← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96616

أصول بلا أصول

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (278 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

* المناقشة: ١ - إن هذا الدليل لا يرد على محل النزاع؛ إذ لا تلازم بين إنكار رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا وبين إنكار الكرامة، فقد أنكر رؤيةَ النبي ﷺ يقظة بعد موته جمعٌ من العلماء المثبتين لكرامات الأولياء؛ كابن تيمية، وابن حجر العسقلاني، والقرطبي، وابن العربي، والأهدل، وغيرهم. ٢ - إن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا ليست من باب الكرامة، وبيان ذلك: ا- أن الكرامة هبة من الله -تَعَالَى- لمن يشاء من عباده الصالحين لا تُطْلبُ ابتداءً (١)، وهم يقولون بطلبها ابتداء. ب- أن الكرامة لا تُدْرَك بالتعلم، وهم يقولون بأنها تدرك بالتعلم والكسب عن طريق كثرة الذكر والرياضة (٢). قال الشيخ صنع اللَّه الحلبي الحنفي: "أما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات فهو من المغالطة؛ لأن الكرامة شيء من عند اللَّه يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيها، ولا تحديَ، ولا قدرة، ولا علم؛ كما في قصة مريم بنت عمران، وأسيد ين حضير، وأبي مسلم الخولاني" (٣). اهـ. ج- أن الكرامة أمر خارق للعادة، لا يخالف النصوص الشرعية الثابتة بالكتاب والسنَّة، ورؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا معارضة لنص شرعي (٤)، كما أنها مستحيلة عقلًا (٥).

стр. 142

د- أن الكرامة غالبًا لا تحدث إلا مرة واحدة في العمر، وربما مرة واحدة على امتداد الزمان، بينما يرى -التجانيون أن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا تقع لآلاف البشر في الوقت الواحد، وكل ذلك يبطل القول بأنها من باب الكرامة، واللَّه أعلم. دَلِيلُهُم الرَّابعُ: "أن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا قد وقعت لجمع غفير من سلف هذه الأمة؛ منهم: الشيخ أبو مدين المغربي شيخ الجماعة، والشيخ عبد الرحمن القناوي، والشيخ أبو العباس المرسي، والشيخ أبو السعود بن أبي العشائر، وإبراهيم المتبولي، والشيخ جلال الدين السيوطي، وغيرهم" (١). * المناقشة: ١ - إذا ظهر في كلام الأولياء والصالحين ما يخالف الشرع والعقل فينبغي أن يُحمَلَ على أحسن المحامل، ويُصارَ إلى تأويله؛ إذ قد يُنْقَلُ عنهم الكلام، ويُفْهَمُ على غير ما أرادوا؛ لتفاوت المدارك واختلاف العقول، فمن ذلك مثلًا ما قاله أبو العباس المُرْسِي: "لي أربعون سنة ما حُجِبتُ عن رسول اللَّه ﷺ ، ولو حُجِبْتُ طرفةَ عين، ما أعددتُ نفسي من جملة المسلمين". قال الشيخ الأهدل: "فهذا كلام فيه تجوُّز يقع مثله في كلام الشيوخ والصالحين، والمراد به أنه لم يُحْجَبْ حجابَ غفلةٍ ونسيان عن دوام المراقبة واستحضارها في الأعمال والأقوال، ولم يُرِدْ أنه لم يحجب عن الروح الشخصية؛ فذلك مستحيل" (٢). أما من لم يبلغ درجة أولئك في الصلاح والتقوى فلا عبرة بما يقوله، إنما هو

стр. 143

شيطان تمثل له، وأخبر قرينه بخبر كاذب، بل قد يتمثل الشيطان لعباد اللَّه الصالحين؛ كما حدث لعبد القادر الجيلاني، فقد رأى الشيطان في النوم، فقال له: "أنا ربك قد أبحت لك المحرمات"، فقال: "اخسأ يا لعين"، فقيل له: "بم عرفت أنه شيطان؟ " قال: "بقوله: أبحت لك المحرمات، وبقوله: أنا ربك، ولم يقل: أنا اللَّه" (١). وقد روى سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب قال: "كان محمد -يعني ابن سيرين- إذا قصَّ عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: (صِف لي الذي رأيتَه)، فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم تره" (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والضُّلَّال من أهل القبلة يرون من يعظمونه، إما النبي ﷺ وإما غيره من الأنبياء يقظة، ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث، فيجيبهم"، ثم قال: "لكن كثيرًا من الناس يكذِّب بهذا، وكثيرًا منهم إذا صدَّق به يظن أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأي ذلك رآه لصلاحه ودينه، ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان، ومن كان أقل علمًا قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة. وهو -وإن ظن أنه قد استفاد شيئًا- فالذي خسره من دينه أكثر" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيضًا: "والشياطين كثيرًا ما يتصورون بصورة الإنس في اليقظة والمنام، وقد تأتي لمن لا يعرف، فتقول: أنا الشيخ فلان أو العالِم فلان، وربما قالت: أنا أبو بكر وعمر، وربما أتى في اليقظة دون المنام وقال: أنا المسيح، أنا موسى، أنا

стр. 144

محمد، وقد جرى مثل ذلك أنواع أعرفها، وثَمَّ من يصدق بأن الأنبياء يأتون في اليقظة في صورهم، وثَمَّ شيوخ لهم زهد وعلم وورع يصدقون بمثل هذا. ومن هؤلاء من يظن أنه حين يأتي إلى قبر نبي أن النبي يخرج من قبره في صورته فيكلمه ... ، وبعضهم كان يحكي أن ابن منده كان إذا أشكل عليه حديث جاء إلى الحجرة النبوية، ودخل، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فأجابه، وآخر من أهل المغرب حصل له مثل ذلك، وجعل ذلك من كراماته، حتى قال ابن عبد البر لمن ظن ذلك: "ويحك! أترى هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل من هؤلاء من سأل النبي ﷺ وأجابه؟ وقد تنازع الصحابة في أشياء فهلا سألوا النبي ﷺ فأجابهم، وهذه بنته فاطمة تنازع في ميراثه، فهلا سألته فأجابها؟ " (١). ٢ - إن ما وقع لهؤلاء الشيوخ هل ثبت عنهم أنه كان يقظة أو منامًا؟ وإذا ثبت أنه كان يقظة، فهل ثبت عنهم بسند صحيح يوثق به؟ وإذا ثبت أنه كان يقظة بسند صحيح يوثق به، فهل هم معصومون من تلبيس الشيطان عليهم؟ كل هذه الأسئلة لا نجد الجواب عليها!! ٣ - إن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته لم تُنقل عن أحد من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير من المصطفى ﷺ . إذ كيف يظهر ﷺ للمفضول ولا يظهر للفاضل؟ وقد حدثت حوادث كانت الحاجة فيها إلى ظهوره شديدة جدًّا (٢) لو كان ذلك ممكنًا؛ منها: ١ - اختلاف المهاجرين والأنصار ﵃ على الخلافة، وقد بقي النزاع بينهم مستمرًّا ثلاثة أيام، حتى شغلهم ذلك عن دفن النبي -صلى اللَّه

стр. 145

عليه وسلم-، فلو ظهر لهم وأخبرهم بأن الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ لانقطع النزاع، فكيف لا يظهر في اليقظة لأفضل الناس بعده في أمر مهم؟ ٢ - اختلاف أبي بكر ﵁ مع فاطمة الزهراء ﵂ على الميراث، واشتداد حزنها على أبيها ﵌ بعد وفاته. ٣ - جمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ المصحف الشريف، يقول فيه الألوسي -رحمه اللَّه تعالى-: "وليت شعري! لِمَ كان عثمان يطلب شاهدين من كل من أتاه بآية يشهدان على أنها من القرآن، وهلا رأى النبي ﷺ يقظة وسأله عن تلك الآية، وهو وسائر الصحابة أحق ممن ذكر بهذه الفضيلة" (١). ٤ - ما وقع بين طلحة والزبير وعائشة من جهة، وعلي بن أبي طالب من جهة أخرى، حتى وقعت حرب الجمل، فقُتل فيها خلق كثير من الصحابة. ٥ - خلاف على ﵁ مع الخوارج، وما وقع بين علي ومعاوية ﵄ من النزاع (٢). ففي كل هذه الحوادث لم يُرْوَ أن النبي ﷺ ظهر لأصحابه يقظة؛ ليفصل بينهم مع أنهم أصحابه، فكيف يظهر لمن دونهم منزلة وتقوى؟ واللَّه أعلم. دَليلُهُمُ الخَامِسُ: أن رؤية النبي ﷺ يقظة قد قال بها علماء كثيرون قبل التجاني؛ كالإمام السيوطي (٣)، وابن أبي جمرة، والشيخ يوسف بن إسماعيل

стр. 146

النبهاني، وابن حجر المكي الهيتمي، والغزالي، وابن الحاج، والسبكي، والعفيف اليافعي. قال السيوطي -بعد أن ذكر حديث البخاري: "مَن رَآنِي في المَنَامِ فَسَيَرانِي في اليقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشيْطَانُ بِي"، وبعضَ النقول عن بعض العلماء- قال: "فحصل من مجموع هذه النقول والأحاديث أن النبي ﷺ حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض والملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته، لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما غُيِّبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد اللَّه -تعالى- رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها، لا مانع من ذلك، ولا داعي للتخصيص برؤية المثال" (١). وقال الغزالي -بعد أن مدح الصوفية، ووصفهم بأنهم خير خلق الله-: "حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتهم، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة والأمثال

стр. 147

إلي درجات يضيق عنها نطاقُ النطق" (١). اهـ. * المناقشة: هذا الدليل مردود من وجهين: ١ - أن اللَّه حينما بعث نبيه ﷺ أنزل عليه القرآن، وآتاه الحكمة؛ فحدَّ الحدود، وبيَّن الشرائع والأحكام، فما دلت الشريعة المطهرة على إثباته أثبتناه، وما دلت على نفيه نفيناه، وما اختُلِفَ فيه رُدَّ إلى كتاب اللَّه وسنَّة رسوله ﷺ إذ هما المرجع في هذا الباب؛ قال اللَّه : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، ولم يمت النبيُّ ﷺ إلا وقد أكمل اللَّه به الدين، وأتم به على عباده النعمة؛ كما قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ولم يرد في القرآن شيء يدل على رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا، وكذلك لم يرو شيء في السنَّة المطهرة، وأما الحديث السابق فقد بيَّنَّا آنفًا بطلان الاستدلال به على رؤيته ﷺ يقظة بعد موته، ووجه الحق فيه، واللَّه أعلم. ٢ - إن اللَّه -تَعَالَى- قد حفظ كتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقد عصم اللَّه نبيه ﷺ فلا يُبَلِّغ عن ربه إلا الحق: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. وكلام العلماء يُؤْخَذُ منه وُيرَدُّ، مهما بلغت منزلتهم علمًا وتقوى وورعًا، فهم مقيدون بالكتاب والسنَّة؛ إذ هما المِحَكُّ؛ فما وافقهما قُبِلَ، وما خالفهما رُدَّ، وعبارات العلماء في هذا المعنى كثيرة.

стр. 148

وهناك كثير من العلماء الأجلاء الذين لهم باع طويل في خدمة كتاب اللَّه وسنَّةِ رسوله ﷺ ومع ذلك لم يسلموا من الزلل، والأمثلة على ذلك كثيرة في باب العقائد، وفي باب الفروع. ج- المذهب الراجح في رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا: قد تبيَّن لك أنه ﷺ لا يرى يقظة، ومن رأى ما يوهم ذلك فإنه من تلبيس الشيطان -لعنه اللَّه- ولا يرد عليه حديث: "فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي". فإن الشيطان كما أخبر ﷺ لا يتمثل به، لكن الشيطان يخبر قرينه بخبر كاذب؛ كما فعل ذلك مع الجيلاني (١). وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ رَآنِي في المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّل في صُورَتِي" (٢). فهذا في رؤية المنام؛ لأن رؤية المنام تكون حقًّا، وتكون من الشيطان، فمنعه اللَّه أن يتمثل به في المنام، أما في اليقظة فلا يراه أحد بعينه في الدنيا) (٣). اهـ. وقال شيخ الإسلام -أيضًا-: "وأما في اليقظة فمن ظن أن أحدًا من الموتى يجيء بنفسه للناس عِيانًا قبل يوم القيامة؛ فمِن جهله أُتي" (٤). وقال ﵀: "وكل من قال: إنه رأى نبيًّا بعين رأسه، فما رأى إلا خيالًا" (٥).

стр. 149

وقال ابن الجوزي -رحمه اللَّه تعالى-: "من ظن أن جسد رسول الله ﷺ المودعَ في المدينة خرج من القبر، وحضر في المكان الذي رآه فيه، فهذا جهل لا جهلَ يُشبهه. فقد يراه في وقتٍ واحدٍ ألفُ شخص، في ألف مكان، على صور مختلفة، فكيف يتصور هذا في شخص واحد" (١). وقد سبق أن ذكرنا قول القرطبي (٢) في استحالة رؤيته ﷺ يقظةً بعد موته. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: "وشذ بعض الصالحين؛ فزعم أنها تقع بعين الرأس حقيقة" (٣). والأدلة على عدم إمكان رؤية النبي ﷺ بعد موته في اليقظة كثيرة، أشرنا إلى كثير منها في المناقشة، ونلخصها فيما يلي: ١ - أن رؤية النبي ﷺ يقظة من باب العقائد، والعقائد مبنية على التوقيف، فلا يجزم بنفي شيء أو إثباته إلا بدليل يصح الاعتماد عليه، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة ما يدل علي إثباتها، ولم يدَّعِهَا أحد -فيما نعلم- من الصحابة ﵃، ولا من التابعين ولا من أتباعهم، وهذا من أدلة الاستدلال عند أهل الأصول، وهو ما يعرف عندهم: "بانتفاء المَدْرَك". أما حديث: "فَسَيَرَاني فِي اليَقَظَةِ"، فقد بينا كلام العلماء على هذه الرواية، ووجه الحق فيها. ٢ - أن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا مستحيلة شرعًا وعقلًا، وقد سبق بيان ذلك.

стр. 150

٣ - أنه قد حدثت حوادث خطيرة في صدر الإسلام كانت الحاجة فيها إلى ظهوره ﷺ شديدة جدًّا، ومع ذلك لم يذكر أحد أنه ﷺ رؤي يقظة، فكيف يظهر للمفضول، ولا يظهر للفاضل؟! فمن قال: إن النبي ﷺ يرى يقظة بعد موته في الدنيا، فقد أتى بقول يُدْرَكُ فساده بأوائل العقول، قال القسطلاني في "المواهب اللدنية": "وبالجملة، فالقول برؤيته ﷺ بعد موته بعين الرأس في اليقظة يُدْرَكُ فساده بأوائل العقول، لاستلزامه خروجه من قبره، ومشيه في الأسواق، ومخاطبته للناس، ومخاطبة الناس له ... " إلخ (١). * * *

стр. 151

فَصلٌ فِيمَا يَدَّعِي التِّجَانِيَّةُ تَلَقِّيَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بَعدَ مَوتِهِ يَقَظَةً كما يزعم التجانيون أنهم يرون النبي ﷺ يقظة، فإنهم يزعمون أنهم يستفتونه ويسألونه عن أمور دينهم ودنياهم، ويتلقون منه الأوراد، ويصحح لهم الأحاديث، فيعملون بذلك (١)، وفيما يلي بعض النصوص الدالة على ذلك، وهذه النصوص منها ما يدل على اعتقادهم ذلك، ومنها ما يدل على تطبيقهم لهذا الاعتقاد. فمما يدل على اعتقادهم ذلك: ما جاء في "بغية المستفيد" " ... عن الشيخ أحمد الزواوي كان يقول: طريقنا أن نكثر من الصلاة عليه ﷺ حتى نصير من جلسائه، ونصحبه يقظة مثل أصحابه، ونسأله عن أمور ديننا، وعن الأحاديث التي ضعفها الحفاظ عندنا، ونعمل بقوله فيها" (٢). اهـ. وأما ما يدل على تطبيقهم ذلك؛ فمنه: ١ - قول مؤلف "جواهر المعاني" عن الصلاة المسماة "بياقوتة الحقائق": "هي من إملاء رسول اللَّه ﷺ من لفظه الشريف على شيخنا يقظة لا منامًا" (٣).

стр. 152

٢ - ومن تلك الأوراد التي أملاها الرسول ﷺ لأحمد التجاني -كما زعموا- صلاة "جوهرة الكمال"، التي جاء في فضلها ما يلي: قال محمد سعد الرُّباطابيُّ: "وأما جوهرة الكمال فهي من إملاء رسول الله ﷺ لسيدنا الشيخ ﵁ يقظة لا منامًا، فمن فضلها: أن المرة الواحدة منها تعدل تسبيح العالم ثلاث مرات بشرط الطهارة المائية، وأن من لازمها كل يوم سبع مرات يحبه النبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ والخلفاء الأربعة يحضرون مع الذاكر عند السابعة منها، ولا يفارقونه حتى يفرغ من ذكرها" (١). ٣ - ويقول التجاني عن فضل صلاة "الفاتح لما أُغلِق": "لما أمرني ﷺ بالرجوع إليها سألته عن فضلها؟ فأخبرني أن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيًا أن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون، ومن كل ذكر، ومن كل دعاء كبير أو صغير، ومن القرآن ستة آلاف مرة" (٢). ٤ - وقال أيضًا مؤلف "جواهر المعاني": " ... سأل سيدَ الوجود، وعَلَمَ الشهود ﷺ في كل نفس مشهود، عن نسبه، وهل هو من الأبناء والأولاد، أو من الآل والأحفاد؟ فأجابه ﷺ بقوله: (أنت ولدي حقًّا)، كررها ثلاثًا ﷺ ، وقال: (نسبك إلى الحسن بن علي صحيح)، وهذا السؤال من سيدنا ﵁ لسيد الوجود يقظة لا منامًا، وبشره ﷺ بأمور عظام جسام صلى اللَّه عليه، وسلَّم، وشرف، وكرَّم، ومجَّد، وعظَّم" (٣). وقال -أيضًا- فيما يرويه عن شيخه التجاني: قال: رأيته مرة -صلى اللَّه

стр. 153

عليه وسلم-، وسألته عن الحديث الوارد في سيدنا عيسى ﵇ قلت له: ورد عنك روايتان صحيحتان، واحدة قلت فيها: "يَمْكُثُ بَعْدَ نُزُولهِ أَرْبَعِينَ، وقلت في الأخرى: سَبْعًا، ما الصحيحة منها؟ " قال ﷺ : "رواية السبع" (١). ومثل هذا ما قاله ابن حجر الهيتمي: "وقد حكي عن بعض الأولياء أنه حضر مجلس فقيه، فروى ذلك الفقيه حديثًًا، فقال له الولي: هذا الحديث باطل، قال: ومن أين لك هذا؟ قال: هذا النبي ﷺ واقف على رأسك، يقول: إني لم أقل هذا الحديث، وكُشِف للفقيه فرآه" (٢). ومثله ما حكاه الشعراني: أن النبي ﷺ زار جلال الدين السيوطي في بيته يقظة لا منامًا، وأنه جعل يقرأ الأحاديث بين يديه ﷺ وهو يسمع. قال الشعراني: "أخبرني الشيخ سليمان الخضيري قال: بينا أنا جالس في الخضيرية على باب الإمام الشافعي ﵁ إِذْ رأيت جماعة عليهم بياض، وعلى رؤوسهم غمامة من نور، يقصدونني من ناحية الجبل، فلما قربوا مني فإذا هو النبي ﷺ وأصحابه، فقبَّلت يده، فقال النبي ﷺ : "امض معنا إلى الروضة"، فذهبت مع النبي ﷺ إلى بيت الشيخ جلال الدين، فخرج إلى النبي ﷺ ، وقبَّل يده، وسلَّم على أصحابه، ثم أدخله الدار، وجلس بين يديه، فصار الشيخ جلال الدين يسأل النبي ﷺ عن بعض الأحاديث، وهو ﷺ يقول: هاتِ يا شيخَ السُّنة" (٣).

стр. 154

المناقشة: ١ - لو سلمنا جدلًا -وهو محال- أن النبي ﷺ يُرى يقظة، فالحق أنه لا عمل إلا بالكتاب والسنة، والسنة هي ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو وصف، وما ادعاه التجانيون من الإخبار عن النبي ﷺ يقظة بعد موته، فليس داخلًا في تعريف السنة، فلا يمكن إن يسمى حديثًا مرفوعًا، ولا موقوفًا، ولا مرسلًا، ولا مضطربًا، ولا شاذًّا. قال محمد الخضر الشنقيطي: "فإن كانت مرفوعة متصلة الإسناد، كما يقول صاحب المنية: وَكُلُّ مَا يُرْوَى فَعَنْ خَيْرِ الْوَرَى ... مُتَرْجَم لَفَظُهُ بِالأَمْرِ (١). فعلى هذا يكون ما قالوه وحيًا مرويًّا عن النبي ﷺ ؛ لقوله -تَعَالَى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، ويكون هو صحابيًّا، والناقلون عنه تابعين، أو تكون غير مرفوعة متصلة الإسناد؛ لاستحالة وجود الصحابة في القرن الثاني عشر، فتكون مروية عن النبي ﷺ مباشرة، وهذا غير معقول، اللهم، إلا أن يقولوا: إن شريعتهم لما كانت مخترعة غير داخلة تحت قانون شرعي، وجب أن يُخترعَ لها اصطلاح غير داخل في اصطلاح المُحَدِّثين" (٢). ٢ - إنه يشترط فيما روي عن النبي ﷺ في حياته صحة السند، وعدالة الرواة، فكيف برؤى لا نشك في بطلانها؛ لمخالفتها للأدلة النقلية والعقلية.

стр. 155

٣ - إن اتصال النبي ﷺ بالناس قد انقطع بوفاته؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنَّة، فمن ذلك حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُون حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا"، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيُقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ - إلى قوله ﴿الْحَكِيمُ﴾ " (١) [المائدة: ١١٧، ١١٨]. قال الألوسي: "ومعني الجملتين: أني مادمت فيهم كنت مشاهدًا لأحوالهم؛ فيمكن لي بيانها، فلما توفيتني كنت أنت المشاهد لها لا غيرك، فلا أعلم حالهم، ولا يمكنني بيانها" (٢). ففي الحديث -كما ترى- تصريح بانقطاع الاتصال بين الرسول ﷺ وبين الناس بعد مماته. وقال ابن القيم: "فالعلم اللدني نوعان: لدني رحماني، ولدني شيطاني، والمِحَكُّ هو الوحي، ولا وحي بعد رسول اللَّه ﷺ " (٣). ٤ - وقد اختلف الأصوليون: هل يجوز للرسول ﷺ تأخير البيان إلى وقت الحاجة، أو لا يجوز له ذلك؟ أما تأخير البيان إلى ما بعد وفاته ﷺ فلم يقل به عاقل فضلًا عن عالم مُنْصِفٍ يطلب الحق، ويتحرى الحقيقة.

стр. 156

٥ - وسُئل الشيخ التجاني: "أيُكذَبُ عليك؟ قال: نعم، إذا سمعتم عني شيئًا فزنوه بميزان الشرع، فما وافق فاعملوا به، وما خالف فاتركوه" (١). قُلْتُ: وقد عرضنا ذلك على الكتاب والسنة، فبان بطلانه وبعده عن الحق؛ فوجب عليهم رده أخذًا بوصية شيخهم، كيف لا، وقد بان لهم الدليل؟ (٢). * * *

стр. 157

تَنبِيهَاتٌ: الأوَّلُ: ذكر العلامة محمد حبيب الله الشنقيطي ﵀ اختلاف العلماء في هذه المسألة ، ومال إلى خلاف قول الجمهور، إلا أنه قال: "إذا علمت ما قررناه من إمكان رؤيته ﷺ في اليقظة كرامة لبعض خواص أكابر الأولياء ... ، فاعلم أن فائدة ذلك إنما تعود غالبًا على الرائي فقط، ولا يجوز أن يثبت بها حكم شرعي كائنًا ما كان ندبًا أو غيره من سائر الأحكام الشرعية، كما تعطيه قواعد الشرع المعلومة، وكما صرح به الأئمة؛ كالحافظ ابن حجر وغيره، فقد قال في "فتح الباري" بعد بحث طويل عند قوله ﵊: "وَلَا يَتَمَثَّلُ الشيْطَانُ بِي" ما نص المراد منه: ومع ذلك فقد صرح الأئمة بأن الأحكام الشرعية لا تثبت بذلك" (١). وهذا كلام العلماء فيما يدعي النائم أنه أخذه عن النبي ﷺ من أحكام النوم، مع ثبوت رؤيته ﷺ في النوم بالأحاديث الصحيحة، فكيف بما يزعمون أنهم أخذوه عنه ﷺ بعد موته في اليقظة مع أنها مردودة شرعًا وعقلًا كما تم بيانه. الثَّاني: بحسب قلة علم الرجل يُضِلُّه الشيطان: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والمقصود أن الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل غيرهم من أهل البدع الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، أو جهلوا السنة، أو رأوا وسمعوا أمورًا من الخوارق فِظنوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين، وكانت من أفعال الشياطين ... فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم. والنصارى يرون من يعظمونه من الأنبياء والحواريين وغيرهم.

стр. 158

والضُّلَّال من أهل القِبلة يرون من يعظمونه، إما النبي ﷺ وإما غيره من الأنبياء يقظة، ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم، ومنهم من يخيل إليه أن الحجرة قد انشقت، وخرج منها النبي ﷺ ، وعانقه هو وصاحباه ... وأعرف ممن وقع له هذا وأشباهه عددًا كثيرًا، وقد حدثني بما وقع له في ذلك، وبما أخبر به غيره من الصادقين من يطول هذا الموضع بذكرهم ... لكنْ كثير من الناس يكذِّب بهذا، وكثير منهم إذا صدَّق به يظن أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه، ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان" (١). التنبيه الثَّالثُ: "لو فرضنا جدلًا أن الرسول ﷺ يمكن أن يعود بجسده الشريف أو روحه الطاهر- ﷺ ليلقى بعض المسلمين، فإننا نجزم أن لقاءه هذا سيكون لتعزيز شريعته التي بثها في حياته لا لهدمها، فنتصور مثلًا في مثل التجاني أن يقول: (لا تكن أنت وأتباعك عبيدًا للاستعمار الفَرَنْسِيِّ ولا خدمًا للكفار، وقوموا بنصرة الدين، وجاهدوا في سبيل اللَّه). وأما أن يأتي النبي ﷺ ليقول للتجاني: (أقطعتُكَ الجنة وأتباعك -ولو كانوا مجرمين فاسقين- وكل من رآك دخل الجنة، ولو كان كافرًا، وأمُرْ أتباعك أن يَدْعوك من دون اللَّه، ويشركوا بالله في كل شىء ... ) إلخ كلامه" (٢). الرَّابعُ: يدعي التجانية أن النبي ﷺ لم يؤمر بتبليغ كل ما علمه، وأن ما لم يُبَلِّغْهُ في حياته يبلغه بعد وفاته لمن يلقاه من الخواص، قال

стр. 159

مؤلف "جوهر المعاني": "وسألته ﵁: هل خَبَرُ سيدِ الوجود بعد موته كحياته سواء؟ فأجاب ﵁ بما نصه: الأمر العام الذي كان يأتيه عامًّا للأمة طوي بساط ذلك بموته ﷺ ، وبقي الأمر الخاص الذي كان يلقيه للخاص، فإن ذلك في حياته، وبعد مماته دائمًا لا ينقطع" (١). وقال مؤلف "الجيش الكفيل": "فإذا تقرر هذا علمتَ ضرورة أنه ﷺ لم يؤمر بتبليغ كل ما علمه، كيف وعنده علم الأولين والآخرين" (٢). اهـ. وقال -أيضًا-: "وسئل: هل كان ﷺ عالمًا بفضل صلاة الفاتح لما أغلق؟ فقال: نعم، كان عالمًا به، قالوا: ولِمَ لَم يذكره لأصحابه؟ قال: لعلمه ﷺ بتأخير وقته، وعدم وجود من يظهره اللَّه على يديه في ذلك الوقت" (٣). اهـ. فأين هؤلاء الظالمون المتعدون حدودَ اللَّه من قوله -تَعَالَى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]؟ وأين هم من قوله -تَعَالَى-: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ الآية [المائدة: ٦٧]؟ وأين هم من تبري عليٍّ ﵁ من أن يكون ﷺ خصهم بشيء من العلم دون الناس، كما في حديث أبي جحيفه؟ (٤). وإذا كان يلزم من كلام أولئك الضالين عدم انقطاع خبر السماء بوفاة رسول اللَّه ﷺ فلماذا قالت أم أيمن للشيخين ﵄: "ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء"، فهيَّجَتْهما على

стр. 160

البكاء، فجعلا يبكيان معها (١)؟ وقد صح أن عمر ﵁ قال في بعض الأمور: "ليتني سألتُ رسولَ الله ﷺ عنه". وأين هؤلاء من قول أم المؤمنين عائشة ﵂ لمسروق ﵀: "من حدثك أن محمدًا ﷺ كتم شيئًا مما أنزل عليه، فقد كذب، واللَّه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ... الآية" (٢). وقال الإمام أبو محمد بن حزم ﵀: " ... واعلموا أن رسول الله ﷺ لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها، ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو ابنة عم أو ابن عم أو صاحبٍ على شيء من الشريعة كَتَمَهُ عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده ﵇ سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلَّهم إليه، ولو كتمهم شيئًا لما بلَّغ كما أُمِر، ومن قال هذا: فهو كافر، فإياكم وكلَّ قول لم يبين سبيله، ولا وضح دليله، ولا تعوجوا عما مضى عليه نبيكم ﷺ وأصحابه ﵃" (٣). اهـ. * * *

стр. 161

الفَصلُ الرَّابِع الإِلهَامُ والكَشفُ والتَّحدِيث

стр. 162

الفَصلُ الرَّابِعُ الإلهَامُ والكشفُ والتَّحدِيثُ تعريف الإلهام لغة: ١ - يأتي بمعنى: إلقاء الشيء في الروع، ويختص ذلك بما كان من جهة اللَّه -تعالى- وجهة الملأ الأعلى، قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (١) [الشمس: ٨] (٢). وأصله من: التهام الشيء، وهو: ابتلاعه، يُقال: التهم الفصيلُ ما في الضَّرْع، وفرسٌ لَهِم، كأنه يلتهم الأرض لشدة عدوه (٣). وقال ابن الأثير: "الإلهام: أن يلقي الله في النفس أمرًا يبعثه على الفعل أو الترك، وهو نوع من الوحي يخص الله به من يشاء من عباده" (٤).

стр. 163

٢ - ويأتي بمعنى: الإيقاع في القلب، ويشمل ما كان من جهة الله -تعالى- أو بواسطة الشيطان (١). قال السمرقندي في "الميزان": "تفسيره لغةً: إيقاع شيء في قلب العاقل يُفضي إلى العمل به، ويحمله عليه، ويميل قلبه إليه، حقًّا كان أو باطلًا، قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَها وَتَقْوَاهَا﴾، وذلك قد يكون بواسطة الشيطان وهوى النفس فيُسمى وسوسة" (٢). وفي "تاج العروس": "يُقال الإلهام: إيقاع شيء في القلب يطمئن له الصدر، يخص به الله من يشاء من عباده" (٣). أما تفسيره عرفًا: فيستعمل فيما يقع في القلب بطريق الحق دون الباطل، ويدعو إلى مباشرة الخيرات دون الشهوات والأماني (٤). ٣ - ويأتي بمعنى: التلقين: قال الفيروزآبادي: "ألهمه الله خيرًا، لقَّنه إياه" (٥). تعريف الإلهام اصطلاحًا: تدور تعريفات الأصوليين حول معنى أن الإلهام: عبارة عن إلقاء معنى، أو فكرة، أو خبر، أو حقيقة في النفس، أو القلب، أو الروع، بطريق الفيض،

стр. 164

بمعنى: أن يخلق الله -تعالى- فيه علمًا ضرورًّيا (١)، لا يملك المكلَّفُ دفعه بحالٍ من الأحوال. وتحصيله لا يتأتى بطريق التعليم والاكتساب المعهود، بل يُفاض على النفس فيضًا بغير اختيارها ولا إرادتها، فهو لا يُطلب وإنما يُوهب. ومن ثَمَّ فإن أدق تعريف للإلهام ما عَرَّفه به القاضي الدبوسي ﵀ إذ قال: "ما حَرَّك القلبَ بعلمٍ يدعوك إلى العمل به من غير استدلالٍ بآية، ولا نظرٍ في حجة" (٢). * * *

стр. 165

إلهام الأنبياء وحي بَيَّن اللَّهُ -تعالى- مقامات وحيه إلى أنبيائه فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. فالمقامات ثلاثة: الأول: الإلقاء في روع الموحَى إليه ، بحيث لا يمتري النبي في أن هذا الذي ألقي في قلبه من الله -تعالى-، كما في حديث: "إن روح القدس نفث في روعي" الحديث (١)، وهذا هو الإلهام، قال الزركشي: "من جملة طرق الوحي: الإلهام" (٢). ومنه: رؤيا الأنبياء بلا شك، ولذلك بادر إبراهيم ﵇ إلى ذبح ولده، قال تعالى في شأن إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥]. وفي الحديث المتفق عليه قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة ي النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" (٣). المقام الثاني: تكليم الله لرسله من وراء حجاب: كما وقع لموسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا

стр. 166

وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وكما وقع لآدم ﵇، قال : ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]. وكلم الله عبده ورسوله محمدًا ﷺ عندما عُرج به إلى السماء. المقام الثالث: الوحي إلى الرسول بواسطة مَلَك الوحي جبريل ﵇ ، ونادرًا ما يوحي إليه بواسطة غيره من الملائكة (١). * * * حكم مُنكِر إلهامِ الأنبياء يتفق الأصوليون على أن الإلهام من الله -تعالى- لأنبيائه حقٌّ، وهو بالنسبة للنبي ﷺ حُجَّةٌ في حَقِّهِ، كذلك هو في حق أُمته، ويكفر منكر حقيقته، ويفسق تارك العمل به كالقرآن الكريم (٢)، وهاك طرفًا من نصوصهم: قال صاحب "المنار": "الإلهام حجة على المُلْهَم وعلى غيره، إن كان الملهَمُ نبيًّا، وعلم أنه من الله تعالى" (٣). وقال صاحب "مُسَلَّم الثبوت": "ثم إلهامه ﷺ حجة قطعية عليه، وعلى غيره"، وقال شارحه: "يُكِفَّر منكِر حَقِّيَّتِه، ويُفَسَّق تارك العمل به كالقرآن" (٤). * * *

стр. 167

إلهام غير الأنبياء اختلف الأصوليون في حجية إلهام غير الأنبياء من المسلمين: ١ - ففرقة أثبتت حجيته مطلقًا: وهم بعض الحبية (١)، وبعض الجبرية (٢)، وبعض الصوفية (٣)، وبعض الرافضة الجعفرية (٤)، ومعهم بعض الحنفية (٥). ٢ - وفرقة نفت حجيته مطلقًا:

стр. 168

منهم القفال الشاشي (١)، وابن السبكي (٢)، والنسفي (٣)، وابن الهُمام (٤)، والشعراني (٥)، والكاكي (٦)، والألوسي، والسرهندي (٧). ٣ - وفرقة توسطت، فلم ينكروا أصله، وذهبوا إلى جواز العمل بالإلهام في غير العقائد، وقيدوا هذا الجواز بشروط ثلاثة: الأول: ألا يوجد دليل شرعي في المسألة، لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، ولا غيرها من الأدلة المختلف فيها. الثاني: أن يكون ذلك في باب المباح، دون أبواب الإيجاب والندب والتحريم والكراهة، فإنها لا بد فيها من دليل شرعي. الثالث: أن يكون ذلك في حق الملهَم (٨) خاصة، ولا يدعو غيره إلى العمل بما أُلهم به. وهؤلاء منهم أبو زيد الدبوسي، وابن السمعاني، والسجستاني، والسمرقندي، والرازي، وابن الصلاح، وابن النجار، وغيرهم. قال أبو زيد: "قال جمهور العلماء: إنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب ما أبيح عمله بغير علم" (٩). اهـ.

стр. 169

وقال ابن السمعاني: "واعلم أن إنكار أصل الإلهام لا يجوز، ويجوز أن يفعل الله -تعالى- بعبدٍ بلطفه كرامة له، ونقول في التمييز بين الحق والباطل من ذلك: إن كل ما استقام على شرع النبي ﷺ ولم يكن في الكتاب والسنة ما يرده، فهو مقبول، وكل ما لا يستقيم على شرع النبي ﷺ فهو مردود، ويكون ذلك من تسويلات النفس، ووساوس الشيطان، ويجب رده، وعلى أننا لا ننكر زيادة نور من الله كرامة للعبد، وزيادة نظر له" إلى أن قال: "فأما على القول الذي يقولونه -وهو أن يرجع إلى قلبه في جميع الأمور- فلا نعرفه" (١). وقال ابن النجار: "إنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها، لأنه ليس المراد الإيقاع في القلب بلا دليل، بل الهداية بالحق إلى الدليل" (٢). اهـ. وذلك كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: "إلا أن يؤتى الله عبدًا فهمًا في كتابه" (٣). * * * أثر التقوى في تنوير البصيرة قال الله ﵎: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الآية [الطلاق: ٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] وقال رسول الله ﷺ : "الصلاة نور،

стр. 170

والصدقة برهان، والصبر ضياء" (١). وفي حديث الوَلاية: "ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصِر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه الذي يمشي بها" (٢). وقد رُوي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه قال: "اقربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة"، ورُوي عن حذيفة ﵁ أنه قال: "إن في قلب المؤمن سِراجًا يُزْهِر". وقال ﷺ : "إن الدجال مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ" (٣). وكلما قوي الإيمان في القلب، قوي انكشاف الأمور له، وعرف حقائقها من باطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف، وذلك مثل السراج القوي، والسراج الضعيف في البيت المظلم؛ ولهذا قال بعض السلف في قوله -تعالى-: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥]: هو المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق، وإن لم يسمع فيها بالأثر؛ فإذا سمع فيها بالأثر، كان نورًا على نور. وقد لاحظ العلماء على مر الأزمان معنى أن للتقوى والمجاهدة أثرًا في تنوير العقل، وهداية القلب، والتوفيق إلى إصابة الحق في الأقوال، والسَّداد في الأعمال، فسموا مصنفاتهم بأسماء تعبر عن هذا مثل: "فتح الباري"، و"فتح القدير"، و"فتح العزيز"، و"فتح الملك العلام"، و"فيض القدير"، و"فيض الباري"، ونحو ذلك، وصدق الشاعر إذ يقول: إنارةُ العقلِ مكسوفٌ بطوعِ الهوى ... وعقلُ عاصي الهوى يزدادُ تنويرا

стр. 171

موقف ابن تيمية من الكشف - قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الكشف: "هو ما يُلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية، وإقبالها بالقلوب على المطلوب" (١). لا يعتبر شيخ الإسلام الكشف دليلًا مستقلًّا، بل هو عنده من الأدلة التبعية، أي التابعة لدليل النقل الصحيح، وعليه فلا يمكن الاعتماد عليه إذا انفرد؛ لأنه لا يعلم ما أُلقي في القلب: هل هو وسوسة شيطان، أو لَمة مَلَك؟ (٢). ويُعرف خطأ الكشف عند ابن تيمية بأحد أمور (٣): أولًا: بمخالفة الكتاب والسنة، "والأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- معصومون، لا يقولون على اللَّه إلا الحق، ولا يتكلمون عنه إلا الصدق، ومن سوى الأنبياء ليس معصومًا، فقد يغلط ويحصل له في كشفه، وحسه، وذوقه، وشهوده أمور يظن فيها ظنونًا كاذبة". ثانيًا: مناقضته للعقل (٤)، يقول ابن تيمية: "وإذا أخبر مثلُ هذا بشيء -عُلِمَ بطلانُه بصريح العقل- عُلِمَ أنه غالط". ثالثًا: مخالفة الحس الظاهر (٥). وبين شيخ الإسلام أن المعرضين عن الأدلة الشرعية لم يبق معهم إلا طريقان: "إما طريق النُّظَّار: وهي الأدلة القياسية العقلية، وإما طريق الصوفية:

стр. 172

وهي الطريقة العبادية الكشفية، وكل من جَرَّب هاتين الطريقتين علم أن ما لا يوافق الكتاب والسنة منهما فيه من التناقض والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولهذا كان من سلك إحداهما إنما يؤول به الأمر إلى الحيرة والشك، إن كان له نوع عقل وتمييز، وإن كان جاهلًا دخل في الشطح والطامات التي لا يصدق بها إلا أجهل الخلق (١)، فغاية هؤلاء الشك، وهو عدم التصديق بالحق، وغاية هؤلاء الشطح، وهو التصديق بالباطل". اهـ (٢). * * * الإلهام منقوض بالمعارضة بالمثل وبيان ذلك: أن يحتج زيد بإلهامه، فيعارضه عمرو بإلهامٍ مثلِه، ولا مزية لأحدهما على الآخر، لأن الإلهام قد يكون من الله -تعالى-، وقد يكون من الشيطان أو النفس: - فإن كان من الله -تعالى- فهو حق. - وإن كان من الشيطان أو النفس فلا يكون حقًّا، بل يكون باطلًا، وما دام أن هناك (احتمالَ) أن لا يكون حقًّا، فلا يكون حقًّا. يدل عليه: أن كل إنسان في دعوى الإلهام مثل صاحبه، فإن قال واحد:

стр. 173

"أُلهمت أن ما أقوله حق وصواب"، فيقول الآخر: "ألهمت أن ما تقوله خطأ وباطل"، ثم نأتي ونقول لهم: "إنا أُلهمنا أن ما تقولونه خطأ وباطل"، فإن قالوا: "هذا دعوى منكم"، قلنا: "ما تقولونه أنتم أيضا دعوى". فإن قالوا: "إنكم لستم من أهل الإلهام"، قلنا لهم: "ولستم أيضًا من أهل الإلهام، وبأي دليل صرتم من أهل الإلهام دوننا؟ " (١). وقال الإمام ابن حزم ﵀: (ويُقَالُ لمن قال بالإلهام: ما الفرق بينك وبين من ادَّعى أنه أُلْهِمَ بطلانَ قولك، فَلَا سبيل له إلى الانفصال عنه، والفرق بين هذه الدعوى، ودعوى من ادعَى أنه يُدْرِكُ بعقله خلاف ما يدركه ببديهة العقل، وبين ما يدركه بأوائل العقل أن كل من في المشرق والمغرب إذا سُئِلَ عَمَّا ذكرنا أننا عرفناه بأوائل العقل أخبر بمثل ما نخبر به سواء بسواء، وأن المدعين للإلهام ولإدراك ما لا يدركه غيرهم بأول عقله، لا يتفق اثنان منهم على ما يدعيه كل واحد منهم إلهامًا، أو إدراكًا، فصَحَّ بلا شك أنهم كَذَبَةٌ، وأن الذي بهم: وَسْوَاسٌ (٢)؛ وأيضًا، فإن الإلهام دعوى مجردة من الدليل، ولو أُعْطِيَ كل امرئ بدعواه المُعَرَّاة، لما ثَبَتَ حَقٌّ، ولا بطل باطل، ولا استقر ملك أحد على مال، ولا انتُصِفَ من ظالم، ولا صحَّتْ ديانة أحد أبدًا؛ لأنه لا يعجز أحد عن أن يقول: أُلْهِمْتُ أنَّ دَمَ فلانٍ حلال، وأن مَالَهُ مباحٌ لي أخذه، وأن زوجه مُبَاحٌ لي وطؤها، وهذا لا ينفك منه، وقد يقع في النفس وَسَاوسُ كثيرةٌ، لا يجوز أن تكون حقًّا، وأشياء متضادة يُكذِّبُ بعضها بعضًا، فلابد من حاكم يميز الحق منها من الباطل، وليس ذلك إلا العقل الذي لا تتعارض دلائله) (٣) اهـ.

стр. 174

وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀: (قال: وهو -أي الإلهام- على ثلاث درجات: الدَّرَجَةُ الأُولَى: نَبَأ يقع وحيًا قاطعًا مقرونًا بسماع؛ إذ مطلق النبأ الخبر الذي له شأن، فليس كل خبر نبأ، وهو نبأ خبر عن غيب معظم. ويريد بالوحي والإلهام: الإعلام الذي يقطع من وَصَلَ إليه بموجبه، إما بواسطة سمع، أو هو الإعلام بلا واسطة. قلت: أما حصوله بواسطة سمع، فليس ذلك إلهامًا، بل هو من قبيل الخِطاب، وهذا يستحيل حصوله لغير الأنبياء، وهو الذي خُصَّ به موسى؛ إذ كان المخاطِبُ هو الحق . وأما ما يقع لكثير من أرباب الرياضات من سماع؛ فهو من أحد وجوه ثلاثة، لا رابع لها؛ أعلاها: أن يخاطبه الملَكُ خطابًا جزئيًّا، فإن هذا يقع لغير الأنبياء؛ فقد كانت الملائكة تخاطب عمران بن حصين بالسلام، فلما اكتوى تركت خطابه، فلما ترك الكي عاد إليه خطاب ملكي؛ وهو نوعان: أحَدُهُمَا: خطابٌ يسمعه بأذنه، وهو نادر بالنسبة إلى عموم المؤمنين. وَالثَّانِي: خطاب يُلْقَى في قلبه يُخَاطِبُ به الملك روحه، كما في الحديث المشهور: "إنَّ لِلْمَلَكِ لمَّة بقَلْبِ ابْنِ آدَمَ، وللشَّيْطَانِ لَمَّةًْ، فلَمَّةُ الْمَلكِ: إيعَادٌ بالخَيْرِ، وتَصْدِيقٌ بالْوَعْدِ، ولَمَّةُ الشَّيْطَانِ: إيعَادٌ بالشَّرِّ، وتكذيبٌ بالْوَعْدِ" (١)، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال -تَعَالَى-: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]، قيل في تفسيرها: قَوُّوا قلوبهم، وبشِّرُوهُمْ بالنصر. وقيل: احضُروا معهم القتال، والقولان حق؛ فإنهم حضروا معهم القتال، وثبَّتُوا قلوبهم.

стр. 175

ومن هذا الخطاب: واعظ اللَّه في قلوب عباده المؤمنين؛ كما في "جامع الترمذي"، و"مسند أحمد" من حديث النَّواس بن سمعان، عن النبي ﷺ قال: "إنَ اللَّهَ -تَعَالَى- ضَرَبَ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى كَنَفَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ، لَهُمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو على رَأسِ الصِّرَاطِ، وَدَاع يَدْعُو فَوْقَ الصِّرَاطِ، فالصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ الإسْلَامُ، والسُّورَانِ: حُدُودُ اللهِ، والأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ، فَلَا يَقَعُ أحَدٌ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ حتَّى يَكْشِفَ السِّتْرَ، والدَّاعِي عَلَى رأسِ الصِّراطِ: كِتَابُ اللَّهِ، والدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللهِ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ"، فهذا الواعظ في قلوب المؤمنين هو الإلهامُ الإلهي بواسطة الملائكة. وأما وقوعه بغير واسطة: فمما لم يتبيَّنْ بعد، والجزم فيه بنفي أو إثبات موقوف على الدليل، واللَّه أعلم. فَصلٌ النَّوْعُ الثَّانِي من الخِطَابِ المَسْمُوع: خطاب الهواتف من الجانِّ، وقد يكون المخاطِبُ جنيًّا مؤمنًا صالحًا، وقد يكون شيطانًا، وهذا -أيضًا- نوعان: أحدُهُمَا: أن يخاطبه خطابًا يسمعه بأذنه. والثَّاني: أن يُلْقِيَ في قلبه عندما يُلِمُّ به، ومنه وعده، وتمنيته حين يَعِدُ الإنسي ويُمَنِّيه، ويأمره، وينهاه، كما قال -تَعَالى-: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، وقال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وللقلب من هذا الخطاب نصيب، وللأذن -أيضًا- منه نصيب، والعصمة منتفية إلا عن الرسل، ومجموع الأمة. فمِن أين للمخاطَب أن هذا الخطاب رحماني، أو مَلَكِيٌّ؟ بأي برهان؟ أو بأي دليل؟ والشيطان يقذف في النفس وَحْيَهُ، ويُلقي في السمع خِطَابَهُ، فيقول المغرور المخدوع: "قيل لي، وخوطبت"، صدقت، لكن الشأن في القائل

стр. 176

لك، والمخاطِب، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لغيلان بن سلمة- وهو من الصحابة، لَمَّا طَلَّقَ نساءه، وقَسَم ماله بين بَنيه: "إني لأظن الشيطان -فيما يسترق من السمع- سمع بموتك، فقذفه في نفسك" (١)، فمن يأمن القراءَ بعدك يا شهرُ؟ (٢). فَصلٌ النَّوْعُ الثَّالِثُ: خِطَابٌ حَالِيٌّ، تكون بدايته من النفس، وعَوْدُهُ إليها، فيتوهمه مِن خارجٍ، وإنما هو من نفسِه، منها بدأ، وإليها يعود. وهذا كثيرًا ما يَعْرِضُ للسالك، فيغلط فيه، ويعتقد أنه خطاب من اللَّه، كَلَّمَهُ به منه إليه، وسبب غلطه: أن اللطيفة المدرِكة من الإنسان إذا صَفَتْ بالرياضة، وانقطعت عَلَقُها عن الشواغل الكثيفة، صار الحكم لها بحكم استيلاء الروح والقلب على البدن، ومصير الحكم لهما، فتنصرف عناية النفس والقلب إلى تجريد المعاني التي هي متصلة بهما، وتشتد عناية الروح بها، وتصير في محل تلك العلائق، والشواغل، فتملأ القلب، فتصرف تلك المعاني إلى المنطق، والخطاب القلبي الروحي بحكم العادة، ويتفق تجرد الروح، فتتشكل تلك المعاني للقوة السامعة بشكل الأصوات المسموعة، وللقوة الباصرة بشكل الأشخاص المرئية، فيرى صورها، ويسمع الخطاب، وكله في نفسه ليس في الخارج منه شيء، ويحلف أنه رأى وسمع، وصَدَقَ، لكن رأى وسمع في الخارج، أو في نفسه، ويتفق ضعف التمييز، وقلة العلم، واستيلاء تلك المعاني على الروح، وتجردها عن الشواغل. فهذه الوجوه الثلاثة هي وجوه الخطاب، ومن سَمَّع نفسه غيرها، فإنما هو غرور، وخدع، وتلبيس، وهذا الموضع مقطع القول، وهو من أجَلِّ

стр. 177

المواضع لمن حَقَّقَهُ وفَهِمَهُ، واللَّه المُوَفِّقُ للصواب" اهـ (١). فَصلٌ ثم قال ﵀: (قال: "الدرجة الثانية: إِلْهَامٌ يقع عيانًا، وعلامة صحته: أنه لا يخرق سِتْرًا، ولا يجاوز حَدًّا، ولا يخطئ أبدًا". الفرق بين هذا وبين الإلهام في الدرجة الأولى: أن ذلك عِلْمٌ شَبِيهٌ بالضروري الذي لا يمكن دفعه عن القلب، وهذا مُعَايَنَةٌ ومُكَاشفَةٌ، فهو فوقه في الدرجة، وأتمُّ منه ظهورًا، ونسبته إلى القلب نسبة المرئي إلى العين، وذكر له ثَلاثَ عَلَامَاتٍ: إِحْدَاهَا: "أنه لا يخرق سِتْرًا"؛ أي صاحبه إذا كُوشِفَ بحال غير المستور عنه لا يخرق ستره، ويَكْشِفُهُ؛ خيرًا كان أو شرًّا، أو أنه لا يخرق ما ستره الله من نفسه عن الناس، بل يستر نفسه، ويستر من كُوشِفَ بحاله. الثَّانِيَةُ: "أنه لا يُجَاوِزُ حَدًّا" يَحْتَمِلُ وجهين: أَحْدهُمَا: أنه لا يتجاوز به إلى ارتكاب المعاصي، وتجاوز حدود اللَّه؛ مثل الكُهَّان، وأصحاب الكشف الشيطاني. الثَّانِي: أنه لا يقع على خلاف الحدود الشرعية؛ مثل أن يتجسس به على العورات التي نهَى الله عن التجسس عليها وتتبعها، فإذا تتبعها وقع عليها بهذا الكشف، فهو شيطاني لا رحماني. الثَّالِثَةُ: أنه لا يخطىء أبدًا، بخلاف الشيطاني؛ فإن خطأه كثير؛ كما قال النبي ﷺ لابن صائد: "مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى صادِقًا وكَاذِبًا، فَقَالَ: ْلُبِّسَ عَلَيْكَ". فالكشف الشيطاني لابد أن يَكْذِبَ، ولا يستمر صدقه البتة) (٢) اهـ.

стр. 178

وقال الإمام أبو إسحاق الشاطبي ﵀ تَعَالَى: "اعلم أن النبي ﷺ مُؤَيَّدٌ بالعصمة، معضود بالمعجزة الدالة على صدق ما قال، وصحة ما بيَّن، وأنت ترى الاجتهاد الصادر منه معصومًا بلا خلافٍ، إما بأنه لا يخطئ البتة، وإما بأنه لا يُقَرُّ على خطأ إن فُرِضَ؛ فما ظنك بغير ذلك؟ فكل ما حَكم به؛ أو أخبر عنه من جهة رؤيا نوم، أو رؤية كشف؛ مثلُ ما حكم به مما ألقى إليه الملَكُ عن اللَّه . وأمَّا أمَّتُهُ، فكل واحدٍ منهم غير معصوم، بل يجوز عليه الغلط، والخطأ، والنسيان، ويجوز أن تكون رؤياه حُلمًا (١)، وكشفه غير حقيقي، وإن تبين في الوجود صدقه (٢)، واعْتيدَ ذلك فيه واطَّرَدَ؛ فإمكان الخطأ والوهم باقٍ، وما كان هذا شأنه لم يَصِحَّ أن يُقطَعَ به حكم. وأيضًا؛ فإن كان مثل هذا مَعْدُودًا في الاطّلاع الغيبي؛ فالآيات والأحاديث تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا اللَّه؛ كما في الحديث من قوله ﵇: "في خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ تَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] ... إلى آخر سورة لقمان) (٣). وقال في الآية الأخرى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]. واستثنى المُرْسَلينَ في الآية الأخرى بقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى

стр. 179

غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]. فبقي من عداهم على الحكم الأول؛ وهو امتناع علمه. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وقال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. وفي حديث عائشة: "وَمَنْ زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ مَا في غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلَى اللهِ" (١). وقد تعاضدت الآيات والأخبار، وتكررت في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهو يفيد صحة العموم من تلك الظواهر، فإذا كان كذلك، خرَجَ مَن سوى الأنبياء من أن يشتركوا مع الأنبياء -صلوات الله عليهم- في العلم بالمغيبات، وما ذُكِرَ قبلُ عن الصحابة، أو ما يُذْكَرُ عنهم بسندٍ صحيحٍ، فَمِمَّا لا ينبني عليه حكم؛ إذ لم يشهد (٢) له رسول الله ﷺ ، ووقوعه على حسب ما أخبروه، هو مما يُظَنُّ بهم، ولكنهم لا يُعَامِلُونَ أنفسهم إلا بأمر مشتركٍ لجميع الأمة، وهو جواز الخطأ؛ لذلك قال أبو بكر: "أُرَاهَا جارية" (٣)، فأتى

стр. 180

بعبارة الظن التي لا تفيد حكمًا، وعبارة "يا ساريةُ الجبلَ" (١) - مع أنها إن صحت لا تفيد حكمًا شرعيًّا (٢)، هي -أيضًا- لا تفيد أن كل ما سواها مثلها، وإن سُلِّمَ فلخاصية أن الشيطان كان يَفِرُّ منه (٣)، فلا يَطُورُ (٤) حول حمى أحواله التي أكرمه الله بها، بخلاف غيره؛ فإذا لاح لأحدٍ من أولياء الله شيءٌ من أحوال الغيب، فلا يكون على علم منها مُحقَّقٍ لا شَكَّ فِيهِ، بل على الحال التي يُقَالُ فيها "أُرَى"، و "أَظُنُّ"، فإذا وقع مطابقًا في الوجود، وفُرِضَ تحققه بجهة المطابقة أولًا، والاطراد ثانيًا؛ فلا يبقى للإخبار به بعد ذلك حكمٌ؛ لأنه قد صار من باب الحكم على الواقع (٥)؛ فاستوت الخارقة وغيرها، نَعَمْ (٦) تفيد الكرامات
следующие страницы →