← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96617

الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (396 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الثانى أولويه الاشتغال بعيوب النفس عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " يبصر أحدكم القذى (١) في عين أخيه (٢)، وينسى الجِذْعَ (٣) في عينه " (٤). وفيه أن الإنسان لنقصه وحب نفسه يتوفر على تدقيق النظر في عيب أخيه، فيدركه مع خفائه، فيعمى به عن عيبٍ في نفسه ظاهر، لا خفاء به، ولو أنه اشتغل بعيب نفسه عن التفرغ لتتبع عيوب الناس لكف عن أعراض الناس، وسدَّ الباب إلى الغيبة. عجبت لمن يبكي على موت غيره ... دموعًا ولا يبكي على موته دما وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره ... عظيمًا وفي عينيه عن عيبه عمى قال الإمام أبو حاتم بن حبان ﵀: (الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن من اشتغل بعيويه عن عيوب غيره؛ أراح بدنه، ولم يُتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه. وإنَّ من اشتغل بعيوب النَّاس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه،

стр. 37

وتعذَّر عليه ترك عيوب نفسه، وإنَّ من أعْجَز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه، ومن عاب النَّاس عابوه) (١). المرء إن كان عاقلاً ورعًا ... أشغله عن عيوب غيره ورعُهْ كما العليلُ السقيم أشغله ... عن وجع الناس كلِّهم وَجَعُهْ وعن مجاهد عن ابن عباس قال: ذكروا رجلاً، فقال: " إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك؛ فاذكر عيوبك " (٢). وقال أبو البُحتري العنبري: يمنعني من عيب غيري الذي ... أعرفه عندي فوق العيب عيبي لهم بالظن مني لهم ... ولست من عيبي في ريب إن كان عيبي غاب عنهم فقد ... أحصى عيوبي عالمُ الغيب (٣) وعن بكر قال: (تسابَّ رجلان، فقال أحدهما: " مُحَلِّمي عنك، ما أعرف من نفسي ") (٤). قيل للربيع بن خثيم: " ما نراك تغتاب أحدًا "، فقال: " لست عن حالي راضيًا حتى أتفرغ لذم الناس " (٥)، ثم أنشد: لنفسيَ أبكي لست أبكي لغيرها ... لنفسيَ من نفسي عن الناس شاغلُ لقي زاهدٌ زاهدًا، فقال له: " يا أخي إني لأحبك في الله "؛ قال الآخر:

стр. 38

" لو علمتَ مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله "؛ قال له الأول: " لو علمتُ منك ما تعلم من نفسك، لكان لي فيما أعلم من نفسي شُغل عن بغضك " (١). قبيحٌ من الإنسان أن ينسى عيوبه ... ويذكرَ عيبًا في أخيه قد اختفى ولو كان ذا عقل لما عاب غيره ... وفيه عيوبٌ لو رآها قد اكتفى وعن عون بن عبد الله قال: " لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة، قد غَفَلها عن نفسه " (٢). وعن محمد بن سيرين ﵀ قال: " كنا نُحَدَّثُ أن أكثر الناس خطايا أفرغُهم لذِكر خطايا الناس " (٣). وقال الفضيل بن عياض: " ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد، وبغى، وتتبع عيوب الناس، وبكره أن يُذكر أحد بخير " (٤). وقال مالك بن دينار: " كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخونة، وكفى المرء شرًا أن لا يكون صالحًا، ويقع في الصالحين " (٥). وقال أبو عاصم النبيل: " لا يذكر الناس بما يكرهون إلا سَفلَةٌ (٦) لا دين لهم ".

стр. 39

لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله سِترًا عن مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدًا منهم بما فيكا قال بكر بن عبد الله: " إذا رأيتم الرجل موكَّلاً بعيوب الناس، ناسيًا لعيبه، فاعلموا أنه قد مُكِر به " (١). وسمع أعرابي رجلاً يقع في الناس، فقال: " قد استدللتُ على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها ". وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال أخو العيوب آخر: شر الورى مَن بعيب الناس مشتغلاً ... مثلُ الذباب يُراعي موضعَ العِلَلِ وقال ابن السماك: " سَبُعُك بين لحييك، تأكل به كلَّ من مَرَّ عَليك، قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم، وأنت ها هنا تنبشهم، إنما نرى نبشَهم أخْذَ الخِرَق عنهم، إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتَهم، إنه ينبغي لك أن يدلَّك على ترك القول في أخيك ثلاثُ خلال: أما واحدة: فلعلك أن تذكره بأمرٍ هو فيك، فما ظنك بربك إذا ذكرتَ أخاك بأمر هو فيك؟ ولعلك تذكره بأمرٍ فيك أعظمُ منه، فذلك أشد استحكامًا لمقته إياك،

стр. 40

ولعللت تذكره بأمرٍ قد عافاك الله منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك؟! أما سمعت: ارحم أخاك، وأحمد الذي عافاك " (١). إن شئت أن تحيا ودينك سالم ... وحظك موفورٌ وعِرْضُك صَيِّنُ لسانك لا تذكر به عورة امرئ ... فكلك عورات وللناس ألسُنُ وعينك إن أبدت إليك مساوئًا ... فصُنْها، وقل: يا عينُ للناس أعين (٢) وقال أبو عبد الرحمن السلمي -رحمه الله تعالى-: " سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت زاذان المدايني يقول: رأيت أقوامًا من النَّاس لهم عيوب فسكتوا عن عيوب النَّاس: فستر الله عيوبهم، وزالت عنهم تلك العيوب، ورأيت أقوامًا لم تكن لهم عيوب؛ اشتغلوا بعيوب النَّاس: فصارت لهم عيوب " (٣). وذلك لأن من اغتاب اغتيب، ومن عاب عيب، فبحثه عن عيوب الناس يورث البحث عن عيويه، ولعل في قاعدة " الجزاء من جنس العمل " زاجرًا للذين يخوضون في عيوب الناس، فيكفوا عنها خشية أن يعاملوا بالعدل، فإن البلاء موكَّلٌ بالقول: لو شاء ربُّك كنتَ أيضًا مثلَهم ... فالقلبُ بين أصابع الرحمنِ عن إبراهيم قال: " إني لأرى الشيء مما يعاب، ما يمنعني من غيبته إلا مخافة أن اُبتلى به " (٤).

стр. 41

وعن الأعمش قال: سمعت إبراهيم يقول: " إني لأرى الشيء أكرهه، فما يمنعني أن أتكلم فيه إلا مخافة أن أبتلى بمثله " (١). وقال ابن مسعود ﵁: " لو سخِرت من كلب، لخشيت أن أكون كلبًا، وإني أكره أن أرى رجلاً فارغًا ليس في عمل آخرة ولا دنيا " (٢). وقال عمرو بن شرحبيل: " لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكت منه؛ لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع ". قال ابن سيرين: (عَيَّرْتُ رجلاً، وقلت: " يا مفلس "، فأفلست بعد أربعين سنة) (٣). وعن الحسن قال: " كانوا يقولون: من رمى أخاه بذنب قد تاب منه؛ لم يمت حتى يبتليه الله به " (٤). وقال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: (حدثني عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية، فقضى حاجته، ثم خلا به، فقال: " يا مسور، ما فعل طعنك على الأئمة؟ " قال: " دعنا من هذا وأحسِن "، قال: " لا والله، لتكلّمني بذات نفسك بالذي تعيب علي " قال مسور: " فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينتُ له " قال: " لا أبرأ من الذنب، فهل تعُدُّ لنا يا مسور مانلي من الإصلاح في أمر العامَّة، فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعدُّ الذنوب وتترك

стр. 42

المحاسن؟ " قال: " ما تُذكر إلا الذنوب " قال معاوية: " فإنَّا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوبٌ في خاصتك تخشى بأن تهلك إن لم تغفر؟ "، قال: " نعم "، قال: " فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحقَّ مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أُخيَّر بين أمرين، بين الله وبين غيره، إلا اخترتُ الله على ما سواه، وإنِّي على دين يُقبل فيه العمل، ويُجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها "، قال: " فخصمني "، قال عروة: " فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلَّى عليه ") (١). عن أبي راشد قال: (جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد الله بن عمر، فقال: إني رسولُ إخوانك من أهل البصرة إليك، فإنهم يقرءونك السلام، ويسألونك عن أمر هذين الرجلين: علي وعثمان، وما قولك فيهما؟ فقال: " هل غير؟ " قال: " لا "، قال: " جَهِّزوا الرجل "، فلما فُرغ من جَهازه قال: " اقرأ ﵈، وأخبرهم أن قولي فيهم: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤] (٢). وعن شريك قال: سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية، فبكى، فندمت على سؤالي إياه، فرفع رأسه فقال: " إنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره " (٣). وقال الشافعي: (قيل لعمر بن عبد العزيز: " ما تقول في أهل صفين؟ "،

стр. 43

قال: " تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب لساني بها ") (١). وقال الرياشي ﵀: لعمرك إن في ذنبي لَشُغْلاً ... لنفسي عن ذنوب بني أمَيَّهْ على ربي حسابهمُ إليه ... تناهى علم ذلك لا إليَّه وليس بضائري ما قد أتوه ... إذا ما الله أصلح ما لديَّه (٢) وعن الهيثم بن عبيد الصيدلاني قال: (سمع ابن سيرين رجلاً يسب الحجاج، فقال: " مه أيها الرجل! إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملته قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج، واعلم أن الله حَكَم عدل إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه شيئاً فشيئًا، أخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلن نفسك بسبِّ أحد ") (٣). * * *

стр. 44

الفصل الثالث وجوب حفظ اللسَانِ الكلمة مسئولية: قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. وعن مجاهد قال: (ما من شيء يتكلم به العبد إلا أُحصِي عليه، حتى أنينه في مرضه) (١). يقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله مبينًا " مسئولية الكلمة " وخطرها: (إن جارحة اللسان الناطق بالكلام المتواطإ عليه، أساس في الحياة والتعايش دينًا ودنيا، فبكلمة التوحيد يدخل المرء في ملة الإسلام، وبنقضها يخرج منها، وبين ذلك مراحل انتظمت أبواب الشريعة، فلو نظرت إلى " الكلام " وما بني عليه من أحكام لوجدت من ذلك عجبًا في: الطهارة، والصلوات، وسائر أركان الاسلام، والجهاد، والبيوع، والنكاح، والطلاق، والجنايات، والحدود، والقضاء .... بل أُفردت أبواب في الفقهيات كلها لما تلفظ به هذه الأداة: " اللسان ": في أبواب: القذف، والردة، والأيمان، والنذور، والشهادات، والإقرار.

стр. 45

وفي أصل الأصول: " التوحيد " يدور عليه البحث والتأليف. فكم من كلام أوجب ردة فقتلاً، أو أوجب قذفًا فجلدًا، أو أوجب كفارات، أو نُزعت بسببه حقوق فَرُدَّتْ مظالم إلى أهلها، أو إقرار أوجب بمفرده حكمًا، ولذا قالوا: " إقرار المرء على نفسه أقوى البينات ". وهكذا من مناهج الشريعة المباركة الغراء؛ ولهذا تكاثرت نصوص الوحيين الشريفين في تعظيم شأن اللسان ترغيبًا وترهيبًا، وأفرد العلماء في جمع غفير من مفرداته المؤلفات؛ ففي الترغيب: الدعوة إلى الله على بصيرة، ونشر العلم بالدرس، وفضل الصدق، وكلمة الحق ..... وفي الترهيب: عن الغيبة، والنميمة، والكذب، وآفات اللسان الأخرى. وقد جمعتُ في ذلك " معجم المناهي اللفظية " (١) وبسطت أصوله الشرعية في مقدمته) (٢). فضيلة الصمت: عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال رسول الله ﷺ : " من صمت نجا " (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت " (٤).

стр. 46

وعن معاذ بن جبل ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إِنك لن تزال سالمًا ما سكتَّ، فإِذا تكلَّمْتَ كُتِبَ لَك أو عليك " (١). وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: " من كثُر كلامُه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به " (٢). وكان رسول الله ﷺ : " طويلَ الصمت، قليلَ الضحك " (٣). ووصف هندُ بنُ أبي هالة ﵁ منطقَ رسول الله ﷺ للحسن بن علي ﵄، فقال: " .... كان طويلَ السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلامَ ويختمه باسم الله تعالى، ويتكلم بجوامع الكلم، كلامه فَصْل، لا فضولَ ولا تقصير " (٤). وسأل الحسين بن علي ﵄ أباه عن مخرجه ﷺ كيف كان يصنع فيه؟ فقال ﵁: " كان رسول الله ﷺ يَخْزِنُ (٥) لسانه إلا فيما يعنيه ... " (٦). وقال أيضاً: " كان ﷺ لا يذم أحدًا، ولا يَعيبه، ولا يطلب عورته (٧)، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه " (٨).

стр. 47

وعن يزيد بن أبي حبيب قال: " إن المتكلم لينتظر الفتنة، وإن المنصت لينتظر الرحمة " (١). وقد قيل: " ما ندم حليم ولا ساكت ". وقال الفضيل: " خصلتان تُقَسِّيان القلب: كثرةُ الكلام، وكثرة الأكل " (٢). وعن سفيان قال: " طول الصمت مفتاح العبادة ". وعن محمد بن النضر الحارثي قال: كان يُقال: " كثرة الكلام تُذْهِبُ الوقَار " (٣). وعن أبي الذَّيال قال: " تعلم الصمت ما تتعلم الكلام، فإن يكن الكلام يهديك، فإن الصمت يقيك، ولك في الصمت خصلتان: تأخذ به من علم مَن هو أعلم منك، وتدفع به عنك من هو أجدل منك " (٤). وقال إبراهيم بن الأشعث: (سمعت الفضيل يقول: من استوحش من الوحدة، واستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء، ولا حجَّ ولا جهاد أشدُّ من حبس اللسان، وليس أحد أشدَّ غمًّا ممن سجن لسانه) (٥). وقال إبراهيم بن أدهم: " إذا اغتممت بالسكوت، فتذكر سلامتك من زلل اللسان " (٦). وعن مروان بن محمد قال: قيل لإبراهيم بن أدهم: " إن فلانًا يتعلم النحو "، فقال: " هو إلى أن يتعلم الصمت أحوج " (٧).

стр. 48

وقال رياح القيسي: قال لي عتبة الغلام: " يا رياح! إن كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت، فبئس الناظرُ لها أنا، يا رياح .. إن لي موقفًا يُغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول " (١). وقال طاوس: " لساني سَبُع، إن أرسلته أكلني " (٢). وعن شيخ من قريش قال: (قيل لبعض العلماء: " إنك تطيل الصمت "، فقال: " إني رأيتُ لساني سبعًا عقورًا، أخاف أن أخَلّيَ عنه فَيَعْقِرَني ") (٣). قال بعضهم: (رأيت مالكًا صامتًا لا يتكلم، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالاً، إلا أن يكلمه إنسان فيسمع منه، ثم يجيبه بشيء يسير، فقيل له في ذلك، فقال: " وهل يكب الناس في جهنم إلا هذا؟ " وأشار إلى لسانه ") (٤). وعن أبي بكر بن عياش قال: " أدنى نفع السكوت السلامة، وكفى به عافية، وأدنى ضرر المنطق الشهرة، وكفى بها بلية " (٥). ما إن ندمت على سكوتي مرة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا وعن إبراهيم قال: " كانوا يجلسون، فأطولهم سكوتًا أفضلهم في أنفسهم " (٦). وعن محارب قال: " صحبنا القاسم بن عبد الرحمن فغلبنا بثلاث: بكثرة الصلاة، وطول الصمت، وسخاء النفس " (٧).

стр. 49

وحضر ابن المبارك يومًا عند الثوري، فلم يتكلم بحرف حتى قام، فلما قام قال الثوري لأصحابه: " وددت أني أقدر أن أكودن مثلَه " (١). وقال عبد الله بن أبي زكريا: " عالجت الصمت ثنتي عشرة سنة، فما بلغت منه ما كنت أرجو " (٢). وعن مالك عن سعيد بن أبي هند، قال: " وجدت الصمت أشدَّ من الكلام " (٣). وعن أرطاة بن المنذر قال: " تعلم رجل الصمت أربعين سنة، بحَصَاةٍ يضعها في فيه، لا ينزِعُهَا إلا عند طعام، أو شراب، أو نوم " (٤). قال الإمام مُوَرِّقٌ العجلي: " تعلمت الصمت في عشر سنين، وما قلتُ شيئًا قط إذا غضبت، أندم عليه إذا زال غضبي " (٥). الصمت سترٌ للعيوب: ومن فضائل الصمت أنه يستر العيوب، فقد اجتمع قس بن ساعدة، وأكثم بن صيفي، فقال أحدهما لصاحبه: " كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ "، فقال: " هي أكثر من أن تُحصى، والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب، ووجدت خصلة إن استعملها سترت العيوب كلها "، قال: " وما هي؟ "، قال: " حفظ اللسان " (٦). استر العِيَّ ما استطعت بصمت ... إن في الصمت راحةً للصمُوت

стр. 50

واجعلِ الصمتَ إن عَييتَ جوابًا ... رُبَّ قولٍ جوابُهُ في السكوت (١) وقال الأعور الشَّنِّي: لسانُ الفتى نِصفٌ، ونصفٌ فؤاده ... فهل بَعْدُ إلا صُورةُ اللحمِ والدَّمِ وكأيّن ترى من ساكت لك مُعجب ... زيادتُهُ أو نقصه في التكلمِ (٢) حُكي عن أبي يوسف الفقيه أن رجلاً كان يجلس إليه، فيطيل الصمت، فقال له أبو يوسف: " ألا تسأل؟ "، قال: " بلى، متى يفطر الصائم؟ "، قال: " إذا غربت الشمس "، قال: " فإن لم تغرب إلى نصف الليل؟! "، فتبسم أبو يوسف ﵀، وتمثل ببيتين من الشعر: عجبتُ لإزراء العيي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالقول أعلما وفي الصمت ستر للعيِّ وإنما ... صحيفةُ لُبِّ المرء أن يتكلما (٣) فلسان العَييِّ عورة بين الفكين، تحتاج إلى ستر كالسوأتين، لأنه يتكلم، وأذنك تتظلم، وقلبك منه يتألم. الموازنة بين الصمت والكلام: فليكن الأصل هو الصمت، إذ يكفي في فضل الصمت كونه أقوى وسيلة وقائية من الغيبة وأخواتها من آفات اللسان، والسلامة لا يعدلها شيء إلا مَن تيقن مِن حصول الغنيمة بالكلام. رُويَ عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : " كلُّ كلامِ ابنِ آدمَ عليه، لا له، إِلا أمرٌ بمعروف، أو نهيٌ عن منكر، أو ذكرٌ لله " (٤).

стр. 51

قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: (الكلام بالخير أفضل من السكوت، لأن أرفع ما في السكوت السلامة، والكلام بالخير غنيمة، وقد قالوا: " من تكلم بالخير غنم، ومن سكت سلم "، والكلام في العلم أفضل من الأعمال، وهو يجري عندهم مجرى الذكر والتلاوة إذا أريد به نفي الجهل، ووجهُ الله تعالي، والوقوف على حقيقة المعاني) (١) اهـ. وقيل لإياس بن معاوية: " إنك تكثر الكلام "، فقال: " أفبصواب أتكلم أم بخطأ؟ "، قالوا: " بصواب "، قال: " فالإكثار من الصواب أفضل " (٢). وقال سعيد بن عبد العزيز: " لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: صموت واع، وناطق عارف " (٣). وعن يونس قال: " رحم الله الحسن، إني لأحسِب الحسن تكلم حِسبة، رحم الله محمدًا، إني لأحسبه سكت حسبة " (٤). وعن إسماعيل بن أمية قال: " كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم يخيل إلينا أنه يُؤَيَّد " (٥). وقال الإمام النووي ﵀: (اعلم أنه ينبغي لكل مكلَّف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلامُ

стр. 52

وتركُه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجرُّ الكلامُ المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة (١) لا يعدلها شيء. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصْمُت " متفق عليه، وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي أن لا يتكلم إلا إذا كان الكلامُ خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم) (٢) اهـ. وقد قال الإمام الشافعي ﵀: " إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلم حتى تظهر) " (٣) اهـ. وقال رجل لسلمان الفارسي ﵁: (" أوصني "، فقال: " لا تتكلم!! "، قال: " ما يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم، قال: " فإن تكلمت فتكلم بحق أو اسكت ") (٤). قال مرةً رجل: " ما أشدَّ البرد اليوم! " فالتفت إليه المعافى بن عمران، وقال: " استدفأت الآن؟! لو سكتَّ؛ لكان خيرًا لك " (٥). وقال أبو بكر محمد بن القاسم: (كان شيخنا أبو إسحاق -الشيرازي- إذا أخطأ أحد بين يديه، قال: " أيُّ سكتةٍ فاتتك؟ ") (٦).

стр. 53

وقد وصف إمام المحدثين بالبصرة عبد الرحمن بن مهدي حال السلف، فقال: " أدركتُ الناسَ وهم على الجُمَل " قال الإمام أحمد ﵀ معقبًا: " يعني: لا يتكلمون، أي. ولا يخاصمون، إنما هي جمل يسيرة بحروف معدودة، تقليلاً من الكلام حتى في المباح، وإبعادًا لاحتمالات الزلل عند الإكثار " (١). وقالت الحكماء: " مثل الكلمة كالسهم لا يمكن رده، وإنما جُعل للإنسان لسان واحد وأذنان حتى يكون ما يسمع أكثر مما يتكلم، وهو على ردِّ ما لم يقل أقدر منه على رد ما قد قال " (٢). * * *

стр. 54

نصُوصُ السِّنة الشريفة وَآثَارُ السَّلَفِ فَي وُجُوب حفظ اللسان والكف عن أذية الخلق عن شَكَل بن حميد ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله؛ عَلّمْني تعوذًا أتعوذ به، قال: فأخذ بكفِّي، فقال: قل: " اللهم إِني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيِّي ") (١). وكان عبد الله بن الخيار يقول في مجلسه: " اللهم سلمنا، وسلِّم المؤمنين منَّا " (٢). وعن شقيق قال: لبَّى عبد الله ﵁ على الصفا، ثم قال: " يا لسان قل خيرًا تغنم، اسكت تسلم، من قبل أن تندم "، قالوا: " يا أبا عبد الرحمن هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ " قال: " لا، بل سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أكثر خطايا ابنِ آدمَ فِي لسانِهِ " (٣). وعن أبي سعيد ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إِذا أصبح ابن آدم فإِن الأعضاء كلَّها تكفِّر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإِنما نحن بك، فإِن

стр. 55

استقمت استقمنا، وإِن اعوججت اعوججنا " (١). وعن أبي بكر ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ليس شيء من الجسد إِلا يشكو ذَرَبَ اللسان على حِدَّته " (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سالت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله , أي الأعمال أفضل؟ قال: " الصلاة على ميقاتها "، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: " أن يسلم الناس من لسانك " (٣). وعن ثوبان ﵁ قال رسول الله ﷺ : " طوبى لمن ملك لسانه، ووسِعَه بيتُه، وبكى على خطيئته " (٤). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال ﷺ قلت: " يا رسول الله؛ ما النجاة؟ "، قال: " أملِك عليك لسانك، ولْيَسَعْكَ بيتُك، وابكِ على خطيئتك " (٥).

стр. 56

وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إِن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا، (١) يهوي بها سبعين خريفًا في النار " (٢). وعنه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إِن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها، يهوي بها في النار، أبعدَ ما بين المشرق والمغرب " (٣). وسأل معاذ ﵁ رسول الله ﷺ : " يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ " فقال: " ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على

стр. 57

وجوههِم -أو على مناخرهم- إِلا حصائد ألسنتهم " (١). وعنه ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: " اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، وإِن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كله؟ "، قال: " هذا "، وأشار بيده إلى لسانه) (٢). وعن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت " يا رسول الله حَدِّثني بأمرٍ أعتصم به "، قال: " قل: ربي الله، ثم استقم "، قلت: " يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ "، فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: " هذا " (٣). وعن أبي أيوب ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: " يا

стр. 58

رسول الله، عظني وأوجز " قال: " إِذا قمت في صلاتك، فصلِّ صلاة مودع، ولا تكلم بكلامٍ تعتذرُ منه غدًا، واجمع الإِياس مما في أيدي الناس " (١). وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إِياك وكلَّ ما يُعتذر منه " (٢). وعن أبي موسى ﵁ قال ﷺ : " على كل مسلم صدقة "، قيل: " أرأيت إن لم يجد؟ "، قال: " يعتمل بيديه فينفع نفسه، ويتصدق "، قال: قيل: " أرأيت إن لم يستطع؟ " قال: " يعين ذا الحاجة الملهوفَ "، قال: قيل له: " أرأيت إن لم يستطع؟ " قال: " يأمر بالمعروف أو الخير "، قال: " أرأيت إن لم يفعل؟ " قال: " يمسك عن الشر فإِنها صدقة " (٣). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: " يا رسول الله؛ علمني عملاً يُدخلُني الجنة "، قال: " إِن كنت أقصرت الخُطبة لقد أعرضْت المسألة، أعتق النَّسَمَة، وفُكَّ الرقبة .... فإِن لم تطِق ذلك، فأطعم الجائع، وأسْقِ الظمآن، وأْمُرْ بالمعروف، وانه عن المنكر، فإِن لم تُطِقْ ذلك، فكُفَّ لسانَك إِلا عن خير ") (٤).

стр. 59

وعن أبي ذر ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: " الإِيمان بالله والجهاد في سبيله "، قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: " أنفَسها عند أهلها، وأكثرها ثمنًا "، قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: " تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق "، قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: " تكف شَرَّك عن الناس، فإِنها صدقة منك على نفسك " (١). وعن أبي كثير السُّحَيْمِيّ عن أبيه قال: (سألت أبا ذر قلت: " دُلَّني على عملٍ، إذا عمل العبد به دخل الجنة "، قال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: " يؤمن بالله "، قال: فقلت: " يا رسول الله، إن مع الإيمان عملاً؟ "، قال: " يَرْضَخ (٢) مما رزق الله "، قلت: " وإن كان مُعْدمًا لا شيء له "، قال: " يقول معروفًا بلسانه "، قال: قلت: " فإن كان عَيياً لا يُبْلِغ عنه لسانُه؟ "، قال: " فيعيِنُ مغلوبًا "، قلت: " فإن كان ضعيفًا لا قدرة له؟ "، قال: " فليصنع لأخرق " (٣)، قلت: " وإن كان أخرقَ؟ "، قال: فالتفت إليَّ، وقال: " ما تريد أن تدع في صاحبك شيئًا من الخير، فَلْيَدَع الناسَ من أذاه "، فقلت: " يا رسول الله، إن هذه كلمة تيسير؟ " فقال ﷺ : " والذي نفسي بيده، ما من عبد يعمل بخصلة منها، يريد بها ما عند الله، إِلا أخَذَتْ بيده يوم القيامة، حتى تُدخله الجنة ") (٤).

стр. 60

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعًا: " أفضل المؤمنين إِسلامًا من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله " (١) الحديث. وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: " لا تعجبكم من الرجل طنطنته، ولكن من أدَّى الأمانة، وكفَّ عن أعراض الناس؛ لهو الرجل " (٢). وقال بكر بن عبد الله المُزَنِيُّ ﵀: " اجتهدوا في العمل، فإن قَصَّرَ بكم ضعفٌ؛ فكُفُّوا عن المعاصي ". عن يحيى بن معاذ قال: " ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال لتكون من المحسنين: إحداها: إن لم تنفعه فلا تضره، والثانية: إن لم تسره فلا تغمه، والثالثة: إن لم تمدحه فلا تذمه " (٣). وعن عبد الله بن عون ﵀ قال: " أحب لكم يا معشر إخواني ثلاثًا: هذا القرآن تتلونه آناء الليل والنهار، ولزوم الجماعة، والكف عن أعراض المسلمين " (٤). وقال بعض السلف: " إن ضعفت عن ثلاث فعليك بثلاث: إن ضعفت عن الخير؟ فأمسك عن الشر، وإن كنت لا تستطيع أن تنفع الناس، فأمسِك عنهم ضُرَّكَ، وإن كنت لا تستطيع أن تصوم، فلا تأكل لحوم الناس ". * * *

стр. 61

ولما كان أحد البواعث على الغيبة شفاء الغيظ بمقابلة العدوان بمثله رغبت الشريعة السمحة في كظم الغيظ، وترك مقابلة العدوان بمثله، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وعن معاذ بن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنْفِذَهُ، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخَيِّره من الحور ما شاء " (١). وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: " من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون " (٢). وكان أحدهم يقع في عمر بن ذر ويشتمه، فلقيه عمر، فقال: " يا هذا لا تُفرط في شتمنا، وأبق للصلح موضعًا، فإنا لا نكافيء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه " (٣). وقيل: إن رجلاً خاصم الأحنف بن قيس، وقال: " لئن قلتَ واحدة، لتسمعن عشرًا "، فقال: " لكنك إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة " (٤). وعن بكار بن محمد السيريني قال: " كان عبد الله بن عون مشغولاً بنفسه

стр. 62

وما سمعته ذاكرًا بلال بن أبي بردة بشيء قط، ولقد بلغني أن قومًا قالوا له: " يا أبا عون! بلال فعل كذا "، فقال: " إن الرجل يكون مظلومًا، فلا يزال يقول حتى يكون ظالمًا، وما أظن أحدًا منكم أشد على بلال مني "، قال: " وكان بلال قد ضربه بالسياط لكونه تزوج امرأة عربية (١). وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀: " التَّقيُّ مُلْجَمٌ، لا يفعل كلَّ ما يريد " (٢). وعن عبد العزيز بن الماجشون: (قال أبو حازم لبعض أولئك الأمراء: والله لولا تبعة لساني، لأشفيت منكم اليوم صدري) (٣). ليست الأحلام في حين الرضا ... إنما الأحلام وقت الغضب (٤) ودخل عمر على أبي بكر ﵄ وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: " مه! غفر الله لك "، فقال أبو بكر: " إن هذا أوردني الموارد " (٥). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " والذي لا إله غيره، ما على ظهر الأرض من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان " (٦). تَحَفَّظْ منْ لسانك ليس شيء ... أحقَّ بطول سجن من لسان أما إذا أطَلقته حُرًّا، فهنالك تكون المهالك: إن اللسان إذا حللتَ عِقَاله ... ألقاك في شنعاءَ ليس تُقالُ

стр. 63

فالعقال والقيد أليقُ لكل لسان، وأحوط، وأبرأ، لأنه ليس من أحد يقيلك ويعفيك من سقطاته، إلا الأقل، فانتبه (١). وقال مالك بن دينار: " كان الأبرار يتواصون بثلاث؛ بسجن اللسان، وكثرة الاستغفار، والعزلة " (٢). وقال الفضيل بن عياض: " ما حجٌّ ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان، ولو أصبحت يُهمك لسانك، أصبحت في همٍّ شديد " (٣). وعن عطاء بن أبي رباح قال: " إن من كان قبلكم كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد لك منها، أتنكرون أن عليكم حافظين كرامًا كاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيدٌ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، أما يستحي أحدكم لو نُشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته؟! " (٤). وقيل للمعافى بن عمران: ما ترى في الرجل يقرض الشعر ولقوله؟ فقال: " هو عمرك فأفنه بما شئت ". وعن يعلى بن عبيد قال: سمعت سفيان الثوري يقول: " لو كان معكم من يرفع الحديث إلى السلطان، أكنتم تتكلمون بشيء؟ " قلنا: لا، قال: " فإن معكم من يرفع الحديث " (٥). وعن حاتم قال: " لو أن صاحب خَبرٍ جلس إليك، لكنت تتحرز منه،

стр. 64

وكلامك يُعرض على الله فلا تحترز " (١). وقال أبو علي الدقَّاق: " لو كنتم تشترون الكاغد -أي الورق- للحَفَظة لسكتم عن كثير من الكلام " (٢). وقال مالك بن دينار: " لو أن القوم كُلِّفوا الصحف؛ لأقلوا المنطق " (٣). وكان مالك بن أنس يعيب كثرة الكلام، ويقول: " لا يوجد إلا في النساء أو الضعفاء " (٤). وقال الحسن البصري: " يا عجبًا لابن آدم: حافظاه على رأسه، لسانه قلمهما، وريقه مدادهما، وهو بين ذلك يتكلم بما لا يعنيه " (٥). وقال أيضًا: " ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه " (٦). وقال ﵀: " لا تستقيم أمانة رجل حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه " (٧). وقال الفضيل بن عياض: " والله ما يحل لك أن تؤذي كلبًا أو خنزيرًا بغير حق، فكيف تؤذي مسلمًا؟ " (٨). وقال الإمام تاج الدين السبكي ﵀: (كنت جالسًا بدهليز دارنا، فأقبل كلب، فقلتُ: " اخسأ كلبَ بنَ كلبٍ "، فزجرني الوالدُ من داخل البيت، فقلت: " أليس هو كلب بن كلب؟ " قال: " شرط الجواز عدمُ قصد

стр. 65

التحقير " فقلت: " هذه فائدة ") (١). وعن يحيى بن سعيد أن عيسى ابن مريم لقي خنزيرًا بالطريق، فقال له: " انفذ بسلام " , فقيل: " تقول هذا لخنزير؟ "، فقال عيسى: " إني أخاف أن أعوِّد لساني النطق بالسوء " (٢). وقال عاصم بن أبي النَّجود: " ما سمعت أبا وائل -يعني شقيق بن سَلَمة- سبَّ إنسانًا قط، ولا بهيمة " (٣). وعن المثنى بن الصباح قال: " لبث وهب بن منبه أربعين سنة لم يَسُبَّ شيئًا فيه الروح " (٤). وعن عمرو بن مالك أنه سمع أبا الجوزاء يقول: " ما لعنت شيئًا قط، ولا أكلت شيئًا ملعونًا قط، ولا آذيت أحدًا قط " (٥). قال الذهبي: انظر إلى هذا السيد، واقتد به. وعن أبي حيان التيمي عن أبيه قال: قال رأيت ابنة الربيع بن خثيم أتته، فقالت: " يا أبتاه " أذهب ألعب؟ "، قال: " يا بُنيتي، اذهبي قولي خيرًا " (٦). وعن بكر بن ماعز، أن الربيع بن خثيم أتته ابنة له، فقالت: " يا أبتاه، أذهب ألعب؟ "، فلما أكثرت عليه، قال بعض جلسائه: " لو أمرتها فذهبت؟ "، قال: " لا يكتب عليَّ اليوم أني آمرها تلعب " (٧). وعن جرير بن حازم قال: ذكر ابن سيرين رجلاً، فقال: " ذاك الرجل

стр. 66

الأسود "، ثم قال: " أستغفر الله، ما أراني إلا قد اغتبته " (١). وعن الحسن قال: (يخشون أن يكون قولنا: " حُمَيْدٌ الطويلُ " غيبة) (٢). وعن شعبة قال: (قال لي معاوية -يعني ابن قُرَّة-: لو مَرَّ بك رجل أقطع، فقلت: " هذا أقطع "، كان غيبة، فذكرته لأبي إسحاق، فقال: " صدق ") (٣). وعن ثابت البُناني ﵀ قال: (قال شداد بن أوس لغلامه: " ائتنا بسُفْرتنا فنعبث ببعض ما فيها "، فقال له رجل من أصحابه: " ما سمعت منك كلمة منذ صاحبتُك أرى أن يكون فيها شيء من هذه؟ " قال: " صدقت، ما تكلمت بكلمة مذ بايعتُ رسول الله ﷺ ، إلا أزمها وأخطمها إلا هذه، وأيم الله لا تذهب مني هكذا "، فجعل يُسَبّح، ويكبِّر، ويحمد الله ") (٤). وعن حسان بن عطية ﵀، قال: (كان شداد بن أوس في سفر، فنزل منزلاً، فقال لغلامه: " ائتنا بالسُّفرة نعبث بها "، فأنكرتُ عليه، فقال: " ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت، إلا وأنا أخْطمُها وأزمُّها، إلا كلمتي هذه، فلا تحفظوها عليَّ ") (٥). وعن يزيد بن حَيَّان التيمي قال: (كان يقال: " ينبغي للرجل أن يكون أحفظ للسانه منه لموضع قدمه ") (٦). وقال سلمة بن دينار: " ينبغي للمؤمن أن يكون أشد حفظًا للسانه منه لموضع قدمه " (٧). * * *

стр. 67

الفصل الرابع مجاهدة النفس في ترك الغيبه وحفظ اللسان قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] فمن سنة الجهاد البُداءة بالعدو الأقرب فالأقرب, والنفس الأمارة بالسوء بين جنبي الإنسان هى أقرب أعدائه إليه , فليبدأ بمجاهدتها وقمعها ,خصوصا وأنها تأمر اللسان بالغيبة, وتؤزره على المعاصي. عن فضالة بن عبيد ﵁ قال رسول الله ﷺ " المجاهد من جاهد نفسه في الله " (١). وعن أبي ذر ﵁ قال رسول الله ﷺ " أفضل الجهاد: أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله " (٢). وقال أبو حازم ﵀: " قاتِل هواك أشدَّ مما تقاتل عدوك " (٣).

стр. 68

ولولا أن الطباع قابلة بالمجاهدة لأن تُقَوَّمَ؛ لما جاءت الشرائع آمرة بالفضائل ومحذرة من الرذائل، فليجاهد العبد نفسه على تقويم لسانه، وتطهيره من الآفات لا سيما الغيبة، فإن استقامة اللسان ركن ركين من أركان استقامة سائر أعضائه (١). كان " وهيب بن الورد " رحمه الله تعالى يقول: " والله لترك الغيبة عندي أحب إليَّ من التصدق بجبل من ذهب " (٢). وقال ﵀: " لأن أدع الغيبة أحبُّ إليَّ من أن يكون لي الدنيا منذ خُلقت إلى أن تفنى، فأجعلها في سبيل الله تعالى، ولأن أغض بصري عما حَرَّم الله تعالى، أحب إليَّ من أن تكون لي الدنيا وما فيها، فأجعلها في سبيل الله، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، وتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] " (٣). وكان السلف رحمهم الله تعالى يجاهدون أنفسهم أشد المجاهدة لتقويم " اللسان " وتهذيبه، ويصابرون على ذلك السنين الطوال: فعن علي بن حَمَلة قال: قال عبد الله بن أبي زكريا الدمشقي: " عالجْتُ الصمت عما لا يعْنيني (٤) عشرين سنة، قَلَّ أن أقدر منه على ما أريد "، قال: وكان لا يدع يُغتاب في مجلسه أحد، يقول: " إن ذكرتم الله أعَنَّاكم، وإن ذكرتم الناس تركناكم " (٥).

стр. 69

" وكان عبد الله بن أبي زكريا إذا خاض جُلساؤه في غير ذكر الله، رأيته كالسَّاهي، فإذا خاضوا في ذكر الله، كان أحسن الناس استماعًا " (١)، " وكان ﵀ لا يكاد أن يتكلم حتى يُسأل، وكان من أبشِّ الناس، وأكثرهم تبسمًا " (٢). وعن سلمة بن خلف بن إسماعيل قال: قلت لسفيان الثوري: " إذا أخذت في الحديث نشطت وأنكرتك، وإذا كنت في غير الحديث كأنك ميت؟ " قال سفيان: " أما علمت أن الكلام فتنة؟ " (٣). وعن المعَلَّى قال: قال مورِّق: " أمْرٌ أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة، لم أقدر عليه، ولستُ بتارك طلبَه أبدًا "، قالوا: " وما هو يا أبا المعتمر؟ "، قال: " الكف عما لا يعنيني " (٤). وقال محمد بن المنكدر: " كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت " (٥). وعن جعفر بن بُرقان قال: (بلغني عن يونس -أي: ابن عبيد- فضل وصلاح، فأحببت أن أكتب إليه أسأله، فكتب إليه: أتاني كتابك تسألني أن أكتب إليك بما أنا عليه، فأخبرك أني عرضت على نفسي أن تحب للناس ما تحب لها، وتكره لهم ما تكره لها، فإذا هي من ذاك بعيدة، ثم عرضت عليها مرة أخرى تركَ ذكرهم إلا من خير، فوجدت الصومَ في اليوم الحار أيسر عليها من ذلك، هذا أمري يا أخي، والسلام) (٦).

стр. 70

وقال ابن وهب: (نذرت أني كلما اغتبت إنسانًا أن أصوم يومًا، فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت كلما اغتبت إنسانًا أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة) (١). وقال محمد بن واسع لمالك بن دينار: " يا أبا يحيى حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم " (٢). وقال خارجة بن مصعب: " صحبت ابن عون ثِنْتي عشرة سنة، فما رأيتُه تكلم بكلمةٍ كتبها عليه الكرام الكاتبون " (٣). وعن الصَّلْت بن بَسْطام التيمي قال: (قال لي أبي: الزم عبد الملك بن أبْجَر فتعلَّم من توقِّيه في الكلام، فما أعلم بالكوفة أشدَّ تحفظًا للسانه منه) (٤). وعن الفضيل بن عياض قال: " كان بعض أصحابنا يحفظ كلامه من الجمعة إلى الجمعة " (٥). وعن الحسن بن حَيٍّ قال: " إني لأعرف رجلاً يَعُدُّ كلامَه "، وكانوا يُرَوْنَ أنه هو (٦). وقال بشر بن منصور: (كنا عند أيوب السختياني، فلغطنا، وتكلمنا، فقال لنا: " كفوا .. لو أردت أن أخبركم بكل شيء تكلمت به اليومَ لفعلت ") (٧).

стр. 71

وما تكلم الربيع بن خثيم بكلام الدنيا عشرين سنة، وكان إذا أصبح وضع دواة وقرطاسًا وقلمًا، فكل ما تكلم به كتبه، ثم يحاسب نفسه عند المساء (١). وقال رجل لحاتم الأصم: " ما تشتهي؟ "، قال: " أشتهي عافية يوم إلى الليل "، فقال له: " أليست الأيام كلها عافية؟ "، قال: " إن عافية يومي أن لا أعصي الله فيه " (٢). وقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: (وقد أخبرني بعض أشياخي من الصوفية، أنه كان من جملتهم رجلٌ إذا صفا له يوم واحد، جعل جَوْزًا في قِدر، وختم عليه، فإذا سُئل عن عمره أخرج القِدْرَ، وفضَّ الختم، وعدَّ الجوز، فيرى أن أيامه بعددها) (٣). * * *

стр. 72

قلة المخالطة وقاية من الغيبة قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تصاحب إِلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إِلا تقي " (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل " (٢). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكبير، فحامل المسك، إِما أن يُحذِيَك (٣)، وإِما أن تبتاعَ منه، وإِما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكبير إِما أن يُحْرِق ثيابك، وإِما أن تجد ريحًا خبيثة " (٤). قال الإمام النووي ﵀ في شرح هذا الحديث: " فيه فضيلة مجالسة الصالحين، وأهل الخير والمروءة، ومكارم الأخلاق، والورع، والعلم، والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع، ومن يغتاب الناس، أو

стр. 73

يكثر فجره وبطالته، ونحو ذلك من الأنواع المذمومة " (١). وعن شقيق البلخي قال: (علامة التوبة البكاءُ على ما سلف، والخوف من الوقوع في الذنب، وهِجران إخوان السوء، وملازمة الأخيار) (٢). فحق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم، وأن يتجنب مجالسة الأشرار، لأنه لا يأمن غائلتهم، والطبع يسرق من الطبع وهو لا يدري، فصحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشر، كالريح إذا مرت على النتن حملت نتنًا، وإذا مرت على الطيب حملت طيبًا، وقد قيل: " لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقالُه "، وقيل: " لا تصحب الفاجر؛ فإنه يزين لك فعله، ويود لك أنك مثله ". ولما كان " الدفع أسهل من الرفع "، و " الوقاية خيرًا من العلاج "؛ أشار النبي ﷺ إلى فضيلة لزوم الإنسان بيته اتقاء الغيبة، فقال فيما رواه عنه معاذ بن جبل ﵁: " ... ومن جلس في بيته لم يغتب إِنسانًا كان ضامنًا على الله " (٣). وهذا يدل على فضيلة من اعتزل مجالس الناس، ولزم بيته بنية كف شر لسانه عن إخوانه المؤمنين، كما قال ﷺ في أفضل الأعمال بعد الجهاد: " مؤمن

стр. 74

في شِعب من الشعاب يعبد الله، ويدع الناس من شره " (١). وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم جُلُوس في مجلسٍ، فقال: " ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟ "، فقلنا: " بلى يا رسول الله "، قال: " رجل آخِذٌ برأس فرسه في سبيل الله حتى عُقِرَت أو يُقْتَلَ، فأخْبركم بالذي يليه؟ "، قلنا: " بلى يا رسول الله "، قال: " امرؤ معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس " (٢) الحديث. وقال القشيري: " ليس تحصل الغِيبة من الخلق إلا بالغَيبة عن الحق "، ولهذا كانت الغيبة وأكل لحوم الناس قوتًا لا يستغنى عن التهامه الشاردون عن منهج الله، والغافلون عن ذكره ، ومن ثم كثرت شكاوى الصالحين من أمثال هذه المجالس، وكثر تندمهم عليها، وفرارهم منها: فقد قيل لعبد الله بن المبارك: " إذا أنت صليت، لم لا تجلس معنا؟ "، قال: " أجلس مع الصحابة والتابعين، انظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ إنكم تغتابون الناس " (٣). وقد قيل: " علامة المزيد قطيعة كل خليط، لا يريد ما تريد ". وقال محمد بن نضر الحارثي لأبي الأحوص: " أليس يزعمون أنه قال: (أنا جليس من ذكرني؟)، قال: بلى، قال: ما على أحد أن لا يجالس الناس " (٤)، وعن أبي أسامة قال: قلت لمحمد بن النضر: أما تستوحش من طول

стр. 75

الجلوس في البيت؟ فقال: ما لي أستوحش، وهو يقول: " أنا جليس من ذكرني " (١). وعن طلحة بن عبيد الله قال: " أقل العيب على المرء أن يقال: إنه يكثر الجلوس في بيته " (٢). وقال الأعمش: كان يقال: " إذا طال المجلس؛ كان للشيطان فيه مطيع " (٣). وقاله الزهري: " إذا طال المجلس؛ كان للشيطان فيه نصيب " (٤). وعن خلف بن إسماعيل البرزاني قال: سمعت سفيان الثوري يقول: " أقِلَّ من معرفة الناس تَقلَّ غيبتُك " (٥). وعن أبي ذر قال: " ما لي وللناس، وقد تركت لهم بيضاءهم وصفراءهم؟! " (٦). لقاء الناس ليس يفيد شيئًا ... سوى الهذيان من قيل وقال فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حالِ (٧) وقال الشافعي ﵀: " الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط " (٨).
следующие страницы →