وقال الفضيل بن عياض: " ما من أحدٍ أحب الرياسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس، وكره أن يُذكر أحد بخير ".
وقال سفيان الثوري: " ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب، ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يَذكُر الناسُ أحدًا عنده بخير ".
وما عبَّر الإنسان عن فضل نفسه ... بمثل اعتقاد الفضل في كل فاضلِ
وليس من الإنصاف أن يدفع الفتى ... يَدَ النقصِ عنه بانتقاص الأفاضل
وقال الأوزاعي ﵀ لبقية بن الوليد:
" .. يا بقية لا تذكر أحدًا من أصحاب محمد نبيك ﷺ إلا بخير، ولا أحدًا من أمتك، وإذا سمعت أحدًا يقع في غيره؛ فاعلم أنه إنما يقول: أنا خير منه ".
لطيفة: إِذا كنت خاملاً، فتعلق بعظيم !
(كان أحمد بن عبد الدائم بن يوسف بن ساهل شاعرًا مشهورًا مولعًا بالهجاء، حتى إنه لما دخل دمشق، قدم لقاضيها شهاب الدين الخوئي قصيدة هجو، فردَّها إليه، وقال: " كأنك ذاهل "، قال: " بل لست بذاهل، بل صنعت ذلك عمدًا لأشتهر، لأني رأيت الناس اجتمعوا على الثناء عليك، فرأيت أن أخالفهم، فإني لو مدحتك فأعطيتني لم يشعر بي أحد، فإذا هجوتك وعزَّرتني؛ يقال: " ما هذا؟ "، فيقال: " هذا غريم القاضي "، فأشتهر " (١).
السبب العاشر: عدم التثبت في النقل:
(فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيّع لرأي أو نحلة
стр. 352
قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله) (١) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: " إن الذي يتصدى لضبط الوقائع من الأقوال والأفعال والرجال، يلزمه التحري في النقل، فلا يجزم إلا بما يتحققه، ولا يكتفي بالقول الشائع، ولا سيما إن ترتب على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم والصلاح، وإن كان في الواقعة أمرٌ فادح، سواء كان قولاً أو فعلاً أو موقفًا في حق المستور، فينبغي أن لا يبالغ في إفشائه، ويكتفي بالإشارة؛ لئلا يكون وقعت منه فلتة؛ ولذلك يحتاج المسلم أن يكون عارفًا بمقادير الناس وأحوالهم ومنازلهم، فلا يرفع الوضيع، ولا يضع الرفيع " (٢) اهـ.
وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى-: " من الغلط الفاحش الخطر قبول قول الناس بعضهم ببعض، ثم يبني عليه السامع حبًّا وبغضًا ومدحًا وذمًا، فكم حصل بهذا الغلط أمور صار عاقبتها الندامة، وكم أشاع الناس عن الناس أمورًا لا حقائق لها بالكلية، أو لها بعض الحقيقة فنميت بالكذب والزور، وخصوصًا من عرفوا بعدم المبالاة بالنقل، أو عرف منهم الهوى، فالواجب على العاقل التثبت والتحرز وعدم التسرع، وبهذا يُعرف دين العبد ورزانته وعقله " (٣) اهـ.
السبب الحادي عشر: الفراغ:
فإن الاشتغال بلغو القول وتجريح الآخرين وسائر آفات اللسان إنما هو ثمرة
стр. 353
الفراغ الذي لم يبادر صاحبه إلى ملئه بالعمل الصالح.
قال ﷺ : " نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ " (١).
وقال الحسن البصري: " نفسك إن لم تشغلها بالحق؛ شغلتك بالباطل ".
فالطاعن في أهل الحق فارغ، وأهل الحق مشغولون بحقهم، ويقول المثل العربي: " ويل للشجي من الخلي، وويل للعالم من الجاهل "، والشجي هو المشغول، والخلي هو الفارغ.
(وكم موسوعة كان يمكن أن يؤلفها فضول القول الذي قيل أثناء الفتن والمجادلات والخلافات، وكم ساعة عمل ضائعة هدرها الوقت المستهلك في استنباط الظنون؟!) (٢).
السبب الثاني عشر: الجحود وعدم الإِنصاف:
ومن مظاهره: تنكر الطالب لشيخه الذي طالما أفاده، وعلَّمه، وأحسن إليه لأجل زلة زلَّها، أو غضبة غضبها، فيجحد كل ما مضى من إحسانه إليه، ويقول كما تقول كافرات العشير: " ما رأيت منك خيرًا قط "، ويطلق لسانه في ذم شيخه والتشنيع عليه، ويقول الشاعر في مثل هذا:
فيا عجبًا لمن رَبيْتُ طفلاً ... أُلَقِّمُه بأطرافِ البنانِ
أعلِّمُه الرمايةَ كلَّ يومٍ ... فلما استد ساعدُه رماني
أعلمه الفتوةَ كل حينٍ ... فلما طرَّ شاربه جفاني
أعلمه الرواية كل وقتٍ ... فلما صار شاعِرَها هجاني
стр. 354
قال الشافعي ﵀: " الحر مَن راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة ".
صحبةُ يومٍ نسبٌ قريب ... وذِمّة يعرفها اللبيب
وكان محمد بن واسع يقول: " لا يبلغ العبد مقام الإحسان حتى يحسن إلى كل من صحبه ولو ساعة "، وكان إذا باع شاة يوصي بها المشتري، ويقول: " قد كان لها معنا صحبة ".
وكان الأولى بالجاحد الكفور أن يتمثل ما قاله الضيف الكريم لمضيفه الذي أحسن إليه؛ فقد (كان الرجل شجرةُ عنب كثيرة الثمر، فكان غارسها إذا مَرَّ به صديق له؛ اقتطف عنقودًا ودعاه، فيأكله، وينصرف شاكرًا.
فلما كان اليوم العاشر؛ قالت امرأة صاحب الشجرة لزوجها: " ما هذا من أدب الضيافة، ولكن أرى إن دعوتَ أخاك، فأكل النصف، مددتَ يدك معه مشاركًا، إيناسًا له، وتبسطًا، وإكرامًا "، فقال: " لأفعلن ذلك غدًا ".
فلما كان الغد؛ وانتصف الضيف في أكله؛ مدَّ الرجل يده وتناول حَبَّة، فوجدها حامضة لا تساغ، وتفلها، وقطب حاجبيه، وأبدى عجبه من صبر ضيفه على أكل أمثالها، فقال الضيف: " قد أكلتُ من يدك من قبلُ على مَرِّ الأيام حُلوًا كثيرًا، ولم أحبَّ أن أريك من نفسي كراهة لهذا، تشوب في نفسك عطاءك السالف " (١).
ومن مظاهر الجحود: الرجوع عن التعديل والتزكية إلى التجريح والذم لمحض الهوى وشهوات الأنفس، قال الزعفراني. (حجَّ بشر المريسي، فلما قدم قال:
стр. 355
" رأيت بالحجاز رجلاً ما رأيت مثله سائلاً ولا مجيبًا -يقصد الإمام الشافعي ﵀ قال: فقدم علينا، فاجتمع إليه الناس، وخَفّوا عن بشر، فجئت إلى بشر، فقلت: " هذا الشافعي الذي كنت تزعم قد قدِم "، قال: " إنه قد تغيَّر عما كان عليه "، قال: " فما كان مَثَلُ بشر إلا مثل اليهود في شأن عبد الله بن سلام ") (١).
رصاصُ مَن أحببته ذهبٌ ... وذهب مَن لم ترض عنه رصاصُ
- ومن مظاهر الجحود: الانكباب على مصنفات العالم والنهل من فيض علمه سرًّا، مع إظهار الاستغناء عنه، وذم كتبه في الملإ (٢).
- ومن مظاهره: تنكر منتسبي الدعوة للجيل السابق الذي عاصر مراحل التأسيس، وعانى ما اكتنفها من جهد وآلام، وليتهم إذ جحدوا كفُّوا ألسنتهم عن الأذى، إذًا لحُمِدوا أبلغ الحمد في زمن يصدق عليه قول القائل:
إنا لفي زمنِ تركُ القبيح به ... مِن أكثر الناس: إحسانٌ وإجمالُ
وقول الآخر:
عَدّنا في زماننا ... عن حديث المكارم
من كفى الناسَ شرَّه ... فهو في جُود حاتِم
السبب الثالث عشر: استثمار المغرضين لزلات العلماء:
ولأهمية هذا السبب نفرده بالفصل التالي:
стр. 356
الفصل الرابع
ذلة العالم
الحكم على زلة العالم هو من وظائف المجتهدين؛ فهم العارفون بما وافق أو خالف، وأما غيرهم؛ فلا تتميز لهم في هذا المقام (١).
(فإن قيل: فهل لغير المجتهد من المتفقهين في ذلك ضابط يعتمده أم لا؟
فالجواب: إن له ضابطًا تقريبيًّا، وهو أن ما كان معدودًا في الأقوال غلطًا وزللاً قليل جدًّا في الشريعة، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها، قلما يساعدهم عليها مجتهد آخر، فإذا انفرد صاحبُ قول عن عامة الأمة؛ فليكن اعتقادك أن الحق في المسألة مع السواد الأعظم من المجتهدين، لا من المقلدين) (٢) اهـ.
* * *
стр. 357
التحذير من زلات العلماء وبيان آثارها
شبَّه العلماء زلة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير (١).
وقيل: زلة العالم مضروب بها الطبل.
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: " ثلاثٌ يَهْدِمْنَ الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن (٢)، وأئمة مُضِلُّون " (٣).
وقال سلمان الفارسي ﵁: " كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم، فأما زلة العالم، فإن اهتدى؛ فلا تقلدوه دينكم، تقولون: نصنع مثل ما يصنع فلان، وننتهي عما ينتهي عنه فلان، وإن أخطأ؛ فلا تقطعوا إياسكم منه، فتُعينوا عليه الشيطان " الحديث (٤).
وعن ابن عباس ﵄ قال: " ويل للأتباع من عثرات العالم "، قيل: كيف ذلك؟ قال: " يقول العالم شيئًا برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله ﷺ منه؟ فيترك قوله ذلك، ثم يمضي الأتباع " (٥).
стр. 358
وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول في خطبته كثيرًا: " وإياكم وزيغةَ الحكيم؛ فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وقد يقول المنافق الحقَّ، فتلقَّوا الحق عمن جاء به؛ فإن على الحق نورًا "، قالوا: " وكيف زيغة الحكيم؟ "، قال: " هي كلمة تروعكم وتنكرونها، وتقولون: ما هذه؟ فاحذروا زيغته، ولا تَصُدَّنكم عنه؛ فإنه يوشك أن يفيء، وأن يُراجع الحقَّ " (١).
وقال الحسين بن فضل: " لكل عالم هفوة " (٢).
وقال علي بن الحسين ﵀ ورضي عن أبيه: " ليس ما لا يُعرف من العلم، إنما العلم ما عُرِف، وتواطأت عليه الألسن " (٣).
وقال إبراهيم بن أبي عبلة ﵀: " من حمل شاذ العلم حمل شرًّا كثيرًا " (٤).
قال مالك: (شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس " (٥).
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: " لا يكون إمامًا في الحديث من تَتَبَّع شواذَّ الحديث، أو حدث بكل ما يسمع، أو حدَّث عن كل أحد " (٦).
* * *
стр. 359
الموقف المذموم من زلة العالم
وله صورتان:
الأولى: موقف من يتتبعون عثرات العلماء، ويتصيدون زلاتهم، ويفرحون بها، ويستثمرونها في تأثيمهم، والتشهير بهم، والتشنيع عليهم، لإهدار قدرهم، وإسقاط منزلتهم، وإحباط محاسنهم، وجحود فضائلهم، بدافع من التعصب الأعمى، أو التحزب الجاهلي، أو التآمر لتحطيم قمم الإسلام، ورموز نهضته.
والمؤمن الصادق ينصح لوجه الله، لإحقاق الحق، وهداية الناس، لا للتجريح والتشهير والعدوان، وإذكاء نار الفتن التي تأكل الأوقات، وتستنفد الطاقات.
وقد شكا العلماء قديمًا وحديثًا من هذا الصنف المتربص الجاحد الظالم: قال داود بن يزيد: سمعت الشعبي يقول: " والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة، وأخطأت مرة؛ لأعَدّوا عليَّ تلك الواحدة " (١).
وفي هؤلاء قال الشاعر:
إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحًا ... مني وما يسمعوا من صالح دفنوا
آخر:
إن يسمعوا الخير يُخفوه وإن يسمعوا ... شرًّا أذاعوا، وإن لم يسمعوا أفكوا
وقال محمد بن سيرين: " ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم، وتكتم
стр. 360
خيره " (١).
الصورة الثانية: موقف من يغالون في أئمتهم وعلمائهم ومشائخهم غلوًّا يقطعهم عن رؤية زلتهم، فضلاً عن الحذر منها، وكأنهم اقتبسوا شعلة من نور العصمة التي لا تنبغي إلا لنبي، وقد قيل: " حبك الشيء يعمي ويصم "، وقال ابن مسعود ﵁: " ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر " (٢).
وقال الإمام أحمد ﵀: " لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا ".
وهاك صورًا من الغلو في العلماء:
فمن ذلك قول بعضهم: " نظرة عندنا من أحمد -أي: ابن حنبل- تعدل عبادة سنة ".
وقول آخر: " عندنا بخراسان يظنون أن أحمد بن حنبل لا يشبه البشر، يظنون أنه من الملائكة ".
وقال شيخ السلمي له: " من قال لأستاذه: لم؟ لم يفلح أبدًا " (٣).
وحكى الشيخ سليمان بن يوسف بن مفلح أحد أعلام الشافعية ﵀ عن نفسه، فقال: (كنت إذا سمعت شخصًا يقول: " أخطأ النووي "، أعتقد أنه كفر) (٤).
стр. 361
فأين هؤلاء من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: " لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله ".
قال الإمام ابن القيم: " اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يُلتفت الى قول من سواه بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله، فهذا والله هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد إنقراض القرون الفاضلة " اهـ (١).
وقال ابن المبارك ﵀ لمناظريه في الكوفة في النبيذ المختلف فيه لما احتجوا بأسماء بعض أهل العلم: " فقلت لهم: دعُوا عند إلاحتجاج تسمية الرجال؛ فَرُبَّ رجلٍ في الإسلام مناقبُه كذا وكذا، وعسى أن يكون منه زلة، أفلأحدٍ أن يحتج بها؟ " (٢).
* * *
стр. 362
ضوابط الموقف الصحيح من زلة العالم
أولاً: أن يُعلم أن الخطأ من مقتضى الطبيعة البشرية لا يسلم منه إلا المعصوم ﷺ ، وأن الخطأ لا يستلزم الإثم؛ بل المجتهد المخطئ مأجور.
وقال أبو هلال العسكري ﵀: (ولا يضع من العالم الذي برع في علمه زلة، إن كانت على سبيل السهو والإغفال؛ فإنه لم يعر من الخطأ إلا من عصم الله جل ذكره، وقد قالت الحكماء: " الفاضل مَن عُدَّت سقطاته "، وليتنا أدركنا بعض صوابهم أو كنا ممن يُميِّز خطاهم) (١) اهـ.
تريد مهذبًا لا عيب فيه ... وهل عود يفوح بلا دخان
آخر:
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدًا ... فأفعاله اللائي سررن ألوف
وقال الإمام ابن الأثير ﵀: (وإنما السيد من عُدَّت سقطاته، وأُخذت غلطاته، فهي الدنيا لا يكمل بها شيء، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " حق على الله ألا يرفع شيئًا من الدنيا إِلا وضعه ") (٢).
من ذا الذي تُرْضَى سجاياه كلُّها ... كفى المرءَ نُبْلاً أن تُعَدَّ معايبُه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فأمَّا الصديقون والشهداء
стр. 363
والصالحون فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحضة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم ويقولون: إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم ويقولون: إنهم باغون بالخطإ.
وأهل العلم والإيمان: لا يَعْصِمون ولا يؤثمون) (١).
وقال أيضًا ﵀: (وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل، فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطأوا، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله: " قد فعلت " (٢).
وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نتبع من دونه أولياء، وأمرنا أن لا نطيع مخلوقًا في معصية الخالق، ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فنقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية [الحشر: ١٠].
وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه هذا من الأمور، ونعظِّم أمره تعالى بالطاعة لله ورسوله، ونرعى حقوق المسلمين، لا سيما أهل العلم منهم، كما أمر الله ورسوله، ومن عدل عن هذه الطريق فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى في التقليد، وآذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فهو من الظالمين، ومن عظَّم حرماتِ الله، وأحسن إلى عباد الله، كان من أولياء الله المتقين، والله سبحانه أعلم) (٣).
стр. 364
ثانيًا: أن يعلم أن زلة العالم ليست من الشرع في شيء، فلا تنسب إليه، ولا هي من الخلاف السائغ، ولا يجوز الاقتداء به فيها، بل يتعين تبرئة الشريعة منها.
قال الإمام الشاطبي في " الموافقات ":
(إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليدًا له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عُدت زلة، وإلا فلو كانت معتدًّا بها؛ لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نُسب إلى صاحبها الزلل فيها ...
ما أنه لا ينبغي أن يُشَنعَ عليه بها، ولا يُنتقص من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتًا؛ فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين) اهـ (١).
وقال الإمام الشاطبي أيضاً: (إنه لا يصح اعتمادها -أي زلة العالم- خلافًا في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد؛ فهو لم يصادف فيها محلاً، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوالُ الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا؛ فلذلك قيل: " إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها) اهـ (٢).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: (ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه
стр. 365
ورسوله -وهو مما يختص به العلماء- ردُّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة، وبيانُ دلالتهما على ما يخالف الأهواءَ كلها، وكذلك ردُّ الأقوال الضعيفة من زَلات العلماء، وبيانُ دلالة الكتاب والسنة على ردِّها) (١) هـ.
ومع أهمية التنبيه إلى زلة العالم، فإن هذا لا يستلزم هجره وإطراح ما عدا ذلك من علومه النافعة، كما يفعل الغلاة من المنتسبين إلى طلب العلم، وفي هذا يقول العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى:
(فهذه الآراء المغلوطة لم تكن سببًا في الحرمان من علوم هؤلاء الأجلة، بل ما زالت مناراتٍ يُهتدى بها في أيدي أهل الإسلام، وما زال العلماء على هذا المشرع ينبهون على خطإ الأئمة مع الاستفادة من علمهم وفضلهم، ولو سلكوا مسلك الهجر لهُدِّمت أصول وأركان، ولتقلص ظل العلم في الإسلام، وأصبح الاختلال واضحًا للعيان، والله المستعان) (٢) اهـ.
ثالثًا: أن يَلتمس العذر للعالم، ويُحسِن الظن به، ويقيله عثرته:
قال الإمام السبكي ﵀: (فإذا كان الرجل ثقة مشهودًا له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن يحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تُعُوِّد منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله) (٣).
وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:
(والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما: أعظم الباطل، وبريد بها الآخر: محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إِليه،
стр. 366
ويناظر عنه) (١) اهـ.
وأسند البخاري في كتاب الشروط من " صحيحه " قصة الحديبية ومسيرَ النبي ﷺ إليها، وفيها:
(وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلتُه، فقال الناس: " حَلْ حَلْ " (٢)، فألَحَّت (٣)، فقالوا: " خلأت (٤) القصواء "، فقال النبي ﷺ : " ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل " إلخ الحديث.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فقه هذا الحديث: (جواز الحكم على الشيء بما عُرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يُعهد منه مِثلُها، لا يُنسب إليها، ويُرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله؛ لأن خلأ القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحًا، ولم يعاتبهم النبي ﷺ على ذلك لعذرهم في ظنهم) (٥) اهـ.
قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: (فقد أعذر النبي ﷺ غير المكلَّف من الدواب باستصحاب الأصل، ومن قياس الأولى إذا رأينا عالمًا عاملاً، ثم وقعت منه هِنة أو هفوة، فهو أولى بالإعذار، وعدم نِسبته إليها والتشنيع عليه بها- استصحابًا للأصل، وغمر ما بدر منه في بحر علمه وفضله، وإلا كان المعنِّف قاطعًا للطريق رِدءًا للنفس اللوامة، وسببًا في حرمان العالَم من علمه، وقد نُهينا أن يكون أحدُنا عونًا للشيطان على أخيه) (٦) اهـ.
стр. 367
ثم نقل قول الصنعاني رحمه الله تعالى: (وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب) اهـ.
وعن أبي هريرة ﵁: قال ﷺ : " من أقال مسلمًا أقال الله عثرته " (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إِلا الحدود " (٢).
قال الإمام الشافعي ﵀: (ذوو الهيئات الذين يُقالون عثراتهم الذين ليسوا يُعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة) (٣).
وقال الإمام العز بن عبد السلام ﵀: (لو رُفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام لم يجز تعزيرهم عليها، بل يقيل عثرتهم، ويستر زلتهم، فهم أولى من أقيلت عثرته، وسُترت زلته) (٤).
وقال الإمام المحقق ابن القيم ﵀: (الظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان مستورًا مشهورًا بالخير حتى كبا به جواده، ونبا غضب صبره، وأُديل عليه شيطانه، فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال
стр. 368
عثرته ما لم يكن حدًّا من حدود الله فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف كما يتعين أخذه من الوضيع) (١) اهـ.
رابعًا: أن يحفظ للعالم قدره، ولا يجحد محاسنه:
قال الذهبي في ترجمة القفال الشاشي: (قال أبو الحسن الصفار: سمعت أبا سهل الصعلوكي، وسئل عن تفسير أبي بكر القفال، فقال: " قدَّسه من وجه، ودنَّسه من وجه "، أي دنسه من جهة نصره للاعتزال، قلت: قد مرَّ موته، والكمال عزيز- وإنمَّا يمدح العالم بكثرة ما له من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطة، ولعله رجع عنها، وقد يغفر له في استفراغه الوسع في طلب الحق، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (٢) اهـ.
واستدرك الإمام المحقق ابن القيم ﵀ بعض ألفاظ الشيخ أبي إسماعيل الهروي، وقال: " في هذا اللفظ قلق وسوء تعبير، يجبره حسنُ حال صاحبه وصدقُه، وتعظيمُه لله ورسوله، ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له " (٣).
وقال أيضاً: (شيخ الإسلام حبيبنا، ولكنَّ الحق أحبُ إلينا منه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: " عملُه خير من عِلمه "، وصدق ﵀، فسيرته بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد أهل البدع، لا يُشقُ له فيها غبار، وله المقامات المشهورة في نُصرة الله ورسوله، وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ ، وقد أخطأ في هذا الباب لفظًا ومعنى .. ) (٤) اهـ.
* * *
стр. 369
كل مجتهد استفرغ وسعه للوصول إِلى الحق استحق الثواب وإِن أخطأ سواء في ذلك المسائل العلمية والعملية
قال شيخ الإسلام ﵀: (والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية كما بسط في غير هذا الموضع، كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه، مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يُرى، لقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ولقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، كما احتجت عائشة بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية في حق النبي ﷺ ، وإنما يدلان بطريق العموم، وكلما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يُرى، وفسروا قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة٢٢: ٢٣] بأنها تنتظر ثواب ربها، كما نقل ذلك عن مجاهد وأبي صالح.
أو اعتقد أن الله لا يعجب، كما اعتقد ذلك شريح، لاعتقاده أن العجب إنما يكون من جهل السبب، والله منزه عن الجهل.
أو اعتقد أن عليًّا أفضل الصحابة لاعتقاده صحة حديث الطير (١) ...
أو اعتقد أن بعض الكلمات أو الآيات أنها ليست من القرآن؛ لأن ذلك لم يثبت عنده بالنقل الثابت، كما نقل عن غير واحد من السلف أنهم أنكروا ألفاظًا من القرآن ......
стр. 370
وكما أنكر طائفة من السلف على بعض القراء بحروف لم يعرفوها، حتى جمعهم عثمان على المصحف الإمام ..
وكالذي قال لأهله: " إذا أنا مت فأحرقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين " (١).
وكما قد ذكره طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٥]، وفي قول الحواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، وكالصحابة الذين سألوا النبي ﷺ : " هل نرى ربنا يوم القيامة؟ "، فلم يكونوا يعلمون أنهم يرونه، وكثير من الناس لا يعلم ذلك، إما لأنه لم تبلغه الأحاديث، وإما لأنه ظن أنه كذب وغلط) (٢) اهـ. بتصرف واختصار.
وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضًا: (وقوع الغلط في مثل هذا -يعني: علو الله على خلقه- يوجب ما نقوله دائمًا: إن المجتهد في مثل هذا من المؤمنين إن استفرغ وسعه في طلب الحق، فإنَّ الله يغفر له خطأه، وإن حصل منه نوع تقصير، فهو ذنب لا يجب أن يبلغ الكفر، وإن كان يطلق القول بأن هذا الكلام كفر، كما أطلق السلف الكفر على من قال ببعض مقالات الجهمية، مثل القول بخلق القرآن، أو إنكار الرؤية، أو نحو ذلك مما هو دون إنكار علو الله على الخلق، وأنه فوق العرش، وإن تكفير صاحب هذه المقالة كان عندهم من أظهر الأمور، فإن التكفير المطلق، مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي يُكَفَّر تاركها.
стр. 371
كما ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ ، في (الرجل الذي قال: " إِذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذرُّوني في اليم؛ فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين "، فقال الله له: " ما حملك على ما فعلت؟ "، قال: " خشيتك "، فغفر له).
فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل واحد من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف عن عقابه، فغفر الله له لخشيته.
فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالاً من هذا الرجل، فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص عُلم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم) (١) اهـ.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (كل من كان مؤمنًا بما جاء به محمد ﷺ هو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية، أو غيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفرًا معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول ﷺ لا مخالف له لم يكن كافرًا به، ولو قُدِّر أنه يُكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول ﷺ ) (٢) اهـ.
стр. 372
وفي كتاب " الإنصاف سبيل للائتلاف " لجامعه عبيد بن أبي نفيع الشعبي:
(ومن كُفِّر ببدعة وإن جلَّت، ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام، وصلى، وحج، وزكَّى، وإن ارتكب العظائم، وضلَّ وابتدع، كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها) (١) اهـ.
وقال الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانئ، سمعت ابن خزيمة يقول: " من لم يقر أن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سمواته؛ فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئًا ".
علق الذهبي رحمه الله تعالى على عبارة إمام الأئمة ابن خزيمة قائلاً:
(قلت: من أقر بذلك تصديقًا لكتاب الله، ولأحاديث رسول الله ﷺ ، وآمن به مفوِّضًا معناه إلى الله ورسوله؛ ولم يخُض في التأويل ولا عمَّق؛ فهو المسلم المتبع، ومن أنكر ذلك، فلم يدرِ بثبوت ذلك في الكتاب والسنة فهو مُقصِّر، والله يعفو عنه، إذ لم يوجب الله على كل مسلم حفظَ ما ورد في ذلك، ومن أنكر ذلك بعد العلم، وقفا غير سبيل السلف الصالح، وتمعقل على النص، فأمره إلى الله، نعوذ بالله من الضلال والهوى.
وكلام ابن خزيمة هذا -وإن كان حقًّا- فهو فجٌ، لا تحتمله نفوسُ كثير من متأخري العلماء) (٢) اهـ.
وقال أيضًا ﵀: (وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من بلغته
стр. 373
رسالة النبي ﷺ ، فلم يؤمن به فهو كافر، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد، لظهور أدلة الرسالة، وأعلام النبوة؛ ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي، فكما أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، والواجبات تنقسم إلى أركان وواجبات ليست أركانًا: فكذلك الخطأ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، والنصوص إنما أوجبت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة، وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض هذه المسائل: إما أن يُلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وإما أن يلحق بالمخطئين في مسائل الإيجاب والتحريم، مع أنها أيضًا من أصول الإيمان.
فإن الايمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة: هو من أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق، مع أن المجتهد في بعضها ليس بكافر بالاتفاق مع خطئه.
وإذا كان لا بد من إلحاقه بأحد الصنفين: فمعلوم أن المخطئين من المؤمنين بالله ورسوله؛ أشد شبهًا منه بالمشركين وأهل الكتاب، فوجب أن يلحق بهم، وعلى هذا مضى عمل الأمة قديمًا وحديثًا، في أن عامة المخطئين من هؤلاء تجري عليهم أحكام الإسلام التي تجري على غيرهم، هذا مع العلم بأن كثيرًا من المبتدعة منافقون النفاق الأكبر ... ) (١) اهـ.
وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى: (ونحن نرجو أن يغفر الله تعالى للذين ماتوا على هذا الاعتقاد؛ لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة خلقه، فقصدهم حسن، ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيئة، وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها
стр. 374
نفسه يدل ظاهرها على مشابهة صفة الخلق، فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصدًا منهم لتنزيه الله، وأوَّلوها بمعنى آخر يقتضي التنزيه في ظنهم، فهم كما قال الشافعي ﵀:
رام نفعًا فضرَّ من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقا
ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥] (١).
وقال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع وفقه الله تعالى:
(وفي الأشعرية علماء لهم قدم في خدمة الشريعة، أمثال: الحافظين أبي بكر البيهقي، وأبي القاسم بن عساكر، والإمام العز بن عبد السلام، وغيرهم من فضلاء الأشعرية، نذكرهم بما لهم من المحاسن، غير أننا ننبه على ما وقعوا فيه من البدعة، فإن الحق لا محاباة فيه، ولا تمنعنا بدعتهم من الانتفاع بعلومهم في السنن والفقه والتفسير والتاريخ وغير ذلك، مع الحذر.
ولنا أسوة بالسلف والأئمة؛ فإنهم رَوَوْا السنن عن الكثير من المبتدعة لعلمهم بصدقهم (٢).
стр. 375
ونجتنب التكفير والتضليل والتفسيق للمعيَّن من هذا الصنف من العلماء، فإن هذا ليس من منهج السلف، وإنما نكتفي ببيان بدعته وردِّها إذا تعرضنا لها.
وهذا كله في حق العالم إذا لم تغلب عليه البدع والأهواء، وعلمنا منه حرصه على متابعة الرسول ﷺ ، وتحرِّي الحق من الكتاب والسنة إلا أنه لم يصبه لشبهة ما أو غير ذلك- شأن الكثير من متقدمي الأشعرية خلافًا لأكثر متأخريهم؛ فإن لكثير من متقدميهم اجتهادًا في طلب الحق، أما إذا غلبت عليه الأهواء ومخالفة صريح الشريعة، ولم يكن متحريًا للحق من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فليس له توقير ولا حرمة ولا كرامة) (١) اهـ.
* * *
стр. 376
بين الرجل والمنهج
قال الإمام المحقق ابن القيم ﵀:
(لابد من أمرين أحدهما أعظم من الآخر:
- وهو النصيحة لله ولرسوله ﷺ وكتابه ودينه، وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بَعَث الله به رسوله من الهدى والبينات.
والثاني: معرفةُ فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم ما جاء به الرسول ﷺ فقالوا بمبلغ علمهم, والحق في خلافها: لا يوجب اطِّراحَ أقوالهم جملةً، وتنقصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصدُ السبيل بينهما، فلا نُؤثِّم ولا نَعْصِم .. بل نسلُكُ مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة ...
ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: " جاهلٍ بمقدار الأئمة وفضلهم، أو: جاهلٍ بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله ﷺ .
ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قَدَمٌ صالحة وآثار حسنة -وهو من الإسلام وأهله بمكان- قد تكون منه الهفوة والزلة فيما هو فيها معذور، بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتَّبع فيها , ولا
стр. 377
يجوز أن تُهدر مكانتُه وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين) (١) اهـ.
وقال أيضًا -رحمه الله تعالى-: (والفرق بين تجريد متابعة المعصوم ﷺ ، وإهدار أقوال العلماء وإلغائها: أن تجريد المتابعة ألا تُقَدِّم على ما جاء به قولَ أحدٍ ولا رأيه كائنًا من كان، بل تنظر في صحة الحديث أولاً، فإذا صح لك؛ نظرت في معناه ثانيًا، فإذا تبين لك لم تعدل عنه، ولو خالفك مَن بين المشرق والمغرب، ومعاذَ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها، بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به، ولو لم تعلمه، فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله، بل اذهب إلى النص ولا تضعف، واعلم أنه قد قال به قائل قطعًا، ولكن لم يصل إليك، هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة) (٢).
وقد أفاد وأجاد في الموازنة بين حق " الرجل " وحق " المنهج " الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى وهو يعقب على الدروس المستفادة من غزوة أحد فقال ﵀:
( ... وهناك حقيقة أخيرة نتعلمها من التعقيب القرآني على مواقف الجماعة المسلمة، التي صاحبت رسول الله ﷺ والتي تمثل أكرم رجال هذه الأمة على الله، وهي حقيقة نافعة لنا في طريقنا إلى استئناف حياة اسلامية بعون الله.
إن منهج الله ثابت وقيمه وموازينه ثابتة، والبشر يبعدون أو يقربون من هذا
стр. 378
المنهج، ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وقواعد التطبيق والسلوك، ولكن ليس شيء من أخطائهم محسوبًا على المنهج، ولا مغيرًا لقيمه وموازينه الثابتة.
وحين يخطئ البشر في التصور أو السلوك فإنه يصفهم بالخطأ، وحين ينحرفون عنه فإنه يصفهم بالانحراف، ولا يتغاضى عن خطئهم -مهما تكن منازلهم وأقدارهم- ولا ينحرف هو ليجاري انحرافهم.
ونتعلم نحن من هذا، أن تبرئه الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج، وأنه من الخير للأمة الإسلامية أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة، وأن يوصف المخطئون المنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه -أيًّا كانوا- وألا تبرر أخطاؤهم وانحرافاتهم أبدًا بتحريف المنهج وتبديل قيمه وموازينه، فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ أو الانحراف ...
فالمنهج أكبر وأبقى من الأشخاص، والواقع التاريخي للإسلام ليس هو كل فعل وكل وضع صنعه المسلمون في تاريخهم، وإنما هو كل وضع وكل فعل صنعوه موافقًا تمام الموافقة للمنهج ومبادئه وقيمه الثابتة ..
وإلا فهو خطأ أو انحراف لا يحسب على الإسلام وعلى تاريخ الإسلام، إنما يحسب على أصحابه وحدهم، ويوصف أصحابه بالوصف الذي يستحقونه من خطأ أو انحراف أو خروج على الإسلام ... إن تاريخ الإسلام ليس هو تاريخ المسلمين؛ ولو كانوا مسلمين بالاسم أو باللسان، إن تاريخ الإسلام هو تاريخ التطبيق الحقيقي للإسلام في تصورات الناس وسلوكهم، وفي أوضاع حياتهم، ونظام مجتمعاتهم، فالإسلام محور ثابت تدور حوله حياة الناس في إطار ثابت، فإذا هم خرجوا من هذا الإطار، أو إذا هم تركوا ذلك المحور بتاتًا، فما للإسلام وما لهم يومئذ؟ وما لتصرفاتهم وأعمالهم تحسب على الإسلام؟ بل ما
стр. 379
لهم يوصفون بأنهم مسلمون إذا خرجوا على منهج الإسلام وأبوا تطبيقه في حياتهم (١)؟ وهم إنما كانوا مسلمين؛ لأنهم يطبقون هذا المنهج في حياتهم لا لأن أسماءهم أسماء مسلمين، ولا لأنهم يقولون بأفواههم: إنهم مسلمون.
وهذا ما أراد الله سبحانه أن يعلمه للأمة الإسلامية، وهو يكشف أخطاء الجماعة المسلمة، ويسجل عليها النقص والضعف، ثم يرحمها بعد ذلك، ويعفو عنها، ويعفيها من جرائر النقص والضعف في حسابه وإن يكن أذاقها جرائر هذا النقص والضعف في ساحة الابتلاء ... ) (٢) اهـ.
وعلَّق بعض المعاصرين قائلاً:
(إن الإسلام لا يعطي العصمة لأحد بعد رسول الله، ولكننا معشر المسلمين في الواقع نعطي هذه العصمة للرجال، ويصعب علينا أن نرى الشخصية الكبيرة التي نجلها تخطئ وتصيب، كما يصعب علينا أن نقول: " هذا الرأي من قوله خطأ، وهذا صواب ".
كما أننا -عمليًّا- لا يمكن أن نتعامل مع الشخصيات الإسلامية الكبيرة إلا على أساس التسليم لهم بكل شيء، أو رفض كل شيء.
وتحول هذا الأسلوب إلى منهج مقرر يتحدى القواعد النظرية الإسلامية التي يحفظها كل الناس، مثل ما نحفظ عن الإمام مالك قوله: " يؤخذ من قول كل أحد، ويُرَدُّ عليه إلا صاحب هذا القبر "، ويشير إلى حجرة النبي ﷺ ، وهذا القول مثل القول الذي يكرره سيد ﵀ بأسلوب هذا العصر في الكلام الذي
стр. 380
سبق، ولكن تطبيقه عمليًّا دونه خرط القتاد.
وفي الواقع إن تذوق العلم وحده، هو الذي يستطيع أن يعودنا الاحترام الصحيح لأهل العلم، بحيث نصل معه إلى درجة نقدر فيها العلم الذي عندهم، ونغفر لهم الخطأ الذي وقعوا فيه دون أن يصير خطؤهم غُلاً في أعناقنا، نأخذ ما أصابوا فيه، ونتجنب ما أخطأوا فيه دون أن نجعل خطأهم تحقيرًا لهم، ودون أن نجعل صوابهم عصمة لهم، فهذا الموقف هو الذي ينزه احترام أهل العلم من التحول إلى نوع من الأوثان ضرره أكثر من نفعه، وبهذا لا يتحول الأحبار والرهبان إلى أرباب) (١).
* * *
стр. 381
الفصل الخامس
ذم التعالم والتحذير من القول على الله بغير علم
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال رسول الله ﷺ : " إِن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإِذا لم يُبِق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جُهَّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " (١).
إن التعالم الكاذب هو عتبة الدخول على جريمة القول على الله بغير علم، المحرمة لذاتها تحريمًا أبديًّا في جميع الشرائع، وهذا مما علم من الدين بالضرورة، وهو مما حَذَّرَناه رسول الله ﷺ أشد التحذير.
فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : " يظهر الإِسلام حتى تختلف التجار في البحر، وحتى تخوض الخيل في سبيل الله، ثم يظهر قوم يقرأون القرآن، يقولون: " من أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ من أفقه منا؟ " ثم قال ﷺ لأصحابه: " هل في أولئك من خير؟ " قالوا: " الله ورسوله أعلم " , قال: " أولئك منكم من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار " (٢).
стр. 382
وعن عبد الله بن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ : (أنه قام ليلة بمكة من الليل، فقال: " اللهم هل بَلَّغت؟ " ثلاث مرات، فقام عمر بن الخطاب ﵁ وكان أوَّاهًا (١) - فقال: " اللهم نعم، وحَرَّضتَ، وجَهَدْتَ، ونصحتَ "، فقال ﷺ :
" ليَظهرنَّ الإِيمان حتى يُرَدَّ الكفر إِلى مواطنه، ولَتُخَاضَنَّ البحار بالإِسلام، ولَيأتين على الناس زمان يتعلمون فيه القرآن، يتعلمونه ويقرءونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمن ذا الذي هو خير منا؟ فهل في أولئك من خير؟ " قالوا: " يا رسول الله , من أولئك؟ " قال: " أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار ") (٢).
وعن عبد الله وأبي موسى ﵄ قالا: قال ﷺ :
" إِن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل، ويُرْفَع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج " (٣) الحديث.
وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل " (٤).
قال بعض الفضلاء: " وجدت جميع العلوم في ازدياد إلا علم الدين،
стр. 383
فعلمت أنه المقصود في الحديث ".
وصدق ﵀:
فها هو العلم في زماننا قد استدبر.
وها هو البغاث بأرضنا قد استنسر (١).
قد أعْوَزَ الماءُ الطهُور وما بقي ... غيرُ التيممِ لو يَطيب صعيدُ
ذكر أبو عمر عن مالك قال:
(أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة فوجده يبكي، فقال: " ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ "، وارتاع لبكائه، فقال: " لا، ولكن اسُتفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم "، قال ربيعة: " ولَبعض من يفتي ها هنا أحق بالحبس من السُرَّاق ") (٢).
وأفضح ما يكون للمرء: دعواه بما لا يقوم به، وقد عاب العلماء ذلك قديمًا وحديثًا:
قال الإمام ابن حزم ﵀: " لا آفة على العلوم وأهلها أضرّ من الدُخَلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون، ويظنون أنهم يعلمون، ويُفسدون، ويقدرون أنهم يُصلحون ".
وقال الإمام ابن الجوزي ﵀: (" يلزم ولي الأمر منعهم -أي من الفتيا- كما فعل بنو أمية " إلى أن قال: " وإذا تعيَّن على ولي الأمر منعُ من لم يُحسن التطبيب ومداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في
стр. 384
الدين؟! ") (١).
وقال الخطيب البغدادي ﵀: " ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين، فمن صلح للفتيا أقرَّه، ومن لا يصلح منعه، ونهاه أن يعود، وتواعده بالعقوبة إن عاد " (٢).
وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀: " من أقرهم من ولاة الأمور؛ فهو آثم " (٣).
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى أنه ينبغي أن يكون على المفتين محتسب، وقال: " يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟! " (٤).
وقال الإمام الماوردي ﵀: " وإذا وجد -المحتسب- من يتصدى لعلم الشرع وليس من أهله من فقيه أو واعظ، ولم يأمن اغترار الناس به في سوء تأويل أو تحريف أنكر عليه التصدي لما هو ليس من أهله، وأظهر أمره لئلا يُغترَّ به " (٥) اهـ.
فينبغي لمن تصدى للتعليم والإفتاء أن يكون أهلاً لذلك، وإلا فهو خائن للأمانة، ينطبق عليه قول رسول الله ﷺ : " إِذا ضيِّعت الأمانة، فانتظر الساعة "، قيل: " كيف إضاعتها؟ " قال: " إِذا أُسند الأمر إِلى غير أهله فانتظر الساعة " (٦).
стр. 385
قال ابن الحاج ﵀ في كتابه " المدخل " بعد أن حكى من حال بعض المنتسبين إلى العلم ما لا يليق بهم: (ولهذا المعنى كان سيدي أبو محمد -ابنُ أبي جمرة ﵀ إذا ذُكِر له واحد من علماء وقته ممن يُنسَب إلى طَرَف مما ذُكِر، ويُثْنَى عليه إذ ذاك بفضيلة العلم، يقول: " ناقل، ناقل " خوفا منه ﵀ على منصب العلم أن يُنسب إلى غير أهله، وخوفًا من أن يكون ذلك كذبا أيضًا، لأن الناقل ليس بعالم في الحقيقة، وإنما هو صانع من الصناع، كالخياط والحداد والقصار ... ) (١) اهـ. وعن معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي قال: (كان زائدة لا يحدِّث أحدًا حتى يمتحنه، فإن كان غريبًا قال له:
" من أين أنت؟ "، فإن كان من أهل البلد، قال: " أين مصلاك؟ "، ويسأل كما يسألُ القاضي عن البينة.
فإذا قال له، سأل عنه، فإن كان صاحب بدعة، قال: " لا تعودنَّ إلى هذا المجلس "، فإن بلغه عنه خير أدناه وحدثه، فقيل له: " يا أبا الصلت، لم تفعل هذا؟ " قال: " أكره أن يكون العلم عنده، فيصيروا أئمة يُحتاج إليهم، فيبدِّلوا كيف شاءوا ") (٢).
وقال مغيرة: " إني لأحتسب في منعي الحديث، كما يحتسبون في بذله ".
* * *
стр. 386
من العالم ؟
العالم هو: من يخشى الله ، ويعمل بمقتضى علمه.
عن ابن مسعود ﵁ قال: " ليس العلم عن كثرة الحديث، إنما العلم خشية الله " (١)، وعنه ﵁ قال: " كونوا للعلم رُعاةً، ولا تكونوا له رواة؛ فإنه قد يرْعَوي ولا يَروي، وقد يروي ولا يرعوي " (٢).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: " لا تكون تقيًا حتى تكون عالمًا، ولا تكون بالعلم جميلاً حتى تكون به عاملاً " (٣).
وعن الحسن قال: " العالم: الذي وافق علمَه عملُه، ومن خالف علمَه عملُه فذلك راويةُ حديث، سمع شيئاً فقاله " (٤).
وعنه ﵀ قال: " الذي يفوق الناسَ في العلم جدير أن يفوقهم في العمل " (٥)، وعنه في قوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] قال: " عُلِّمتم فعلِمْتُم ولم تعملوا، فوالله ما ذالكم بعلم " (٦).
стр. 387
وعن سفيان الثوري قال: " العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه؛ وإلا ارتحل " (١)، وعنه ﵀ قال: " العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شُغلوا، فإذا شُغلوا فُقدوا، فإذا فُقدوا طلبوا، فإذا طُلبوا هربوا " (٢).
وقد ختم الله كثيرًا من الآيات الداعية إلى الفضائل بقوله تعالى: (إِن كنتُمْ تَعْلَمُون)، (لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُون) إشارة إلى أن العلم باعث على العمل بها، ومثله قوله ﷺ : " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا " الحديث (٣).
ويُعرف العالم:
* بجده في طلب العلم، واجتهاده في التفقه في الدين، والتلقي عن المشايخ وملازمتهم زمنًا طويلاً معتبرًا، قال إبراهيم بن الأشعث: " إذا وجدتم الرجل معروفًا بشدة الطلب، ومجالسة الرجال؛ فاكتبوا عنه " (٤).
* بشيوخه؛ من هم، وكيف هم؟ ثم بشهادتهم له، أو إجازتهم إياه. قال الإمام مالك ﵀: (لا ينبغي للرجل يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك، ولو نهياني لانتهيت) (٥)، وقال أيضًا: (ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للتحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، وأهل
стр. 388
الجهة من المسجد، فإن رأوه أهلاً لذلك جلس، وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك) (١) اهـ.
* باستقامته على منهج أهل السنة والجماعة، وهدي السلف الصالح، وبراءته من البدع الضالة.
* بآثاره من الإنتاج العلمي والتصنيف، والدروس والفتاوى، وكذا تلاميذه.
* بتميزه بالعبادة والتنسك والتورع والخشوع، والمروءة ومحاسن الأخلاق.
* برسوخ قدمه في مواطن الشبهات حين تضل الأفهام، وتتزلزل الأقدام، قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر؛ ما أزالت يقينه، ولا قدحت فيه شكًا، لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه ردَّها حرسُ العلم مغلولة مغلوبة) (٢) اهـ.
* بمواقفه العلمية والعملية، وثباته في الفتن والابتلاءات، وأخذه بحظ وافر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعايشته لأحوال مصره، وتفاعله مع أحداث عصره، فهؤلاء العلماء المحتسبون الذين وصفهم الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله بأنهم:
(لم يتخلفوا في كهوف " القَعَدة " الذين صرفوا وجوههم عن آلام أمتهم، وقالوا: " هذا مغتسل بارد وشراب "، وكأنما عناهم -أي القعدة- شوقي بقوله:
стр. 389
وقد يموت كثير لا تُحِسَّهُم ... كأنهم من هوان الخطب ما وُجدوا
بل نزلوا ميدان الكفاح، وساحة التبصير بالدين) اهـ.
* بأن يوضع له القبول في الأرض:
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
" إِن الله إِذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: " إِني أحب فلانًا فأحِبَّه "، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: " إِن الله يحب فلانًا فأحبوه "، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبولُ في الأرض " (١) الحديث.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال:
(مَروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ : " وجبت "، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: " وجبت "، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: " هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض " (٢)، وفي رواية: " المؤمنون شهداء الله في الأرض " (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ( .. ومن له في الأمة لسانُ صدق
стр. 390
عام بحيث يُثْنَى عليه، ويُحمد في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى) (١) اهـ.
* * *