وسلم- قال: "إِنَّ المْلَائِكَةَ تَنْزِلُ فيِ الْعَنَانِ -وَهُوَ السَّحَابُ- فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ في السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ، فَتُوحِيه إِلَى الْكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ" (١).
وهذا المسيح الدجَّال الذي هو أعظم فتنة تمر على البشرية في تاريخها، حتى حَذَّر جميع الأنبياء منه أُمَمَهُمْ، وحتى قال فيه النبي ﷺ : فيما رواه أبو داود عن عمران بن حصين ﵄: "مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنأَ عَنْهُ، فَوَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأتِيه وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِن، فَيتَّبِعُهُ؛ مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ" (٢)، وسوف يأتي بأعظم الخوارق:
فمنها: ما رواه حُذَيْفَةُ ﵁: قال رسول الله ﷺ : "مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ" (٣).
- ومنها: أنه يستعين بالشياطين؛ فقد رُوِي عن أبي أُمَامَةَ ﵁ قال: "وَإنَّ مِنْ فِتنتهِ أَنْ يَقُولَ لِأَعْرَابِيٍّ: أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وأُمَّكَ، أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطانانِ في صُورَةِ أَبيهِ وَأمّهِ، فَيَقُولَان: يَا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ؛ فَإنَّهُ رَبُّكَ" (٤).
- ومن فتنته: أنه -يأمر السماء فتُمْطِرُ، والأرضَ فتُنْبِتُ، ويدعو البهائم فتتبعه، ويأمر الخرائب أن تُخرِجَ كنوزها المدفونة فتستجيب (٥).
- ومن فتنته: أنه يقتل ذلك الشابَّ المؤمنَ فيما يظهر للناس، ثم يَدَّعي أنه أحياه، فيقول ذلك الشابُّ: "واللَّه ماكنتُ فيكَ أشدَّ بصيرة مني اليوم" (٦).
стр. 107
يقول شيخ الإسلام في شأن أصحاب الأحوال الشيطانية:
(وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم، وتتمثل لهم، وهي جن وشياطين، فيظنونها ملائكة؛ كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام.
وكان من أول ما ظهر من هؤلاء في الإسلام: المختار بن أبي عبيد الذي أَخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في "صحيحه" عن النبي ﷺ أنه قال: "سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبيرٌ" (١)، وكان الكذَّاب: المختار بن أَبي عبيد (٢)، والمبير: الحجاج بن يوسف، فقيل لابن عمر وابن عباس: إن المختار يزعم أَنه يُنَزَّلُ إِليه، فَقَالَا: صدق، قال اللَّه تعالى-: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢].
وقال الآخر: وقيل له: إن المختار يزعم أَنه يُوحَى إلِيه، فقال: قال اللَّه -تَعَالَى-: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]) (٣).
(والأسود العنسي الذي ادَّعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأُمور المغيَّبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون مِن الشياطين أَن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته، لما تبيَّن لها كفره، فقتلوه.
وكذلك مسيلمة الكذَّاب، كان معه من الشياطين من يُخْبِرُهُ بالمغيَّبات، ويعينه على بعض الأمور.
وأمثال هؤلاء كثيرون؛ مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن
стр. 108
عبد الملِك بن مروان وادعى النبوة، وكانت الشياطين تُخرج رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن يَنْفُذَ فيه، وتُسَبِّحُ الرُّخامة إذا مسحها بيده، وكان يُرِي الناسَ رجالًا وركبانًا على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جِنًّا، ولما أَمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم يَنْفُذْ فيه، فقال له عبد الملك: "إنك لم تُسَمِّ اللَّه"، فسَمَّى اللَّه، فطعنه، فقتله (١).
وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذُكِرَ عندهم ما يَطْرُدُهَا؛ مثل آية الكرسي، فإنه قد ثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ في حديث أَبي هريرة ﵁، لما وَكَّلَهُ النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر، فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة، وهو يمسكه، فيتوب، فيطلقه، فيقول له النبي ﷺ : "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ "، فيقول: زعم أَنه لا يعود، فيقول: "كَذَبَكَ، وَإِنَّهُ سَيَعُودُ"، فلما كان في المرة الثالثة، قال: دعني حتى أُعلِّمك ما ينفعك: إذا أويتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ... إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من اللَّه حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تُصْبحَ، فلما أخبر النبي ﷺ قال: "صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ"، وأخبره أَنه شيطان.
ولهذا إِذا قرأَها الإِنسان عند الأَحوال الشيطانية بِصِدْقٍ أَبطلتها؛ مثل من يدخل النار بحال شيطاني، أَو يحضر سماع المكاءِ والتصدية، فتنزل عليه الشياطين، وتتكلم على لسانه كلامًا لا يُعْلَمُ، وربما لا يُفْقَهُ، وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه، وربما تكلم بألسنة مختلفة؛ كما يتكلم الجني على لسان المصروع، والإنسان الذي حَصَلَ له الحال لا يدري بذلك، بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس، ولبسه، وتكلَّم على لسانه، فإذا أَفاق لم يشعر بشيء مما قال) (٢). اهـ.
стр. 109
(وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب "الفتوحات" أَنه أَلقى إِليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أَنواعًا من الخلوات بطعام معين، وشيء معين، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالًا بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأَولياء، وإنما هو من الأَحوال الشيطانية، وأَعرف من هؤلاءِ عَدَدًا، ومنهم من كان يُحْمَلُ في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يُؤْتَى بمال مسروق، تسرقه له الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات بِجُعْلٍ يحصل له من الناس، أَو لعطاء يعطونه إذا دَلَّهُمْ على سرقاتهم، ونحو ذلك.
ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية، كانوا مناقضين للرسل -صلوات اللَّه- تعالَى -وسلامه عليهم-، كما يُوجَدُ في كلام صاحب "الفتوحات المكية"، و"الفصوص"، وأشباه ذلك؛ يَمْدَحُ الكفارَ؛ مثل قوم نوح، وهود، وفرعون، وغيرهم، وينتقصُ الأَنبياءَ؛ كنوح، وإبراهيم، وموسى، وهارون، ويَذُمُّ شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين؛ كالْجُنَيْدِ بن محمد، وسهل بن عبد اللَّه التستري، وأَمثالهما، ويَمْدَحُ المذمومين عند المسلمين؛ كالحلاج ونحوه؛ كما ذكره فى تجلياته الخيالية الشيطانية) (١). اهـ.
التَّفْرِيقُ بَيْنَ كَرَامَاتِ الْأَوْليَاءِ وَالأحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ:
(وبين كرامات الأَولياء، وبين ما يشبهها من الأَحوال الشيطانية فروق متعددة:
منها: أَن كرامات الأَولياء سببها الإيمان والتقوى، والأَحوال الشيطانية، سببها ما نهى اللَّه عنه ورسوله.
وقد قال -تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]،
стр. 110
فالقول على اللَّه بغير علم، والشرك، والظلم، والفواحش؛ قد حرَّمها اللَّه -تَعَالَى- ورسوله، فلا تكون سببًا لكرامة اللَّه -تَعَالَى- بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة، والذكر، وقراءَة القرآن، بل تحصل بما يُحِبُّهُ الشيطان، وبالأُمور التي فيها شرك؛ كالاستغاثة بالمخلوقات، أَو كانت مما يُسْتَعَانُ بها على ظلم الخلق، وفعل الفواحش، فهي من الأَحوال الشيطانية (١)، لا من الكرامات الرحمانية.
ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاءِ والتصدية يتنزَّل عليه شيطانه حتى يَحْمِلَهُ في الهواءِ، ويخرجه من تلك الدار، فإذا حضر رجل من أَولياء اللَّه - تَعَالَى، طرد شيطانه فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد.
стр. 111
ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق، إِمَا حي أو ميت، سواءٌ كان ذلك المخلوق مسلمًا، أَو نصرانيًّا، أَو مشركًا، فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به، ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث؛ فيظن أنه ذلك الشخص، أَو هو مَلَكٌ تصوَّر على صورته، وانما هو شيطان أَضلَّه لَما أَشرك باللَّه، كما كانت الشياطين تدخل في الأَصنام، وتكلِّم المشركين، ومن هؤلاء من يتصوَّر له الشيطان، ويقول له: أَنا الْخَضِرُ، وربما أَخبره ببعض الأُمور، وأَعانه على بعض مطالبه، كما قد جرى ذلك لغير واحد من المسلمين، واليهود، والنصارى، وكثيرٌ من الكُفَّار بأَرض المشرق والمغرب، يموت لهم الميت، فيأتي الشيطان بعد موته على صورته، وهم يعتقدون أَنه ذلك الميت، ويقضي الديون، ويرد الودائع، ويفعل أَشياءَ تتعلق بالميت، ويدخل إلى زوجته ويذهب، وربما يكونون قد أَحرقوا ميتهم بالنار، كما تصنع كُفَّار الهند، فيظنون أَنه عاش بعد موته، ومن هؤلاء شيخ كان بمصر أَوصى خادمه فقال: "إذا أنا مت فلا تدع أحدًا يغسلني، فأنا أجيء وأغسل نفسي"، فلما مات رأى خادمه شخصًا في صورته، فاعتقد أَنه هو، دخل وغسل نفسه، فلما قضى ذلك الداخل غسله؛ أَي غسل الميت، غاب، وكان ذلك شَيْطَانًا، وكان قد أَضلَّ الميت، وقال: "إنك بعد الموت تجيءُ فَتُغَسِّلُ نفسك"، فلما مات جاءَ -أيضًا- في صورته ليغوي الأحياءَ، كما أَغوى الميت قبل ذلك.
ومنهم من يرى عرشًا في الهواء، وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه، ويقول: أَنا ربك. فإن كان من أَهل المعرفة، عَلِمَ أَنه شيطان، فزجره، واستعاذ باللَّه منه، فيزول.
ومنهم من يرى أَشخاصًا في اليقظة يدَّعى أَحدهم أَنه نبي أَو صِدِّيقٌ، أَو شيخٌ من الصالحين، وقد جرى هذا لغير واحد، وهؤلاء منهم من يرى ذلك عند قبر الذي يزوره، فيرى القبر قد انشق وخرج إليه صورة، فيعتقدها الميت، وإنما هو
стр. 112
جني تصوَّر بتلك الصورة، ومنهم من يرى فارسًا قد خرج من قبره، أو دخل في قبره، ويكون ذلك شيطانًا، وكل من قال: إنه رأَى نَبِيًّا بعين رأسه فما رأَى إلا خيالًا.
ومنهم من يرى في منامه أَن بعض الأكابر؛ إِما الصدِّيق ﵁، أَو غيره قد قص شعره، أَو حلقه، أَو أَلبسه طاقيته، أَو ثوبه، فيصبح وعلى رأسه طاقية، وشعره محلوق، أَو مُقَصَّرٌ، وإنما الجن قد حَلَقُوا شعره، أَو قَصَّرُوهُ، وهذه الأَحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة، وهم درجات، والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وعلى مذهبهم، والجن فيهم الكافر، والفاسق، والمخطئُ، فإن كان الإنسي كافرًا، أَو فاسقًا، أو جاهلًا، دخلوا معه في الكفر، والفسوق، والضلال، وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر؛ مثل الإقسام عليهم بأسماءِ من يُعَظِّمونه من الجن وغيرهم، ومثل أن يكتب أَسماءَ اللَّه، أو بعض كلامه بالنجاسة، أَو يقلب "فاتحة الكتاب"، أو سورة "الإخلاص"، أو آية الكرسي، أو غيرهنَّ، ويكتبهنَّ بنجاسة، فيغوِّرون له الماءَ، وينقلونه، بسبب ما يرضيهم به من الكفر، وقد يأتونه بمن يهواه من امرأَة أَو صبي؛ إما في الهواء، وإما مدفوعًا مُلْجَأً إليه، إلى أَمثال هذه الأُمور التي يطول وصفها، والإيمانُ بها إيمان بالجبت والطاغوت، والجبت: السحر، والطاغوت: الشياطين والأصنام، وإن كان الرجل مُطِيعًا للَّه ورسوله باطنًا وظاهرًا؛ لم يمكنهم الدخول معه في ذلك، أَو مسالمته.
ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التي هي بيوت اللَّه، كان عُمَّار المساجد أَبعد عن الأحوال الشيطانية، وكان أَهل الشرك والبدع، الذين يُعَظِّمُونَ القبور، ومشاهد الموتى، فيدعون الميت، أَو يدعون به، أَو يعتقدون أَن الدعاءَ عنده مستجاب -أَقْرَبَ إلى الأَحوال الشيطانية؛ فإنه ثبت في "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
стр. 113
وثبت في "صحيح مسلم" عنه أَنه ﷺ قال قبل أَن يموت بخمس ليال: "إِنَ أَمَنَّ النَاسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ، لَا يَبْقَيَنَّ فيِ الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا سُدَّتْ، إِلَّا خَوْخَة أَبِي بَكْرِ، ألا إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلُكمْ كانوا يَتَّخِذُونَ قبورَ أنبيائهم مَسَاجِدَ، ألَا فَلَا تتَخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ".
وفي "الصحيحين" عنه أَنه ذُكِرَ له في مرضه كنيسة بأرض الحبشة، وذكروا من حُسْنِها، وتَصاوِيرَ فيها، فقال: "أُولَئِكَ إذا كان فِيهمُ الرَّجلُ الصَّالِحُ بَنوا عَلَى قبرهِ مَسْجِدًا، ثم صَوَّروا تلك الصور، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ") (١).اهـ.
وقال شيخ الإسلام -أيضًا-:
(وإنما غاية الكرامة لزوم الاستقامة (٢)، فلم يُكْرِمِ اللَّه عبدًا بمثل أن يُعِينَهُ
стр. 114
على ما يُحِبُّهُ ويرضاه، ويزيده مما يقربه إليه، ويرفع به درجته.
- وجميع ما يؤتيه اللَّه لعبده من هذه الأمور، إن استعان به على ما يحبه اللَّه ويرضاه، ويُقَرِّبُهُ إليه، ويرفع درجته، ويأمره اللَّه به ورسوله، ازداد بذلك رِفْعَةً، وقربًا إلى اللَّه ورسوله، وعَلَتْ درجته، وإن استعان به على ما نهى اللَّه عنه ورسوله؛ كالشرك، والظلم، والفواحش؛ استحق بذلك الذَّمَّ والعقاب، فإن لم يتداركه اللَّه -تَعَالَى- بتوبة، أو حسنات مَاحِيَةٍ، وإلا كان كأمثاله من المُذنبين؛ ولهذا كثيرًا ما يُعَاقَبُ أصحاب الخوارق، تارة بسلبها، كما يُعْزَلُ الملك عن ملكه، ويُسلَب العَالِمُ علمه، وتارة بسلب التطوعات، فينقل من الوَلاية الخاصة إلى العامة، وتارة ينزل إلى درجة الفسَّاق، وتارة يرتدُّ عن الإسلام، وهذا يكون فيمن له خوارق شيطانية، فإن كثيرًا من هؤلاء يرتد عن الإسلام، وكثيرًا منهم لا يعرف أَن هذه شيطانية، بل يَظُنُّها من كرامات أَولياء اللَّه، ويظن من يَظُنُّ منهم أن اللَّه إذا أَعطى عبدًا خَرْقَ عادةٍ لم يحاسبه على ذلك، كمن يظن أن اللَّه إذا أعطى عبدًا مُلكًا، ومالًا، وتصرفًا، لم يحاسبه عليه، ومنهم من يستعين بالخوارق على أُمور مباحة، لا مأمور بها، ولا منهي عنها، فهذا يكون من عموم الأَولياء، وهم الأَبرار المقتصدون، وأَما السابقون المقربون فأَعلى من هؤلاءِ، كما أَن العبد الرسول أَعلى من النبي الملِك.
ولما كانت الخوارق كثيرًا ما ينقص بها درجةُ الرجل، كان كثير من الصالحين يتوب من مثل ذلك، ويستغفر اللَّه -تَعَالَى-، كما يتوب من الذنوب؛ كالزنا، والسرقة، وتُعْرَضُ على بعضهم فيسأَل اللَّه زوالها، وكلهم يأمر المرِيدَ السالك ألا يقف عندها، ولا يجعلها همته، ولا يتبجح بها (١)، مع ظنهم أَنها
стр. 115
كرامات، فكيف إذا كانت بالحقيقة من الشياطين تغويهم بها؟! فإني أَعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع، وإنما يُخاطِبُهُ الشيطان الذي دخل فيها، وأَعْرِفُ من يخاطبهم الحجرُ والشجر، وتقول: "هَنيئًا لك يا ولي اللَّه"، فيقرأ آية الكرسي، فيذهب ذلك.
وأعرف من يقصد صيد الطير، فتخاطبه العصافير وغيرها، وتقول: "خذني حتى يأكلني الفقراء"، ويكون الشيطان قد دخل فيها، كما يدخل في الإنس، ويخاطبه بذلك، ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق، فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح، وبالعكس، وكذلك في أبواب المدينة، وتكون الجن قد أَدخلته وأَخرجته بسرعة، أَو ترِيهِ أَنوارًا، وتُحْضِر عنده من يطلبه، ويكون ذلك من الشياطين، يتصورون بصورة صاحبه، فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة، ذهب ذلك كله.
وأَعرف من يخاطبه مخاطبٌ، ويقول له: "أَنا مِن أَمْرِ اللَّه"، ويعده بأنه المهدي الذي بَشَّر به النبي ﷺ ، ويُظْهِرُ له الخوارق؛ مثل أَن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء، فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أَو الجراد يمينا وشمالًا، ذهب حيث أَراد، وإِذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي، أَو نومُه، أَو ذَهَابُه؛ حصل له ما أَراد من غير حركة منه في الظاهر، وتحمله إلى مكة، وتأتي به، وتأتيه بأَشخاص في صورة جميلة، وتقول له: "هذه الملائكة الكروبيون أَرادوا زيارتك"، فيقول في نفسه: "كيف تصوروا بصورة المُرْدان؟ "، فيرفع رأسه فيجدهم بلِحَى، ويقول له: "علامة أَنك المهدي:
стр. 116
أَنك تنبت في جسدك شامة" (١)، فَتَنْبُتُ ويراها، وغير ذلك، وكله من مكر الشيطان.
وهذا باب واسع، لو ذَكَرْتُ ما أَعرف منه؛ لاحتاج إلى مجلد كبير، وقد قال -تَعَالَى-: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦]، قال اللَّه ﵎: ﴿كَلَّا﴾، ولفظة (كلا) فيها زجر وتنبيه؛ زجرٌ عن مثل هذا القول، وتنبيه على ما يخبر به، ويأمر به بعده؛ وذلك أَنه ليس كل مَنْ حصل له نِعَمٌ دنيوية تُعَدُّ كرامة، يكون الله مُكْرِمًا له بها، ولا كل من قَدَّر -أي: ضَيَّق- عليه ذلك يكون مُهِينًا له بذلك، بل هو -سبحانه- يَبْتَلِي عبده بالسَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، فقد يعطي النعم الدنيوية لمن لا يحبه، ولا هو كريم عنده؛ ليستدرجه بذلك، وقد يحمي منها من يُحِبُّهُ وُيوَاليهِ، لئلا ينقص بذلك مرتبته عنده، أَو يقع بسببها فيما يكرهه منه.
وأَيضًا كرامات الأَولياءِ لابد أَن يكون سببها الإيمان والتقوى (٢)، فما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان، فهو من خوارق أَعداء الله، لا من كرامات أَولياءِ اللَّه، فمن كانت خوارقه لا تحصل بالصلاة، والقراءَة، والذكر، وقيام الليل، والدعاء، وإِنما تحصل عند الشرك؛ مثل دعاءِ الميت، والغائب، أَو بالفسق، والعصيان، وأَكل المحرَّمات؛ كالحيات، والزنابير، والخنافس، والدم، وغيره من النجاسات، ومثل الغناءِ، والرقص، لاسيما مع النِّسوة الأجانب، والمردان، وحالة خوارقه تنقص عند سماع القرآن، وتقوى عند سماع مزامير الشيطان، فيرقص ليلًا طويلًا، فإذا جاءَت الصلاة صلَّى قاعدًا، أو ينقر الصلاة نقر الديك، وهو يُبغض سماع القرآن، وينفر عنه، ويتكلفه، ليس له
стр. 117
فيه محبة، ولا ذوق، ولا لذة عند وجده، ويحب سماع المكاءِ والتصدية (١)، ويجد عنده مواجيد، فهذه أحوال شيطانية، وهو ممن يتناوله قوله -تَعَالَى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
فالقرآن هو ذكر الرحمن، قال -تَعَالَى-: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]، يعني: تركتَ العملَ بها. ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.
قال ابن عباس ﵄: "تكفَّل الله لمن قرأ كتابه، وعمل بما فيه، ألَّا يَضِلَّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة"، ثم قرأ هذه الآية) (٢) اهـ.
حِيَلٌ لَا خَوَارِقُ
من الخوارق ما لا يكون بتسبب شيطاني مباشر، وإنما يكون بطريق التعلم والحيلة، كما يفعله النصارى كثيرًا، وكما كان يفعل ابن تومرت (٣)، وكما رُوِيَ عن الحلَّاج، من أنه (كان يدفن شيئًا من الخبز، والشواء، والحلوى في موضع من البَرِّيَّة، ويُطْلِعُ بعض أصحابه على ذلك، فإذا أصبح قال لأصحابه: "إن رأيتم أن نخرج على وجه السياحة"، فيقوم، ويمشي الناس معه، فإذا جاءوا إلى ذلك المكان، قال له صاحبه الذي أطلعه على ذلك: "نشتهي الآن كذا وكذا"، فيتركهم الحلاج، وينزوي عنهم إلى ذلك المكان، فيصلي ركعتين، ويأتيهم بذلك، وكان يمد يده إلى الهواء، ويَطْرَحُ الذهب في أيدي الناس، ويُمَخْرِقُ،
стр. 118
وقد قال له بعض الحاضرين يَوْمًا: "هذه الدراهم معروفة، ولكن أؤمن بك إذا أعطيتني درهمًا عليه اسمك واسم أبيك"، وما زال يُمَخْرِقُ إلى وقت صَلْبِهِ) (١).
ومن ذلك ما ذكره بعض أصحاب ابن الشَّبَّاس قال: (حضرنا يومًا عنده، فأخرج جَدْيًا مشويًّا، فأمرنا بأكله، وأن نكسر عظمه ولا نهشمها، فلما فرغنا، أمر بردها إلى التنور، وترك على التنور طبقًا، ثم رفعه بعد ساعة، فوجدنا جديًا حيًّا يرعى حشيشًا، ولم نَرَ للنار أثرًا، ولا للرمَّادِ ولا للعظام خبرًا، قال: فتلطفتُ حتى عرفتُ ذلك، وذلك أن التنور يفضي إلى سرداب، وبينهما طبق نحاس بلولب، فإذا أراد إزالة النار عنه: فركه، فينزل عليه، فيسده، وينفتح السرداب، فإذا أراد أن يظهر النار: أعاد الطبق إلى فم السرداب، فتراءى للناس.
قال ابن الجوزي ﵀ تَعَالَى:
(وقد رأينا في زماننا من يشير إلى الملائكة، ويقول: "هؤلاء ضيف مُكْرَمون"، يوهم أن الملائكة قد حضرت، ويقول لهم: "تقدموا إليَّ".
وأخذ رجل في زماننا إبريقًا جديدًا فترك فيه عَسَلًا، فتشرب في الخزف طعم العسل، واستصحب الإبريق في سفره، فكان إذا غرف به الماء من النهر، وسقى أصحابه، وجدوا طعم العسل، وما في هؤلاء من يعرف اللَّه، ولا يخاف في اللَّه لومة لائم، نعوذ باللَّه من الخِذلان) (٢).
* * *
стр. 119
الإمام شهاب الدين القرافي وحِيل النصارى
قال -رحمه الله تعالى-: "ولما علم حُذَّاقهم أن دينهم ليس له قاعدة تُبنى عليه، ولا أصل يُرجع إليه، جمعوا عقول العامة، بتخييلات موهمة، وأباطيل مزخرفة، وضعوها في الكنائس والمزارات (١).
فمن ذلك أنهم وضعوا صورًا من الحجارة، إذا قُرئ أمامها الإنجيل تبكي، وتجري دموعها، يشاهدها الخاص والعام، فيعتقدون أن ذلك لما علمته من أمر الإنجيل، ويكون لها مجاري رقاق في أجوافها من ورائها متصلة بزق ممتلئة من الماء، يعصره بعض الشمامسة، فيفر الماء في المجاري، ويتصل بعيون الأصنام، وكذلك يصنعون أصنامًا يخرج اللبن من ثديها عند قراءة الإنجيل، وذلك بصقلية وغيرها.
ومن ذلك الأصنام من حديد وقناديل وصلبان عظام معلقة بين السماء والأرض، فلا يمسك شيء منها، ولا يمسها شيء، ويقولون: "إن ذلك سبب بركة ذلك المكان، وإنه برهان على عظمة الدين، فإن ذلك لم يوجد لغيرهم من الملل"، ويكون سبب ذلك حجارة من مغناطيس عُمِلت في ست جهات فوق الصنم، وتحته، ويمينه، ويساره، وخلفه، وأمامه، فيجذبه كل حَجَرٍ إلى جهته، وليس البعض أولى من البعض، فيقع التمانع، فيقف الحديد في الوسط، ولذلك لما دخل إليه بعضُ رسل المسلمين أمر بهدم ما حوله من البنيان فسقط، وذلك بقسطنطينية، كرسي مملكتهم، ومجتمع عظمائهم، وعقلائهم، وهذا حالهم.
стр. 120
ومن ذلك: أن لهم كنيسة كانوا يزعمون أن يد الله -تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا- تظهر من الهيكل بها يومًا معلومًا من السنة يصافحه الناس، فدخل إليها بعض ملوكهم، فصافح اليد، ومسكها مسكًا شديدًا، وقال: "والله، لا تركت هذه اليد حتى أرى وجه صاحبها"، فقال له الأساقفة: "أما تخشى الرب؟! أخَرَجتَ من دين النصرانية؟ " فأبى أن يتركها بكثرة تهويلهم حتى يرى وجه صاحب اليد، فلما أعياهم أمرُه أخبروه أنها يدُ راهبٍ منهم، فقتله، ومنعهم من العود لذلك، فلم يعودوا.
وبالجملة؛ الإسهاب في هذا الباب يضيع الزمان لكثرته، وإنما أردت التنبيه على أنهم ما هم عليه من الضلال بنوع من الشعبذة (١) ". اهـ (٢).
* * *
стр. 121
ابن تيمية يكشف حِيَلَ الرهبان
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:
"وقد صنَّف بعض الناس مصنفًا في حيل الرهبان، مثل الحيلة المحكية عن أحدهم في جعل الماء زيتًا بأن يكون الزيت في جوف منارة، فإذا نقص صب فيها ماء، فيطوف الزيت على الماء، فيظن الحاضرون أن نفس الماء انقلب زيتًا.
ومثل الحيلة المحكية عنهم في ارتفاع النخلة، وهو أن بعضهم مر بدير راهب وأسفل منه نخلة، فأراه النخلة صعدت شيئًا شيئًا حتى حاذت الدير، فأخذ من رُطَبها ثم نزلت حتى عادت كما كانت، فكشف الرجل الحيلة، فوجد النخلة في سفينة في مكان منخفض إذا أرسل عليه الماء امتلأ حتى تصعد السفينة، وإذا صرف الماء إلى موضع آخر هبطت السفينة.
ومثل الحيلة المحكية عنهم في التكحل بدموع السيدة، يضعون كحلًا في ماء متحرك حركة لطيفة، فيسيل حتى ينزل من تلك الصورة فيخرج من عينها فيظن أنه دموع.
ومثل الحيلة التي صنعوها بالصورة التي يسمونها القونة (١) بصيدنايا، وهي أعظم مزاراتهم بعد القمامة وبيت لحم، فإن هذه صورة السيدة مريم، وأصلها خشبة نخلة سُقِيت بالأدهان حتى تنعمت وصار الدهن يخرج منها دهنًا مصنوعًا يُظن أنه من بركة الصورة.
стр. 122
ومن حيلهم الكثيرة النار التي يظن عوامهم أنها تنزل من السماء في عيدهم في قمامة، وهي حيلة قد شهدها غير واحد من المسلمين والنصارى، ورأوها بعيونهم أنها نار مصنوعة يضلون بها عوامهم، يظنون أنها نزلت من السماء، ويتبركون بها، وإنما هي صنعة صاحب مُحَالٍ وتلبيس.
ومثل ذلك كثير من حيل النصارى، فجميع ما عند النصارى المبدلين لدين المسيح من الخوارق: إما حال شيطاني، وإما محال بهتاني ليس فيه شيء من كرامات الصالحين" (١). اهـ.
* * *
دَعوَى رُؤيَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَقَظَةً بَعدَ وَفَاتِهِ، وَالتَّلَقِّي عَنهُ مُبَاشَرَةً
"وكُلُّ مَن قَالَ إِنَّهُ رَأَى نَبِيًّا بِعَيْنِ رَأسِهِ، فَمَا رَأَى إِلا خَيَالًا" (١). شيخ الإسلام ابن تيمية
من عبث الصوفية بمصادر التلقي، وعدوانهم على المرجعية الشرعية العليا، أنهم ادَّعَوْا أنه يمكن للخواصِّ أن يلقوا رسولَ اللَّه ﷺ حال اليقظة، وأن يَتَلَقَّوْا عنه أحكامًا شرعيَّةً ملزمة؛ مما فتح البابَ على مصراعيه للكذِبِ الفاحش على رسول اللَّه ﷺ ، وادِّعَاءِ إقراره وموافقته على كثير من الضلالات والبدع التي تَلَطَّخَ بها القوم.
لقد استدرج الشيطان الصوفية إلى الغلو المذموم في رسول اللَّه ﷺ وذلك عبر خطوات يُسلم بعضها إلى بعض، ومن هذه الخطوات:
١ - ما زعموه من خروج يده الشريفة ﷺ من قبره ليقبلها الشيخ أحمد الرفاعي (ت ٥٧٠ هـ).
فقد ادَّعى أبو الهدى الصيادي الرفاعي (٢) أن الشيخ أحمد الرفاعي لما حج، وقف تجاه الحجرة الشريفة، وأنشد:
في حالةِ البُعدِ روحي كنتُ أرسلُها ... تقبلُ الأرضَ عني وَهْيَ نائبتي
وهذه دولةُ الأشباحِ قد حَضَرَتْ ... فامدُدْ يمينَك كي تحظى بها شَفَتي
قال: "فخرجت إليه يده الشريفة من القبر، حتى قبَّلها، والناس ينظرون" (٣).
стр. 125
ويشبه ذلك: ما ادعاه الصيادي في قوله: ولما حج الرفاعي عام وفاته، وزار قبر النبي ﷺ ... ، أنشد قَائلًا:
إن قيل: زرتم بما رجعتم ... يا أشرفَ الرُّسْلِ ما نقول
فخرج صوت من القبر سمعه كل من حضر، وهو يقول:
قولوا رجعنا بكل خيرٍ ... واجتمع الفرعُ والأصول (١)
٢ - ثم تمادى الصوفية في التخبط، وساروا على نفس الدرب، ونسجوا على نفس المنوال، فأخذوا يختلقون القصص المشابهة: فذكروا أن إبراهيم الأعزب أنشد شعرًا عند قبر النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "بارك اللَّه بك، أنت منظور بعين الرضا" (٢).
وأن الشيخ عليًّا أبا الحسن الشاذلي استأذن في الدخول على رسول اللَّه ﷺ فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة يقول: "يا علي! ادخل" (٣).
وأن عبد القادر الجزائري وقف تجاه القبر، وقال: "يا رسول الله! عبدك
стр. 126
ببابك، كلبك بأعتابك، نظرة منك تغنيني يا رسول اللَّه، عطفة منك تكفيني"، فقال له الرسول ﷺ : "أنت ولدي، ومقبول عندي بهذه السجعة المباركة" (١).
٣ - ثم ترقوا إلى أبعد من ذلك، بادعاء أن النبي ﷺ يخرج من قبره، ويلتقي مشايخهم، وأنهم يرونه يقظة لا منامًا في الدنيا، ويتلقون عنه.
قال الشعراني (٢): قال أبو المواهب الشاذلي: "رأيت رسول الله ﷺ ، فقال لي عن نفسه: لست بميت، وإنما موتي تستري عمن لا يفقه عن الله، فها أنا أراه ويراني" (٣).
وقال: كان أبو المواهب كثير الرؤيا لرسول اللَّه ﷺ ، وكان يقول: قلت لرسول اللَّه ﷺ : إن الناس يكذِّبونني في صحة رؤيتي لك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها أو كذبك فيها لا يموت إلا يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا".
وهذا منقول من خط الشيخ أبي المواهب (٤).
وقال أيضًا: رأيت رسول اللَّه ﷺ فسألته عن الحديث
стр. 127
المشهور: "اذكروا الله حتى يقولوا: مجنون"، وفي صحيح ابن حبان:
"أكثروا من ذكر الله حتى يقولوا: مجنون" (١)، فقال ﷺ : "صدق ابن حبان في روايته، وصدق راوي اذكروا اللَّه، فإني قلتهما معًا، مرة قلت هذا، ومرة قلت هذا" (٢).
وزعم بعض تلامذة خوجلي بن عبد الرحمن: "أن شيخهم يرى النبي ﷺ كل يوم أربعًا وعشرين مرة، والرؤيا يقظة" (٣).
وقال العلَّامة محمود شكري الألوسي -رحمه الله تعالى- في سياق إنكار غلو الصوفية في حق النبي ﷺ : (ومن ذلك دعواهم لرؤياه ﷺ بعد وفاته، فقد ادعاها غير واحد منهم، وادعوا أيضًا الأخذ منه يقظة، قال الشيخ سراج الدين ابن الملقن في "طبقات الأولياء" في ترجمة الشيخ خليفة بن موسى النهرملكي: كان كثير الرؤية لرسول الله ﷺ يقظة ومنامًا، فكان يقال: إن أكثر أفعاله يتلقاه منه ﷺ يقظة ومنامًا، ورآه في ليلة واحدة سبع عشرة مرة، قال له في إحداهن: يا خليفة! لا تضجر مني، فكثير من الأولياء مات بحسرة رؤيتي .. ) (٤).
* * *
ولما كانت الفرقة التِّجانية ممن روَّج لهذه الفكرة، ودَافَعَ عنها، انبرى بعض الغيورين من أهل العلم والسنة لدحض افترائهم، ورد عدوانهم، ومنهم الشيخ
стр. 128
علي بن محمد الدخيل الله في بحثه القيم: "التجانية"، الذي نلخص منه الفصل التالي (١).
أ- ذِكْرُ جُمْلَةٍ مِنْ نُصُوص التِّجَانية تُصَرِّحُ بِإِيمَانِهِمْ بِرؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَقَظَةً بَعْدَ مَوْتِهِ، فِي الدُّنيَا:
١ - قال في "جواهر المعاني": "قال ﵁ أي شيخه أحمد التجاني مؤسس الطريقة المتوفى سنة (١٢٣٠هـ - ١٨١٥ م): أخبرني سيد الوجود (٢) يَقَظَةً لا منامًا، قال لي: أنت من الآمنين، ومن رآك من الآمنين إن مات على الإيمان ... " إلخ (٣).
٢ - وقال في "رِمَاح حزب الرحيم": "ولا يكمل العبد في مقام العرفان حتى يصير يجتمع برسول الله ﷺ يَقَظَةً ومشافهة ... " إلخ (٤).
٣ - وقال في "بغية المستفيد": " ... منهم من يرى روحه في اليقظة متشكلة بصورته الشريفة، ومنهم من يرى حقيقة ذاته الشريفة وكأنه معه في حياته ﷺ ، وهؤلاء هم أهل المقام الأعلى في رؤيته ﷺ " (٥).
٤ - وقال في "الدرة الخريدة": "وأما الذي هو أفضل وأعز من دخول الجنة، فهو رؤية سيد الوجود ﷺ في اليقظة، فيراه الولي اليوم كما يراه الصحابة ﵃، فهي أفضل من الجنة" (٦).
стр. 129
ب- ذِكرُ أَدلَّتِهِمْ وَمُنَاقَشَتُهَا:
الدَّلِيلُ الأَوَّلُ:
يستدل التجانيون على إمكان رؤية النبي ﷺ يَقَظَةً بعد موته في الدنيا بما رواه أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ رآني فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَاني فِي اليَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي" (١)، قالوا: فالحديث صريح في رؤية النبي ﷺ يَقَظَةً بعد موته في الدنيا، قال ابن أبي جمرة: "ودعوى الخصوص بغير مخصِّص منه ﵇ تَعَسُّفٌ" (٢).
ومناقشة هذا الاستدلال من وجوه:
الأول: من حيث لفظ الرواية:
(١) جاء الحديث من عدة طرق عن أبي هريرة إحداهن باللفظ المذكور آنفًا:
"من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي"، وأما سائر الطرق:
ففي إحداهن: "ومَن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل صورتي" (٣).
وفي الثانية: "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي" (٤).
стр. 130
والثالثة (١) الرابعة (٢) مثل الثانية.
وفي الخامسة: "من رآني في المنام فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتشبه بي" (٣).
وفي رواية بالشك: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو: فكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي" (٤).
(ب) وقد جاء الحديث عن جمع من الصحابة ﵃ غير أبي هريرة ﵁ وألفاظها جميعًا متقاربة لكنها تخالف الرواية المشكِلة بلفظ: "فسيراني في اليقظة، وهاك بيانها:
اللفظ الأول:
رواه أنس بن مالك، وجابر بن عبد اللَّه، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو جحيفة ﵃ مرفوعًا: "من رآني في المنام فقد رآني" (٥).
اللفظ الثاني:
رواه أبو قتادة، وأبو سعيد الخدري ﵄ مرفوعًا: "من رآني فقد رأى الحق" (٦).
стр. 131
اللفظ الثالث:
رواه جابر ﵁ مرفوعًا: "من رآني في النوم فقد رآني". فظهر من هذين الوجهين أن الرواية التي استدل بها القوم جاءت مخالفة لجميع ألفاظ مَن روى هذا الحديث مِن أصحاب أبي هريرة عنه ﵁، بل جاءت مخالفة لجميع ألفاظ مَن روى هذا الحديث مِن أصحاب النبي ﷺ .
الوجه الثاني:
ونتيجة لهذا الاختلاف حكم العلماء بأن لفظ: "فسيراني في اليقظة" مشكل، ومِن ثَمَّ أخذوا يتأولونه، ويذكرون له أجوبة كي يتوافق مع روايات الجمهور، وأولوه على عدة تأويلات على النحو التالي:
١ - قال ابن التين: "المراد به من آمن به في حياته ولم يره؛ لكونه حينئذ غائبًا عنه (١)، فيكون بهذا مُبَشِّرًا لكل من آمن به، ولم يره، أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته (٢)، والمعنى: أن اللَّه سيوفقه للهجرة إليه، والتشرف بلقائه في حياته، ويكون اللَّه -تَعَالَى- جعل رؤيته في المنام علامة على رؤياه في اليقظة.
ب- وقال ابن بَطَّالٍ: معناه: سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها، وخروجها على الوجه الحق (٣).
جـ- وقيل: إنه على التشبيه والتمثيل، ويدل على ذلك قوله في الرواية الثانية: "فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ" (٤).
د- وقيل المعني أنه يراه يَقَظَة في الآخرة، وفي هذا بِشَارَةٌ لرائيه بأن يموت
стр. 132
مسلمًا؛ لأنه لا يراه تلك الرؤية الخاصة باعتبار القرب إلا من تَحَقَّقَ موته على الإسلام.
هـ- أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك، وهو قول ابن أبي جمرة، قال في "الفتح": "وهذا من أبعد المحامل" (١).
و- أنه يراه حقيقة في الدنيا، ويخاطبه (٢).
وهذا الاحتمال الأخير باطل، كما بينه:
الوجهُ الثالثُ: ذِكر الأدلة النقلية على استحالة وقوع ذلك شرعًا:
إن النبي ﷺ قد مات؛ فادعاء حياته بعد موته ﷺ قبل يوم القيامة مستحيلٌ شرعًا؛ لأنه يلزم منه مخالفته لقوله -تَعالَى-: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
وقال الألوسي -رحمه اللَّه تعالى-: "ويكفي في إبطال هذا القول قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فإذا أمسك التي قضى عليها فمن أين لها التمكن من التصرف؟ ومن أين لأحدٍ أن يراها؟ " (٣).
وقال الصنعاني -رحمه الله تعالى--:
"والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والمعلوم من الضرورة الدينية، أنَّ من وَارَاهُ القبر لا يخرج منه إلا في المحشر، قال اللَّه -تَعَالَى-: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، ولم يقل: تَارَاتٍ أُخَرَ، وقال -تَعَالَى-: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ [عبس: ٢١، ٢٢]، وقال الله -تَعَالَى-: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١].
وأما الأحاديث النبوية فإنها متواترة: أن من أُدْخِلَ قبره لا يخرج منه إلا عند
стр. 133
النفخة الثانية في الصور ... وبالجملة، فالقول بخروج الميت من قبره، وبروزه بشخصه لقضاء أغراض الأحياء - قوله مخالف للعقل والنقل" (١).
ولا يَرِدُ على ذلك أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وكذلك الشهداء، ولا ما ورد عن النبي ﷺ من أنه تُرَدُّ عليه روحه حتى يَرُدَّ السلام على من سَلَّمَ عليه (٢)، فإن تلك حياة برزخية تختلف عن هذه الحياة؛ ولذا يُقْتَصَرُ في شأنها على ما ورد في النصوص، ثم إنه يلزم من ذلك: أن يُطَالَبُوا بالتكاليف، وأن يخرجوا ليجاهدوا أعداء الله، واللازم باطل، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
إذن لم يثبت بدليل شرعي حصولُ رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته ﷺ ، بل الأدلة تدل على استحالة ذلك شرعًا، وغاية ما دلت عليه النصوص إمكانية الرؤيا المنامية، ورواية الجمهور للحديث المذكور في صدر الكلام تؤكد ترجيح ألفاظها على اللفظ المشكل الذي فيه: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" (٣)، فهذه الرواية فيها تعليق الجواب على الشرط، وذلك يستلزم أن من رآه ﷺ في المنام يراه في اليقظة، وهذا مخالف للحس والواقع، فقد رآه ﵌ جمعٌ كثير من سلف الأمة وخَلفها في المنام، ولم يذكر أحد منهم أنه رآه ﷺ في اليقظة بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ومعلوم أن خبر الصادق المصدوق ﷺ لا يتخلف أبدًا (٤)، فدل هذا على مرجوحية اللفظ المشكِل ووجوب تأويله.
стр. 134
الوَجْهُ الرابع: الدليل العقلي على استحالة وقوع ذلك:
قال القرطبي ﵀: "اختُلِف في معنى الحديث، فقال قوم: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رأى حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء، وهذا قولٌ يُدرَك فسادُه بأوائل العقول، ويلزم عليه: أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها.
- وأن لا يراه رائيان في آنٍ واحدٍ في مكانين.
- وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره، ويمشي في الأسواق، ويخاطب الناس، ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده، فلا يبقى في قبره منه شيء، فَيُزَارُ مجردُ القبر، ويُسلَّمُ على غائب؛ لأنه جائز أن يُرَى في الليل والنهار، مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مُسْكَةٍ من عقل" (١).
واعتُرِض على هذا بأن النبي ﷺ يمكن أن يراه شخصان في مكانين مختلفين في وقت واحد، كما تُرى الشمس أو القمر في أماكنَ متعددةٍ في آنٍ واحدٍ من جماعة كثيرين، وأنشد بعضهم:
كالشمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلادَ مشارِقًا ومغاربا (٢)
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن النبي ﷺ بَشَرٌ كان يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ولم يكن له حجم الشمس وارتفاعها، حتى يمكن أن يراه جمع كثير في وقت واحد، ثم إن النبي ﷺ إذا كان في بيته لا يراه إلا من كان معه في البيت، دون من كان خارجه، وكذلك الشمس؛ فإنها لو رُؤِيَتْ فرضًا داخل بيتٍ في جرْمِها، لاستحال رؤية جرمها في بيت آخر (٣).
стр. 135
٣ - أنه على فرض صحة هذا الاحتمال لا يليق بعالم بَلْهَ غيره أن يصرف هذا الدليل إلى هذا الاحتمال: لأن من القواعد الأصولية أن الدَّليلِ إذَا تَطَرَّقَ إِلَيهِ الاحْتِمَالُ بَطَلَ بِهِ الاسْتِدْلَالُ، فكيف إذا كان هذا الاحتمال ينقضه نفسُ الحديث، ويرده الشرع والعقل؟!
٤ - ما نقلوه عن ابن أبي جمرة من قوله: "ومن يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه ﵇ فمتعسف".
مردود بأن الحديث ليس نصًّا صريحًا في رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا، ولا في الآخرة، فتخصيصه بالدنيا بغير مخصص تعسف -أيضًا- لكن لما كان تأويله برؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا مخالفًا للشرع والعقل؛ حمله جمهور العلماء على رؤية النبي ﷺ يقظة في الآخرة، واللَّه أعلم.
الوجه الخامس: اضطراب مقالات القوم في كيفية الرؤية:
(فلما اشتد الإنكارعلى هؤلاء القائلين برؤيته ﷺ في الدنيا بعد وفاته يقظة لا منامًا، اضطربت مقالاتهم في كيفية تلك الرؤيا، فمنهم من أخذته العزة بالإثم فنفى الموت عن النبي ﷺ بالكلية، وزعم أن موته ﷺ هو تستره عمن لا يفقه عن اللَّه (١).
- ومنهم من زعم أنه ﷺ يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه ويسير حيث شاء في أقطار الأرض في الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته (٢).
- ومنهم من زعم أن له ﷺ مقدرة على التشكل والظهور
стр. 136
في صور مشايخ الصوفية (١).
وفريق لان بعض الشيء:
- فمنهم من زعم أن المراد برؤيته كذلك يقظة القلب لا يقظة الحواس الجمسانية (٢).
- ومنهم من قال إن الاجتماع بالنبي ﷺ يكون في حالة بين النائم واليقظان (٣).
- ومنهم من قال إن الذي يُرى هي روحه ﷺ (٤).
وعليه؛ فبعد أن ظهر تفرد تلك الرواية التي استدل بها القوم عن روايات الجمهور، وتلك الاحتمالات التي تأولها أهل العلم في المراد بمعناها، وتلك الإشكالات والإنكارات التي وردت على المعنى الذي قصده القوم، واضطراب مقالاتهم في كيفية نلك الرؤيا، بكل ذلك يسقط استدلالهم بها، والقاعدة المشهورة في ذلك: إذا ورد على الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال) (٥).
الدليل الثَّاني للتِّجانية:
- قال في "رماح حزب الرحيم": "إن رؤية النبي ﷺ داخلة تحت قدرة اللَّه -تَعَالَى- فالمنكِر لها منكِرٌ لقدرة اللَّه على ذلك، ومن أنكر قدرة اللَّه؛ فقد كفر، واللَّه الذي أحيا الميت ببعض البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣]، والذي جعل دعاء إبراهيم سببًا
стр. 137
لإحياء الطيور: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وجعل تعجب العُزَيْرِ سببًا لموته وموت حماره، ثم لإحيائهما بعد مئة سنة، قادر على أن يجعل رؤيته ﷺ في النوم سببًا لرؤيته في اليقظة" (١). اهـ ملخصًا.
وقال محمد الحافظ التجاني (٢): "وأصل الاجتماع الروحي اجتماع النبي ﷺ ليلة الإسراء بالأنبياء ﵈ وهم في الدار الآخرة، وكان الكليم سيدنا موسى ﵇ سببًا في تخفيف الصلوات عن هذه الأمة، وهو في الدار الآخرة، وصح أن سيدنا أبا بكر الصديق ﵁ أنفذ وصية ثابت بن قيس بن شماس، وقد أوصى بها بعد استشهاده" (٣).
فقد أخرج الحاكم في "المستدرك" عن ثابت عن أنس: "أن ثابت بن قيس جاء يوم اليمامة، وقد تحنط، ولبس أكفانه، وقد انهزم أصحابه، وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، فبئس ما عودتم أقرانكم، خلوا بيننا وبين أقراننا ساعة)، ثم حَمَلَ فقاتل ساعة، فقُتل، وكانت درعه قد سُرقت، فرآه رجل فيما يرى النائم، فقال: إن درعي في قِدْرٍ تحت إكافٍ (٤) بمكان كذا وكذا، وأوصى بوصايا، فطُلِب الدرع، فوُجِدَ حيث قال، فأنفذوا وصيته" (٥).
стр. 138
وعن مسلم أبي سعيد مولي عثمان بن عفان أن عثمان ﵁ أعتق عشرين عبدًا مملوكًا، ودعا بسراويل، فشدها عليه -ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام- وقال: "إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام، وأبا بكر، وعمر، فقالوا لي: اصبر! فإنك تفطر عندنا القابلة"، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فَقُتِلَ، وهو بين يديه (١).
وقال محمد الحافظ: "وهذا يثبت أن روح الحي تجتمع بأرواح الأموات في النوم، والذي يجمعهم في النوم يجمعهم في اليقظة، والجميع في العلم تحت سلطانه".
- المناقشة:
ليس كلُّ مُمكنٍ يقعُ في الوجود
١ - إن هذا الرد يلزمنا لو كنا نستدل على عدم إمكان الرؤية يقظة باستبعاد القدرة على ذلك، معاذ اللَّه! والذين ينكرون رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا هم مِن أعلم الناس بقدرة الله -تَعَالَى-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، فالله -تَعَالَى- قادر على أن يجعل عباده كلَّهم مؤمنين: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، كما أنه قادر على أن يجعل المبتدع سنيًّا ملتزمًا، ولكن هكذا شاء اللَّه : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
فمن اعتقد أن النبي ﷺ لا يُرى يقظة بعد موته في
стр. 139
الدنيا، فقد بنى ذلك على أن هذه المسألة من المسائل الاعتقادية -لا أنه منكر لقدرة الله- والأصل في الأمور الاعتقادية الحظر، حتى يرد دليل يرفع هذا الحظر، وليس هناك دليل شرعي معتبر يرفع هذا الحظر، بل دلَّ الشرع والعقل على خلاف ذلك.
٢ - إن قدرة اللَّه -تَعَالَى- متعلقة بكل شيء؛ إذ هو القادر على كل شيء -سبحانه- فلا تلازمَ إذن بين قدرة اللَّه -تَعَالَى- وبين رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا؛ إذ لو قلنا بذلك، للزم من هذا القولِ إباحةُ جميع المحرمات، وتحريمُ جميع المباحات، وإلغاء جميع الشرائع، وإفساد العباد والبلاد؛ لأنَّ اللَّه قادر على ذلك جميعًا، فمن الممكن أن نبيح الفاحشة؛ لأن إباحتها داخلة تحت قدرة اللَّه، ومن الممكن أن نحرم الصلاة؛ لأن تحريمها داخل تحت قدرة اللَّه، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم، واللَّه أعلم.
٣ - إن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا قد أنكرها جمع غفير من العلماء والأئمة؛ كابن حجر العسقلاني، وأبي بكر بن العربي، وابن تيمية، والألوسي، وغيرهم، فهل معنى هذا أنهم يجهلون قدرة اللَّه ؟! ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].
٤ - إن ما استدل به "محمد الحافظ" من إمكان رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا، قياسًا على رؤية النبي ﷺ للأنبياء ليلة الإسراء يقظة في الدنيا؛ لا يصح، وبيان ذلك:
١ - أن الإسراء والمعراج كانا معجزة للنبي ﷺ خاصة لا يقاس عليها غيرها.
ب- أن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا أمر من أمور الاعتقاد لا يجوز فيها القياس؛ لأنها توقيفية.
٥ - أن كل ما ذكره من الآثار فغاية ما فيها رؤى منامية، وهذه ثابتة للنبي
стр. 140
- ﷺ ولسائر أُمته في الأحاديث الصحيحة (١)، والنزاع في اليقظة لا في المنام.
٦ - قوله: " ... وهذا يثبت أن روح الحي تجتمع بأرواح الأموات في النوم، والذي يجمعهم في النوم يجمعهم في اليقظة، والجميع في العالَم تحت سلطانه".
يُجاب عنه من وجهين:
ا- أن هذا القياس لا يصح؛ لأن الرؤية في النوم قد جاءت بذكرها الأحاديث الصحيحة بخلاف رؤية اليقظة؛ فقد دل الشرع والعقل على خلافها، فلا يصح قياس ما دلَّ الدليل علي منعه على ما دل الدليل على إثباته.
ب- أن قوله: " ... والذي يجمعهم في النوم يجمعهم في اليقظة، والجميع في العالم تحت سلطانه" غاية ما فيه الاستدلال بعموم قدرة اللَّه -تَعَالَى-، وقد سبق الجواب عنه.
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ مِن أَدِلَّتِهِم:
أن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا كرامة يمنحها الله من يشاء من عباده، فالمنكِر لها منكرٌ لكرامات الأولياء الثابتة بالكتاب والسُّنَّة والآثار المسندة؛ ففي الكتاب قصة أصحاب الكهف، وقصة الخضر مع موسى، وقصة آصف بن برخيا مع سليمان ... وغيرها.
وفي السُّنَّة: قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، وحديث جريج، وكلام الطفل ببراءته ... وغيرها كثير.
ومن الآثار: قصة عمر ﵁ مع سارية (٢).
ومن العقل والنظر: وقوعها المتكرر تكرارًا ينتهي إلى حد القطع بشهادة الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
стр. 141
* المناقشة:
١ - إن هذا الدليل لا يرد على محل النزاع؛ إذ لا تلازم بين إنكار رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا وبين إنكار الكرامة، فقد أنكر رؤيةَ النبي ﷺ يقظة بعد موته جمعٌ من العلماء المثبتين لكرامات الأولياء؛ كابن تيمية، وابن حجر العسقلاني، والقرطبي، وابن العربي، والأهدل، وغيرهم.
٢ - إن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا ليست من باب الكرامة، وبيان ذلك:
ا- أن الكرامة هبة من الله -تَعَالَى- لمن يشاء من عباده الصالحين لا تُطْلبُ ابتداءً (١)، وهم يقولون بطلبها ابتداء.
ب- أن الكرامة لا تُدْرَك بالتعلم، وهم يقولون بأنها تدرك بالتعلم والكسب عن طريق كثرة الذكر والرياضة (٢).
قال الشيخ صنع اللَّه الحلبي الحنفي: "أما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات فهو من المغالطة؛ لأن الكرامة شيء من عند اللَّه يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيها، ولا تحديَ، ولا قدرة، ولا علم؛ كما في قصة مريم بنت عمران، وأسيد ين حضير، وأبي مسلم الخولاني" (٣). اهـ.
ج- أن الكرامة أمر خارق للعادة، لا يخالف النصوص الشرعية الثابتة بالكتاب والسنَّة، ورؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا معارضة لنص شرعي (٤)، كما أنها مستحيلة عقلًا (٥).
стр. 142
د- أن الكرامة غالبًا لا تحدث إلا مرة واحدة في العمر، وربما مرة واحدة على امتداد الزمان، بينما يرى -التجانيون أن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا تقع لآلاف البشر في الوقت الواحد، وكل ذلك يبطل القول بأنها من باب الكرامة، واللَّه أعلم.
دَلِيلُهُم الرَّابعُ:
"أن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا قد وقعت لجمع غفير من سلف هذه الأمة؛ منهم: الشيخ أبو مدين المغربي شيخ الجماعة، والشيخ عبد الرحمن القناوي، والشيخ أبو العباس المرسي، والشيخ أبو السعود بن أبي العشائر، وإبراهيم المتبولي، والشيخ جلال الدين السيوطي، وغيرهم" (١).
* المناقشة:
١ - إذا ظهر في كلام الأولياء والصالحين ما يخالف الشرع والعقل فينبغي أن يُحمَلَ على أحسن المحامل، ويُصارَ إلى تأويله؛ إذ قد يُنْقَلُ عنهم الكلام، ويُفْهَمُ على غير ما أرادوا؛ لتفاوت المدارك واختلاف العقول، فمن ذلك مثلًا ما قاله أبو العباس المُرْسِي: "لي أربعون سنة ما حُجِبتُ عن رسول اللَّه ﷺ ، ولو حُجِبْتُ طرفةَ عين، ما أعددتُ نفسي من جملة المسلمين". قال الشيخ الأهدل: "فهذا كلام فيه تجوُّز يقع مثله في كلام الشيوخ والصالحين، والمراد به أنه لم يُحْجَبْ حجابَ غفلةٍ ونسيان عن دوام المراقبة واستحضارها في الأعمال والأقوال، ولم يُرِدْ أنه لم يحجب عن الروح الشخصية؛ فذلك مستحيل" (٢).
أما من لم يبلغ درجة أولئك في الصلاح والتقوى فلا عبرة بما يقوله، إنما هو
стр. 143
شيطان تمثل له، وأخبر قرينه بخبر كاذب، بل قد يتمثل الشيطان لعباد اللَّه الصالحين؛ كما حدث لعبد القادر الجيلاني، فقد رأى الشيطان في النوم، فقال له: "أنا ربك قد أبحت لك المحرمات"، فقال: "اخسأ يا لعين"، فقيل له: "بم عرفت أنه شيطان؟ " قال: "بقوله: أبحت لك المحرمات، وبقوله: أنا ربك، ولم يقل: أنا اللَّه" (١).
وقد روى سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب قال: "كان محمد -يعني ابن سيرين- إذا قصَّ عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: (صِف لي الذي رأيتَه)، فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم تره" (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والضُّلَّال من أهل القبلة يرون من يعظمونه، إما النبي ﷺ وإما غيره من الأنبياء يقظة، ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث، فيجيبهم"، ثم قال: "لكن كثيرًا من الناس يكذِّب بهذا، وكثيرًا منهم إذا صدَّق به يظن أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأي ذلك رآه لصلاحه ودينه، ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان، ومن كان أقل علمًا قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة. وهو -وإن ظن أنه قد استفاد شيئًا- فالذي خسره من دينه أكثر" (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيضًا:
"والشياطين كثيرًا ما يتصورون بصورة الإنس في اليقظة والمنام، وقد تأتي لمن لا يعرف، فتقول: أنا الشيخ فلان أو العالِم فلان، وربما قالت: أنا أبو بكر وعمر، وربما أتى في اليقظة دون المنام وقال: أنا المسيح، أنا موسى، أنا
стр. 144
محمد، وقد جرى مثل ذلك أنواع أعرفها، وثَمَّ من يصدق بأن الأنبياء يأتون في اليقظة في صورهم، وثَمَّ شيوخ لهم زهد وعلم وورع يصدقون بمثل هذا.
ومن هؤلاء من يظن أنه حين يأتي إلى قبر نبي أن النبي يخرج من قبره في صورته فيكلمه ... ، وبعضهم كان يحكي أن ابن منده كان إذا أشكل عليه حديث جاء إلى الحجرة النبوية، ودخل، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فأجابه، وآخر من أهل المغرب حصل له مثل ذلك، وجعل ذلك من كراماته، حتى قال ابن عبد البر لمن ظن ذلك: "ويحك! أترى هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل من هؤلاء من سأل النبي ﷺ وأجابه؟ وقد تنازع الصحابة في أشياء فهلا سألوا النبي ﷺ فأجابهم، وهذه بنته فاطمة تنازع في ميراثه، فهلا سألته فأجابها؟ " (١).
٢ - إن ما وقع لهؤلاء الشيوخ هل ثبت عنهم أنه كان يقظة أو منامًا؟ وإذا ثبت أنه كان يقظة، فهل ثبت عنهم بسند صحيح يوثق به؟ وإذا ثبت أنه كان يقظة بسند صحيح يوثق به، فهل هم معصومون من تلبيس الشيطان عليهم؟
كل هذه الأسئلة لا نجد الجواب عليها!!
٣ - إن رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته لم تُنقل عن أحد من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير من المصطفى ﷺ .
إذ كيف يظهر ﷺ للمفضول ولا يظهر للفاضل؟ وقد حدثت حوادث كانت الحاجة فيها إلى ظهوره شديدة جدًّا (٢) لو كان ذلك ممكنًا؛ منها:
١ - اختلاف المهاجرين والأنصار ﵃ على الخلافة، وقد بقي النزاع بينهم مستمرًّا ثلاثة أيام، حتى شغلهم ذلك عن دفن النبي -صلى اللَّه
стр. 145
عليه وسلم-، فلو ظهر لهم وأخبرهم بأن الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ لانقطع النزاع، فكيف لا يظهر في اليقظة لأفضل الناس بعده في أمر مهم؟
٢ - اختلاف أبي بكر ﵁ مع فاطمة الزهراء ﵂ على الميراث، واشتداد حزنها على أبيها ﵌ بعد وفاته.
٣ - جمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ المصحف الشريف، يقول فيه الألوسي -رحمه اللَّه تعالى-: "وليت شعري! لِمَ كان عثمان يطلب شاهدين من كل من أتاه بآية يشهدان على أنها من القرآن، وهلا رأى النبي ﷺ يقظة وسأله عن تلك الآية، وهو وسائر الصحابة أحق ممن ذكر بهذه الفضيلة" (١).
٤ - ما وقع بين طلحة والزبير وعائشة من جهة، وعلي بن أبي طالب من جهة أخرى، حتى وقعت حرب الجمل، فقُتل فيها خلق كثير من الصحابة.
٥ - خلاف على ﵁ مع الخوارج، وما وقع بين علي ومعاوية ﵄ من النزاع (٢).
ففي كل هذه الحوادث لم يُرْوَ أن النبي ﷺ ظهر لأصحابه يقظة؛ ليفصل بينهم مع أنهم أصحابه، فكيف يظهر لمن دونهم منزلة وتقوى؟ واللَّه أعلم.
دَليلُهُمُ الخَامِسُ:
أن رؤية النبي ﷺ يقظة قد قال بها علماء كثيرون قبل التجاني؛ كالإمام السيوطي (٣)، وابن أبي جمرة، والشيخ يوسف بن إسماعيل