيخه" (٢). وهو الذي رتبه شيخه وسيده ثالث حفاظ العصر بعده، قال ابن حجر: "وسئل -يعني العراقي- عند موته عمن بقي من الحفاظ، فبدأ بي، وثنى بولده، وثلث بالشيخ نور الدين" (٣). وقد أجمل الأقفهسي صفاته فقال: "كان إماماً، عالماً، حافظاً، زاهداً، متواضعاً، متودداً إلى الناس، ذا عبادة وتقشف وورع". نقول: إن رجلاً يدربه شيخه على عمل، ثم يراجعه له عند الانتهاء منه

стр. 26

ويعينه حتى على كتابته، ويكتب له مقدمته، ويسميه له ولا يتقن من علوم الحديث إلا هذا الذي دربه فيه شيخه، لا يمكن أن يوصف بأنه ثالث حفاظ العصر بعد العراقي. وبأنه حافظ، وعالم، وإمام. وإنني لأزعم أن المنافسة هي التي دفعت الحافظ ابن حجر إلى أن يعلل لماذا كان أول حفاظ العصر بعد العراقي بقوله: "لأن ولده تشاغل بفنون غير الحديث، والشيخ نور الدين كان يدري منه فناً واحداً" (١). ويؤكد على ذلك، ويوضح المراد الحافظ السخاوي بقوله: "وأما في الحديث فالحق ما قاله شيخنا أنه كان يدري منه فناً واحداً. يعني الذي دربه فيه شيخهما العراقي" (٢). وإن عجبي لأشد من أن الحافظ ابن حجر يصرف الأذهان عن حقيقة استقرت فيها بتأويل لم يوفق فيه، ولا أظن أنه يوافق عليه. يقول: "وصار الهيثمي لشدة ممارسته أكثر استحضاراً للمتون من شيخه" هذه هي الحقيقة، والتعليل "حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس الأمر كذلك، لأن الحفظ المعرفة" (٣). والإنصاف أن الهيثمي أكثر استحضاراً للمتون من شيخه العراقي، ولكن العراقي كان أتقن لفنون الحديث من تلميذه، وليس في ذلك حط من شأن العراقي حتى يسارع الحافظ إلى حصر الحفظ بأنه المعرفة، وليس هذا بمسلم له والله أعلم. وأعود لأؤكد -وأرجو أن لا يجانبني التوفيق- أن المصنفات التي أغنى الهيثمي المكتبة الإسلامية بها -على جلالة قدرها وعظيم فوائدها-: لا تغطي المساحة الزمنية التي عاشها، والفترة الخصبة التي أَنفقها في صحبة شيخ

стр. 27

يحرض كل طاقة فيه على العطاء، كما أنها لا تؤهله لأن يوصف بالأوصاف التي وصف بها وهو تلميذ لحافظ الدنيا العراقي، وشيخ لأمير المؤمنين في الحديث، شيخ الحفاظ ابن حجر العسقلاني. إن تركة الرجل -ولا أمل من تكرار التوكيد على جلالتها وعظيم فوائدها- تعتمد في مجموعها على الترتيب الذي يمكن لرجل عادي أن يقوم به مع الإشراف، والتوجيه، ومد يد العون -كما زعم المترجمون له أن العراقي يفعل- فبماذا إذاً استحق شيخنا هذه الأوصاف؟ إنه ثالث حفاظ عصره، العالم، الحافظ، الإمام، الذي لا يكل ولا يمل من كتابة الحديث وتدوين العلم. فقد سمع ما سمعه العراقي تقريباً، وسمع، وكتب، وقرأ كل ما أنتجه العراقي، فالجو مهيأ له لأن يتجاوز العراقي نفسه. نعم هناك قدرات شخصية لا يمكن لباحث أن ينكرها، ولكن أن يكون البون شاسعاً بين شيخ وتلميذه كما هو الحال بين العراقي وصفيه من دون تلاميذه وفيهم ابن حجر، فهو أمر ليس بمقبول، مع أن الصفات التي وصف بها، والظروف العلمية التي عاشها، ورعاية وإشراف وتوجيه وتدريب حافظ جاد، بصير خبير، إن هذا كله لجدير بأن يجعل منه إماماً يملأ الدنيا ويشغل الناس. ولكنني -والحق أقول- تعبت في البحث عن المعطيات التي تكون السلم الذي صعد عليه شيخنا حتى استحق هذا لاختيار من شيخ يحسن الاختيار والمنافسون عليه كثر، فأمنه على علمه والعلم دين، وأمنه على عرضه ولا يؤتمن على العرض إلا ذو خلق ودين، وليس الخلق إلا التطبيق لما جاء في كتاب الله، وما صح عن رسول الله. بِمَ استحق هذه الألقاب والصفات، ودون الاتصاف بها خرط القتاد؟.

стр. 28

ولكن كيف أقع عليها وهي غرقى في بحر شهرة العراقي الذي ابتلعها في جملة ما ابتلع. لقد عاش الهيثمي في عصر كان العراقي فيه محط الآمال، ونهاية ما تتطلع إليه أحلام الرجال. لقد كان كما قال النابغة للنعمان بن المنذر: فَإنَّكَ شَمْسٌ وَالْمُلُوكُ كَوَاكِبٌ ... إذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ لقد أخملت شهرة العراقي كل شهرة، وحالت مظلته دون تفتح براعم لو كانت في غير زمانه، لعطر الكون شذاها. ولذلك فإن كثيراً من الناس أصبحوا لا يرون إلا من خلال شيخه، ولا يرون فيه إلا ما دربه عليه سيده، أو صنعه من أجله. نعم أفاد الهيثمي من شيخه، وهذا أمر مجمع عليه، ولكن السؤال الذي يتطلب الإجابة: هل أفاد العراقي وهو الحافظ العلم من تلميذه وخادمه، فصاحبه، فصهره الحافظ الهيثمي؟. ولكي نجيب على هذا السؤال لابد أن نقول: لقد ولد الهيثمي لأسرة عاشت في الظل، على هامش الحياة، في صحراء استلقت بعيداً عن صخب الحياة وصراع المتصارعين، لا يزعجها عجيجهم، ولا يكدها ضجيجهم. وقد مر بظروف مجهولة لأن أسرته ليس لها من الثراء، أو الوجاهة الاجتماعية شيء حتى يذكرها الذاكرون، ولم نستطع أن نعرف عنه شيئاً قبل صحبته علم الأعلام، وحافظ الإسلام الى عطف عليه، وأحسن إليه. فالهيثمي إنسان نشأ فقيراً، والفقر يقصر الخيال، ولكنه ليس بسبة تضع من أقدار الرجال، نعم نشأ فقيراً لا يملك مالاً، ولكن أسرته التي لا تملك من المال والمكانة الاجتماعية أو العلمية ما يلفت إليها نظر الدارسين

стр. 29

والمؤرخين، عرفت كيف تغرسَ فيه الإخلاص، والتضحية والوفاء، فقد كبل الإحسان لسانه، والإحسان يستعبد قلوب الأحرار من الرجال، وجعله الوفاء، والتضحية، والاعتراف بالجميل يهجر الكثير مما تميل إليه النفوس وتشرئب إليه الأعناق. فهو لا ينظر إلى شيخه إلا من خلال نسيج سداه التقدير والاحترام، ولحمته الحياء لأنه رباه ورعاه، وأرشده وأعانه ثم أمنه على كل ما لم يأتمن غيره عليه من العلم والنسب، فكان يرى نفسه أنه جزء من شيخه، وامتداد له. فهو له محب لأن القلوب جبلت على حبّ من أحسن إليها، وهو له الخادم المطيع، لأنه وضع القول: "من علَّمني حرفاً كنت له عبداً" موضع التنفيذ، وقد نجح ﵀ في هذين الأمرين أي نجاح!! ولذلك فإنني لا أرى للهيثمي من الاستقلال عن شيخه إلا بمقدار ما للغصن في الشجرة من الاستقلال عن أمه، مع ارتباطه الأصيل بها، واعتماده في كل حياته عليها. وكما أنه من المسلم به أن الغصن يستفيد من الشجرة، فإنه مما لا شك فيه أيضاً أن الشجرة تستمد من أغصانها ما يفيدها في استمرار حياتها. ولذلك فإنني أزعم أن العراقىِ استفاد من الهيثمي، وأن الهيثمي شريك للعراقي -بنسبة ما، لا أستطيع معرفة شيء عنها الآن لقلة المصادر لدي- في هذا الميراث العظيم الذي تركه الحافظ العراقي. وكان من المتوقع أن يرى الناس صورة الهيثمي، ورسوخ قدمه، واستقلاله عن شيخه وسيده العراقي، وأن ينثر ما في جعبته، بعد وفاة العراقي سنة (٨٠٦) هـ ولكن يد المنون اختطفته بعد عام واحد، فاختاره الله للقائه سنة (٨٠٧) هـ تغمده الله وإيانا برحمته وأسكنه وأسكننا فسيح جنته. وهكذا انتهت حياة هذا الحافظ الجليل الذي ورث من بيئته المكانية

стр. 30

البساطة والوضوح، فكان ﵀ مثل الكتاب المفتوح تتجلَّى فيه بساطة الصحراء وانكشافها. وورث من البيئة العامة تلك العزلة التي أصابت العرب آنذاك، ولكنه حولها إلى عزلة إيجابية فقام بالبحث والدرس، وأسهم إسهاماً مشكوراً بتقديم ما يقوِّم اعوجاج المعوجّين، ويقف سدّاً أمام انحراف المنحرفين، وغلوّ الغالين، وتأويل المبطلين. وورث من أسرته الوفاء والإخلاص، والقدرة على التضحية، والصبر على المكاره، والصبر عن المشتهيات، وحبّ العلم وأهله، والتفاني في حبّهم وخدمتهم، فكان المثال الذي يجب أن يحتذى في هذا المجال. وأخيراً، فإنني ما قدمت الذي قدمت غضاً من شأن شيخنا الهيثمي، وإنني قدمت وجهة نظري السابقة لأنني أعتقد أن تركة هذا الحافظ الذي كاد أن يكون جندياً مجهولاً -على جلالتها وعظيم فوائدها- ما هي إلا جزء ضئيل مما كنت أرجو أن يخلفه من ميراث عمقاً، ودقة، وشمولاً، وتنوعاً في أكثر من جانب من جوانب معارف العصر الذي عاشه. كما أنني ما ذهبت إلى ما قدمت تقليلاً من شأن المصنفات التي تركها، وفيها "مجمع الزوائد ... " وقد شهد أئمة أعلام، وحفاظ كبار بجلالة قدرها، وعظيم فائدتها، واعترفوا ببالغ الجهد الذي بذله مصنّفها في تصنيفها وترتيبها. وأما أن يظن ظان أنني أغمز جانب الحافظ العراقي، فإني ألتمس له العذر، وأرجو منه أن يردد ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، فإن العراقي -وكذلك صفيه الهيثمي- لا يقدم على النيل منه إلا من ينكر ظهور الشمس في رابعة النهار. وإذا قصرت عبارتي عن توضيح ما أردت، وفهم منها غير ما قصدت،

стр. 31

فإنني أعتذر منه، وأعتقد أن الله تعالى ليس بسائلي عنه، لأنه تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها. شيوخ الهيثمي ﵀ ما أشبه الشيوخ بواحة الزهر، وما أشبه التلميذ الذي أراد الله له التوفيق بالنحلة، ينتقل بين هؤلاء الشيوخ ويعتصر جناهم، ويفيد من تجاربهم وخبراتهم. إن التلميذ الذي يعب في مناهل الشيوخ الذين رسخت أقدامهم في ميادين العلم، ونضجت تجاربهم في أسواق الحياة، واستوت خبراتهم على سوقها يختصر الزمن فيضيف أعماراً إلى عمره، ويوسع أفقه، ويعمق معارفه، ويزين بالحلم -إلى جانب العلم- نفسه، وينقش على صفحتها عميق الحكمة، فيصبح من الشيوخ علماً وحلماً واتزاناً وحكمة وهو في مقتبل الشباب يلون نفسه بما يعجبه من صفاتهم، ويدرب نفسه على الرائق الصافي من أساليبهم، ويعمق أفكاره بالغوص وراء عميق معانيهم، ويعود نفسه الصبر على البحث والدرس وتقليب الأمر على وجوهه المختلفة قبل أن يبت القول فيه. كيف لا، والمسألة الواحدة ينجلي غموضها بتعدد وجهات النظر إليها، ولكثرة تناولها ترسخ واضحة في ذهنه، وهو بالتالي يستطيع التعرف على عقليات الرجال عمقاً واتساعاً، وعلى نفسياتهم تفلتاً والتزاماً، وعلى سلوكهم طبيعة أو تكلفاً. وأما الإنسان الذي لا يملأ دلاءه إلا من نبع واحد، ويكتفي بشيخ يرد إليه، ويأوي في كل نازلة تحتاج بحثاً إليه، فإنه سيكون نسخة ثانية لهذا الشيخ، بفارق لا يدركه الكثير من الرجال. وهذه الحقائق قد وعاها القوم وعرفوا فوائدها ومضارها، لذلك كان

стр. 32

الواحد منهم يعدد الشيوخ ويكثر منهم ويفخر بكثرتهم، ومن هنا كانت المعاجم والمشيخات التي يحصي الإنسان فيها شيوخه، مع حديث أو أكثر مما روى عنهم وتعلم من كل واحد منهم. وما صاحبنا الهيثمي إلا واحد من الذي عددوا الشيوخ ثم حصروا جهدهم في مصاحبة شيخ واحد إعجاباً به واحتراماً له. وقد لزم صاحبنا "الزينَ العراقي وهو بالغ، ولم يفارقه سفراً ولا حضراً حتى مات، بحيث حج معه جميع حجاته، ورحل معه سائر رحلاته، ورافقه في جميع مسموعاته: بمصر، والقاهرة، والحرمين، وبيت المقدس، ودمشق، وبعْلبك، وحلب، وحماة، وحمص، وطرابلس. ولم ينفرد عنه الزين بغير ابن البابا، والتقي السبكي، وابن شاهد الجيش. كما أن صاحب الترجمة لم ينفرد عنه بغير صحيح مسلم على ابن عبد الهادي" (١). نقول: لقد سمع الهيثمي من سيده وشيخه الإمام الأوحد، العلامة الحجة، الحبر الناقد، عمدة الأنام، حافظ الإسلام، فريد دهره، ووحيد عصره، من فاق بالحفظ والاتقان في زمانه، وشهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره وأوانه زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (٧٢٥ - ٨٠٦) هـ. وسمع معه بمصر والقاهرة: ١ - أحمد بن أبي بكر بن عمر بن يوسف الميدومي. ٢ - محمد بن علي القطرواني. ٣ - محمد بن إسماعيل بن المملوك. ٤ - ابن الأكرم محمد بن عبد الله بن أبي البركات النعماني. ٥ - علي بن أحمد بن عبد المحسن.

стр. 33

٦ - محمد بن أبي القاسم الفارقي. ٧ - مظفر العطار. ٨ - محمد بن محمد الرصدي. ٩ - القاضي فخر الدين بن مسكين. ١٠ - أبا الحرم القلانسي. ١١ - أبو الحسن العرضي محمد بن خليل بن محمد. ١٢ - محمد بن أحمد بن أبي الربيع الدلاصي. كما سمع معه بدمشق من الشيوخ: ١ - أحمد بن عبد الرحمن المرداوي. ٢ - محمد بن إسماعيل الحموي. ٣ - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بركات المعروف بابن الخباز. ٤ - محمد بن موسى الشقراوي. ٥ - عبد الله بن محمد بن إبراهيم العطار المعروف بابن قيم الضيائية. ٦ - وأبي بكر بن عبد العزيز بن أحمد بن رمضان. ٧ - محمد بن محمد بن عبد الغني الحراني. ٨ - يحيى بن عبد الله بن مروان الفارقي. ٩ - علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي. وبحلب من الشيوخ: ١ - الإمام جمال الدين إبراهيم بن الشهاب محمود. ٢ - سليمان بن إبراهيم المطوع. ٣ - عبد الله بن محمد بن المهندس. وبحماة من جماعة الشيوخ منهم: ١ - القاضي عبد الرحيم بن إبراهيم بن البارزي.

стр. 34

٢ - عبد الله بن داود بن سليمان السلمي. وبحمص من: ١ - عمر بن أحمد بن عمر النقبي؟ وبطرابلس من جمع منهم: ١ - عثمان الإعزاري. ٢ - محمد بن أبي بكر بن عباس الخابوري. وبصفد من: ١ - عمر بن حمزة بن يونس. ٢ - ست الفقهاء ابنة أحمد بن صمد العباسي. وببعلبك من خلق منهم: ١ - أحمد بن عبد الكريم بن أبي بكر. ٢ - عبد القادر بن علي بن السبع. ٣ - أحمد بن علي بن الحسن بن عمرون. وبنابلس من عدد منهم: ١ - إبراهيم بن عبد الله بن أحمد الزيباوي. ٢ - محمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة. وببيت المقدس من جماعة، منهم: ١ - طاهر بن أحمد. ٢ - قاسم بن سليمان الأذرعي. ٣ - إبراهيم الزيباوي. ٤ - الحافظ صلاح الدين العلائي. وبالخليل من عدد منهم: ١ - خليل بن عيسى المقرئ.

стр. 35

وبغزة من جماعة، منهم: ١ - محمد بن سالم بن عبد الناصر. ٢ - وأخوه سليمان بن سالم بن عبد الناصر. وبالإسكندرية من جماعة منهم: ١ - محمد بن محمد بن أبي الليث. ٢ - ابن البوري: محمد بن أحمد بن عبد الله. وبمكة المكرمة من عدد منهم: ١ - الإمام خليل المالكي. ٢ - الفقيه أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الحرازي. ٣ - أحمد بن علي بن يوسف. وبالمدينة الشريفة من جماعة منهم: ١ - عبد الله بن محمد بن أحمد العفيف المطري. وهذا العدد -وهو غيض من فيض- هو الينابيع التي ارتوى منها العراقي، وصاحبه الهيثمي تغمدهما الله برحمته، وأسكننا وإياهم جميعاً فسيح جنته. تلامذته لا شك أن كل شيخ محطة هامة من المحطات في طريق بناء شخصية طالب العلم تترك بصماتها جلية جلاءها عميقة عمقها، واضحة وضوحها على سطح هذه الشخصية التي تسعى إلى التكامل. فإذا ما رسخت علماً، وطارت شهرتها في الآفاق أصبحت مقصودة بعد أن تكون قاصدة، وَرُحْلَةً، بعد أن كانت ترحل إلى الآخرين، ومؤثرة في بناء الآخرين بعد أن تكون تأثرت بكل شيخ أخذت عنه، ورضعت لبان المعرفة والخلق منه.

стр. 36

والذين أخذوا عن الهيثمي وتتلمذوا عليه وأفادوا منه شيخه وولي نعمته الحافظ العراقي فقد اسمعه وسمع منه، وأملاه واستملى منه، وكان يشارك السامعين في السماع منه، ويستمع معهم بالقراءة عليه أيضاً. وأزعم أنني لا أتجاوز الحق إن قلت: إن أكثر الذين حضروا العراقي ونسبوا علمهم -أو بعضه- إليه، قد لقوا الهيثمي وأخذوا عنه. ولكن لماذا لم تذكر كتب التراجم العدد الجم الذي عنه أخذ وعليه تتلمذ؟. نقول: إن السفيانين إمامان عظيمان جليلان، والأوزاعي علامة الشام، وغيرهم كثير من أصحاب المذاهب، لم يقيض لهم الله تلامذة يدونون فقههم مبوباً في كتاب واحد، ليأتي مَنْ بعدهم عليه شرحاً وتعليقاً، كما حدث لأصحاب المذاهب المدونة، فبقي علمهم ضائعاً في بطون الكتب، وآراؤهم وفقههم موزعاً في أماكن مختلفة من الكتب العديدة في مكتبتنا الإسلامية. فهل يندرج هذا الحكم على الحافظ الهيثمي فيمكن اعتباره واحداً من هؤلاء الأئمة العظام؟. والحق أن هذا الحكم ليس بمنطبق عليه، لأن الأئمة الذين ذكرنا -وغيرهم مما لم نذكر كثير- صحيح أن طلابهنم لم يجمعوا لهم فقههم وعلمهم في مكان واحد، ولكنهم لم ينسوهم، وإنما ذكروهم هنا وهناك، ودونوا آراءهم مما جعل لهم حضوراً واضحاً في كثير من ميادين العلم، ومرابع الفقه، ومجالات المعرفة. وليس هذا حال الهيثمي لأنه ﵀ كان شمعة تبدد الظلام، ولكنها ماذا تفعل والشمس ساطعة. لقد أخملت شهرة العراقي كل مشهور، وقضت شمس سمعته على كل

стр. 37

شمعة أو كادت. ولا شك في أن الطالب الذىِ يحضر مجلس شيخين لابد أن ينسب ما سمعه إلى الأشهر منهما. فالعراقي قد طبقت شهرته الآفاق، وأصبحت الرحلة إليه، فهو الإمام الذي قل أن يوجد له نظير، ومَنْ مِنَ التلاميذ الذين سمعوا منهما -العراقي والهيثمي- لا يرى المفخرة في الانتساب إلى الأول منهما، والأعلم، والأشهر، والأحكم ... ؟. فالهيثمي قابع في محراب الزهد، مضرب عن الشهرة، منصرف للعبادة والعمل الجاد في الحديث، مجانب للناس، يتحمل الكثير من أذاهم حتى لا يدخل في حلبة صراع يمزق ستار الهدوء الذي يستر به نفسه والذي يفضله على كل مرغوب في الحياة. وأما أن الرجل ثقة، مشهور، متواضع، جم المعرفة، واسع الاطلاع، فهذا ينبغي أن لا يشك فيه، ولولا أنه كذلك وفوق ذلك لما أقر صحبته العراقي، الذي دربه على كل مفيد، وجعله الأمين على طهوره، واعتمد عليه في كل أموره، وصاهره، وأفاده واستفاد منه. ولما تتلمذ عليه أيضاً أمير المؤمنين بلا منازع الحافظ الأول للحديث بعد العراقي: أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، علم الأئمة الأعلام، وصاحب المؤلفات العظام، والذي عطرت شهرته وعلمه الأنام ... ولما تتلمذ عليه أيضاً الحافظ الثاني في عصره ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي، الإمام العلامة، الحافظ، الفريد، ذو الفضل والذكاء، والتواضع، وشرف النفس، وسلامة الباطن، ذو الدين المتين، وحسن الخَلْق والخُلُق، الذي قيل فيه: قَلَّ أن ترى العيون مثله ... كما تتلمذ عليه: الشهاب البوصيري، وعبد الرحيم الهيثمي، وعبد العزيز الهيثمي، وأحمد الهيثمي، وعبد الله الهيثمي.

стр. 38

أقوال العلماء فيه - قال ابن حجر في السماع الأول المثبت في آخر الجزء الثاني، وهو ينسب هذا الكتاب إلى مؤلفه: "تأليف شيخنا الإمام، العلامة، المسند، المحدث، الحافظ، أبي الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي أبقاه الله تعالى ... ". - وقال ابن حجر أيضاً في السماع الثاني المثبت في نهاية الجزء الثالث من هذا الكتاب: "سمع ... على مؤلفه الشيخ، الإمام، العالم، المفيد، الحافظ، المجيد، بركة الوقت نور الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر ... ". - وقال ابن حجر في معجمه - نقله عنه السخاوي في "الضوء اللامع" ٥/ ٢٠٢: "وكان خيراً، ساكناً ليناً، سليم الفطرة، شديد الإنكار للمنكر، كثير الاحتمال لشيخنا وأولاده، محباً للحديث وأهله ... وكان كثير الاستحضار للمتون، يسرع الجواب بحضرة الشيخ فيعجب الشيخ ذلك ... ". - وقال ابن حجر في "إنباء الغمر" ٥/ ٢٥٧: "وكان هيناً، ديناً، خيراً، محباً في أهل الخير، لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ وكتابة الحديث، سليم الفطرة، كثير الخير والاحتمال للأذى خصوصاً من جماعة الشيخ". - وقال البرهان الحلبي: "كان من محاسن القاهرة، ومن أهل الخير، غالب نهاره في اشتغال وكتابة، مع ملازمة خدمة الشيخ في أمر وضوئه وثيابه. ولا يخاطبه إلا بسيِّدي، حتى كان في أمر خدمته كالعبد، مع محبته للطلبة والغرباء وأهل الخير، وكثرة الاستحضار جداً". - وقال الفاسي: "كان كثير الحفظ للمتون والآثار، صالحاً خيراً".

стр. 39

- وقال الأقفهسي: "كان إماماً، عالماً، حافظاً، زاهداً، متواضعاً، متودداً إلى الناس، ذا عبادة وتقشف وورع". - وقال السخاوي في "الضوء اللامع" ٥/ ٢٠٢: "والثناء على دينه، وزهده، وورعه ونحو ذلك كثير جداً، بل هو في ذلك كلمة اتفاق". - وقال الشوكاني في "البدر الطالع" ١/ ٤٤٢. "وكان عجباً في الدين، والتقوى، والزهد، والإقبال علي العلم والعبادة وخدمة الدين، وعدم مخالطة الناس في شيء من الأمور، والمحبة للحديث وأهله". - وقال الأستاذ عمر كحالة في "معجم المؤلفين" ٧/ ٤٥: "علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي ... محدث، حافظ، رافق العراقي في السماع ولازمه ... ". وصف النسخ عندما انتهيت من تحقيق كتاب "موارد الظمآن إلى زاوئد ابن حبان" بدأت نفسي تتطلع إلى تحقيق مسند الإمام أحمد، لأن تحقيق هذا المسند العظيم الذي قال فيه مصنفه لولده وهو يأتمنه عليه ويعرفه قيمته: "احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماماً"، تحقيق للقسم الأوفى من السنة النبوية المطهرة. ولكن السد المنيع الذي صرف العزم وأضعف الهمة هو أنني ما وجدت الدار التي تتبنى هذا العمل الجليل، وقد بذل الأستاذ أحمد الدقاق مدير دار الثقافة العربية جهداً ليجد من يشارك بنشر هذا العمل، ولكن جهوده جميعها -كما قال لي- باءت بالفشل. والكتاب الثاني الذي كان يغريني بعمله هو كتاب "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" الذي كنت أنظر إلى القيمة العظيمة التي يحتلها هذا السفر الجليل فزوائد ست من أكبر المسانيد والمعاجم مجموعة فيه، وليس هذا وحسب،

стр. 40

بك رتبها الهيثمي ﵀ على أبواب الفقه، فأصبح الرجوع إليها ميسوراً واستخراج حديث أو أحاديث من باب من أبوابه لم يعد بالأمر الذي يشبه المستحيل كما لو كان يريد أن يستخرجه من أحد معاجيم الطبراني مثلاً وبخاصة إذا كان لا يعرف اسم الصحابي، ولا اسم شيخ الطبراني. ولسهولة الرجوع إليه ولغناه بالأحاديث، أصبح اعتماد كثير من الخطباء والكتاب، والوعاظ على ما جاء فيه من أحاديث، فيجعلونها مواضيع خطبهم، أو يستشهدون بها لتأييد ما يذهبون إليه من آراء، أو العمود الفقري لوعظهم وإرشادهم، دون النظر إلى صحتها أو حسنها أو ضعفها. ولم تعد خافية على أحد تلك الآثار السيئة التي تتركها الأحاديث الضعيفة في التفكير والاعوجاج الذي يتصف به السلوك، لأن السلوك ما هو إلا تجسيد لما يحمل الإنسان من أفكار، ولما يتمثل المجتمع من مبادئ إذ العقيدة المتبناة هي الدافع إلى الفعل، وهي التي يصطبغ السلوك بلونها، وتغيير العقائد مناط تغيير ما بالناس من وقائع يعيشونها. قال تعالى: و ﴿إنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فالالتواءات في تفكيرنا، في مشاعرنا، في سلوكنا، تتسع مساحتها كلما ابتعدنا عن كتاب الله تعالى، وعن صحيح سنة رسول الله ﷺ . وكنت أثناء عملي في "موارد الظمآن" وخلال عودتي إلى "مجمع الزوائد" أحاول أن أتعرف على حجم العمل المطلوب، والمصادر اللازمة، والمخطوطات الأصلية وكيفية الحصول عليها، وبدأت فعلاً أسأل على استحياء عن ذلك كله، وكان همي أن أحصل على نسخة دار الكتب المصرية. وفي مطلع العام ١٩٩١ الميلادي عين الأستاذ أحمد عليان تبلو
следующие страницы →