← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96617

الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (396 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الإِعلامُ بـ حُرمةِ أهلِ العلمِ والإِسلامِ تأليف محمَّد أحمد إسماعيل المقدّم عَفَا الله عَنه دارُ طيبة الرياض مَكتبةٌ الكوثر الرياض

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام

стр. 4

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م دار طيبة للنشر والتوزيع الرياض- شارع السويدي - غرب النفق ص ب: ٧٦١٢ هاتف: ٤٢٥٣٧٣٧ - فاكس ٤٢٥٨٢٧٧ مكتبه الكوثر للنشر التوزيع الرياض - شارع العُليَا العَام - مقابل أسواق طيبة ص ب: ١٦٨٦٣ - الرياض: ١١٤٧٤ - هاتف مُؤقت: ٤٥٠٦٣٢

стр. 5

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله كثيرًا كما أنعم علينا كثيرًا، وصلى الله على رسوله محمد الذي أرسله شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرًا، وعلى جميع المؤمنين الذين أمر الله نبيه أن يبشرهم بأن لهم من الله فضلاً كبيرًا. أما بعد. فانطلاقاً من قول الله ﵎: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال:١]، ومن قوله ﷺ : " إِياكم وسُوءَ ذاتِ البين، فإِنها الحالقة " (١) تأتي هذه التذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، في وقت اختلطت فيه الأوراق، وتشعبت السبل، وهُجرت فيه الآداب الشرعية، السنن المحمدية، والأخلاق الإسلامية. لقد رفع الله تعالى شأن حسن الخلق حين امتدح خليله محمدًا ﷺ بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم) [القلم: ٤]، ونوَّه ﷺ بقدره حين قال: " إِنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق " (٢).

стр. 6

وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من شيء يوضع في الميزان أثقلُ من حسن الخلق، وإِن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة " (١). وأمر الله تعالى بحسن الخلق مع الناس كافة، ولم يستثن، فقال عز من قائل: (وَقولُوا للنَّاسِ حسْنًا) [البقرة: ٨٣]، وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (وقولوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) قال: " يعني الناس كلهم " (٢)، وعن عطاء قال: " للناس كلهم، المشركِ وغيرِه " (٣). وقال القرطبي ﵀: (قال أبو العالية: " قولوا لهم الطيب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به "، وهذا كله حض على مكارم الأخلاق؛ فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلْقًا مع البَرِّ والفاجر، والسُّنَي والمبتدع، من غير مداهنة ولا موالاة محرمة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه؛ لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: (فَقولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا) [طه: ٤٤] فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: " إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيَّ حدَّة، فأقول لهم بعض القول الغليظ "، فقال: " لا تفعل! يقول الله تعالى: (وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْنًا) فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى، فكيف بالحنيفي؟ ") (٤).

стр. 7

وعن أبي سنان، قال: قلت لسعيد بن جبير ﵀: " المجوسي يُوليني من نفسه، ويسلم عليَّ، أفأرد عليه؟ " , فقال سعيد: " سألت ابن عباس ﵄ عن نحو من ذلك؟ فقال: " لو قال لي فرعونُ خيرًا لرددتُ عليه " (١). وعن ابن عباس ﵄، قال: " لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك، وفرعون قد مات " (٢). وعن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال معاذ: " يا رسول الله، أوصني "، فقال ﷺ : " استقم وليحسن خُلُقُكَ للناس " (٣) وعن أبي ذر ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن " (٤). ورُوي عن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : " إِن أحبَّكم إِليَّ أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألَفون ويُؤلفون، وإِن أبغضكم إِليَّ المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرءَاء العنت " (٥). وقال الحسن: " من ساء خُلُقه ; عذبَ نَفسه " (٦).

стр. 8

وعن أبي حازم سلمة بن دينار: " السيئ الخلق: أشقى الناس به نفسه التي بين جنبيه، هي منه في بلاء، ثم زوجته، ثم ولده، حتى إنه ليدخل بيته وإنهم لفي سرور، فيسمعون صوته فينفرون عنه، فرقًا منه، حتى إن دابته تحيد مما يرميها بالحجارة، وإن كلبه ليراه فينزو على الجدار، حتى إن قطه ليفر منه " (١). وقال تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: ٨]. قال شيخ الإسلام: " وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغض مأمور به، فإذا كان البغض الذي أمر الله به قد نُهي صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل أو شبهة أو بهوى نفس؟! فهو أحق أن لا يُظلَمَ، بل يعدل عليه " (٢) اهـ. تتناول هذه " التذكِرة " مطلبين رئيسين: أحدهما: حسن الخلق مع المسلم، ورعاية حرمته، وصيانة عرضه من كل ما يشينه وبخاصة الغيبة التي شاعت، وذاعت، وتساهل الناس فيها. والثانى: الأدب مع العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وحفظ حرمتهم، ومعرفة قدرهم، والتنزه عن الوقيعة فيهم، والنيل من مراتبهم الرفيعة، وهذا هو المقصود بعينه من هذه " التذكرة "، فإن المطلب الأول تمهيد لهذا الثاني باعتبار أن العالم له حقوق المسلم عامة، ثم له حقوق أخرى خاصة، فإن الله رفع المؤمنين على من سواهم، ثم رفع أهل العلم على سائر المؤمنين، فقال: (يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكمْ وَالَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ

стр. 9

دَرَجَاتٍ) [المجادلة: ١١]، وقال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الزمر: ٩]. ومن المعلوم أنه لا يستوي ما حرمه الله من جهة واحدة، وما حرمه من جهات متعددة، فالجرم يعظم بتعدد جهات الانتهاك، ويعظم -تبعًا لذلك- الإثمُ، ويتضاعف العقاب: فظلم النفس بالمعاصي حرام في كل زمان ومكان لكنه أشد إذا وقع في الأشهر الحرم، ولذلك قال تعالى: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) [التوبة: ٣٦]. ولهذا نظائر: قال ﷺ : " لأن يزني الرجل بعشر نسوة خير له من أن يزني بامرأة جاره، ولأن يسرق الرجل من عَشْرة أبيات أيْسَرُ له من أن يسرق من بيت جاره " (١). ومن هذا الباب قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: ١٩٧]، ومنه: تغليظ الدية في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام، وفي ذوي الرحم، كما هو مذهب الشافعي (٢). إن المسيء إلى العلماء، والطاعن عليهم بغيًا وَعدْوًا قد ركب متن الشطط، ووقع في أقبح الغلط؛ لأن حرمة العلماء مضاعفة، وحقوقهم متعددة، فلهم كل ما ثبت من حقوق المسلم على أخيه المسلم، ولهم حقوق المسنين والأكابر،

стр. 10

ولهم حقوق حملة القرآن الكريم، ولهم حقوق العلماء العاملين، والأولياء الصالحين، فمن ثم نص الشافعية على أن (الغيبة إذا كانت في أهل العلم وحملة القرآن الكريم فهي كبيرة، وإلا فصغيرة) (١) اهـ. إن الميدان الدعوي اليوم يموج بحالة من الخلل الناشيء عن " التضخم الكمي " الذي فرض نفسه على حساب " التربية النوعية " (٢)، الأمر الذي أفرز كثيرًا من الظواهر المرضية من أخطرها تطاول الصغار على الكبار، والجهال على العلماء، وطلبة العلم بعضهم على بعض، حتى إن الواحد منهم ينسى قاموس التآخي، وما أسرع ما يخرج إلى العدوان على إخوانه، ويجردهم من كل فضل، فلا يحلم ولا يعفو ولا يصبر، ولكن يجهل فوق جهل الجاهلينا، بل إن من طلاب " آخر الزمان " من غاص في أوحال السب والشتم والتجريح، وانتدب نفسه للوقيعة في أئمة كرام اتفقت الأمة على إمامتهم، وهو لا يدري انما ذلكم الشيطان يستدرجه إلى وحل العدوان، وهو يحسب أنه يُحسن صنعًا، ويتوهم أنه يؤدي ما قد وجب عليه شرعًا. فرحم الله من جعل عقلَه على لسانه رقيبًا، وعملَه على قوله حسيبًا. * * *

стр. 11

الباب الأول

стр. 12

الفصل الأول من أعظم حقوق المسلم صِيانة عرضه, ورعايه حرمته فإن تحريم النيل من عِرض المسلم أصل شرعي متين، عُلم بالضرورة من دين الإسلام، و " حفظ العرض " أحد الضروريات الخمس التي شُرعت من أجلها الشرائع. لقد خطب رسول الله ﷺ على مسمع يزيد عن مائة ألف نفس من صحابته الأبرار في حجة الوداع، فقال: " إِن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ " (١). والأعراض: جمع عِرْض، (وهو موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو في سَلَفه، أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحَسَبه (٢)، ويُحامي عنه أن يُنتقص ويُثلبَ) (٣).

стр. 13

وعن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : " كل المسلم على المسلم حرام، دَمُه ومالُه، وعِرْضُهُ " (١). ونظر عبد الله بن عمر ﵄ يومًا إلى الكعبة، فقال: " ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة منك " (٢). وعن جابر ﵁، قال رسول الله ﷺ : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل: " يا رسول الله، إن فلانة يُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها؛ غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها "، قال: " هي في النار "، قال: " يا رسول الله، فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وإنها تَصَّدَّقُ بالأثوار (٤) من الأقِط (٥)، ولا تؤذي جيرانها بلسانها "، قال: " هي في الجنة " (٦). وعن سفيان بن حسين، قال: كنت عند إياس بن معاوية وعنده رجل،

стр. 14

تخوفت إن قمت من عنده أن يقع فيَّ، قال: فجلست حتى قام، فلما ذكرته لإياس، قال: فجعل ينظر في وجهي، فلا يقول لي شيئًا حتى فرغت، فقال لي: " أغزوت الديلم؟ "، قلت: " لا "، قال: " فغزوت السند؟ "، قلت: " لا "، قال: " فغزوت الهند؟ "، قلت: " لا "، قال: " فغزوت الروم؟ "، قلت: " لا "، قال: " فسلم منك الديلم، والسند، والهند، والروم، وليس يسلم منك أخوك هذا؟ "، فلم يعد سفيان إلى ذلك (١). وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من يضمنْ لي ما بين لحْيَيْهِ، وما بين رجليه (٢) أضمن له الجنة " (٣). ومثل هذه الضمانة الجسيمة لا تُعَلَّقُ إلا على أمر عظِيم. * * *

стр. 15

أدلة تحريم الغيبة قال الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات١١: ١٢]. يعني: إن كرهتم أكل لحم الإنسان الميت طبعًا، فاكرهوه شرعًا، فإن عقوبته أشد. (قال ابن عباس: " إنما ضرب الله هذا المثل للغيبة؛ لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر، وكذا الغيبة حرام في الدين وقبيح في النفوس ". وقال قتادة: " كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا، كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيًا ". واستعمِل أكل اللحم مكان الغيبة؛ لأن عادة العرب بذلك جارية، قال الشاعر: فإن أكلوا لحمي وَفَرتُ لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدًا) (١)

стр. 16

تعريف الغيبة: وبَيَّنَ ﷺ حَدَّ الغيبة المحرمة، فعن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ قال: " هل تدرون ما الغيبة؟ " قالوا: " الله ورسوله أعلم "، قال: " ذكرك أخاك بما يكره "، قيل: " أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ "، قال: " إِن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإِن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه ") (١). وعن المطلب بن عبد الله مرسلاً: (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : ما الغيبة؟ فقال رسول الله ﷺ : " أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع ") (٢) الحديث. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله ﷺ رجلاً، فقالوا: " لا يأكل حتى يُطعَمَ، ولا يَرْحَلُ حتى يُرْحَلَ له " (٣)، فقال النبي ﷺ : " اغتبتموه "، فقالوا: " يا رسول الله، حدَّثْنا بما فيه "، قال:

стр. 17

" حسبك إِذا ذكرت أخاك بما فيه " (١). ومن ثم قال الراغب: " الغيبة: هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير مُحْوِجٍ إلى ذكر ذلك " (٢). وقال ابن الأثير في " النهاية ": " الغيبة أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء، وإن كان فيه " (٣). وقال النووي في " الأذكار " تبعًا للغزالي: " الغيبة ذكر المرء بما يكرهه سواء كان ذلك في بدن الشخص، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلقه، أو خُلُقه، أو ماله، أو ولده، أو زوجه، أو خادمه، أو ثوبه، أو حركته، أو طلاقته، أو عبوسته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز " (٤) اهـ. حكم الغيبة، والتحذير منها: قال الإمام القرطبي ﵀: " لا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن من اغتاب أحدًا عليه أن يتوب إلى الله " (٥) اهـ. وقال الفقيه الشافعي ابن حجر الهيتمي ﵀: (كل منهما -أي الغيبة

стр. 18

والنميمة- حرام بالإجماع، وإنما الخلاف في الغيبة: هل هي كبيرة أو صغيرة؟، ونُقِل الإجماع على أنها كبيرة، وقال أخرون: " محله إن كانت في طلبة العلم، وحملة القرآن، وإلا كانت صغيرة ") (١) اهـ. وعن جابر ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فهبَّت ريح مُنْتنَة، فقال رسول الله ﷺ : " أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين ") (٢). وعن عائشة ﵂، قالت: (قلت للنبي ﷺ : " حسبك من صفية كذا وكذا "، قال بعض الرواة: تعني أنها قصيرة، فقال: " لقد قلتِ كلمة لو مُزِجت بماء البحر لمزجته ") (٣).

стр. 19

وعن أبي برزة الأسلمي والبراء بن عازب ﵄ قالا: (قال رسول الله ﷺ : " يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإِيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإِنه من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف بيته ") (١). وعن أبي بكرة ﵁ قال: (بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ ، وهو آخذ بيدي، ورجل على يساره، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله ﷺ : " إِنَّهما ليُعذبان، وما يعُذبان في كبير (٢) وبلى! (٣) فأيكم يأتيني بجريدة؟ "، فاستبقنا فسبقتُه، فأتيته بجريدة، فكسرها نصفين، فألقى على ذا القبر قطعة، وعلى ذا القبر قطعة، قال: " إِنه يهوَّن عليهما ما كانتا رطْبَتَيْن، وما يعذبان إِلا في الغيبة والبول ") (٤).

стр. 20

وعن جابر ﵁ مرفوعًا: " أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول " (١). وصَحَّ عن قتادة ﵁ قال: " ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من البول، وثلث من النميمة " (٢). وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : " لما عُرِج بِي مَررت بقومٍ لهم أظفار من نحاس يَخْمِشُونَ (٣) وجوههم وصدورهم، فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم " (٤). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فقام رجل (٥)، فوقع فيه رجل من بعده، فقال النبي ﷺ : " تخلل " (٦)، فقال: " وممَّ أتخلل؟ وما أكلت لحمًا! "، قال: " إِنك أكلت لحم أخيك ") (٧).

стр. 21

وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه مَرَّ على بغل ميت، فقال لبعض أصحابه: " لأن يأكل الرجل من هذا حتى يملأ بطنه خير من أن يأكل لحم رجل مسلم " (١). " والغيبة ضيافة الفساق " كما قال بعض السلف. وعن إبراهيم بن أدهم: (أنه أضاف ناسًا، فلما قعدوا على الطعام جعلوا يتناولون رجلاً، فقال إبراهيم: إن الذين كانوا قبلنا، كانوا يأكلون الخبر قبل اللحم، وأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز). (٢) وعن ابن سيرين: ذكر الغيبة فقال: (ألم تر إلى جيفة خضراء منتنة؟). (٣) وعن محمد بن عبيد الطنافسي، قال: (كنا عند " سفيان الثوري "، فأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله أرأيت هذا الحديث الذي جاء " إِن الله ليبغض أهل البيت اللحميين " (٤) الذين يكثرون أكل اللحم؟ قال سفيان: " لا، هم الذين يكثرون أكل لحوم الناس ") (٥).

стр. 22

وسمع علي بن الحسين رجلاً يغتاب آخر، فقال: " إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب الناس " (١). وعن عبد العزيز بن أبان أن سفيان الثوري ﵀ قال: " إياك والغيبةَ، إياك والوقوعَ في الناس، فيهلِك دينُك " (٢). وسئل بشر بن الحارث عمن يغتاب الناس يكون عدلاً؟ قال: " لا، إذا كان مشهورًا بذلك فهو الوضيع " (٣). وقال الفضيل: سمعت سفيان يقول: " لأن أرمي رجلاً بسهم أحب إليّ من أن أرميه بلساني " (٤). وقال الحسن: " والله! لَلغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكَلةِ في جسده " (٥). * * *

стр. 23

مَا تكون بِهِ الغَيبَة تكون الغيبة بالقول، وتكون بغيره، قال الغزالي ﵀: (الذكر باللسان إنما حَرُم لأن فيه تفهيمَ الغيرِ نقصانَ أخيك وتعريفَه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة، وكل ما يُفهم المقصود فهو داخل في الغيبة، وهو حرام) (١) اهـ. وقال الإمام النووي ﵀: (إن الغيبة: ذكرك الإنسانَ بما يكره، سواء ذكرته بلفظك أو في كتابتك، أو رمزت أو أشرت إليه بعينك، أو يدك أو رأسك، وضابطه: كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة، ومن ذلك المحاكاة، بأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا أو على غير ذلك من الهيئات، مريدًا حكاية هيئة من يتنقصه بذلك، فكل ذلك حرام بلا خلاف، ومن ذلك إذا ذكر مصنِّفُ كتابٍ شخصًا بعينه في كتابه قائلاً: " قال فلان كذا " مريدًا تنقصه والشناعة عليه، فهو حرام، فإن أراد بيان غَلَطه لئلا يُقَلَّد أو بيانَ ضعفه في العلم لئلا يُغترَّ به ويُقبلَ قوله، فهذا ليس غيبة، بل نصيحة واجبة يثاب عليها إذا أراد ذلك، وكذا إذا قال المصنف أو غيره: " قال قوم أو جماعة كذا، أو هذا غلط أو خطأ أو جهالة وغفلة ونحو ذلك "، فليس غيبة، إنما الغيبة ذكر الإنسان بعينه أو جماعة معينين. ومن الغيبة المحرمة قولك: فعل كذا بعض الناس، أو بعض الفقهاء، أو

стр. 24

بعض من يدعي العلم، أو بعض المفتين، أو بعض من يُنسب إلى الصلاح أو يدعي الزهد، أو بعض من مَرَّ بنا اليوم، أو بعض من رأيناه، أو نحو ذلك، إذا كان المخاطبُ يفهمه بعينه لحصول التفهيم. ومن ذلك: غيبة المتفقهين والمتعبدين، فإنهم يعرِّضُون بالغيبة تعريضًا يفهم به كما يفهم بالصريح، فيقال لأحدهم: " كيف حال فلان؟ "، فيقول: " الله يصلحنا، الله يغفر لنا، الله يصلحه، نسأل الله العافية، نحمد الله الذي لم يبتلنا بالدخول على الظلمة، نعوذ باللهِ من الشر، الله يعافينا من قلة الحياء، الله يتوب علينا "، وما أشبه ذلك مما يفهم منه تنقصه، فكل ذلك غيبة محرمة، وكذلك إذا قال: " فلان يُبتلى بما ابتُلينا به كلنا "، أو: " ما له حيلة في هذا، كلنا نفعله "، وهذه أمثلة، وإلا فضابط الغيبة: تفهيمُك الخاطبَ نقصَ إنسانٍ كما سبق) اهـ (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس، واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم، فيخوض معهم. ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالَب ديانة وصلاح، فيقول: " ليس لي عادة أن أذكر أحدًا إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب، وإنما أخبركم بأحواله "، ويقول: " والله إنه مسكين "، أو: " رجل جيّد،

стр. 25

ولكن فيه كيت وكيت " (١)، وربما يقول: " دعونا منه، الله يغفر لنا وله "، وإنما قصده استنقاصه وهضمًا لجنابه، ويُخرِجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك، كما يخادعون مخلوقًا، وقد رأينا منهم ألواناً كثيرة من هذا وأشباهه. ومنهم من يرفع (٢) غيره رياءً، فيرفع نفسه، فيقول: " لو (٣) دعوت البارحة في صلاتي لفلان؛ لما بلغني عنه كيت وكيت "، ليرفع نفسه، ويضعه عند من يعتقده، أو يقول: " فلان بليد الذهن، قليل الفهم "، وقصده مدح نفسه، وإثبات معرفته، وأنه أفضل منه. ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة، فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد، وإذا أثنى على شخص، أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفجور وقدح، ليسقط ذلك عنه. ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب، لِيُضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزإ به. ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول: " تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت! ومن فلان كيف وقع منه كيت؟! وكيف فعل كيت وكيت؟! " فيخرج اسمه في معرض تعجبه. ومنهم من يُخرج [الغيبة مخرج] (٤) الاغتمام، فيقول: " مسكين فلان،

стр. 26

غمني ما جرى له، وما تم له "، فيظن من يسمعه أنه يغتم له، ويتأسف، وقلبه منطوٍ على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به، وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به، وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه. ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإِنكار منكر، فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصده غير ما أظهر، والله المستعان) (١) اهـ. وقال الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: (إن علم إبليس أنك حذر خائف في كثير من أحوالك، لم يبدأ صاحبَك بالتزين له بالغيبة والكذب، إن علم أنك من ذلك نافر، وله مجانب، ولكن يدعكما، حتى إذا ذكرتما الله ، واستأنستْ قلوبكما، زين لكما فضول الكلام، والراحة إلى الدنيا، فإذا خُضتما في ذلك زين لكما الغيبة. فإن كنتما من الخائفين في كثير من أموركما أجرى الغيبة من قبل الغضب لله ، أو التعجب، أو الإنكار، أو التوجع لمن تغتابانه. وإن كنتما لا تقومان في الخوف ذلك المقام، أجرى بينكما الغيبة من قبل الغضب والغيظ والمكافأة لمن ذكركما، أو ذكر أحدكما، والآخر راضٍ بذلك) (٢). * * *

стр. 27

أثر الغيبة في الطهارة والصوم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: " إن أحق ما طهر الرجل لسانه " (١)، بل رُوي عن بعض السلف أنه كان إذا أراد التنفير من هذه المعصية أمر المتورط فيها بالطهارة الحقيقية بالمضمضة (٢) والوضوء (٣)، تشبيهًا لها بالنجاسة الحسية، وإرشادًا إلى التحرز منها كما يُتحرز من النجاسات: فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة الخبيثة يقولها " (٤). وعن عبد الله مسعود ﵁ قال: " لأن أتوضا من كلمة خبيثة أحبُّ إليَّ من أن أتوضأ من طعام طيب " (٥). وعن ابن عباس وعائشة ﵃ أنهما قالا: " الحدث حدثان:

стр. 28

حدث مِن فيك، وحدث من نومك، وحدث الفم أشد: الكذب والغيبة " (١). وعن أيوب بن سيرين أن شيخًا من الأنصار كان يمر بمجلس لهم، فيقول: " أعيدوا الوضوء، فإن بعض ما تقولون شر من الحدث " (٢). وعن محمد بن سيرين قال: قلت لعبيدة: ممَّ يُعاد الوضوء؟ قال: " من الحدث وأذى المسلم "، قال: وكان شيخ يمر بمجلس لهم فيقول: " توضؤوا فإن بعض ما تقولون شر من الحدث " (٣). وعن إبراهيم قال: " الوضوء: من الحدث، وأذى المسلم " (٤). وعن الحارث قال: كنت آخذًا بيد إبراهيم، فذكرت رجلاً فاغتبته، قال: فقال: " ارجع فتوضأ، كانوا يَعُدُّون هذا هُجْرًا " (٥). وعن موسى بن أبي الفرات قال: سأل رجلان عطاء، فقالا: مر بنا رجل فقلنا: " المخنث "، قال: قلتما له قبل أن تصليا أو بعد ما صليتما؟ قال: بعد أن نصلي (٦)، فقال: " توضآ، وأعيدا الصلاة، فإنه لم يكن لكما صلاة " (٧). وعن الحسن بن وهب الجُمَحِي قاضي مكة، قال: (وقعتُ في رجل من أهل مكة، حتى قلتُ: " إنه مُخَنَّث "، فصليت الظهر؟ فعرض في قلبي شيء،

стр. 29

فسألت عطاء بن أبي رياح، فقال: " يعيد وُضوءه، وصلاته، وصومه " (١). وعن الضحاك بن عبد الرحمن بن أبي حوشب: أن رجلاً أتى إلى ابن أبي زكريا، فقال: " يا أبا يحيى! أشعرت أن فلانًا دخل على فلانة؟ " قال: " حلال طيب "، قال: " إنه دخل معه برجل "، فقال ابن أبي زكريا: " إنا لله! فقد وقع في نفسك لأخيك هذا؟! حرج عليك بالله أن تكلمني بمثل هذا "، فلما دنا من باب المسجد قال: " والله لا تدخل حتى ترجع، فتوضأ مما قلت " (٢). وعن أبي صالح أنه أنشد بيت شعر فيه هجاء، فدعا بماء فتمضمض (٣). وعن رجاء بن أبي سلمة قال: قلت لمجاهد: " يا أبا الحجاج؛ الغيبة تنقض الوضوء؟ " قال: " نعم، وتفطر الصائم " (٤). وعن أنس ﵁ قال: " إذا اغتاب الصائم أفطر " (٥). وعن أبي المتوكل الناجي قال: (كان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا، جلسوا في المسجد، قالوا: " نطهر صيامنا ") (٦). وعن طليق بن قيس قال: قال أبو ذر ﵁: " إذا صمت فتحفظ ما استطعت "، فكان طليق إذا كان يوم صيامه دخل، فلم يخرج إلا إلى صلاة (٧).

стр. 30

وعن مجاهد قال: " ما أصاب الصائم شوى (١) إلا الغيبة والكذب " (٢)، وعنه قال: " من أحب أن يسلم له صومه؛ فليجتنب الغيبة والكذب " (٣). وعن حفصة بنت سيرين قالت: " الصيام جنة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة " (٤). وعن ميمون بن مهران: " إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب " (٥). وعن عَبيدة السلماني قال: " اتقوا المُفْطِرَيْنِ: الغيبة، والكذب " (٦). وعن أبي العالية قال: " الصائم في عبادة ما لم يغتب، وإن كان نائمًا على فراشه " (٧). وقال الشاعر في هذا المعنى: واعلمْ بأنك لا تكونُ تصومُه ... حتى تكونَ تصومُهُ وتصونُه

стр. 31

وقال آخر: إذا لم يكن في السمع مني تَصَوُّنٌ ... وفي بصري غَضٌ، وفي منطقي صمت فحظي إذًا من صومي الجوعُ والظمأ ... وإن قلتُ: " إني صمتُ يومًا " فما صُمْتُ وقال الإمام ابن حزم ﵀: (ويُبطل الصومَ أيضًا تعمدُ كلِّ معصية -أي معصية كانت -لا تحاش شيئًا- إذا فعلها عامدًا ذاكرًا لصومه كمباشرة من لا يحل له ... ) إلى أن قال: (أو كذب، أو غيبة، أو نميمة، أو تعمد ترك صلاة، أو ظلم، أو غير ذلك من كل ما حرم على المرء فعله) (١). وقد استدل بقوله ﷺ : " والصيام جُنَّة، وإِذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفث ولا يصخب " (٢) الحديث. وبقوله ﷺ : " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " (٣). وبما رُوي أنه ﷺ أتى على امرأتين صائمتين تغتابان الناس، فقال لهما: " قِيئا "، فقاءتا قيحًا ودمًا ولحمًا عبيطًا، ثم قال ﷺ : " ها، إِن هاتين صامتا عن الحلال، وأفطرتا على الحرام " (٤).

стр. 32

وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ( ... فلو اغتاب في صومه عصى، ولم يبطل صومه عندنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا الأوزاعي، فقال: يبطل الصوم بالغيبة، ويجب قضاؤه) (١). وقد استدل الإمام الأوزاعي ﵀ بقوله ﷺ : " رب صائم ليس له من صيامه إِلا الجوع " (٢) الحديث، وبأدلة ابن حزم، وقال النووي: (وأجاب أصحابنا عن هذه الأحاديث ... بأن المراد أن كمال الصوم وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرديء، لا أن الصوم يبطل به) (٣) اهـ. * * *

стр. 33

مستمع الغَيبَة وَالمغتَاب شريكان في الإثم رُوي عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء الأسلمي إلى رسول الله ﷺ ، فشهد على نفسه بالزنا أريع شهادات، يقول: " أتيت امرأة حرامًا "، وفي كل ذلك يعرض عنه رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث ... إلى أن قال: " فما تريد بهذا القول؟ "، قال: " أريد أن تطهرني "، فأمر به رسول الله ﷺ أن يُرْجَم، فرُجِمَ، فسمع رسول الله ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: " انظروا إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تَدَعْهُ نفسُهُ حتى رُجمَ رَجْمَ الكَلب "، قال: فسكت رسول الله ﷺ فمرَّ بجيفة حمارٍ شائلٍ (١) برجله، فقال: " أين فلان وفلان؟ "، فقالا: " نحن ذا يا رسول الله "، فقال لهما: " كلا من جيفة هذا الحمار "، فقالا: " يا رسول الله، غفر الله لك، من يأكل من هذا؟ "، فقال رسول الله ﷺ : " ما نِلْتُما من عِرْض هذا الرجل آنفًا، أشدُّ (٢) من أكل هذه الجيفة، فو الذي نفسي بيده، إِنه الآن في أنهار الجنة ") (٣). والشاهد فيه قوله ﷺ : (كُلا)، وقوله: (نلتما) مع أن الذي اغتاب

стр. 34

أحدهما، والآخر استمع وأقر، ولم ينكر عليه. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كانت العرب يخدم بعضهم بعضًا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما، فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاما، فقال -أحدهما لصاحبه: " إن هذا ليوائم نوم بيتكم " (١) فأيقظاه، فقالا: " ائت رسولَ الله ﷺ فقل له: " إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، وهما يستأدماَنك " (٢)، فقال: " قد ائتدما "، ففزعا، فجاءا إلى النبي ﷺ فقالا: " (يا رسول الله بعثنا إليك نستأدمك، فقلت: " قد ائتدما "، فبأي شيء ائتدمنا؟) "، قال: " بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إِني لأرى لحمه من أنيابكما "، وفي رواية: " ثناياكما "، قالا: " فاستغفر لنا "، قال: " هو فليستغفر لكما ") (٣). والشاهد في قوله ﷺ : " قد ائتدما "، وقوله: " من أنيابكما " مع أن القائل أحدهما، لكن الآخر سكت، وأقر، ولم ينكر عليه. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (اعلم أن الغيبة -كما يحرم على المغتاب ذكرُها- يحرم على السامع استماعُها وإقرارها، فيجب على من سمع إنسانًا يبتديء بغيبة محرمة أن ينهاه إن لم يخف ضررًا ظاهرًا، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه، ومفارقة ذلك

стр. 35

المجلس إن تمكَّن من مفارقته، فإن قدر على الإنكار بلسانه، أو على قطع الغيبة بكلام آخر، لزمه ذلك، فإن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانه: " اسكت "، وهو يشتهي بقلبه استمراره، فقال أبو حامد الغزالي: " ذلك نفاق لا يخرجه عن الإثم، ولابد من كراهته بقلبه " (١). ومتى اضطر إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغيبة، وعجز عن الإنكار، أو أنكر فلم يُقبل منه، ولم يمكنه المفارقة بطريق حرم عليه الاستماع والإصغاء للغيبة، بل طريقه أن يذكر الله تعالى بلسانه وقلبه، أو بقلبه، أو يفكر في أمرآخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضره بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكَّن بعد ذلك من المفارقة وهم مستمرون فيِ الغيبة ونحوها، وجب عليه المفارقة، قال الله تعالى: (وَإِذَا رأَيْتَ الَّذينَ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨] (٢) اهـ. روى ابن أبي الدنيا عن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان أنه قال لمولى له: " نَزِّه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه لسانك عن القول به، فإن المستمع شريكُ القائل ". وسمعَكَ صُنْ عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به فإنك عند سماع القبيح ... شريكٌ لقائله فانتبه * * *

стр. 36

الفصل الثانى أولويه الاشتغال بعيوب النفس عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " يبصر أحدكم القذى (١) في عين أخيه (٢)، وينسى الجِذْعَ (٣) في عينه " (٤). وفيه أن الإنسان لنقصه وحب نفسه يتوفر على تدقيق النظر في عيب أخيه، فيدركه مع خفائه، فيعمى به عن عيبٍ في نفسه ظاهر، لا خفاء به، ولو أنه اشتغل بعيب نفسه عن التفرغ لتتبع عيوب الناس لكف عن أعراض الناس، وسدَّ الباب إلى الغيبة. عجبت لمن يبكي على موت غيره ... دموعًا ولا يبكي على موته دما وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره ... عظيمًا وفي عينيه عن عيبه عمى قال الإمام أبو حاتم بن حبان ﵀: (الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن من اشتغل بعيويه عن عيوب غيره؛ أراح بدنه، ولم يُتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه. وإنَّ من اشتغل بعيوب النَّاس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه،

стр. 37

وتعذَّر عليه ترك عيوب نفسه، وإنَّ من أعْجَز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه، ومن عاب النَّاس عابوه) (١). المرء إن كان عاقلاً ورعًا ... أشغله عن عيوب غيره ورعُهْ كما العليلُ السقيم أشغله ... عن وجع الناس كلِّهم وَجَعُهْ وعن مجاهد عن ابن عباس قال: ذكروا رجلاً، فقال: " إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك؛ فاذكر عيوبك " (٢). وقال أبو البُحتري العنبري: يمنعني من عيب غيري الذي ... أعرفه عندي فوق العيب عيبي لهم بالظن مني لهم ... ولست من عيبي في ريب إن كان عيبي غاب عنهم فقد ... أحصى عيوبي عالمُ الغيب (٣) وعن بكر قال: (تسابَّ رجلان، فقال أحدهما: " مُحَلِّمي عنك، ما أعرف من نفسي ") (٤). قيل للربيع بن خثيم: " ما نراك تغتاب أحدًا "، فقال: " لست عن حالي راضيًا حتى أتفرغ لذم الناس " (٥)، ثم أنشد: لنفسيَ أبكي لست أبكي لغيرها ... لنفسيَ من نفسي عن الناس شاغلُ لقي زاهدٌ زاهدًا، فقال له: " يا أخي إني لأحبك في الله "؛ قال الآخر:

стр. 38

" لو علمتَ مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله "؛ قال له الأول: " لو علمتُ منك ما تعلم من نفسك، لكان لي فيما أعلم من نفسي شُغل عن بغضك " (١). قبيحٌ من الإنسان أن ينسى عيوبه ... ويذكرَ عيبًا في أخيه قد اختفى ولو كان ذا عقل لما عاب غيره ... وفيه عيوبٌ لو رآها قد اكتفى وعن عون بن عبد الله قال: " لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة، قد غَفَلها عن نفسه " (٢). وعن محمد بن سيرين ﵀ قال: " كنا نُحَدَّثُ أن أكثر الناس خطايا أفرغُهم لذِكر خطايا الناس " (٣). وقال الفضيل بن عياض: " ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد، وبغى، وتتبع عيوب الناس، وبكره أن يُذكر أحد بخير " (٤). وقال مالك بن دينار: " كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخونة، وكفى المرء شرًا أن لا يكون صالحًا، ويقع في الصالحين " (٥). وقال أبو عاصم النبيل: " لا يذكر الناس بما يكرهون إلا سَفلَةٌ (٦) لا دين لهم ".

стр. 39

لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله سِترًا عن مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدًا منهم بما فيكا قال بكر بن عبد الله: " إذا رأيتم الرجل موكَّلاً بعيوب الناس، ناسيًا لعيبه، فاعلموا أنه قد مُكِر به " (١). وسمع أعرابي رجلاً يقع في الناس، فقال: " قد استدللتُ على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها ". وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال أخو العيوب آخر: شر الورى مَن بعيب الناس مشتغلاً ... مثلُ الذباب يُراعي موضعَ العِلَلِ وقال ابن السماك: " سَبُعُك بين لحييك، تأكل به كلَّ من مَرَّ عَليك، قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم، وأنت ها هنا تنبشهم، إنما نرى نبشَهم أخْذَ الخِرَق عنهم، إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتَهم، إنه ينبغي لك أن يدلَّك على ترك القول في أخيك ثلاثُ خلال: أما واحدة: فلعلك أن تذكره بأمرٍ هو فيك، فما ظنك بربك إذا ذكرتَ أخاك بأمر هو فيك؟ ولعلك تذكره بأمرٍ فيك أعظمُ منه، فذلك أشد استحكامًا لمقته إياك،

стр. 40

ولعللت تذكره بأمرٍ قد عافاك الله منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك؟! أما سمعت: ارحم أخاك، وأحمد الذي عافاك " (١). إن شئت أن تحيا ودينك سالم ... وحظك موفورٌ وعِرْضُك صَيِّنُ لسانك لا تذكر به عورة امرئ ... فكلك عورات وللناس ألسُنُ وعينك إن أبدت إليك مساوئًا ... فصُنْها، وقل: يا عينُ للناس أعين (٢) وقال أبو عبد الرحمن السلمي -رحمه الله تعالى-: " سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت زاذان المدايني يقول: رأيت أقوامًا من النَّاس لهم عيوب فسكتوا عن عيوب النَّاس: فستر الله عيوبهم، وزالت عنهم تلك العيوب، ورأيت أقوامًا لم تكن لهم عيوب؛ اشتغلوا بعيوب النَّاس: فصارت لهم عيوب " (٣). وذلك لأن من اغتاب اغتيب، ومن عاب عيب، فبحثه عن عيوب الناس يورث البحث عن عيويه، ولعل في قاعدة " الجزاء من جنس العمل " زاجرًا للذين يخوضون في عيوب الناس، فيكفوا عنها خشية أن يعاملوا بالعدل، فإن البلاء موكَّلٌ بالقول: لو شاء ربُّك كنتَ أيضًا مثلَهم ... فالقلبُ بين أصابع الرحمنِ عن إبراهيم قال: " إني لأرى الشيء مما يعاب، ما يمنعني من غيبته إلا مخافة أن اُبتلى به " (٤).
следующие страницы →