الضلالات والطامَّات (١)، وهو الذي يقول فيه الإمام أبو بكر الطُّرطوشي ﵀: "شحن أبو حامد (الإحياء) بالكذب على رسول الله ﷺ ، فلا أعلم كتابًا على بَسِيطِ الأرض أكثرَ كذبًا منه" (٢)، ولذلك أفتى علماء الدولة المرابطية بتحريقه.
- ومن ذلك ما رواه ابن عساكر ﵀ بسنده إلى أبي الفتح الساوي: "أنه كان في المسجد الحرام، فغلبه النوم، فرأى عَرْصَة (٣) واسعة فيها ناس كثيرون واقفين، وفي يد كل واحد منهم كتاب مجلد، قد تحلقوا كلهم على رسول اللَّه ﷺ ، يَعْرِضُونَ أن يقرءوا عليه من كتبهم، إلى أن قال: فلما رأيت أن القوم قد فرغوا، وما بقي أحد يقرأ عليه شيئًا، تقدمت قليلًا، وكان في يدي كتاب مُجَلَّدٌ، فناديت، وقلت: (يا رسول اللَّه، هذا الكتاب معتقدي، ومعتقد أهل السنة، لو أذنت لي حتى أقرأه عليك؟) فقال: (وأَيْشِ ذاك؟) قلت: (يا رسول اللَّه، هو "قواعد العقائد" الذي صَنَّفَهُ الغزالي)، فَأَذِنَ لي في القراءة، فقعدت وابتدأت، وقرأت عليه الكتاب) (٤).
وليت شِعري كيف يمثل "قواعد العقائد" عقيدة أهل السنة والجما عة، وهو كتاب مبني على المذهب الأشعري (٥)، وقد شُحِن بأساليب علم الكلام الذي ذمَّه السلف، ونَفَّروا منه، وهو كتاب يحوم حول شرح صفات المعاني السبع: الحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، كما أنه مُشْتَمِل على الجوهر، والعَرَض، ونحوهما من عبارات المتكلمين المبتدعة، فما كان هذا شأنه يستحيل أن يرضى عنه أويقبله رسول اللَّه ﷺ .
стр. 37
أضرِحَةُ المنَامَاتِ .. والمَزَارَات المُزَوَّرَات
تُوجَدُ في كثير من بلاد العالم الإسلامي مقابر وهميةٌ يُزْعَمُ أنها مقابرُ لأولياءَ صالحين، وَيرْجعُ الفضل في بنائها إلى "رُؤًى مناميةٍ"؛ إذ يكفي عند القوم أن يَدعِيَ مُدَّعٍ أنه رأى رؤيا تُكَلِّفُهُ ببناء قبر أو قبة فوق المكان الفلاني؛ ليصبح مزارًا لأحد الأولياء.
ومن أشهر أضرحة الرؤيا: مشهد السيدة رقية بنت رسول الله ﷺ بالقاهرة، أقامته زوجة الخليفة العبيدي الآمر بأحكام الله (١)، وكذا ضريح السيدة سُكَيْنَة بنت الحسين بن علي ﵃ (٢).
ومنها: القبر المنسوب إلى زينب بنت علي ﵄ بالقاهرة، فإنه كذب لا أصل. له، ويقال: إن موضعه كان ساقية، فلما رأى صاحبها أنها لا تُغِلُّ له مع التعب إلا اليسير، زعم للناس: أنَّهُ رأى زينب في المنام، تأمره أن يقيمَ لها قبة في هذا المكان؛ فأقامها، وأعانه العوام، ثم كان سادنًا لها، فجاءته الأموال الكثيرة (٣).
ولم يكن قبر النبي شيث معروفًا قبل القرن الحادي عشر للهجرة، حيث رأى أحد ولاة الموصل في ذلك القرن منامًا يدل على موضع القبر، فبنى الضريح، ثم بُني عليه جامع كبير (٤).
وكان الناس يؤمون ضريحًا في شرق الجزائر، ويتبركون بأعتابه، ثم اكتشفوا أن هذا القبر كان لراهبٍ نصراني، ولم يصدق الناس ذلك حتى
стр. 38
عثروا على الصليب في القبر (١).
وفي اللاذقية حضرة يُقال إنها مدفن الفرس التي كان يركبها الولي المغربي، لا تزال حتى اليوم تُزار وتُبَخَّر (٢).
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تَعَالَى-: "حدثني بعض أصحابنا أنه ظهر بشاطئ الفرات رجلان، وكان أحدهما قد اتخذ قبرًا تُجْبَى إليه أموال ممن يزوره، ويُنْذَرُ له من الضُّلَّال، فعمد الآخر إلى قبر، وزعم أنه رأى في المنام أنه قبر عبد الرحمن بن عوف، وجعل فيه من أنواع الطيب ما ظهرت له رائحة عظيمة" (٣).
وقال شيخ الإسلام: "وغالب ما يَسْتَنِدُ إليه الواحد من هؤلاء: أن يَدَّعِي أنه رأى منامًا، أو أنه وجد بذلك القبر علامة تدل على صلاح ساكنه: إما رائحة طيبة، وإما توهم خرق عادة ونحو ذلك، وإما حكاية عن بعض الناس: أنه كان يُعَظِّمُ ذلك القبر.
فأما المنامات فكثير منها -بل أكثرها- كذب، وقد عرفنا في زماننا بمصر، والشام، والعراق من يَدَّعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبي، أو أن فيه أثر نبي، ونحو ذلك، ويكون كاذبًا، وهذا الشيء مُنْتَشِرٌ، فرائي المنام غالبًا ما يكون كاذبًا، وبتقدير صِدْقِهِ: فقد يكون الذي أخبره بذلك شيطان، والرؤيا المحضة التي لا دليل يدل على صِحَّتِهَا لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق؛ فإنه قد ثَبَتَ في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: (الرُّؤيَا ثَلَاثَةٌ: رُؤيَا مِنَ اللَّهِ، ورُؤيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ المَرْءُ نَفْسَهُ، ورُؤيَا مِنَ الشَّيْطَانِ".
فإذا كان جنس الرؤيا تحته أنواع ثلاثة، فلابد من تمييز كل نوع منها عن نوع" (٤).
стр. 39
هذه الظَّاهِرَةُ .. إلى متى ؟
تقول الرواية: "مرضت فتاة مرضًا شديدًا أعيا الأطباء، وفي ذات ليلة بكت حتى جاءها النوم، وهي على تلك الحال، فرأت أم المؤمنين زينب، فوضعت في فمها شيئًا من القطران، وطلبت منها أن تكتب أذكارًا معينة ثلاث عشرة مرة، وتطلب من الناس أن يكتبوها، فلما استيقظت الفتاة وجدت نفسها قد شُفِيَتْ من المرض تمامًا، وقامت بكتابة الورقة ثلاث عشرةَ مرة، ووزعتها، فحدث التالي:
- أول ورقة: وقعت في يد رجل فقير فكتبها ثلاث عشرة مرة، ووزعها، فجاءته أموال طائلة بعد ثلاثة عشر يومًا.
- والورقة الثانية: وقعت في يد غني، فمزقها، فذهبت أمواله كلها بعد ثلاثة عشر يومًا.
- والورقة الثالثة: وقعت في يد رجل على رأس عمل كبير، فسخر منها، ففُصِلَ من العمل بعد ثلاثة عشر يومًا.
تقول الرواية: فعليك أخي المسلم، أختي المسلمة، أن تقوموا بكتابة هذه الورقة، وتوزيعها؛ لتنالوا من اللَّه كل ما تحبون في إرادته".
- ويعلق الشيخ سلمان العودة على هذه "الخرافة" قائلًا:
(إنه نوع من "الإرهاب الفكري" المدمِّر.
لا تستخدم عقلك، ولا تناقش؛ لئلا يصيبك ما أصاب هؤلاء، واحذر أن تمزق تلك الورقة "الأسطورة"؛ لئلا تفقد عملك، أو تفقد مالك .. وربما تفقد دينك -هكذا يزعمون-.
إن الوحي قد انتهى فلا يتنزل على أحد بعد النبي ﷺ ، ومع ذلك؛ فإن من المسلمين من يشرِّعون تشريعات جديدة، لم ترد في الوحي،
стр. 40
ويُحَذِّرون من يخالفها بالعقاب والعذاب، ويُبَشِّرونَ من يفعلها بالتوفيق ..
فكيف تنطلي هذه الألاعيب السخيفة على مسلم قرأ في التنزيل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
إننا نعلم يقينًا أن الإنسان قد يترك أعظم شعائر الدين العملية -وهي الصلاة، ومع ذلك يظل مرزوقًا معافى في دنياه؛ لأن الدنيا ليست دار جزاء ولا حساب، والأصل أن الجزاء والحساب في الآخرة، بل نجد قومًا كفارًا لا يؤمنون باللَّه، ولا باليوم الآخر، ومع ذلك: وَسَّعَ الله عليهم في الرزق، وأعطاهم من العلم المادي، والحضارة المادية، ما لم يُعْطِ غيرهم.
فالدنيا دار بلاء، وليست دار جزاء.
فكيف يأتي من يستخف بعقول بعضنا، ويزعم أن من لم يَفْعَلْ كذا أصابه بعد أيام معدودة ما يكره، ومن فعله لَقِي ما يحب؟!
وهذا الفعل المطلوب ليس واجبًا، ولا مُسْتَحَبًّا، بل ولا مباحًا، إنما هو بدعة منكرة، وخرافة غليظة.
ثم لنتساءل: هل هذه الكتابة "عبادة"، أم أنها "عمل دنيوي محض"؟
فإذا كانت عبادة، فهي مردودة؛ لأن الإنسان أراد بها الدنيا، وحفظ المال، والوظيفة، والصحة، ولم يُرِدْ بها وجهَ الله -تَعَالى-.
وإذا كانت عَمَلًا دنيويًّا فهي -أيضًا- مرفوضة؟ لأنها ليست من الأسباب المادية، والذي يُرِيدُ المحافظة على الوظيفة عليه ألَّا يتأخر عن وقت الدوام، وأن يؤدي مسئولياته، وأن يُحْسِنَ استقبال المراجعين، ويبني علاقته مع رؤسائه على أساس صحيح.
وهكذا حفظ المال والصحة وغيرهما له أسبابه المادية المعروفة، وليس هذا العمل منها بحال.
стр. 41
ثم لماذا رقم (١٣) ؟
لقد جاء في الشرع الذكر مرة واحدة، وثلاث مرات، وسبع مرات، وعشر مرات، ومائة مرة، أما ثلاثَ عشرةَ مرة فليس لذلك نظير في الشرع مطلقًا؟
وأخيرًا: من الذي يَرْوِي هذه الأكذوبة الملفَّقَة المخترعة؟
فتاة مريضة؟ ومن هي؟ ومن يقول إنها صادقة؟ ومن يروي عن هذه الفتاة؟ إنها روَايَةٌ مسلسلة بالمجهولين، والكذَّابين، والأفَّاكين، وهؤلاء لا تُقْبَلُ شهادتهم على "بَصَلَة" فما دونها، فكيف تُقْبَلُ روايتهم في أمر كهذا؟!
وحتى لو كان الرواة من أساطين الثقات، فإنهم إذا حدَّثوا بمثل هذا الكذب البواح سقطت عدالتهم، وذهبت الثقة بهم، وتُرِكُوا، ووجب ردعهم وتعزيرهم، ومنعهم من التغرير بعقول السُّذَّجِ والبُلْهِ، والله المستعان، وأنَّى لأساطين الثقات أن يحدثوا بمثل هذا؟!) (١). اهـ.
ونظير هذه الرواية ما يشيع من وقت إلى آخر من أن فتاة رأت رسول اللَّه ﷺ في المنام، وقال لها: "إن الساعة ستكون قريبًا، وعلامة ذلك أن تفتحي مصحفًا قديمًا فتجدي فيه شعرة"، فترى الناس يُهْرَعُون إلى فحص مصاحفهم للتفتيش عن الشعرة المزعومة!
* * *
стр. 42
رُؤيَة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنَامِ
قد يظُنُّ بعض الناس أن هناك نوعًا من الرؤيا لا يحتاج إلى تبين، فهي عندهم صادقة أبدًا، وهي رؤية رسول اللَّه ﷺ في المنام، ولا شَكَّ أن رؤيا الرسول ﷺ حقٌّ وصدقٌ؛ وذلك لما ثبت من قوله ﷺ : "مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَزَايَا بي" (١)، وقوله ﷺ : "من رآني فإني أنا هو، فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي" (٢) وقوله ﷺ : "مَنْ رَآنِي في المنَامِ فَسَيَرَانِي في اليَقَظَةِ -وفي روايةٍ عند مسلم: "أو: لكأنما رآني في اليقظة"-، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي" (٣)، وقوله ﷺ : "مَنْ رَآنِي في المَنَامِ فَقَدْ رَآني، إنَّهُ لَا يَنْبَغِي للشَّيْطَانِ أنْ يَتَمَثَّلَ في صُورتي" (٤).
ولكن ينبغي أن نَعْلَمَ أن رُؤيَا الرسول ﷺ تكون حقًّا إذا كانت الصورة المرئية له هي صورته الحقيقية التي كان عليها، والتي جاء وصفها في الأحاديث الصحيحة، فإنها هي الصورة التي لا يتمثل بها الشيطان، أما إذا رُؤِيَ بصورة غير صورته، وزعمت الصورة المرئية أنها الرسول، فالأمر ليس كذلك، فالممنوع أن يَتَمَثَّلَ الشيطان في الصورة الحقيقية للرسول ﷺ ، أما أن يزعم الشيطان أنه الرسول، وقد تَمَثَّلَ في صورة غير صورة
стр. 43
الرسول، فهذا أمر لم ينفِهِ الحديث.
إذن هناك فرق كبير بين أن يقول: "من رآني"، وبين: "من رأى شخصًا يدعي أنه أنا"، أو"من رأى شخصًا، وظن أنه أنا"، فإن قوله ﷺ : "من رآني" يعني رؤيته ﷺ بشكله، وصورته التي كان عليها.
وهناك فرق -أيضًا- بين قوله ﷺ : "فإن الشيطان لا يتمثل بي"، وبين: "فإن الشيطان لا يدعي أنه أنا"؛ فالأولى تعني أن الشيطان لا يستطيع أن يتراءى بصورة الرسول ﷺ ، وشكله الذي كان عليه في حياته؛ بحيث لو رآه أحد الصحابة ﵃ لعرفه ﷺ .
إن الشيطان ممنوع من أن يتمثل بشخص النبي ﷺ ، ولكن ليس ممنوعًا من أن يقول: "أنا رسول اللَّه"، ويكون في صورة غير صورته ﷺ .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وقوله: "لا يستطيع أن يتمثل بي" يشير إلى أن اللَّه -تعالى- وإن أمكن الشيطان من التصور في أي صورة أراد؛ فإنه لم يُمَكِّنه من التصور في صورة النبي ﷺ ، وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها) (١).
وقال العلَّامة ابن مفلح المقدسي ﵀:
(قال أهل العلم: إنما تصح رؤية النبي ﷺ لأحد رجلين: أحدِهما: صحابي رآه يعلم صفته؛ فإنه إذا رآه في المنام جزم بأنه رأى مَثَلَه المعصوم من الشيطان.
стр. 44
وثانيهما: رجل تكرر عليه سماع صفاته المنقولة في الكتب، حتى انطبعت في نفسه صفاته ﷺ ، وأما غير هذين فلا يحصل الجزم؛ بل يجوز أن يكون من تخييل الشيطان، ولا يُفيده قول المرئي: "أنا رسول الله"، ولا قولُ من يحضر: "هذا رسول اللَّه"، لأن الشيطان يكذب لنفسه، ويكذب لغيره، فلا يحصل الجزم) (١).
وروى الترمذي في "الشمائل" عن عوف بن أبي جميلة، عن يزيد الفارسي -وكان يكتب المصاحف- قال: رأيت النبي ﷺ في المنام زمن ابن عباس ﵄، فقلت لابن عباس: "إني رأيت رسول اللَّه ﷺ في النوم"، فقال ابن عباس: إن رسول اللَّه ﷺ كان يقول: "إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي، فمن رآني في النوم فقد رآني"، هل تستطيع أن تنعت هذا الرجل الذي رأيته في النوم؟ فقال: نعم، أَنْعَتُ لك رجلًا بين الرجلين، جسمه ولحمه أسمر إلى البياض، أكحل العينين، حسن الضحك، جميل دوائر الوجه، قد مَلَأَت لحيته ما بين هذه إلى هذه، قد ملأت نحره، قال عوف: ولا أدري ما كان هذا النعت.
فقال ابن عباس: "لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا" (٢).
وروى الحافظ في "الفتح" (من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن سليمان بن حرب -وهو من شيوخ البخاري- عن حَمَّاد بن زيد، عن أيوب قال: "كان محمد -يعني ابن سيرين- إذا قَصَّ عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ ، قال: "صِفْ لي الذي رأيته"، فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: "لم تَرَهُ"، وسنده صحيح). اهـ (٣).
стр. 45
وعن عاصم بن كُليب قال: حدثني أبي؛ أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثلني"، قال أبي: فحدثت به ابن عباس، فقلت: قد رأيتُه -أي النبي- ﷺ -في المنام- فذكرتُ الحسنَ بنَ علي ﵄ فقلت: شبَّهْتُه به، فقال ابن عباس ﵄: "إنه كان يُشبهه" (١).
- فمِن ثم قال الحافظ ﵀: "قال علماء التعبير: إذا قال الجاهل: (رأيت النبي ﷺ )؛ فانه يُسأل عن صفته، فإن وافق الصفة المروية؛ وإلا فلا يُقبل منه". اهـ (٢).
(وقصة الشيخ عبد القادر مع الشيطان معروفة، وذلك حين قال له الشيطان: "أنا ربك، قد أبحتك من فرائضي"، فقال له الشيخ: "اخْسأ يا عدو الله"، فقال الشيطان: "غَلَبْتَنِي بفقهك يا عبد القادر"، فَسُئِلَ عن كيفية وقوفه على خُدْعَةِ الشيطان، فقال: إن الشيطان قال: "أنا ربك"، ولم يجرؤ على أن يقول: "أنا الله"، وزعم أنه قد أَحَلَّنِي من فرائض العبادات، والله لم يُحِلَّ ذلك لنبيه ﷺ ، فكيف يحلها لي؟
فإذا كان يُمْكِنُ للشيطان أن يقول: أنا ربك؛ ألا يمكنه أن يقول "أنا النبي"، من غير أن يتمثَّل بالنبي ﷺ بالضرورة) (٣).
إن رؤياه ﷺ في المنام آمرًا بشيء، أو ناهيًا عن آخر، أو مظهرًا حبه لأمر أو شخص أو طائفة، أو مبديًا كراهته وسخطه على فرد أو جماعة، أو موقف أو عمل -كل ذلك لا يؤخذ به، ولا يثبت بمثله حكم شرعي
стр. 46
من وجوب أو استحباب أو تحريم أو كراهة أوإباحة، أو ولاء أو براءة أو عداوة، وإنما يعرض ما يكون من ذلك على الشريعة الثابتة المعصومة، فإن وافقها فبها ونعمت، وتكون الحجة هي الشريعة، أما الرؤيا فللتأنيس فقط (١).
فائدة:
قال الشيخ الأمين بن محمد المحجوب الضرير في رسالته "هدى المستهدي إلى بيان المهدي والمتمهدي": "من رأى أحدًا من الأنبياء وهو يأمره بما يخالف الشريعة يكون ذلك نهيًا له وزجرًا وتهديدًا، وذلك لقوله ﷺ : "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، فإن ذلك ليس بأمر فعل، وإنما هو تهديد" (٢).
* * *
стр. 47
نَمَاذِجُ مِن الاستِغلَالِ السَّيِّئ لِمَا يزُعَمُ مِن رُؤيَةِ النبي ﷺ في المَنَامِ
وإن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قول الشعراني في "مختصره لتذكرة القرطبي":
فقد حكى اختلافَ الناس في موضع رأس الحسين ﵁ وحكى قول القرطبي: إن أصح ما قِيلَ فيه: إنَّهُ دُفِنَ بالبقيع عند قبر أمه، فاطمة ﵄ ثم قال: "وبه قال الزبير بن بَكَّار الذي هو أعلم بالأنساب، قال القرطبي ﵀-تعالي-: وما ذُكر أنه في عسقلان في مشهد هناك، أو بالقاهرة، فشيء باطل لا يصح، ولا يثبت" (١).
ثم قال الشعراني: (ومما وقع لي أنني قلت لسيدي الشيخ شهاب الدين بن شلبي الحنفي مفتي المسلمين ﵁:
"أترى أن تزور معنا رأس الحسين في المشهد بخان الخليلي؟ فقال: إنه لم يثبت كون الرأس هناك" (٢)، قلت له: "نزوره بالنية على تقدير صحة ذلك"، فقال: "نعم"، فلما دخلنا مقصورته بالمشهد، قلت للشيخ: "اجلس مراقبًا بقلبك للرأس"، فجلس متخيلًا لها في ذهنه، فحصل له ثِقَلُ رأسٍ، فنام، فرأى نقيبًا مشدود الوسط، قد خرج من القبر، فما زال بصره يتبعه حتى دخل مقصورة
стр. 48
رسول الله ﷺ ، وقال له: "يا رسول الله إن الشيخ شهاب الدين بن الشلبي، وعبد الوهاب الشعراني - يزوران رأس ولدك الحسين"، فقال ﷺ : "تَقَبَّل اللَّه منهما". انتهي، فاستيقظ الشيخ شهاب الدين، وتواجد حتى وقعت عمامته من فوق رأسه، وقال: "آمنت وصدقت بأن الرأس هنا"، وحكى الواقعة، ولم يزل يزوره حتى مات، فزر يا أخي هذا المشهد بالنية الصالحة إن لم يكن عندك كشف (١). فقول الإمام القرطبي ﵀:
"إن دفن الرأس في مصر باطل" صحيح في أيام القرطبي؛ فإن الرأس إنما نقلها طلائع بن رُزِّيك بعد موت القرطبي (٢)، فافهم، والله -تعالى- أعلم (٣). اهـ. وقال خادم شيخ الاسلام ابن تيمية إبراهيمُ بن أحمد الغياني (٤) ﵀:
"ورأيت رجلًا من أهل القاهرة جاء إلى الشيخ بالقاهرة بعد مجيئه من إسكندرية، فقال له: "إن أبي حدثني عن أبيه أن هذا المشهد بناه بنو عبيد، وأن رأس الحسين ما جاء إلى ديار مصر، لكن جرت لي واقعة: أني وأنا صغير كنت أجري فوق سطح هذا المشهد، وما له عندي حُرْمة بما حدثني أبي عنه، فبينما أنا نائم ليلة وأنا أرى عجوزًا زرقاء العينين شمطاء الرأس ومعها قيد، فحطته في رجلي، وقالت: تتوب ولا تعود تجري فوق سطح المشهد؟ فقلت: التوبة،
стр. 49
التوبة، ما بقيت أعود. فقعدت وأنا مرعوب".
فقال الشيخ: "وهذا أيضًا حجة لي على صحة ما أقوله، فإن هذه شيطانةُ هذا الموضع، وهي التي تزينه للناس. وكذلك لما بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد ﵁ بقطع (العُزَّى) فقال له: لما قطعتَ العزى أيّ شيءٍ رأيتَ خرج؟ فقال: خَرَجَتْ منها عجوز شمطاء هاربة نحو اليمن، فقال النبي ﷺ : "تلك شيطانة العُزَّى". وسمعت الشيخَ غير مرَّة يحكيها للناس" (١).
وقال الغياني أيضًا: "قد بلغ الشيخَ أن في المسجد الذي خلف (قبة اللحم) في (العلافين) وُيعْرف باسم (مسجد الكف) بلاطة سوداء، وقد شاع بين الناس أن إنسانًا من قديم الزمان رأى في منامه النبي ﷺ ، وحدثه بأمور فقال: يا رسول الله، إن حدَّثتُ الناس بالذي حدثتني لا يصدِّقونني، فقال له: هذا كفِّي اليمينُ في هذه البلاطة دليلًا على صدقك. وحط كفه فيها، فغاص، فبقي فيها موضع كف وخمس أصابع، وانعكف الناسُ عليه -كما ذكر- بالنذر له، والتبرك به، والاستسقاء.
فبلغ ذلك الشيخ، فطلع إليها ومعه جماعته وأخوه الشيخ شرف الدين فسمعته غير مرة يحدِّث يقول: لما نظرت إليها قلت: هذا الكف منحوت، مصنوع، مكذوب. فإن النَّحَّات جاء يعمله كف يمين فعمله كف شمال. فبقي معكوسًا يجيء الخِنْصر موضع الإبهام، والإبهام موضع الخنصر، فكسرها، وما بقي لها ذكر ولا أثر، وللَّه الحمد" (٢).
стр. 50
الوَصِيَّةُ الخُرَافيَّةُ المُزمِنَةُ
ولعل أشهرَ ما زَوَّرَهُ الكذَّابُونَ، وروَّجه الأفاكونَ -الوصيةُ المنحولة المنسوبة إلى الشيخ أحمد، حامل مفاتيح حرم رسول الله ﷺ ، وفيها يزعم أنه رأى رسول الله- ﷺ في رؤيا، وأخبره بوصية يُبَلِّغُهَا أمته، وتحتوي هذه الوصية على سلسلةٍ من الوعود بالخير والبركة على من يكتب منها ثلاثين نسخة، وُيوَزِّعُهَا على معارفه، والتهديد بنزول النكبات والمصائب على من يهملها ولا يكتبها. ومن العجيب أن هذه الخرافة "مزمنة"، لا تكاد تخبو منذ أن ظهرت قبل عشرات السنين، فهي تعود إلى الانتشار من حين لآخر، متجاوزة حُدود التاريخ والجغرافيا، فمِن ثمَّ تعاقب العلماء على تناولها بالنقض والإبطال، ومنهم الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ تعالى (ت ١٣٦٥ هـ)؛ حيث قال ﵀ في شأنها:
"إننا نتذكر أننا رأينا مثل هذه الوصية منذ كنا نتعلم الخط والتهجي إلى الآن مرارًا كثيرة، وكلها معزوة كهذه إلى رجل اسمه الشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية، والوصية مكذوبة قطعًا، لا يختلف في ذلك أحد شَمَّ رائحة العلم والدين، وإنما يصدقها البلداء من العوامِّ الأميين، ولا شك أن الواضع لها من العوامِّ الذين لم يتعلموا اللغة العربية؛ ولذلك وضعها بعبارة عامِّيَّة سخيفة، لا حاجة إلى بيان أغلاطها بالتفصيل؛ فهذا الأحمق المفتري ينسب هذا الكلام السخيف إلى أفصح الفصحاء، وأبلغ البلغاء ﷺ ، ويزعم أنه وجده بجانب الحجرة النبوية مكتوبًا بخط أخضر، يريد أن النبي الأمي هو الذي كتبه، ثم يتجرأ بعد هذا على تكفير من أنكره؛ فهذه المعصية هي أعظم من جميع المعاصي التي يقول: إنها فشت في الأمة، وهي الكذِبُ على الرسول ﵊، وتكفير علماء أمته، والعارفين بدينه، فإن كل واحد منهم يكذِّب واضع هذه الوصية بها، وقد قال المحدِّثون: إن قوله -صلى الله
стр. 51
عليه وسلم-: "مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"، قد نُقِلَ بالتواتر، ولا شك أن واضع هذه الوصية مُتَعَمِّدٌ لكذبها، ولا ندري أهناك رجل يُسَمَّى الشيخ أحمد أم لا؟
أما تَهَاوُنُ المسلمين في دينهم، وتركهم الفرائض والسنن، وانهماكهم في المعاصي؛ فهو مُشَاهَدٌ، وآثار ذلك فيهم مشاهدة، فقد صاروا وراء جميع الأمم، بعد أن كانوا بدينهم فوق جميع الأمم، ولا حاجة لمن يريد نصيحتهم بالكذب على الرسول، ووضع الرؤى التي لا يجب على من رآها أن يعتمد عليها شرعًا، بل لا يجوز له ذلك إلا إذا كان ما رآه موافقًا للشرع؛ فالكتاب والسنة الثابتة بين أيدينا، وهما مملوءَانِ بالعِظَاتِ والعبر، والآيات والنذر" (١).
* وممن تناولها بالرد والإبطال مجلة "نور الاسلام" (٢)؛ إذ جاء فيها:
بُلِيَ الإسلام بأشخاص يتخذون من الافتراء عليه طرقًا للتنفير منه، أو حبائل لاصطياد شيء من المال، ومن هذا القبيل صحيفة تشتمل على حكاية رؤيا منسوبة لشخص يُسَمِّي نفسه الشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية، وقد اخْتُرِعَتْ هذه الأكذوبة من مدة تزيد على أربعين سنة، ولا يزال مخترعها يتعهد بها الناس في الشرق والغرب من سنة إلى أخرى، وكثيرًا ما كتب أهل العلم في تزييفها وبيان ضلالاتها، ورجاؤنا اليوم في الخطباء والوُعَّاظِ أن يُنبِّهُوا الأمة لفِريتها، وسخافة عقل من يتقبلها، وقد ورد إدارةَ المجلة مقالٌ مُحَرَّر بقلم فضيلة الأستاذ صاحب التوقيع، يكشف عن جهل كاتبها، وسوء قصده، وعظم وِزْرِهِ، وإليك ما كتب الأستاذ محمود ياسين:
لا نزال بين آونة وأخرى نسمع خبر هذه الرؤيا، ويسوؤنا أن يتهافت الناس على طبعها، ونشرها، وقراءتها، وتعليقها على الجدران؛ رغبة في الوعد الذي
стр. 52
وقع فيها، وهو فوله: "ومن يُصَدِّقْ بها، يَنْجُ من عذاب النار"، وقوله: "ومن قرأها ونقلها من بلد إلى بلد؛ كان رفيق النبي ﷺ في الجنة، وكانت له شفاعته يوم القيامة"، ورهبة من الوعيد الذي تضمنته، وهو قوله: "ومن كذَّب بها كفر"، وقوله: "ومن قرأها ولم ينقلها كان خَصْمَ النبي ﷺ يوم القيامة".
كُنَّا في سنة (١٣٢١) هجرية نَشَرْنَا في الجزء السادس من المجلد الثالث من مجلة "الحقائق"؛ ردًّا مُمْتِعًا على هذه الفِرية، وحَذَّرْنَا الناسَ من الوثوق بها، والاغترار بوعودها، ووَقَعَ إذ ذاك في خَلَدِنَا أنَّ صاحب هذه النشرة سيرتدع عن إعادة نشرها، وأنَ الناس سيُعْرِضُونَ عنها، ولا يلتفتون بعد هذا إليها، ولكن خاب ما ظَنَنَّا، ولم نبلغ ما أملنا؛ فالكاذب لا يزال الفينةَ بعد الفينةِ ينشر فِريته، ويذيع كذبته بين الناس، وهم لا يزالون يُقْبِلُونَ عليها، ويتقبلون ما فيها من تُرَّهَاتٍ وتغريرٍ بالقبول الحسن، والعناية اللازمة.
ثم إن ناشرها -جريًا مع الأيام- قد عاد عليها بالتشذيب والتهذيب؛ فَنَقَّحَ وصَحَّحَ، وحذف منها كثيرًا من المفتريات التي كنا نبهنا عليها مثل قوله: "كنت ليلة الجمعة في اليوم الثاني والعشرين من شهر صفر الخير سنة كذا -مضطجعًا على وضوء كامل" إلخ، وقوله: "استحيت (كذا) من الله وهو يقول لي: يا محمد، لأبدلن وجوههم، وأعذبهم عذابًا شديدًا. فقلت: يا رب، أمهلهم حتى أنذرهم وأبلغهم" إلخ، وقوله: "يا أحمد، إنهم قد سُلِبَ إيمانهم من كثرة الزنى" ... إلخ، وقوله: "يا أحمد، إن تارك الصلاة لا تمشوا بجنازته"، وقوله: "ومن اطلع عليها ولم يخبر بها الناسَ كان وجهُه مُسْوَدُّا يوم القيا مة " إلخ، وقوله: "ومن كذَّب ولم يُصَدِّقْ بها -يعني الوصية- فهو ملعون، ثم ملعون، ثم ملعون" ... إلخ، وقوله: "من بعد ألف وثلاث ومائة وأربعين سنة يخرجن (كذا) النساء من بيوتهن إلى الأسواق، من غير إذن أزواجهن" إلخ، وقوله: "وبعد ألف وثلاث مائة وخمسين ينزل من السماء مطر كبيض الدجاج،
стр. 53
وبعد سنة (١٣٧٠) تغيب الشمس ثلاثة أيام"، وقوله: "وبعد ألف وأربع مائة يظهر المسيح الدجَّال".
وقوله: "فما كان، والله، والله، والله، وآيات اللَّه، وأمانه، أنها مكتوبة بقلم القدرة"، وقوله: "ومن كان عنده ثلاثة دراهم واستأجر بهن (كذا)، وكتب هذه الوصية، وكان مُذْنِبًا، وعليه فرض صيام؛ غُفِرَتْ ذنوبه ببركة هذه الوصية".
كل هذه التُّرَّهَاتِ والأكذوبات قد حذفها هذا المفتري الكَذَّاب جَريًا مع الأيام كما قلنا، وجاء إلينا الآن برؤيا، أو وصية ملخَّصة مشذبة، ومع ذلك، لم تَخْلُ مما يجب إنكاره، وفضيحة صاحبه، واشهاره بين الناس بأنه كاذب أفَّاك متلاعب، مجترئ على اللَّه -تعالى-، وعلى رسوله ﷺ ، القائل في الحديث الصحيح المتواتر الذي رواه الجم الكثير من الصحابة عنه ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ من النار"؛ أي: فليتخذ منزله منها.
"لو أن هذا الرجل الذي سَمَّي نفسه بالشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية كان ممن يخشون اللَّه -تعالى-، ويُعِدُّونَ العدة للقائه -سبحانه-، لما حَمَّل نفسه أقبح أنواع الكذب، وأشدها للَّه -تعالى- سخطًا؛ حيث اعتاد أن يبني وصيته على رُؤيَا منامية يحكيها للناس، وهو في ذلك من الأفاكين الكذَّابين الدَّجَّالين؛ فقد صح عنه ﷺ ؛ أنه قال: "إنَّ مِنْ أعْظَمِ الفِرَى أن يُدْعَى الرَّجُلُ إلى غيرِ أبِيهِ، أويُرِيَ عيْنَهُ في المَنَام مَا لَمْ تَرَ، أويَقُولَ عليَّ مَا لَمْ أقُلْ"، وقال ﷺ : "مِن أَفْرَى الفِرَى أنْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ".
* من افتِرَاءَاتِ صَاحِبِ الوصيةِ المَزعُومَةِ:
قوله: قال الشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية الشريفة: قال ﵊: "من قَرَأَهَا ونقلها من بلد إلى بلد؛ كان رفيقي في الجنة، وشفاعتي له يوم القيامة، ومن قرأها ولم ينقلها؛ كان خصمي يوم القيامة"؛ لأن فيها إسنادَ حديث إلى النبي ﷺ كَذِبٍ موضوعٍ عليه، لا أصل له في
стр. 54
الدين، ولا يحل نقله عنه ﷺ لأحد من المسلمين؛ فالعجب ممن يدعي أنه خادم الحجرة النبوية الشريفة؛ كيف يجرؤ هذه الجرأة، ويتقول على النبي- ﷺ مالم يَقُلْهُ، وما لا يجتمع مع أحكام دينه، وقواعد شريعته؟ وهذا وأمثاله يحملنا على أن نظن بهذا الرجل أنه ليس من المسلمين، بل عدو لهم متستر باسم خادم الحجرة النبوية الشريفة، يستهزئ بدينهم، وبأحكام شرعهم؛ فيجعل جزاء نقل وصية من بلد إلى بلد مرافقة النبي ﷺ في الجنة، واستحقاق شفاعته.
ومنها قوله: "ومن يصدق بها ينجو (كذا) من عذاب النار، ومن كذَّب بها كفر"؛ لأنَّ هذا الوعيد لا يصح أن يكون إلا لكتاب اللَّه -تعالى-، وما عُلم من الدين الإسلاميِّ بالضرورة؛ كأركان الإيمان والإسلام، أما غير ذلك مما لا يجب الإيمان به شرعًا، فالتكذيب به ليس كفرًا، كما أن التصديق به لا يُنَجِّي من نار، ولا يمنع من عذاب، ومن هنا يعلم القارئ سَخَافَةَ عقل هذا الرجل الذي يسمي نفسه بالشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية الشريفة، وجهلَه، وقلةَ دينِه، وجرأته على اللَّه -تعالى- وعلى شريعته، وأنه على ما نُرَجِّحُ متلاعب مستتر بهذا الاسم، لا يريد إلا الكيد للمسلمين وإيذاءهم.
(إن هذه الوصية تحمل في طَيَّاتِهَا دليل كذبها، ودليل تزويرها؛ فصاحبها يهدِّد الناس ويخوِّفهم إذا لم ينشروها أن تصيبهم المصائب، وتحلَّ بهم الكوارث، وأن يموت أبناؤهم، وأن تُفْقَدَ أموالهم، وهذا ما لم يقل به إنسان، حتى في كتاب اللَّه، وفي سنة رسول الله ﷺ ؛ لم يُؤْمَرِ الناس أن كلَّ مَنْ قرأ القرآن كتبه ونشره، وأن مَنْ قرأ "صحيح البخاري" كتبه ونشره، وإلا حلت به المصائب؛ فكيف بمثل هذه الوصايا التخريفيَّة؟! هذا شيء لا يمكن أن يصدِّقَهُ عقل مسلم، يفهم الإسلام فَهْمًا صحيحًا.
وتقول الوصية الزَّائفة: إنَّ فلانًا في البلد الفلاني نشر هذه الوصية؛ فَرُزِقَ بعشرات الآلاف من "الروبيات"، هذا كله تخريف وتضليل للمسلمين عن
стр. 55
الطريق الصحيح، وعن اتباع السنن والأسباب التي وضع اللَّه عليها نظام هذا الكون؛ فالرزق له أسبابه، وله طرائقه، وله سننه) (١).
- وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى تُبْطِلُ هذه الوصية المزعومة، وهاك نَصَّها:
الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
"من الممكن عقلًا الجائز شرعًا أن يرى المسلم في منامه النبي ﷺ على هيئته وصورته التي خلقه اللَّه عليها؛ فتكون رؤيا حقِّ، فإن الشيطان لا يتمثل به؛ لقوله ﷺ : "مَنْ رَآنِي في المنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِى". رواه الإمام أحمد والبخاري من طريق أنس، ولكن قد يكذب الإنسان فيدعي زورًا أنه رأى النبي ﷺ على صورته التي خَلَقَهُ اللَّه عليها، والتي نُقِلَتْ إلينا نقلًا صحيحًا، وقد يرى في منامه شَخْصًا على غير الصفة الخِلْقية للنبي ﷺ ، ويُخَيِّلُ إليه الشيطان أنه النبي ﷺ وليس به؛ فتكون الرؤيا كاذبة.
والرؤيا المنسوبة إلى الشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية إن لم تَصِحَّ نسبتها إليه؛ كانت مصطنعة مفتراة، وهذا هو الظاهر؛ فإنه لا يزال مُدَّعٍ مجهول يسمي نفسه الشيخ أحمد، ويدعي أنه رأى هذه الرؤيا، وقد تُوُفِّي الشيخ أحمد خادم الحجرة من زمن طويل، كما أخبر بذلك أهله، وأقرب الناس إليه، حينما سئلوا عن ذلك، وأنكروا نسبة هذه الرؤيا إليه، وهم ألصق الناس به، وأعرفهم بحاله، وإن صَحَّتْ نسبتها إليه، فهي إما كذب منه وافتراء على النبي ﷺ ، وإما أضغاث أحلام وخيال كاذب، وتلبيس من الشيطان على الرائي، وليست رؤيا صادقة، والذي يدل على أنها كذب، وبهتان، أو خيال، وزور: ما اشتملت عليه مما يتنافى مع الواقع، وشريعة رسول اللَّه ﷺ .
стр. 56
أما منافاتها للواقع، فإنها لا تزال تُطْبَع وتنشر مرات بعد وفاته، وقد أنكر أهله وألصَقُ الناس به نسبتها إليه حينما سُئِلُوا عن ذلك.
وأما منافاتها للشريعة الإسلامية، فلِما اشتملت عليه من الأمور التالية:
أولًا: الإخبار فيها عن تحديد عدد من مات من هذه الأمة على غير الإسلام من الجمعة إلى الجمعة، وهذا من أمور الغيب، التي لا يعلمها البشر، إنما يعلمها الله، ومن يظهره عليها من رسله في حياتهم، وقد انقطعت الرسالة من البشر بوفاة النبي ﷺ ، قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]
ثانيًا: إخباره عن النبي ﷺ أنه قال له: "أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة، ولم أقدر أن أقابل ربي والملائكة"؛ فإنه من الزور والأخبار المنكرة؛ لأن النبي ﷺ لا يعلم أحوال أمته بعد وفاته، بل لا يعلم منها أيام حياته في الدنيا إلا ما رآه بنفسه، أو أخبره به من اطلع عليه من الناس، أو أظهره اللَّه عليه؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: خطب النبي ﷺ ، فقال: "إنكم مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ".
إلى أن قال: "ألا إنه يجاء برجال من أمَّتى فيؤخذ بهم ذات الشمال؛
فَأقُولُ: يا رَبِّ، أصْحَابِي (١). فيقالُ: لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَك. فأقولُ كمَا قال
العَبْدُ الصالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
على أعقابِهِمْ منذ فَارَقْتَهُمْ"، رواه البخاري (١).
وعلى تقدير أنه يعلم أحوال أمته بعد وفاته، فلا يلحقه بذلك حرج، ولا يصيبه من وراء كثرة ذنوبهم ومعاصيهم إثم ولا خجل، وقد ثبت في حديث الشفاعة العظمى أن أهل الموقف كُفَّارًا ومسلمين يستشفعون بالأنبياء واحدًا بعد آخر حينما يشتد بهم هول الموقف، فيعتذر كل منهم عن الشفاعة لهم عند اللَّه، ثم ينتهي أهل الموقف إلى النبي ﷺ ، فيسألونه أن يشفع لهم عند اللَّه، فيستجيب لهم، ولا يمنعه من الشفاعة لهم كثرة معاصيهم، أو كفر الكافرين منهم، ولا يخجل من ذلك، بل يذهب فيسجد تحت العرش، ويحمد ربه، ويثني عليه بمحامد يُعَلِّمُه إياها، حتى يأمره أن يرفع رأسه، وأن يشفع لهم، وبعد ذلك ينصرفون للحساب والجزاء، ولم يمنعه شيء من ذلك في لقاء ربه، ومقابلة الملائكة، ولم يَلْحَقْهُ منه عار.
ثالثًا: إخباره بالجزاء العظيم الذي يترتب على كتابة هذه الوصية، ونقلها من محل إلى محل، أو من بلد إلى بلد، وتعيين جزاء الأعمال وتحديده من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا اللَّه، وقد انقطع الوحي إلى البشر بوفاة خاتَم الأنبياء ﵊؛ فادعاء العلم بذلك باطل، وقد ادعاه الشيخ أحمد المزعوم؛ حيث قال في الوصية المكذوبة: "ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد، ومن محل إلى محل، بني له قصر في الجنة"، وقال: "ومن يكتبها وكان فقيرًا أغناه اللَّه، أو كان مَدينًا قضى اللَّه دَيْنَه، أو كان عليه ذنب غفر اللَّه له ولوالديه"؛ فهو كاذب في ذلك.
وكذا إخباره عن الوعيد الشديد الذي يصيب من لم يكتبها، ويرسلها، وتعيينه إياه بأنه يُحْرَمُ شفاعةَ النبي ﷺ ، وَيسْوَدُّ وجهه في الدنيا والآخرة؛ حيث قالَ فيها: "ومن لم يكتبها ويرسلها، حُرِّمَتْ عليه
стр. 60
شفاعتي يوم القيامة"، وقال: "ومن لم يكتبها من عباد الله، اسْوَدَّ وجهه في الدنيا والآخرة"؛ فهذا -أيضًا- من الغيب الذي لا يعلم بتحديده إلا الله، فَإخْبَارُهُ به وقد انقطع الوحي إلى البشر؛ رجم بالغيب، وكذِبٌ وزور، وكذا قوله فيها: "ومن يُصَدِّق بها (ينجو) من عذاب النار، ومن يكذب بها كفر"؛ فهذا -أيضًا- زورٌ وبهتانٌ، فإن التكذيب بالرؤيا الصادرة من غير الأنبياء لا يعد كفْرًا بإجماع المسلمين.
رابعًا: إن كل ما أخْبرَ به من الوعد والوعيد على سبيل التعيين والتحديد يتضمن تشريعًا بالحث على كتابة الوصية، وإبلاغها ونشرها بين الناس للعمل بها، واعتقاد ما فيها رَجَاءَ المثوبة التي حدَّدَهَا، ويتضمن تشريع تحريم كتمانها، والتفريط في إبلاغها ونشرها، والتحذير من ذلك خشية أن يَحِيقَ بمن كتمها أو فَرَّطَ في نَشْرِهَا ما أخبر به من الوعيد الشديد بحرمانه من الشفاعة، واسوداد وجهه.
خامِسًا: عَدَمُ التناسب بين ما أخبر به من الجزاء والأعمال، وهو دليل الوضع والكذب في الأخبار، إلى غير هذه الأمور من الأكاذيب؛ فيجب أن يحذر المسلم هذه الوصية المزعومة، ويعمل على القضاء عليها.
وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١).
* * *
стр. 61
الرؤيا ليست حجة شرعية
ذهب بعض الناس إلى الاعتماد على الرؤى والمنامات واعتبارها حجة (١).
والصحيح أن الرؤيا لا تعتبر حجة ولا مصدرًا من مصادر التشريع، ولا يجوز أن يبني عليها الإنسان حكمًا شرعيًا حلًّا أو حرمة، كراهة أو استحبابًا، أو غير ذلك من مثل تعيين مراد الله ورسوله ﷺ بتفسير الكتاب والسنة.
وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن الحق الذي لا باطل فيه هو "ما جاءت به الرسل عن الله تعالى، وُيعرف بالكتاب والسنة والإجماع، فإن هذا حق لا باطل فيه، واجب الاتباع لا يجوز تركه بحال، عامُّ الوجوب لا يجوز ترك شيء مما دلت عليه هذه الأصول، وليس لأحدٍ الخروج عن شيء مما دلت عليه"، وقال ﵀: "الكتاب والسنة والإجماع، وبإزائه لقومٍ آخرين: المنامات، والإسرائيليات، والحكايات". اهـ (٢).
الأدلة على أن الرؤيا ليست، مصدرًا للتشريع:
١ - أن الله تعالى أوجب علينا اتباع كتابه المجيد وسنة نبيه ﷺ لا غير، وذلك كثير في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣].
٢ - قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فلا مجال لتشريعِ بعد انتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى.
قال الشوكاني ﵀: "ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على
стр. 62
لسان نبينا ﷺ قد كمله اللَّه ، ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها، وقد انقطعت البعثة بالموت" (١).
٣ - أن الأدلة الشرعية التي هي أصول الأحكام ومصادرها، محصورة في الكتاب والسنة باتفاق الأئمة، ثم الإجماع والقياس باتفاق جمهورهم، ثم العرف، والاستصحاب، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي، وسد الذرائع، على خلاف بين جمهور الأئمة في حجيتها، ولم يذكر أحد من أئمة العلم الرؤى المنامية ضمن هذه الأدلة.
قال الشوكاني ﵀: " ولم يأتنا دليل يدلُّ على أن رؤيته في النوم بعد موته ﷺ إذا قال فيها بقول أو فعل فيها، يكون دليلًا وحجة، بل قد قبضه اللَّه إليه بعد أن كمل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه" (٢) اهـ.
٤ - أن الرؤى ثلاثة أقسام من حيث منابعها: رحماني، ونفساني، وشيطاني، ولا سبيل إلى التمييز بينها حتى نقبل الرحماني، ونرد ما عداه.
قال الامام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه اللَّه تعالى-: "والرؤيا كالكشف: منها رحماني، ومنها شيطاني، ورؤيا الأنبياء وحي فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل ﵉ بالرؤيا. وأما رؤيا غيرهم فتُعرض على الوحي الصريح: فإن وافقته، وإلا لم يُعمل بها" (٣).
وقال الشيخ عبد الرحمن المُعَلِّميُّ ﵀: "الرؤيا قصاراها التبشير والتحذير، وفي الصحيح: أن الرؤيا قد تكون حقًّا وهي المعدودة من النبوة، وقد تكون من الشيطان، وقد تكون من حديث النفس، والتمييز مشكل" (٤).
стр. 63
٥ - أن الرؤيا تقع حال النوم، وليست هي حالة ضبط وتحقيق، ولا هي حالة تكليف، ولذلك رُفع القلم عن النائم حتى يستيقظ، فلا تقبل رواية النائم لاختلال ضبطه.
٦ - أن الغالب في الرؤيا "الترميز" والإشارة، ولا يفقه تعبيرها إلا قلةٌ من الناس، فتكون محتملة لتفسيرات متعددة، وما كان هذا شأنه لا يستقيم الاستدلال به.
قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀: "الغالب أن تكون على خلاف الظاهر حتى في رؤيا الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كما قصَّ من ذلك في القرآن، وثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذه الأمور اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه، وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة كما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسنة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك، فاستبشر ابن عباس". اهـ (١).
وكما قال ابن القيم- ﵀:
قال شيخنا -يعني ابن تيمية-: "كان يُشْكِل عليَّ أحيانًا حالُ من أصلي عليه الجنائز؛ هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام، فسألته عن مسائل عديدة، منها هذه المسألة، فقال: "يا أحمد! الشرطَ الشرطَ". أو قال: "عَلِّق الدعاء بالشرط" (٢)، فهذه الرؤيا يستأنس بها فحسب.
стр. 64
قول الإمام أبي إسحاق الشاطبي
١ - قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي ﵀ تعالى -:
"وأضعف هؤلاء احتجاجًا، قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها، فيقولون: رأينا فلانًا الرجل الصالح، فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا، ويتفق مثل هذا كثيرًا للمترسِّمين برسم التصوف، وربما قال بعضهم: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي: كذا، وأمرني بكذا، فيعمل بها، ويترك بها، مُعْرِضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة، وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال، إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سَوَّغَتْها عُمِلَ بمقتضاها، وإلا وجب تركُها، والإعراضُ عنها، وإنما فَائِدَتُهَا البِشارة أو النذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا، ... فلو رأى في النوم قائلًا يقول: إن فلانًا سرق فاقطعه، أو عالم فاسأله، أو اعمل بما يقولون لك، أو فلان زنى فحدَّه، وما أشبه ذلك؛ لم يصح له العمل حتى يقوم له الشاهد في اليقظة، وإلا كان عاملًا بغير شريعة؛ إذ ليس بعد رسول اللَّه ﷺ وحي".
ولا يُقَالُ: إن الرؤيا من أجزاء النبوة، فلا ينبغي أن تُهْمَلَ، وأيضًا إن المخبر في المنام قد يكون النبي ﷺ ، وهو قد قال: "مَنْ رَآنِي في النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي حَقَّا، فَإنَ الشَيْطَانَ لَا يَتَمَثلُ بِي"، وإذا كان؛ فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة.
لأنا نقول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحي، بل جزء من أجزائه، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه، وقد صُرِفَتْ إلى جهة البشارة والنذارة.
وأيضًا، فإن الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالحة
стр. 65
من الرجل الصالح، وحصول الشروط مما ينظر فيه، قد تتوفر، وقد لا تتوفر.
وأيضًا فهي منقسمة إلى الحُلْم وهو من الشيطان، وإلى حديث النفس، وقد تكون بسبب هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة حتى يُحْكَمَ بها وتُتركَ غيرُ الصالحة؟
ويلزم أيضًا على ذلك أن يكون تجديدَ وحيٍ بحكمٍ بعدَ النبي ﷺ ، وهو منهي عنه بالإجماع.
يُحكى أن شريك بن عبد اللَّه القاضي دخل على المهديِّ، فلما رآه قال:
"عليَّ بالسيف والنِّطْع" (١)، قال: "ولم يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي وأنت معرض عني، فقصصتُ رؤياي على مَن عبَّرها، فقال لي: يُظهر لك طاعة، ويضمر معصية"، فقال له شريك: "والله ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل ﵇ ولا أن معبرك بيوسف الصديق ﵇، فبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين؟ "، فاستحيى المهدي، وقال: "اخرج عني"، ثم صرفه، وأبعده.
وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله ﷺ الرائي بحكم، فلابد من النظر فيها أيضًا، لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالحكم بما استقر، وإن أخبر بمخالف، فمحال، لأنه ﷺ لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته، لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية، لأن ذلك باطل بالأجماع، فمن رأى شيئًا من ذلك فلا عمل عليه، وعند ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة، إذ لو رآه حقًّا لم يخبره بما يخالف الشرع.
لكن يبقى النظر في معنى قوله ﷺ : "من رآني في النوم فقد رآني"، وفيه تأويلان: أحدهما: ما ذكره ابن رشد، إذ سئل عن حاكم شهد
стр. 66
عنده عدلان مشهوران بالعدالة في قضية، فلما نام الحاكم ذكر أنه رأى النبي ﷺ ، فقال له: "لا تحكم بهذه الشهادة، فإنها باطلة"، فأجاب بأنه:
لا يحل له أن يترك العمل بتلك الشهادة، لأن ذلك إبطال لأحكام الشريعة بالرؤيا، وذلك باطل لا يصح أن يُعتقد، إذ لا يَعلم الغيبَ من ناحيتها إلا الأنبياءُ الذين رؤياهم وحي، ومَن سواهم إنما رؤياهم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
ثم قال: وليس معنى قوله: "من رآني فقد رآني حقًّا" أن كل من رأى في منامه أنه رآه فقد رآه حقيقة، بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى، ولا يجوز أن تختلف صور النبي ﷺ ولا صفاته، وإنما معنى الحديث: من رآني على صورتي التي خُلِقتُ عليها فقد رآني، إذ لا يتمثل الشيطان بي ... "، إلى أن قال الشاطبي ﵀: "فهذا ما نقل عن ابن رشد، وحاصله يرجع إلى أن المرئي قد يكون غير النبي ﷺ ، وإن اعتقد الرائي أنه هو"، ثم قال: "نعم لا يَحكم بمجرد الرؤيا حتى يعرضَها على العلم، لإمكان اختلاط أحد القسمين بالآخر، وعلى الجملة فلا يَستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المُنَّة (١)، نعم يأتي المرئي تأنيسًا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلًا، وهو الاعتدال في أخذها، حسبما فُهم من الشرع فيها، واللَّه أعلم" اهـ (٢).
- وقال الإمام الشاطبي ﵀ تَعَالَى- في سياق الرد على من يحتج بالإلهام والكشف والرؤى المنامية:
(هذه الأمور لا يصح أن تُراعى وتُعتبر؛ إلا بشرط ألَّا تخرم حكمًا شرعيًّا،
стр. 67
ولا قاعدة دينية، فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكمًا شرعيًّا ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال أو وهم، وإما من إلقاء الشيطان، وقد يخالطه ما هو حق وقد لا يخالطه، وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابت مشروع، وذلك أن التشريع الذي أتى به رسول اللَّه ﷺ عام لا خاص، وأصله لا ينخرم، ولا ينكسر له اطراد، ولا يحاشَى من الدخول تحت حكمه مكلف، وإذا كان كذلك، فكل ما جاء من هذا القبيل الذي نحن بصدده مضادًّا لما تمهد في الشريعة؛ فهو فاسد باطل.
ومن أمثلة ذلك: مسألة سئل عنها ابن رشد في حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة في أمر، فرأى الحاكم في منامه أن النبي ﷺ قال له: "لا تحكم بهذه الشهادة؛ فإنها باطل"، فمثل هذه الرؤيا لا معتبرَ بها في أمر ولا نهي، ولا بشارة ولا نذارة، لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة، وكذلك سائر ما يأتي من هذا النوع، وما روي "أن أبا بكر ﵁ أنفذ وصية رجل بعد موته برؤيا رؤيت (١)؛ فهي قضية عين لا تقدح في
стр. 68
القواعد الكلية لاحتمالها، فلعل الورثة رضوا بذلك، فلا يلزم منها خَرْم أصلًا".
وعلى هذا فلو حصلت المكاشفة بأن هذا الماء المعين مغصوب أو نجس، أو أن هذا الشاهد كاذب، أو أن المال لزيد وقد تحصَّل بالحجة لعمرو، أو ما أشبه ذلك؛ فلا يصح له العمل على وفق ذلك ما لم يتعين سبب ظاهر؛ فلا يجوز له الانتقال إلى التيمم، ولا ترك قبول الشاهد، ولا الشهادة بالمال لزيد على حال، فإن الظاهر قد تعيَّن فيها بحكم الشريعة أمر آخر، فلا يتركها اعتمادًا على مجرد المكاشفة، أو الفراسة، كما لا يعتمد فيها على الرؤيا النومية، ولو جاز ذلك؛ لجاز نقض الأحكام بها؛ وإن ترتبت في الظاهر موجباتها، وهذا غير صحيح بحال، فكذا ما نحن فيه.
وقد جاء في "الصحيح": "إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحكمَ له على نحو ما أسمع منه" الحديث؛ فقيد الحكم بمقتضى ما يسمع، وترك ما وراء ذلك، فلم يحكم إلا على وفق ما سمع، لا على وفق ما علم، وهو أصل في منع الحاكم أن يحكم بعلمه) (١) اهـ.
* * *
стр. 69
نصوص أُخَر لبعض أهل العلم في المسألة
ذكر جماعة من أهل العلم منهم أبو إسحاق الإسفراييني أن من رأى النبي صلى الله عليه وأله وسلم في المنام وأمره بأمر يلزمه العمل به، ويكون قوله حجة (١).
وقد أبى جمهور العلماء هذه الطريقة، واتفقوا على أن أي شيء مما ينتج عن الرؤيا إذا خالف الشريعة مردود، وإن وافقها فهو أمارة يؤتنس بها، وإن لم يوافقها ولم يخالفها جاز العمل بها، وهاك بعضَ نصوصِهم:
- قال شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀: "الرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها؛ لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق" (٢).
ونقل ابن مفلح عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- قال: "الإسرائيليات والمنامات لا يجوز أن يثبت بها حكم شرعي لا استحباب ولا غيره، ولكن يجوز ذكره في الترغيب والترهيب فيما لو عُلِم حُسْنُه أو قُبْحه بأدلة الشرع؛ فإنه ينفع ولا يضر، واعتقاد موجبه قدر ثواب وعقاب يتوقف على الدليل الشرعي" (٣). اهـ.
- واعترض الإمام أبو محمد علي بن حزم ﵀ على من استدل على تحريم القُبلة على الصائم بما رواه بإسناده عن (عمر بن حمزة (٤) أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام، فرأيته لا ينظرني، فقلت: يا رسول اللَّه، ما
стр. 70
شأني؟! فقال: ألست الذي تُقَبِّل وأنت صائم؟! قلت: فوالذي بعثك بالحق، لا أُقَبِّل بعدها وأنا صائم.
قال أبو محمد: الشرائع لا تؤخذ بالمنامات، لا سيما وقد أفتى رسول اللَّه ﷺ عمر في اليقظة حيًّا بإباحة القبلة للصائم (١)، فمن الباطل أن ينسخ ذلك في المنام ميتًا! نعوذ باللَّه من هذا.
ويكفي من هذا كله أن عمر بن حمزة لا شيء). اهـ (٢).
- وقال الإمام النووي ﵀: "إن الرائي وإن كانت رؤياه حقًّا، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء فيها، لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن من شروط مَن تُقبل روايته وشهادته: أن يكون متيقظًا لا مغفلًا ولا كثير الخطأ، ولا مختلَّ الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة" (٣). اهـ.
- وقال ابن الحاج ﵀: (إن الله لم يكلف عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة ... " عَدَّ منهم: "النائم حتى يستيقظ"، لأنه إذا كان نائمًا فليس من أهل التكليف، فلا يعمل بشيء يراه في نومه) (٤) اهـ.
- وقال الامام القرافي ﵀: "فلو رآه ﵇، فقال له: إن امرأتك طالق ثلاثًا، وهو يجزم بأنه لم يطلقها؛ فهل تحرم عليه لأن رسول اللَّه ﷺ لا يقول إلا حقًّا؟ وقع فيه البحث مع الفقهاء، واضطربت
стр. 71
آراؤهم في ذلك بالتحريم وعدمه، لتعارض خبره ﵇ عن تحريمها في النوم، وإخباره في اليقظة في شريعته المعظمة أنها مباحة له، والذي يظهر لي أن إخباره ﵇ في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط المثال" (١). اهـ.
وسُئل العز بن عبد السلام ﵀ عن ثواب القراءة المُهْدى للميت: هل يصل أو لا؟ فأجاب بما ملخصه:
"ثواب القراءة مقصور على القارئ، لا يصل إلى غيره"، إلى أن قال: "والعجب أن من الناس من يثبت ذلك بالمنامات، وليست المنامات من الحُجَج الشرعية التي تثبت بها الأحكام" (٢).
وقال العلامة عليُّ بن سلطان محمد القاري ﵀: "لا اعتماد على رؤية المنام في غير حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مع أن الرؤى قد تحتاج إلى تعبير يناسب الرائي أو غيره في هذا المقام، فلو فرض أن أحدًا رأى النبي ﵊، وأمره بفعل شيء أو تركه على خلاف قواعد الإسلام؛ فليس له القيام بذلك الأمر بإجماع علماء الأنام" (٣).اهـ.
وقال العلامة الشوكاني- ﵀: "إن الشرع الذي شرعه اللَّه لنا قد كمَّله اللَّه ، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ..
ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها، وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبيينها بالموت، وبهذا تعلم أنا لو قدَّرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله ﷺ أو فِعْلِهِ حجةً عليه ولا على غيره من الأمة" (٤) اهـ.
стр. 72
وقال العلامة عبد العزيز بن باز ﵀:
"أما اعتماد المنامات في إثبات كون فلان هو المهدي؛ فهو مخالف للأدلة الشرعية ولإجماع أهل العلم والإيمان، لأن المرائي مهما كثرت لا يجوز الاعتماد عليها في خلاف ما ثبت به الشرع المطهر، لأن الله سبحانه أكمل لنبينا محمد ﷺ ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة قبل وفاته ﵊، فلا يجوز لأحد أن يعتمد شيئًا من الأحلام في مخالفة شرعه ﵊" (١).
وأخيرًا إليك هذه الوقائع:
الأولى:
حكى العثماني قاضي صفد أنه توجه لزيارة الشيخ الزاهد الفقيه الشافعي فرج بن عبد اللَّه المغْرِبي الصفدي صحبة الشيخ تاج الدين المقدسي، فجرت مسألة النظر إلى الأمرد، وأن الرافعي يُحَرِّمُ بشرط الشهوة، والنووي يقول: "يحرم مطلقًا"، فقال الشيخ فرج: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: "الحق في هذه المسألة مع النووي"، فصاح الشيخ تاج الدين، وقال: "صار الفقه بالمنامات؟! "، فخضع الشيخ فرج، وقال: "أستغفر الله، أنا حكيت ما رأيت، والبحث له طريق"، فسكت الشيخ تاج الدين، وقال: "نحن في بيتك" (٢).
الثانية:
في إحدى السنوات تراءى الناس الهلال -هلال رمضان- فلم يروه، فجاء رجل إلى قاضي البلد يقول له:
"لقد رأيت الرسول ﷺ البارحة في المنام، وأخبرني
стр. 73
أن الليلة من رمضان، وأمرني والمسلمين بالصيام".
فقال له القاضي: "إن الذي تزعم أنك رأيته في المنام، قد رآه الناس في اليقظة جَهَارًا نَهارًا، وقال لهم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)؛ فلا حاجة بنا إلى رؤياك" (١).
الثالثة:
رُوِيَ أن رجلًا رأى النبي ﷺ في النوم، فقال له: "اذهب إلى موضع كذا فاحفره، فإن فيه رِكَازًا (٢)، فخذه لك، ولا خُمسَ عليك فيه"، فلما أصبح ذهب إلى ذلك الموضع، فحفره فوجد الرِّكَازَ فيه، فاستفتى علماء عصره، فأفتوه: بأن لا خُمسَ عليه لصحة الرؤيا، وأفتى العز بن عبد السلام بأن عليه الخمسَ، وقال: أكثر ما يُنَزَّلُ منامُه منزلةَ حديثٍ صحيح، وقد عارضه ما هو أصحُّ منه، وهو حديث "في الرِّكَازِ الخْمُسُ" (٣).
وحكى الغزالي عن بعض الأئمة: أنه أفتى بوجوب قتل رجل يقول بخلق القرآن، فروجع فيه، فاستدل بأن رجلًا رأى في منامه إبليس قد اجتاز بباب المدينة، ولم يدخلها، فقيل: "هل دخلتها؟ " فقال: "أغناني عن دخولها رجل يقول بخلق القرآن -وذكر اسمه-"، فقام ذلك الرجل، فقال: "لو أفتى إبليس بوجوب قتلي في اليقظة هل تقلدونه في فتواه؟ " فقالوا: "لا"، فقال: "قوله في المنام لا يزيد عن قوله في اليقظة! " (٤).
يقول الدكتور عمر الأشقر -حفظه اللَّه-: "الرؤيا لا تُعَدُّ تشريعًا، وبعض الأفراد والجماعات تجعل من الرؤى، والتجليات، والأفكار، وأحاديث
стр. 74
القلوب مصدرًا تشريعيًّا ينافس القرآن والسنَّة، وقد يُقَدَّمُ عليهما.
الرُّؤيَا الصادقة ما هي إلا مبشِّرٌ بأمر سارٍّ، وقد تكون دعوةً إلى الاستقامة، وقد تكون تثبيتًا على الحق، وقد تُنَفِّرُ من الباطل، ولكنها لا تُشَرِّعُ شيئًا جديدًا، وقد جادلني رجل كان يَسِيرُ على بدعة لم يُشَرِّعْهَا اللَّه؛ إذ كان يَقُومُ على القبور بعد أن يُدْفَنَ أصحابها؛ لِيُلَقِّنَ الميتَ حُجَّتَهُ، ويعرفَه بما يجيب به رسلَ ربه، جادلني هذا الرجل بأن هذا مشروع، بدليل أنه رأى في منامه كيف يُفْعَلُ بالميت منذ نزع الروح إلى الدفن، وكان هذا التلقين مما رآه يُفعل، فقلت له: إن ديننا تامٌّ كامل، لا ينتظر شخصًا يكمله بالرؤيا والمنام، وكيف يكون جوابك عندما يأتيك آخَرُ يزعم أنه رأى خلاف ما رأيت؟!
ومن الذي نتبعه: أنت أم هو؟ كلا، لا نتبع إلا خير الهدي؛ هديَ محمدٍ ﷺ " (١).
* * *
стр. 75
الرؤيا والاستخارة
يظن كثير من الناس أن المستخير لا بد له أن يرى في منامه -بعد الاستخارة- رؤيا ترشده إلى الخير في الأمر الذي يستخير فيه، لذلك يحرصون على أداء الاستخارة ليلًا والنوم بعدها، وذلك ظن غير صحيح، لأنه لا يستطيع الجزم هل ما يراه رؤيا أم حديث نفس أم حُلْم شيطاني.
قال ابن الحاج المالكي ﵀: "وبعضهم يستخير الاستخارة الشرعية، ويتوقف بعدها حتى يرى منامًا يفهم منه فِعْلَ ما استخار فيه أو تَرْكه، أو يراه غيرُه له، وهذا ليس بشيء؛ لأن صاحب العصمة ﷺ قد أمر بالاستخارة والاستشارة لا بما يُرى في المنام" (١).
وقال العلَّامة بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀: "النوم بعد الاستخارة لعله -أي: المستخير- يرى رؤيا تدله على أحد الأمرين: عمل لا أصل له". اهـ (٢).
ومن البدع المتعلقة بالاستخارة أن يشترط المستخير أن يُريه الله في منامه خُضرةً أو بياضًا إذا كان ما يقصده خيرًا، ويرى حُمْرةً أو سوادًا إذا كان ما يقصده لا خير فيه (٣).
وعلى العبد إذا استخار ربه أن يمضي بعد الاستخارة في الأمر الذي هَمَّ به؛ لقوله ﷺ : "ثم يعزم" أي: يقدم على فعل ما استخار فيه.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "لما تُوفِّيَ رسول الله -صلى اللَّه