← Акыда

Акыда · id 9667

العقيدة في الله

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (228 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المطلب السادس قواعد مهمة في صفات الله وأسمائه هناك عدة قواعد مهمة، ونقاط رئيسة، نبه إليها العلماء في هذا الباب نسوقها موجزة مختصرة. القاعدة الأولى: القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر (١) : بهذه القاعدة نرد على عدة طوائف: أ- الذين يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها، كالذين يثبتون لله الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، ويجعلونها صفات حقيقية، ثم ينازعون في محبة الله ورضاه، وغضبه وكراهيته، ويجعلون ذلك مجازاً، أو يفسرونه بالإرادة، أو يفسرونه بالنعم والعقوبات. فيقال لهؤلاء: لا فرق بين ما أثبتموه وما نفيتموه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن كنتم تقولون: حياته وعلمه كحياة المخلوقين وعلمهم، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته كذلك. وإن قلتم له حياة وعلم وإرادة تليق به ولا تشبه حياة المخلوقين وعلمهم وإرادتهم، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته وغضبه كذلك. وإن قلتم: إن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، فكذلك يقال: الإرادة ميل النفس إلى جلب مصلحة أو دفع مضرة، فإن قلتم: هذه إرادة مخلوق، قلنا: هذا غضب مخلوق.

стр. 177

ب- الذين يثبتون الأسماء وينفون الصفات، فيقولون حي بلا حياة، عليم بلا علم ... الخ. فهؤلاء يقال لهم: لا فرق بين إثبات الأسماء، وإثبات الصفات، فإنك إن قلت إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي التشبيه أو التجسيم لأنا لا نجد متصفاً بالصفات إلا وهو جسم، قلنا: وكذلك في الأسماء، إذ لا نجد ما هو مسمى بحي وعليم وقدير إلا ما هو جسم، فانف أسماء الله، فإن قالوا: هذه الأسماء تليق بكماله وجلاله، قلنا: وكذلك صفاته. ج- الذين ينفون الأسماء والصفات، فإنهم بزعمهم ينفون ذلك حتى لا يشبهوا الله بالموجودات، فيقال لهم: نفيتم علمه وحياته كما نفيتم أنه عليم حي خشية أن تشبهوه بالموجودات، ولكن يلزم قولكم هذا تشبيه الله بالمعدومات. القاعدة الثانية: القول في الصفات كالقول في الذات (١) : فالله - سبحانه - له ذات لا تشبه ذوات المخلوقين، وكذلك صفاته وأفعاله لا تشبه ذوات المخلوقين وأفعالهم. إذ يلزم من أقر بأن الله حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء أن يقول: إن سمعه وبصره وكلامه الثابت في نفس الأمر لا يشابهه سمع المخلوقين ولا بصرهم ولا كلامهم. فإن قال قائل: أنا أنفي استواء الله خشية من تشبيه الله بخلقه، فيقال له: انف وجود الله وذاته، لأنه يلزم من ذلك تشبيه الله بخلقه، فإن قال: لله وجود يخصه، وذات تخصه لا تشبه ذوات المخلوقين، قلنا: وكذلك نزوله واستواؤه.

стр. 178

القاعدة الثالثة: الاتفاق في الأسماء لا يقتضي التساوي في المسميات: فإننا نعلم أن ما أخبرنا الله تعالى به مما في الجنة من لبن وعسل وخمر حق، وهذه الحقائق وإن كانت موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا فإنها لا تماثلها، بل بينها وبين ما في الدنيا من المباينة ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، بل قد تسمي في الدنيا عدة أشياء باسم واحد، ويكون لكل واحد حقيقة تخصه، فإننا نقول مثلاً: يد الجمل، ويد الباب، ويد الإنسان، واليد في كل لفظة من الألفاظ الثلاثة لها معنى يخصها. القاعدة الرابعة: لا يوصف الله بالنفي المحض: أثبت الله لنفسه أسماء وصفات، ونفى عن نفسه أسماء وصفات. والإثبات والنفي في أسمائه وصفاته مجمل ومفصل، فالإثبات المجمل يكون بإثبات الثناء المطلق، والحمد المطلق، والمجد المطلق لله تعالى، ونحو ذلك كما يشير إليه قوله: (الحمد لله ربّ العالمين) [الفاتحة: ٢] ، وقوله: (ولله المثل الأعلى) النحل: ٦٠] . وأما التفصيل في الإثبات فهو متناول لكل اسم أو صفة وردت في الكتاب والسنة. والنفي المجمل يكون بأن ينفي عن الله كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص مثل قوله: (ليس كمثله شيء) [الشورى: ١١] وقوله: (هل تعلم له سَميّاً) [مريم: ٦٥] . وأما التفصيل في النفي فهو أن ينزه الله عن كل واحد من هذه العيوب والنقائص بخصومه، فينزه عن الوالد والولد والشريك والصاحبة والند

стр. 179

والجهل والعجز والسنة والنوم والعبث ... إلخ. إلا أن منهج القرآن في النفي أن لا ينفي نفياً محضاً، فلا ينفي القرآن صفة نقص عن الله إلا إذا كانت متضمنة صفة مدح وكمال، فلا ينفي نفياً مجرداً، كما تفعل بعض الفرق (١) ، فقوله تعالى: (الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم لا تأخذهُ سنةٌ ولا نومٌ لَّه ما في السَّماوات وما في الأرض من ذا الذَّي يشفع عنده إلاَّ بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيءٍ من علمه إلاَّ بما شاء وسع كرسيُّه السَّماوات والأرض ولا يَؤُودُهُ حفظهما) [البقرة: ٢٥٥] فيه نفي السنة والنوم عن الله تعالى، ونفيهما يتضمن كمال الحياة والقيام، فمن كمال حياته: ألا تأخذه سنة (وهي أوائل النوم) ولا نوم، وقوله: (ولا يَؤُودُهُ حفظهما) [البقرة: ٢٥٥] مستلزم لكمال قدرته وتمامها، إذ المعنى (لا يكرثه ولا يثقله) . ومثل ذلك قوله: (لا يعزب عنه مثقال ذرَّةٍ في السَّماوات ولا في الأرض) [سبأ: ٣] فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات والأرض. وكذلك قوله: (ولقد خلقنا السَّماوات والأرض وما بينهما في ستَّة أيامٍ وما مسَّنا من لُّغوبٍ) [ق: ٣٨] فإن نفي اللغوب (وهو التعب والإعياء) دل على كمال القدرة ونهاية القوة. وكذلك قوله: (لاَّ تُدركه الأبصار) [الأنعام: ١٠٣] أي: لا تحيط به الأبصار فهو وإن رئي في الآخرة، ولكنه لعظمته - سبحانه - لا تحيط به الأبصار. وكذلك كل ما نفاه الله عن نفسه، فإنه يستلزم صفة ثبوتية يمدح الله بها. ولم يصف الله نفسه بنفي محض لا يستلزم صفة ثبوتية، وبذلك يتضح أن الذين يتجهون إلى الإكثار من النفي (أو ما يسمونه السلوب) أخطؤوا؛

стр. 180

لأن النفي ليس فيه مدح ولا كمال ما لم يتضمن إثباتاً؛ لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء. وقد أكثر المبتدعون من النفي المحض فقالوا: لا يتكلم، ولا يرى، وليس فوق العالم، وغلا بعضهم فقالوا: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مبايناً للعالم، ولا مخالطاً له ... إلى آخر هذا الكلام الغث الذي يجعلون الله به عدماً ... تعالى وتقدس. القاعدة الخامسة: الألفاظ الموهمة حقاً وباطلاً (١) : الصفات التي وردت في الكتاب والسنة حق يجب الإيمان بها، وإن لم نفقه معناها. أما ما يطلقه الناس على الله - سبحانه - مما لم يرد في الكتاب والسنة مما يتنازع فيه الناس فلا نثبته ولا ننفيه حتى نتبين مراد قائله منه. فمثلاً يقال لمن نفى الجهة: ماذا تعني بالجهة؟ إن كنت تعني أن الله في داخل جرم السماء، وأن السماء تحويه، فلا يجوز أن نقول: إن الله في جهة، وإن كنت تريد أن الله فوق مخلوقاته فوق السماوات فهذا حق. وكذلك التحيز، إن كان المراد أن الله تحوزه المخلوقات فهذا باطل قطعاً، وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين لها فهذا حق. القاعدة السادسة: التعطيل سببه اعتقاد التشبيه أو لا: وقد وضح هذه القاعدة العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، وبين أن أصل البلاء وأسه هو تنجس القلب وتلطخه وتدنسه بأقذار التشبيه، فإذا سمع ذو القلب المتنجس بأقذار التشبيه صفة من صفات الكمال، التي أثنى الله بها على نفسه، كنزوله إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير، وكاستوائه على عرشه، وكمجيئه يوم القيامة، وغير ذلك من صفات الجلال والكمال، فإن أول ما يخطر في ذهنه أن هذه الصفة

стр. 181

تشبه صفة الخلق، فيكون قلبه متنجساً بأقذار التشبيه، لا يقدّر الله حق قدره، ولا يعظم الله حق عظمته، حيث يسبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولا نجس القلب متقذراً بأقذار التشبيه، فيدعوه شؤم هذا التشبيه إلى أن ينفي صفة الخالق - جلّ وعلا - عنه، بادعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون أولاً مشبهاً، وثانياً معطلاً، فصار ابتداء وانتهاءً متهجماً على رب العالمين، ينفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق به. وذكر الشيخ - رحمه الله تعالى - قاعدة أصولية أطبق عليها من يعتد به من أهل العلم. وهي أن النبي ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا سيما في العقائد. ولو مشينا على فرضهم الباطل، أن ظاهر آيات الصفات الكفر، فالنبي ﷺ لم يؤول الاستواء (بالاستيلاء) ، ولم يؤول شيئاً من هذه التأويلات، ولو كان المراد بها هذه التأويلات لبادر النبي ﷺ إلى بيانها؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة. وبين الشيخ - رحمه الله تعالى - أن الواجب على المسلم إذا سمع وصفاً وصف به خالق السماوات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ أن يملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون القلب منزّها معظما له جلّ وعلا، غير متنجس بأقذار التشبيه، فتكون أرض قلبه قابلة للإيمان والتصديق بصفات الله التي تمدّح بها، وأثنى عليه بها نبيه ﷺ ، على غرار قوله: (ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير) [الشورى: ١١] ، والشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيضطر المسكين أن ينفي صفة الخالق بهذه الدعوى الكاذبة الخائنة.

стр. 182

القاعدة السابعة: آيات الصفات ليست من المتشابه: ذكر الشيخ الشنقيطي ﵀ أن كثيراً من الناس يطلق على آيات الصفات اسم المتشابه، وهذا من جهة غلط، ومن جهة قد يَسُوغ كما بينه الإمام مالك بن أنس بقوله: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب ". كذلك يقال في النزول: النزول غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، واطرده في جميع الصفات؛ لأن هذه الصفات معروفة عند العرب، إلا أن ما وصف به خالق السماوات والأرض منها أكمل وأجل وأعظم من أن يشبه شيئاً من صفات المخلوقين، كما أن ذات الخالق - جلّ وعلا - حق، والمخلوقون لهم ذوات، وذات الخالق - جلّ وعلا - أكمل وأنزه وأجل من أن تشبه شيئاً من ذوات المخلوقين. القاعدة الثامنة: ليس ظاهر الصفات التشبيه حتى تحتاج إلى تأويل: المقرر في الأصول أن الكلام إن دل على معنى لا يحتمل غيره فهو المسمى (نصاً) كقوله تعالى: (تلك عشرةٌ كاملةٌ) [البقرة: ١٩٦] ، فإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون أظهر في أحد الاحتمالين من الآخر، وإما أن يتساوى بينهما. فإن كان الاحتمال يتساوى بينهما فهذا الذي يسمى في الاصطلاح: (المجمل) كما لو قلت: (عدا اللصوص البارحة على عين زيد) فإنه يحتمل أن تكون عينه الباصرة عوروها، أو عينه الجارية غوروها، أو عينه ذهباً وفضة سرقوها، فهذا مجمل، وحكم المجمل أن يتوقف عنه إلا بدليل يدل على التفصيل. أما إذا كان نصا صريحاً، فالنص يعمل به، ولا يعدل عنه إلا بثبوت النسخ. فإذا كان أظهر في أحد الاحتمالين فهو المسمى بـ (الظاهر) ، ومقابله

стр. 183

يسمى (محتملاً مرجوحاً) ، والظاهر يجب الحمل عليه إلا لدليل صارف عنه، كما لو قلت: " رأيت أسداً " فهذا ظاهر في الحيوان المفترس، محتمل للرجل الشجاع. وعلى ذلك فهل المتبادر من آيات الصفات من نحو قوله: (يد الله فوق أيديهم) [الفتح: ١٠] وما جرى مجرى ذلك هو مشابهة الخلق، حتى يجب علينا أن نؤول ونصرف اللفظ عن ظاهره؟ أو ظاهرها المتبادر منها تنزيه رب السماوات حتى يجب علينا أن نقره على الظاهر من التنزيه، والجواب: أن كل وصف أسند إلى رب السماوات والأرض، فظاهره المتبادر منه عند كل مسلم هو التنزيه الكامل عن مشابهة الخلق. فإقراره على ظاهره هو الحق، وهو تنزيه رب السماوات والأرض عن مشابهة الخلق في شيء من صفاته. فهل ينكر عاقل أن المتبادر للأذهان السليمة أن الخالق ينافي المخلوق في ذاته وسائر صفاته. لا والله لا يعارض في هذا إلا مكابر.

стр. 184

القاعدة التاسعة: حقيقة التأويل (١) : التأويل الذي فتن به الخلق، وضل به الآلاف من هذه الأمة يطلق في الاصطلاح مشتركاً بين ثلاثة معان: ١- يطلق على ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال، وهذا هو معناه في القرآن نحو قوله تعالى: (ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً) [النساء: ٥٩] ، (ولمَّا يأتهم تأويله) [يونس: ٣٩] ، (يوم يأتي تأويله يقول الَّذين نسوه من قبل) [الأعراف: ٥٣] ؛ أي ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال. ٢- ويطلق التأويل بمعنى التفسير، وهذا قول معروف كقول ابن جرير: القول في تأويل قوله تعالى كذا، أي تفسيره. ٣- أما في اصطلاح الأصوليين فالتأويل: هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل. وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه له عند علماء الأصول ثلاث حالات: أ- إما أن يصرفه عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب أو سنة، وهذا النوع من التأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه. ومثال هذا النوع ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (الجار أحق بصقبه) (٢) فظاهر هذا الحديث ثبوت الشفعة للجار. وحمل هذا الحديث على الشريك المقاسم حمل للفظ على محتمل مرجوح غير ظاهر متبادر، إلا أن حديث جابر الصحيح (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) (٣) دل على أن المراد بالجار الذي هو أحق

стр. 185

بصقبه خصوص الشريك المقاسم. فهذا النوع من صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل واضح من كتاب وسنة يجب الرجوع إليه، وهذا تأويل يسمى تأويلاً صحيحاً وتأويلاً قريباً. ب- الثانية هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلاً، وهو في نفس الأمر ليس دليلاً، فهذا يسمى تأويلاً بعيداً، ويقال له: فاسد. ومثل له بتأويل أبي حنيفة لفظ: (امرأة) في قوله ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) (١) قالوا: حمل هذا على خصوص المكاتبة تأويل بعيد، لأنه صرف للفظ عن ظاهره المتبادر منه، لأن (أي) في قوله (أي امرأة) صيغة عموم. وأكدت صيغة العموم بما المزيدة للتوكيد، فحمل هذا على صورة نادرة هي المكاتبة حمل للفظ على غير ظاهره من غير دليل. ج- أما حمل اللفظ على غير ظاهره لا لدليل: فهذا لا يسمى تأويلاً في الاصطلاح بل يسمى لعباً، لأنه تلاعب بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ . ومن هذا تفسير غلاة الروافض قوله تعالى: (إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرةً) [البقرة: ٦٧] قالوا: عائشة. ومن هذا النوع صرف آيات الصفات عن ظواهرها إلى محتملات ما أنزل الله بها من سلطان، كقولهم: (استوى) بمعنى: استولى. فهذا لا يدخل في اسم التأويل، لأنه لا دليل عليه ألبتة. وإنما يسمى في اصطلاح أهل الأصول: لعباً، لأنه تلاعب بكتاب الله - جلّ وعلا - من غير دليل ولا مستند. فهذا النوع لا يجوز؛ لأنه تهجّم على كلام رب العالمين، والقاعدة المعروفة عند علماء السلف أنه لا يجوز صرف شيء من كتاب الله ولا سنة رسوله عن ظاهره المتبادر منه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه.

стр. 186

المطلب السابع مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله لخص ابن تيمية مذهب السلف الصالح في هذا الباب فقال: " فالأصل في هذا الباب أن يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه. وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل ". (١) وقد حذرنا الله من الانحراف عن النهج الذي قرره الله في كتابه في أسمائه تعالى وصفاته، فقال: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الَّذين يلحدون في أسمائِه) [الأعراف: ١٨٠] . وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمة القبر ". (٢) وقال تعالى منزهاً نفسه عما يصفه به الملحدون في أسمائه الضالون المشركون: (سبحان الله عمَّا يصفون) [الصافات: ١٥٩] ، (سبحان ربك رب العزَّة عمَّا يصفون) [الصافات: ١٨٠] ، (إلاَّ عباد الله المخلصين) [الصافات: ١٦٠] ، وفي الآية الأخرى سلم على المرسلين لسلامة ما قالوه: ووصفوا الله به (وسلام على المرسلين)

стр. 187

[الصافات: ١٨١] . عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري في صفات الله يشغب بعض من لم يرتض مذهب أهل السنة على أهل السنة مدعياً أن مذهب الأشاعرة يخالف هذا الذي قررناه، ويدعي أن مذهبهم مذهب أهل السنة، ونحن نورد هنا المذهب الذي حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة وأصحاب الحديث، ونص في ختامه أنه معتقده قائل به. عنون لهذا المبحث بقوله: " هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة " ثم قال: " جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردّون من ذلك شيئاً (١) ، وأن الله سبحانه إلهٌ واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولداً وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حقٌ، وأن النار حقٌ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله سبحانه على عرشه كما قال: (الرَّحمن على العرش استوى) [طه: ٥] ، وأن له يدين بلا كيف كما قال: (خلقت بيديَّ) [ص: ٧٥] وكما قال: (بل يداه مبسوطتان) [المائدة: ٦٤] وأن له عينين بلا كيف كما قال: (تجري بأعيننا) [القمر: ١٤] ، وأنّ له وجها كما قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) [الرحمن: ٢٧] . وأن أسماء الله لا يقال: إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقرّوا أن لله سبحانه علماً كما قال: (أنزله بعلمِهِ) [النساء: ١٦٦] وكما قال: (وما تحمل من أنثى ولا تضعُ إلاَّ بعلمِهِ) [فاطر: ١١] .

стр. 188

وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، وأثبتوا لله القوة كما قال: (أو لم يروا أنَّ الله الَّذي خلقهم هو أشد منهم قوَّةً) [فصلت: ١٥] . ويقولون إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ من قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق. ويقولون إنّ الله سبحانه يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون؛ لأنهم عن الله محجوبون قال (كلاَّ إنَّهم عن رَّبهم يومئِذٍ لَّمحجوبون) [المطففين: ١٥] ، وأن موسى ﵇ سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا، وأن الله سبحانه تجلى للجبل فجعله دكاً، فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا، بل يراه في الآخرة. ويصدّقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: (هل من مستغفر) كما جاء الحديث عن رسول الله ﷺ ، ويقرون أن الله سبحانه يجيء يوم القيامة كما قال: (وجاء ربُّك والملكُ صفاً صفاً) [الفجر: ٢٢] ، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) [ق: ١٦] . وختم أبو الحسن الأشعري جملة ما حكاه عن أهل السنة وأصحاب الحديث بقوله: " فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعليه نتوكل، وإليه المصير ". (١) وبهذا النقل يتضح لك موافقة معتقد أبي الحسن الأشعري لمعتقد أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته. (٢)

стр. 189

الفصل الثالث توحيد الله (١) معناه وأقسامه الله - سبحانه - واحد في ذاته، ليس له مثيل ولا نظير، تعالى عن الصاحبة والولد (قل هو الله أحد - الله الصمد - لم يلد ولم يولد - ولم يكن له كفواً أحد) [الإخلاص: ١-٤] وهو سبحانه متصف بصفات الكمال، لا يشبهه شيء من مخلوقاته في صفة من صفاته: (ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير) [الشورى: ١١] وهو وحده الخالق المحيي المميت قيوم السماوات والأرض، ولا يعد مؤمناً من لم يعلم علماً يقينياًً بأن الله متفرد بذلك كله. لا يكفي التوحيد العلمي، بل لا بدّ من التوحيد العملي: إلا أن هذا التوحيد النظري لا يكفي كي يعد المرء مؤمناً، بل لا بد من اتخاذه وحده إلهاً معبوداً بالتوجه إليه بالعبادة دون سواه. لأن الخالق الرزاق المنعم المتفضل المحيي المميت المتصف بصفات الكمال المنزه عن صفات النقص هو المستحق أن يُعبَد دون سواه، فغيره مربوب مألوه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فكيف يعبد من دون الله تعالى؟

стр. 190

تناقض الذين لا يعبدون الله وحده: والكفرة من مشركي العرب وكثير غيرهم كانوا يعتقدون بوحدانية الله في الخلق والإيجاد، وتفرده في الرزق والإحياء والإماتة والملك، ولكنهم يرفضون عبادته وحده دون غيره، وقصده دون سواه، وهذا تناقض شنيع، فالمتفرد بالخلق والإيجاد هو المستحق للعبادة والخضوع والتعظيم، وقد أطال القرآن في مناقشة المشركين وبيان تناقضهم في هذا وبين لهم أن الذي أقروا به من تفرده بالخلق والرزق ... إلخ يلزمهم بعبادته وإخلاص الدين له. كلمة التوحيد: معناها، فضلها، شروطها (لا إله إلا الله) كلمة التوحيد، جمعت الإيمان واحتوته، وهذه الكلمة عنوان الإسلام وأساسه. ومعناها: لا معبود يستحق العبادة إلا الله سبحانه، وقد أخطأ من فسرها بأنه لا موجود إلا الله، لأن معنى الإله: المعبود، فيصبح المعنى بناء على قول هؤلاء، لا معبود موجود إلا الله، وهذا غير صحيح؛ لأنه يلزم منه أنّ كلّ معبود بحق أو باطل هو الله، فيكون ما عبده المشركون من شمس وقمر ونجوم ... إلخ هو الله، فكأنه قيل: ما عُبِد على هذا التقدير إلا الله، وهذا من أبطل الباطل. فالمعنى الصحيح المتعين هو ما ذكرناه أولاً: أنه لا معبود يستحق العبادة إلا الله وحده. وقد جاءَت النصوص دالة على فضل (لا إله إلا الله) ، وعظيم نفعها، وقد سبق ذكر النصوص الدالة على أن من قال: (لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة) . وبهذه الكلمة يعصم العبد ماله ودمه، ويصبح مسلماً. ولكن ليس المراد بهذه الكلمة مجرد النطق، فلا تنفع هذه الكلمة قائلها عند ربه إلا بسبعة شروط:

стр. 191

١- العلم بمعناها: قال تعالى: (فاعلم أنَّه لا إله إلاَّ الله) [محمد: ١٩] وقال: (إلاَّ من شهِد بالحق وهم يعلمُون) [الزخرف: ٨٦] . وفي الصحيح عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) . (١) ٢- اليقين: بأن يكون القائل مستيقناً بمدلول هذه الكلمة يقيناً جازماً، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا اليقين لا الظن، قال تعالى: (إنَّما المؤمنون الَّذين آمنوا بالله ورسوله ثُمَّ لم يرتابوا) [الحجرات: ١٥] فاشترط في صدق إيمانهم كونهم لم يرتابوا، أي لم يشكوا، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاكّ فيهما فيحجب عن الجنة) . (٢) وفي الصحيح أيضاً أن الرسول ﷺ أرسل أبا هريرة بنعليه قائلاً له: (من لقت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة) (٣) فاشترط دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقناً بها قلبه غير شاكّ فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط. ٣- القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وقد حدثنا القرآن أن الله عذب المكذبين من الأمم الذين رفضوا هذه الكلمة، واستكبروا عنها: (إنَّهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلاَّ الله يستكبرون - ويقولون أئِنَّا لتاركوا آلِهَتِنَا لشاعرٍ مجنون) [الصافات: ٣٥-٣٦] جعل الله علة تعذيبهم وسببه هو استكبارهم عن قول لا إله إلا الله، وتكذيبهم من جاء بها.

стр. 192

٤- الانقياد لما دلت عليه، قال: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) [الزمر: ٥٤] وقال: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسنٌ فقد استمسك بالعروة الوثقى) [لقمان: ٢٢] ، ومعنى يسلم وجهه أي ينقاد، وهو محسن؛ أي موحد، والعروة الوثقى فسرت (بلا إله إلا الله) . ٥- الصدق: وهو أن يقولها صادقاً من قلبه، يواطئ قلبه لسانه، قال الله : (ومن النَّاس من يقول آمنَّا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين - يخادعون الله والَّذين آمنوا وما يخدعون إلاَّ أنفسهم وما يشعرون) [البقرة: ٨-٩] . فهم كاذبون في قولهم، يبطنون غير ما يعلنون، وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار) (١) ، فاشترط في النجاة من النار أن يقولها صدقاً من قلبه. ٦- الإخلاص: وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك، قال الله تعالى: (ألا لله الدين الخالص) [الزمر: ٣] وقال: (وما أمروا إلاَّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) [البينة: ٥] . وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : (أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ونفسه) . (٢) وفي الصحيح عن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله . (٣)

стр. 193

٧- المحبة: لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها وبغض ما ناقض ذلك، قال الله : (ومن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أنداداً يحبُّونهم كحب الله والَّذين آمنوا أشدُّ حبّاً لله) [البقرة: ١٦٥] فأخبر أن عباده المؤمنين أشد حباً له، وذلك لأنهم لم يتخذوا من دونه أنداداً، وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه، وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله، ومعاداة من عاداه الله ورسوله، واتباع رسول الله ﷺ واقتفاء أثره وقبول هداه. إشارة السلف إلى بعض هذه الشروط: قال الحسن البصري للفرزدق - الشاعر المعروف - وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نعم العدّة، لكن للا إله إلا الله شروطاً، فإياك وقذف المحصنات. وقيل للحسن البصري: إن ناساً يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.

стр. 194

العبادة المطلب الأول تعريف العبادة التوحيد لا يتحقق إلا بأمرين: الأول: الشهادة لله بالوحدانية في ذاته وصفاته. الثاني: قصده وإرادته وحده دون سواه في جميع العبادات. والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالظاهرة كالتلفظ بالشهادتين والصلاة والصوم، والباطنة كالإيمان بالله وملائكته والكتب والرسل والخوف والرجاء.... المطلب الثاني العابد هو الذي يتقلب بين الخوف والرجاء العبادة الحقة هي التي يتقلب صاحبها بين حب الله، والخوف منه والتذلل له، ورجائه والطمع في رحمته. فالعابد لا حباً ولا خوفاً ولا رجاءً إنما يؤدي حركات جوفاء لا تعني بالنسبة له شيئاً. والعابد حباً بلا تذلل ولا خوف ولا رجاء كثيراً ما يقع في الذنوب والمعاصي، فيزعم أنه يحب الله ويترك العمل ويتجرأ على الذنوب، وقديماً زعم قوم حب الله من غير عمل فاختبرهم الله بقوله: (قل إن كنتم تُحبُّون الله فاتَّبعوني يُحببكم الله) [آل عمران: ٣١] فمن ادعى محبة الله ولم يكن متبعاً رسوله فهو كاذب.

стр. 195

وقال الشافعي رحمه الله تعالى: " إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء فلا تصدقوه حتى تعلموا متابعته لرسول الله ". وكذلك الرجاء وحده إذا لم يقترن بخوف الله وخشيته فإن صاحبه يتجرأ على معاصي الله، ويأمن مكره: (فلا يأمنُ مكر الله إلاَّ القومُ الخاسرون) [الأعراف: ٩٩] . وكذلك الخوف إذا لم يقترن بالرجاء فإن العابد يسوء ظنه بالله، ويقنط من رحمته، وييأس من روحه، وقد قال تعالى: (إنَّه لا يَيْأَسُ من رَّوح الله إلاَّ القوم الكافرون) [يوسف: ٨٧] . فالعبادة الحقة هي التي يكون صاحبها بين الخوف والرجاء (ويرجون رحمته ويخافون عذابه) [الإسراء: ٥٧] ، (أمَّن هو قانت آنَاء الَّليل ساجداً وقائِماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) [الزمر: ٩] كما يكون بين الرغبة والرهبة كما قال تعالى في آل زكريا ﵈: (إنَّهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) [الأنبياء: ٩٠] . فالعبد الصالح تارة يمده الرجاء والرغبة، فيكاد يطير شوقاً إلى الله، وطوراً يقبضه الخوف والرهبة فيكاد أن يذوب من خشية الله تعالى، فهو دائب في طلب مرضاة ربه مقبل عليه خائف من عقوباته، ملتجئ منه إليه، عائذ به منه، راغب فيما لديه.

стр. 196

المطلب الثالث أركان العبادة للعبادة أركان ثلاثة: الأول: الإخلاص: بأن يقصد العبد وجه ربه والدار الآخرة، قال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينحكها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) (١) وترك الإخلاص يبطل العبادة. الثاني: الصدق: ونريد به الصدق في العزيمة، بأن يبذل العبد جهده في امتثال أمر الله واجتناب نهيه، والاستعداد للقائه، وترك العجز، وترك التكاسل عن طاعة الله. الثالث: متابعة الرسول ﷺ ، فلا يعبد الله إلا وفق ما شرعه الله، وما جاء به الرسول ﷺ ، أمّا أن يعبد الناس ربهم بغير علم فهذه هي البدعة التي حذر منها الرسول ﷺ وذم فاعلها، وأخبر أن عمله ضلالة. فقال: " كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ". وصاحب البدعة عمله مردود عليه غير مقبول منه. ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال الرسول ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وفي رواية لمسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ". (٢) لا عبادة إلا بهذه الأركان: فما لم توجد العزيمة الصادقة لا توجد العبادة، إذ تصبح العبادة تمنيات وآمالاً لا يكاد يهم المرء بفعلها حتى تخبوا إرادته وتنحل. وما لم يوجد الإخلاص ومتابعة الرسول ﷺ فإن العبادة لا يقبلها الله تعالى.

стр. 197

المطلب الرابع أنواع العبادات التي لا يجوز أن يقصد بها غير الله والعبادات التي لا يجوز أن يقصد ويراد بها غير الله أنواع: الأول: عبادات اعتقادية: وهذه أساس العبادات كلها، وهي أن يعتقد العبد أن الله هو الرب الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا معبود بحق غيره. الثاني: عملية قلبية: والعبادات القلبية التي لا يجوز أن يقصد بها إلا الله وحده، وصرفها لغيره شرك كثيرة، كالخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، والخشوع والخشية، والحب، والإنابة، والتوكل، والخضوع. الثالث: قولية: كالنطق بكلمة التوحيد؛ إذ لا يكفي اعتقاد معناها، بل لا بد من النطق بها، وكالاستعاذة بالله، والاستعانة والاستغاثة به، والدعاء له، وتسبيحه، وتمجيده، وتلاوة القرآن. الرابع: بدنية: كالصلاة، والصوم، والحج، والذبح، والنذر، وغير ذلك. الخامس: مالية: كالزكاة، وأنواع الصدقات، والكفارات، والأضحية، والنفقة.

стр. 198

ما يضاد التوحيد وينافيه الذي ينافي التوحيد ويضاده الشرك، يقال: شركته في الأمر إذا صرت له شريكاً، ومنه قوله تعالى: (وأشركه في أمري) [طه: ٣٢] أي اجعله شريكي فيه. الشرك نوعان: وفي مصطلح الشريعة الإسلامية الشرك نوعان: الأول: الشرك الأكبر: والمشرك شركاً أكبر هو الذي يجعل مع الله رباً آخر كشرك النصارى الذي جعلوه ثالث ثلاثة، وشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة، وكشرك الصابئة الذين ينسبون إلى الكواكب العلوية تدبير أمر العالم، ومثل هؤلاء كثير من عُبّاد القبور الذين يزعمون بأن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت، فيقضون الحاجات، ويفرّجون الكربات، وينصرون من دعاهم، ويحفظون من التجأ إليهم، ولاذ بحماهم. ومن الشرك الأكبر أن يجعل مع الله إلهاً آخر: ملكاً، أو رسولاً، أو ولياً، أو شمساً، أو قمراً، أو حجراً، أو بشراً، يُعبد كما يُعبد الله، وذلك بدعائه والاستعانة به، والذبح له والنذر له، وغير ذلك من أنواع العبادة. لا تشترط مساواة الشريك لله حتى يصبح شركاً: ولا يشترط أن يساوي المشرك في شركه مع الله غيره من كل وجه، بل يسمى مشركاً في الشرع بإثباته شريكاً لله، ولو جعله دونه في القدرة والعلم مثلاً. فأما حكايته تعالى عن المشركين قولهم: (تالله إن كُنَّا لفي ضلالٍ مُّبينٍ -

стр. 199

إذ نسويكُم برب العالمين) [الشعراء: ٩٧-٩٨] ، فهي التسوية في المحبة والخوف والرجاء والطاعة والانقياد، لا في القدرة على الخلق والإيجاد، لأنهم كانوا يقولون بوحدانيته في الخلق والإيجاد. خطورة هذا الشرك: الشرك الأكبر في غاية الخطورة فهو يحبط العمل، قال تعالى: (ولو أشركوا لحبط عنهم مَّا كانوا يعملون) [الأنعام: ٨٨] . وقال الله لرسوله ﷺ : (ولقد أُوحِيَ إليك وإلى الَّذين من قبلك لئِن أشركت ليحبطنَّ عملك ولتكوننَّ من الخاسرين) [الزمر: ٦٥] . وصاحبه خالد مخلّد في نار جهنم لا يغفر الله له، ولا يدخله الجنّة: (إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨] ، (لقد كفر الَّذين قالوا إنَّ الله هو المسيحُ ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربَّكم إنَّه من يشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجنَّة ومأواه النَّارُ وما للظَّالمين من أنصارٍ) [المائدة: ٧٢] . أعظم جريمة وأفظع ظلم: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: (أن تدعو لله نداً وهو خلقك) متفق عليه (١) ، وقال تعالى: (إنَّ الشرك لظلم عظيمٌ) [لقمان: ١٣] ، وقال: (ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً) [النساء: ٤٨] .

стр. 200

النوع الثاني: الشرك الأصغر: والشرك الأصغر كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، وعدم الإخلاص لله تعالى في العبادة، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب المنزلة والجاه تارة، فلله من عمله نصيب، ولغيره منه نصيب، ويتبع هذا النوع الشرك بالله في الألفاظ كالحلف بغير الله، وقول: ما شاء الله وشئت، وما لي إلا الله وأنت. وقد يكون شركاً أكبر بحسب قائله ومقصده. وهذا النوع من الشرك: (الشرك الأصغر) وإن كان لا يُخْرِجُ من الملة فإن صاحبه على خطر عظيم، ينقص من أجره شيء كثير، وقد يحبط منه العمل، ففي الصحيحين عن أبي موسى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) . (١) وفي صحيح مسلم فيما يرويه الرسول ﷺ عن ربه: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) . (٢) وفي المسند أن الرسول ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: (الرياء) . وزاد البيهقي في شعب الإيمان: (يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً وخيراً) . (٣) وفي النهي عن هذا الشرك نزل قوله تعالى: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) [الكهف: ١١٠] .

стр. 201

الفصل الرابع نظرة في تاريخ العقيدة هل تطورت العقيدة عبر الزمان يرى كثير من الباحثين الغربيين أن الإنسان لم يعرف العقيدة على ما يعرفها عليه اليوم مرة واحدة، ولكنها ترقت، وتطورت في فترات وقرون متعاقبة. ولا عجب أن يقول بهذا القول الباطل قوم لم يمنحهم الله كتابه الذي يحكي تاريخ العقيدة بوضوح لا لبس فيه، إلا أن العجيب أن يذهب هذا المذهب رجال يعدون أنفسهم باحثين مسلمين. فهذا عباس محمود العقاد يرى في كتابه (الله) (١) - وهو كتاب يبحث في نشأة العقيدة الإلهية - أن " الإنسان ترقى في العقائد "، ويرى أن ترقي الإنسان في العقائد موافق تماماً لترقيه في العلوم. ويقول: " كانت عقائد الإنسان الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليس أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات، وليس عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى ". بل يرى أن تطور العقيدة لدى الإنسان كان أشق من تطور العلوم والصناعات، يقول في هذا: " وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدّين أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات؛ لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلباً وأطول طريقاً من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي يعالجها العلم تارة والصناعة تارة أخرى ".

стр. 202

ويرى أن الحقيقة الإلهية لم تتجل للناس مرة واحدة، يقول: " فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدلّ على بطلان التدين، ولا على أنها تبحث عن محال، كل ما يدلّ عليه أنّ الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة في عصر واحد ". ثم أخذ يستعرض آراء الباحثين في تاريخ العقيدة، فمنهم من يرى أنّ السبب في نشأة العقيدة هو ضعف الإنسان بين مظاهر الكون وأعدائه من قوى الطبيعة والأحياء، ... وبعضهم يرى أن العقيدة الدينية حالة مرضية في الآحاد والجماعات، ويرى بعضهم أن أصل العقيدة الدينية عبادة ((الطوطم)) ، كأن تتخذ بعض القبائل حيواناً (طوطمياً) تزعمه أباً لها. وقد يكون شجراً أو حجراً يقدسونه، إلى آخر تلك الفروض التي قامت في أذهان الباحثين الغربيين. ومع الأسف فقد سرت هذه النظرية (١) إلى كثير من الكتّاب، واعتنقها جملة من الدارسين (٢) ، والذي أوقع هؤلاء في هذا الخطأ أمور: الأول: أنهم قدّروا أن الإنسان الأول خُلق خلقاً ناقصاً، غير مؤهل لأن يتلقى الحقائق العظمى كاملة، بل إن تصوراتهم عن الإنسان الأول تجعله أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان. الثاني: أنهم ظنوا أن الإنسان اهتدى إلى العقيدة بنفسه بدون معلم يعلمه، ومرشد يوضح له. فما دام الأمر كذلك فلا بد أن يترقى في معرفته بالله كما ترقى في العلوم والصناعات. الثالث: أنهم عندما بحثوا في الأديان ليتبينوا تاريخها لم يجدوا أمامهم إلا تلك الأديان المحرفة أو الضالة، فجعلوها ميدان بحثهم، فأخضعوها للدراسة والتمحيص، وأنى لهم أن يعرفوا الحقيقة من تلك الأديان التي تمثل انحراف الإنسان في فهم العقيدة.

стр. 203

القرآن وحده يوضح تاريخ العقيدة: ليس هناك كتاب في الأرض يوضح تاريخ العقيدة بصدق إلا كتاب الله ، ففيه علم غزير في هذا الموضوع، وعلم البشر لا يمكن أن يدرك هذا الجانب إدراكاً وافياً لأسباب: الأول: أن ما نعرفه عن التاريخ قبل خمسة آلاف عام قليل، أما ما نعرفه قبل عشرة آلاف عام فيعتبر أقل من القليل، وما قبل ذلك فيعتبر مجاهيل لا يدري علم التاريخ من شأنها شيئاً، لذا فإن كثيراً من الحقيقة ضاع بضياع التاريخ الإنساني. الثاني: أن الحقائق التي ورثها الإنسان اختلطت بباطل كثير، بل ضاعت في أمواج متلاطمة في محيطات واسعة من الزيف والدجل والتحريف، ومما يدل على ذلك أن كتابة تاريخ حقيقي لشخصية أو جماعة ما في العصر الحديث تعتبر من أشقّ الأمور، فكيف بتاريخ يمتدّ إلى فجر البشرية؟ ! الثالث: أن قسماً من التاريخ المتلبس بالعقيدة لم يقع في الأرض، بل في السماء. لذا فإن الذي يستطيع أن يمدنا بتاريخ حقيقي لا لبس فيه هو الله (إنَّ الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء)

стр. 204

[آل عمران: ٥] . تاريخ العقيدة كما يرويه القرآن الكريم أعلمنا الله سبحانه أنه خلق آدم خلقاً مستقلاً سوياً متكاملاً، ثم نفخ فيه من روحه، وأسكنه جنته، وأباح له أن يأكل هو وزوجته منها كيف شاءا إلا شجرة واحدة، فأغراه عدوّه إبليس بالأكل من الشجرة، فأطاع عدوه، وعصى ربّه، فأهبطه الله من الجنة إلى الأرض، وقبل الهبوط وعده الله - سبحانه - بأن ينزل عليه وعلى ذريته هُداه، كي يعرف الإنسان بربه ومنهجه وتشريعه، ووعد المستجيبين بالهداية في الدنيا والسعادة في الأخرى، وتوّعد المستكبرين بالمعيشة الضنكة في الدّنيا وبالشقاء في الآخرة: (قلنا اهبطوا منها جميعاً فإمَّا يأتينَّكم مني هدىً فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون - والَّذين كفروا وكذَّبوا بآياتنا أولئِك أصحاب النَّار هم فيه خالدون) [البقرة: ٣٨-٣٩] وفي سورة طه يقول: (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعضٍ عدوٌّ فإمَّا يأتينَّكم مني هدىً فمن اتَّبع هداي فلا يضلُّ ولا يشقى - ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى - قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً - قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) [طه: ١٢٣-١٢٦] . الجيل الأول من البشرية كان على التوحيد: هبط آدم إلى الأرض، وأنشأ الله من ذريته أمة كانت على التوحيد الخالص كما قال الله تعالى: (كان النَّاس أمَّةً واحدة ً) [البقرة: ٢١٣] ، أي على التوحيد والدين الحق فاختلفوا (فبعث الله النَّبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقَّ ليحكم بين النَّاس فيما اختلفوا فيه) [البقرة: ٢١٣] ، وفي حديث أبي أمامة أن رجلاً سأل الرسول ﷺ قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: (نعم،

стр. 205

مكلم) قال: قال: فكم بينه وبين نوح؟ قال (عشرة قرون) رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه. وقال ابن كثير: " هذا على شرط مسلم، ولم يخرجه ". (١) وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: (وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام) . (٢) ومقدار القرن مائة سنة، وعلى ذلك يكون بين آدم ونوح ألف سنة. وقد تكون المدة بينهما أكثر من ذلك، إذ قيد ابن عباس هذه القرون العشرة بأنها كانت على الإسلام، فلا ينفي أن يكون بينهما قرون أخرى على غير الإسلام. وقد يكون المراد بالقرن الجيل من الناس كما قال تعالى: (وكم أهلكنا من القُرُونِ من بعد نوحٍ) [الإسراء: ١٧] ، وقوله: (ثمَّ أنشأنا من بعدهم قرناً آخَرِينَ) [نوح: ٢٣] . (٣) أول انحراف عن العقيدة وأول رسول: وبعد أن كان الناس أمة واحدة على التوحيد حصل الزيغ والانحراف، وكان أول انحراف حدث هو الغلو في تعظيم الصالحين، ورفعهم إلى مرتبة الآلهة المعبودة. ففي صحيح البخاري من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى: (وقالوا لا تذرُنَّ آلهتكم ولا تذرُنَّ ودّاً ولا سُواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً) [نوح: ٢٣] . قال: " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك

стр. 206

أولئك، وانتسخ العلم (نُسي ودرس) عُبدت ". (١) فهذا أول انحراف وجد في تاريخ البشرية عن التوحيد، فأرسل الله إليهم أول رسله نوحاً ﵇ مصداقاً لوعده الذي أعطاه لأبي البشر آدم بإرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للبشرية. والدليل على أن نوحاً كان أول رسول مبعوث حديث الشفاعة الثابت في الصحيح، وفيه: (أن الناس يأتون بعد آدم نوحاً فيقولون له فيما يقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً) (٢) . والنصوص التي بين أيدينا من كتاب ربنا تدل دلالة واضحة على أن نوحاً قد دعا إلى التوحيد الخالص، فقد قال لقومه: (اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره إني أخافُ عليكم عذاب يومٍ عظيمٍ) [الأعراف: ٥٩] ، وقال: (أن لاَّ تبعدوا إلاَّ الله إني أخافُ عليكم عذاب يومٍ أليمٍ) [هود: ٢٦] وقال: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره أفلا تتَّقون) [المؤمنون: ٢٣] . والذين استجابوا لدعوته للتوحيد هم ضعفاء الناس، وتنكّر لها السادة والزعماء الذين يظنون في أنفسهم العقل والذكاء حيث استكبروا عن متابعة الحق: (قال الملأ ُ من قومه إنَّا لنراك في ضلالٍ مُّبينٍ) [الأعراف: ٦٠] والملأ المذكورون في الآية هم السادة والكبراء، وقالوا له: (وما نراك اتَّبعك إلاَّ الَّذين هم أراذلنا بادي الرَّأي) [هود: ٢٧] ؛ أي: اتبعوك بدون تأمل عميق، وتفكير ونظر، وهذا الذي رموهم به هو ما يجب أن يُمدحوا به، فإن الحق إذا ظهر لا يحتاج إلى نظر، بل يجب اتباعه. وتعجبوا أن يبعث الله رسولاً بشراً فقالوا: (ما نراك إلاَّ بشراً مثلنا) [هود: ٢٧] ، (فقال الملأُ الَّذين كفروا من قومه ما هذا إلاَّ بشرٌ مثلكم يريد أن يتفضَّل عليكم ولو شاء

стр. 207

الله لأنزل ملائِكةٍ) [المؤمنون: ٢٤] ، وطلبوا منه أن يطرد الضعفاء والمساكين الذين تابعوه فرفض طلبهم (وما أنا بطارد الَّذين آمنوا إنَّهم مُّلاَقُو ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون) [هود: ٢٩] . وقد تطاول الزمان وكثرت المجادلة بينه وبينهم كما قال الله تعالى: (فلبث فيهم ألف سنةٍ إلاَّ خمسين عاماً) [العنكبوت: ١٤] فدعا عليهم: (وقال نوحٌ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديَّاراً - إنَّك إن تذرهم يضلُّوا عبادك ولا يلدوا إلاَّ فاجراً كفَّاراً) [نوح: ٢٦-٢٧] فأهلكهم الله بالطوفان: (وقوم نوح لَّمَّا كذَّبوا الرُّسل أغرقناهم) [الفرقان: ٣٧] ، وأنجى نوحاً والمؤمنين برحمة منه، وخلت الأرض من الظالمين، ولم يبق فيها إلا الموحدون، فلما انحرفوا عن التوحيد أرسل الله إليهم رسولاً (ثمَّ أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين - فأرسلنا فيهم رسولاً منهم) [المؤمنون: ٣١-٣٢] ، فدعاهم إلى توحيد الله (أن اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره) [المؤمنون: ٣٢] . وهكذا استمرت رحمة الله وعنايته ببني آدم كلما ضلوا وزاغوا أنزل إليهم هُداه يضيء لهم الظلمات: (ثُمَّ أرسلنا رسلنا تترا كلَّ ما جاء أمَّةً رَّسولها كذَّبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلناهم أحاديث فبعداً لقومٍ لاَّ يؤمنون) [المؤمنون: ٤٤] . هذه هي قصة البشرية الحقيقية صراع طويل بين الحق والباطل، بين الرسل الذين يعرضون الهدى والحق، وبين الضالين المعرضين عن التوحيد المتمسكين بما ألْفَوْا عليه الآباء والأجداد، وبأهوائهم ومعتقداتهم الباطلة: (ألم يأتكم نَبَأُ الَّذين من قبلكم قوم نوحٍ وعادٍ وثمود والَّذين من بعدهم لا يعلمهم إلاَّ الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردُّوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنَّا كفرنا بما أرسلتم به وإنَّا لفي شكٍ مّمَّا تدعوننا إليه مُريبٍ - قالت رسلهم أفي الله شكٌّ فاطر السَّماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجلٍ

стр. 208

مُّسمّىً قالوا إن أنتم إلاَّ بشرٌ مثلنا تريدون أن تصدُّونا عمَّا كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطانٍ مُّبينٍ) [إبراهيم: ٩-١٠] . وبالتأمل في دعوة الرسل التي عرضها القرآن تتبين لنا الحقائق التالية: الأولى: أن الله خلق الإنسان منذ البداية خلقاً سوياً مكتملاً لغاية محددة، هي عبادته، وأن خلقه مؤهلاً لذلك. الثانية: أن الله عرفه على نفسه منذ البداية، ولم يتركه لفكره يتعرف على ربه بطريق التفكير والتأمل، بل أرسل إليه رسلاً، وقد كان هؤلاء الرسل من الكثرة بحيث إنهم بلّغوا البشرية كلها (وإن من أمَّةٍ إلاَّ خلا فيها نذيرٌ) [فاطر: ٢٤] . لذا فإننا لا نعلم أسماء جميع الرسل الذين أرسلهم الله (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم مَّن قصصنا عليك ومنهم مَّن لَّم نقصص عليك) [غافر: ٧٨] . ومما يدل على ذلك أن الأمم المكذبة في يوم القيامة تقر وتعترف بتبليغ الرسل لها دعوة الله قوله تعالى: (كلَّما ألقى فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألم يأتكم نذيرٌ - قالوا بلى قد جاءنا نذيرٌ فكذَّبنا وقلنا ما نزَّل الله من شيءٍ إن أنتم إلاَّ في ضلالٍ كبيرٍ) [الملك: ٨-٩] وما هذا التتابع في إرسال الرسل على مدار التاريخ إلا رحمة من الله بعباده، ووفاء بوعده الذي وعد به آدم أبا البشرية، وإعذاراً منه لخلقه: (لئلاَّ يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسل) [النساء: ١٦٥] ، (وما كُنَّا معذبين حتَّى نبعث رسولاً) [الإسراء: ١٥] . الثالثة: دعوة الرسل واحدة، فأصل دعوتهم جميعاً ولبها التوحيد، بتعريف الناس على ربهم ومعبودهم، وبيان الطريقة التي يعبدونه بها. الرابعة: أن دين الرسل جميعاً الإسلام لا دين لهم سواه: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [آل عمران: ٨٥] فنوح يقول: (وأمرت أن

стр. 209

أكون من المسلمين) [يونس: ٧٢] . وقال الله عن التوراة: (يحكم بها النبيُّون الَّذين أسلموا للَّذين هادوا) [المائدة: ٤٤] ، وقال موسى لقومه: (إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكَّلوا إن كنتم مُّسلمين) [يونس: ٨٤] ، وأمر الله خليله إبراهيم بالإسلام، فقال: (أسلمت لرب العالمين) [البقرة: ١٣١] ، (ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إنَّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنَّ إلاَّ وأنتم مُّسلمون) [البقرة: ١٣٢] . وعندما سأل يعقوب بنيه عن معبودهم من بعده (قالوا نعبد إلهك وإله آبائِك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) [البقرة: ١٣٣] ، وملكة سبأ قالت: (رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) [النمل: ٤٤] ، ويوسف كان من دعائه: (توفَّني مسلماً وألحقني بالصالحين) [يوسف: ١٠١] ، والرسول ﷺ يقول: (والأنبياء إخوة لعلاّتٍ، أمهاتُهم شتى ودينهم واحد) . (١) (٢) وهذا التنوع الذي نراه في الشرائع لا يدل على أن دينهم كان مختلفاً؛ لأن الله قد يشرع أمراً لحكمة، ثم يشرع أمراً آخر في وقت آخر لحكمة أخرى، بل قد يكون هذا في الشريعة الواحدة، كما شرع الله في بداية الأمر الاتجاه إلى بيت المقدس في الصلاة، ثم نسخ ذلك بأن أمر بالتوجه إلى البيت الحرام فكان الإسلام أولاً التوجه إلى القدس، ثم أصبح التوجه إلى الكعبة، وكذلك شرائع الأنبياء، فالمتأخر ينسخ المتقدم، وأصبحت الشريعة المنزلة على محمد ﷺ هي الشريعة الخاتمة الناسخة لما قبلها من الشرائع. الخامسة: ليس الترقي في الاعتقاد عبر القرون هو السبب في الشرك

стр. 210

واتخاذ معبودات من دون الله كما ذهب إليه (العقاد) والذين تابعهم من الغربيين، بل سبب انحراف أتباع الرسل عما جاءت به الرسل، وتركهم ما جاءت به الرسل (ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشةً ضنكاً) [طه: ١٢٤] ، واتباعهم الظن والهوى وتركهم الهدى: (إن يتَّبعون إلاَّ الظَّنَّ وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من رَّبهم الهدى) [النجم: ٢٣] ، (ولا تتَّبعوا أهواء قومٍ قد ضلُّوا من قبل وأضلُّوا كثيراً وضلُّوا عن سواء السَّبيل) [المائدة: ٧٧] . وقال في اليهود: (فبما نقضهم ميثاقهم لعنَّاهم وجعلنا قلوبهم قاسيةً يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به) [المائدة: ١٣] ، وقال في النصارى: (ومن الَّذين قالوا إنَّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) [المائدة: ١٤] وقال فيهم مبيناً انحرافهم عن التوحيد الذي أمروا به: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلاَّ ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلاَّ هو سبحانه عمَّا يشركون) [التوبة: ٣١] . لذا فإن الرسل يتبرؤون من الذين انحرفوا عن منهجهم (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنَّك أنت علاَّم الغيوب - ما قلت لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربَّكم) [المائدة: ١١٦-١١٧] .

стр. 211

الفصل الخامس تصورات الأمم الضالة للمعبود لا نريد من وراء هذا البحث في هذا الموضوع أن نؤرخ للجانب المنحرف في العقيدة، فذلك ليس في مكنة الباحث لكثرة أنواع الانحراف، وما الفائدة من التأريخ للجانب المظلم والكفر ملة واحد! إنما مرادنا من وراء ذلك أن ندرك شيئاً مما وقعت فيه الأمم، كي نعلم القيمة العظيمة التي تمتاز بها العقيدة الإسلامية. إنّ الذين يدركون الباطل ويعرفونه هم أقدر على معرفة الحقّ إذا اعتنقوه وإنّ الذين يتبعون الإسلام ولا يعلمون الجانب المقابل له، وهو الباطل يخشى عليهم من الانزلاق في طرق الباطل، وصدق عمر بن الخطاب حيث يقول: "توشك أن تنقض عُرى الإسلام عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، ولا شك أنّ الذي يعرف ظلام الليل أقدر على معرفة ضوء النهار، والصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى. وقد أدرك هذه الحقيقة سيد قطب حيث يقول: " الإنسان لا يدرك ضرورة هذه الرسالة، وضرورة هذا الانفكاك عن الضلالات التي كانت البشرية تائهة في ظلماتها، وضرورة الاستقرار على يقين واضح في أمر العقيدة ... حتى يطّلع على ضخامة ذلك الركام، وحتى يرتاد ذلك التيه، من العقائد والتصورات، والفلسفات والأساطير، والأفكار والأوهام، والشعائر والتقاليد، والأوضاع والأحوال، التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري في كل مكان، حتى يدرك حقيقة البلبلة والتخليط والتعقيد التي كانت تتخبط فيها بقايا العقائد السماوية التي دخلها التحريف والتأويل، والإضافات البشرية إلى المصادر الإلهية والتي التبست بالفلسفات والوثنيات والأساطير ". ونكتفي بثلاثة نماذج: واحد منها يمثل عقيدة دولة من الدول التي يعدها الناس متمدنة في القديم. والثاني انحراف أهل ديانة سماوية عن الحق. والثالث الوثنية العربية قبل عهد الرسول ﷺ .

стр. 212

الرّب عند الرومان (١) يعد الباحثون الرومان من الأمم المتحضرة في القديم، فلننظر إلى عقيدة هذه الأمة الضالة. يزعمون أنّ ((جوبيتر)) هو ربّ الأرباب عندهم، وكانت صورته عندهم أقرب إلى صورة الشيطان منها إلى صورة الأرباب المنزهين، فقد كان حقوداً لدوداً مشغولاً بشهوات الطعام والغرام، لا يبالي من شؤون الأرباب والمخلوقات إلا ما يعينه على حفظ سلطانه والتمادي في طغيانه، وكان يغضب على ((أسقولاب)) إله الطب، لأنّه يداوي المرضى، فيحرمه جباية الضريبة على أرواح الموتى الذين ينتقلون من ظهر الأرض إلى باطن الهاوية. ويزعمون أنه كان يغضب على ((برومثيوس)) إله المعرفة والصناعة، لأنّه يعلّم الإنسان أن يستخدم النّار في الصناعة، وأن يتخذ من المعرفة قوة تضارع قوة الأرباب، وقد حكم عليه بالعقاب الدائم، فلم يقنع بموته ولا بإِقصائه عن حظيرة الآلهة، بل تفنن في اختراع ألوان العذاب له، فقيّده إلى جبل سحيق، وأرسل عليه جوارح الطير تنهش كبده طوال النهار، حتى إذا جنّ الليل عادت سليمة في بدنه، لتعود الجوارح إلى نهشها بعد مطلع الشمس ... ، ولا يزال هكذا دواليك في العذاب الدائم مردود الشفاعة مرفوض الدعاء. ومما تخيله الشاعر الوثني الفيلسوف ((هزيود)) عن علة غضب الإله على ((برومثيوس)) : أنّه قسم له نصيبه من الطعام في وليمة الأرباب، فأكثر فيه من العظام، وأقل فيه من اللحوم والشحوم، فاعتقد ((جوبيتر)) أنه تعالى عليه بمعرفته وحكمته وفطنته، لأنه اشتهر بين الآلهة بمعرفة وافرة وفطنة نافذة لم يشتهر بها الإله الكبير. وقد اجتهد (هزيود) الشاعر الفيلسوف قصارى اجتهاده في تنزيه

стр. 213

((جوبيتر)) وتصويره للناس في صورة القداسة والعظمة، تناسب صورة الإله المعبود بعد ارتقاء العبادة شيئاً ما في ديانة اليونان الأقدمين. ومع ذلك فإن الباحثين الرومان يتحدثون عن ((جوبيتر)) أنّه كان يخادع زوجته ((هيرة)) ويرسل إله الغمام لمدارة الشمس في مطلعها حذراً من هبوب زوجته الغيرى عليه مع مطلع النهار ومفاجأته بين عشيقاته على عرش ((الأولمب)) . وحدث مرة أنّها فاجأته وهو يقبل ساقيه ((جانيميد)) راعي الضأن الجميل الذي لمحه في الخلاء، فاختطفه، وصعد به إلى السماء،.... فلم يتنصل ((جوبيتر)) من تهمة الشغف بساقيه، ومضى يسوغ مسلكه لزوجته بما جهلته من لذة الجمع بين رحيق الكأس ورحيق الشفاه. هذا نموذج للعقيدة الشركية الضالة صنعتها الخرافة والوهم، فغدت أساطير. إنّ الآلهة عند الرومان آلهة متعددة تتصارع وتتقاتل، ويعذب بعضها بعضاً، وهي كالبشر تأكل وتشرب، وتتزوج، ويخون الإله زوجته، ويلوط ويبرر خطأه، فكيف يكون أثر هذه العقيدة في نفوس معتنقيها؟ وكيف يكون أثرها في سلوكهم أفراداً ومجتمعات؟ وأي قيم تقرها هذه العقيدة الشركية الضالة المنحرفة؟

стр. 214

الإله عند اليهود (١) حفلت ديانة بني إسرائيل - اليهودية - بالتصورات الوثنية وباللوثة القومية على السواء، فبنو إسرائيل - وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵉ جاءتهم رسلهم، وفي أولهم إسرائيل، بالتوحيد الخالص الذي علمهم إياه أبوهم إبراهيم، ثم جاءهم نبيهم الأكبر موسى ﵇ بدعوة التوحيد أيضاً مع الشريعة الموسوية المبنية على أساسه، ولكنّهم انحرفوا على مدى الزمن، وهبطوا في تصوراتهم إلى مستوى الوثنيات، وأثبتوا في كتبهم (المقدسة) وفي صُلب التوراة أساطير وتصورات عن الله - سبحانه - لا ترتفع عن أحط التصورات الوثنية للإغريق وغيرهم من الوثنيين الذين لم يتلقوا رسالة سماوية، ولا كان لهم من عند الله كتاب. ولقد كانت عقيدة التوحيد التي أنزلها الله على إبراهيم عقيدة خالصة ناصعة شاملة متكاملة، واجه بها الوثنية مواجهة حاسمة كما صورها القرآن الكريم، ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه قبل أن يموت: (واتل عليهم نبأ إبراهيم - إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون - قالوا نعبد أصناماً فنظلُّ لها عاكفين - قال هل يسمعونكم إذ تدعون - أو ينفعونكم أو يضُّرون - قالوا بل وجدنا آبَاءنَا كذلك يفعلون - قال أَفَرَأَيْتُم مَّا كنتم تعبدون - أنتم وَآبَاؤُكُمُ الأقدمون - فإنَّهم عدوٌّ لي إلاَّ ربَّ العالمين - الذي خلقني فهو يهدين - والَّذي هو يطعمني ويسقين - وإذا مرضت فهو يشفين - والَّذي يميتني ثمَّ ُيحيين - والَّذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين - ربَّ هب لي حكماً وألحقني بالصَّالحين - واجعل لي لسان صدقٍ في الْآخِرِينَ)

стр. 215

[الشعراء: ٦٩-٨٤] . (ومن يرغب عن ملَّة إبراهيم إلاَّ من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنَّه في الآخِرَةِ لمن الصَّالحين - إذ قال له ربُّه أسلم قال أسلمت لربّ العالمين - ووصَّى بها إبراهيم بَنِيهِ ويعقوب يا بنيَّ إنَّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون - أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لِبَنِيهِ ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) [البقر: ١٣٠-١٣٣] . ومن هذا التوحيد الخالص وهذه العقيدة الناصعة وهذا الاعتقاد في الآخرة انتكس الأحفاد، وظلوا في انتكاستهم حتى جاءهم موسى ﵇ بعقيدة التوحيد والتنزيه من جديد، ولكنهم لم يستقيموا عليها، بل انحرفوا عنها. ولقد بدأ انحرافهم وموسى ﵇ بين أظهرهم، من ذلك عبادتهم للعجل الذي صنعه لهم السامري من الذهب الذي حملوه معهم من حليّ نساء المصريين (قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنَّا حملنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامريُّ - فاخرج لهم عجلاً جسداً لَّه خوارٌ فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي) [طه: ٨٧-٨٨] . وقبل ذلك طلبوا من موسى ﵇ أن يقيم لهم صنماً يعبدونه: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلِهَةٌ قال إنّكم قومٌ تجهلون) [الأعراف: ١٣٨] . وحكى القرآن الكثير عن انحرافهم وسوء تصورهم لله - سبحانه - وشركهم ووثنيتهم، فنسبوا لله الولد (وقالت اليهود عزيز ابن الله) [التوبة: ٣٠] ونعتوه - سبحانه - بالبخل والفقر: (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) [المائدة: ٦٤] ، (لَّقد سمع الله قول
следующие страницы →