أُصُوْلٌ بِلاَ أُصُوْلٍ
بحثٌ وافٍ في ردِّ عُدوانِ الصُّوفيةِ ومُدَّعِي المَهْدِيَّةِ على مصادر التلقى، والمرجعيةِ الشرعيةِ
تأليف
الدكتور
محمد بن أحمد إسماعيل المُقَدَّم
عفا الله عنه
نشر وتوزيع
دار ابن الجوزي
ت: ٠٠٢٠٢٢٥٠٦١٩٠٣
تليفاكس: ٠٠٢٠٢٢٥٠٦١٦٢٠
стр. 2
تنبيه
هذا الكتاب هو الباب الثالث من كتاب "المهدي" للمؤلف، الموسوم بـ "عدوان مُدَّعي، المهدية على مصادر التلقي".
وقد أُضيف إليه هنا زيادات وتنقيحات، وقد آثرنا فصله في كتاب مستقل لتقليص حجم الأصل، وتيسيرًا على القارئ.
стр. 3
أُصُوْلٌ بلا أُصُوْلٍ
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حُقوق الطبع محفوظة
الطبعه الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
رقم الإيداع
١٤٢٨٥/ ٢٠٠٢
دار ابن الجوزي
جمهورية مصر العربية - القاهرة
١٢ درب الأتراك - خلف الجامع الأزهر
ت: ٠٠٢٠٢٢٥٠٦١٩٠٣
تليفاكس: ٠٠٢٠٢٢٥٠٦١٦٢٠
e_mail:dar_ebn elgawzy@yahoo.com
стр. 5
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه أحمده، والتوفيق للحمد من نعمه، وأشكره، والشكر كفيل بالمزيد من فضله وكرمه، وأستغفره، وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زوالَ نعمه، وحلولَ نِقَمِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخِيرتُه من خلقِه، افترض اللَّه على العباد طاعته ومحبته والقيامَ بحقوقه، وسدَّ الطرق كلَّها إليه وإلى جنته، فلم يَفتح لأحدٍ إلا من طريقه، فهو الميزان الراجح الذي على هديه توزن الأخلاق، والأقوال، والأعمال، والفرقان المبين الذي باتباعه يُمَيَّزُ أهلُ الهدى من أهل الضلال، فصلى اللَّه وملائكته وأنبياؤه ورسلُه والصالحون من عباده عليه وآلِهِ وأصحابِه، كما وحَّد اللَّه، وعَرَّف به، ودعا إليه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ:
فإنه -باستقراء أحوال مدَّعي المهدية في مختلف العصور- نجد أن الجانب التنظيري لدعواهم استند إلى أصول بَنَوْهَا على شفا جُرُفٍ هارٍ، وتحكَّموا بها في الشريعة بدل أن يتحاكموا إليها، وقفزوا فوق المعايير الشرعية والعقلية؛ فأثمرت دعواهم فِتَنًا، وجرَّت على أهل الإسلام مِحَنًا، ومِن هنا انبعثت الهمة إلى محاولة زيادة المناعة -لدى الشباب بعامة وطلاب العلم بخاصة- ضد ما نُسَمِّيهِ "ظاهرة العبث بمصادر التلقي".
* وهذا العبث والعدوان تتعدد مظاهره وأشكاله:
- فمنها ما يكون بالحذف والإبطال؛ كإنكار حُجِّيَّة السنة، أو غيرها من الأدلة الشرعية المرجعية.
стр. 6
- ومنها ما يكون بالزيادة؛ باعتماد مصادر لتلقي الأحكام مُغَايِرَة للأدلة الشرعية المعصومة؛ كالكتاب والسنة والإجماع، وإضفاء الحجية على هذه المصادر المزعومة، الأمر الذي يترتب عليه فتنة في الأرض، وفساد كبير.
وبالرغم من تعدد مظاهر "العدوان على مصادر التلقي" على يد الصوفية بصفة عامة، إلا أننا نخص بالذكر هنا ما تورط فيه مُدَّعُو المهدية بصفة خاصة، وكان له أثر في تدعيم دعواهم؛ كاعتماد بعضهم على المنامات، أو التلبيس على الناس بخوارق العادات، أو ادِّعاء التلقي المباشر عن النبي ﵌، أو دعاوى الإلهام والتحديث والكشف، أو زعم لقيا الخَضِرِ ﵇ والأولياء، والتلقي عنهم.
إن تكرار ظاهرة "ادعاء المهدية" -المقترن بالاستجابة العاطفية الجارفة، والمندفعة من أتباع مُدَّعِيهَا- يعكس قصورًا أو تقصيرًا في هؤلاء الأتباع؛ حيث لم يُحْسنُوا ميزان النقد، والتمحيص والتفتيش الدقيق، قبل التورط في هذه الضلالات، "والعاقل ينظر قبل أن يمشيَ، والأحمق يمشِي قبل أن ينظُرَ"، كما أن هذا "التَّكْرَارَ" يعني أن فِئَاتٍ من الأمة لا تستنبط دروس وعبر التاريخ، وأنها تُلْدَغُ من نفس الجُحْرِ مرَّاتٍ ومرَّاتٍ؛ فأين هي من قول المعصوم ﵌: "لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحر وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ" (١)؟!
أسأل اللَّه -تعالى- أن ينفع بها أهل الحق والإيمان، وأن يقمع بها أهل البدع والبهتان، إنه كريمٌ منَّان، والحمد لله رب العالمين.
محمد بن أحمد إسماعيل المقدَّم
ثغر الإسكندرية في
الجمعة ١٥ من جمادى الأولى ١٤٢٩ هـ
الموافق ١٥ من مايو ٢٠٠٨ م
الفصل الأول سُلطَانُ المَنَامَاتِ
كان "الحُلْم" -ولا يزال- من التجارب الإنسانية التي حَظِيَتْ باهتمامٍ بليغٍ في حياة البشر؛ إذ للحلم آثارُهُ وانطباعاتُهُ في نفس الحالم؛ فقد تلقى صديقًا أو قريبًا فتراه حزينًا كئيبًا، فتسبر غَوْر نفسه؛ لتعرف سرَّ كآبته وحزنه، فتعجب أشد العجب عندما تعلم أن سبب ذلك رؤيا مرعبة، أو منذرة بخطرٍ سيُدَاهِمُهُ، وقد تجده فرِحًا منشرح الصدر، بَاسِمَ الثغر، وما ذلك إلا لأنه رأى رؤيا مفرحة، أو مُبَشِّرَةً بحدث سارٍّ قادم.
يقول الدكتور عمر سليمان الأشقر -حفظه اللَّه-: " كانت الرؤى -وما زالت- ذاتَ تأثير لا على الأفراد العاديين فحسب، بل على النابغين والأذكياء، وكم أقَضَّت الرُّؤَى مضاجِعَ الجبابرة والملوك، وكم شغلت شعبًا بأكمله يَوْمًا مَا، وما رؤيا ملك مصر في عهد يوسف ببعيدة عن ذاكرتنا، فقد رأى سبع بَقَرَاتٍ سمانٍ يأكلهن سبع عجاف، وسبعَ سنبلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابساتٍ، وكانت رؤيا حق، نفعت الناس نفعًا عظيمًا، عندما وُجِدَ الشخصُ الذي يُحسن تفسيرها، وتأويلها" (١).
تعريف الرؤيا:
قال ابن منظور ﵀: "والرؤيا والحُلْم (٢) عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، ولكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والقبيح" (٣).
стр. 10
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "وظاهر قوله ﷺ : (الرؤيا من اللَّه، والحلم من الشيطان) أن التي تضاف إلى اللَّه لا يُقال لها حُلم، والتي تضاف للشيطان لا يقال لها رؤيا، وهو تصرفٌ شرعي، وإلا فالكل يُسمى رؤيا" (١). اهـ.
والغالب استعمال الرؤيا في خصوص البشرى من اللَّه، مع أنها تُطلَق على عموم ما يراه النائم، قال رسول اللَّه ﵌: "الرؤيا ثلاث (٢): فالرؤيا الصالحة: بشرى من الله، ورؤيا: تحزين من الشيطان، ورؤيا: مما يُحَدِّثُ المرءُ نفسَه" الحديث (٣).
وفي حديث عوف بن مالك ﵁ مرفوعًا: "إن الرؤيا ثلاث:
منها أهاويلُ من الشيطان ليحزنُ بها ابن آدم، ومنها ما يَهُمُّ به الرجلُ في يَقَظته،
فيراه في منامه، ومنها جزء من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة" (٤).
стр. 11
نقد موقف المدرسة النفسية المادية من المنامات
مِن الناس مَن قد غلظ حجابهم، كالماديين الملاحدة، وكأتباع مدرسة التحليل النفسي، فهم ينكرون الرؤيا الصادقة، وليست الرؤى في زعمهم إلا انعكاسًا لما في النفس في حال اليقظة، أو لما يختبئ في سراديب العقل الباطن أو "اللاشعور" (١).
فعند فرويد: تعتبر الأحلام نافذة يطل منها على "العقل الباطن" فيعرف الكثير عن هذه المنطقة المستترة والهامة والمؤثرة في حياة الشخص (٢).
- لقد استقر رأي فرويد على أن النوم يتميز بقلة تعرض الشخص للمؤثرات الخارجية، وابتعاده تمامًا عن الواقع، وفي هذا الجو الهادئ تنشط الصراعات الداخلية اللاشعورية، والرغبات غير المقبولة في الحياة العادية، حيث تجد هذه الأشياء مجالًا أكبر أثناء النوم لعملها، ولكن هذه الأشياء لا تظهر في الحلم بصورتها الفجة، حتى لا تزعج (الضمير) وتوقظه، وبالتالي تقطع نوم الشخص، وإنما تأخذ أشكالًا رمزية حتى تفرغ شِحْنَةَ اللاشعور دون إزْعاج للجهاز النفسي (٣).
وبعبارة أخرى: الأحلام -عند فرويد- هي الطريق الملكي الموصِّل للَّاشعور، فالحلم "رغبة"، وكل الأحلام قسم واحد ناتج عن الرغبات المكبوتة في النفس، والتي تختبئ أثناء النهار في العقل الباطن واللاوعي، حتى
стр. 12
إذا نام الإنسان وخفت الرقابة، انطلقت هذه الرغبات من العقل الباطن واللاوعي لتظهر في تلك الأحلام.
لقد قصر "فرويد" الأحلام على حديث النفس، مع بعض المؤثرات الخارجية على الشخص أثناء النوم، وألغى أي احتمال لاتصال النفس بعالَم الغيب تمشيًا مع إلحاده، وفسَّر ملاحظاته على مرضاه تفسيرًا لفظيًّا فلسفيًّا لا يدعمه دليل ولا برهان (١)، وهي مجرد آراء شخصية غير موضوعية وقابلة للنقاش.
إن "فرويد" لم يملك أدلة موضوعية على إثبات ما أثبته، ولا على إنكار ما أنكره، لكنه أفلح في أن يُوهم من يقرأ له أنه أمام حقائق، لا مجرد فروض ونظريات.
ومن هنا فإن "فرويد" و"الفرويديين" يقعون في مأزِق محرج أمام الرؤى الصادقة التي لا يفسرها حديث النفس، ولا رغبات الشعور (٢).
إن الماديين الملحدين يزعمون أن القول بأن هناك رؤى تأتي من الغيب أو من إله أو من شيطان إنما هو من الخرافات البالية التي ينبغي طرحُها باعتبارها موروثات شعبية كالخرافات والأساطير، وتنحصر حجة هؤلاء في أنهم يجحدون ما وراء الحِس، فيقبعون داخل قمقم المادية الكثيفة، وينكرون الغيب لمجرد أننا لا نراه ولا ندركه بحواسنا.
" فرويد" لم يعرف من الرؤى إلا أضغاث الأحلام:
يقول الأستاذ الدكتور "سعد الدين السيد صالح" في معرض نقده نظرية الأحلام الفرويدية:
"زعم فرويد أن الحلم ما هو إلا تعبير عن رغبة جنسية مكبوتة، وبناءً على ذلك فسر كل ما يراه الرائي تفسيرًا جنسيًّا، ووضع نظريته في تفسير الأحلام، والتي
стр. 13
نراها مجرد تبرير لنظريته الجنسية الفاسدة، فقد أخطأ فرويد في نواحٍ كثيرة منها:
١ - أن الإنسان له رغبات كثيرة، ونزعات متعددة غير نزعة الجنس، وبالتالي فقد تأتي الأحلام مواكبة لهذه الرغبات:
- فأحلام المؤمن الذي يشعر دائمًا بالخوف من اللَّه فيرى في منامه صورًا من عذاب النار أو نعيم الجنة، لا يمكن أن يكون سببها الجنس، وإنما الخوف، أو الطمع في عفو اللَّه.
- وأحلام الخوف والرعب التي يراها الجندي وسط المعارك لا يمكن تفسيرها على أساس من الجنس، لأن لها دوافع أخرى.
- وهناك أحلام تكون دوافعها الشعور بالعداء والكراهية أو الغضب أو السيطرة أو غير ذلك من المشاعر النفسية المتعددة، ولكن فرويد لا يضع اعتبارًا لكل هذه المشاعر في تفسير الأحلام التي يُرجِعها جميعًا إلى الشعور بالجنس فقط.
٢ - ومن هنا يبدو لنا جهله في تفسير رموز الأحلام، حيث حلل كل الرموز تحليلًا جنسيَّا، مع أن مفسري الأحلام يقولون بأن هناك رموزًا ثابتة، وهناك رموزًا متغيرة من فرد إلى فرد، على حسب ظروف الشخص نفسه.
فبعض الرموز التي فسرها فرويد تفسيرًا جنسيَّا، وضع لها العلماء تفسيراتٍ أخرى لا تمت إلى الجنس بصلة، فقد فسر فرويد صعود السلم والطيران بأنه رمز للعملية الجنسية، بينما فسره العلماء بأنه رمز للطموح أو الرفعة، فأي التفسيرين أوقع؟
٣ - وقد ركزت نظرية تفسير الأحلام عنده على نوع واحد من أنواع المنامات، وهي الأحلام، وهي في الإسلام لا تكون إلا من الشيطان، ولم يتحدث عن الرؤيا، وهي لا تكون إلا من اللَّه. كما أنه لم يتحدث عن "الأحلام التنبؤية". اهـ (١).
стр. 14
ولقد رصد "المازَري" المتوفى سنة (٥٣٦ هـ)، أقوال من سبقوا "فرويد" إلى شبيه هذا الكلام من معاصريه، فقال -رحمه الله تعالى-:
"كثُر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تُدْرَك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت أقوالهم" (١). اهـ.
إن قطع النفس عن عالم الروح وعن الغيب؛ وعن الصلة بخالقها يُضَيِّق الرؤية أمامنا في موضوع الرؤية، ويحرمنا فرصة الفهم العميق، والإدراك الصحيح الدقيق (٢).
ويقول الدكتور عمر الأشقر -حفظه اللَّه -:
"وكثيرٌ من الناس اليوم يُبَادِرُونَ بالتكذيب بالرؤى والأحلام، ويزعمون أن الرؤى المنامية ليست إلا انعكاسات لما يَجُولُ في فكر الإنسان في حال يقظته، وما يُخْتَزَنُ في فكره الباطن، فإذا ما استسلم للرقاد، وطاف في أودية الكرى، فإن عقله الباطن يعمل، فيحقق المرء في نومه ما لم يَسْتَطِعْ تحقيقه في عالم اليقظة.
ونحن لا نُنْكِرُ أن قِسْمًا كبيرًا من الرؤى ليس إلا انعكاسات لأحاديث النفس وخواطرها التي تمر بها في اليقظة، ولكننا نرفض رفضًا قاطعًا أن تكون جميع الرؤى كذلك، ونقول: إن هذا تَحكُّمٌ يَعْلَمُ كَذِبَهُ كلُّ من تفكر في رؤاه التي مرت به، أو التي سمع الناس يروونها، ويُحَدِّثُونَ بها عن أنفسهم، كيف بالله نُفَسِّرُ رؤيا امرأة رأت وليدها يسقط من سطح منزل، وفي الصباح يخرج فلا يعود؛ لأن سيارة داهمته، وأودت بحياته؟!
وكيف نُفَسِّرُ رؤيا رجل يري نفسه وقد سافر إلى بلد، وسكن منزلًا معينًا رأي
стр. 15
في المنام معالمه، فلا تمضي شهور حتى يكون في ذلك المنزل الذي رآه في منامه؟
وكيف نُفَسِّرُ رؤيا رجل رأى أنه سافر، وتعطلت سيارته على صورة ما،
وينسى الرؤيا، ولا يذكرها إلا حينما يرى المشهد الذي رآه في المنام حقيقة ماثلة؟! أذكر أن "محمد أسد"؛ وكان كاتبًا يهوديًّا، ثم اعتنق الإسلام، حَدَّثَ في كتابه "الطريق إلى مكة" عن رؤيا رآها قبل إسلامه، وقام من منامه، وسَجَّلَهَا، وقد تحققت فيما بَعْدُ، على الرغم من طولها، وكثرة أحداثها.
إذن، ليس كل الرؤى انعكاسات لأحاديث النفس وخواطرها وهواجسها، بل الأمر أعمق من ذلك.
والإنسان ليس بِمُطيقٍ بعقله وفكره أن يصل إلى أعماق نفسه؛ ففي النفس الإنسانية مَجَاهِيلُ يعجز الإنسان عن الإحاطة بها، علي الرغم من أنها أقرب الأمور إليه.
والرؤى لها علاقة بالنفوس الإنسانية، وفيها جانب غيبي، لا يخضع للعلم المادي المبني على النظر والتأمل والبحث المادي" (١).
* * *
стр. 16
القول الفصل، والمنهج الوسط في شأن الرؤى
قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)(١)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: "هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له" (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول اللَّه ﷺ السِّتْرَ ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال: "اللهم هل بلغت؟ -ثلاث مرات- إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو تُرى له" (٣).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبيَّ"، قال: فَشَقَّ ذلك على الناس، فقال: "لكن المُبَشِّراتُ"، قالوا: "يا رسول اللَّه، وما المبشرات؟ " قال: "رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة" (٤).
стр. 17
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" (١).
وقد أَغْنَانَا الرسول ﷺ عن إتعاب النفس في هذا الموضوع، وقال لنا فيه الكلمة الحق؛ وهي الكلمة الفصل التي لا نحتاج معها إلي غيرها (٢)؛ وذلك أنها تمثل الحقيقة، وتُفَسِّرُ الأمر تفسيرًا يدرك الإنسان صدقه عندما ينظر إلى رؤاه، ورؤى الناس في ضوء ما أخبر به المصطفى ﷺ .
يقول الرسول ﷺ في الحديث الذي يرويه ابن ماجه:
"إنَّ الرُّؤيَا ثَلَاثٌ: مِنْهَا أَهَاوِيلُ مِنَ الشَّيْطَانِ ليَحْزُنَ بِهَا ابْنَ آدَمَ، وَمِنْهَا مَا يَهمُّ بِهِ الرَّجُلُ في يَقَظَتِهِ فَيَرَاهُ في مَنَامِهِ، ومِنْهَا جُزْءٌ مِنْ ستَّةٍ وأَرْبَعينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" (٣).
وفي الحديث الآخر عند الترمذي: "الرُّؤيَا ثَلَاث: الحْسَنَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، والرُّؤيَا يُحَدِّثُ الرَّجُلُ بِهَا نَفْسَهُ، والرُّؤيَا تَحْزِين مِنَ الشَّيْطَانِ" (٤).
стр. 18
فالذي قَرَّرَهُ الرسول ﷺ في الرؤيا أنها ثلاثة:
الأول: حَديث النفس؛ وهي التي أسماها العلماء المادِّيُّونَ بالانعكاسات النفسية؛ وهي خواطر النفس، وتطلعاتها التي تصبو إلى تحقيقها في واقع الحياة، فتراها في المنام، إذ تحلم بممارسة أمور لم تستطع تحقيقها في واقع الحياة.
النَّوْعُ الثَّانِي: من الرؤى التي أخبر بها الرسول ﷺ :
هي الرؤيا التي يسببها الشيطان؛ فإنه قد يُمَثِّل للإنسان في منامه رؤيا مفزعة، تبلبل خواطره، وتُرْهِق نفسه، وتَجْعَلُهُ يجول في عوالِمَ بعيدة، حَذِرًا متخوفًا، وفي الحديث: "الرُّؤيَا الصَّالحِةُ مِنَ اللَّهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأي أَحَدُكم ما يحبُّ، فلا يُحدِّثْ بهِ إلَّا مَن يُحِب، وإذا رأى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا، وشَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفُلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ" متفق عليه (١).
وقد جاء رجل إلى الرسول ﷺ فقال: "رَأَيْتُ في المنَامِ كَأَنَّ رَأسِي قَدْ قُطِع، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، وقَالَ: "إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكمْ في مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ" رواه مسلم (٢).
والشيطان لديه القدرة على الوسوسة في صدور الناس ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ [الناس: ٤ - ٥]، وفي الحديث: "إنَّ الشَيْطَانَ يَجْرِي مِن ابْنِ آدمَ مَجْرَى الدَّمِ"، فلديه القدرة على أن يُمَثِّلَ للنفس في منامها أمورًا تفْزِغهَا وتَحْزُنُهَا.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: رؤيا لم يُفَكِّرْ بِهَا صاحبها يومًا، ولم تخطر على باله، وهي بَعِيدَةٌ كل البعد عن تفكيره، وقد يراها بصورة جلية، لا تحتاج إلي تفسير ولا إلى
стр. 19
تأويل، وقد تكون أمثالًا مضروبة، وأحداثًا مسبوكة، تحتاج إلي علم وتقدير، وفهم ثاقب، ونظر بعيد، وما كل من رُزِقَ علمًا رُزِقَ فَهْمًا بتأويل الأحلام والرؤى.
وهذا النوع من الرؤى هو البقية الباقية من حقيقة النبوة، فالوحي قد انقطع، والنبوة قد خُتِمَتْ، ولم يَبْقَ إلا هذه الرؤى، وهي المبشرات، يَقُولُ الرسول ﷺ : "لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا المُبَشّرَاتُ"، قَالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: "الرُّويَا الصَّالِحةُ" رواه البخاري (١).
وزاد مالك برواية عطاء بن يسار: "يَرَاهَا الرَّجُلُ المُسْلِمُ، أوْ تُرَى لَهُ".
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الرُّويَا الصَّالحِةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" متفق عليه (٢).
وإذا كانت الرؤيا من الرسول والأنبياء فهي حق لا تُكذَّبُ، بل هي وحي إلهي، وقد بادر خليل الرحمن إبراهيم إلى ذبح ولده عندما رأي في المنام أنه يذبحه، وما ذلك إلا لأن رؤياه وحي.
وغير الأنبياء تقع له الرؤيا الحق، وتكون دلائل الصدق عليها بينة، إلا أننا لا نستطيع أن نجزم بأنها رؤيا حق إلا إذا تحققت على النحو الذي رآه صاحبه في منامه.
* * *
стр. 20
تنبيه: حول معنى كون الرؤيا جزءًا من النبوة:
معنى كون الرؤيا الصادقة أو الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة: أنها شابهتها، أو شاركتها في الصلاح، والإخبار عن أمرٍ غيبي مستقبل (١).
ولا يُفهم من هذا أن رؤيا الكافر إذا كانت صادقة -كرؤيا الملك التي فسرها له يوسف ﵇، وكذلك رؤيا صاحبيه في السجن- أنَّها تكون من أجزاء النبوة، فإن أكثر الروايات جاءت مقيدة بالمسلم أو المؤمن.
ثم إنه ليس كل من صدق في حديث عن غيب كان ذلك من أجزاء النبوة، أو كان ذلك دليلًا على صلاحه واستقامته، وإلا لكان الكهان كذلك؟!
قال أبو العباس القرطبي: والرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا وقعت من مسلم صادق صالح، وهو الذي يُناسب حاله حال النبي ﷺ فأُكرِم بنوع مما أُكرم به الأنبياء، وهو الاطِّلاع على شيء من علم الغيب، كما قال النبي ﷺ : "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم، يراها الرجل الصالح أو تُرى له" (٢).
فإن الكافر والكاذب والمخلِّط -وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات- لا تكون من الوحي ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، وقد قدمنا أن الكاهن يُخبر بكلمة الحق وكذلك المنجم قد يحدِس فيصدق، لكن على الندور والقلِّة" (٣).
* * *
стр. 21
غلو المُفرِطين في شأن الرُّؤى
بإزاء أهل "الجفاء والتفريط" الماديين في شأن الرؤى، وُجد على الطرف الآخر -وكلا طَرَفَيْ قصدِ الأمورِ ذميمُ- فريق الغلو والإفراط، وهؤلاء غَلَوْا في شأن الرؤى، وتمدد سلطانها، وتضخم تأثيرها على مسار حياتهم، كأنها وحي معصوم، فترى الواحد منهم ينتظر -في كل موقف- رؤيا تشير عليه بالطريق (١)، بل منهم من رأى أن الرؤية حجة شرعية يستمد منها الأحكام التكليفية تمامًا كما يستمدها علماء الشرع من القرآن والسنة.
(تضايق ناسٌ من وجود حاكم من الحُكَّام، وأصبحوا يتحدثون عن أمراضه، وقرب وفاته، فإذا بكثير منهم يرى في المنام أنه سيموت في شهر كذا، أو قبل شهر كذا، ثم يؤولها لهم واحد ممن على شاكلتهم، فيجزمون أنه لا يصلي العيد مع المسلمين، ويؤكدون بأن هذه الرؤى تواطأت، وأنه لا يمكن تكذيبها أو جحدها، ولا يمكن التشكيك في حصولها، فما الذي حدث؟ لقد صلى العيد وأعيادًا أخرى بعده.
وآخرون ثَقُلَ عليهم ما يُعَانيهِ المسلمون من اليهود فطاشت نفوسهم إلي أحلام رأوا فيها أن معارك واجتياحات يهودية لبلدان المسلمين؛ سوف تحصل في عام كذا وكذا، وبدءوا يضعون الخطط والاستراتيجيات، والتوقعات، لمواجهة هذا العدوان في هذا التاريخ) (٢).
стр. 22
(وفي بعض الجمعيات الإسلامية انشق فريق من أعضائها على قيادتهم، وناصبوها العِدْاء بناءً على رؤى رآها بعضهم، كأنما اعتبروها وحيًا.
وحكى أحد الصحافيين أن أحد حكام المسلمين -بعد أن قرر إجراء الانتخابات في بلده في موعد معين- عاد فألغاها نتيجة رؤيا رآها، حذَّرته من عواقبها. هكذا امتد سلطان المنامات لتتحكم في الدين والسياسة وسائر شئون الحياة) (١).
لقد كان من أسباب افتتان بعض الناس، ومتابعتهم لأولئك الذين احتلوا الحرم المكي، واعتصموا به، تلك الرؤى التي رآها بعض الكبار والصغار، والنساء والرجال، وهي في جملتها تشير إلى أن المدعو محمد عبد اللَّه القحطاني هو المهدي الذي بَشَّرَ به الرسول ﷺ (٢)، وقد تبين للناس اليوم أن تلك الرؤى لم تكن صادقة؛ لأن ذلك الرجل ليس هو المهدي، وإلا لو كان هو لم يقتل، ولبقي حتى يملأ الأرض عدلا كما مُلِئَتْ جورًا وظُلْمًا؛ فذلك من علاماته الثابتة في الأحاديث، ولو كان فينا رسول اللَّه ﷺ لعرَّفَنا بالرؤيا الباطلة إذا اشتبهت الأمور، أما ونحن
стр. 23
لسنا بمعصومين، فإن الرؤى تبقى في مجال الظن، ولا ترقى إلى اليقين والجزم ما لم تتمثل في واقع مشهود، وعند ذلك يوافق الواقع الخبر.
لقد أوَّل أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ بين يدي الرسول ﷺ رؤيا، فبين له الرسول ﷺ أنه أصاب في تأويله وأخطأ (١)، فمن يضمنُ لنا ألا نقع في الخطأ، ومن يضمَنُ لنا أن نُصِيبَ كَبِدَ الحقيقة) (٢).
* * *
стр. 24
نماذج واقِعِيَةٌ مِن انحِرَاف النَّاسِ في التَّعَامُلِ مَعَ المَنَامَاتِ
* دِمَاءُ المُسْلِمِينَ لَا تُسْفَكُ بِالأَحْلامِ:
حكى الحسن بن قحطبة قال: (اسْتُؤْذِن لشَرِيك بن عَبْدِ اللَّهِ القاضي على المهدي وأنا حاضر، فقال: "علي بالسيف"، فأُحْضِرَ.
قال الحسن: فاستقبلني رِعْدَةٌ لم أملكها، ودخل شَرِيْكٌ فسلَّم، فانتضى المهدي السيفَ، وقال: "لا سَلَّمَ الله عليك يا فاسقُ".
فقال شريك: "يا أمير المؤمنين، إن للفاسق علاماتٍ يُعرف بها: شرب الخمور، وسماع المعازف، وارتكاب المحظورات؟ فعلى أيِّ ذلك وجدتني؟ ".
قال: "قتَلَنِي اللَّهُ إن لم أقتُلْكَ".
قال: "ولمَ ذلك يا أمير المؤمنين، ودمي حرام عليك؟ ".
قال: "لأني رأيت في المنام كأني مقبل عليك أكلمك، وأنت تكلمني من قفاك، فأرسلت إلى المعبِّر، فسألته عنها، فقال: هذا رجل يطأ بساطك، وهو يُسِرُّ خلافك".
فقال شريك: "يا أمير المؤمنين، إن رؤياك ليست رؤيا يوسف بن يعقوب ﵉، وإن دماء المسلمين لا تُسْفَك بالأحلام"، فَنكسَ المهدي رأسه، وأشار إليه بيده: أَنِ اخْرُجْ، فانصرف.
قال الحسن: فقمت فلحقته، فقال: "أما رأيت صاحِبَكَ وما أراد أن يصنع؟ "، فقلت: "اسكت -لله أبوك- ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثلك" (١).
стр. 25
* لا يُطعَنُ في الرَّاوِي بِمجرد منام:
روى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" بإسناده عن أحمد بن محمد بن رشدين
أن بعضهم رأى الشافعي في المنام، فقال له: "كَذَبَ عليَّ يونس بن عبد الأعلى
في حديث الجَنَدِي .. ما هذا من حديثي، ولا حدَّثتُ به" (١)، عَلَّقَ الحافظ ابن
كثير ﵀ في "الفتن والملاحم" (٢): "يونس بن عبد الأعلى من
الثقات، لا يُطعَن فيه بمجرد منام".
الرُّؤْيَا تَسُرُّ، وَلَا تَغرُّ:
عن المَرُّوذي قال: أدخلتُ إبراهيم الحُصْري على أبي عبد اللَّه - وكان رجلًا صالحًا، فقال: "إن أمي رأت لك منامًا، هو كذا وكذا، وذكرتِ الجنة"، فقال: "يا أخي، إن سهلَ بن سلامة (٣) كان الناس يُخبرونه بمثل هذا، وخرج إلى سفك الدماء"، وقال: "الرؤيا تَسُرُّ المؤمنَ، ولا تَغُرُّه" (٤).
وعن محمد بن يزيد قال: كانوا يرون لوهيب أنه من أهل الجنة، فإذا أُخْبِرَ بها اشتد بكاؤه، وقال: "قد خَشِيتُ أن يكون هذا من الشيطان" (٥).
وعن مخلد بن الحسين: أن رجلًا قال للعلاء بن زياد: "رأيت كأنك في الجنة"؟ فقال له: "ويحك، أما وجد الشيطان أحدًا يسخر به، غيري وغيرَك" (٦).
* * *
стр. 26
" الفراغ" من أسباب ظاهرة الاستغراق في المنامات
(ما أجمل الحادثة التي يذكرها المترجمون عن الإمام "عبد القادر الجيلاني" ﵀ أنه كان نائمًا، فرأي نارًا عظيمة تتصاعد، ثم سمع منها صوتًا يقول له: يا عبد القادر .. أنا ربك .. وقد أحللتُ لك ما حرمت عليك". فقال الشيخ عبد القادر وهو في المنام:
- "اخسأ يا عدو اللَّه! ".
وعرف أن الشيطان عرض له ليصده عن دينه؛ لأن الحرام لا يكون حلالًا أبدًا، كما أن النجاسة لا تكون طهارة أبدًا، فلا يتحول المحرَّم بشريعة اللَّه إلى حلال؛ لأن رجلًا رأى في النوم من يُحِلّهُ له.
وإذا كُنَّا لا نقبل ونحن في اليقظة بكامل عقولنا وقوانا، من يُحَلِّلُ لنا الحرام، أو يُحَرِّمُ عَلَيْنَا الحلال .. فكيف نقبل ذلك في النوم حين يغيب إدراك الإنسان، ولا يعي ما حوله؟
إن الاشتغال بهذه الرؤى العابثة هو شأن الفارغين، فإذا فقد الناس العلم الصحيح، والتوجيه السليم، اتجهوا لمثل هذه الخرافات، يروون بها ظمأهم، وحاجتهم إلى الدين، ولذلك فإن لهذه الرؤى دلالة واضحة على مستوى الوعي، والفهم في المجتمع، خاصَّة في مجال "المرأة".
وليس الحل هو أن يَهُبَّ العلماء إذا سمعوا مثل هذه الأسطورة؛ ليبينوا كذبها، هذا -ولا شك- مطلوب، ولكن يَجِبُ أن نسبق الأحداث ونبذل جهودًا كافية لملء عقل المرأة والرجل بالعلم الصحيح، والعاطفة الحية .. فالوقاية خير من العلاج.
لعل من الملاحظ أن بعض "القُصَّاص" والوُعَّاظ يسردون كثيرًا من الأحلام في أحاديثهم، في الترغيب والترهيب .. وربما كان هذا المنهج، منهج المبالغة
стр. 27
في ذكر الرؤى ناتجًا عن قلة العلم بالنصوص الشرعية .. وناتجًا عن فراغ فكري وعاطفي لدى هذا المتحدث أيضًا.
وصف يومًا أحد الشعراء حاله وحال أصحابه في السجن، فقال:
إلى اللَّهِ فِيمَا نَابَنَا نَرْفَعُ الشَّكْوَى ... فَفِي يَدِهِ كَشْفُ الضرُورَةِ والبَلْوَى
خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وإِنَّا لأَهْلُهَا ... فَلَسْنَا مِنَ الأَمْوَاتِ فِيَها وَلَا الأَحْيَا
إذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لحاجَةٍ ... فَرِحْنَا وقُلْنَا: جَاءَ هذَا مِنَ الدُّنْيَا
ونَفْرَحُ بِالرُّؤيا فَجُلُّ حَدِيثِنَا ... إذَا نَحْنُ أَصْبَحْنَا الحَدِيثُ عَنِ الرُّؤْيَا
فَإنْ حَسُنَتْ لَمْ تَأْتِ عَجْلَى وأَبْطَأَتْ ... وإن قَبُحَتْ لَمْ تُحْتبسْ وَأتتْ عَجْلَى
يتحدَّثُون كثيرًا عن الرُّؤيَا، لماذا؟
أولًا: للفراغ، فليس لديهم أحاديث، عن الوقائع والمستجدات؛ لأنهم مَعْزُولُونَ لا يسمعونها، خاصة في الزمن الماضي، وليس لهم عمل يشغلهم، ويقضي على فراغهم، خاصة في الماضي - أيضًا.
وثَانيًا: لأنهم في حال كرب، والرؤيا قد تكون مُبَشِّرَةً، تُشْعِرُ السجينَ بقرب خلاصه.
وربما كان في قصة يوسف ﵇ وصاحبيه ما يُشِيرُ إلي أن السجين تحدث له الرؤيا، ويتحدث عنها، أكثر من غيره، خاصة وهو يعلم أن الأبواب كلها قد أغْلِقَتْ، فيلجأ إلى اللَّه، ويَصْدُقُ معه، فيحدث له من صفاء القلب ما لا يحدث له فى غير سِجْنِهِ.
إنه لجدير بالداعية أن يقتصد في ذكر الرؤى والأحلام، فلا يجعلها لُحمَةَ وعظه وسُدَاهُ، ولا يقيمها مقامَ الأدلة الشرعية.
كان ﷺ كما في "الصحيح"، إذا صَلَّى الفجرَ، التفت إلى أصحابه، فقال: "هَلْ رَأَي أحَدٌ مِنْكُمْ رُؤيَا؟ " (١).
стр. 28
لكنه ﷺ حَدَّدَ فائدة الرؤيا بـ "التبشير"، وما في معناه -والله أعلم- كالتحذير، أما التشريع فلا تشريع في يقظة ولا منام بعد موته ﵊.
وليس كل ما يراه الإنسان في المنام رؤيا، بل هناك "الحُلْم" (١)، وهو من الشيطان، وقد نَهَى النبي ﷺ أن يُخْبِرَ الإنسان بتَلَاعُبِ الشيطان به في المنام (٢).
وهناك حديث النفس، فَإِذَا شغل أمر من الأمور بال الإنسان تراءى له في المنام.
وقد يكون ما يراه بسبب اعتلال المزاج واختلاله، أو الشبع أو الجوع أو غيرهما.
وكان أحد الروائيين المشهورين يأكل أكلة ثقيلة، ثم ينام، فإذا استيقظ دوَّن ما رأي على شكل "رواية" أو قصة يتداولها الناس، ويتعجبون من خيال هذا الكاتب! (٣).
ومرة أخرى يجب التأكيد أن الداعية أو الواعظ لا يجدر به أن يَتَسَاهَلَ في
стр. 29
حكاية الروايات الواهية، والموضوعة، والمشكوك فيها .. أن فلانًا رأى، وفلانًا رأى .. ورأى رجل صالح فيما يرى النائم .. ورأت امرأة صالحة.
وما يدرينا نحن عن صلاحها؟ وقد يكون الإنسان ظاهرُهُ الصلاح، لكن فيه "غفلة الصالحين"، فيحدِّث بكل ما يسمع.
وفي "مقدمة صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ" (١).
إن مما يؤخذ على بعض الدُّعَاة والمصلحين حَشْدَهِمْ لهذه الأقاصيص، وهذه الرؤى، والأحلام، وتوثيقهم لها، بدون تثبت، وعدم تقدير نوعية المخاطَبين، ومستوى عقولهم.
وخلاصة الأمر: ألَّا يستكثر الواعظ من سرد الرؤى، بل يجعلها كالمِلح، إن زاد ضَرَّ، وإن نقص ضر، على أن يكون وفق الضوابط التالية:
- لا يترتب عَلَيْهَا حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ وَلَا تَشْرِيعٌ.
- لَا تَكُونُ مُشْتَمِلَةً علَى تَهْوِيلٍ أوْ مُبَالَغَةٍ يَأبَاهَا العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ عَدُّوا المُبَالَغَةَ في الحَدِيثِ مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى وَضْعِهِ .. فَمَا بَالُكَ بِالرُّؤيَا؟
- أَلَّا يُرْبَط إِيَمانُ النَّاسِ بِهَا، بَلْ يُوَجَّهُونَ إلى الكِتَابِ والسُّنَّةِ، ويُرَبَّوْنَ على تَعْظِيمِهِمَا، والرُّؤَيَا لَا تَعْدُو أنْ تكُونَ مُبَشِّرَةً أو مُحَذِّرَةً.
- أَلَّا يَتَسَرَّعَ في التَّوْثيقِ في أُمُورٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ، وَلَا يُبَالِغَ في حُسْنِ الظَّنِّ بِمُحَدِّثيهِ.
ْعلى أن يُشْرَحَ للناس الموقف الشرعي الصحيح من الرؤيا، وأنواع ما يراه الإنسان في المنام، وآداب الرؤيا .. إلخ). اهـ (٢)
стр. 30
وعيد من كذب في منامه:
عن ابن عباس ﵄ قال رسول اللَّه ﷺ : "من تَحَلَّم بَحُلْمٍ لم يره، كُلِّف أن يعقد بين شَعيرتين، ولن يفعل" (١).
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "مِن أفرى الفِرى أن يُرِيَ عينَه ما لم تَرَ" (٢).
* * *
стр. 31
مَنَامَات في خدمَةِ البِدَعِ والضَّلَالَاتِ
- قال ابن عربي:
"إني رأيت رسول اللَّه ﷺ في مُبَشِّرةٍ -رؤيا- أُرِيتُهَا في العشر الأواخر من المحرم سنة (٦٢٧ هـ) بمحروسة دمشق، وبيده كتاب، فقال لي: هذا كتاب (فصوص الحِكَم)، خذه، واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة لله ورسوله وأولي الأمر منا" (١).
- وزعم ابْنُ الفَارِضِ:
أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام، فسأله -أي النبي- عن قصيدته التائية الكبرى، بِمَ سَمَّاهَا؟ فأجابه ابن الفارض بأنه سماها "لوائح الجَنان، وروائح الجِنان"، فقال له النبي: لا، بل سَمِّهَا "نظم السلوك" .. ومن هنا كان الاسم عنوانًا على هذه القصيدة، اشْتُهِرَتْ به (٢).
стр. 32
أما البوصيري صاحب "البردة" فيقول:
"كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله ﷺ ، ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْطُ فالِج (١) أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة، فعملتها، واستشفعت بها إلى اللَّه في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت ودعوت، وتوسلت ونمت، فرأيت النبي ﷺ فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليَّ بردة، فانتبهت ووجدت فيَّ نهضة، فقمت، وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحدًا، فلقيني بعض الفقراء، فقال لي: أتريد أن تعلمني القصيدة التي مدحتَ بها رسول الله ﷺ ؟ فقلت: أيها؟ فقال: التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولها، وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تُنشد بين يدي رسول الله ﷺ ، فرأيت رسول الله ﷺ ، يتمايل (٢) وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة (٣)، فأعطيته إياها، وذكر الفقير ذلك، وشاع المنام" (٤).
وكيف يقر رسول اللَّه ﷺ هذه القصيدة وفيها طامَّات
стр. 33
وغلوٌّ وابتداع وانحراف (١) عن هديه ﷺ مما يأباه رسول الله ﷺ ، وقد نهى ﷺ أمته عن إطرائه بالغلو في مدحه ﷺ .
وقد غلا الناس في هذه القصيدة فزعموا أنها تُقرأ لتفريج الكربات، وتيسير العسير، وأن بعض أبياتها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون (٢).
بل اشترطوا لقراءتها الوضوء، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها، والعلم بمعانيها، إلى غير ذلك (٣).
وتنافس أكثر من مائة شاعر في معارضتها، فضلًا عن المشطِّرين (٤) والمخمِّسين والمربِّعين، وتجاوزت شروحها الخمسين شرحًا، فيها ما هو مُحلًّى بماء الذهب، وصار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن (٥).
- إن من عادة الصوفية اختلاقَ القصص "الإرهابية"؛ لترهيب الناس من مخالفتهم أو الإنكار عليهم:
قال النبهاني: "قال المناوي: قال لي فقيه عصره شيخنا الرملي: إن بعض المنكرين رأى أن القيامة قد قامت، ونُصِبَتْ أوانٍ في غاية الكِبَر، وأُغْلِيَ فيها ماء يتطاير منه الشرر، وجيء بجماعةٍ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فصُلِقوا فيه حتى تَهَرَّى اللحم والعظم، فقال: ما هؤلاء؟ قال: "الذين ينكرون على ابن عربي وابن الفارض" (٦).
стр. 34
- الأمِيرُ بُرهَان نظَام شَاه:
الذي تَشَيَّعَ وبالغ في ذلك، حتى إنه أمر الناس أن يسبوا الخلفاء الثلاثة ﵃ في المساجد، والأسواق، والشوارع، وجعل الأرزاق السَّنِيَّة للسابين من خزانته، وقتل، وأسر خلقًا كثيرًا من أهل السنة والجماعة، وسبب ذلك على ما ذكره محمد قاسم الشيعي البيجابوري في "تاريخه": "أن ولده عبد القادر ابْتُلِيَ بمرض عسير، عجز الأطباء عنه، واستيأس الناس من حياته، وكان برهان شاه يبذل النقود والجواهر والأموال الطائلة فيه، فبَشَّرَهُ الشيخ طاهر (١) ذات يوم بشفائه، وعهد إليه أن يخطب للأئمة (٢) في الجُمَعِ، والأعياد، ويروج مذهبهم في بلاده، فعاهده برهان شاه.
ورأى في تلك الليلة كأن رجلًا يقدم عليه، وستة رجال معه في جانبه الأيمن، وستة كذلك في جانبه الأيسر، وقيل له: (إن القادم هو سيدنا محمد رسول اللَّه ﷺ ، ومعه الأئمة من أهل البيت)، فَسَلَّمَ عليه برهان شاه، فقال له الرجل القادم: (إن اللَّه -سبحانه- قد شفى ولدك، فعليك أن تجتهد فيما أشار إليه ولدي طاهر)، ثم انتبه برهان شاه من نومه، فرأى أن ولده قد شفاه اللَّه -سبحانه- في تلك الليلة، فَتَلَقَّنَ من الطاهر مذهب الإمامية من الولاء والبراء، وتشيَّع، وتَشَيَّعَ أهل بيته، وخدمه نحو ثلاثة آلاف، وصار الطاهر مقضيَّ الأمر في ترويج مذهبه بأرض الدكن" (٣).
- عَصَا العَيدَرُوسِ:
وفيما يلي قصة "منامٍ" لوَّح به الشيخ عبد القادر العيدروس في كتابه "تعريف
стр. 35
الأحياء بفضائل الإحياء"، ورفعها كعصا يهدد بها كل من ينكر -على أبي حامد الغزالي، وعلى "إحيائه"؛ حيث قال:
"وذكر اليافعي أن أبا الحسن بن حرزهم الفقيه المشهور المغربي -كان بالغَ في الإنكار على كتاب (إحياء علوم الدين) - وكان مُطَاعًا مسموع الكلمة، فأمر بجمع ما ظفر به من نسخ (الإحياء)، وهَمَّ بإحراقها في الجامع يوم الجمعة، فرأى ليلة تلك الجمعة كأنه دخل الجامع، فإذا هو بالنبي ﷺ فيه، ومعه أبو بكر وعمر ﵄ والإمام الغزالي قائم بين يدي النبي ﷺ ، فلما أقبل ابن حرزهم قال الغزالي: (هذا خصمي يا رسول اللَّه، فإن كان الأمر كما زعم تُبْتُ إلى اللَّه، وإن كان شيئًا حصل من بركتك، واتباع سنتك، فخذ لي من خصمي)، ثم ناول النبي ﷺ كتاب "الإحياء"، فتصفحه النبي ﷺ ورقة ورقة، من أوله إلى آخره، ثم قال: (واللَّه إن هذا لشيء حسن).
ثم ناوله الصِّدِّيق ﵁، فنظر فيه، فاستجاده، ثم قال: (نعم، والذي بعثك بالحق إنه لشيء حسن)، ثم ناوله الفاروق عمر ﵁، فنظر فيه، وأثنى عليه، كما قال الصِّدِّيق، فأمر النبي ﷺ بتجريد الفقيه علي بن حرزهم عن القميص، وأن يُضْرَبَ ويُحَدَّ حدَّ المفتري، فجُرِّد وضُرِبَ، فلما ضُرِبَ خمسة أسواط تَشَفَّعَ فيه الصدِّيقُ ﵁، وقال: (يا رسول اللَّه، لعله ظن فيه خلاف سنتك، فأخطأ في ظنه)، فَرَضِيَ الإمام الغزالي، وقبل شفاعة الصِّدِّيق، ثم استيقظ ابن حرزهم، وأثَرُ السياط في ظهره، وأعلم أصحابَهُ، وتاب إلى اللَّه عن إنكاره على الإمام الغزالي واستغفر، ولكنه بقي مدة طويلة متألمًا من أثر السياط" (١).
وهذا الحُلْم مما يُقطع ببطلاْنه، وكذبه؛ وذلك لما تضمنه "الإحياء" من
стр. 36
الضلالات والطامَّات (١)، وهو الذي يقول فيه الإمام أبو بكر الطُّرطوشي ﵀: "شحن أبو حامد (الإحياء) بالكذب على رسول الله ﷺ ، فلا أعلم كتابًا على بَسِيطِ الأرض أكثرَ كذبًا منه" (٢)، ولذلك أفتى علماء الدولة المرابطية بتحريقه.
- ومن ذلك ما رواه ابن عساكر ﵀ بسنده إلى أبي الفتح الساوي: "أنه كان في المسجد الحرام، فغلبه النوم، فرأى عَرْصَة (٣) واسعة فيها ناس كثيرون واقفين، وفي يد كل واحد منهم كتاب مجلد، قد تحلقوا كلهم على رسول اللَّه ﷺ ، يَعْرِضُونَ أن يقرءوا عليه من كتبهم، إلى أن قال: فلما رأيت أن القوم قد فرغوا، وما بقي أحد يقرأ عليه شيئًا، تقدمت قليلًا، وكان في يدي كتاب مُجَلَّدٌ، فناديت، وقلت: (يا رسول اللَّه، هذا الكتاب معتقدي، ومعتقد أهل السنة، لو أذنت لي حتى أقرأه عليك؟) فقال: (وأَيْشِ ذاك؟) قلت: (يا رسول اللَّه، هو "قواعد العقائد" الذي صَنَّفَهُ الغزالي)، فَأَذِنَ لي في القراءة، فقعدت وابتدأت، وقرأت عليه الكتاب) (٤).
وليت شِعري كيف يمثل "قواعد العقائد" عقيدة أهل السنة والجما عة، وهو كتاب مبني على المذهب الأشعري (٥)، وقد شُحِن بأساليب علم الكلام الذي ذمَّه السلف، ونَفَّروا منه، وهو كتاب يحوم حول شرح صفات المعاني السبع: الحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، كما أنه مُشْتَمِل على الجوهر، والعَرَض، ونحوهما من عبارات المتكلمين المبتدعة، فما كان هذا شأنه يستحيل أن يرضى عنه أويقبله رسول اللَّه ﷺ .
стр. 37
أضرِحَةُ المنَامَاتِ .. والمَزَارَات المُزَوَّرَات
تُوجَدُ في كثير من بلاد العالم الإسلامي مقابر وهميةٌ يُزْعَمُ أنها مقابرُ لأولياءَ صالحين، وَيرْجعُ الفضل في بنائها إلى "رُؤًى مناميةٍ"؛ إذ يكفي عند القوم أن يَدعِيَ مُدَّعٍ أنه رأى رؤيا تُكَلِّفُهُ ببناء قبر أو قبة فوق المكان الفلاني؛ ليصبح مزارًا لأحد الأولياء.
ومن أشهر أضرحة الرؤيا: مشهد السيدة رقية بنت رسول الله ﷺ بالقاهرة، أقامته زوجة الخليفة العبيدي الآمر بأحكام الله (١)، وكذا ضريح السيدة سُكَيْنَة بنت الحسين بن علي ﵃ (٢).
ومنها: القبر المنسوب إلى زينب بنت علي ﵄ بالقاهرة، فإنه كذب لا أصل. له، ويقال: إن موضعه كان ساقية، فلما رأى صاحبها أنها لا تُغِلُّ له مع التعب إلا اليسير، زعم للناس: أنَّهُ رأى زينب في المنام، تأمره أن يقيمَ لها قبة في هذا المكان؛ فأقامها، وأعانه العوام، ثم كان سادنًا لها، فجاءته الأموال الكثيرة (٣).
ولم يكن قبر النبي شيث معروفًا قبل القرن الحادي عشر للهجرة، حيث رأى أحد ولاة الموصل في ذلك القرن منامًا يدل على موضع القبر، فبنى الضريح، ثم بُني عليه جامع كبير (٤).
وكان الناس يؤمون ضريحًا في شرق الجزائر، ويتبركون بأعتابه، ثم اكتشفوا أن هذا القبر كان لراهبٍ نصراني، ولم يصدق الناس ذلك حتى
стр. 38
عثروا على الصليب في القبر (١).
وفي اللاذقية حضرة يُقال إنها مدفن الفرس التي كان يركبها الولي المغربي، لا تزال حتى اليوم تُزار وتُبَخَّر (٢).
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تَعَالَى-: "حدثني بعض أصحابنا أنه ظهر بشاطئ الفرات رجلان، وكان أحدهما قد اتخذ قبرًا تُجْبَى إليه أموال ممن يزوره، ويُنْذَرُ له من الضُّلَّال، فعمد الآخر إلى قبر، وزعم أنه رأى في المنام أنه قبر عبد الرحمن بن عوف، وجعل فيه من أنواع الطيب ما ظهرت له رائحة عظيمة" (٣).
وقال شيخ الإسلام: "وغالب ما يَسْتَنِدُ إليه الواحد من هؤلاء: أن يَدَّعِي أنه رأى منامًا، أو أنه وجد بذلك القبر علامة تدل على صلاح ساكنه: إما رائحة طيبة، وإما توهم خرق عادة ونحو ذلك، وإما حكاية عن بعض الناس: أنه كان يُعَظِّمُ ذلك القبر.
فأما المنامات فكثير منها -بل أكثرها- كذب، وقد عرفنا في زماننا بمصر، والشام، والعراق من يَدَّعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبي، أو أن فيه أثر نبي، ونحو ذلك، ويكون كاذبًا، وهذا الشيء مُنْتَشِرٌ، فرائي المنام غالبًا ما يكون كاذبًا، وبتقدير صِدْقِهِ: فقد يكون الذي أخبره بذلك شيطان، والرؤيا المحضة التي لا دليل يدل على صِحَّتِهَا لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق؛ فإنه قد ثَبَتَ في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: (الرُّؤيَا ثَلَاثَةٌ: رُؤيَا مِنَ اللَّهِ، ورُؤيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ المَرْءُ نَفْسَهُ، ورُؤيَا مِنَ الشَّيْطَانِ".
فإذا كان جنس الرؤيا تحته أنواع ثلاثة، فلابد من تمييز كل نوع منها عن نوع" (٤).
стр. 39
هذه الظَّاهِرَةُ .. إلى متى ؟
تقول الرواية: "مرضت فتاة مرضًا شديدًا أعيا الأطباء، وفي ذات ليلة بكت حتى جاءها النوم، وهي على تلك الحال، فرأت أم المؤمنين زينب، فوضعت في فمها شيئًا من القطران، وطلبت منها أن تكتب أذكارًا معينة ثلاث عشرة مرة، وتطلب من الناس أن يكتبوها، فلما استيقظت الفتاة وجدت نفسها قد شُفِيَتْ من المرض تمامًا، وقامت بكتابة الورقة ثلاث عشرةَ مرة، ووزعتها، فحدث التالي:
- أول ورقة: وقعت في يد رجل فقير فكتبها ثلاث عشرة مرة، ووزعها، فجاءته أموال طائلة بعد ثلاثة عشر يومًا.
- والورقة الثانية: وقعت في يد غني، فمزقها، فذهبت أمواله كلها بعد ثلاثة عشر يومًا.
- والورقة الثالثة: وقعت في يد رجل على رأس عمل كبير، فسخر منها، ففُصِلَ من العمل بعد ثلاثة عشر يومًا.
تقول الرواية: فعليك أخي المسلم، أختي المسلمة، أن تقوموا بكتابة هذه الورقة، وتوزيعها؛ لتنالوا من اللَّه كل ما تحبون في إرادته".
- ويعلق الشيخ سلمان العودة على هذه "الخرافة" قائلًا:
(إنه نوع من "الإرهاب الفكري" المدمِّر.
لا تستخدم عقلك، ولا تناقش؛ لئلا يصيبك ما أصاب هؤلاء، واحذر أن تمزق تلك الورقة "الأسطورة"؛ لئلا تفقد عملك، أو تفقد مالك .. وربما تفقد دينك -هكذا يزعمون-.
إن الوحي قد انتهى فلا يتنزل على أحد بعد النبي ﷺ ، ومع ذلك؛ فإن من المسلمين من يشرِّعون تشريعات جديدة، لم ترد في الوحي،
стр. 40
ويُحَذِّرون من يخالفها بالعقاب والعذاب، ويُبَشِّرونَ من يفعلها بالتوفيق ..
فكيف تنطلي هذه الألاعيب السخيفة على مسلم قرأ في التنزيل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
إننا نعلم يقينًا أن الإنسان قد يترك أعظم شعائر الدين العملية -وهي الصلاة، ومع ذلك يظل مرزوقًا معافى في دنياه؛ لأن الدنيا ليست دار جزاء ولا حساب، والأصل أن الجزاء والحساب في الآخرة، بل نجد قومًا كفارًا لا يؤمنون باللَّه، ولا باليوم الآخر، ومع ذلك: وَسَّعَ الله عليهم في الرزق، وأعطاهم من العلم المادي، والحضارة المادية، ما لم يُعْطِ غيرهم.
فالدنيا دار بلاء، وليست دار جزاء.
فكيف يأتي من يستخف بعقول بعضنا، ويزعم أن من لم يَفْعَلْ كذا أصابه بعد أيام معدودة ما يكره، ومن فعله لَقِي ما يحب؟!
وهذا الفعل المطلوب ليس واجبًا، ولا مُسْتَحَبًّا، بل ولا مباحًا، إنما هو بدعة منكرة، وخرافة غليظة.
ثم لنتساءل: هل هذه الكتابة "عبادة"، أم أنها "عمل دنيوي محض"؟
فإذا كانت عبادة، فهي مردودة؛ لأن الإنسان أراد بها الدنيا، وحفظ المال، والوظيفة، والصحة، ولم يُرِدْ بها وجهَ الله -تَعَالى-.
وإذا كانت عَمَلًا دنيويًّا فهي -أيضًا- مرفوضة؟ لأنها ليست من الأسباب المادية، والذي يُرِيدُ المحافظة على الوظيفة عليه ألَّا يتأخر عن وقت الدوام، وأن يؤدي مسئولياته، وأن يُحْسِنَ استقبال المراجعين، ويبني علاقته مع رؤسائه على أساس صحيح.
وهكذا حفظ المال والصحة وغيرهما له أسبابه المادية المعروفة، وليس هذا العمل منها بحال.