← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96616

أصول بلا أصول

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (278 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يكن خطأ؛ فمني ومن الشيطان" (١). فهذا عمر بن الخطاب ﵁ أفضل المحدَّثين -إن وجِدوا-، وقد شهد له رسول الله ﷺ بقوله: "إنِّي لأنْظُرُ إلى شَيَاطِينِ الجِن والأنْسِ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ" (٢)، وقال ﵊: "إن اللهَ جعَلَ الحَق علَى لِسَانِ عُمَرَ وقَلْبِهِ" (٣)، وقال ﷺ : لَوْ كَانَ نَبي بعْدِي لكَانَ عُمَرَ" (٤)، وكان علي ﵁ يقول: "ما كنا نُبْعِدُ أن السكِينة تنطق على لسان عمر" (٥). وكان عمر يقول: "اقتربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون؛ فإنه تتجلى لهم أمور صادقة" (٦). ومع ذلك لم يعتبر آراءه حقًّا صوابًا، بل كان يتَّهم نفسه؛ كما سبق؛ ولذلك كان يعرض آراءه على الكتاب والسنَّة. المُحدَّثُ يَجِبُ أن يعرضَ آراءَهُ علَى الكِتَابِ والسَّنَّةِ: لما كان المحدَّث لا يعلم أن ما في قلبه من الله؛ فإنه يلزمه -ليعلم صحة ذلك- أن يعْرضَهُ على ميزان صحيح واضح، وليس ذلك إلا كتاب الله، وسنَّة رسوله ﷺ ، وقد كانت هذه حالة عمر بن الخطاب ﵁ مع نفسه وغيره. فليس في المحدَّثين أفضل من عمر، وقد وافق ربَّه في عدة أشياء، ومع هذا، فكان عليه أن يعتصم بما جاء به الرسول، ولا يقبل ما يرد عليه حتى يعرضه على الرسول، ولا يتقدم بين يدي الله ورسوله.

стр. 212

وكان إذا تبين له من ذلك أشياء خلاف ما وقع له فيرجع إلى السنَّة. وكان أبو بكر يبين له أشياء خفيت عليه، فيرجع إلى بيانه، وإرشاده؛ كما جرى يوم الحديبية، ويوم مات رسول اللَّه ﷺ ، ويوم ناظره في مانعي الزكاة، وغير ذلك، وكانت امرأة ترُدُّ عليه، وتذكر الحجة من القرآن، فيرجع إليها؛ كما جرى في مُهور النساء، ومثل ذلك كثير (١). ومن الأمور التي بينها له أبو بكر ﵁ وردَّه فيها إلى الصواب: أمر موت النبي ﷺ ؛ حيث قام عمر يقول: "والله، ما مات رسول اللَّه ﷺ "، وكان يقول بعدها: "واللَّه ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه اللَّه، فيقطعن أيدي رجال، وأرجلهم"، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول اللَّه ﷺ ، فقبَّله، وقال: "بأبي أنت وأمي، طِبْتَ حيًّا وميِّتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك اللَّه الموتتين أبدًا"، ثم خرج، فقال: "أيها الحالفُ، على رِسْلِكَ"، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر: فحمِد اللهَ أبو بكر، وأثنى عليه، وقال: "ألَا من كان يعبد محمدًا ﷺ ، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد اللَّه، فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ " (٢) [آل عمران: ١٤٤]. وكذلك في قصة الحديبية عندما صالح النبي ﷺ قريشًا، وثبت عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: "يا أبا بكر، أليس رسولَ الله؟ " قال: بلى، قال: "أولسنا بالمسلمين؟ " قال: بلى، قال: "أوليسوا بالمشركين؟ " قال: بلى، قال: "فعلام نعطي الدَّنيَّةَ في ديننا؟ " قال أبو بكر: "يا عمر، الزم غَرْزَه؛ فإني أشهد أنه رسولُ الله"، قال عمر:

стр. 213

"وأنا أشهد أنه رسولُ اللَّه" (١). وقد قال عمر في ذلك: "ما زلت أتصدق، وأصوم، وأصلي، وأعتق؛ من الذي صنعتُ يومئذ مخافةَ كلامي الذي تكلمتُ به، حتى رجوتُ أن يكون خيرًا" (٢)، لأنه قد قال للرسول ﷺ مثل ما قال لأبي بكر. وكذلك في قصة عيينة بن حصن عندما دخل عليه، فقال له: "هِي يابن الخطاب، فواللَّه، ما تعطينا الجَزلَ، ولا تحكم بيننا بالعدل"؛ فغضب عمر حتى همَّ به، فقال له الحُرُّ: "يا أمير المؤمنين، إن اللَّه -تعَالَى- قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين"، قال ابن عباس الراوي: "واللَّه، ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب اللَّه" (٣). وقال ابن حجر ﵀: "إن المحدَّث منهم إذا تحقق وجوده لا يحْكمُ بما وقع له، بل لابد له من عرضه على القرآن، فإن وافقه، أو وافق السنَّة، وإلا تركه" (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكذلك في قتال مانعي الزكاة، قال عمر لأبي بكر: كيف نقاتل الناس، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإنْ فعَلُوا ذَلِكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلَّا بحَقِّهَا"، فقال له أبو بكر ﵁: ألم يقل: "إلَّا بحَقِّهَا"، فإن الزكاة من حقها، واللَّه، لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول اللَّه ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فواللَّه، ما

стр. 214

هو إلا أن رأيت قد شُرحَ صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق. ولهذا نظائر تبين تقدم أبي بكر على عمر، مع أن عمر ﵁ مُحَدَّثٌ، فإن مرتبة الصديق فوق مرتبة المحدَّث؛ لأن الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما يقوله ويفعله، والمحدَّث يأخذ عن قلبه أشياءَ، وقلبه ليس بمعصوم، فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبي المعصوم. ولهذا كان عمر ﵁ يشاور الصحابة ﵃، ويناظرهم، ويرجع إليهم في بعض الأمور، وينازعونه في أشياء، فيحتج عليهم، ويحتجون عليه بالكتاب والسنَّة، ويقرهم على منازعته، ولا يقول لهم: "أنا محدَّث ملهم مخاطَب؛ فينبغي لكم أن تقبلوا مني ولا تعارضوني"، فأي أحد ادعى، أو ادعى له أصحابه أنه ولي للَّه، وأنه مخاطَب يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كل ما يقوله، ولا يعارضوه، ويسلموا له حاله من غير اعتبار بالكتاب والسنة؛ فهو، وَهُمْ مخطئون، ومثل هذا أضل الناس، فعمر بن الخطاب ﵁ أفضل منه، وهو أمير المؤمنين، وكان المسلمون ينازعونه، ويعرضون ما يقوله -وهو، وهُمْ- على الكتاب والسنَّة، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يُؤْخَذُ من قوله ويُتْرَكُ، إلا رسول اللَّه ﷺ . وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم؛ فإن الأنبياء -صلوات اللَّه عليهم وسلامه- يجب لهم الإيمان بجميع ما يخبرون به عن اللَّه وتجب طاعتهم فيما يأمرون به، بخلاف الأولياء؛ فإنهم لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به، ولا الإيمان بجميع ما يخبرون به، بل يعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنَّة، فما وافق الكتاب والسنَّة: وجب قبوله، وما خالف الكتاب والسنَّة: كان مردودًا، وإن كان صاحبه من أولياء اللَّه، وكان مجتهدًا معذورًا فيما قاله، له أجر على اجتهاده، ولكنه إذا خالف الكتاب والسنَّة كان مخطئًا، وكان من الخطأ المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى اللَّه ما استطاع، فإن اللَّه -تعَالَى- يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذا تفسير قوله -تَعَالَى-:

стр. 215

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. قال ابن مسعود وغيره: "حق تقاته: أن يطاع فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَرَ فلا يُكفر"، أي بحسب استطاعتكم؛ فإن اللَّه -تعَالَى- لا يكلف نفسًا إلا وسعها؛ كما قال -تعَالَى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال -تعَالَى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢]، وقال -تعَالَى-: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقد ذكر اللَّه الإيمان بما جاءت به الأنبياءُ في غير موضع؛ كقوله -تعَالَى-: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]. وقال -تعَالَى-: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ١ - ٥]، وقال -تَعَالَى-: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وهذا الذي ذكرته من أن أولياء اللَّه يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنَّة، وأنه ليس فيهم معصوم يسوغ له، أو لغيره اتباعُ ما يقع في قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنَّة هو مما اتفق عليه أولياء اللَّه ، ومن خالف في هذا

стр. 216

فليس من أولياء اللَّه -سبحانه- الذين أمر اللَّه باتباعهم، بل إما أن يكون كافرًا، وإما أن يكون مُفرِطَا في الجهل) (١) اهـ. وقال -أيضًا- شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولو كان أحد يأتيه من اللَّه ما لا يحتاج إلى عرضه على الكتاب والسنَّة؛ لكان مستغنيًا عن الرسول في بعض دينه، وهذا من المارقين الذين يظنون أن من الناس من يكون مع الرسول كالخَضِر مع موسى، ومن قال هذا فهو كافر (٢). شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَةَ يدحَضُ مقُولَةَ: "حدَّثَني قلبِي عن رَبِّي ": قال: (وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: "حدَّثَنِي قلْبِي عَنْ ربِّي"، فصحيح أن قلبه حدَّثه، ولكن عَمَّن؟ عن شيطانه، أو عن ربه؟ فإذا قال: "حدَّثَنِي قلْبِي عَنْ رَبِّي"، كان مُسْندًا الحديثَ إلى من لم يعلم أنه حدَّثه به، وذلك كذبٌ، قال: ومحدَّث الأمة لم يكن يقول ذلك، ولا تفوَّه به يومًا من الدهر، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك، بل كتب كاتبه يومًا: "هذا ما أرى اللهُ أميرَ المؤمنين عمرَ بنَ الخطاب"، فقال: "لا، امْحُهْ، واكتب: هذا ما رأى عمر بن الخطاب، فإن كان صوابًا فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمن عمر، واللَّه ورسوله منه بريء"، وقال في الكلَالة: "أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان"، فهذا قول المحدَّث بشهادة الرسول ﷺ ، وأنت ترى الاتحادي، والحلولي، والإباحي الشَّطَّاح، والسماعي، مجاهرًا بالقِحَة والفِرية، يقول: "حدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي". فانظر إلى ما بين القائلَينِ والمرتبتين والقولَين والحالَين، وأعطِ كل ذي حقٍّ حقه، ولا تجعل الزَّغَلَ والخالص شيئًا واحدًا) (٣) اهـ.

стр. 217

فَصلٌ * قال الحافظ الذهبي ﵀ تَعَالَى-: " ... وقد رأيت غير واحد من هذا النمط الذين زال عقلهم أو نقص، يتقلبون في النجاسات، ولا يصلون، ولايصومون، وبالفحش ينطقون، ولهم كشف كما -واللَّه- للرهبان كشف، وكما للساحر كشف، وكما لمن يُصرع كشف، وكما لمن يأكل الحية، ويدخل النار حالٌ مع ارتكابه للفواحش، فواللَّه، ما ارتبطوا على مسيلمة والأسود إلا لإتيانهم بالمغيبات (١) ". اهـ. وقال الإمام المحقق ابن القيم ﵀ تَعَالى-: "الفراسة الثانية: فراسة الرياضة والجوع، والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق، صار لها من الفراسة، والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان، ولا على وَلاية، وكثير من الجهال يغتر بها، وللرهبان فيها وقائع معلومة، وهي فراسة لا تكشف عن حق نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها جزئي من جنس فراسة الولاة، وأصحاب عبارة الرؤيا، والأطباء، ونحوهم. وللأطباء فراسة معروفة مِن حذقهم في صناعتهم، ومَن أحب الوقوف عليها، فليطالع تاريخهم وأخبارهم" (٢). اهـ. وقال العلامة عبد الرحمن المُعَلِّمِيُّ اليماني ﵀ تَعَالَى-: " ... ثم جاء القرن الثاني، فتوغل أفرادٌ في العبادة والعزلة وكثرة الصوم والسهر وقلة الأكل، لعزَّة الحلال في نظرهم، فجاوزوا ما كان عليه الحال في عهد النبي ﷺ ، فوقعوا في طرفٍ من الرياضة، فظهرت على بعضهم

стр. 218

بعض آثارها الطبيعية؛ كالإخبار بأن فلانًا الغائب قد مات، أو سيقدم وقت كذا، وأن فلانًا يضمر في نفسه كذا، وما أشبه ذلك من الجزئيات القريبة (١)، فكان

стр. 219

الناس يظنون أن جميع ذلك من الكرامات، والواقع أن كثيرًا منه كان من آثار الرياضة، وهي آثار طبيعية غريبة تحصل لكل من كان في طبعه استعداد وتعانى الرياضة بشروطها؛ سواء أكان مسلمًا -صالحًا أو فاجرًا- أم كافرًا، فأما الكرامات الحقيقية فلا دخل فيها لقوى النفوس، فلما وقعوا في ذلك وجد الشيطان مسلكًا للسلطان على بعض أولئك الأفراد بمقدار مخالفتهم للسنَّة؛ فمنهم من كان عنده من العلم ما دافع به عن دينه؛ كما نُقِل عن أبي سليمانَ الداراني أنه قال: "ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنَّة، ذكرها ونحوها من كلامهم أبو إسحاق الشاطبي في "الاعتصام" (١٠٦ - ١٢١). ومنهم من سلم له أصل الإيمان، لكن وقع في البدع العلمية، ومنهم من كان سلطان الشيطان عليه أشد؛ فأوقعه في أشد من ذلك، كما ترى الإشارة إلى بعضه في ترجمة رياح بن عمرو القيسي من "لسان الميزان"، ثم صار كثير من الناس يتحرون العزلة والجوع والسَّهَرَ لتحصيل تلك الآثار، فقوي سلطان الشيطان عليهم، ثم نُقِلت مقالات الأمم الأخرى، ومنها الرياضة، وشرح ما تثمره من قوة الإدراك والتأثير، فضمها هواتُها إلى ما سبق، ملصِقين لها بالعبادات الشرعية، وكَثُرَ تعاطيها من الخائضين في الكلام والفلسفة، فمنهم من تعاطاها؛ ليروج مقالاته المنكرة بنسبتها إلى الكشف والإلهام والوحي، ويتورع عن الإنكار عليه، بزعم أنه من أولياء اللَّه -تَعَالَى-، ومنهم من تعاطاها على أمل أن يجد فيها حلًّا للشكوك والشُّبَهِ التي أوقعه فيها التعمقُ في الكلام والفلسفة.

стр. 220

هذا، والشرع يقضي بأن الكشف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين، ففي "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلَّا المُبَشِّرَاتُ" (١)، قالوا: وما المبشرات؟ قال: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ". وفيه حجة على أنه لم يبق مما يناسب الوحي إلا الرؤيا، اللهم إلا أن يكون بقي ما هو دون الرؤيا، فلم يعتد به، فدل ذلك أن التحديث، والإلهام، والفراسة، والكهانة، والكشف، كلها دون الرؤيا، والسر في ذلك أن الغيب على مراتب: الأُوْلَى: ما لا يعلمه إلا اللَّه، ولم يُعْلِمْ به أحدًا، أو أعلم به بعض ملائكته. الثَّانِيَةُ: ما قد علمه غير الملائكة من الخلق. الثَّالِثَةُ: ما عليه قرائن ودلائل إذا تنبه لها الإنسان عرفه؛ كما ترى أمثلة ذلك فيما يحكى من ذكاء إياس، والشافعي، وغيرهما، فالرؤيا قد تتعلق بما هو من المرتبة الأولى، لكن الحديث يقضي أنه لم يبق منها إلا ما كان على وجه التبشير فقط، وفي معناه التحذير، والفراسة، تتعلق بالمرتبة الثالثة، وبقية الأمور بالمرتبة الثانية، وإنما الفرق بينهما -واللَّه أعلم- أن التحديث والإلهام من إلقاء الملَك في الخاطر، والكهانة من إلقاء الشيطان، والكشف قوة طبيعية غريبة؛ كما يسمى في هذا العصر قراءة الأفكار. نعم، قد يقال: إن الرياضة قد تؤهل صاحبها لأن يقع له في يقظته ما يقع له في نومه، فيكون الكشف ضربًا من الرؤيا. وأقول: إن صح هذا، فقد تقدم أن الرؤيا قصاراها التبشير والتحذير، وفي الصحيح أن الرؤيا قد تكون حقًّا وهي المعدودة من النبوة، وقد تكون من الشيطان، وقد تكون من حديث النفس، والتمييز مُشْكِل، ومع ذلك فالغالب أن

стр. 221

تكون على خلاف الظاهر؛ حتى في رؤيا الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كما قُصَّ من ذلك في القرآن، وثبت في الأحاديث الصحيحة؛ ولهذه الأمور اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحُجَّة، وإنما هي تبشير، وتنبيه، وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة؛ كما ثبت عن ابن عباس أنه كان يقول بمتعة الحج؛ لثبوتها عنده بالكتاب والسنَّة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك؛ فاستبشر ابن عباس. هذا حال الرؤيا، فَقِس عليه حال الكشف إن كان في معناها، فاما إن كان دونها، فالأمر أوضح، وتجد في كلام المتصوفة أن الكشف قد يكون حقًّا، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون تخيلًا موافقًا لحديث النفس، وصرحوا بأنه كثيرًا ما يكشف للرجل بما يوافق رأيه حقًّا كان أو باطلًا، ولهذا تجد في المتصوفة من ينتسب إلى قول أهل الحديث، ويزعم أنه يكشف له بصحة مذهبه، وهكذا تجد فيهم الأشعري والمعتزلي والمتفلسف وغيرهم، وكلٌّ يزعم أنه يُكْشَفُ له بصحة مذهبه، ومخالفه منهم لا يُكذِّبُهُ، ولكنه يُكذِّبُ كشفه، وقد يكشف لأحدهم بما يوافق مقالات الفرقة التي ينتسب إليها، وإن لم يكن قد عرف تلك المقالاتِ من قبل؛ كأنه لحسن ظنه بهم، وحرصه على موافقتهم إنما تتجه همته إليهم؛ فيقرأ أفكارهم، وترتسم في مخيلته أحوالهم. فالكشف إذن تبع للهوى، فغايته أن يؤيد الهوى، ويرسخه في النفس، ويحول بين صاحبه وبين الاعتبار والاستبصار، فكأن الساعي في أن يحصل له الكشف إنما يسعى في أن يضله اللَّه ، ولا ريب أن من التمَس الهدى من غيرِ الصِّراط المستقيم مستحق أن يضله اللَّه ، وما يزعمه بعض غلاتهم من أن لهم علاماتٍ يميزون بها بين ما هو حق من الكشف وما هو باطل دعوى فارغة، إلا ما تقدم عن أبي سليمان الداراني، وهو أن الحق ما شهد له الكتاب والسنَّة، لكن المقصود الشهادة الصريحة التي يفهمها أهل العلم من الكتاب والسنَّة بالطريق التي كان يفهمها بها السلف الصالح.

стр. 222

فأما ما عُرِفَ عن المتصوفة من تحريف النصوص بما هو أشنع وأفظع من تحريف الباطنية، فهذا لا يشهد لكشفهم، بل يشهد عليه أوضح شهادة بأنه من أبطل الباطل: أولًا: لأن النصوص بدلالتها المعروفة حجة؛ فإذا شهدت ببطلان قولهم، عُلِم أنه باطل. ثانيًا: لأنهم يعترفون أن الكشف محتاج إلى شهادة الشرع؛ فإن قبلوا من الكشف تأويل الشرع؛ فالكشف شهد لنفسه، فمن يشهد له على تأويله؟ " (١). اهـ. * * *

стр. 223

الفَصلُ الخَامِسُ ادِّعَاءُ لُقيَا الخَضِرِ والتَّلَقِّي عَنهُ

стр. 224

الفَصلُ الخَامِسُ ادِّعَاءُ لُقيَا الخَضِرِ (١) والتَّلَقِّي عَنهُ وهذه الدعوى مبنية على زعم الصوفية أن الْخَضِرَ ﵇ حيٌّ، ويَبْدُو أن أول من افتراها مُحَمَّد بن علي بن الحسن الترمذي المُسَمَّى بالحكيم؛ حيث قال في كتابه "ختم الوَلاية" في سياق جوابه عن علامات الأولياء: "وللْخَضِرِ ﵇ قصة عجيبة في شأنهم -أي الأولياء- وقد كان عَايَنَ شأنهم في البدء، ومن وقت المقادير، فأحب أن يدركهم، فأُعطِيَ الحياة حتى بلغ من شأنه أنه يُحْشَرُ مع هذه الأمة، وفي زمرتهم، حتى يكون تَبعًا لمحمد ﷺ ، وهو رجل من قرن إبراهيم الخليل، وذي القرنين، وكان على مقدمة جنده؛ حيث طلب ذو القرنين عين الحياة (٢)، ففاتته، وأصابها الْخَضِرُ، في قصة طويلة". وهذه آياتهم وعلاماتهم، فأوضح علاماتهم ما ينطقون به من العلم من أصوله. قال له قائل: وما ذلك العلم؟ قال: علم البدء، وعلم الميثاق، وعلم المقادير، وعلم الحروف. فهذه أصول الحكمة، وهي الحكمة العليا، وإنما يظهر هذا العلم عن كُبَرَاءِ

стр. 225

الأولياء، ويقبله عنهم من له حظ من الولاية (١). وزعم الحكيم الترمذي أن من صفات أوليائه المزعومين أنه "تظهر على أيديهم الآيات؛ كطي الأرض، والمشي على الماء، ومحادثة الخضر ﵇"، الذي زعم -أيضًا- أن "الأرض تُطْوَى له برها وبحرها، سهلها وجبلها، يبحث عن الأولياء شوقًا إليهم" (٢). * * *

стр. 226

خُلاصَةُ التصور الصُّوفيِ للْخَضِرِ ﵇ ١ - أنه حي إلى أبد الدهر. ٢ - أنه صاحب شريعة، وعلم باطني يختلف عن علوم الشريعة الظاهرية. ٣ - أنه ولي، وليس بنبي (١). ٤ - أن علمه "لدني"، موهوب له من اللَّه بغير وحي الأنبياء ﵈ وأن هذه العلوم تُنَزَّلُ إلى جميع الأولياء في كل وقت، قبل بعثة رسول اللَّه ﷺ ، وبعد بعثته، وأن هذه العلوم أكبر وأعظم من العلوم التي مع الأنبياء، بل لا تدانيها، ولا تُضَاهِيهَا علوم الأنبياء (٢). وكما أن الْخَضِرَ -وهو ولي فقط في زعمهم- كان أعلم من موسى؛ فكذلك الأولياء من أمَّةِ محمد ﷺ هم أعلم من محمد ﷺ ؛ لأن مُحَمَّدًا ﷺ عالم بالشريعة الظاهرة فقط، والولي عالم بالحقيقة الصوفية، وعلماء الحقيقة أعلم من علماء الشريعة.

стр. 227

٥ - أن الْخَضِرَ يلتقي بالأولياء، ويُعَلِّمُهُمْ من هذه الحقائق، ويأخذ لهم العهود الصوفية. ٦ - أن الحقائق تَخْتَلِفُ عن الشريعة المحمدية، فلكل ولي طريقته المستقلة، وكشفه الخاص، وعلمه اللدني الذي قد يختلف مع الوحي المحمدي (١). يقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق -حفظه اللَّه تعالى-: "باختصار لقد تَحَوَّلَ الْخَضِرُ إلى قصة خُرَافِيَّةٍ كبيرة أشبهَ بقصة ما يُسَمُّونَهُ "بالسوبرمان"، الذي يطير في كل مكان، ويلتقي بالأصدقاء والخِلان في كل البلدان، ويشرع للناس ما شاء من عبادات وقربان، ويلقن الأذكار، وينشئ الطرق الصوفية، ويُعَمِّدُ الأولياء والأقطاب، ويولِّي من يشاء، ويعزل من يشاء، وما عليك إذا أردت لقاء الْخَضِرَ إلا أن تذكر مجموعة من الأذكار، فيأتيك الْخَضِرُ في الحال، ويبشرك بما تشاء من البشارات، ويجعلك وليًّا من الأولياء، ويعطيك علومًا لدنية لم يعلمها الرسل أنفسهم، ولا خَطَرَتْ لهم على بال" (٢). نُقُولٌ عَنِ الصُّوفِيَّة فيِ لُقيَا الخَضِرِ والتَّلَقِّي عَنهُ - قال أحمد بن إدريس الشاذلي: "اجتمعْتُ بالنبي ﷺ اجتماعًا صوريًّا، ومعه الْخَضِرُ ﵇، فأمر النبي ﷺ الخَضِرَ أن يلقنني أذكار الطريقة الشاذلية، فلقنني إياها بحضرته"، ويَسْتَطْرِدُ قائلًا: "ثم قال ﷺ للخَضِرِ ﵇: يا خَضِرُ، لَقِّنْهُ ما كان جامعًا لسائر الأذكار، والصلوات، والاستغفار" (٣).

стр. 228

- وقال الشيخ أحمد بن عمر الأنصاري، أبو العباس المُرْسِيُّ (١): "وأما الخضر ﵇ فهو حي، وقد صافحته بكفي هذه .. وعرَّفني بنفسه"، وقال بعد كلام: "فلو جاءني الآن ألف فقيه يجادلونني في ذلك، ويقولون بموت الخضر، ما رجعتُ إليهم" (٢). - وقال شيخهم ابن عربي: "اعلم أَيَّدَكَ اللَّه -أيها الولي الحميم- أن هذا الوتد هو خضر صاحب موسى ﵇، أطال اللَّه عمره إلى الآن، وقد رأينا من رآه، واتفق لنا في شأنه أمر عجيب، وذلك أن شيخنا أبا العباس العريبي ﵀ تَعَالَى- جرت بيني وبينه مسألة في حق شخص كان قد بَشَّرَ بظهوره رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال لي: "هو فلان ابن فلان"، وَسَمَّى لي شخصًا أعرفه باسمه، وما رأيته، ولكن رأيت ابن عمته، فربما توقفت منه، ولم آخذ بالقبول؛ أعني قول الشيخ العريبي فيه؛ لكوني على بصيرة في أمره، ولاشك أن الشيخ رجع سهمه عليه، فتأذى في باطنه، ولم أشعر بذلك؛ فإني كنت في بادية الطريق. فانصرفت عنه إلى منزلي، فنمت في الطريق، فلقيني شخص لا أعرفه، فسلَّم عليَّ ابتداءً سلامَ مُحِبٍّ مشفق، وقال لي: "يا محمد، صدِّق الشيخَ أبا العباس فيما ذكره لك عن فلان"، وسَمَّى لنا الشخص الذي ذكره أبو العباس العريبي، فقلت: "نعم"، وعلمت ما أراد، ورجعت من حيني إلى الشيخ لأُعَرِّفه بما جرى، فعندما دخلت عليه، قال لي: "يا أبا عبد اللَّه، أحتاج معك إذا ذكرت لك مسألة يقف خاطرك عن قبولها إلى الْخَضِرِ يتعرض إليك، يقول لك: صَدِّق فلانًا فيما ذكره لك؟! ومن أين يتفق لك هذا في كل مسألة تسمعها مني، فتتوقف؟ "،- فقلت: "إن باب التوبة مفتوح"، فقال: "وقبول التوبة

стр. 229

واقع"، فعلمت أن ذلك الرجل كان الْخَضِرَ، ولا شَك أني استفهمت الشيخ عنه: أهو هو؟ قال: نعم، هو الْخَضِرُ" (١) - وزعم ابن عربي أيضًا: "أنه اجتمع بالخضر، وأنه -أي الخضر- ألبسه خرقة الصوفية، وأن ذلك تم تجاه الحجر الأسود في مكة، وأنه أخذ عليه العهد بالتسليم لمقامات الشيوخ "أهل التصريف" وأنه كان مترددًا في لبس الخرقة من الخضر حتى أعلمه الخضر أنه لبسها من يد رسول اللَّه ﷺ بالمدينة المشرفة منبع الفيض الأتم" (٢). - وذكر الشعراني في "معارج الألباب" عن بعض شيوخه، ذكر له أن الْخَضِرَ ﵇ كان يحضر مجلس فقه أبي حنيفة في كل يوم بعد صلاة الصبح يتعلم منه الشريعة، فلمَّا مات -أي أبو حنيفة- سأل الْخَضِرُ ربه أن يرد روح أبي حنيفة إلى قبره؛ حيث يتم له علم الشريعة، وأن الْخَضِرَ كان يأتي إليه كل يوم على عادته يسمع منه الشريعة داخل القبر، وأقام على ذلك خمس عشرة سنة؛ حتى أكمل علم الشريعة (٣). - وحلف الإمام عبد اللَّه بن أسعد اليافعي الشافعي اليماني على حياة الخضر، والتقائه بالناس، وقال: "وواللَّهِ لقد أخبرني غير واحد من الأولياء

стр. 230

أنهم اجتمعوا به، بل واللَّهِ لقد أخبروني أنه اجتمع بي، وسألني عن شيء فأجبته، ولم أعرفه، لأنه لا يعرفه إلا صاحبُ نور" (١). وقال الحافظ ابن حجر -رحمه اللَّه تعالى -: قلت: وذكر لي الحافظ أبو الفضل العراقي بن الحسين شيخنا أن الشيخ عبد اللَّه بن أسعد اليافعي كان يعتقد أن الخضر حيٌّ، قال: فذكرتُ له ما نُقل عن البخاري والحربي وغيرهما من إنكار ذلك، فغضب، وقال: "من قال: إنه مات غضبت عليه"، قال: "فقلنا: رجعنا عن اعتقاد موته" (٢). اهـ. * * *

стр. 231

إِبطَالُ دَعوَى الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الخَضِرَ حَيٌّ * قال العلَّامةُ القرآني محمد الأمين الشنقيطي ﵀ تَعَالَى -: "اعلم أن العلماء اختلفوا في الْخَضِرِ: هل هو حي إلى الآن، أو هو غير حي، بل ممن مات فيما مضى من الزمان؟ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حي، وأنه شَرِبَ من عين تُسَمَّى عين الحياة، وممن نصر القول بحياته القرطبي في "تفسيره"، والنووي في "شرح مسلم" وغيره، وابن الصلاح، والنقَّاش، وغيرهم (١)، قال ابن عطية: وأطنب النَّقَّاش في هذا المعنى، يعني حياة الخَضِرِ وبقائه إلى يوم القيامة، وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب وغيره، وكلها لا تقوم على ساق. انتهى بواسطة نقل القرطبي في "تفسيره" (٢). وحكايات الصالحين عن الْخَضِرِ أكثر من أن تُحصر، ودعواهم أنه يحج هو وإلياس كل سنة، ويروون عنهما بعض الأدعية؛ كل ذلك معروف، ومستند القائلين بذلك ضعيف جدًّا؛ لأن غالبه حكاياتٌ عن بعض من يُظَنُّ به الصلاح، ومناماتٌ، وأحاديثُ مرفوعةٌ عن أنس وغيره، وكلها ضعيف لا تقوم به حجة. ومن أقواها عند القائلين به -آثار التعزية حين تُوفيِّ النبي ﷺ ، وقد ذكر ابن عبد البر في "تمهيده" عن علي ﵁ قال:

стр. 232

لما تُوُفيِّ النبي ﷺ ، وَسُجِّيَ بثوبٍ، هَتَفَ هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته، ولا يرون شخصه: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، السلام عليكم أهلَ البيت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، إنَّ في اللَّه خَلَفًا من كل هالك، وعِوَضًا من كل تالف، وعزاءً من كل مصيبة، فباللَّه فثقوا، وإياه فارجوا؛ فإن الْمُصَابَ من حُرِمَ الثواب"، فكانوا يُرَوْنَ أنه الْخَضِرُ ﵇ يعني أصحاب النبي ﷺ . انتهى بواسطة نقل القرطبي في "تفسيره" (١). قال مُقَيِّدُهُ -عفا اللَّه عنه-: والاستدلال على حياة الْخَضِرِ بآثار التعزية -كهذا الأثر الذي ذكرنا آنفًا- مَرْدُودٌ من وجهين: الأوَّل: أنه لم يثبت ذلك بسند صحيح، قال ابن كثير في "تفسيره": وحكى النووي، وغيره في بقاء الْخَضِرِ إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكاياتٍ عن السلف وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها حديث التعزية، وإسناده ضعيف. اهـ منه. الثَّانِي: أنه على فرض أن حديث التعزية صحيح، لا يلزم من ذلك عقلًا، ولا شرعًا، ولا عرفًا، أن يكون ذلك المُعزِّي هو الْخَضِرُ؛ بل يجوز أن يكون غيرَ الْخَضِرِ من مؤمني الجن؛ لأن الجن هم الذين قال اللَّه فيهم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، ودعوى أن ذلك المعزي هو الْخَضِرُ تحكُّمٌ بلا دليل، وقولهم: "كانوا يُرَوْنَ أنه الْخَضِرُ"، ليس حجةً يجب الرجوع إليها؛ لاحتمال أن يُخْطِئُوا في ظنهم، ولا يدل ذلك على إجماع شرعي معصوم، ولا متمسك لهم في دعواهم أنه الْخَضِرُ كما ترى (٢).

стр. 233

قال مُقَيِّدُهُ -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أن الْخَضِرَ ليس بحي، بل تُوُفِّيَ، وذلك لعدة أدلة: الأوَّل: ظاهر عُمُومِ قَوْلِه -تعَالَى-: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]؛ فقوله "لبشر" نكرة في سياق النفي، فهي تَعُمُّ كل بشر، فيلزم من ذلك نفيُ الخلد عن كل بشبر من قبله، والْخَضِرُ بَشَرٌ من قبله؛ فلو كان شَرِبَ من عين الحياة، وصار حَيًّا خالدًا إلى يوم القيامة، لكان اللَّه قد جعل لذلك البشر الذي هو الْخَضِرُ من قبله الخلد (١). الثَّانِي: قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الأرْضِ"، فقد روي مسلم في "صحيحه" بسنده إلى ابن عباس ﵄ قال: حَدَّثَنِي عمر بن الخطَّاب ﵁، قال: لما كان يوم بدر نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين، وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل النبي ﷺ القبلة، ثم مَدَّ يَدَيْهِ، فجعل يهتف بِرَبّهِ: "اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَني، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هِذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أهْلِ الإسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ"، فمازال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبلَ القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكرٍ، فأخذ رداءَهُ، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي اللَّه، كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل اللَّه : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، فأمده اللَّه بالملائكة ... الحديث، ومَحَلُّ الشاهد منه قوله ﷺ : "لا تُعبد في الأرض" فِعْلٌ في سياق النفي، فهو بمعنى: لا تقع عبادة لك في الأرض"؛ لأن الفعل ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن

стр. 234

مصدر، ونسبة، وزمن، عند كثير من البلاغيين، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيتسلط عليه النفي، فيؤول إلى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم؛ وإلى كون الفعل- في سياق النفي، والشرط، من صيغ العموم، أشار في "مراقي السعود" بقوله عاطفًا على ما يفيد العموم: وَنَحْوُ لَا شَرِبْتُ أَوْ إنْ شَرِبَا ... وَاتَّفَقُوا إنْ مَصْدَرٌ قَدْ جُلِبَا فإذا علمت أن معنى قوله ﷺ : "إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ لَا تُعْبَد فِي الأرْضِ"؛ أي لا تقع عبادة لك في الأرض؛ فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الْخَضِرِ حيًّا في الأرض؛ لأنه على تقدير وجوده حيًّا في الأرض، فإن اللَّه يُعْبَدُ في الأرض، ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام؛ لأن الْخَضِرَ ما دام حيًّا، فهو يُعْبَدُ في الأرض. الثَّالِثُ: إخباره ﷺ بأنه على رأس مِئة سنة من الليلة التي تكلَّمَ فيها بالحديث لم يَبْقَ على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة، فلو كان الْخَضِرُ حيًّا في الأرض لما تَأَخَّرَ بعد المائة المذكورة، روي مسلم بسنده إلى عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: صَلَّى بنا رسول اللَّه ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته؛ فلما سَلَّمَ قام، فقال: "أرأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَ عَلَى رأسِ مِئَةِ سَنَة مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِهَا أحَد"، قال ابن عمر: فَوَهَلَ (١) الناس في مقالة رسول اللَّه ﷺ تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن ماِئَةِ سنة، وإنما قال رسول اللَّه -صلى الئَه عليه وسلم-: "لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ"، يريد بذلك أن يَنْخَرِم ذلك القرن (٢).

стр. 235

وروي مسلم في "صحيحه" بسنده إلى ابن جُرَيْج، قال: أخبرني أبو الزُّبَيْر أنه سمع جابر بن عبد اللَّه ﵄ يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول -قبل أن يموت بشهر-: "تسألوني عن الساعة؟ وإنما علمها عند اللَّه، وأقسم باللَّه ما على الأرض من نفس منفوسة اليومَ يأتي عليها مِئَةُ سَنَةٍ وهي حَيَّةٌ يومئذ". وروي بسنده عن أبي سعيد ﵁، قال: لما رَجَعَ النبي ﷺ من تَبُوك سألوه عن الساعة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَأتِي مِئَةٌ، وَعَلَى الأرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ". ثم روي بسنده عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال النبي ﷺ : "مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَبْلُغُ مِائَةَ سَنَةٍ"، فقال سالم: تذاكرنا ذلك عنده، إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ. فهذا الحديث الصحيح الذي رواه عن النبي ﷺ ابن عمر، وجابر، وأبو سعيد، فيه تصريح النبي ﷺ بأنه لا تبقى نفس منفوسة حية على وجه الأرض بعد مائة سنة، فقوله: "نفس منفوسة" ونحوها من الألفاظ في روايات الحديث نَكِرَةٌ في سياق النفي، فهي تَعُمُّ كل نفس مخلوقة على الأرض، ولا شك أن ذلك العموم بمقتضى اللفظ يشمل الخَضِرَ؛ لأنه نفس منفوسة على الأرض. وروى البخاري في "صحيحه" بسنده أن عبد اللَّه بن عُمَرَ، قال: صلى النبي ﷺ صلاة العشاء في آخر حياته، فَلَمَّا سلَّمَ قام

стр. 236

النبي ﷺ فقال: "أرَأيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هِذِه؛ فإنَّ رأسَ مِئَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ"، فَوَهَلَ الناس في مقالة رسول اللَّه ﷺ إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مئة سنة، وإنَّمَا قال النبي ﷺ : "لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ"، يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن. الرَّابعُ: أن الْخَضِرَ لو كان حيًّا إلى زمن النبي ﷺ لكان من أتباعه، ولنَصَرَهُ، وقاتل معه؛ لأنه مَبْعُوثٌ إلى جميع الثَّقَلَيْنِ الإنس والجن. والآياتُ الدَّالَّةُ على عموم رسالته كثيرة جدًّا؛ كقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، وقوله -تَعَالَى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وُيوَضِّحُ هذا أنه -تَعَالَى- بَيَّنَ في سورة "آل عمران": أنه أخذ على جميع النبيين الميثاقَ الْمُؤكَّدَ أنهم إن جاءهم نبينا ﷺ مُصَدِّقًا لما معهم أن يؤمنوا به وينصروه، وذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١ - ٨٢]. وهذه الآية الكريمة -على القول بأن المراد بالرسول فيها نبينا ﷺ ، كما قاله ابن العَبَّاس وغيره- فالأمر واضح، وعلى أنها عامَّة؛ فهو ﷺ يدخل في عمومها دخولًا أوليًّا؛ فلو كان الْخَضِرُ حيًّا في زمنه لجاءه ونصره، وقاتل تحت رايته؛ ومِمَّا يوضح أنه لا يدركه نبي إلا اتبعه؛ ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة، والْبَزَّارُ من حديث جابر ﵁: أن عمر ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه، فغضب، وقال: "لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا

стр. 237

بَيْضَاءَ نَقِيةً، لَا تَسْألُوهُمْ عَنْ شَئءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أن مُوسَى كَانَ حَيًّا ما وَسِعَهُ إلَّا أنْ يَتَّبِعَني". اهـ. قال ابن حجر في "الفتح": "ورجاله موثوقون، إلا أن في مجالدٍ ضعفًا". وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في "تاريخه" بعد أن ساق آية "آل عمران" المذكورة آنفًا، مُسْتَدِلًّا بها على أن الْخَضِرَ لو كان حَيًّا لجاء النبيَّ ﷺ -ونصره- ما نَصُّهُ: [قال ابن عَبَّاس ﵄: "ما بَعَثَ اللَّه نَبِيًّا إلا أخذ عليه الميثاق؛ لئن بُعِثَ محمد ﷺ وهو حي؛ ليؤمِنَنَّ به، وليَنْصُرَنَّهُ، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بُعِثَ مُحَمَّدٌ وهم أحياء لَيُؤْمِنُنَّ به، وليَنْصُرُنَّهُ"- ذكره البخاري عنه. فالخضر إن كان نَبِيًّا أَوْ وَليًّا؛ فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حَيًّا في زمن رسول اللَّه ﷺ لكان أشرفَ أحواله أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل اللَّه عليه، وينصره إن وصل أحدٌ من الأعداء إليه؛ لأنه إن كان وليًّا، فالصِّدِّيقُ أفضلُ منه، وإن كان نبيًّا؛ فموسى أفضل منه. وقال الإمام أحْمَدُ في "مسنده": حَدَّثنَا سُرَيْجُ بن النعمان، حدَّثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَة إلَّا أنْ يَتَّبِعَنِي"، وهذا الذي يُقْطَعُ به، ويُعْلَمُ من الدين علمَ الضرورة. وقد دَلَّتْ عليه هذه الآية الكريمة؛ أن الأنبياء كلهم لو فُرِض أنهم أحياء في زمن رسول اللَّه ﷺ ، لكانوا كُلُّهُمْ أتباعًا له، وتحتَ أوامره، وفي عموم شرعه، كما أنه -صلواتُ اللَّه وسلامُه عليه- لما اجتمع بهم ليلةَ الإسراء، رُفِعَ فوقهم كُلِّهِمْ، ولَمَّا هبطوا معه إلى بيت المقدس، وحانتِ الصلاةُ أمَرَهُ جبريلُ عن أمر اللَّه أن يَؤُمَّهُمْ؛ فَصَلَّى بهم في مَحَلِّ وِلايتهم، ودار إقامتهم، فَدَلَّ على أنه الإمَامُ الأعْظَمُ، والرسولُ الخاتَم الْمُبَجَّلُ الْمُقَدَّمُ -

стр. 238

صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين-. فإذا عُلِمَ هذا -وهو معلوم عند كل مؤمن- عُلِمَ أنه لو كان الْخَضِرُ حيًّا؛ لكان من جملة أُمَّةِ محمد ﷺ ، وممن يَقْتَدِي بشرعه، لا يسعه إلا ذلك، هذا عيسى ابن مريم ﵇ إذا نزل في آخر الزمان، يحكم بهذه الشريعة المُطهَّرَةِ، لا يخرجُ منها، ولا يَحِيدُ عنها، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين، وخاتَم أنبياء بني إسرائيل، ومعلومٌ أن الْخَضِرَ لم يُنقل -بسند صحيحٍ، ولا حسنٍ تسكنُ النفسُ إليه- أنه اجتمع برسول اللَّه ﷺ في يومٍ واحد، ولم يَشْهَدْ معه قتالًا، في مشهدٍ من المشاهد، وهذا يومُ بدر، يقول الصادق المصدوق فيما دعا به لربه واستنصره، واستفتحه على من كفره: "اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ لَا تُعْبَدْ بَعْدَها فيِ الأرْضِ" (١)، وتلك العصابةُ كان تحتها سادةُ المسلمين يومئذٍ، وسادةُ الملائكة، حتى جبريلُ ﵇ كما قال حسَّانُ بن ثابت ﵁ في قصيدة له، في بيت يُقَال: إنَّه أفخرُ بيتٍ قالته العرب: وَبِبئْرِ بِدْرٍ إذْ يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ ... جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمَّدُ فلو كان الْخَضِرُ حيًّا لكان وقوفُه تحت هذه الراية أشرفَ مقاماته، وأعظمَ غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الْحُسَين بن الفرَّاء الحنبلي: سُئِل بعض أصحابنا عن الْخَضِر هل مات؟ فقال: نعم، قال: وبلغني مثلُ هذا عن أبي طاهرٍ ابن الغُبارِي، قال: وكان يَحْتَجُّ بأنه لو كان حيًّا، لجاء إلى رسول اللَّه ﷺ نقله ابن الجوزي في "العُجالة"، فإن قيل: فهلَّا يُقال: إنه كان حاضرًا في هذه المواطن كلِّها، ولكن لم يكن أحدٌ يراه (٢)؟

стр. 239

فالجواب: أن الأصلَ عدمُ هذا الاحتمالِ البعيد، الذي يَلْزَمُ منه تخصيصُ العموماتِ بمجردِ التوهماتِ، ثم ما الحاملُ له على هذا الاختفاء؟ وظهورُه أعظمُ لأجره، وأعلى في مرتبته، وأظهرُ لمعجزته، ثم لو كان بَاقِيًا بعدَه، لكان تبليغُه عن رسول اللَّه ﷺ الأحاديثَ النبوية، والآياتِ القرآنيةَ، وإنكارُه لما وقع من الأحاديثِ المكذوبة، والرواياتِ المقلوبة، والآراءِ البدعية، والأهواءِ العصبية، وقتالُه مع المسلمين في غزواتهم، وشهودُه جُمَعَهِم وجماعاتِهم، ونفعُه إياهم، ودفعه الضررَ عنهم مِمَّن سواهم، وتسديدُه العلماءَ والحُكَّامَ، وتقريره الأدلةَ والأحكام- أفضلَ مما يُقَالُ من كُنونه (١) في الأمصار، وَجَوْبِهِ الفَيافِيَ والأقطار، واجتماعِه بعُبَّادِ لا يُعْرَفُ أحوالُ كثيرٍ منهم، وجعله لهم كالنقيب المُتَرْجِمِ عنهم. وهذا الذي ذَكَرْناه لا يتوقف أحد فيه بعد التفهم، واللَّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم]. انتهى من "البداية والنهاية" (٢)، لابن كثير ﵀ تَعَالَى. فتحصَّلَ أن الأحاديث المرفوعة التي تدل على وجود الْخَضِرِ حيًّا باقيًا لم يثبت منها شيء، وأنه قد دلت الأدلة المذكورة على وفاته، كما قدمنا إيضاحه" (٣). اهـ. وقال القاضي أبو يعلى ﵀: "وما أبْعَدَ فَهْمَ من يُثْبِتُ وجود الْخَضِرِ ﵇ وينسى ما في طيِّ إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة ... ". ثم قال بعد أن ذكر وُجُوهًا من الأدلة العقلية على عدم حياة الْخَضِرِ:

стр. 240

"الْخَامِسُ: أن القول بحياة الْخَضَرِ قول على اللَّه -تَعَالَى- بغير علم، وهو حرام بنص القرآن. أمَّا المْقُدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: فظاهرة، والأولى؛ فلأن حياته لو كانت ثابتة لدلَّ عليها القرآن أو السنة، أوإجماع الأمة؛ فهذا كتاب اللَّه، فأين فيه حياة الْخَضِرِ؟ وهذه سنة رسول اللَّه ﷺ ، فأين فيها ما يَدُلُّ على ذلك بوجه؟ وهؤلاء علماء الأمة، فمتى أجمعوا على حياته؟ السَّادِسُ: أن غاية ما يُتَمَسَّكُ به في حياته حكايات منقولة، يخبر الرجل بها أنه رأى الْخَضِرَ فَيَا لَلْعجب! هل لِلْخَضِرِ علامَة يعرفه بها من رآه؟ وكثير من زاعمي رؤيته يَغْتَرُّ بقوله: أنا الْخَضِرُ، ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من اللَّه -تَعَالَى- فمِنْ أين للرائي أن المُخْبِرَ له صادق لا يكذب؟ السَّابعُ: أن الْخَضِرَ فَارَقَ موسى بن عمران كليم الرحمن، ولم يصاحبه، وقال: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، فكيف يرضي لنفسه بمفارقة مثل موسى ﵇، ثم يجتمع بِجَهَلَةِ العُبَّادِ الخارجين عن الشريعة، الذين لا يحضرون جُمُعَةً، ولا جماعة، ولا مجلسَ علم؟ وكلٌّ منهم يقول: قال لي الْخَضِرُ، جاءني الْخَضِرُ، أوصاني الْخَضِرُ، فيا عَجَبًا له يُفَارِقُ الكليمَ، ويدور على صُحْبَةِ جاهل، لا يصحبه إلا شيطان رجيم، سبحانك هذا بهتان عظيم! الثَّامِنُ: أن الأمَّة مُجْمِعَةٌ على أن الذي يقول: "أنا الْخَضِرُ" لو قال: سمعت رسول اللَّه يقول كذا وكذا، لم يُلْتَفَتْ إلى قوله، ولم يُحْتَجَّ به في الدين، ولا مخلص للقائل بحياته عن ذلك إلا أن يقول: إنه لم يَأتِ إلى الرسول ﵊، ولا بايعه، أو يقول: إنه لم يُرْسَلْ إليه، وفي هذا من الكفر ما فيه. التَّاسع: أنَّهُ لو كان حيًّا لكان جهاده الكفَّارَ، ورباطه في سبيل اللَّه -تعالى-، ومقامه في الصف ساعة، وحضوره الْجُمُعَةَ والجماعة، وإرشاد جَهَلَةِ الأمة،

стр. 241

أفضل بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات، إلى غير ذلك" (١). وقال ابن الجوزي في "عجالة المنتظر في شرح حال الخضر ": "إن من قال: (إنه موجود قائمًا)، قال ذلك لهواجس ووسواس" (٢). اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تَعَالَى -: "والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو كان موجودًا في زمن النبي ﷺ ، لوجب عليه أن يُؤْمِنَ به، ويُجَاهِدَ معه؛ كما أوجب اللَّه ذلك عليه، وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم، وإعانتهم على الدين- أولى به من حضوره عند قوم كُفَّارٍ؛ ليُرَقِّعَ لهم سفينتهم، ولم يكن مختفيًا عن خير أمة أُخْرِجَتْ للناس، وهو قد كان بين يدي المشركين، ولم يحتجب عنهم، ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا في دينهم، ولا في دنياهم؛ فإن دينهم أخذوه عن الرسول النبي الأمي ﷺ الذي عَلَّمَهُمْ الكتاب والحكمة ... وإذا كان الْخَضِرُ حيًّا دائمًا، فكيف لم يذكر النبيُّ ذلك قط؟ ولا أخبر به أمته؟ ولا خلفاؤه الراشدون؟ وقول القائل: "إنه نقيب الأولياء"، فيقالُ له: مَن وَلَّاهُ النِّقابة؟ وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﷺ ، وليس فيهم الْخَضِرُ، وعامَّةُ ما يُحْكَى في هذا الباب من الحكايات بعضها كَذِبٌ، وبعضها مبني على ظن رجل؛ مثل شخص رأى رجلًا ظن أنه الْخَضِرُ (٣)، وقال: إنه الْخَضِرُ، كما أن الرافضة تَرَى شَخْصًا تَظُنُّ أنه الإمام

стр. 242

الْمُنْتَظَر الْمَعْصُومُ، أو تدعي ذلك، ورُوِيَ عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال -وقد ذُكِرَ له الْخَضِرُ-: "من أحالك على غائبٍ فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان" (١). وقال الإمام أبو الحسن بن المنادي ﵀ (٢) -: "بحثت عن تعمير الخَضِرِ، وهل هو بَاقٍ، أم لا؛ فإذا أكثرُ الْمُغفَّلِينَ مفترون بأنه بَاقٍ من أجل ما رُوِىَ في ذلك، قال: "والأحاديث المرفوعة في ذلك واهية، والسند إلى أهل الكتاب ساقط؛ لعدم ثقتهم، وخبر مسلمة بن مصقلة كالخرافة، وخبر رياح كالريح، قال: وما عدا ذلك كله من الأخبار كلها واهية الصدور والأعجاز، لا يخلو حالها من أحد أمرين: إما أن تكون أُدْخِلَتْ على الثقات استغفالًا، أو يكون بعضهم تَعَمَّدَ. وقد قال اللَّه -تَعَالَى-: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] " اهـ. وممن قال بموت الخَضِرِ إبراهيم الحربي؛ حيث قال حين سُئِلَ عن بقاء الخَضِرِ إلى الآن: "من أحال على غائب لم ينتصف منه، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان" (٣). وقال الإمام أبو الخَطَّابِ بن دحية ﵀ -: "وجميع ما ورد في حياته لا يصح منها شيء باتفاق أهل النقل، وإنما يذكر

стр. 243

ذلك من يروي الخبر، ولا يذكر علته؛ إما لكونه لا يعرفها، وإما لوضوحها عند أهل الحديث". ثم قال: "وأما ما جاء عن المشايخ فهو مما يُتعجب منه؛ كيف يجوز لعاقل أن يَلْقَى شخصًا لا يعرفه، فيقول له: أنا فلان، فيصدقه؟ ". ثم قال: "وأما حديث التعزية الذي ذكره أبو عُمَرَ، فهو موضوع رواه عبد الله بن مُحَرَّرِ عن يزيد بن الأصم، عن علي ﵁، وابن مُحَرَّرٍ متروك، وهو الذي قال ابن المبارك في حقه كما أخرجه مسلم في "مقدمة صحيحه": (لما رأيته كانت بَعْرَةٌ أحبَّ إليَّ منه)، ففضل رؤية النجاسة على رؤيته" (١). قال الحافظ: "وكان الإمام أبو الفتح الْقُشَيْرِىُّ يذكر عن شيخ له أنه رأى الخَضِرَ وحَدَّثَهُ، فَقِيلَ له: "من أعلمه أنه الخَضِرُ؟ أم كيف عرف ذلك؟ فسكت" (٢). وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه اللَّه تعالى -: "والأحاديث التي يُذكَر فيها الخضر وحياتُه كلُّها كذبٌ، ولا يصح في حياته حديث واحد". اهـ (٣). وساق الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ الحكايات والروايات التي اسْتَدَلَّ بها القائلون بحياة الخَضِرِ، ثم قال: "وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم، وكلٌّ من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدًّا، لا يقوم بمثلها حجة في الدين، والحكاياتُ لا يخلو أكثرها عن ضعفٍ في الإسناد، وقُصَارَاهَا أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم؛ من صحابي، أو غيره؛

стр. 244

لأنه يجوز عليه الخطأ، واللَّه أعلم" .. إلى أن قال: "وقد تصدى الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي ﵀ (١) - في كتابه "عُجَالَةُ المنتظر في شرح حالِ الخَضِرِ"، للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات، فَبَيَّنَ أنها موضوعات، ومن الآثار عن الصحابة، والتابعين ومَن بعدهم، فَبَيَّنَ ضَعْفَ أسانيدها ببيان أحوالها، وجَهَالَةِ رجالِها، وقد أجاد في ذلك، وأحسن الانتقاد" (٢). وقال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "والذي تَمِيلُ إليه النفس من حيث الأدلة القوية خلاف ما يعتقده العوامُّ من استمرار حياته، لكن ربما عرضت شبهة من جهة كثرة الناقلين للأخبار الدالة على استمراره؛ فَيُقَالُ: هب أن أسانيدها واهية؛ إذ كل طريق منها لا يسلم من سبب يقتضي تضعيفها، فماذا يُصْنَعُ في المجموع؛ فإنه على هذه الصورة قد يلتحق بالتواتر المعنوي الذي مَثَّلُوا له بجود حاتم (٣)، فمن هنا مع احتمال التأويل في أدلة القائلين بعدم بقائه؛ كآية ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وكحديث: "رَأْس مِئَةِ سَنَة" وغير ذلك مما تقدم بيانه. وأقوى الأدلة على عدم بقائه عدم مجيئه إلى رسول الله -صلى اللَّه عليه

стр. 245

وسلم-، وانفراده بالتعمير من بين أهل الأعصار المتقدمة بغير دليل شرعي، والذي لا يُتوقَّفُ فيه: الجزمُ بنبوته" (١). ورَجَّحَ المفسِّر الشهير الألوسي ﵀ القول بحياة الخضر ﵇، والعجيب أنه -مع ذلك- قال: "ثم اعلم بعد كل حساب أن الأخبار الصحيحة النبوية والمقدمات الراجحة العقلية تساعد القائلين بوفاته ﵇ أيَّ مساعدة، وتعاضدهم على دعواهم أي معاضدة، ولا مقتضى للعدول عن ظواهر تلك الأخبار إلا مراعاة ظواهر الحكايات المروية -واللَّه- تَعَالَى -أعلمُ بصحتها- عن بعض الصالحين الأخيار، وحسن الظن ببعض السادة الصوفية، فإنهم قالوا بوجوده إلى آخر الزمان على وجه لا يقبل التأويل السابق" (٢). وقال الألوسي -رحمه اللَّه تعالى- في موضع آخر: "إن غاية ما يُتمسك به في حياته، حكايات منقولة، يخبر الرجل بها أنه رأى الخضر ... ، وكثير من زاعمي رؤيته يغتر بقوله: (أنا الخضر)!!، ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من اللَّه تعالى، فمن أين للرائي أن المخبِر له صادق لا يكذب؟! " (٣). اهـ. وقال العلامَةُ الشيخ بكر أبو زيد -حفظه اللَّه -: "إذا اتَّضَحَ ذلك فاعلم أن القول بوَلاية الخَضِرِ، والقول بأنه ما زال حيًّا، قد جَرَّ هذان القولان من البلايا والمحن، والدعاوى الكاذبة، والتلبيس على العامَّة، بل وعلى الخاصَّة، ما لا يُصَدِّقُهُ عقل، ولا يقبله دين: مِن دعوى فضل الوَلاية والأولياء على النبوة والأنبياء (٤)، وان فلانًا لقي الخَضِرَ ﵇ واستلهمه كذا وكذا،

стр. 246

والقول بوَلايته وحياته أبد الدهر هما مُعْتَمَدُ الصوفية في جعل الشريعة لها ظاهر وباطن، وأن علماء الباطن يُنْكِرُونَ على علماء الظاهر ولا عكس، وبه قالوا بحجية الإلهام، وأن الولي أفضل وأعلم من النبي، والدعوى الواسعة للقاء الخَضِرِ، والأخذ عنه، فمنهم من لقي الخَضِرَ يصلي على المذهب الحنفي، وآخرون رأوه يصلي على المذهب الشافعي" (١). اهـ. وَالسُّؤَالُ الآنَ: إذا صَدَقَ الذين زعموا لقيا الخَضِرِ، والخَضِرُ ميت على الراجح، فما الجواب عن حكاياتهم ؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى -: "وعامة ما يُحكى في هذا الباب من الحكايات، بعضها كذب، وبعضها مبنيٌّ على ظَنِّ رجلٍ، مثل شخص رأى رجلًا ظن أنه الخضر، وقال: إنه الخضر! كما أن الرافضة ترى شخصًا تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم، أو تدعي ذلك" (٢). اهـ. وقال أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -: "إن الذين رأوا من قال: (إني أنا الخضر) هم كثيرون صادقون، والحكايات متواترات (٣)؛ لكن أخطئوا في ظنهم أنه الخضر، وإنما كان جنيًّا" (٤).

стр. 247

وقال أيضًا ﵀: "كُلُّ من ادعى أنه رأى الخَضِرَ، أو رأى من رأى الخَضِرَ، أو سمع شَخْصًا رأى الخَضِرَ، أو ظن الرائي أنه الخَضِرُ: فكل ذلك لا يجوز إلا على الجهلة الْمُخَرِّفِينَ الذين لا حظَّ لهم من علم، ولا عقل، ولا دين، بل هم من الذين لا يفقهون، ولا يعقلون" (١). وقال ﵀: "ومنهم من لا يَظُنُّ أولئك الأشخاص إلا آدميين أو ملائكة؛ فإن كانوا غير معروفين، قال: هؤلاء رجال الغيب، وإن تَسَمَّوْا فقالوا: هذا هو الخَضِرُ، وهذا هو إلياس، وهذا هو أبو بكر وعمر، وهذا هو الشيخ عبد القادر، أو الشيخ عَدِىٌّ، أو الشيخ أحمد الرفاعي، أو غير ذلك، ظن أن الأمر كذلك. فهنا لم يغلط، لكن غلط عقله؛ حيث لم يعرف أن هذه شياطين تمثلت على صور هؤلاء، وكثير من هؤلاء يظن أن النبي ﷺ نفسه، أو غيره من الأنبياء أو الصالحين يأتيه في اليقظة ... والذي له عقل وعلم يعلم أن هذا ليس هو النبي ﷺ ؛ تارة لِمَا يَرَاهُ منهم من مخالفة الشرع؛ مثل أن يأمروه بما يخالف أمر اللَّه ورسوله، وتارة يعلم أن النبي ﷺ ما كان يأتي أحدًا من أصحابه بعد موته في اليقظة، ولا كان يخاطبهم من قبره، فكيف يكون هذا لي؟ " (٢). وقال -أيضًا ﵀: "فمن هؤلاء من يسمع خطابًا، أو يرى من يأمره بقضية، ويكون ذلك الخطاب من الشيطان، ويكون ذلك الذي يخاطبه الشيطان، وهو يحسب أنه من أولياء اللَّه، من رجال الغيب، ورجال الغيب هم الجن، وهو يحسب أنه إنسي، وقد يقول له: أنا الخَضِرُ، أو إلياس، بل أنا محمد، أو إبراهيم الخليل، أو المسيح، أو أبو بكر، أو عمر، أو أنا الشيخ

стр. 248

فلان ... ويكون ذلك شيطانًا لَبَّس عليه، فهؤلاء يتبعون ظَنًّا لا يُغْنِي من الحق شيئًا، ولو لم يتقدموا بين يدي اللَّه ورسوله، بل اعتصموا بالكتاب والسنة، لتبين لهم أن هذا من الشيطان، وكثير من هؤلاء يتبع ذوقه ووَجْدَه، وما يجده محبوبًا إليه، بغير علم، ولا هدًى، ولا بصيرة، فيكون مُتَّبِعًا لهواه بلا ظن، وخيارهم من يتبع الظن وما تهوى الأنفس" (١). اهـ. * * *

стр. 249

فَصلٌ في إبطَالِ احتِجَاجِ الصُّوفِيَّةِ بِقِصَّةِ مُوسَى وَالخَضِرِ عَلَى أنَّ الوَليَّ يَخرُجُ عَن شَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- -: "وأما احتجاجهم بقصة موسى والخَضِرِ فيحتجون بها على وجهين: أحَدهُمَا: أن يقولوا: إن الخَضِرَ كان مُشَاهِدًا الإرادة الربانية الشاملة، والمشيئة الإلهية العامَّة، وهي الحقيقة الكونية، فلذلك سَقَطَ عنه الملام فيما خالف فيه الأمر والنهي الشرعي، وهو من عظيم الجهل والضلال، بل من أعظم النِّفَاقِ والكفر، فإن مضمون هذا الكلام أن من آمن بالقدر، وشَهِدَ أن الله رب كل شيء، لم يكن عليه أمر ولا نهي، وهذا كُفْرٌ بجميع كتب اللَّه، ورُسْلِهِ، وما جاءوا به منِ الأمر والنهي ... وهؤلاء هم القدرية الشِّرْكِيَّةُ، الذين يحتجون بالقدر على دفع الأمر والنهي، هم من شر القدرية الذين هُمْ مَجُوسُ هذه الأمة، الذين رُوِيَ فيهم: "إن مرضوا: فلا تعودوهم، وإن ماتوا: فلا تشهدوهم" (١)؛ لأن هؤلاء يقرون بالأمر والنهي، والثواب والعقاب، لكن أنكروا عموم الإرادة والقدرة والخلق، وربما أنكروا سابق العلم. وأما القدرية الشِّرْكِيَّةُ فإنهم يُنْكِرُونَ الأمر والنهي، والثواب والعقاب، لكن -وإن لم ينكروا عموم الإرادة والقدرة، والخلق- فإنهم ينكرون الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ويَكفُرونَ بجميع الرسل والكتب؛ فإن الله إنما أرسل الرسل مُبَشِّرِينَ مَنْ أطاعهم بالثواب، ومنذرين من عصاهم بالعقاب.

стр. 250

وأيضًا فإن موسى ﵇ كان مؤمنًا بالقدر، عالمًا به، بل أتباعه من بني إسرائيل كانوا -أيضًا- مؤمنين بالقدر؛ فهل يَظُنُّ من له أدنى عقل أن موسى طلب أن يتعلم من الخَضِرِ الإيمان بالقدر، وأن ذلك يدفع المَلَامَ، مع أن موسى أعلم بالقدر من الخَضِرِ؟ بل عموم أصحاب موسى يعلمون ذلك. وأيضًا، فلو كان هذا هو السر في قصة الخَضِرِ لَبُيِّنَ ذلك لموسى، وقال: "إني كنت شاهدًا للإرادة والقدر"، وليس الأمر كذلك، بل بَيَّنَ له أسبابًا شرعية تُبِيحُ له ما فعل. وَأَمّا الوَجْهُ الثَّانِي: فإن مِن هؤلاء مَن يظن أن من الأولياء من يسوغ له الخروج عن الشريعة النبوية، كما سَاغَ لِلْخَضِرِ الخروج عن متابعة موسى، وأنه قد يكون للولي في المكاشفة والمخاطبة ما يستغني به عن متابعة الرسول في عموم أحواله أو بعضها، وكثيرٌ منهم يُفَضِّلُ الولي -في زعمه: إما مُطْلقًا، وإما من بعض الوجوه- على النبي، زاعمين أن في قصة الخَضِرِ حُجَّةً لهم، وكل هذه مقالات من أعظم الجهالات والضلالات، بل من أعظم أنواع النفاق، والإلحاد، والكفر؛ فإنه قد عُلِم بالاضطرار من دين الإسلام أن رسالة محمد بن عبد اللَّه ﷺ لجميع الناس عربهم وعجمهم، وملوكهم وزُهَّادهِمْ، وعلمائهم وعامتهم، وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة، بل عامَّة الثقلين الجن والإنس، وأنه ليس لأحد من الخلائق الخروجُ من متابعته وطاعته، وملازمة ما يشرعه لأمته من الدين، وما سَنَّهُ لهم من فعل المأمورات، وترك المحظورات، بل لو كان الأنبياء المتقدمون قبله أحياءً لوجب عليهم متابعته وطاعته ... ومما يُبَيِّنُ الغلط الذي وقع لهم في الاحتجاج بقصة موسى والخَضِرِ على مخالفة الشريعة: أن موسى ﵇ لم يكن مبعوثًا إلى الخضِر، ولا أوجب اللَّه على الخَضِرِ متابعته وطاعته، بل قد ثَبَتَ في "الصحيح" أن الخَضِرَ، قال له: "يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنيهِ اللَّهُ لا تَعْلَمُهُ،
следующие страницы →