← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96617

الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (396 стр.). Показаны 386–396 · переход к 391.

стр. 386

من العالم ؟ العالم هو: من يخشى الله ، ويعمل بمقتضى علمه. عن ابن مسعود ﵁ قال: " ليس العلم عن كثرة الحديث، إنما العلم خشية الله " (١)، وعنه ﵁ قال: " كونوا للعلم رُعاةً، ولا تكونوا له رواة؛ فإنه قد يرْعَوي ولا يَروي، وقد يروي ولا يرعوي " (٢). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: " لا تكون تقيًا حتى تكون عالمًا، ولا تكون بالعلم جميلاً حتى تكون به عاملاً " (٣). وعن الحسن قال: " العالم: الذي وافق علمَه عملُه، ومن خالف علمَه عملُه فذلك راويةُ حديث، سمع شيئاً فقاله " (٤). وعنه ﵀ قال: " الذي يفوق الناسَ في العلم جدير أن يفوقهم في العمل " (٥)، وعنه في قوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] قال: " عُلِّمتم فعلِمْتُم ولم تعملوا، فوالله ما ذالكم بعلم " (٦).

стр. 387

وعن سفيان الثوري قال: " العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه؛ وإلا ارتحل " (١)، وعنه ﵀ قال: " العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شُغلوا، فإذا شُغلوا فُقدوا، فإذا فُقدوا طلبوا، فإذا طُلبوا هربوا " (٢). وقد ختم الله كثيرًا من الآيات الداعية إلى الفضائل بقوله تعالى: (إِن كنتُمْ تَعْلَمُون)، (لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُون) إشارة إلى أن العلم باعث على العمل بها، ومثله قوله ﷺ : " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا " الحديث (٣). ويُعرف العالم: * بجده في طلب العلم، واجتهاده في التفقه في الدين، والتلقي عن المشايخ وملازمتهم زمنًا طويلاً معتبرًا، قال إبراهيم بن الأشعث: " إذا وجدتم الرجل معروفًا بشدة الطلب، ومجالسة الرجال؛ فاكتبوا عنه " (٤). * بشيوخه؛ من هم، وكيف هم؟ ثم بشهادتهم له، أو إجازتهم إياه. قال الإمام مالك ﵀: (لا ينبغي للرجل يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك، ولو نهياني لانتهيت) (٥)، وقال أيضًا: (ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للتحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، وأهل

стр. 388

الجهة من المسجد، فإن رأوه أهلاً لذلك جلس، وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك) (١) اهـ. * باستقامته على منهج أهل السنة والجماعة، وهدي السلف الصالح، وبراءته من البدع الضالة. * بآثاره من الإنتاج العلمي والتصنيف، والدروس والفتاوى، وكذا تلاميذه. * بتميزه بالعبادة والتنسك والتورع والخشوع، والمروءة ومحاسن الأخلاق. * برسوخ قدمه في مواطن الشبهات حين تضل الأفهام، وتتزلزل الأقدام، قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر؛ ما أزالت يقينه، ولا قدحت فيه شكًا، لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه ردَّها حرسُ العلم مغلولة مغلوبة) (٢) اهـ. * بمواقفه العلمية والعملية، وثباته في الفتن والابتلاءات، وأخذه بحظ وافر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعايشته لأحوال مصره، وتفاعله مع أحداث عصره، فهؤلاء العلماء المحتسبون الذين وصفهم الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله بأنهم: (لم يتخلفوا في كهوف " القَعَدة " الذين صرفوا وجوههم عن آلام أمتهم، وقالوا: " هذا مغتسل بارد وشراب "، وكأنما عناهم -أي القعدة- شوقي بقوله:

стр. 389

وقد يموت كثير لا تُحِسَّهُم ... كأنهم من هوان الخطب ما وُجدوا بل نزلوا ميدان الكفاح، وساحة التبصير بالدين) اهـ. * بأن يوضع له القبول في الأرض: فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إِن الله إِذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: " إِني أحب فلانًا فأحِبَّه "، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: " إِن الله يحب فلانًا فأحبوه "، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبولُ في الأرض " (١) الحديث. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (مَروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ : " وجبت "، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: " وجبت "، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: " هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض " (٢)، وفي رواية: " المؤمنون شهداء الله في الأرض " (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ( .. ومن له في الأمة لسانُ صدق

стр. 390

عام بحيث يُثْنَى عليه، ويُحمد في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى) (١) اهـ. * * *

стр. 391

حتى لا يشتبه العلماء بغيرهم لقد أفرز الواقع الأليم -الذي أطلَّت فيه الفتن برأسها، وشهرت العالمانية سيفها، وغُيِّب فيه كثير من العلماء الربانيين، وحيل بينهم وبين الشباب- ظاهرة جديرة بالحذر، وهي بروز طائفة من الشباب المتحمسين للذبِّ عن دينهم، ونشر سنة نبيهم ﷺ ، وتأدية فرض الكفاية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحياء الدعوة إلى الله، وتجديد شباب الإسلام. وقد أثمرت جهودهم بالفعل ثمارًا مباركة لا ينكرها إلا جاحد، منها: - التصدي لشبهات الزنادقة والمنافقين وسائر أعداء الدين. - انتعاش مهمة " البلاغ العام " بدعوة عموم المسلمين من خلال الخطابة، والمحاضرات وغيرها. - تذكير الفاسقين بالله، وحثهم على التوبة إليه ، وضمهم إلى صفوف المستقيمين. - إحياء العلم الشرعي , وازدهار حلق العلم، وتنشيط الحركة العلمية الإسلامية. - الرد على أهل البدع المنحرفين عن منهج السلف الصالح. - تناول القضايا الواقعية التي تمس واقع الحياة من حولهم بطريقة مباشرة من خلال المنظور الإسلامي.

стр. 392

إن من الظلم البين أن يوصف هؤلاء الدعاة بالتمرد والعقوق لأهل العلم، لأنهم سدوا ثغرات كثير من الفروض الكفائية، ورفعوا كثيرًا من الحرج عن سائر الأمة: أقلوا عليهم -لا أبا لأبيكم- ... من اللوم أو سُدّوا المكان الذي سَدُّوا وكثير منهم نشأ في مواقع نضب فيها العلم، وغاب العلماء، لا أنهم وجدوا العلماء فزهدوا في الجثو بين أيديهم، والنَّهَل من علمهم، فلسان حالهم يخاطب العلماء: لا تظنوا بنا العقوق ولكن ... أرشدونا إن ضللنا الرشادا فكان من الطبيعي والمتوقع أن يتلبسوا -خلال الممارسة الدعوية- بأخطاء نتيجة عدم تدرجهم في سُلَّم التعلم والتفقه، بل التأدب بكثير مما مرّ ذكره، فظهرت نتوءات شاذة في فكر وسلوك بعضهم تحتاج إلى أن يعالجها العلماء بالتهذيب والإصلاح، من أخطرها: - انتزاع حقوق ليست لهم في الحقيقة كحق الفُتْيا، بل الاستبداد بها في بعض الأحيان، بل محاكمة العلماء والجرأة عليهم كما مرّ ذكره، والاستغناء عن الاستهداء باجتهادهم في قضايا محورية. وزاد الطين بلة أنهم خُدعوا بالتفاف الجماهير حولهم، فتصرفوا " كمراكز قوى " تضغط على العلماء، وتستمد مصداقيتها من الواقع المفروض لا من المؤهلات الشرعية المعتبرة. وهذا الواقع هو الذي يُحْوِجنا الآن إلى ضبط الأمور، وإعادة ترتيبها، وإعطاء كل ذي حقٍ حقه , وذلك:

стр. 393

- بدعوة الجميع إلى ضرورة التفريق بين " العالم " الحقيقي، وبين كل من: طالب العلم، والناقل، والداعية، والواعظ، والعابد، والخطيب، والقارئ، والمثقف، والمفكر، والمجاهد ... إلخ. فلكلٍ وجهة هو موليها، (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات)، دون أن يتسوَّر غير العالم على العلم، ودون أن ينازع الأمر أهله، ودون أن يحقر من فُتح عليه في باب من أبواب البر مَن فُتح عليه في غيره، على أن يبقى " العلم " هو الحَكَم، فيكون أسعد المذكورين حظًّا أشدهم التحامًا بالعلم والعلماء، وبذلك نوفِّي حاجة الأمة إلى تجارب الشيوخ وعلومهم، وطاقة الشباب وجهودهم. (قال الحافظ ابن عبد البَر في " التمهيد ": هذا كتبته من حفظي، وغاب عني أصلى: إن عبد البر العُمري العابد كتب إلى مالك يحضُّه على الانفراد والعمل، فكتب إليه مالك: " إن الله قسم الأعمالَ كما قسم الأرزاق، فرُبَّ رجلٍ فُتح له في الصلاة، ولم يُفتح له في الصوم، وآخَرُ فُتح له في الصدقة، ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيتُ بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خيرٍ وبِرٍ ") (*). * * *

стр. 394

الخاتمة نسأل الله حُسْنَها, إذا بلغت الروح المنتهى وبعد: فقد أتيت على ما عمدت إلى جمعه في هذا الكتاب راغبًا إلى الله سبحانه في صالح العمل، ونجاح الأمل، فبه القوة والحول، وله المنة والطول، وهو حسبي ونعم الوكيل. فيا أيها الناظر فيه، المتأمل لمعانيه: هذه حال السلف، وتلك آثارهم، فشمِّر مثلَهم عن ساق الدأَب في سوق الأدب: فليس لدى المجدِ والمَكْرُمات ... إذا جِئتها حاجبٌ يحجبكْ وإياك أن يكون حظَّك منها أن تهز رأسك طربًا قائلاً: " هذه أخبارٌ تكتب بماء الذهب "، فعن نجيد الترمذي قال: (كنت عند مالك، وعنده محمد والمأمون يسمعان منه الحديث، فلما فرغا؛ قال أحدهما -إما المأمون وإما محمد-: " يا أبا عبد الله! أتأمرني أن أكتبه بماء الذهب؟ "، قال: " لا تكتبه بماء الذهب، ولكن اعمل بما فيه ") (١). وإني مُذَكِّرٌ نفسي وسائرَ العصاة المذنبين بقول الله جل وعلا: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقوله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ

стр. 395

أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٦، ١٧]. فيا محيي القلوب الميتة بالإيمان، خذ بأيدينا من مهواة الهلكة، وطهِّرنا من درن الخطايا، واعصمنا من زلل اللسان. وأعيذ نفسي وكلَّ ناصح أن يكون ممن قال فيهم الصادق المصدوق ﷺ : " مَثَلُ الذي يُعَلِّم الناسَ الخيرَ، وينسى نفسَه، مثل الفتيلةِ، تُضيءُ للناس، وتحرِقُ نفسَها " (١)، وإلا فما أحراه بقول الإمام الواعظ الفاضل أبي المظفر محمد بن عليِّ بن البَلِّ الدُّوريِّ رحمه الله تعالى (٢): يتوب على يَدِي قومٌ عصاةٌ ... أخافَتْهم من الباري ذنوب وقلبي مُظلم من طول ما قد ... جنى فأنا على يد مَن أتوب؟ كأني شمعةٌ ما بين قومٍ ... تضيء لهم وَيحْرِقها اللهيب كأني مِخْيَطٌ يكسو أناسًا ... وجسمي من ملابِسه سليب فنستغفر الله تعالى من كل ما زلت به القدم، أو طغى به القلم، ونستغفره من أقوالنا التي لا توافقها أعمالنا، ونستغفره من كل علم وعمل قصدنا به وجهه

стр. 396

الكريم ثم خالطه غيره، ونستغفره من كل وعد وعدنا به من أنفسنا ثم قصَّرنا في الوفاء به، ونستغفره من كل نعمة أنعم بها علينا فاستعملناها في معصيته، ونستغفره من كل تصريح وتعريض بنقصان ناقص، وتقصير مقصِّر كنا متصفين به، ونستغفره من كل خطرة دعتنا إلى تصنع وتكلف تزينَّا للناس به (١). وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. الإسكندرية في الأربعاء٢٠ جمادى الآخرة ١٤١٨ هـ الموافق ٢٢ أكتوبر ١٩٩٧ م.