آراؤهم في ذلك بالتحريم وعدمه، لتعارض خبره ﵇ عن تحريمها في النوم، وإخباره في اليقظة في شريعته المعظمة أنها مباحة له، والذي يظهر لي أن إخباره ﵇ في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط المثال" (١). اهـ.
وسُئل العز بن عبد السلام ﵀ عن ثواب القراءة المُهْدى للميت: هل يصل أو لا؟ فأجاب بما ملخصه:
"ثواب القراءة مقصور على القارئ، لا يصل إلى غيره"، إلى أن قال: "والعجب أن من الناس من يثبت ذلك بالمنامات، وليست المنامات من الحُجَج الشرعية التي تثبت بها الأحكام" (٢).
وقال العلامة عليُّ بن سلطان محمد القاري ﵀: "لا اعتماد على رؤية المنام في غير حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مع أن الرؤى قد تحتاج إلى تعبير يناسب الرائي أو غيره في هذا المقام، فلو فرض أن أحدًا رأى النبي ﵊، وأمره بفعل شيء أو تركه على خلاف قواعد الإسلام؛ فليس له القيام بذلك الأمر بإجماع علماء الأنام" (٣).اهـ.
وقال العلامة الشوكاني- ﵀: "إن الشرع الذي شرعه اللَّه لنا قد كمَّله اللَّه ، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ..
ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها، وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبيينها بالموت، وبهذا تعلم أنا لو قدَّرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله ﷺ أو فِعْلِهِ حجةً عليه ولا على غيره من الأمة" (٤) اهـ.
стр. 72
وقال العلامة عبد العزيز بن باز ﵀:
"أما اعتماد المنامات في إثبات كون فلان هو المهدي؛ فهو مخالف للأدلة الشرعية ولإجماع أهل العلم والإيمان، لأن المرائي مهما كثرت لا يجوز الاعتماد عليها في خلاف ما ثبت به الشرع المطهر، لأن الله سبحانه أكمل لنبينا محمد ﷺ ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة قبل وفاته ﵊، فلا يجوز لأحد أن يعتمد شيئًا من الأحلام في مخالفة شرعه ﵊" (١).
وأخيرًا إليك هذه الوقائع:
الأولى:
حكى العثماني قاضي صفد أنه توجه لزيارة الشيخ الزاهد الفقيه الشافعي فرج بن عبد اللَّه المغْرِبي الصفدي صحبة الشيخ تاج الدين المقدسي، فجرت مسألة النظر إلى الأمرد، وأن الرافعي يُحَرِّمُ بشرط الشهوة، والنووي يقول: "يحرم مطلقًا"، فقال الشيخ فرج: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: "الحق في هذه المسألة مع النووي"، فصاح الشيخ تاج الدين، وقال: "صار الفقه بالمنامات؟! "، فخضع الشيخ فرج، وقال: "أستغفر الله، أنا حكيت ما رأيت، والبحث له طريق"، فسكت الشيخ تاج الدين، وقال: "نحن في بيتك" (٢).
الثانية:
في إحدى السنوات تراءى الناس الهلال -هلال رمضان- فلم يروه، فجاء رجل إلى قاضي البلد يقول له:
"لقد رأيت الرسول ﷺ البارحة في المنام، وأخبرني
стр. 73
أن الليلة من رمضان، وأمرني والمسلمين بالصيام".
فقال له القاضي: "إن الذي تزعم أنك رأيته في المنام، قد رآه الناس في اليقظة جَهَارًا نَهارًا، وقال لهم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)؛ فلا حاجة بنا إلى رؤياك" (١).
الثالثة:
رُوِيَ أن رجلًا رأى النبي ﷺ في النوم، فقال له: "اذهب إلى موضع كذا فاحفره، فإن فيه رِكَازًا (٢)، فخذه لك، ولا خُمسَ عليك فيه"، فلما أصبح ذهب إلى ذلك الموضع، فحفره فوجد الرِّكَازَ فيه، فاستفتى علماء عصره، فأفتوه: بأن لا خُمسَ عليه لصحة الرؤيا، وأفتى العز بن عبد السلام بأن عليه الخمسَ، وقال: أكثر ما يُنَزَّلُ منامُه منزلةَ حديثٍ صحيح، وقد عارضه ما هو أصحُّ منه، وهو حديث "في الرِّكَازِ الخْمُسُ" (٣).
وحكى الغزالي عن بعض الأئمة: أنه أفتى بوجوب قتل رجل يقول بخلق القرآن، فروجع فيه، فاستدل بأن رجلًا رأى في منامه إبليس قد اجتاز بباب المدينة، ولم يدخلها، فقيل: "هل دخلتها؟ " فقال: "أغناني عن دخولها رجل يقول بخلق القرآن -وذكر اسمه-"، فقام ذلك الرجل، فقال: "لو أفتى إبليس بوجوب قتلي في اليقظة هل تقلدونه في فتواه؟ " فقالوا: "لا"، فقال: "قوله في المنام لا يزيد عن قوله في اليقظة! " (٤).
يقول الدكتور عمر الأشقر -حفظه اللَّه-: "الرؤيا لا تُعَدُّ تشريعًا، وبعض الأفراد والجماعات تجعل من الرؤى، والتجليات، والأفكار، وأحاديث
стр. 74
القلوب مصدرًا تشريعيًّا ينافس القرآن والسنَّة، وقد يُقَدَّمُ عليهما.
الرُّؤيَا الصادقة ما هي إلا مبشِّرٌ بأمر سارٍّ، وقد تكون دعوةً إلى الاستقامة، وقد تكون تثبيتًا على الحق، وقد تُنَفِّرُ من الباطل، ولكنها لا تُشَرِّعُ شيئًا جديدًا، وقد جادلني رجل كان يَسِيرُ على بدعة لم يُشَرِّعْهَا اللَّه؛ إذ كان يَقُومُ على القبور بعد أن يُدْفَنَ أصحابها؛ لِيُلَقِّنَ الميتَ حُجَّتَهُ، ويعرفَه بما يجيب به رسلَ ربه، جادلني هذا الرجل بأن هذا مشروع، بدليل أنه رأى في منامه كيف يُفْعَلُ بالميت منذ نزع الروح إلى الدفن، وكان هذا التلقين مما رآه يُفعل، فقلت له: إن ديننا تامٌّ كامل، لا ينتظر شخصًا يكمله بالرؤيا والمنام، وكيف يكون جوابك عندما يأتيك آخَرُ يزعم أنه رأى خلاف ما رأيت؟!
ومن الذي نتبعه: أنت أم هو؟ كلا، لا نتبع إلا خير الهدي؛ هديَ محمدٍ ﷺ " (١).
* * *
стр. 75
الرؤيا والاستخارة
يظن كثير من الناس أن المستخير لا بد له أن يرى في منامه -بعد الاستخارة- رؤيا ترشده إلى الخير في الأمر الذي يستخير فيه، لذلك يحرصون على أداء الاستخارة ليلًا والنوم بعدها، وذلك ظن غير صحيح، لأنه لا يستطيع الجزم هل ما يراه رؤيا أم حديث نفس أم حُلْم شيطاني.
قال ابن الحاج المالكي ﵀: "وبعضهم يستخير الاستخارة الشرعية، ويتوقف بعدها حتى يرى منامًا يفهم منه فِعْلَ ما استخار فيه أو تَرْكه، أو يراه غيرُه له، وهذا ليس بشيء؛ لأن صاحب العصمة ﷺ قد أمر بالاستخارة والاستشارة لا بما يُرى في المنام" (١).
وقال العلَّامة بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀: "النوم بعد الاستخارة لعله -أي: المستخير- يرى رؤيا تدله على أحد الأمرين: عمل لا أصل له". اهـ (٢).
ومن البدع المتعلقة بالاستخارة أن يشترط المستخير أن يُريه الله في منامه خُضرةً أو بياضًا إذا كان ما يقصده خيرًا، ويرى حُمْرةً أو سوادًا إذا كان ما يقصده لا خير فيه (٣).
وعلى العبد إذا استخار ربه أن يمضي بعد الاستخارة في الأمر الذي هَمَّ به؛ لقوله ﷺ : "ثم يعزم" أي: يقدم على فعل ما استخار فيه.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "لما تُوفِّيَ رسول الله -صلى اللَّه
стр. 76
عليه وسلم- كان بالمدينة رجل يُلْحِد، وآخر يُضَرِّح (١)، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فايهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي ﷺ " (٢).
وفيه: أن أصحاب النبي ﷺ لما استخاروا مضوا في الأمر دون اعتبار لرؤيا أو انشراح الصدر (٣)، بل انتظروا ما يسره الله، واختاره، فعملوا به.
* * *
стр. 77
دلالة رؤى الأنبياء على الأحكام
رؤى الأنبياء ﵈:
لا خلاف في ترتب الأحكام الشرعية على رؤى الأنبياء -عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام- لأنها وحي من الله ، فالرؤى وسيلة من وسائل تلقي التكاليف الشرعية، والنواميس الإلهية التي بها تنتظم أمور العباد مما يتعلق بالمعاش والمعاد، وهذا مختص بالأنبياء -عليهم أفضل الصلاة والسلام- (١)، "فأول ما بُدئَ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" (٢).
وقال رسول الله ﷺ : "أُريتُ ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي، فنسيتُها، فالتمسوها في العشر الغوابر" (٣).
- وإذا رأى بعض الصحابة ﵃ رؤيا في حياة النبي ﷺ ، ثم أقرَّه ﷺ عليها، فإن الأحكام الشرعية تترتب عليها لا لذاتها، ولكن لتقرير النبي ﷺ إياها، كما وقع من عبد الله بن زيد ﵁ عندما رأى من علَّمه ألفاظ الأذان، وقال له النبي ﷺ : "إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك" الحديث (٤).
стр. 78
وأمر النبي ﷺ أصحابه بالسجود في سورة "ص" اعتمادًا على رؤيا أبي سعيد الخدري ﵁ لما رأى أنه يكتب سورة "ص"، فلما بلغ السجدة، سجدت الدواة والقلم وكل شيء بحضرته، فقصها على النبي ﷺ فلم يزل يسجد بها (١).
فالعمل بهذه الرؤى ليس من العمل برؤيا غير الأنبياء، بل هو من العمل بقول رسول الله ﷺ فيمكن أنه علم بحقيقة الرؤى بوحي أو إلهام، أو بأي وجهٍ كان -والله تعالى أعلم-.
* * *
стр. 79
من فوائد الرؤى
لا تُستفاد الأحكام الشرعية من رؤى غير الأنبياء ﵈، لكن يُستفاد منها:
أولًا: البشارة والنذارة
وقد سمى رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة "المبشرة"، وفي معناها: "المنذرة" (١)، وفائدة المبشرات أنها ترغِّب في المزيد من الطاعات، وفائدة "المنذرات" الردع عن المخالفات.
عن ابن عمر ﵄ قال: إنَّ رجالًا، من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله ﷺ ، فيقصونها على رسول الله ﷺ ، فيقول فيها رسول الله ﷺ ما شاء الله، وأنا غلام حديث السن، وبيتي المسجدُ قبل أن أنكح، فقلت في نفسي: لو كان فيك خيرٌ لرأيتَ مثل ما يرى هؤلاء، فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهمَّ إن كنتَ تعلم فيَّ خيرًا فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذْ جاءني مَلَكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد، يقبلان بي إلى جهنم، وأنا بينهما أدعو الله: اللهمَّ أعوذ بك من جهنم، ئم أُراني لقيني مَلَك في يده مقمعة من حديد، فقال: "لن تُراعَ (٢)، نعم الرجل أنت لو تكثر من الصلاة"، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير (٣) جهنم، فإذا هي مطوية كطي
стр. 80
البئر، له قرون كقرون البئر، بين كل قرنين مَلَك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالًا معلقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالًا من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتُها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ عبد الله رجل صالح"، فقال نافع: "لم يزل بعد ذلك يكثر من الصلاة بالليل" (١).
* * *
стр. 81
ثانيًا: الرؤيا قد تصحح مسار حياة الإنسان
عن جعفر الصائغ قال: كان في جيران أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رجل ممَّن يمارس المعاصي والقاذورات، فجاء يومًا إلى مجلس أحمد يسلم عليه، فكأن أحمد لم يردَّ عليه ردًّا تامًّا، وانقبض منه، فقال له: يا أبا عبد الله، لِمَ تنقبض مني؟! فإني قد انتقلتُ عما كنت تعهدني برؤيا رأيتُها، قال: وأي شيءٍ رأيتَ؟ قال: رأيتُ النبي ﷺ في النوم كأنَّه على علوٍّ من الأرض، وناسٌ كثير أسفل جلوسٌ، قال: فيقوم رجل منهم إليه، فيقول: "ادعُ لي"، فيدعو له، حتى لم يبق من القوم غيري، قال: فأردتُ أن أقوم، فاستحييتُ من قبيح ما كنتُ عليه، قال لي: "يا فلان، لِمَ لا تقومُ إليَّ فتسألني أن أدعو لك؟ " قال: قُلْتُ: يا رسول الله، يقطعني الحياءُ لقبيح ما أنا عليه، فقال: "إن كان يقطعك الحياء؛ فقم فسلني أدعُ لك؛ فإنك لا تسب أحدًا من أصحابي"، قال: "فقمتُ، فدعا لي، فانتبهتُ وقد بَغَّضَ اللَّهُ إليَّ ما كنتُ عليه"، قال: فقال لنا أبو عبد الله: "يا جعفر، يا فلان، حدِّثوا بهذا، واحفظوه؛ فإنه ينفع" (١).
وحكى أحمد بن كامل الشَّجَري -القاضي- تلميذ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري - قال:
قال لي أبو جعفر: رأى لي أبي في النوم أنني بين يدي رسول الله- ﷺ ، وكان معي مِخلاة مملوءة حجارة، وأنا أرمي بين يديه، فقال المُعَبّر: "إنه إن كبُر نصح في دينه، وذَبَّ عن شريعته"، فحرِص أبي على معونتي على طلب العلم، وأنا حينئذ صغير (٢).
стр. 82
- وكان من أسباب توجه الإمام العجلوني إلى طلب العلم أنه لما كان في بلاده، وكان صغيرًا يقرأ في "المكتب" رأى في عالم الرؤيا أن رجلًا ألبسه جوخة خضراء مركبة على فرو أبيض في غاية الجودة والبياض، وقد غمرته لكونها سابغة على يديه ورجليه، فأخبر والده بالمنام، فحصل له بذلك السرور التام، وقال له: "إن شاء الله يُجعل لك يا ولدي من العلم الحظ الوافر"، ودعا له بذلك (١).
* * *
стр. 83
ثالثًا: الرؤى دليل على بقاء الأرواح بعد فناء الأبدان
- فإن كثيرًا من الناس يرى أباه أو ابنه في المنام، ويقول له: اذهب إلى الموضع الفلاني فإن فيه ذهبًا دفنته لك، وقد يراه فيوصيه بقضاء دين عنه، ثم عند اليقظة إذا فتش عنه كان كما رآه في النوم من غير تفاوت، ولولا أنَّ روح الإنسان باقية بعد الموت لما وقع ذلك.
"عن أنس ﵁: أن ثابت بن قيس جاء يوم اليمامة وقد تحنط ولبس أكفانه، وقد انهزم أصحابه، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، فبئس ما عوّدتم أقرانكم، خلوا بيننا وبين أقراننا ساعة، ثم حمل فقاتل ساعة فقُتل، وكانت درعه قد سُرِقت، فرآه رجل فيما يرى النائم، فقال: إن درعي في قِدْر تحت إكاف بمكان كذا وكذا، وأوصى بوصايا، فطُلب الدرعُ فوُجِد حيث قال، فأنفذوا وصيته" (١).
* * *
стр. 84
رابعًا: الرؤى وسيلة تواصل مع الأموات
فقد يطلع الأحياء من خلال الرؤى على أحوال الأموات، وقد يفيد هذا في معرفة ما هم فيه من الكرامة والنعيم، أو المرارة والعذاب الأليم، وربما تعين الرؤية على استدراك ما فاتهم من الطاعات، وجبران ما عليهم من التبعات، وقد يخبرون عن سبب ما هم فيه من الآلام.
عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، قال: "تلتقي أرواح الأحياء والأموات في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها" (١).
وعن جابر ﵁ "أنَّ الطفيل بن عمرو الدَّوْسِيَّ أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومَنَعَةٍ؟ (قال: حصن كان لِدَوْسٍ في الجاهلية) فأبى ذلك النبيُّ للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا (٢) المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مَشَاقِصَ (٣) له، فقطع بها براجِمه (٤)، فشخبت (٥) يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ ، فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدتَ، فقصها الطفيل
стр. 85
على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : اللهم وليديه فاغفر" (١).
كما أنها طريق إلى الاطلاع على أحوال الأقارب والأحباب الأحياء في مكان ما من العالم، فقد يتعرف النائم على أخبار حبيبه الذي غاب عنه من خلال الرؤيا في المنام. عن عمارة بن خزيمة بن ثابت أنَّ أباه قال: "رأيت في المنام كأني أسجد على جبهة النبي ﷺ ، فأخبره بذلك، فقال: إنَّ الروح ليلقى الروح، وأقنع النبي ﷺ رأسَه هكذا، قال عفان برأسه إلى خلفه، فوضع جبهته، على جبهة النبي ﷺ " (٢).
وإليك هذه القصة الواقعية التي أوردها الشيخ محمد بن عبد العزيز، قال: هذه القصة ذكرها الواعظ المشهور "صالح المالك" في موعظة له في المسجد، نقلًا عن رجل كان من الحاضرين أشار إليه في بداية روايته لهذه القصة:
(شيخ كبير في السن كان سببًا في هداية أسرة كاملة، كانت غافلة لاهية تقضي معظم وقتها أمام شاشة التلفاز لمشاهدة الصور المحرمة ومسلسلات الحب والغرام والهيام، فما هي تفاصيل القصة؟ .. لنترك المجال لهذا الشيخ الكبير ليحدثنا عن التفاصيل، يقول:
في يوم من أيام شهر رمضان المبارك كنت نائمًا في المسجد بعد صلاة الظهر، فرأيت فيما يرى النائم رجلًا أعرفه من أقاربي قد مات -ولم أكن أعلم أن في بيته تلفازًا- جاءني، فضربني بقدمه ضربة كدت أُصرع من ضربته، وقال لي:
стр. 86
"يا فلان، اذهب إلى أهلي، وقل لهم: يخرجون التلفاز من بيتي".
قال الشيخ: وكنت أرى هذا التلفاز في بيته، وكأنه كلب أسود، والعياذ بالله .. قال: فاستيقظت من نومي مذعورًا، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم، وعدت إلى نومي .. فجاءني في المنام مرة ثانية، وضربني ضربة أقوى من الأولى، وقال لي: "قم، واذهب إلى أهلي، وقل لهم: يخرجون التلفاز من بيتي، لا يعذبونني به". قال: فاستيقظت مرة ثانية، وهممت أن أقوم، ولكني تثاقلت، وعدت إلى نومي، فجاءني في المرة الثالثة، وضربني في هذه المرة ضربة أعظم من الضربتين الأوليين، وقال لي: "يا فلان قُمْ! .. اذهب إلى أهلي، وقل لهم يُخَلِّصونني مما أنا فيه خلَّصك الله". قال: فاستيقظت من نومي، وعلمت أن الأمر حقيقة، فلما صليت التراويح من ذلك اليوم؛ ذهبت إلى بيت صاحبي -وهو قريب لي- فلما دخلت إذا بأهله وأولاده قد اجتمعوا عليه ينظرون إليه، وكأن على رؤوسهم الطير، فجلست، فلما رأوني، قالوا مستغربين: "ما الذي جاء بك يا فلان في هذا الوقت فليس هذا من عادتك؟ " قال: فقلت لهم: "جئت لأسألكم سؤالًا فأجيبوني عليه .. لو جاءكم مخبر، وأخبركم أن أباكم في نار جهنم، أو يُعذب في قبره هل ترضون بذلك؟ قالوا: "لا .. ندفع كل ما نملك مقابل نجاة أبينا من العذاب".
قال: فأخبرتهم بما رأيته في المنام من حال أبيهم، فانفجروا جميعًا بالبكاء، وقام كبيرهم إلى ذلك الجهاز "التلفاز"، وكسَّره تكسيرًا أمام الجميع معلنًا التوبة ...
ولكن القصة لم تنته بعد ..
قال الشيخ: فرأيته بعد ذلك في النوم؛ فقال لي: "خَلَّصك الله كما خلصتني" (١).
стр. 87
خامسًا: وقد تفيد الرؤية تزكية بعض الصالحين، وذم من سواهم
قال محمد بن يوسف الفِرَبْرِيُّ:
سمعت محمدًا البخاري بخوارزم يقول: "رأيت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل (أي البخاري) -يعني في المنام- خلف النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يمشي، فكلما رفع النبي ﷺ قدمه، وضع أبو عبد الله محمد بن إسماعيل قدمه في ذلك الموضع". اهـ (١).
وقال كذلك: "رأيت النبي ﷺ في النوم، فقال لي: أين تريد؟ فقلت: أريد محمد بن إسماعيل البخاري. فقال: أقرئه مني السلام". اهـ (٢).
وقال الحافظ أبو موسى المديني: حدثنا مَعْمَر بن الفاخر، حدثنا عمي، سمعت أبا نصر بن أبي الحسن يقول: قيل للصاحب إسماعيل بن عباد: "أنت رجل معتزلي وابن المقرئ (٣) محدِّث، وأنت تحبه! "، قال: "لأنه كان صديق والدي، وقد قيل: مودة الآباء قرابة الأبناء، ولأني كنت نائمًا فرأيت النبي ﷺ يقول لي: أنت نائم، وولي من أولياء الله على بابك؟! فانتبهت، ودعوت، وقلت: مَن بالباب؟ فقال: أبو بكر بن المقرئ" (٤).
وحكى أبو بشر القطان قال: رأى جار لابن خزيمة -إمام الأئمة- من أهل
стр. 88
العلم كأن لوحًا عليه صورة نبينا ﷺ ، وابن خُزيمة يصقُلُه، فقال المعبِّر: "هذا رجلٌ يُحيي سنة رسول الله ﷺ " (١).
وروى الإمام ابن عساكر بإسناده عن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي قال: سمعت الإمام أبا المعالي الجويني قال: كنت بمكة أتردد في المذاهب، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال: "عليك باعتقاد ابن الصابوني" (٢).
* * *
стр. 89
سادسًا: وقد تكون الرؤية وسيلة لاكتشاف ما ينفع البشر
- فقد حاول الكيميائي الألماني "فريدريك أوجست كيكولي" مرارًا أن يصل إلى التركيب الكيميائي للبنزين، لكنه كان يفشل على الدوام، وذات ليلة رأى في منامه ستة ثعابين كان كل واحد منها يعض ذيل الآخر، لتتكون من ذلك حلقة كبيرة دوارة، فلما أفاق من نومه واستيقظ وجد لديه حل مشكلته، وهو أن تكوين البنزين يشبه حلقة الثعابين الستة، ويتكون من حلقة مغلقة من ست ذرات كربون (١).
وهذا "فريدريك نانتنج" مكتشف الإنسيولين يقوم بتجارب مضنية لاستخلاص تلك المادة الحيوية، وبعد أن أعياه البحث رأى في منامه رؤيا تدله على طريقة استخلاص الإنسيولين من بنكرياس الكلب، وحين يستيقظ يقوم بالتجربة، وينجح في استخلاص تلك المادة الحيوية التي أنقذت، ومازالت، الملايين من مرضى "البول السكري" (٢).
في عام ١٩٦٧ م أُنشئ في بريطانيا "مكتب التوقعات البريطاني" لمحاولة تتبع الأحلام التي تدل أو تشير إلى كوارث عامة أو قضايا تخص المجتمع كله، وذلك لمحاولة تلافي حدوثها، أو تقليل آثارها إن حدثت.
وقد أُنشئ هذا المكتب بعد وقوع كارثة في قرية بريطانية تدعى "إيبرفاين" سنة ١٩٦٦ م حيث انهار جبل من الفحم على تلك القرية مما أدى إلى وفاة عدد
стр. 90
كبير من الأفراد معظمهم من الأطفال، وبتتبع أخبار الكارثة وُجد أن عددًا كبيرًا من أهل القرية وأطفالها كانوا قد رأوا الكارثة أو ما يشير إلى حدوثها في منامهم" (١).
أما العالم الفارماكولوجي "أتولوي" الذي حاز على جائزة نوبل في الفسيولوجي والطب في عام (١٩٣٦ م)، فقد كان يقوم باختبارات على الضفادع في محاولة للتوصل إلى طبيعة النقل العصبي (نقل الإثارات العصبية)، غير أنه لم يستطع التقدم في أبحاثه إلى نقطة الحل ... وذات ليلة أفاق من حلمه وقد انجلت له في آن واحد نظرية "النقل العصبي" والتجربة المختبرية اللازمة لاختبارها، وراح يخط بعض الكلمات في ورقة ثم رجع إلى نومه، وفي الصباح وجد بأن ما خطه على قصاصة الورق لا يستطيع فهمه، كما أنه لم يتمكن من استعادة ذكرى حلمه في الليل، وحاول جاهدًا أثناء النهار استعادة ذلك الحلم، ولكن دون جدوى، وفي الليلة التالية عاد له الحلم ثانية، وفي هذه المرة استفاق ولم يعد إلى النوم، وإنما ارتدى ملابسه، وذهب مباشرة إلى مختبره، وقام بإجراء التجارب التي تبينت له في حلمه، والتي أثبتت بأن الفعل العصبي يحدث بواسطة مواد كيمياوية، وهو الاكتشاف الذي منح عليه جائزة نوبل لاكتشافه له" (٢).
* * *
стр. 91
الفصل الثاني دَلَالَات خوارِقِ العَادَاتِ
стр. 92
الفصلُ الثَّانِي دِلَالَاتُ خَوَارِقِ العَادَاتِ
ظهرت بعض خَوَارِقِ العادات على يد بعض من ادَّعَوا المهدية، الذين وظَّفوها للترويج لدعواهم، وبالتالي انساق وراءهم كثير من العوام، وبعض الخواص، فنشأ عن ذلك كثير من الفتن، من أخطرها ادِّعَاءُ أو نسبة أولئك إلى العصمة، الأمر الذي يترتب عليه طاعة عمياء في كل ما يأمرونهم به، مما يُعَدُّ تعديًا صريحًا على مصادر التلقي، والمرجعية الشرعية.
وخَرقُ العَادَةِ أَنوَاعٌ (١):
١ - إذا جرى على يد نبيٍّ، فهو المعجزة (٢) التي يُقصد بها إظهارُ صِدْقِ مَن
стр. 93
ادَّعى النبوة، مع عجز المنكرين عن الإتيان بمثله (١).
٢ - الإرهاص: ما يظهر من الخوارق قبل ظهور النبي (٢).
٣ - الاستدراج: ما يظهر من خارق للعادة على يد كافرٍ أو فاسق (٣).
٤ - الكرامة: ظهور أمر خارق للعادة على يد شخص ظاهر الصلاح (٤)، غير مقارن لدعوى النبوة والرسالة.
إن التمييز بين هذه الأنواع من الخوارق من الأهمية بمكان، وبخاصة التفريق بين ضِدَّين هما الاستدراج والكرامة، وذلك لأن العوام ومن لا يحسنون
стр. 94
العلم يربطون بين خرق العادة بمجرده وبين وَلاية اللَّه -تَعَالَى-، فعندهم كل من خُرِقَتْ له العادة فهو ولي، ويترتب على ذلك خطأ ثانٍ، وهو الافتتان بذلك "الولي" والغلو فيه الذي يَصِلُ أحيانًا إلى ادِّعَاء عصمته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-: "المراتب ثلاثة: آيات الأنبياء، ثم كرامات الصالحين، ثم خوارق الكفار والفجار كالسحرة والكهان، وما يحصُل لبعض أهل الكتاب والضُلَّال من المسلمين" (١).
* * *
стр. 95
بَينَ المعُجِزَةِ والكرامَةِ
مما يتعلق بتمييز الكرامة عن غيرها من خوارق العادات؛ التمييز بين الولي الذي يجوز أن تحدث له الكرامة، وبين من هو أعلى منه منزلة؛ وهو النبي، أو من يَدَعِي مثل منزلته كذبًا وبهتانًا، وهو الْمُشَعْوِذُ والساحر وغيرهما.
فأما الفرق بين النبي والولي من جهة الخارق الذي يجري على يد كل منهما، فقد علمنا أن النبي تجري على يده المعجزات، وهي نوعان، سَمَّاهَا "ابن تيمية" معجزات كبرى، وهي دليل صدقه، ونوع من التوابع والنوافل سَمَّاها معجزات صغرى.
والولي تحدث على يده الكرامات، وقد تشتبه بالمعجزات الصغرى، أو تماثلها، ولكن النبي يختص بالعصمة دون الولي، فالمعجزة للنبي دليل على عصمته من الخطأ فيما أُرِسل من أجله، وهو التشريع.
أما الولي فكرامته إنما تدل على صدق النبي الذي آمن به هذا الولي، واتبعه في شريعته، ولا تدل بحال على عصمته هو مِن أن يخطئ في بعض أعماله، أو عباداته أو توجيهاته؛ لأنه لم يُرْسَلْ ويُصْطَفَ من اللَّه لهذا الغرض كالنبي، وإنما هو مجتهد فيه، أما النبي فقد اصطفاه الله من عباده لهذا الغرض.
الكرَامَةُ تَدُلُّ عَلَى الوَلَايَةِ، لَكِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى العِصمَةِ
ومن هنا وجبت طاعة النبي مطلقًا، بينما لا تجب طاعة الولي مطلقًا، إلا فيما دل عليه دليل شرعي واضح، وفارق آخر بين المعجزة والكرامة؛ هو أن الكرامة تحدث بحسب حاجة الولي، فإذا احتاج إليها لتقوية إيمانه؛ جاءه منها ما يكفيه لتقوية إيمانه، أو احتاج إليها لفك ضيق عليه، أو على من يدعو له؛ جاءه من ذلك ما يُفَرِّجُ كربته، ويجيب دعاءه، بخلاف المعجزات؛ فإنها لا تكون إلا لحاجة الخلق وهدايتهم (١).
стр. 96
ويقول شيخ الإسلام "ابن تيمية" ما نصه: "وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول، ولا تدل على أن الولي معصوم، ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقوله.
ومن هنا، ضل كثير من الناس من النصارى وغيرهم، فإن الحواريين -مثلًا- كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة، فظنوا أن ذلك يستلزم عصمتهم، كما يستلزم عصمة الأنبياء، فصاروا يوجبون موافقتهم في كل ما يقولون، وهذا غلط" (١).
والحقيقة أن كثيرًا من المسلمين -أيضًا- قد وقع فيما وقع فيه النصارى من الخطأ الذي ذكره شيخُ الاسلام ابن تيمية، فبمجرد أن يُشتَهر شخص بشيء من الكرامات ترتفع درجة الثقة في أقواله، وتوجيهاته، وأوامره، ونواهيه، إلى حد أن أكثر الناس لا يقبل فيها جدلًا البتة.
من ضَوَابِطِ الحُكمِ عَلَى خَرقِ العَادَةِ النَّظَرُ فيِ سِيَرةِ واستِقَامَةِ مَن خُرِقَتْ لَهُ
"وأما تمييز الولي الصادق الذي قد تجري على يديه الكرامات من الدَّعِيِّ الكاذب الذي يُمَوِّهُ على الناس ويخدعهم، فإنما يكون ذلك بحسب صلاحه وتقواه، من قيامه بالفرائض والنوافل، واتقائه الكبائر، والصغائر، واتصافه بالصفات الكريمة، واستدامته عليها، فإن اتصف شخص بكل هذه الصفات الطيبة، وعُرِفَتْ عنه، ثم حَدَثَ على يديه شيء من الخوارق فيما لا يخالف الشرع، فيجوز أن يطلق على ذلك الخارق اسم "كرامة".
أما إن كان الرجل على خلاف ذلك، مُشْتَهَرًا بالفسق والفساد والضلال، وغير ذلك، فإن كل ما يجري على يديه لا يُعْتَدُّ به بالغًا ما بلغ، والله أعلم" (٢).
стр. 97
مِن شُرُوطِ الكرَامَةِ
قال الإمام الشاطبي ﵀: " ومن الفوائد في هذا الأصل أن يُنْظَرَ إلى كل خارقة صدرت على يدي أحد، فإن كان لها أصل في كرامات الرسول ﷺ ومعجزاته؛ فهي صحيحة، وإن لم يكن لها أصل؛ فغير صحيحة، وإن ظهر ببادئ الرأي أنها كرامة؛ إذ ليس كل ما يظهر على يدي الإنسان من الخوارق بكرامة، بل منها ما يكون كذلك، ومنها ما لا يكون كذلك.
وبيان ذلك بالمثال: أن أرباب التصريف بالهمم، والتقربات بالصناعة الفلكية، والأحكام النجومية، قد تصدر عنهم أفاعيل خارقة، وهي كلها ظلمات بعضها فوق بعض، ليس لها في الصحة مدخل، ولا يُوجَدُ لها في كرامات النبي ﷺ منبع؛ لأنه إن كان ذلك بدعاء مخصوص، فدعاء النبي ﷺ لم يكن على تلك النسبة، ولا تجري فيه تلك الهيئة، ولا اعتمد على قِرانِ في الكواكب، ولا التمس سُعودَها أو نحوسَها، بل تَحَرَّى مجردَ الاعتمادِ على مَن إليه يُرْجَعُ الأمرُ كلَّه، والتجأ إليه، مُعْرِضًا عن الكواكب، وناهيًا عن الاستناد إليها، إذ قال: (أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُومِن بِي وَكَافِرٌ) الحديث (١)، وإن تَحَرَّى وقتًا، أو دعا إلى تَحَرِّيهِ، فلسبب بريءٍ من هذا كله؛ كحديث التنزل (٢)، وحديث اجتماع الملائكة طرفي النهار (٣)، وأشباه ذلك" إلى أن قال ﵀: "وهذا الموضع مَزَلَّة قدم للعوامِّ، ولكثير من الخواص، فَلْتَنَبَّهْ له" (٤).
стр. 98
خَرقُ العَادَةِ بمُجَرَّدِهِ لا يَدُلُّ عَلَى الوَلَايَةِ
قال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تَعَالى-:
"وكل من خالف شيئًا مما جاء به الرسول، مقلدًا في ذلك لمن يظن أنه وَليٌ للَّه، فإنه بنى أمره على أنه ولي للَّه، وأن ولي اللَّه لا يُخَالَفُ في شيء، ولو كان هذا الرجل من أكبر أولياء اللَّه؛ كأكابر الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، لم يُقْبَلْ منه ما خالف الكتاب والسنة، فكيف إذا لم يكن كذلك؟!
وتجد كثيرًا من هؤلاء عمدتهم في اعتقادِ كَوْنهِ وليًّا للَّه أنه قد صدر عنه مُكَاشَفَةٌ في بعض الأمور، أو بعض التصرفات الخارقة للعادة؛ مثل أن يُشِيرَ إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، أو يمشي على الماء أحيانًا، أو يملأ إبريقًا من الهواء (١)، أو ينفق بعض الأوقات من الغيب، أو يختفي أحيانًا عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه، فقضى حاجته، أو يُخْبِرَ الناس بما سُرِقَ لهم، أو بحالِ غائِبٍ لهم أو مريض، أو نحو ذلك من الأمور، وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي اللَّه، بل قد اتفق أولياء اللَّه على أن الرجل لو طار في الهواء، أو مشى على الماء، لم يُغْتَرَّ به حتى يُنْظَرَ متابعته لرسول اللَّه ﷺ ، وموافقته لأمره ونهيه (٢).
وكرامات أولياء اللَّه -تَعَالَى- أعظم من هذه الأمور الخارقة للعادة -وإن كان قد يكون صاحبها وليًّا للَّه- فقد يكون عَدُوًّا لله، فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفَّار، والمشركين، وأهل الكتاب، والمنافقين، وتكون لأهل
стр. 99
البدع، وتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يُظَنَّ أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ولي لله، بل يُعْتبَرُ أولياء الله بصفاتهم، وأفعالهم، وأحوالهم التي دلَّ عليها الكتاب والسنة، وُيعْرَفُونَ بنور الإيمان والقرآن، وبحقائق الإيمان الباطنة، وشرائع الإسلام الظاهرة.
مِثَال ذلك: أن الأمور المذكورة وأمثالها، قد توجد في أشخاص، ويكون أحدهم لا يتوضأ، ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون مُلَابِسًا للنجاسات، معاشرًا للكلاب، يأوي إلى الحمامات، والقمامين، والمقابر، والمزابل، رائحته خبيثة، لا يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتنظف ... "، إلى أن قال ﵀: "فهذه علامات أولياء الشيطان، لا علامات أولياء الرحمن" (١). اهـ.
وقال الإمام الشاطبي ﵀:
(ومن هنا يُعْلَمُ أن كل خارقة حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة، فلا يصح رَدُّها ولا قبولها إلا بعد عرضها على أحكام الشريعة، فإن ساغت هناك؛ فهي صحيحة مقبولة في موضعها، وإلا لم تُقْبَلْ إلا الخوارق الصادرة على أيدي الأنبياء ﵈؛ فإنه لا نظر فيها لأحد؛ لأنها واقعة على الصحة قطعًا؛ فلا يمكن فيها غير ذلك، ولأجل هذا حَكَمَ إبراهيم ﵇ فى ذبح ولده بمقتضي رؤياه، وقال له ابنه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وإنما النظر فيما انخرق من العادات على يد غير المعصوم.
وبيان عرضها أن تُفرض الخارقة واردة من مجاري العادات، فإن ساغ العمل بها عادة وكسبًا، ساغت في نفسها، وإلا فلا؛ كالرجل يكاشف بامرأة أو عورة، بحيث اطَّلع منها على مالا يجوز له أن يَطَّلِعَ عليه، وإن لم يكن مقصودًا
стр. 100
له، أو رأى أنه يدخل على فلان بيته وهو يُجَامِعُ زوجته ويراه عليها، أو يكاشَف بمولود في بطن امرأة أجنبية؛ بحيث يقع بصره على بَشَرتها، أو شيء من أعضائها التي لا يسوغ النظر إليها في الحس، أو يرى صورة مكيفة مقدرة تقول له: "أنا ربك"، أو يرى ويسمع من يقول له: "قد أحللتُ لك المحرماتِ" (١)، وما أشبه ذلك من الأمور التي لا يقبلها الحكم الشرعي على حال، ويُقَاسُ على ذلك ما سواه، وباللَّه التوفيق) (٢). اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر -ورحمه الله-:
"خرق العادة قد يقع للزنديق بطريق الإملاء والإغواء، كما يقع للصِّدِّيق بطريق الكرامة والإكرام، وإنما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة" (٣).
وقال العلامة الشوكاني ﵀:
"ولا يجوز للولي أن يعتقد في كل ما يقع له من الواقعات والمكاشفات أن ذلك كرامة من اللَّه -سبحانه-، فقد يكون من تلبيس الشيطان ومكره، بل الواجب عليه أن يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة: فإن كانت موافقة لها؛ فهي حق، وصدق، وكرامة من اللَّه -سبحانه-، فإن كانت مخالفة لشيء من ذلك؛ فليعلم أنه مخدوع ممكور به، قد طمع منه الشيطان؛ فلبَّس عليه" (٤). اهـ.
وقال الدكتور تقي الدين الهلالي داعية التوحيد والسنة في بلاد المغرب - بل في كثير من بلاد العالم الإسلامي ﵀ تَعَالَى: " ... ومن هذا تَعْلَمُ أن ظهور الخوارق، وما في عالم الغيب، ليس دليلًا على صلاح من ظهرت له تلك الخوارق، ولا على وَلايته لله البتة؛ فإن كل مرتاضٍ رياضة روحية تظهر له
стр. 101
الخوارق على أي دين كان، وقد سمعنا وقرأنا أن العُبَّاد الوثنيين من أهل الهند تقع لهم خوارق عظام" (١). اهـ.
"إذن، فيجب على كل مسلم التحقق من ذلك، ولا يجوز القطع بوَلاية كل من فعل خارقًا من خوارق العادات؛ لأن الغاية من خرق العادة عند المُشَعْوذِينَ: التلبيس على المسلمين في دينهم، كما كانت الشياطين تخدع المشركين، فَتَدْخُلُ في أجواف الأصنام، وتُصْدِر أصواتًا، يظنون أن أصنامهم تتحدث إليهم، أو تحركها الشياطين من مكانها، فيظنوا أنها تتحرك من تلقاء نفسها.
ولقد ذكر الشعراني أن الشيطان كان يدخل في أجواف الأصنام، والغربان، والعصافير، ويتكلم على ألسنتها بما شاء، حتى عُبدت من دون اللَّه" (٢).
مَنِ القادِرُ عَلَى التَّمييزِ بَينَ "الأَحوَالِ الرَّحمانِيَّةِ" وَ "الأَحوَالِ الشَّيطَانِيَّةِ "؟
يتمكن إبليس من الإنسان على قدر حظه من العلم، فكلما قَلَّ علمه، اشتد تَمَكُّنُ إبليسَ منه، وكلما كثر العلم، قل تَمكُّنُهُ منه؛ ولذلك لا تشتبه "الكرامة الرحمانية" بالحال "الشيطانية" إلا عند الجُهَّال، وأهل الأهواء، بخلاف أهل العلم والبصيرة.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تَعَالَى-: "فإذا كان العبد من هؤلاء فَرَّقَ بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، كما يُفَرِّقُ الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الزيف، وكما يُفَرِّقُ من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء، وكما يُفَرِّقُ من يعرف الفروسية بين الشجاع والجبان، وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق وبين المتنبي الكذَّاب، فَيُفَرَّقُ بين محمدٍ الصادق الأمين
стр. 102
رسولِ ربِّ العالمين، وموسى، والمسيح، وغيرهم، وبين مسيلمة الكذَّاب، والأسود العنسي، وطلحة الأسدي، والحارث الدمشقي، وباباه الرومي، وغيرهم من الكذَّابين، وكذلك يُفَرِّقُ بين أولياء اللَّه المتقين، وأولياء الشيطان الضالين" (١). اهـ.
وقال ابن الجوزي ﵀:
"ومن العُبَّاد من يرى ضوءًا أو نورًا في السماء، فإن كان في رمضان، قال: (رأيت ليلة القدر)، وإن كان في غيره قال: (فُتِحَتْ لي أبوابُ السماء)، وقد يتفق له الشيء الذي يطلبه، فيظن ذلك كرامة، وربما كان اختبارًا، وربما كان من خِدَع إبليس، والعاقل لا يُسَاكنُ شيئًا من هذا، ولو كان كرامة" (٢). اهـ.
كان أبو ميسرة فقيه المغرب يختم كل ليلة في مسجده، فرأى ليلة نورًا قد خرج من الحائط، وقال: "تَمَلَّ مِن وجهي، فأنا ربك"، فبصق في وجهه، وقال: "اذهب يا ملعون" (٣) فَطَفِئَ النور (٤).
وقال ابن الجوزي ﵀ أيضًا:
(وكم اغتر قوم بما يشبه الكرامات، فقد روينا بإسنادٍ: عن حسن عن أبي عمران قال: قال لي فرقد: "يا أبا عمران، قد أصبحتُ اليوم وأنا مهتم بضريبتي، وهي ستة دراهم، وقد أهلَّ الهلال وليست عندي، فدعوت، فبينما أنا أمشي على شط الفرات إذا أنا بستة دراهم، فأخذتها فوزنتها، فإذا هي ستة لا تزيد ولا تنقص"، فقال: "تَصَدَّقْ بِهَا، فإنها ليست لك"، قلت: -أبو عمران هو إبراهيم النخعي فقيه أهل الكوفة فانظروا إلى كلام الفقهاء، وبُعد الاغترار
стр. 103
عنهم، وكيف أخبره أنها لُقَطَة، ولم يلتفت إلى ما يُشْبِهُ الكرامة، وإنما لم يأمره بتعريفها لأن مذهب الكوفيين أنه لا يجب التعريف لما دون الدينار، وكأنه إنما أمره بالتصدُّق بها لئلا يَظُنَّ أنه قد أُكرم بأخذها وإنفاقها.
وبإسناد: عن إبراهيم الخراساني أنه قال: "احتجت يومًا إلى الوضوء، فإذا أنا بكوز من جوهر، وسواك من فضة، رأسه ألين من الخَزِّ -وهو أحسن الحرير الخالص- فاستكت بالسواك، وتوضأت بالماء، وتركتهما، وانصرفت".
قلت: في هذه الحكاية من لا يُوثَقُ بروايته، فإن صَحَّتْ دلت على قِلَّةِ علم هذا الرجل؛ إذ لو كان يفهم الفقه علم أن استعمال السواك الفضة لا يجوز، ولكن قلَّ علمه فاستعمله، وإن ظن أنه كرامة، واللَّه -تَعَالَى- لا يكرم بما يمنع استعماله شرعًا، إلا إن أُظْهِرَ له ذلك على سبيل الامتحان) (١).
قال القشيري: (قال إبراهيم الخوَّاص: طَلَبْتُ الْحلال في كل شيء، حتى طلبته في صيد السمك، فأخذت قصبة، وجعلت فيها شَعْرًا، وجلست على الماء، فألقيت الشِّصَّ، فخرجت سمكة، فطرحتها على الأرض، وألقيت ثانية، فخرجت لي سمكة، إذ مِن ورائي لطمة لا أدري مِن يَدِ مَنِ هي، ولا رأيت أحدًا، وسمعت قائلًا يقول: "أنت لم تُصِبْ رزقًا في شيء إلا أن تَعْمَدَ إلى مَنْ يذكرنا فتقتله؟ "، قال إبراهيم: "فقطعت الشعر، وكسرت القصبةَ، وانصرفت" (٢).
ولو أن هذا الصوفي تَدَبَّرَ قوله -تَعَالَى-: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، لجزم قاطعًا بأن اللاطم لم يكن سوى إبليس؛ إذ اللَّه لا يعاقِب على صيد ما أباحه، ولا يحرم صيد الأسماك؛ لأنها تذكر اللَّه فإنه ما من شيء إلا يُسَبِّحُ بحمده ويذكره، ولو تركنا ذبح الأنعام -وهى تذكر اللَّه -تعالى- أيضًا-، لم يكن لنا ما يقيم قُوى الأبدان.
стр. 104
وذكر محمد بن أبي الفضل الهمداني المؤرخ قال: حدثني أبي قال: كان السرمقاني المقرئ يقرأ على ابن العلاف، وكان يأوي إلى المسجد بدرب الزعفراني، واتفق أن ابن العلاف رآه ذات يوم في وقت مجاعة، وقد نزل إلى دجلة، وأخذ منه أوراق الخس مما يرمي به أصحابُه، وجعل يأكله، فشق ذلك عليه، وأتى إلى رئيس الرؤساء، فأخبره بحاله، فتقدم إلى غلام بالقرب إلى المسجد الذي يأوي إليه السرمقاني أن يعمل لِبابه مفتاحًا من غير أن يُعْلمه، ففعل وتقدم إليه أن يحمل كل يوم ثلاثة أرطال خبزًا سميدًا (١)، ومعها دجاجة، وحلوى سكرًا، ففعل الغلام ذلك، وكان يحمله على الدوام، فأتى السرمقاني في أول يوم فرأى ذلك مطروحًا في القبلة، ورأى الباب مغلقًا فتعجب، وقال في نفسه: هذا من الجنة، ويجب كتمانه، وألَّا أتحدث به، فإن من شروط الكرامة كتمانَها (٢)، وأنشدني:
مَنْ أَطْلَعُوه عَلَى سِرٍّ فَبَاحَ بِهِ ... لَمْ يَأْمَنُوهُ عَلَى الْأَسْرَارِ مَا عَاشَا
فلما استوى حاله، وأخصب جسمُه، سأله ابن العلاف عن سبب ذلك، وهو عارف به، وقصد المُزاحَ معه، فأخذ يُوري ولا يصرح، ويَكْني ولا يُفْصِح، ولم يزل ابن العلاف يستخبره حتى أخبره أن الذي يجده فى المسجد كرامة؛ إذ لا طريق لمخلوق عليه، فقال له ابن العلاف: "يجب أن تدعو لابن المسلمة، فإنه هو الذي فعل ذلك"، فنغص عيشه بإخباره، وبانت عليه شواهد الانكسار (٣). اهـ.
стр. 105
أَمثِلَةٌ مِنَ الأَحوَالِ الشَّيطَانِيَّةِ
قال شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ في شأن أصحاب الأحوال الشيطانية: "وهؤلاء تقترن بهم الشياطين، وتنزل عليهم، فيكاشفون الناس ببعض الأمور، ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر، وهم من جنس الْكُهَّان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣]، وهؤلاء جميعًا ينتسبون إلى المكاشفات، وخوارق العادات، إذا لم يكونوا متبعين للرسل، فلا بد أن يكذبوا، وتكذبهم شياطينهم، ولابد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور؛ مثل نوع من الشرك، أو الظلم، أو الفواحش، أو الغلو، أو البدع فى العبادة، ولهذا تنزلت عليهم الشياطين، واقترنت بهم، فصاروا من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن؛ قال اللَّه -تَعَالَى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ " (١) [الزخرف: ٣٦].
ومن الأحوال الشيطانية حال "عبد اللَّه بن صياد"، الذي ظهر في زمن النبي ﷺ ، وكان قد -ظن بعض الصحابة أنه الدجَّال، وتوقف النبي ﷺ في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجَّال، لكنه كان من جنس الكُهَّان، وقال له النبي ﷺ : "قَدْ خَبَأتُ لَكَ خَبْئًا" قال: "الدُّخُّ الدُّخُّ"، وقد كان خَبأ له سورة "الدخان"، فقال له النبي ﷺ : "اخْسأ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ" (٢)، يعني إنما أنت من إخوان الْكُهَّان، والْكُهَّان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المُغُيباتِ بما يَسْترِقُهُ من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي -صلى اللَّه عليه
стр. 106
وسلم- قال: "إِنَّ المْلَائِكَةَ تَنْزِلُ فيِ الْعَنَانِ -وَهُوَ السَّحَابُ- فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ في السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ، فَتُوحِيه إِلَى الْكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ" (١).
وهذا المسيح الدجَّال الذي هو أعظم فتنة تمر على البشرية في تاريخها، حتى حَذَّر جميع الأنبياء منه أُمَمَهُمْ، وحتى قال فيه النبي ﷺ : فيما رواه أبو داود عن عمران بن حصين ﵄: "مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنأَ عَنْهُ، فَوَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأتِيه وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِن، فَيتَّبِعُهُ؛ مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ" (٢)، وسوف يأتي بأعظم الخوارق:
فمنها: ما رواه حُذَيْفَةُ ﵁: قال رسول الله ﷺ : "مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ" (٣).
- ومنها: أنه يستعين بالشياطين؛ فقد رُوِي عن أبي أُمَامَةَ ﵁ قال: "وَإنَّ مِنْ فِتنتهِ أَنْ يَقُولَ لِأَعْرَابِيٍّ: أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وأُمَّكَ، أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطانانِ في صُورَةِ أَبيهِ وَأمّهِ، فَيَقُولَان: يَا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ؛ فَإنَّهُ رَبُّكَ" (٤).
- ومن فتنته: أنه -يأمر السماء فتُمْطِرُ، والأرضَ فتُنْبِتُ، ويدعو البهائم فتتبعه، ويأمر الخرائب أن تُخرِجَ كنوزها المدفونة فتستجيب (٥).
- ومن فتنته: أنه يقتل ذلك الشابَّ المؤمنَ فيما يظهر للناس، ثم يَدَّعي أنه أحياه، فيقول ذلك الشابُّ: "واللَّه ماكنتُ فيكَ أشدَّ بصيرة مني اليوم" (٦).
стр. 107
يقول شيخ الإسلام في شأن أصحاب الأحوال الشيطانية:
(وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم، وتتمثل لهم، وهي جن وشياطين، فيظنونها ملائكة؛ كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام.
وكان من أول ما ظهر من هؤلاء في الإسلام: المختار بن أبي عبيد الذي أَخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في "صحيحه" عن النبي ﷺ أنه قال: "سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبيرٌ" (١)، وكان الكذَّاب: المختار بن أَبي عبيد (٢)، والمبير: الحجاج بن يوسف، فقيل لابن عمر وابن عباس: إن المختار يزعم أَنه يُنَزَّلُ إِليه، فَقَالَا: صدق، قال اللَّه تعالى-: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢].
وقال الآخر: وقيل له: إن المختار يزعم أَنه يُوحَى إلِيه، فقال: قال اللَّه -تَعَالَى-: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]) (٣).
(والأسود العنسي الذي ادَّعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأُمور المغيَّبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون مِن الشياطين أَن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته، لما تبيَّن لها كفره، فقتلوه.
وكذلك مسيلمة الكذَّاب، كان معه من الشياطين من يُخْبِرُهُ بالمغيَّبات، ويعينه على بعض الأمور.
وأمثال هؤلاء كثيرون؛ مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن
стр. 108
عبد الملِك بن مروان وادعى النبوة، وكانت الشياطين تُخرج رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن يَنْفُذَ فيه، وتُسَبِّحُ الرُّخامة إذا مسحها بيده، وكان يُرِي الناسَ رجالًا وركبانًا على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جِنًّا، ولما أَمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم يَنْفُذْ فيه، فقال له عبد الملك: "إنك لم تُسَمِّ اللَّه"، فسَمَّى اللَّه، فطعنه، فقتله (١).
وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذُكِرَ عندهم ما يَطْرُدُهَا؛ مثل آية الكرسي، فإنه قد ثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ في حديث أَبي هريرة ﵁، لما وَكَّلَهُ النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر، فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة، وهو يمسكه، فيتوب، فيطلقه، فيقول له النبي ﷺ : "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ "، فيقول: زعم أَنه لا يعود، فيقول: "كَذَبَكَ، وَإِنَّهُ سَيَعُودُ"، فلما كان في المرة الثالثة، قال: دعني حتى أُعلِّمك ما ينفعك: إذا أويتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ... إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من اللَّه حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تُصْبحَ، فلما أخبر النبي ﷺ قال: "صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ"، وأخبره أَنه شيطان.
ولهذا إِذا قرأَها الإِنسان عند الأَحوال الشيطانية بِصِدْقٍ أَبطلتها؛ مثل من يدخل النار بحال شيطاني، أَو يحضر سماع المكاءِ والتصدية، فتنزل عليه الشياطين، وتتكلم على لسانه كلامًا لا يُعْلَمُ، وربما لا يُفْقَهُ، وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه، وربما تكلم بألسنة مختلفة؛ كما يتكلم الجني على لسان المصروع، والإنسان الذي حَصَلَ له الحال لا يدري بذلك، بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس، ولبسه، وتكلَّم على لسانه، فإذا أَفاق لم يشعر بشيء مما قال) (٢). اهـ.
стр. 109
(وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب "الفتوحات" أَنه أَلقى إِليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أَنواعًا من الخلوات بطعام معين، وشيء معين، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالًا بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأَولياء، وإنما هو من الأَحوال الشيطانية، وأَعرف من هؤلاءِ عَدَدًا، ومنهم من كان يُحْمَلُ في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يُؤْتَى بمال مسروق، تسرقه له الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات بِجُعْلٍ يحصل له من الناس، أَو لعطاء يعطونه إذا دَلَّهُمْ على سرقاتهم، ونحو ذلك.
ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية، كانوا مناقضين للرسل -صلوات اللَّه- تعالَى -وسلامه عليهم-، كما يُوجَدُ في كلام صاحب "الفتوحات المكية"، و"الفصوص"، وأشباه ذلك؛ يَمْدَحُ الكفارَ؛ مثل قوم نوح، وهود، وفرعون، وغيرهم، وينتقصُ الأَنبياءَ؛ كنوح، وإبراهيم، وموسى، وهارون، ويَذُمُّ شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين؛ كالْجُنَيْدِ بن محمد، وسهل بن عبد اللَّه التستري، وأَمثالهما، ويَمْدَحُ المذمومين عند المسلمين؛ كالحلاج ونحوه؛ كما ذكره فى تجلياته الخيالية الشيطانية) (١). اهـ.
التَّفْرِيقُ بَيْنَ كَرَامَاتِ الْأَوْليَاءِ وَالأحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ:
(وبين كرامات الأَولياء، وبين ما يشبهها من الأَحوال الشيطانية فروق متعددة:
منها: أَن كرامات الأَولياء سببها الإيمان والتقوى، والأَحوال الشيطانية، سببها ما نهى اللَّه عنه ورسوله.
وقد قال -تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]،
стр. 110
فالقول على اللَّه بغير علم، والشرك، والظلم، والفواحش؛ قد حرَّمها اللَّه -تَعَالَى- ورسوله، فلا تكون سببًا لكرامة اللَّه -تَعَالَى- بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة، والذكر، وقراءَة القرآن، بل تحصل بما يُحِبُّهُ الشيطان، وبالأُمور التي فيها شرك؛ كالاستغاثة بالمخلوقات، أَو كانت مما يُسْتَعَانُ بها على ظلم الخلق، وفعل الفواحش، فهي من الأَحوال الشيطانية (١)، لا من الكرامات الرحمانية.
ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاءِ والتصدية يتنزَّل عليه شيطانه حتى يَحْمِلَهُ في الهواءِ، ويخرجه من تلك الدار، فإذا حضر رجل من أَولياء اللَّه - تَعَالَى، طرد شيطانه فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد.