[الشعراء: ٢١٨-٢٢٠] .
وهو - سبحانه - يرى الطالحين فيجزيهم (لَّقد سمع الله قول الَّذين قالوا إنَّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حقٍ ونقول ذوقوا عذاب الحريق) [آل عمران: ١٨١] .
تقول عائشة ﵂ مبينة سعة سمع الله: " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات " (١) ، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه في جانب البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله : (قد سمع الله قول الَّتي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إنَّ الله سميع بصير) [المجادلة: ١] . (٢)
وفي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنّا مع النبي ﷺ في سفر، فكنّا إذا علونا كبرنا، فقال: (أربِعُوا على أنفُسِكُمْ، فإنّكُم لا تدْعُونَ أصمّ ولا غائِباً، تدعون سميعاً بصيراً قريباً) . (٣)
جهل المشركين بنفاذ سمع الله:
روى البخاري في صحيحه عن عبد الله ﵁ قال: اجتمع عند البيت (الكعبة) ثقفيان وقرشي، أو قرشيان وثقفي، كثيرةٌ شحم بطونِهم، قليلة فقه قلوبِهم، فقال أحدهم: أترون أنّ الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنّه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أنّ الله لا يعلم كثيراً مّمَّا تعملون)
стр. 142
[فصلت: ٢٢] . (١)
المطلب الثالث
أسماء الله الحسنى (٢)
لله تعالى أسماء كلها حسنى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) [الأعراف: ١٨٠] منها ما ذكره الله في سورة الحشر (هو الله الَّذي لا إله إلاَّ هو عالم الغيب والشَّهادة هو الرَّحمن الرَّحيم - هو الله الَّذي لا إله إلا هو الملك القدُّوس السَّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبَّار المتكبر سُبحان الله عمَّا يشركون - هو الله الخالق البارئُ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السَّماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) [الحشر: ٢٢-٢٤] .
١- عدد أسمائه
ورد في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، وإن الله وِتْرٌ يُحبّ الوتْر) . (٣)
هذا الحديث يدل على أنّ لله - سبحانه - عدداً محدداً من الأسماء وقد نصّ على أنّها تسعة وتسعون.
ولكن يشكل على هذا ما رواه ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أصاب أحداً قط همّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدُك، ابن عبِدك، ابن أمتِك؛ ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمتْهُ أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أنْ تجعل القرآن ربيع قلبي، ونُورَ صدري، وجلاء حُزني وذهاب همي، إلا
стр. 143
أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً) . (١)
وجاء في ثناء الرسول على ربه سبحانه (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (٢) . والإشكال في هذا الحديث أنّه يدلّ على أنّ من أسماء الله تعالى أسماء لم ينزلها في كتابه، بل اختص بها بعض عباده، أو اختص بها نفسه، فلم يعرّفها أحداً من خلقه، بينما حديث أبي هريرة يدلّ على أن أسماء الله التسعة والتسعين كلها منزلة معروفة بدلالة قوله (من أحصاها) ، فالإحصاء لها لا يمكن ما لم تكن منزلة معروفة معلومة، ومن هذا ينتج أنّ ما استأثر الله بعلمه أو اختص به بعض خلقه غير التسعة والتسعين.
والحق الذي ينبغي أن يصار إليه أنّ عدد الأسماء التي عرّفنا الله إياها في كتابه، أو ذكرها رسوله ﷺ ، تسعة وتسعون لا تزيد، لنصّ الرسول ﷺ على هذا العدد، ولقوله: (مَنْ أحصاها) ، وأنّ ما زاد على هذه التسعة والتسعين فهو مما لا نعرفه، لأنّه من مكنون علم الله أو مما اختص الله به بعض خلقه، وإلا فما فائدة تحديد عدد أسماء الله بتسعة وتسعين؟!
٢- تحديد أسماء الله الحسنى
أخبر الرسول ﷺ أنّ أسماء الله تعالى المنزلة التي يمكننا معرفتها وإحصاؤها تسعة وتسعون اسماً.
ولم يرد حديث صحيح يسرد هذه الأسماء سرداً لا يترك مجالاً للخلاف في تحديدها، بل وردت هذه الأسماء متفرقة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، تذكر الآية الاسم والاسمين أو أكثر، أو تختم الآية بواحد أو أكثر، وقد تسرد الآيات جملة من هذه الأسماء.
وقد عني العلماء بجمع أسماء الله من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما
стр. 144
عنوا بتفسيرها وشرحها.
فالقرطبي له كتاب (معاني أسماء الله الحسنى) ، وقد سردها ابن جرير الطبري، وأبو بكر ابن العربي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم. وقد اتفق العلماء في عدّ جملة كبيرة من أسماء الله تعالى، واختلفوا في جملة قليلة، فبعضهم عدّها من أسمائه تعالى، ومنهم من نازع في ذلك. (١)
والسبب في هذا الخلاف أن بعض العلماء ظن أنّ كلّ ما أطلقه القرآن على الله - سبحانه - يجوز عده اسماً، ويجوز إطلاقه مجرداً على الله تعالى. فأبو بكر ابن العربي عدّ في أسمائه: رابع ثلاثة، وسادس خمسة، أخذاً من قوله تعالى: (ألم تر أنَّ الله يعلم ما في السَّماوات وما في الأرض ما يكون من نَّجْوَى ثلاثةٍ إلاَّ هو رابعهم ولا خمسةٍ إلاَّ هو سادسهم) [المجادلة: ٧] .
كما عدّ في أسمائه الفاعل والزارع أخذاً من قوله: (كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده وعداً علينا إنَّا كنَّا فاعلين) [الأنبياء: ١٠٤] .
ومن قوله: (أَفَرَأَيْتُم ما تحرثون - أَأَنتُمْ تزرعونه أمّ نحن الزَّارعون) [الواقعة: ٦٣-٦٤] .
والحق أن هذه ليست أسماء لله تعالى، بمعنى أنّه لا يطلق على الله تعالى رابع ثلاثة، وسادس خمسة، والفاعل، والزارع. (٢)
وقد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال، ولكن لا يجوز أن يشتق لله تعالى منها أسماء، ولا تطلق عليه في غير ما سبقت فيه من الآيات كقوله: (إنَّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) [النساء: ١٤٢] وقوله: (ومكروا ومكر الله) [آل عمران: ٥٤] وقوله: (نسو الله فنسيهم) [التوبة: ٦٧] ، وقوله: (وإذا لقوا الَّذين آمنوا قالوا آمنَّا
стр. 145
وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنَّا معكم إنَّما نحن مُسْتَهْزِؤُونَ - الله يستهزئ بهم) [البقرة: ١٤-١٥] .
فلا يطلق على الله مخادع، ماكر، ناس، مستهزى، ونحو ذلك مما يتعالى الله عنه، ولا يقال: الله يستهزى، ويخادع، ويمكر، وينسى، على سبيل الإطلاق. وقد أخطأ الذين عدوا ذلك من أسمائه الحسنى خطأ كبيراً، لأنّ الخداع والمكر يكون مدحاً ويكون ذماً، فلا يجوز أن يطلق على الله إلا مقيداً بما يزيل الاحتمال المذموم منه كما ورد مقيداً في الآيات. (١)
ومن أجل ذلك لم يرد في أسمائه تعالى: المتكلم، المريد، الفاعل، الصانع؛ لأنّ مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم. ولو جاز أن يشتق لله من أفعاله أسماء مثل: الماكر، المخادع، بحجة إطلاق أفعالها في القرآن على الله لجاز أن يجعل من أسمائه: الداعي، والآتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والناسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن ... وغير ذلك من تلك التي أطلق القرآن أفعالها على نفسه.
فالله لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، والمجازاة على ذلك تعدّ حسنة من المخلوق فكيف من الخالق؟ .
ومن أسماء الله تعالى ما لا يُطلق عليه إلا مقترناً بمقابله، فإنه إذا أطلق وحده أوهم نقصاً، فمن ذلك: المانع، الضار، القابض، المذل، الخافض، فلا تطلق على الله منفردة، بل يجب قرنها بما يقابلها، فيقال: المعطي المانع، الضارّ النافع، القابض الباسط، المعزّ المذل، الخافض الرافع.
ومن ذلك المنتقم، لم يأت في القرآن إلا مضافاً إلى: (ذو) كقوله تعالى: (والله عزيزٌ ذو انتقامٍ) [المائدة: ٩٥] أو مقيداً بالمجرمين: (إنَّا من المجرمين منتقمون)
стр. 146
[السجدة: ٢٢] .
٣- الاسم الأعظم
أخبرنا الرسول ﷺ في أكثر من حديث أنّ لله اسماً أعظم له مميزات عن بقية أسمائه ، فمن هذه الأحاديث:
١- عن زبيدة الأسلمي، أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: " اللهمّ إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد "، فقال: (دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعِي به أجاب) . رواه الترمذي وأبو داود. (١)
٢- وعن أنس قال: كنت جالساً مع النبي ﷺ في المسجد ورجل يصلي، فقال: " اللهمّ إني أسألك بأنّ لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيّ يا قيوم، أسألك " فقال النبي ﷺ : (دعا الله باسمِه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئلَ به أعطى) . رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارمي. (٢)
٣- وفي سنن ابن ماجة عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: (اسمُ الله الأعظم في سُور من القرآن الثلاث: في (البقرة) ، وَ (آل عمران) ، وَ (طه) . أخرجه ابن ماجة، والطحاوي في مشكل الآثار، وابن معين في التاريخ والعلل، وغيرهم. (٣)
٤- وقد ورد تحديد آيتي البقرة وآل عمران اللتين ورد فيهما اسم الله الأعظم، فقد روى الترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، والدارمي عن أسماء بنت يزيد ﵂: أن النبي ﷺ قال: (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: (وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلاَّ هو الرَّحمن الرَّحيم) [البقرة: ١٦٣] وفاتحة
стр. 147
(آل عمران) : (الم - الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم) [آل عمران: ١-٢] . (١)
والذي يظهر من المقارنة بين النصوص التي ورد فيها اسم الله الأعظم أنّه: (الله) ، فهذا الاسم هو الاسم الوحيد الذي يوجد في جميع النصوص التي قال الرسول ﷺ إنّ اسم الله الأعظم ورد فيها.
ومما يُرجِّح أن (الله) هو الاسم الأعظم أنه تكرر في القرآن الكريم (٢٦٩٧) سبعاً وتسعين وستمائة وألفين (حسب إحصاء المعجم المفهرس) وورد بلفظ (اللهم) خمس مرات في حين أنّ اسماً آخر مما يختص بالله تعالى وهو (الرحمن) لم يرد ذكره إلا سبعاً وخمسين مرة، ويرجحه أيضاً ما تضمنه هذا الاسم من المعاني العظيمة الكثيرة.
٤- وجوب الإيمان بأسمائه
وقد اتفق السلف الصالح على أنه يجب الإيمان بجميع أسماء الله الحسنى، وما دلت عليه من الصفات، وما ينشأ عنها من الأفعال، فمثلاً: اسم الله القدير يجب الإيمان بأنّه سبحانه على كل شيء قدير، والإيمان بكمال قدرته، والإيمان بأنّ قدرته نشأت عنها جميع الكائنات.
٥- كيف يحصي المسلم أسماء الله الحسنى (٢)
ورد في الحديث الترغيب بإحصاء أسماء الله الحسنى، فقد وعد من أحصاها بدخول الجنة.
واختلف العلماء في معنى قوله ﷺ : " من أحصاها ".
قال الخطابي يحتمل وجوها ً:
أحدها: أن يعدّها حتى يستوفيها بمعنى أن لا يقتصر على بعضها فيدعو الله بها كلها، ويثني عليه بجميعها، فيستوجب الموعود عليها من الثواب.
стр. 148
وهذا الوجه هو الذي اختاره البخاري، فقد فسّر الإحصاء بالحفظ، وذلك لورود رواية أخرى فيها " من حفظها ".
ثانيها: المراد بالإحصاء الإطاقة، والمعنى من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها، وهو أن يعتبر معانيها، فيلزم نفسه بموجبها، فإذا قال: " الرزّاق " وثق بالرزق، وكذا سائر الأسماء.
ثالثهما: المراد بها الإحاطة بجميع معانيها.
وقيل: أحصاها عمل بها، فإذا قال: " الحكيم " سلم لجميع أوامره وأقداره، وأنها جميعها على مقتضى الحكمة.
وقال ابن بطال: طريق العمل بها:
١- ما يسوغ الاقتداء به كالرحيم والكريم، فيمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها، يعني فيما يقوم به.
٢- وما كان يختص به نفسه كالجبار والعظيم، فعلى العبد الإقرار بها، والخضوع لها، وعدم التحلي بصفة منها.
٣- وما كان فيها معنى الوعد يقف فيه عند الطمع والرغبة.
٤- وما كان فيها معنى الوعيد يقف منه عند الخشية والرهبة.
والظاهر أنّ معنى إحصائها حفظها، والقيام بعبوديتها كما أنّ القرآن لا ينفع حفظ ألفاظه من لا يعمل به، بل جاء في صفة المرَّاق من الدّين أنّهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم. (١)
٦- سرد أسماء الله تعالى
ولعلّ ابن حجر العسقلاني قد قارب الصواب عندما عدّ تسعة وتسعين اسماً آخذاً إياها من القرآن الكريم، وبذلك يوافق حديث أبي هريرة في عددها، ونحن نسوقها كما سردها:
٩٧-مالك الملك ... ٩٦-نور السماوات والأرض
٧- خواص أسماء الله الحسنى
ذكر الشيخ حسن البنا في كتابه: (العقائد) (١) ، أن بعض النّاس يذكر لكلّ اسم من أسماء الله تعالى خواصّ وأسراراً تتعلق به على إفاضة فيها أو إيجاز، وقد يغالي بعض الناس فيتجاوز هذا القدر إلى زعم أن لكل اسم خادماً روحانيّاً يخدم من يواظب على الذكر به.
ويذكر أن بعض النّاس يدعي أن اسم الله الأعظم سرّ من الأسرار، يمنح لبعض الأفراد، فيفتحون به المغلقات، ويخرقون به العادات، ويكون لهم به من الخواص ما ليس لغيرهم من الناس.
وهؤلاء الذين أشار إليهم الشيخ قالوا بغير علم، ونطقوا بأمور لم يأت بها نص صحيح من كتاب ربنا، وسنة رسوله ﷺ ، وما كان كذلك فلا اعتبار له، ولا حجّة فيه؛ عملاً بقول الرسول ﷺ : (كُلّ عملٍ ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ) .
وهذه الأقوال والادعاءات فتحت الباب للخرافة، فبذلت الجهود وضاعت الساعات في سبل خاطئة، وحصل من ذلك ضلال كبير.
والفضيلة التي نصّ عليها الرسول ﷺ لاسم الله الأعظم أنه إذا دعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى.
٨- فائدة العلم بهذه الأسماء
أمّا الفوائد الحقيقية التي يجنيها المسلم من هذه المعرفة بأسماء الله وصفاته فيمكن أن نوجزها في عدة أمور:
١- التعرف على الله ، فأسماء الله وصفاته هي أعظم وسيلة تعرفنا بربنا ، وبدون ذلك سيبقى الإيمان بالله فكرة غامضة لا تعطي ثماراً طيبة، وقد فصّلنا القول في صفاته وأسمائه فيما سبق، ولله الحمد والمنة.
стр. 151
٢- تمجيده والثناء عليه بأسمائه وصفاته، وتمجيد الله بأسمائه وصفاته أعظم ما نمجد الله به ونثني عليه به، وهو من أعظم الذكر الذي أمرنا به في قوله: (يا أيَّها الَّذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً) [الأحزاب: ٤١] .
٣- دعاؤه بأسمائه وصفاته، كما قال: (وللهِ الأسماءُ الحسنى فادعوه بها) [الأعراف: ١٨٠] . وقد أخبر الرسول ﷺ أكثر من مرة أنّ واحداً من الصحابة دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أجاب.
٤- زيادة الإيمان: فكلما علم العبد شيئاً عن الله وصفاته ازداد إيمانه.
٥- الشعور بالقوة والثبات؛ لأن العبد يركن إلى القوي القادر الغالب.
٦- تعليق القلب بالله، فالذي يعلم أن الرزق من عند الله يطلب منه الرزق، والذي يعلم أن الله جبار يخاف منه، والذي يعلم أن الله عليم يراقبه ... وهكذا.
٧- الأجر العظيم الذي نحصله من وراء هذه المعرفة، فتعلم هذه الأسماء والصفات أشرف ما يمكن أن يدرس، وتعلمها وتعليمها خير عمل يقام به.
نماذج من تمجيد الرسول ﵇ لربه وثنائه عليه ودعائه له:
أحب أن نسوق نماذج من الكلام النبوي فيه تمجيد وثناء وحمد الله بأسمائه وصفاته، ودعاء له بها علاوة على ما تقدم:
١- عن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق ﵁ قال لرسول الله ﷺ : ((مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: (قل: اللهم عالمَ الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، ربّ كلّ شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر
стр. 152
الشيطان وشركه) . رواه الترمذي وأبو داود والدارمي. (١)
٢- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: (ربّنا لك الحمدُ، ملءُ السماوات والأرض، ومِلءُ مَا شِئْتَ من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبدُ، وكُلّنا لك عبدٌ، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجدّ) . (٢)
٣- عن ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: (اللهم أنت السلامُ، ومنكَ السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام) . (٣)
٤- عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: (لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربّ العرشِ العظيم، لا إله إلا الله ربّ السماوات وربّ الأرض، ربّ العرش الكريم) . (٤)
٥- عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : (أحبّ الكلام إلى الله أربعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت) وفي وجه آخر: (أفضلُ الكلام: سُبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) . (٥)
٦- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمنِ: سبحان الله وبِحمدِهِ، سُبْحانَ الله العظيم) . (٦)
стр. 153
المطلب الرابع
المنهج الذي تُفهم صفات الله في ضوئه (١)
ذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ أن القرآن العظيم دلّ على أن مبحث الصفات يرتكز على ثلاثة أسس، من جاء بها كلها فقد وافق الصواب، وكان على الاعتقاد الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه السلف الصالح، ومن أخلّ بواحد من تلك الأسس الثلاثة فقد ضلّ.
وذكر أنّ كلّ هذه الأسس الثلاثة يدلّ عليها القرآن العظيم:
الأساس الأول: تنزيهه - جلّ وعلا - عن أن يشبه شيء من صفاته شيئاً من صفات المخلوقين. وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى: (ليس كمثله شيءٌ) [الشورى: ١١] ، (ولم يكن لَّّهُ كفواً أحد) [الإخلاص: ٤] (فلا تضربوا لله الأمثال) [النحل: ٧٤] .
الأساس الثاني: هو الإيمان بما وصف الله به نفسه، لأنّه لا يصف الله أعلم بالله من الله (أَأَنتُمْ أعلمُ أمِ اللهُ) [البقرة: ١٤٠] .
والإيمان بما وصفه به رسوله ﷺ لأنّه لا أعلم بالله بعد الله من رسول الله ﷺ الذي قال في حقّه: (وما يَنطِقُ عَنِ الهوى - إن هو إلاَّ وحيٌ يُوحَى) [النجم: ٣-٤] .
стр. 154
ضلال الذين أخذوا بأحد هذين الأصلين دون الآخر:
وقد حمل الشيخ -رحمه الله تعالى- على من أخلّ بأحد هذين الأصلين، وعدّ من نفى عن الله وصفاً أثبته لنفسه بأنه متنطع بين يدي رب السماوات والأرض، وعدّ فعل هذا النافي عن الله ما أثبته لنفسه متجرئاً على الله جرأة عظيمة.
وعدّ الشيخ هذا ضلالاً ليس بعده ضلال، لأن هذا النافي عمد إلى ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال والجلال، فتقدم هذا الجاهل المسكين بين يدي جبار السماوات والأرض قائلاً: هذا الذي وصفت به نفسك لا يليق بك، ويلزمه من النقص كذا، فأنا أؤوله وأنفيه، وآتي ببدله من تلقاء نفسي، من غير أن يستند فيما ذهب إليه إلى كتاب ولا سنة.
ومثله في الضلال ذلك الذي أثبت الصفات لله ﵎ ولكنه شبه صفات الباري بصفات خلقه.
والمفلح الناجي السائر على الصراط المستقيم هو الذي آمن بهذين الأصلين، ولم يفرق بينهما، آمن بما أثبته الله لنفسه من الصفات، ونزهه في الوقت نفسه عن أن تشبه صفاته صفات خلقه، فهو مؤمن منزه سالم من ورطة التشبيه والتعطيل.
دلت على هذا الأصل آية من كتاب الله:
وقد دلّ على هذين الأصلين آية من كتاب الله، هي قوله تعالى: (ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير) [الشورى: ١١] .
فالحق يثبت في هذه الآية لنفسه السمع والبصر في الوقت الذي يقرر فيه أنه ليس كمثله شيء، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنه لا يجوز للخلق أن ينفوا عن الله سمعه وبصره بدعوى أن المخلوقات الحادثة تملك سمعاً وأبصاراً،
стр. 155
وأن إثبات السمع والبصر لله يؤدي إلى تشبيه الله بمخلوقاته.
إن المعنى الذي تدل الآية عليه أن الله يتصف بالسمع والبصر، وسمع الله وبصره لا يشبهه شيء من أسماع المخلوقات وأبصارها، فسمع الله وبصره يليقان بجلال الله وكماله، وأسماع المخلوقات وأبصارها تناسب حالهم، فلا تشابه بين صفات الله وصفات المخلوقات.
والأساس الثالث: الذي ترتكز عليه مباحث الصفات - كما يقول الشيخ الشنقيطي - قطع الأطماع عن إدراك حقيقة الكيفية، لأنّ إدراك حقيقة الكيفية مستحيل. وهذا نص الله عليه في سورة (طه) حيث قال: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً) [طه: ١١٠] فقوله: (يحيطون) فعل مضارع، والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع وفعل الأمر والفعل الماضي ينحلّ عند النحويين عن (مصدر، وزمن) .
وقد حرّر علماء البلاغة في بحث الاستعارة التبعية أنّه ينحلّ عن (مصدر، وزمن، ونسبة) فالمصدر كامن في مفهومه إجماعاً، (فيحيطون) تكمن في مفهومها (الإحاطة) ، فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل، ويكون معه كالنكرة المبنية على الفتح، فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري بربّ السماوات والأرض.
فينفي جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المسندة للعلم منفية عن ربّ العالمين.
وهذا الذي ذكره الشيخ العلامة من استحالة معرفة كيفية الله أو صفاته منطق سليم؛ لأنّ العقل الإنساني مهما بلغ من الذكاء وقوة الإدراك قاصر غاية القصور وعاجز نهاية العجز عن معرفة حقائق الأشياء.
إنّ الإنسان عاجز عن معرفة حقيقة الروح التي تتردد بين جنبيه، وعاجز عن معرفة حقيقة الضوء الذي هو من أظهر الأشياء لديه، وعاجز عن إدراك حقيقة المادة، وحقيقة الذرات التي تتألف منها المادة، فكيف يطمح إلى معرفة حقيقة الذات والصفات الإلهية؟
стр. 156
المنحرفون عن المنهج السليم وأسباب انحرافهم
والانحراف عن المنهج السليم في أسماء الله تعالى وصفاته قد جاء من الإخلال بأصل من الأصول الثلاثة التي ذكرناها، ونستطيع أن نقسم انحراف الناس قديماً وحديثاً في أسماء وصفاته إلى ثلاثة أقسم:
أولاً: انحراف المشركين:
وانحراف المشركين، ذكره ابن عباس وابن جريج، ومجاهد، فالمشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم، فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من الله، والعزّى من العزيز، ومناة من المنان.
ومن إلحادهم تكذيبهم بجملة من أسماء الله تعالى، كتكذيبهم باسم الرحمن (وهم يكفرون بالرَّحمن) [الرعد: ٣٠] ، (وإذا قيل لهم اسجدوا للرَّحمن قالوا وما الرَّحمن) [الفرقان: ٦٠] .
ويدخل في زمرة هؤلاء الذين يصفون الله بصفات النقص، كقول خبثاء اليهود: (إنَّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء) [آل عمران: ١٨١] ، وقولهم: (يَدُ الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا) [المائدة: ٦٤] .
ثانياً: انحراف المشبهة:
وهؤلاء أثبتوا لله ما أثبته لنفسه، ولكنّهم لم ينزهوا الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، فأعملوا من الآية الكريمة (ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير) [الشورى: ١١] عجزها، ولم يعملوا صدرها، إذ لو أعملوا صدرها لعلموا أنّ الله لا يشبهه شيء، ولما اجترؤوا على أن يقولوا قولتهم التي تقشعرّ لهولها الأبدان، وتضطرب لها القلوب: إنّ لله يداً وبصراً وسمعاً كيدنا وسمعنا وبصرنا، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
стр. 157
وهؤلاء جعلوا معبودهم كالأصنام، ولذا قال علماء السلف: (المشبه يعبد وثناً) ، وقد كفروا بمقالتهم هذه وخرجوا عن الملّة، ومن هؤلاء داود الجواربي، وهشام بن الحكم الرافضي، وهذا الفريقان إلحادهما متقابل: فالأولون من المشركين جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق وسووه به، والمشبهة جعلوا الخالق بمنزلة الأجسام المخلوقة، وشبهوه بها، تعالى الله وتقدس عن إفكهم وضلالهم.
ثالثاً: انحراف النفاة وهم ثلاث فرق:
١- فريق نفوا الأسماء وما تدلّ عليه من المعاني، ووصفوا الله تعالى بالعدم المحض، وهؤلاء هم الجهمية، والحقيقة أنّ تحريف هؤلاء تكذيب لله كتحريف المشركين.
٢- وفريق أثبتوا ألفاظ أسمائه دون ما تضمنته من صفات الكمال، فقالوا: رحمن رحيم بلا رحمة، حكيم بلا حكمة، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع.. إلخ، وهؤلاء هم المعتزلة.
٣- وفريق ثالث: أثبت سبعاً من صفات المعاني، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، ونفوا، ما عداها، وهؤلاء هم الأشاعرة. (١)
والمكذبون بأسماء الله وصفاته، والمشبهون صفاته بصفات خلقه، والنافون لأسمائه وصفاته - ضلالهم واضح، إذ هم مشاقون لله ورسوله، مكذبون للكتاب والسنة، وأمرهم معلوم لا يحتاج إلى بيان.
أمّا الذين يحتاج إلى كشف ما في مقالتهم من زيف، فهم أهل الكلام الذي يزعمون أنّهم ينزهون الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، وبهذا ينفون صفات الله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة، بحجة أنّها توهم التشبيه، وليجؤون في سبيل ذلك إلى تأويل هذه الصفات تأويلاً يصرفها عن معانيها الحقة. (٢)
стр. 158
المطلب الخامس
أقسام الصفات عند علماء الكلام (الجزء الأول)
بين الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله تعالى - منهج علماء الكلام في تقسيماتهم لصفات الله تعالى، وبيان ما أثبتوه منها وما نفوه، وما وقعوا فيه من أخطاء ومغالطات، ثم بيّن دلالة القرآن على اتصاف الله بهذه الصفات، وعدم جواز نفيها عن الله بحجة أن المخلوقين يتصفون بها؛ لأنّ صفات الله لائقة بجلاله وصفات المخلوقين مناسبة لعجزهم.
فقد بيّن الشيخ أنّ المتكلمين الذين خاضوا في الكلام، وجاؤوا بأدلة يسمونها أدلة عقلية، ركبوها في أقيسة منطقية، قسموا صفات الله إلى ستة أقسام هي:
٣- صفة معنوية. ... ٢- صفة معنى. ... ١- صفة نفسية.
٦- صفة جامعة. ... ٥- صفة سلبية. ... ٤- صفة فعلية.
أما الصفات الإضافية، فقد جعلوها أموراً اعتبارية لا وجود لها في الخارج، وسببوا بذلك إشكالات عظيمة.
محاكمة المنهج الكلامي إلى الكتاب والسنة
بين الشيخ الشنقيطي - رحمه الله تعالى - ما جاء في القرآن العظيم من وصف الخالق - جلّ وعلا - بتلك الصفات، ووصف المخلوقين بتلك الصفات، وبيان القرآن العظيم أنّ صفة خالق السماوات والأرض حق، وأنّ صفة المخلوقين حقّ، وأنه لا مناسبة بين صفة الخالق وصفة المخلوق، فصفة الخالق لائقة بذاته، وصفة المخلوق مناسبة لعجزه وافتقاره، وبين الصفة والصفة من الفرق كمثل ما بين الذات والذات.
стр. 159
صفات المعاني عند المتكلمين
وبين الشيخ أن صفات المعاني عند علماء الكلام سبع صفات فقط، وينكرون ما عدا هذه السبع.
وضابط صفة المعنى عند علماء الكلام: ما دلّ على معنى وجودي قائم بالذات.
والصفات السبع التي أثبتوها هي: القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. وأنكر هذه المعاني السبعة المعتزلة، وأثبتوا أحكامها، فقالوا: هو قادر بذاته، سميع بذاته، عليم بذاته، حيّ بذاته، ولم يثبتوا لله قدرة، ولا علماً، ولا حياة، ولا سمعاً، ولا بصراً، فراراً من تعدد القديم، وهو مذهبٌ كل العقلاء يعرفون ضلاله وتناقضه، وأنه إذا لم يقم بالذات علم استحال أن تقول: هي عالمة بلا علم، وهو تناقض واضح بأوائل العقول.
ثم أورد الشيخ أدلة صفات المعاني، وذكر الفرق بين صفات الباري وصفات المخلوق:
١- وصفوا الله تعالى بالقدرة، وأثبتوا له القدرة، والله - جلّ وعلا - يقول في كتابه: (إنَّ الله على كل شيءٍ قديرٌ) [البقرة: ٢٠] ونحن نقطع أنه تعالى متصف بصفة القدرة على الوجه اللائق بكماله وجلاله.
كذلك وصف بعض المخلوقين بالقدرة فقال: (إلاَّ الَّذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) [المائدة: ٣٤] فأسند القدرة لبعض الحوادث ونسبها إليهم.
ونحن نعلم أنّ كلّ ما في القرآن حقّ، وأنّ للمولى - جلّ وعلا - قدرة حقيقية تليق بكماله وجلاله، كما أن للمخلوقين قدرة حقيقية مناسبة لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم، وبين قدرة الخالق وقدرة المخلوق من المنافاة
стр. 160
والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق، وحسبك بوناً بذلك.
٢، ٣- ووصف ﵎ نفسه بالسمع والبصر في غير ما آية من كتابه، قال: (إنَّ الله سميع بصير) [المجادلة: ١] ، (ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير) [الشورى: ١١] .
ووصف بعض الحوادث بالسمع والبصر، قال: (إنَّا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاجٍ نَّبتليه فجعلناه سميعا بصيراً) [الإنسان: ٢] (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) [مريم: ٣٨] .
ونحن لا نشك أن ما في القرآن حقّ، فلله - جلّ وعلا - سمع وبصر حقيقيان لائقان بجلاله وكماله، كما أن للمخلوق سمعاً وبصراً حقيقيين مناسبين لحاله من فقره وفنائه وعجزه. وبين سمع وبصر الخالق وسمع وبصر المخلوق من المخالفة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق.
٤- ووصف نفسه بالحياة، فقال: (الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم) [البقرة: ٢٥٥] ، (هو الحيُّ لا إله إلاَّ هو) [غافر: ٦٥] ، (وتوكَّل على الحيّ الَّذي لا يموت) [الفرقان: ٥٨] .
ووصف أيضاً بعض المخلوقين بالحياة، قال: (وجعلنا من الماء كُلَّ شيءٍ حي) [الأنبياء: ٣٠] ، (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّاً) [مريم: ١٥] ، (يخرج الحيَّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ) [الروم: ١٩] .
ونحن نقطع بأن لله - جلّ وعلا - صفة حياة حقيقية لائقة بكماله، وجلاله، كما أن للمخلوقين حياة مناسبة لحالهم، وعجزهم وفنائهم وافتقارهم، وبين صفة الخالق وصفة المخلوق من المخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق، وذلك بون شاسع بين الخالق وخلقه.
٥- ووصف - جلّ وعلا - نفسه بالإرادة قال: (فعَّالٌ لّما يريد) [البروج: ١٦] ، (إنّما أمرهُ إذا أراد شيئاً أن يقول له كُن فيكون) [يس: ٨٢] .
ووصف بعض المخلوقين بالإرادة قال: (تريدون عرض الدُّنيا) [الأنفال: ٦٧] ، (إن يريدون إلاَّ فراراً) [الأحزاب: ١٣] ، (يريدون لِيُطْفِؤُوا نور الله) [الصف: ٨] .
ولا شك أن لله إرادة حقيقية لائقة بكماله، كما أن للمخلوقين إرادة مناسبة لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم. وبين إرادة الخالق والمخلوق كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق.
٦- ووصف نفسه - جلّ وعلا - بالعلم، قال: (والله بكل شيءٍ عليمٌ) [النور: ٣٥] ، (لَّكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه) [النساء: ١٦٦] ، (فلنقُصَّنَّ عليهم بعلمٍ وما كُنَّا غائِبين) [الأعراف: ٧] .
ووصف بعض المخلوقين بالعلم قال: (وبشروه بغلامٍ عليمٍ) [الذاريات: ٢٨] ، (وإنَّه لذو عِلمٍ لّما علَّمناه) [يوسف: ٦٨] .
ولا شك أن للخالق - جل وعلا - علماً حقيقيّاً لائقاً بكماله وجلاله محيطاً بكل شيء. كما أن للمخلوقين علماً مناسباً لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم، وبين علم الخالق وعلم المخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق.
٧- ووصف نفسه - جلّ وعلا - بالكلام، قال: (وكلَّم الله موسى
стр. 161
تكليماً) [النساء: ١٦٤] ، (فأجِرهُ حتَّى يسمع كلام الله) [التوبة: ٦] .
ووصف بعض المخلوقين بالكلام قال: (فلمَّا كلَّمه قال إنَّك اليوم لدينا مكين أمينٌ) [يوسف: ٥٤] ، (وتكلّمنا أيديهم) [يس: ٦٥] . ولا شكّ أن للخالق تعالى كلاماً حقيقياً يليق بكماله وجلاله، كما أن للمخلوقين كلاماً مناسباً لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم، وبين كلام الخالق وكلام المخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات
стр. 162
الخالق وذات المخلوق.
الكلام على الصفات السلبية عند المتكلمين
بين الشيخ الشنقيطي - رحمه الله تعالى - ضابط الصفة السلبية عند المتكلمين فقال: هي الصفة التي دلت على عدم محض. والمراد بها أن تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله، من غير أن تدل على معنى وجودي قائم بالذات.
والذين قالوا هذا جعلوا الصفات السلبية خمساً لا سادس لها، وهي عندهم: القدم، والبقاء، والمخالفة للخلق، والوحدانية، والغنى المطلق الذي يسمونه القيام بالنفس، الذي يعنون به الاستغناء عن الحيز والمحل.
١، ٢- القدم والبقاء:
ونبه الشيخ رحمه الله تعالى إلى أن القدم والبقاء اللذين وصف المتكلمون بهما الله - جلّ وعلا - زاعمين أنه وصف بهما نفسه هما المرادان بقوله تعالى: (هو الأوَّلُ والأخرُ) [الحديد: ٣] .
والقدم عندهم عبارة عن سلب العدم السابق، إلا أنه عندهم أخص من الأزل، لأن الأزل عبارة عما لا افتتاح له، سواء أكان وجودياً كذات الله وصفاته، أو عدمياً، والقدم عندهم عبارة عما لا أول له، بشرط أن
стр. 163
يكون وجودياً، كذات الله متصفة بصفات الكمال والجلال.
وبين الشيخ ﵀ أن الله وصف المخلوقين بالقدم، قال: (قالوا تالله إنَّك لفي ضلالك القديم) [يوسف: ٩٥] ، (كالعُرجُونِ القديم) [يس: ٣٩] ، (أنتم وَآبَاؤُكُمُ الأقدمون) [الشعراء: ٧٦] .
ووصف المخلوقين بالبقاء قال: (وجعلنا ذُريَّته هم الباقين) [الصافات: ٧٧] ، (ما عندكم ينفدُ وما عند الله باقٍ) [النحل: ٩٦] ولا شك أن ما وصف به الله من هذه الصفات مخالف لما وصف به الخالق.
وصف الله بالقدم والبقاء لم يرد في الكتاب والسنة:
وبين الشيخ -رحمه الله تعالى- أن الله لم يصف في كتابه نفسه بالقدم، وبعض السلف كره وصفه بالقدم؛ لأنه قد يطلق مع سبق العدم، نحو (كالعرجون القديم) [يس: ٣٩] ، (إنَّك لفي ضلالك القديم) [يوسف: ٩٥] ، (أنتم وَآبَاؤُكُمُ الأقدمون) [الشعراء: ٧٦] .
وقد زعم بعضهم أنه جاء فيه حديث، وبعض العلماء يقول: هو يدل على وصفه بهذا، وبعضهم يقول: لم يثبت.
أما الأولية والآخرية التي نص عليهما في قوله: (هو الأوّلُ والأخرُ) [الحديد: ٣] ، فقد وصف المخلوقين أيضاً بالأولية والآخرية، قال: (ألم نُهلك الأوَّلين - ثُمَّ نتبعهم الآخِرِينَ) [المرسلات: ١٦-١٧] . ولا شك أن ما وصف الله به نفسه من ذلك لائق بجلاله وكماله كما أن للمخلوقين أوليه وآخرية مناسبة لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم.
стр. 164
٣، ٤- الوحدانية والغنى بالنفس:
وصف نفسه بأنه واحد، قال: (وإلهكم إلهٌ واحدٌ) [البقرة: ١٦٣] ووصف بعض المخلوقين بذلك، قال: (يُسقى بماءٍ واحدٍ) [الرعد: ٤] .
ووصف نفسه بالغنى (إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإنَّ الله لغني حميد) [إبراهيم: ٨] ، (فكفروا وتولَّوا وَّاستغنى الله والله غنيٌّ حميدٌ) [التغابن: ٦] ووصف بعض المخلوقين بذلك، قال: (ومن كان غنيّاً فليستعفِف) [النساء: ٦] ، (إن يكونوا فقراء يُغنهمُ الله مِن فَضلِهِ) [النور: ٣٢] .
فهذه صفات السلب، جاء في القرآن وصف الخالق ووصف المخلوق بها. ولا شك أن ما وصف به الخالق منها لائق بكماله وجلاله، وما وصف به المخلوق مناسب لحاله وعجزه وفنائه وافتقاره.
تحقيق القول في الصفات المعنوية
ثم تكلم الشيخ على ما أسماه علماء الكلام بالصفات السبع المعنوية التي هي كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً، وبين أن حقيقتها هي كيفية الاتصاف بالمعاني السبعة التي ذكرنا.
ومن عدّها من المتكلمين عدها بناء على ثبوت ما يسمونه الحال المعنوية التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية، لا معدومة ولا موجودة.
ولم يرتض الشيخ إثبات هذا النوع من الصفات، فقال: " والتحقيق أن هذه خرافة وخيال، وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه واسطة ألبتة، فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعاً، وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعاً، ولا واسطة ألبتة، كما هو معروف عند العقلاء ".
стр. 165
صفات الأفعال
ثم تكلم الشيخ على صفات الأفعال، فقال: وهذه صفات الأفعال جاء في القرآن كثيراً وصف الخالق بها ووصف المخلوق بها، ولا شك أن ما وصف به الخالق منها مخالف لما وصف به المخلوق، كالمخالفة التي بين ذات الخالق وذات المخلوق، ومن هذه الصفات:
١- الرزق: وصف الله نفسه - جلّ وعلا - أنه يرزق خلقه فقال: (ما أُريدُ منهم من رزقٍ وما أُريدُ أن يُطعمون - إنَّ الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّةِ المتين) [الذاريات: ٥٧-٥٨] ، (وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفُهُ وهو خير الرَّازقين) [سبأ: ٣٩] ، (قل ما عند الله خيرٌ من اللَّهو ومن التجارة والله خير الرَّازقين) [الجمعة: ١١] .
ووصف بعض المخلوقين بصفة الرزق، قال: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) [النساء: ٨] ، (ولا تؤتوا السُّفهاء أموالكم الَّتي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها) [النساء: ٥] ، (وعلى المولود له رِزقُهُنَّ) [البقرة: ٢٣٣] .
ولا شك أن ما وصف الله به من هذا الفعل مخالف لما وصف به منه المخلوق، كمخالفة ذات الله لذات المخلوق.
٢- العمل: ووصف نفسه - جلّ وعلا - بصفة الفعل وهو العمل، قال (أولم يروا أنّا خلقنا لهم مّمَّا عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون) [يس: ٧١] .
ووصف المخلوقين بصفة الفعل التي هي العمل قال: (إنَّما تجزون ما كنتم تعملون) [الطور: ١٦] ، ولا شك أن ما وصف به المخلوق مخالف له كمخالفة ذات الخالق ذات المخلوق.
стр. 166
٣- التعليم: وصف نفسه بأنه يعلم خلقه: (الرَّحمن - علَّمَ القرآن - خلق الإنسان - علَّمهُ البيان) [الرحمن: ١-٤] ، (اقرأ وربُّك الأكرم - الَّذي علَّم بالقلم - علَّم الإنسان ما لم يعلم) [العلق: ٣-٥] ، (وعلَّمك ما لم تكن تعلمُ وكان فضل الله عليك عظيماً) [النساء: ١١٣] .
ووصف بعض خلقه بهذه الصفة أيضاً، قال: (هو الَّذي بعث في الأُميّيّن رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) [الجمعة: ٢] ، وجمع المثالين في قوله: (تعلمونَهُنَّ مِمَّا علَّمكم الله) [المائدة: ٤] .
٤- الإنباء: ووصف نفسه - جلّ وعلا - بأنه ينبئ، ووصف المخلوق بأنه ينبئ، وجمع بين الفعل في الأمرين في قوله جلّ وعلا: (وإذ أسرَّ النَّبيُّ إلى بعض أزواجه حديثاً فلمَّا نبَّأت به وأظهره الله عليه عرَّف بعضه وأعرض عن بعضٍ فلمَّا نبَّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبَّأني العليم الخبير) [التحريم: ٣] . ولا شك أنّ ما وصف الله به من هذا الفعل مخالف لما وصف به منه العبد، كمخالفة ذات الخالق لذات المخلوق.
٥- الإيتاء: ووصف نفسه بصفة الفعل الذي هو الإيتاء. قال جلّ وعلا: (يؤتي الحكمة من يشاءُ) [البقرة: ٢٦٩] ، (ويؤت كلَّ ذي فضلٍ فضلهُ) [هود: ٣] .
ووصف المخلوقين بالفعل الذي هو الإيتاء، قال: (وآتيتم إحداهُنَّ قِنطاراً) [النساء: ٢٠] ، (وآتوا النساء صدقاتهن نِحلةً) [النساء: ٤] .
ولا شك أن ما وصف الله به من هذا الفعل مخالف لما وصف به العبد من هذا الفعل كمخالفة ذاته لذاته.
стр. 167
أقسام الصفات عند علماء الكلام (الجزء الثاني)
الصفات الجامعة
ثم تكلم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ على الصفات الجامعة، كالعلو والعظم والكِبَر والملك والكِبْر والجبروت والعزة والقوة وما جرى مجرى ذلك من الصفات الجامعة.
١-٣: صفات العلو والكبر والعظم:
وصف الله نفسه بالعلو والكبر والعظم فقال: (ولا يَؤُودُهُ حفظهما وهو العليُّ العظيم) [البقرة: ٢٥٥] ، وقال في وصف نفسه بالعلو والكبر: (إنَّ الله كان عليّاً كبيراً) [النساء: ٣٤] ، (عالم الغيب والشَّهادةِ الكبيرُ المتعال) [الرعد: ٩] .
ووصف بعض المخلوقين بالعظم قال: (فانفلق فكان كُلُّ فِرقٍ كالطَّودِ العظيم) [الشعراء: ٦٣] ، (إنَّكم لتقولون قولاً عظيماً) [الإسراء: ٤٠] ، (ولها عرش عظيمٌ) [النمل: ٢٣] ووصف بعض المخلوقين بالعلو قال: (ورفعناه مكاناً عليّاً) [مريم: ٥٧] ، (وجعلنا لهم لسان صدقٍ عليّاً) [مريم: ٥٠] . ووصف بعض المخلوقات بالكبر: (لهم مَّغفرةٌ وأجرٌ كبيرٌ) [هود: ١١] ، (بل فعله كبيرهم هذا) [الأنبياء: ٦٣] .
ولا شك أن ما وصف الله به نفسه من هذه الصفات الجامعة كالعلو والكبر والعظم مناف لما وصف به المخلوق منها، كمخالفة ذات الخالق - جلّ وعلا - لذات المخلوق، فلا مناسبة بين ذات الخالق وذات المخلوق، كما لا مناسبة بين صفة الخالق وصفة المخلوق.
стр. 168
٤- صفة الملك:
ووصف نفسه بالملك، قال: (يسبّحُ لله ما في السَّماوات وما في الأرض الملك القدُّوس) [الجمعة: ١] ، (في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مُّقتدر) [القمر: ٥٥] .
ووصف بعض المخلوقين بالملك، قال: (وقال الملكُ إنّي أرى سبع بقراتٍ سمانٍ) [يوسف: ٤٣] ، (وقال الملك ائتوني به) [يوسف: ٥٠] ، (وكان وراءهم ملكٌ يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً) [الكهف: ٧٩] ، (تؤتي الملك من تشاء وتنزعُ الملك ممَّن تشاء) [آل عمران: ٢٦] .
ولا شكّ أن لله - جلا وعلا - ملكاً حقيقياً لائقاً بكماله وجلاله، كما أن للمخلوقين ملكا مناسباً لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم.
٥، ٦- صفة الجبروت والكبرياء:
ووصف نفسه بأنه جبار متكبر في قوله: (العزيز الجبَّار المتكبر) [الحشر: ٢٣] ووصف بعض المخلوقين بأنه جبار متكبر قال: (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبَّارٍ) [غافر: ٣٥] ، (وإذا بطشتم بطشتم جبَّارين) [الشعراء: ١٣٠] ، (أليس في جهنَّم مثوىً للمتكبرين) [الزمر: ٦٠] (واستفتحوا وخاب كلُّ جبَّارٍ عنيدٍ) [إبراهيم: ١٥] .
ولا شك أن ما وصف به الخالق من هذه الصفات مخالف لما وصف به المخلوق كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق.
стр. 169
٧- صفة العزة:
وصف - جلّ وعلا - نفسه بالعزة (إنَّ الله عزيز حكيمٌ) [البقرة: ٢٢٠] ، (أم عندهم خزائِن رحمة ربّك العزيز الوهَّاب) [ص: ٩] .
ووصف بعض المخلوقين بالعزة، قال: (قالت امرأة العزيز) [يوسف: ٥١] (وعزَّني في الخطاب) [ص: ٢٣] ، وجمع المثالين في قوله: (ولله العزَّة ولرسوله وللمؤمنين) [المنافقون: ٨] .
ولا شك أن ما وصف به الخالق من هذا الوصف مناف لما وصف به المخلوق، كمخالفة ذات الخالق لذات المخلوق.
٨- صفة القوة:
ووصف نفسه - جلّ وعلا - بالقوة، قال: (ما أريد منهم من رزقٍ وما أريد أن يطعمون - إنَّ الله هو الرَّزَّاق ذو القوة المتين) [الذاريات: ٥٧-٥٨] ، (ولينصرنَّ الله من ينصره إنَّ الله لقويٌّ عزيز) [الحج: ٤٠] .
ووصف بعض المخلوقين بالقوة، قال: (ويزدكم قوةً إلى قوتكم) [هود: ٥٢] ، وقال - جلّ وعلا - (الله الذي خلقكم من ضعفٍ ثم جعل من بعد ضعفٍ قوةً ثمَّ جعل من بعد قوةٍ ضعفاً وشيبةً) [الروم: ٥٤] .
وجمع بين المثالين في قوله: (فأمَّا عادٌ فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشدُّ منَّا قوةً أولم يروا أنَّ الله الذي خلقهم هو أشدُّ منهم قوةً وكانوا بآياتنا يجحدون)
стр. 170
[فصلت: ١٥] .
الصفات التي اختلف فيها المتكلمون
ثم تكلم الشيخ على الصفات التي اختلف فيها المتكلمون، هل هي صفات فعل أو صفات معنى؟ والذي حققه الشيخ أنها صفات معان قائمة بذات الله - جلّ وعلا - ومن هذه الصفات:
١، ٢- صفة الرأفة والرحمة: وصف نفسه بأنه رؤوف رحيم، قال (إنَّ ربَّكُم لرؤوفٌ رَّحيمٌ) [النحل: ٧] . ووصف بعض المخلوقين بذلك، فقال في وصف نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ) [التوبة: ١٢٨] .
٣- صفة الحلم: وصف نفسه - سبحانه - بالحلم، قال: (ليدخلنَّهم مدخلاً يرضونه وإنَّ الله لعليم حليمٌ) [الحج: ٥٩] (واعلموا أنَّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أنَّ الله غفور حليمٌ) [البقرة: ٢٣٥] ، (قولٌ معروفٌ ومغفرة خيرٌ من صدقةٍ يتبعها أذى والله غني حليم ٌ) [البقرة: ٢٦٣] .
ووصف بعض المخلوقين بالحلم، قال: (فبشَّرناه بغلامٍ حليمٍ) [الصافات: ١٠١] ، (إنَّ إبراهيم لأوَّاه حليمٌ) [التوبة: ١١٤] .
٤- صفة المغفرة: وصف نفسه - سبحانه - بالمغفرة، فقال: (إنَّ الله غفورٌ رحيمٌ) [البقرة: ١٧٣] ، (فيغفر لمن يشاء ويعذّبُ من يشاء) [البقرة: ٢٨٤] .
ووصف بعض المخلوقين بالمغفرة، قال: (ولمن صبر وغفر إنَّ ذلك لمن عزم الأمور) [الشورى: ٤٣] ، (قولٌ مَّعروفٌ ومغفرة) [البقرة: ٢٦٣] ، (قل لّلَّذين آمنوا يغفروا للَّذين لا
стр. 171
يرجون أيَّام الله) [الجاثية: ١٤] .
ولا شك أن ما وصف به خالق السماوات والأرض من هذه الصفات حق لائق بكماله وجلاله لا يجوز أن ينفى خوفاً من التشبيه بالخلق، وأن ما وصف به الخلق من هذه الصفات حق مناسب لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم.
حال النافين لصفات الكمال والجلال
وبعد أن بين الشيخ ما في منهج علماء الكلام من خلل، وفصل القول في المنهج القرآني الإيماني الذي كشف الحق وأنار الدرب ختم كلامه قائلاً:
" وعلى كل حال فلا يجوز للإنسان أن يتنطع إلى وصف أثبته الله - جلّ وعلا - لنفسه فينفي هذا الوصف عن الله متهجماً على ربّ السماوات والأرض، مدعياً عليه أن هذا الوصف الذي تمدح به نفسه أنه لا يليق به، وأنه ينفيه عنه، ويأتيه بالكمال من كيسه الخاص، فهذا جنون وهوس، ولا يذهب إليه إلا من طمس الله بصائرهم ".
стр. 172
صفة الاستواء صفة كمال لا صفة نقص
ولبيان عظم جناية علماء الكلام على صفات الباري ضرب الشيخ الشنقيطي ﵀ مثلاً بصفة عظيمة من صفاته هي صفة الاستواء، فقال: فهذه صفة الاستواء التي كثر فيها الخوض، ونفاها كثير من الناس بفلسفة منطقية، وأدلة جدلية أبطلوا بها الحق، وأحقوا بها الباطل، قد تجرأ الآلاف ممن يدعون الإسلام فنفوها عن ربِّ السماوات والأرض بأدلة منطقية.
فيقولون مثلاً: لو كان مستوياً على عرشه لكان مشابهاً للخلق، لكنه غير مشابه للخلق، فينتج أنه غير مستو على العرش. وهذه النتيجة باطلة لمخالفتها صريح القرآن.
وبين الشيخ ﵀ أن صفة الاستواء صفة كمال وجلال، تمدح بها رب السماوات والأرض نفسه، والقرينة على أنها صفة كمال وجلال أن الله ما ذكرها في موضع من كتابه إلا مصحوبة بما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله، التي هي منها، ثم استعرض النصوص التي وردت فيها هذه الصفة للتدليل على صحة ما قرره:
١- أول سورة ذكر الله فيها صفة الاستواء حسب ترتيب المصحف سورة الأعراف، قال: (إنَّ ربَّكم الله الَّذي خلق السَّماوات والأرض في ستَّة أيَّامٍ ثُمَّ استوى على العرش يغشي اللَّيل النَّهار يطلبه حثيثاً والشَّمس والقمر والنُّجوم مسخَّرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربُّ العالمين) [الأعراف: ٥٤] ، فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال؟
٢- الموضع الثاني في سورة يونس، قال: (إنَّ ربَّكم الله الَّذي خلق السَّماوات والأرض في ستَّة أيَّامٍ ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه ذلكم الله ربُّكم فاعبدوه أفلا تذكَّرون - إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقّاً إنَّه يَبْدَأُ الخلق ثمَّ يعيده ليجزي الَّذين آمنوا وعملوا الصَّالحات
стр. 173
بالقسط والَّذين كفروا لهم شرابٌ من حميمٍ وعذاب أليم بما كانوا يكفرون - هو الَّذي جعل الشَّمس ضياءً والقمر نوراً وقدَّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلاَّ بالحق يفصلُ الآيات لقومٍ يعلمون - إنَّ في اختلاف الَّليل والنَّهار وما خلق الله في السَّماوات والأرض لآياتٍ لقومٍ يتَّقون) [يونس: ٣-٦] .
فهل لأحد أن ينفي شيئاُ من هذه الصفات الدالة على هذا الكمال والجلال؟
٣- الموضع الثالث في سورة الرعد، في قوله - جلّ وعلا -: (الله الَّذي رفع السَّماوات بغير عمدٍ ترونها ثمَّ استوى على العرش وسخَّر الشَّمس والقمر كلٌّ يجري لأجلٍ مسمًّى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلَّكم بلقاء ربكم توقنون - وهو الَّذي مدَّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يُغشي الَّليل النَّهار إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون - وفي الأرض قطعٌ مُّتجاوراتٌ وجنَّاتٌ من أعنابٍ وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغير صنوانٍ يُسقى بماءٍ واحدٍ ونفضل بعضها على بعض في الأكل إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون) [الرعد: ٢-٤] ، فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال؟
٤- الموضع الرابع في سورة طه: (طه - ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى - إلاَّ تذكرةً لمن يخشى - تنزيلاً ممَّن خلق الأرض والسَّماوات العُلى - الرَّحمن على العرش استوى - له ما في السَّماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى - وإن تجهر بالقول فإنَّه يعلم السرَّ وأخفى - الله لا إله إلاَّ هو له الأسماء الحسنى) [طه: ١-٨] .
فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال؟
стр. 174
٥- الموضع الخامس في سورة الفرقان في قوله: (وتوكَّل على الحيَّ الَّذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيراً - الَّذي خلق السَّماوات والأرض وما بينهما في ستة أيامٍ ثمَّ استوى على العرش الرَّحمن فَاسْأَلْ به خبيراً) [الفرقان: ٥٨-٥٩] .
فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على هذا الكمال والجلال؟
٦- الموضع السادس في سورة السجدة في قوله تعالى: (أم يقولون افتراه بل هو الحقُّ من رَّبك لتنذر قوماً مَّا آتاهم من نَّذيرٍ من قبلك لعلَّهم يهتدون - الله الَّذي خلق السَّماوات والأرض وما بينهما في ستة أيامٍ ثمَّ استوى على العرش ما لكم من دونه من وليٍ ولا شفيعٍ أفلا تتذكرون - يدبر الأمر من السَّماء إلى الأرض ثمَّ يعرج إليه في يومٍ كان مقداره ألف سنةٍ ممَّا تعدُّون - ذلك عالم الغيب والشَّهادة العزيز الرَّحيم - الَّذي أحسن كل شيءٍ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طينٍ - ثمَّ جعل نسله من سلالة من ماءٍ مَّهينٍ - ثُمَّ سوَّاه ونفخ فيه من رُّوحه وجعل لكم السَّمع والأبصار والأفئدة قليلاً مّا تشكرون) [السجدة: ٣-٩] .
فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الغاية من الجلال والكمال؟
٧- الموضع السابع في سورة الحديد في قوله تعالى: (هو الأول والأخر والظَّاهر والباطنُ وهو بكل شيءٍ عليم - هو الَّذي خلق السَّماوات والأرض في ستَّة أيامٍ ثُمَّ استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السَّماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصيرٌ) [الحديد: ٣-٤] .
стр. 175
فالشاهد أن هذه الصفات التي يظن الجاهلون أنها صفة نقص ويتهجمون على رب السماوات والأرض بأنه وصف نفسه بصفة نقص. ثم يسببون عن هذا أن ينفوها ويؤولوها، مع أن الله - جلّ وعلا - تمدّح بها، وجعلها من صفات الجلال والكمال، مقرونة بما يبهر من صفات الجلال والكمال، وهذا يدل على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله - جلّ وعلا - بالتأويل.
стр. 176
المطلب السادس
قواعد مهمة في صفات الله وأسمائه
هناك عدة قواعد مهمة، ونقاط رئيسة، نبه إليها العلماء في هذا الباب نسوقها موجزة مختصرة.
القاعدة الأولى: القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر (١) :
بهذه القاعدة نرد على عدة طوائف:
أ- الذين يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها، كالذين يثبتون لله الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، ويجعلونها صفات حقيقية، ثم ينازعون في محبة الله ورضاه، وغضبه وكراهيته، ويجعلون ذلك مجازاً، أو يفسرونه بالإرادة، أو يفسرونه بالنعم والعقوبات.
فيقال لهؤلاء: لا فرق بين ما أثبتموه وما نفيتموه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن كنتم تقولون: حياته وعلمه كحياة المخلوقين وعلمهم، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته كذلك.
وإن قلتم له حياة وعلم وإرادة تليق به ولا تشبه حياة المخلوقين وعلمهم وإرادتهم، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته وغضبه كذلك.
وإن قلتم: إن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، فكذلك يقال: الإرادة ميل النفس إلى جلب مصلحة أو دفع مضرة، فإن قلتم: هذه إرادة مخلوق، قلنا: هذا غضب مخلوق.
стр. 177
ب- الذين يثبتون الأسماء وينفون الصفات، فيقولون حي بلا حياة، عليم بلا علم ... الخ.
فهؤلاء يقال لهم: لا فرق بين إثبات الأسماء، وإثبات الصفات، فإنك إن قلت إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي التشبيه أو التجسيم لأنا لا نجد متصفاً بالصفات إلا وهو جسم، قلنا: وكذلك في الأسماء، إذ لا نجد ما هو مسمى بحي وعليم وقدير إلا ما هو جسم، فانف أسماء الله، فإن قالوا: هذه الأسماء تليق بكماله وجلاله، قلنا: وكذلك صفاته.
ج- الذين ينفون الأسماء والصفات، فإنهم بزعمهم ينفون ذلك حتى لا يشبهوا الله بالموجودات، فيقال لهم: نفيتم علمه وحياته كما نفيتم أنه عليم حي خشية أن تشبهوه بالموجودات، ولكن يلزم قولكم هذا تشبيه الله بالمعدومات.
القاعدة الثانية: القول في الصفات كالقول في الذات (١) :
فالله - سبحانه - له ذات لا تشبه ذوات المخلوقين، وكذلك صفاته وأفعاله لا تشبه ذوات المخلوقين وأفعالهم.
إذ يلزم من أقر بأن الله حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء أن يقول: إن سمعه وبصره وكلامه الثابت في نفس الأمر لا يشابهه سمع المخلوقين ولا بصرهم ولا كلامهم.
فإن قال قائل: أنا أنفي استواء الله خشية من تشبيه الله بخلقه، فيقال له: انف وجود الله وذاته، لأنه يلزم من ذلك تشبيه الله بخلقه، فإن قال: لله وجود يخصه، وذات تخصه لا تشبه ذوات المخلوقين، قلنا: وكذلك نزوله واستواؤه.
стр. 178
القاعدة الثالثة: الاتفاق في الأسماء لا يقتضي التساوي في المسميات:
فإننا نعلم أن ما أخبرنا الله تعالى به مما في الجنة من لبن وعسل وخمر حق، وهذه الحقائق وإن كانت موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا فإنها لا تماثلها، بل بينها وبين ما في الدنيا من المباينة ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، بل قد تسمي في الدنيا عدة أشياء باسم واحد، ويكون لكل واحد حقيقة تخصه، فإننا نقول مثلاً: يد الجمل، ويد الباب، ويد الإنسان، واليد في كل لفظة من الألفاظ الثلاثة لها معنى يخصها.
القاعدة الرابعة: لا يوصف الله بالنفي المحض:
أثبت الله لنفسه أسماء وصفات، ونفى عن نفسه أسماء وصفات.
والإثبات والنفي في أسمائه وصفاته مجمل ومفصل، فالإثبات المجمل يكون بإثبات الثناء المطلق، والحمد المطلق، والمجد المطلق لله تعالى، ونحو ذلك كما يشير إليه قوله: (الحمد لله ربّ العالمين) [الفاتحة: ٢] ، وقوله: (ولله المثل الأعلى) النحل: ٦٠] .
وأما التفصيل في الإثبات فهو متناول لكل اسم أو صفة وردت في الكتاب والسنة.
والنفي المجمل يكون بأن ينفي عن الله كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص مثل قوله: (ليس كمثله شيء) [الشورى: ١١] وقوله: (هل تعلم له سَميّاً) [مريم: ٦٥] .
وأما التفصيل في النفي فهو أن ينزه الله عن كل واحد من هذه العيوب والنقائص بخصومه، فينزه عن الوالد والولد والشريك والصاحبة والند
стр. 179
والجهل والعجز والسنة والنوم والعبث ... إلخ.
إلا أن منهج القرآن في النفي أن لا ينفي نفياً محضاً، فلا ينفي القرآن صفة نقص عن الله إلا إذا كانت متضمنة صفة مدح وكمال، فلا ينفي نفياً مجرداً، كما تفعل بعض الفرق (١) ، فقوله تعالى: (الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم لا تأخذهُ سنةٌ ولا نومٌ لَّه ما في السَّماوات وما في الأرض من ذا الذَّي يشفع عنده إلاَّ بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيءٍ من علمه إلاَّ بما شاء وسع كرسيُّه السَّماوات والأرض ولا يَؤُودُهُ حفظهما) [البقرة: ٢٥٥] فيه نفي السنة والنوم عن الله تعالى، ونفيهما يتضمن كمال الحياة والقيام، فمن كمال حياته: ألا تأخذه سنة (وهي أوائل النوم) ولا نوم، وقوله: (ولا يَؤُودُهُ حفظهما) [البقرة: ٢٥٥] مستلزم لكمال قدرته وتمامها، إذ المعنى (لا يكرثه ولا يثقله) .
ومثل ذلك قوله: (لا يعزب عنه مثقال ذرَّةٍ في السَّماوات ولا في الأرض) [سبأ: ٣] فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات والأرض.
وكذلك قوله: (ولقد خلقنا السَّماوات والأرض وما بينهما في ستَّة أيامٍ وما مسَّنا من لُّغوبٍ) [ق: ٣٨] فإن نفي اللغوب (وهو التعب والإعياء) دل على كمال القدرة ونهاية القوة. وكذلك قوله: (لاَّ تُدركه الأبصار) [الأنعام: ١٠٣] أي: لا تحيط به الأبصار فهو وإن رئي في الآخرة، ولكنه لعظمته - سبحانه - لا تحيط به الأبصار.
وكذلك كل ما نفاه الله عن نفسه، فإنه يستلزم صفة ثبوتية يمدح الله بها.
ولم يصف الله نفسه بنفي محض لا يستلزم صفة ثبوتية، وبذلك يتضح أن الذين يتجهون إلى الإكثار من النفي (أو ما يسمونه السلوب) أخطؤوا؛
стр. 180
لأن النفي ليس فيه مدح ولا كمال ما لم يتضمن إثباتاً؛ لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء.
وقد أكثر المبتدعون من النفي المحض فقالوا: لا يتكلم، ولا يرى، وليس فوق العالم، وغلا بعضهم فقالوا: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مبايناً للعالم، ولا مخالطاً له ... إلى آخر هذا الكلام الغث الذي يجعلون الله به عدماً ... تعالى وتقدس.
القاعدة الخامسة: الألفاظ الموهمة حقاً وباطلاً (١) :
الصفات التي وردت في الكتاب والسنة حق يجب الإيمان بها، وإن لم نفقه معناها.
أما ما يطلقه الناس على الله - سبحانه - مما لم يرد في الكتاب والسنة مما يتنازع فيه الناس فلا نثبته ولا ننفيه حتى نتبين مراد قائله منه.
فمثلاً يقال لمن نفى الجهة: ماذا تعني بالجهة؟ إن كنت تعني أن الله في داخل جرم السماء، وأن السماء تحويه، فلا يجوز أن نقول: إن الله في جهة، وإن كنت تريد أن الله فوق مخلوقاته فوق السماوات فهذا حق.
وكذلك التحيز، إن كان المراد أن الله تحوزه المخلوقات فهذا باطل قطعاً، وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين لها فهذا حق.
القاعدة السادسة: التعطيل سببه اعتقاد التشبيه أو لا:
وقد وضح هذه القاعدة العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، وبين أن أصل البلاء وأسه هو تنجس القلب وتلطخه وتدنسه بأقذار التشبيه، فإذا سمع ذو القلب المتنجس بأقذار التشبيه صفة من صفات الكمال، التي أثنى الله بها على نفسه، كنزوله إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير، وكاستوائه على عرشه، وكمجيئه يوم القيامة، وغير ذلك من صفات الجلال والكمال، فإن أول ما يخطر في ذهنه أن هذه الصفة