للناس، ويحب الناس ويحبونه، ويألف المكان ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه، وإن أساء إليه، ويعود إليه من مسافات بعيدة، وربما صد فترك وطنه عشر حجج، وهو ثابت على الوفاء، حتى إذا وجد فرصة واستطاعة عاد إليه.
والحمام إذا أراد السفاد يلطف للأنثى غاية اللطف، وإذا علم الذكر أنه أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد يقوم هو والأنثى بطلب القصب والحشيش وصغار العيدان، فيعملان منه أفحوصة، وينسجانها نسجاً متداخلاً في الوضع الذي يكون بقدر حيمان الحمامة، ويجعلان حروفها شاخصة مرتفعة، لئلا يتدحرج عنها البيض، ويكون حصناً للحاضن، ثم يتعاودان ذلك المكان، ويتعاقبان الأفحوص يسخنانه، ويطيبانه وينفيان طباعه الأول، ويحدثان فيه طبعاً آخر مشتقاً ومستخرجاً من طباع أبدانهما ورائحتهما، لكي تقع البيضة إذا وقعت في مكان هو أشبه المواضع بأرحام الحمام، ويكون على مقدار من الحر والبرد والرخاوة والصلابة.
ثم إذا ضربها المخاض بادرت إلى ذلك المكان، ووضعت فيه البيض، فإن أفزعها رعد قاصف رمت بالبيضة دون ذلك المكان الذي هيأته كالمرأة التي تُسقط من الفزع.
فإذا وضعت البيض في ذلك المكان لم يزالا يتعاقبان الحضن، حتى إذا بلغ الحضن مداه وانتهت أيامه انصدع عن الفراخ، فأعاناه على خروجه، فيبدآن أولاً بفتح الريح في حلقه حتى تتسع حوصلته، علماً بأن الحوصلة تضيق عن الغذاء، فتتسع الحوصلة بعد التحامها، وتنفتق بعد ارتتاقها.
ثم يعلمان أن الحوصلة وإن كانت قد اتسعت شيئاً فإنها في أول الأمر لا تحتمل الغذاء، فيزقانه بلعابهما المختلط بالغذاء، وفيه قوى الطعم.
ثم يعلمان أن طبع الحوصلة تضعف عن استمرار الغذاء، وأنها تحتاج إلى دفع وتقوية، لتكون لها بعض المتانة، فيلقطان من الغيطان الحب اللين الرخو، ويزقانه الفرخ، ثم يزقانه بعد ذلك الحب الذي هو أقوى وأشد.
ولا يزالان يزقانه بالحب والماء على تدريج بحسب قوة الفرخ، وهو يطلب
стр. 72
ذلك منهما، حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع، ليحتاج إلى اللقط ويعتاده، وإذا علما أن رئته قد قويت ونمت، وأنهما إن فطماه فطماً تاماً قوي على اللقط وتبلغ لنفسه ضرباه إذا سألهما الزق، ومنعاه.
ثم تنزع تلك الرحمة العجيبة منهما، وينسيان ذلك التعطف المتمكن حين يعلمان أنه قد أطاق القيام بالتكسب بنفسه، ثم يبتدآن ابتداء ذلك النظام.
ومن عجيب هداها أنها إذا حملت الرسائل سلكت الطرق البعيدة عن القرى ومواضع الناس؛ لئلا يعرض لها من يصدها، ولا يرد مياههم، بل يرد المياه التي لا يردها الناس.
ومن هداية الحمام أن الذكر والأنثى يتقاسمان أمر الفراخ، فتكون الحضانة والتربية والكفالة على الأنثى، وجلب القوت والزق على الذكر، فإنّ الأب هو صاحب العيال والكاسب لهم، والأم هي التي تحبل وتلد وترضع.
ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ: أن رجلاً كان له زوج حمام مقصوص، وزوج طيار، وللطيار فرخان، قال: ففتحت لهما في أعلى الغرفة كوة للدخول والخروج وزق فراخهما، قال: فحبسني السلطان فجأة، فاهتممت بشأن المقصوص غاية الاهتمام، ولم أشك في موتهما؛ لأنها لا يقدران على الخروج من الكوة، وليس عندهما ما يأكلان ويشربان.
قال: فلما خلي سبيلي، لم يكن لي هم غيرهما، ففتحت البيت فوجدت الفراخ قد كبرت، ووجدت المقصوص على أحسن حال، فعجبت، فلم ألبث أن جاء الزوج الطيار، فدن الزوج المقصوص إلى أفواههما يستطعمانهما كما يستطعم الفرخ فزقاهما.
فانظر إلى هذه الهداية، فإن المقصوصين لما شاهدا تلطف الفراخ، للأبوين وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش، فعلا كفعل الفرخين، فأدركتهما رحمة الطيارين، فزقاهما كما يزقان فرخيهما.
ومن هدايتها أيضاً أنه إذا رأى الناس في الهواء عرف أي صنف يريده، وأي نوع من الأنواع ضده، فيخالف فعله ليسلم منه، ومن هدايته أنه في
стр. 73
أول نهوضه يغفل، ويمر بين النسر والعقاب، وبين الرخم والبازي، وبين الغراب والصقر، فيعرف من يقصده، ومن لا يقصده، وإن رأى الشاهين فكأنه يرى السم الناقع، وتأخذه حيرة كما يأخذ الشاة عند رؤية الذئب، والحمار عند مشاهدة الأسد.
مزيد من عجائب هداية الله مخلوقاته
ويعرض علينا ابن القيم جملة من عجائب هداية الله في مخلوقاته مما توصل إليه أهل العم في زمانه، ولاحظوه من الوقائع في عهدهم فمن ذلك:
٧- كلبة ترضع طفلاً مات أهله
قال الجاحظ: لما وقع الطاعون الجارف أتى على أهل دار، فلم يشك أهل تلك المحنة أنه لم يبق منهم أحد، فعمدوا إلى باب الدار فسدوه، وكان قد بقي صبي صغير يرضع، ولم يفطنوا له، فلما كان بعد ذلك بمدة تحول إليها بعض ورثة القوم، ففتح الباب، فلما أفضى إلى عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع جراء كلبة قد كانت لأهل الدار فراعه ذلك، فلم يلبث أن أقبلت كلبة قد كانت لأهل الدار، فلما رآها الصبي حبها إليها، فأمكنته من أطبائها، فمصها، وذلك أن الصبي لما اشتد جوعه ورأى جراء الكلبة يرتضعون من أطباء الكلبة حبا إليها، فعطفت عليه، فلما سقته مرة أدامت له ذلك، وأدام هو الطلب.
٨- المكاء يقتل الأفعى
وذكر ابن الأعرابي قال: أكلت حية بيض مكاء، فجعل المكاء يصوت ويطير على رأسها، ويدنو منها، حتى إذا فتحت فاها وهمت به ألقى حسكة، فأخذت بحلقها حتى ماتت، وأنشد أبو عمر الشيباني في ذلك قول الأسدي:
إن كنت أبصرتني عيلاً ومصطلماً ××× فربما قتل المكاء ثعباناً
стр. 74
٩- هداية الثعلب وحيله
ومن عجيب هداية الثعلب أنه إذا امتلأ من البراغيث أخذ صوفة بفمه، ثم عمد إلى ماء رقيق، فنزل فيه قليلاً، حتى ترتفع البراغيث إلى الصوفة، فيلقيها في الماء ويخرج.
ومن عجيب أمره أن ذئباً أكل أولاده، وكان للذئب أولاد وهناك زبية، فعمد الثعلب وألقى نفسه فيها، وحفر فيها سرداباً يخرج منه، ثم عمد إلى أولاد الذئب فقتلهم، وجلس ناحية ينتظر الذئب، فلما أقبل وعرف أنها فعلته هرب قدامه، وهو يتبعه، فألقى نفسه في الزبية، ثم خرج من السرداب، فألقى الذئب نفسه وراءه فلم يجده، ولم يطق الخروج، فقتله أهل الناحية.
ومن عجيب أمره أن رجلاً كان معه دجاجتان، فاختفى له، وخطف إحداهما وفر، ثم أعمل فكره في أخذ الأخرى، فتراءى لصاحبها من بعيد وفي فمه شيء شبيه بالطائر، وأطعمه في استعادتها بأن تركه وفر، فظن الرجل أنها الدجاجة، فأسرع نحوها، وخالفه الثعلب إلى أختها، فأخذها وذهب.
ومن عجيب أمره أنه أتى إلى جزيرة فيها طير، فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئاً فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير ففزع منه، فملا عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك، فدخل عليها وعبر إلى الطير، فلم يشك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه، فوثب على طائر منها وعدا به.
ومن عجيب أمره أنه إذا اشتد به الجوه انتفخ، ورمى بنفسه في الصحراء كأنّه جيفة، فتتداوله الطير، فلا يظهر حركة ولا نفساً، فلا تشك أنه ميت، حتى إذا نقر بمنقاره، وثب عليها، فضمها ضمة الموت.
стр. 75
ومن عجيب أمره أنه إذا أصاب القنفذ، قَلَبَهُ لأجل شوكه، فيجتمع القنفذ حتى يصير كبة شوك، فيبول الثعلب على بطنه ما بين مغرز عجبه إلى فكيه، فإذا أصابه البول اعتراه الأسر، فانبسط، فيسلخه الثعلب من بطنه، ويأكل مسلوخه.
١٠- من عجائب الذئاب
ومن عجيب الذئب أنه عرض لإنسان يريد قتله، فرأى معه قوساً وسهماً، فذهب وجاء بعظم رأس جمل في فيه، وأقبل نحو الرجل، فجعل الرجل كلما رماه بسهم اتقاه بذلك العظم حتى أعجزه، وعاين نفاد سهمه، فصادف من استعان به على طرد الذئب.
١١- من عجائب القرود
ومن عجيب أمر القرود ما ذكره البخاري في صحيحه، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: رأيت في الجاهلية قرداً وقردة زنيا، فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا، فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم.
١٢- من عجائب البقر
وهذه البقر يضرب ببلادتها المثل، وقد أخبر النبي ﷺ : (أنّ رجلاً بينما هو يسُوق بقرة إذ ركبها فقالت: (لم أخلق لهذا) فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم؟! فقال: (فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثَمّ) .
قال: (وبينما رجل يرعى غنماً له إذا عدا الذئبُ على شاة منها فاستنفذها منه، فقال الذئب: هذه استنفذتها مني، فمن لها يوم السبُع يوم لا راعي لها غيري) ، فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم؟! فقال رسول الله ﷺ (إني أومنُ بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثمّ) .
стр. 76
١٣- من عجائب الفئران
ومن عجيب أمر الفئران أنها إذا شربت من الزيت الذي في أعلى الجرة فنقص وعزّ عليها الوصول إليه ذهبت، وحملت في أفواهها ماءً وصبته في الجرة، حتى يرتفع الزيت فتشربه.
١٤- من عجائب الحيوان استخدامه الدواء
والأطباء تزعم أن الحقنة أخذت من طائر طويل المنقار، إذا تعسر عليه الذرق جاء إلى البحر المالح، وأخذ بمنقاره منه واحتقن به، فيخرج الذرق بسرعة.
وهذا ابن عرس والقنفذ إذا أكلا الأفاعي والحيات عمدا إلى الصتر النهري، فأكلاه كالترياق لذلك.
وهذا الثعلب إذا أصابه صدع أو جرح يأتي إلى صبغ معروف، فيأخذ منه، ويضعه على جرحه كالمرهم، والدبّ إذا أصابه جرح يأتي إلى نبت قد عرفه، وجهله صاحب الحشائش، فيتداوى به فيبرأ!
١٥- تعلم الإنسان من الحيوان
وكثير من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أموراً تنفعه في معاشه وأخلاقه وصناعته وحربه وحزمه وصبره، وهداية الحيوان فوق هداية أكثر الناس قال تعالى: (أمّ تحسب أنَّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون عن هم إلاَّ كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلاً) [الفرقان: ٤٤] قال أبو جعفر الباقر: والله ما اقتصر على تشبيههم بالأنعام، حتى جعلهم أضل سبيلاً منها، فن هدى الأنثى من السباع إذا وضعت ولدها أن ترفعه في الهواء أياماً تهرب به من الذر والنمل، لأنها تضعه كقطعة من لحم، فهي تخاف عليه الذر والنمل، فلا تزال ترفعه وتضعه وتحوله من مكان إلى مكان حتى يشتد.
وقال ابن الأعرابي: قيل لشيخ من قريش: مَنّ علمك هذا كله، وإنما
стр. 77
يعرف مثله أصحاب التجارب والتكسب؟ قال: علمني الله ما علم الحمامة تقلب بيضها حتى تعطي الوجهين جميعاً نصيبهما من حضانتها، ولخوف طباع الأرض على البيض إذا استمر على جانب واحد.
وقيل لآخر: مَنْ علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها؟ قال: مِنْ علم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط، ثم تصعد، ثم تسقط مراراً عديدة، حتى تستمر صاعدة.
وقيل لآخر: مَنْ علمك البكور في حوائجك أول النهار لا تخل به؟ قال: من علم الطير تغدو خماصاً كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها، لا تسأم ذلك، ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض.
وقيل لآخر: مَنْ علمك السكون والتحفظ والتماوت حتى تظفر بأربك، فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته؟ فقال: الذي علم السِّنَّورة أن ترصد جحر الفأرة، فلا تتحرك ولا تتلوى، ولا تختلج كأنها ميتة، حتى إذا برزت لها الفأرة وثبت عليها كالأسد.
وقيل لآخر: مَنْ علمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم السكون؟ قال: من علم ابا أيوب صبره على الأثقال والأحمال الثقيلة، والمشي والتعب وغلظة الجمّال وضربه، فالثقل والكل على ظهره، ومرارة الجوع والعطش في كبده، وجهد التعب والمشقة ملأ جوارحه ولا يعدل به ذلك عن الصبر.
وقيل لآخر: مَنْ علمك حسن الإيثار والسماحة بالبذل؟ قال: من علم الديك يصادف الحبة في الأرض، وهو يحتاج إليها فلا يأكلها؛ بل يستدعي الدجاج ويطلبهن طلباً حثيثاً، حتى تجيء الواحدة منهن فتلقطها، وهو مسرور بذلك طيب النفس به، وإذا وضع له الحب الكثير فرّقه هنا وها هنا، وإن لم يكن هناك دجاج، لأن طبعه قد ألف البذل والجود، فهو يرى من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام.
وقيل لآخر: مَنْ علمك هذا التحيل في طلب الرزق ووجوه تحصيله؟ قال: من علم الثعلب تلك الحيل التي يعجز العقلاء عن علمها وعملها، وهي أكثر من أن تذكر.
стр. 78
ومَنْ علم الأسد إذا مشى وخاف أن يقتفى أثره ويطلب، عفى أثر مشيته بِذَنَبِه، ومن علمه أن يأتي إلى شبله في اليوم الثالث من وضعه، فينفخ في منخريه، لأن اللبوة تضعه جرواً كالميت، فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه فيفعل به ذلك! .
ومن ألهم كرام الأسود وأشرافها أن لا تأكل إلا من فريستها، وإذا مر بفريسة غيره لم يدن منها ولو جهده الجوع!
ومن علم الأنثى من الفيلة إذا دنا وقت ولادتها أن تأتي إلى الماء فتلد فيه، لأنها دون الحيوانات لا تلد إلا قائمة، لأن أوصالها على خلاف أوصال الحيوان، وهي عالية، فتخاف أن تسقطه على الأرض فينصدع أو ينشق، فتأتي ماء وسطاً تضعه فيه يكون كالفراش اللين والوطاء الناعم.
ومن علم الذباب إذا سقط في مائع أن يتقي بالجناح الذي فيه الداء دون الآخر!
ومَنْ علم الكلب إذا عاين الظباء أن يعرف المعتل من غيره، والذكر من الأنثى، فيقصد الذكر مع علمه بأنّ عدوه أشد وأبعد وثبة، ويدع الأنثى على نقصان عدوها؛ لأنّه قد علم أن الذكر إذا عدا شوطاً أو شوطين حقن ببوله، وكل حيوان إذا اشتد فزعه فإنه يدركه الحقن، وإذا حقن الذكر لم يستطع البول مع شدة العدو، فيقل عدوه، فيدركه الكلب، وأما الأنثى فتحذف بولها لسعة القبل وسهولة المخرج، فيدوم عدوها!.
ومَنْ علمه أنه إذا كسا الثلج الأرض أن يتأمل الموضع الرقيق الذي قد انخسف، فيعلم أن تحته حجر الأرانب، فينبشه، ويصطادها علماً منه بأن حرارة أنفاسها تذيب بعض الثلج فيرق!
ومن علم الذئب إذا نام أن يجعل النوم نوباً بين عينيه، فينام بإحداهما، حتى إذا نعست الأخرى نام بها، وفتح النائمة! حتى قال بعض العرب:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ××× بأخرى المنايا فهو يقظان نائم
ومَنْ علم العصفورة إذا سقط فرخها أن تستغيث، فلا يبقى عصفور
стр. 79
بجوارها حتى يجيء، فيطيرون حول الفرخ، ويحركونه بأفعالهم، ويحدثون له قوة وهمة وحركة، حتى يطير معهم!
قال بعض الصيادين: ربما رأيت العصفور على الحائط، فأومي بيدي كأني أرميه فلا يطير، وربما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئاً فلا يتحرك، فإن مسست بيدي أدنى حصاة أو حجر أو نواة طار قبل أن تتمكن منها يدي.
ومن علم ((اللبب)) وهو صنف من العناكب أن يلطأ بالأرض، ويجمع نفسه، فيرى الذبابة أنه لاه عنها، ثم يثب عليها وثوب الفهد!
ومن علم العنكبوت أن تنسج تلك الشبكة الرفيعة المحكمة، وتجعل في أعلاها خيطاً ثم تتعلق به، فإذا تعرقلت البعوضة في الشبكة تدلت إليها فاصطادتها!
ومن علم الظبي أن لا يدخل كناسه إلا مستدبراً، ليستقبل بعينه ما يخافه على نفسه وخشفه!
ومن علم السنور إذا رأى فأرة في السقف أن يرفع رأسه كالمشير إليها بالعود، ثم يشير إليها بالرجوع، وإنما يريد أن يدهشها فتزلق فتسقط!
ومن علم اليربوع أن يحفر بيته في سفح الوادي حيث يرتفع عن مجرى السيل ليسلم من مدق الحافر ومجرى الماء، ويعمقه ثم يتخذ يف زواياه أبواباً عديدة، ويجعل بينها وبين وجه الأرض حاجزاً رقيقاً، فإذا أحس بالشر فتح بعضها بأيسر شيء، وخرج منه، ولما كان كثير النسيان لم يحفر بيته إلا عند أكمة أو صخرة علامة له على البيت، إذا ضل عنه!
ومن علم الفهد إذا سمن أن يتوارى لثقل الحركة عليه حتى يذهب ذلك السمن، ثم يظهر!
ومن علم الأيل إذا سقط قرنه أن يتوارى، لأنّ سلاحه قد ذهب، فيسمن لذلك، فإذا كمل نبات قرنه تعرض للشمس والريح، وأكثر من الحركة ليشتد لحمه، ويزول السمن المانع له من العدو.
وهذا باب واسع جداً، ويكفي فيه قوله - سبحانه - (وما من دابَّةٍ في الأرض
стр. 80
ولا طائِرٍ يطير بجناحيه إلاَّ أمم أمثالكم مَّا فرَّطنا في الكتاب من شيء ثمَّ إلى ربهم يحشرون - والَّذين كذَّبوا بِآيَاتِنَا صمٌّ وبكمٌ في الظُّلمات من يَشَإِ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراطٍ مستقيمٍ) [الأنعام: ٣٨-٣٩] .
وجه المماثلة بين الحيوانات وبني الإنسان:
قال ابن عباس في رواية عطاء: (إلاَّ أمم أمثالكم) [الأنعام: ٣٨] ، ويريد: يعرفونني، ويوحدونني، ويسبحونني، ويحمدونني، مثل قوله تعالى: (وإن من شيءٍ إلاَّ يسبح بحمده) [الإسراء: ٤٤] ، ومثل قوله: (ألم تر أنَّ الله يسبح له من في السَّماوات والأرض والطَّير صافاتٍ كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه) [النور: ٤١] .
ويدل على هذا قوله تعالى: (ألم تر أنَّ الله يسجد له من في السَّماوات ومن في الأرض والشَّمس والقمر والنُّجوم والجبال والشَّجر والدَّواب) [الحج: ١٨] وقوله: (ولله يسجد ما في السَّماوات وما في الأرض من دابّةٍ والملائكة وهم لا يستكبرون) [النحل: ٤٩] ، ويدل عليه قوله تعالى: (يا جبال أوّبي معه والطَّير) [سبأ: ١٠] ، ويدل عليه قوله: (وأوحى ربُّك إلى النَّحل) [النحل: ٦٨] ، وقوله: (قالت نملةٌ يا أيُّها النَّمل) [النمل: ١٨] ، وقول سليمان (عُلّمنا منطق الطَّير) [النمل: ١٦] .
وقال مجاهد: أمم أمثالكم، أصناف مصنفة تعرف بأسمائها، وقال الزجاج: أمم أمثالكم في أنها تبعث.
وقال ابن قتيبة: أمم أمثالكم في طلب الغذاء، وابتغاء الرزق، وتوقي المهالك.
стр. 81
وقال سفيان بن عيينة: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم، فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي عليها الطعام الطيب عافته، فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه، فلذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين كلمة لم يحفظ واحدة منها، وإن أخطأ رجل ترّواه وحفظه.
قال الخطابي: ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة، وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعاً لظاهره وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة، وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة، وعدم من جهة النطق والمعرفة، فوجب أن يكون منصرفاً إلى المماثلة في الطباع والأخلاق.
والله - سبحانه - قد جعل بعض الدواب كسوباً محتالاً، وبعضها متوكلاً غير محتال، وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته، وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقاً مضموناً وأمراً مقطوعاً، وبعضها لا يعرف ولده ألبتة، وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه، وبعضها تضيع ولدها، وتكفل ولد غيرها، وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها، وبعضها يدخر، وبعضها لا تكسب له، وبعض الذكور يعول ولده، وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه.
وجعل بعض الحيوانات يُتمها من قِبل أمهاتها، وبعضها يُتمها من قبل آبائها، وبعضها لا يلتمس الولد، وبعضها يستفرغ الهم في طلبه، وبعضها يعرف الإحسان ويشكره، وبعضها ليس ذلك عنده شيئاً، وبعضها يؤثر على نفسه، وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه لم يدع أحداً يدنو منه.
وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم، وبعضها يستوحش منهم، وينفر غاية النفار، وبعضها لا يأكل إلا الطيب، وبعضها لا يأكل إلا الخبائث، وبعضها يجمع بين الأمرين.
وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها، وبعضها يؤذي من لا يؤذيها،
стр. 82
وبعضها حقود لا ينسى الإساءة، وبعضها لا يذكرها ألبتة، وبعضها لا يغضب، وبعضها يشتد غضبه، فلا يزال يسترضى حتى يرضى، وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس، وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك ألبتة، وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه، وبعضها الحسن والقبيح سواء عنده، وبعضها يقبل التعليم بسرعة، وبعضها مع الطول، وبعضها لا يقبل ذلك بحال.
وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها سبحانه، وعلى إتقان صنعه، وعجيب تدبيره، ولطيف حكمته، فإن فيما أودعها من غرائب المعارف، وغوامض الحيل، وحسن التدبير، والتأني لما تريده، ما يستنطق الأفواه بالتسبيح، ويملأ القلوب من معرفته ومعرفة حكمته وقدرته، وما يعلم به كل عاقل أنه لم يخلق عبثاً، ولم يترك سدى، وأن له - سبحانه - في كل مخلوق حكمة باهرة وآية ظاهرة وبرهاناً قاطعاً، يدل على أنه رب كل شيء ومليكه، وأنه المتفرد بكل كمال دون خلقه، وأنه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم.
١٦- هداية الخالق الكائنات لطريقة التكاثر
يقول الدكتور يوسف عز الدين موضحاً هذا الموضوع: " من الأشياء العجيبة التي تشترك فيها جميع الكائنات الحية القدرة على التكاثر، لتكوين ذرية يكون من شأنها الاستمرار بالحياة، واستمرار بقاء النوع وعدم انقراضه.
وتتم عملية إنجاب الذرية في الكائنات الحية المختلفة بطرق شتى، ولكنّها تصل إلى الهدف المنشود. (فالبكتريا) (وهي من النباتات) تتكاثر، وكذلك تفعل باقي النباتات والحيوانات على اختلاف درجة فيها. ولا يمكن من وجهة نظر العلوم الرياضية أن تحدث مصادفات يكون من شأنها إيجاد ذكر أو أنثى في آلاف من النباتات والحيوانات لهدف مرسوم ومحدد وهو إنجاب ذرية تبقى بعد الفناء.
ومن الحيوانات والنباتات ما لا يتميز فيها ذكر وأنثى، ومع ذلك فإنّها تتكاثر وتنجب ذرية، فحيوان صغير الحجم أوّلي مثل حيوان (الأميبا) الذي
стр. 83
يعيش في الماء والمكّون جسمه من خلية واحدة يتكاثر بطريقة عجيبة، إذ إنّ الحيوان الواحد ينقسم إلى قسمين، وكل قسم يتحول إلى حيوان، والحيوانات المتكونة من الانقسام تنقسم بدورها إلى حيوانين وهكذا ... يحدث هذا عندما تكون ظروف الحياة ملائمة وعادية.
أمَّا إذا شعر هذا الحيوان بما ينذر بالخطر فإنّه يتحوصل؛ أي يفرز حول جسمه حوصلة، وينقسم إلى حيوانين، بل عشرات الحيوانات داخل الحوصلة؛ لكي يعوض الوقت الذي قد يضيع هباء داخل الحوصلة إلى حين رجوع الظروف الملائمة لحياته.
ويحدث التكاثر عن طريق الانقسام في الحيوانات أولية عديدة غير (الأميبا) مثل الحيوان المسمى: (البراميسيوم) وهو يعيش في الماء، ويتكاثر أيضاً بالانقسام الثنائي في الظروف الملائمة كما تنقسم (الأميبا) ، ولكنه من آن لآخر يحتاج إلى تجديد نشاطه وحيويته، فيلجأ إلى طريقة أخرى للتكاثر بالغة التعقيد يكون من شأنها تجنيد النَّوى (ولكل خلية نواة كما هو معلوم) حيث ينجب كل فرخ في هذه الحالة أربعة أفراد بدلاً من انقسام حيوان إلى حيوانين فقط.
وفي الحيوانات الأرقى من هذه الحيوانات الأولية، إذا كانت ظروف الحياة تحول دون سهولة التقاء الأنثى بالذكر لإنجاب الذرية، فإنّ الحيوان في هذه الحالة يصبح أنثى ذكراً في الوقت نفسه، أي يصبح خنثى حيث يضم جسمه أعضاء التناسل الأنثوية والذكرية جنباً إلى جنب، فيستطيع بذلك أن ينجب ذريته دون حاجة إلى انتظار فرصة التقاء الجنسين، يحدث هذا مثلاً في الدودة الكبدية التي تعيش في القنوات المرارية لبعض الحيوانات حيث يصعب على أحد الجنسين التنقل والتجول في هذا المكان الضيق للعثور على الجنس الآخر، وفي الوقت نفسه إذا حدث أن التقى حيوانان من هذه الديدان من الممكن أن يلقح أحدهما الآخر حيث يصبح أحدهما وكأنه أنثى، ويصبح الآخر وكأنه ذكر.
إن حدوث ملايين المصادفات في آن واحد لهدف معين مشترك وفي حيوانات مختلفة وبوسائل متباينة شيء لا يقره العلم، ولا تقره علوم
стр. 84
الرياضيات، وفي هذه الحالة لا بدّ أن يسلم بوجود قوة خالقة عاملة وراء هذا كله.
ومنذ وجود أول حيوان ثديي على هذه الأرض، والأنثى مزودة بمصنع لإنتاج اللبن، وذلك لكي يضمن الصغير الحصول على غذائه بمجرد خروجه من بطه أمه، ولو لم يجد هذا الثدي الذي يبرز من جسم الأم منذ أول حيوان ثديي لما أتيحت فرصة النمو والبقاء على قيد الحياة لأول مولود، أي أنها عملية مدبرة ومقدرة منذ البداية، ولا تخضع للتجربة والخطأ، إذ أنها لا تحتمل الخطأ مرة واحدة.
فهل يمكن أن يتصور أيّ إنسان عاقل أن تزويد الأم بطعام الصغير المولود يأتي نتيجة مصادفة عمياء؟ ولبن أنثى الحيوانات الثديية - علاوة على فائدته الغذائية - نجده مزوداً بمواد تحمل للمولود مناعة ضد الأمراض إلى أن يشب عن الطوق، ويمكن جسمه من الدفاع عن نفسه. وجميع الجهود التي تضافرت لصنع الألبان اللازمة لتغذية الصغار فشلت في صنع الألبان التي تحمل نفس صفات اللبن الذي أمد الله به الأنثى ".
أهمية الغريزة الجنسية:
ويحدثنا الدكتور يوسف عن الغريزة الجنسية وأهميتها وعظيم أثرها فيقول: " ومن الأشياء التي حيرت العلماء كنه الغريزة الجنسية، تلك الغريزة التي تجعل الذكر ينجذب إلى الأنثى، والأنثى تنجذب إلى الذكر.
والغريزة الجنسية هي أقوى الغرائز؛ لأنها أهما بالنسبة لبقاء النوع وعدم انقراضه، والهدف الرئيسي لبقاء بعض الحيوانات هو إتمام الالتقاء الجنسي، ثم يموت بعد ذلك.
فالطور الكامل للحشرات المسماة (ذباب مايو) ، لا يزيد عن بضعة أيام، وهي في طورها الكامل هذا لا تتغذى إذ لا توجد بها أجزاء للفم تصلح لتناول الطعام إطلاقاً، وإنما وظيفتها الرئيسية في هذه الفترة القصيرة من العمر هي التقاء الذكر بالأنثى لإنجاب الذرية، حيث تموت الأم بعد ذلك مباشرة بعد أن تكون أدّت رسالتها وكذلك يموت الأب.
стр. 85
١٧- هداية الخالق تعويض ما يفقده من أجزاء جسمه
ويتعرض الدكتور يوسف في مقالاته في جريدة الأهرام عما زود الله به مخلوقاته من خاصية تعويض الحيوان عما يفقده من أجزاء جسده فيقول: " ومن الصفات الأخرى المذهلة التي نجدها في جميع الحيوانات والنباتات القدرة على تعويض الأجزاء المفقودة، وتوجد بدرجات مختلفة في الكائنات الحية.
ففي حيوانات عديدة مثل ذلك الحيوان المسمى ((الهيدرا)) نجد شيئاً عجيباً يكتفي العلم بوصفه، ولكنّه لا يستطيع له تفسيراً، هذا الحيوان يعيش في الماء، وهو أنبوبي الشكل لا يزيد طوله عن بضعة مليمترات، ذو قاعدة مقفلة وفتحة أمامية تستخدم كفم لدخول الطعام، وفي الوقت نفسه تستعمل كفتحة ((است)) تخرج منها الفضلات. وحول تلك الفتحة نجد عدداً من الزوائد المجوفة، يتصل تجويفها بتجويف الجسم.
إذا قطعنا هذا الحيوان إلى نصفين، نصف علوي، ونصف سفلي، فإننا نجد أنّ بعض الخلايا في كل نصف تتكاثر بحث تستكمل الأجزاء الناقصة، فتكون النتيجة تكوين حيوانين يشبهان الحيوان الأصلي، ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ أننا لو قطعنا ذلك الحيوان، إلى عدة أجزاء فإنّ كل جزء ينمو ويعوض جميع الأجزاء المفقودة، ويصبح حيواناً كامل التكوين.
ويتركب جدار الجسم لهذا الحيوان من طبقتين من الخلايا: طبقة خارجية وطبقة داخلية تحيط بالتجويف الداخلي للجسم، وفي كل طبقة من الطبقتين توجد أنواع مختلفة من الخلايا لكل نوع منها وظيفة محددة، ومعظم خلايا الطبقة الخارجية وظيفتها الأساسية حماية جسم الحيوان، أما الطبقة الداخلية فوظيفتها الرئيسة هضم الغذاء الذي يبتلعه الحيوان من خلال فتحة الفم.
ولو قلبنا ذلك الحيوان كما يقلب الجورب، فإنّ الخلايا التي كانت خارجية تصبح داخلية، أي تحيط بتجويف الجسم، بينما الخلايا التي كانت داخلية تصبح خارجية، فماذا يحدث في هذه الحالة؟ لقد وجد العلماء الذين أجروا هذه التجارب أن الخلايا التي أصبحت الآن خارجية تهاجر نحو الداخل، بينما الخلايا التي أصبحت داخلية تهاجر نحو الخارج لكي يعود
стр. 86
تركيب الحيوان إلى ما كان عليه، ولو لم يحدث ذلك لمات الحيوان، إذ إن الخلايا التي تحيط بتجويف الجسم لا بدّ أن تكون الخلايا الهاضمة، لتتم عملية هضم المواد الغذائية التي في تجويف الجسم، بينما الخلايا الخارجية لا بدّ أن تكون الخلايا الوقائية التي تحفظ الجسم وتقيه من التلف.
وإذا قطعنا دودة الأرض إلى جزءين، فإنّ كل جزء ينمو، ويعوض الجزء المفقود.
وفي حيوانات أخرى (كالجمبري، أو الكابوريا) وغيرهما إذا فقدت إحدى الأرجل فإنّ رجلاً جديدة تتكون بدلاً من المفقودة.
والبرص إذا استشعر خطراً أو أمسكه من ذنبه إنسان أو حيوان فإنه يفصل ذلك الذنب عن جسمه، وينجو من الخطر، وينمو له ذنب جديد.
ونحن إذا جرحنا أنفسنا في أثناء الحلاقة أو لأي سبب آخر، فإن خلايا جديدة تتكون بدلاً من الخلايا التي أتلفها الجرح، ولو لم يحدث ذلك لما أصبح في الإمكان إجراء أية عملية جراحية.
وإذا كسرت لنا عظمة فإنّ خلايا جديدة تتكون ويلتئم الكسر.
لا يمكن أن يحدث هذا نتيجة للمصادفة، بل لا بدّ أن يكون نتيجة تدبير يتجه نحو هدف معين، وهو المحافظة على حياة الفرد، وتحكمه قوى كامنة في الحيوان لم يتوصل العلم إلى كنهها، إنها قوى أودعها الله في الحيوان، والحيوان لا يعلم عنها شيئاً، ولا يدرك ماذا يفعل ".
стр. 87
١٨- اتفاق جميع الأحياء في التنفس وإن اختلفت طرائقه
ويعرض الدكتور يوسف في مقالاته القيمة لهذا الموضوع، فيقول: " إن عملية التنفس التي نجدها في جميع الكائنات الحية من أدناها إلى أرقاها عملية عجيبة، وهي في جميع الحالات ليست سوى عملية أكسدة، أي اتحاد الأكسجين بالمواد الغذائية التي في خلايا الجسم، ونتيجة لهذه الأكسدة تنطلق طاقة اللازمة للكائن الحي التي لولاها ما استطاع القيام بأيّ نشاط من أنشطته المختلفة.
تتم هذه الأكسدة في الحيوانات المختلفة بطرق متباينة، ولكن النتيجة في جميع الأحوال واحدة، وهي انطلاق الطاقة، وفي الوقت نفسه يتكون الماء (وثاني أكسيد الكربون) نتيجة لهذه العملية، ولذا فالمظهر الواضح لعملية التنفس هو أخذ (الأكسجين) اللازم (لأكسدة) المواد الغذائية وبإخراج (ثاني أوكسيد الكربون) والماء الناتجين عن هذه العملية.
ففي حيوان بسيط (كالأميبا) حيث يتكون الجسم من خلية واحدة، تتم عملية التنفس بطريقة غاية في البساطة، إنّ هذا الحيوان الذي يشبه قطعة دقيقة من (الجيلاتين) الرخو يعيش في الماء، ويوجد بالماء المحيط به قدر من (الأوكسجين) المذاب، هذا (الأوكسجين) الذائب في الماء ينفذ إلى جسم (الأميبا) حيث يؤكسد المواد الغذائية التي في جسمها، فتنطلق الطاقة اللازمة لحركتها ونموها، وغيرها من العمليات الضرورة للحياة.
ويتكون (ثاني أوكسيد الكربون) والماء نتيجة لعملية (الأكسدة) ، علاوة على انطلاق الطاقة.
وتتخلص (الأميبا) من الماء الزائد بطريقة تثير الدهشة، حيث تتجمع قطيرات الماء حتى تتكون فجوة مليئة بالماء، هذه الفجوة تتحرك نحو حافة جسم الحيوان، ثم تنفجر ملقية بالماء خارج الجسم، ثم تعود لتتكون من جديد ... وهكذا.
أما ثاني (أوكسيد الكربون) فينفذ من داخل الجسم إلى الماء المحيط به.
стр. 88
وتحدث عملية التنفس في الحشرات عن طريق فتحات على جانبي الجسم توصل إلى شبكة من الأنابيب الدقيقة تتفرع داخل جسم الحشرة إلى أنابيب أصغر فأصغر، حتى تصل في النهاية إلى جميع الخلايا تقريباً، وبهذا التنظيم يدخل (الأوكسجين) من الفتحات الخارجية، ويصل مباشرة إلى خلايا الجسم.
أمّا في الإنسان وفي عديد من الحيوانات الأخرى فإنّ (الأوكسجين) يصل إلى أنسجة الجسم عن طريق الخلايا الدموية الحمراء التي تسبح في الدم، ويوجد بداخل هذه الخلايا الدموية المادة المسماة (بالهيموجولبين) .
ومن الخواص العجيبة لهذه المادة سرعة اتحادها (بالأوكسجين، وثاني أوكسيد الكربون) والقدرة على الانفصال عنهما بسهولة. فإذا وصلت هذه الخلايا الدموية إلى الرئتين، فإنها تتحمل الأوكسجين، وتسير مع الدورة الدموية حتى تصل إلى الشعيرات الدموية الدقيقة التي في الأنسجة، فينفصل الأوكسجين عنها وينفذ إلى الأنسجة من خلال الجدران الرقيقة للشعيرات الدموية حيث يستخدم (لأكسدة) المواد الغذائية، وينفذ إليها من الأنسجة (ثاني أوكسيد الكربون) الناتج من عملية (الأكسدة) الذي تحمله إلى الرئتين حيث ينفصل عن (الهيموجلوبين) ، ويتخلص منه الجسم عن طريق الزفير، ثم يتحمل من جديد (بالأوكسجين) ... وهكذا.
ويحدث التنفس بوسائل عديدة في الحيوانات المختلفة، ولكن النتيجة في جميع الحالات واحدة، وهي وصول (الأوكسجين) إلى خلايا الجسم، والتخلص من (ثاني أوكسيد الكربون) .
وهذا يدل دلالة قاطعة على شيئين:
الأول: أنّ هذا التقدير الدقيق لا بد أن يكون من فعل خالق مدبر مقدر، إذ إنّه لا يمكن أن يحدث شيء بطرق مختلفة، ليؤدي لنتيجة واحدة عن طريق المصادفة.
والشيء الثاني: أنّ الخالق واحد أحد، إذ أن أسلوب الخلق مبني على أساس واحد، ويؤدي إلى نتيجة واحدة لا تتغير ".
стр. 89
١٩- حصول الأحياء على الغذاء بطرق مختلفة
ويحدثنا الدكتور يوسف عن هذا الموضوع فيقول: " وجميع الكائنات الحية نباتات وحيوانات لا بدّ أن تتغذى، وتتغذى النباتات بطريقة تختلف تمام الاختلاف عن طريقة تغذية الحيوانات، فالنباتات ثابتة في مكانها، لا يمكنها أن تتحرك لتحصل على غذائها كما يفعل الحيوان، ولذا فهي تصنع غذاءها وهي مغروسة في مكانها مستخدمة في ذلك الطاقة الشمسية.
أمّا الحيوان فيحصل على غذائه جاهزاً من مواد نباتية أو حيوانية، والغذاء الذي يتناوله الحيوان لا بدّ أن يهضم ليمتصه الجسم ويستفيد منه، وعمليات الهضم عمليات بالغة التعقيد من شأنها تحويل المواد المعقدة التركيب إلى مواد بسيطة التركيب يستطيع الجسم امتصاصها والإفادة منها.
والمواد الغذائية قد تكون دهنية أو بروتينية أو نشوية ... إلخ.
وكل نوع من الغذاء يقوم بهضمه أنزيم معين يؤثر في مادة بعينها، ولا يؤثر في المواد الأخرى الموجودة معها جنباً إلى جنب، فأنزيم يؤثر في المواد الدهنية، ولا يؤثر في المواد البروتينية، وآخر يؤثر في المواد البروتينية، ولا يؤثر في المواد الدهنية.
فهل من الممكن أن يحدث كلّ ذلك نتيجة خبط عشواء أو مصادفة عمياء أو نتيجة تجارب عديدة تحتمل الخطأ والصواب؟
إنّ أيّ عقل قادر على التفكير لا بد أن يدرك أن هذا من المستحيل، كما ترفضه رفضاً باتاً نظرية الاحتمالات في العلوم الرياضية.
ففي حيوان (الأميبا) الدقيق الحجم المكون من خلية واحدة تتم عملية التغذية بطريقة غريبة، إذ تمتد منه أذرع تلتف حول المادة الغذائية الموجودة حوله في الماء، والتي قد تكون حيواناً ضئيل الحجم أو نباتاً وحيد الخلية أصغر حجماً من الأميبا، والمواد الغذائية في هذه الحالة قد تكون متحركة إذا كانت حيواناً صغيراً، وقد تكون ثابتة إذا كانت نباتاً أولياً وحيد الخلية كبعض الطحالب.
стр. 90
ومن العجيب أنّ حيوان (الأميبا) البسيط التركيب الذي لا يوجد به مخ أو جهاز عصبي يستطيع التفرقة بين المواد الغذائية الثابتة والمواد الغذائية المتحركة، فإذا كان الغذاء حيواناً متحركاً، فإنّ أذرع (الأميبا) تمتدّ في حذر بعيداً عن الحيوان لكي لا يهرب، أما إذا كان الغذاء ثابتاً غير متحرك، فإنّ الأذرع تمتدّ حوله ملاصقة له بلا احتياط أو احتراس، إن المادة الغذائية في هذه الحالة لن تستطيع الهرب، فكيف يدرك هذه الأشياء حيوان ضئيل (كالأميبا) - لا تكاد تراه العين إلا من خلال عدسات الميكروسكوب - لا مخّ له ولا أعصاب أو عيون أو أية أعضاء للإحساس! .
فإذا أطبقت الأذرع على المادة الغذائية أصبحت في داخل الجسم محاطة بقطرة ماء، عند ذلك يبدأ جسم (الأميبا) في إفراز أنزيم هاضم حامض ليقتل الفريسة التي التهمتها (الأميبا) إذا كانت لا تزال على قيد الحياة، ثم تفرز (أنزيماً قلوياً) ، ولذلك حكمة، إذ إنّ أهم (الأنزيمات) وهو (الأنزيم) الذي يهضم المواد (البروتينية) لا يعمل إلا في وسط قلوي ".
٢٠- دوران الدم في جميع أجزاء أجسام الأحياء
ويحدثنا الدكتور يوسف عن الدورة الدموية قائلاً: " والدورة الدموية في شعب وظائف الحيوانات المختلفة تتم بطرق عديدة، كما يختلف تركيب القلب في المجموعات المختلفة للحيوانات، ولكنها تؤدي إلى نتيجة واحدة، وهي دوران الدم في جميع أجزاء الجسم.
وإذا تأملنا تركيب القلب والجهاز الدوري في الإنسان، وفي عديد من الحيوانات، وجدنا أنّ القلب - ذلك العضو الرائع التصميم - يتكون من حجرات يُوصل بعضها مع بعض فتحات ذات صمامات، ووظيفة هذه الصمامات السماح للدم بالمرور في اتجاه واحد، وتمنع رجوعه في الاتجاه المضاد.
ونجد مثل هذه الصمامات في الأوعية الدموية الكبرى للغرض نفسه.
وشبكة الأوعية الدموية بأوردتها وشرايينها وشعيراتها الدموية تصميم
стр. 91
مذهل، إنّ الشرايين تتفرع إلى أنابيب أصغر فأصغر، حتى تصبح شعيرات دموية رقيقة الجدران، والحكمة من رقة جدران الشعيرات الدموية هي إمكان تبادل غازي (الأوكسجين) من (هيموجلوبين) الكرات الدموية الحمراء، وينفذ إلى أنسجة الجسم، وفي الوقت نفسه ينفذ (ثاني أوكسيد الكربون) من الأنسجة إلى الشعيرات الدموية، فتلتقطه الكرات الحمراء، ثم تتجمع الشعيرات الدموية لتكوين أوردة تحمل الدم إلى الرئتين، حيث تتخلص الكرات الدموية من (ثاني أوكسيد الكربون) ، وتلتقط (أوكسجيناً) جديداً وهكذا.
والقلب ينبض نبضات إيقاعية مدى الحياة، حيث تتمدد بعض حجراته وتنقبض حجرات أخرى دافعاً الدم النقي الحامل (للأوكسجين) في الأوعية الدموية، ومستقبلاً له بعد دورانه في الجسم محملاً (بثاني أوكسيد الكربون) ، ليرسله إلى الرئتين حيث يتحمل (الأوكسجين) ، ويتخلص من (ثاني أوكسيد الكربون) .
ويتجول داخل جسم الإنسان، وعديد من الحيوانات الأخرى سوائل ذات وظائف محددة مثل الدم (واللمف) . و (اللمف) وسيط بين الدم والأنسجة. وللدم وظائف عديدة، منها توصيل المواد الغذائية إلى جميع أجزاء الجسم.
وإذا لم يوجد الدم في أجسام بعض الحيوانات كالدودة الكبدية مثلاً، فإنّ تركيب الجسم في مثل هذه الحيوانات نجده مصمماً بحيث تتم عملية نقل الأغذية وغيرها بوسائل أخرى.
ويتكون الدم في أجسامنا وأجسام عديد من الحيوانات الأخرى، من سائل يسبح فيه عدد هائل من الخلايا المختلفة الأشكال والوظائف نطلق عليها أحياناً اسم الكرات الدموية الحمراء، والكرات الدموية البيضاء.
والكرات الحمراء - كما ذكرت - ذات وظيفة تنفسية، أما الكرات البيضاء فمتعددة الأشكال والوظائف، بعضها ملتهم، وظيفته التهام أي جرثومة تتسرب إلى جسم الإنسان أو الحيوان، فتلتهمها بطريقة تشبه التهام الأميبا لغذائها، ونحن نستنشق من الهواء ملايين الجراثيم طول النهار والليل،
стр. 92
ولكنّنا لا نمرض كلّ يوم، لأنّ هذه الخلايا العجيبة السابحة في الدم، والتي من الممكن أن تخترق تيار الدم وتنفذ إلى الأنسجة في حالة الطوارئ تلتهم هذه الجراثيم وتقضي عليها، ولا يعترينا المرض إلا إذا ضعفت مقاومة الجسم لأيّ سبب من الأسباب، أي إذا ازداد عدد الجراثيم عن الحدّ المألوف ".
٢١- تركيب الحواس في الأحياء
ويبين لنا الدكتور يوسف أن " لمعظم الحيوانات أعضاء للحس كحاسة الإبصار والشم واللمس والسمع، والتركيب الأساسي للعين يتشابه في جميع الثدييات وغيرها، وهو تركيب مذهل وشديد التعقيد، فللعين عدسة تستقبل الضوء، وفتحة ينفذ الضوء من خلالها؛ ليخترق العدسة، وتلك الفتحة التي ينفذ منها الضوء في العين تتسع تلقائياً في الضوء الخافت، وتضيق تلقائياً إذا كان الضوء شديداً، والحكمة من ذلك واضحة، ففي حالة الضوء الخافت تحتاج عملية الإبصار إلى كمية كبيرة من الضوء، أمّا في حالة الضوء الشديد فتكفي كمية قليلة منه لكي تتضح الأشياء المرئية.
والعين ترى الأشياء في ضوء خافت، ولم يتمكن عقل الإنسان من اختراع آلة تصوير يمكنها التقاط صور المرئيات في مثل هذا الضوء.
وكما أنّ النحل قادر على رؤية الأشعة فوق البنفسجية، فإنّ البومة في إمكانها رؤية الأشعة تحت الحمراء التي لا نراها، وهي أشعة حرارية، ولذا فالبومة تستطيع أن تبصر الفأر في الظلام الدامس عن طريق الأشعة الحرارية تحت الحمراء التي تشع من جسده الدافئ.
وينفذ شعاع الضوء من العدسة ليقع على الشبكية عند قاع العين، وتتكون الشبكية من تسع طبقات مختلفة، ولا تزيد في مجموعها عن سمك ورقة رقيقة، والطبقة التي في أقصي قاع العين تتكون من ملايين من الأعواد والمخروطات منتظمة في تناسب محكم يمكنها أن تميز الألوان. ويتولى العصب البصري نقل هذا الإحساس إلى مركز معين في المخ يترجم الإحساس إلى
стр. 93
صورة مرئية تبصرها العين بوضوح.
وتلك التنظيمات العجيبة للعدسات والأعواد والمخروطات والأعصاب لا بدّ أن تكون قد حدثت في وقت واحد.. إذ إنه إذا لم توجد جميعها معاً في وقت واحد فإنّ الإبصار يصبح مستحيلاً، فكيف استطاعت جميع هذه العوامل أن يُكمّل بعضها بعضاً في وقت واحد؟
إنّ العلوم الرياضية تقول لنا: إن حدوث هذه الأشياء دفعة واحدة عن طريق المصادفة أمر مستحيل، إن آلة التصوير التلفزيونية ما هي إلا محاكاة بدائية لعملية الإبصار التي تتم عن طريق العين، بل كل ما ابتكره الذهن البشري من اختراعات ما هو سوى محاكاة بدائية لما هو موجود في الخلق، وإذا كانت آلة التصوير البسيطة يلزمها فكر وعقل لابتكارها، فهل من المعقول أن تكون العين في الإنسان وغيره من الحيوانات تكونت عن طريق المصادفة؟
ومن العجيب أنّ كلّ من هو في حاجة إلى الإبصار من الحيوانات خلق الله له عيوناً يرى بها، ولو أنّ تلك العيون قد تختلف في تركيبها عن عيوننا اختلافاً كبيراً، ولكنّها توصل إلى الهدف نفسه وهو الإبصار، فنجد في دودة الأرض مثلاً خلايا في جلدها ذات حساسية للنور والظلام، وهذا هو كلّ ما تحتاج إليه مثل هذه الدودة التي تعيش في الأنفاق من الطين داخل التربة.
وللحشرات عيون تختلف في تركيبها عن عين الإنسان أو القرد أو البقرة أو السلحفاة أو السمكة، ولكن على الرغم من هذا الاختلاف إلا أن الحشرات ترى بها الأشياء التي تنظر إليها، واختلاف الوسائل مع تشابه الهدف لا يمكن أن يأتي عن طريق المصادفة؛ بل يأتي نتيجة لتخطيط يقصد من ورائه الوصول إلى هدف معين.
ولقد منح الله كلّ كائن حيّ من الحواس والإدراك على قدر حاجته فالذبابة المنزلية مثلاً بحاجة إلى عين ترى بها الغذاء، وتدرك أيّ حركة يقصد بها الاعتداء على حياتها؛ ولذا فقد زودها الخالق كما هي الحال في معظم الحشرات بزوج من العيون المركبة؛ إذ إنّ كلّ عين من هذه العيون مكونة من مئات الوحدات المتشابهة المتراصة بعضها بجوار بعض، كلّ وحدة من هذه الوحدات المتشابهة المتراصة بعضها بجوار بعض، كلّ وحدة
стр. 94
من هذه الوحدات ترى نقطة من الشيء المرئي، وتتجمع هذه النقط فترى الذبابة الشيء كاملاً، كما زودها خالقها بنوع آخر إضافي من العيون نسميه العيون البسيطة، إذ توجد ثلاثة من هذه العيون البسيطة عند قمة رأسها، وظيفتها إدراك أيّة حركة، وهذه العيون هي التي تجعل الإمساك بالذبابة يكاد يكون في حكم المستحيل ".
٢٢- كيفية تصميم العظام والمفاصل
والعظام في أجسامنا وأجسام عديد من الحيوانات نحركها عند المفاصل، فتنقبض عضلات معينة وتنبسط عضلات أخرى في الوقت نفسه في توافق عجيب، فتتحرك اليد أو الساق أو الإصبع وغيرها في الاتجاه الذي يرغب فيه الإنسان أو الحيوان، وتركيب المفاصل مصمم بشكل يسمح بالانزلاق، فلا يشعر الحيوان بأي احتكاك.
كما أن تصميم الفقرات في العمود الفقري من شأنه تحمل الضغط، وتجنب الاحتكاك، وترابط الفقرات مع بعضها، فهو مصمم تصميماً مذهلاً، ويحيط العمود الفقري بالحبل العصبي لحمايته، كما تحمي الجمجمة المخ الذي بداخلها، وتنفذ الأعصاب من الحبل العصبي من خلال ثقوب بالفقرات، وجميع هذه التصميمات لا بدّ أن تكون قد تكونت في وقت واحد، إذ لو اختل جانب منها لأصبحت حركة الحيوان غير ممكنة، فهل من المعقول أن تحدث كل هذه الترتيبات في وقت واحد نتيجة مصادفة؟
٢٣- الحكمة في تجلط الدم
ومن المعروف أنّه إذا حدث جرح في أجسامنا فإنّ الدم الذي يخرج من الأوعية الدموية المجروحة لا يلبث أن يتجلط عند مكان الجرح، وهذا تصميم مقصود له حكمته إذ إنّ الدم المتجمد يقفل الوعاء الدموي المجروح، فيوقف بذلك استمرار تدفق الدم من الجرح، ولو لم يحدث هذا التجلط لظلّ الدّم ينزف حتى الموت.
وممّا يدل على أنّ هذا التدبير مقصود من الخالق لحفظ الكائن الحي أنّنا نجده يحدث بطرق متباينة في الحيوانات المختلفة، ولكنّ النتيجة في جميع
стр. 95
الحالات واحدة، ففي معظم الحشرات إذا جرح جسم حشرة كالصرصار مثلاً، فإنّ عدداً من الخلايا يتجمع، ويكون سدادة تقفل الجرح حتى لا ينزف الدم، بينما نجد أنّ الدم يتجلط في بعض الحشرات كما يتجلط دمنا.
والوصول إلى هدف معين بطرق مختلفة.. كما سبق أن ذكرت ... دليل قاطع على وجود خالق يدبر ويقدر بشتى الطرق للتوصل إلى نتيجة معينة يكون من شأنها حفظ الكائن الحي.
٢٤- قرنا الاستشعار عند البعوض
ولا يمكن أن يكون عن طريق المصادفة أن قرني استشعار ذكر البعوض به شعيرات أطول من تلك التي في قرني استشعاره أنثاه، وكان الاعتقاد فيما مضى أنّ هذه الشعيرات الطويلة مظهر من مظاهر الزينة، لكي يبدو الذكر جميلاً في عين الأنثى، ولكن اتضح أنّه هذه الشعيرات التي في قرني استشعار الذكر قادرة على التقاط أصوات خاصة تحدثها أنثى البعوض وهي بعيدة عن الذكر بعداً شاسعاً، وأصوات الأنثى هذه ذات موجات خاصة تشبه إلى حد كبير موجات الإذاعة.
ويحرك الذكور قرني استشعاره في شتى الاتجاهات كما نحرك نحن هوائي التلفزيون لتصبح الصورة الملتقطة أكثر وضوحاً، وفي وضع خاص يلتقط قرنا الاستشعار صوت الأنثى واضحاً، وعن طريق زاوية قرن استشعاره يدرك الذكر غريزياً مكان الأنثى التي تحدث الصوت، فيطير نحوها بأقصى سرعته حيث يتم التزاوج بينهما.
وهكذا نرى أنّ البعوض قد منحه خالقه هذه القدرة العجيبة التي تمكنه من إدراك صوت الأنثى البعيدة عنه بعشرات ((الأمتار)) على الرغم من وجود أصوات أخرى عديدة يموج بها الجو، ولو لم يحدث ذلك لما تمكن الذكر من العثور على الأنثى بسهولة، ولما تمكن البعوض من البقاء جيلاً بعد جيل.
إنها محطة استقبال إذاعي في قرني استشعاره استخدمها البعوض قبل أن يتمكن الإنسان من التوصل إلى أسرار الإرسال اللاسلكي بملايين السنين، فهل يمكن أن يحدث مثل هذا عن طريق مصادفة عمياء؟
стр. 96
٢٥- حيوانات تومض في الظلام
ومن الحشرات ما تنبعث من أنثاها أضواء تومض في الظلام ومضات ذات تردد معين يميزها ذكر هذا النوع من الحشرات بالذات، ولا تختلط عليه مع ومضات ضوئية لحشرات أخرى ذات تردد مختلف. عندما يرى الذكر هذه الومضات التي لا تكاد تدركها عيوننا يطير إلى أنثاه، فيحدث التزاوج ليستمر بقاء النوع.
إن العلوم الرياضية تثبت أنّ مثل هذا التنظيم والترتيب لا يمكن مطلقاً أن يكون من صنع ((طبيعة)) لا عقل لها، بل هو تخطيط من صنع خالق يعلم ماذا يصنع ويرتب ويقدر أروع تقدير لبلوغ هدف معين.
٢٦- عملية الهضم في الحيوان
ونحن نعلم أن تقطيع الطعام إلى أجزاء صغيرة أمر ضروري لتسهيل عملية الهضم، والأسنان ذات تركيب وتنظيم متباين في الحيوانات المختلفة، ولكنّها تؤدي الوظيفة نفسها وهي تقطيع الطعام.
وترتيب الأسنان في الإنسان ترتيب مذهل إذ توجد قواطع وأنياب وأضراس مرتبة ترتيباً خاصاً يجعل لكلّ نوع منها وظيفة معينة. ولا توجد أسنان للحيوانات التي لا تحتاج إليها، كتلك التي تتغذى على السوائل حيث تزود بوسائل خاصة لارتشاف الغذاء السائل وتوصيله إلى القناة الهضمية. وفي أثناء المضغ في الحيوانات ذات الأسنان تفرز الغدد اللعابية إفرازها ليختلط بالغذاء حيث تبدأ عملية هضمه.
وفي المعدة والأمعاء - كما ذكرت فيما سبق - يفرز الحيوان (أنزيمات) يؤثر كلّ واحد منها في نوع معين من الغذاء، ولا يؤثر في الأنواع الأخرى.
стр. 97
٢٧- تكون الجنين
وعملية تكوين الجنين في أي حيوان عملية مذهلة، يكتفي العلم بملاحظة وشرح خطواتها، ولكنّه يقف عاجزاً عن معرفة كنهها، والقوى التي تدفع بها نحو هدف محدود هو تكون جنين لحيوان معين.
تبدأ هذه العملية بانجذاب الخلية الذكرية (الحيوان المنوي للذكر) نحو الخلية الأنثوية (بويضة الأنثى) فتتكون الخلية الملقحة، وتبدأ الخلية الملقحة بعد ذلك في الانقسام بوساطة قوة عجيبة كامنة فيها، فتصبح الخلية خليتين، ثم أربع خلايا، ثم ثماني خلايا، وهكذا.. حتى يصل عدد الخلايا إلى حد معين، فتصبح على هيئة كرة جوفاء جدارها مكون من طبقة واحدة من الخلايا، ثم ينغمد نصف الكرة داخل النصف الآخر، فتصبح ذات جدارين خلويين.
وفي معظم الحيوانات - ومنها الإنسان - تتكون بين الطبقتين طبقة خلوية ثالثة، وتستمر الخلايا في الانقسام، فتتكون من كلّ طبقة من الطبقات الثلاث أعضاء معينة.
فمن الطبقة الخارجية يتكون الجلد والجهاز العصبي، وبعض أجزاء أخرى، ومن الطبقة الوسطى تتكون العضلات والعظام، ومن الطبقة الداخلية تتكون بعض أجزاء الجهاز الهضمي، ويستمر انقسام الخلايا، حتى يتم تكوين الجنين داخل الرحم في الحيوانات الثديية أو داخل البيضة في الحيوانات التي تبيض، وعند اكتمال تكوين الجنين يلفظ الرحم ذلك الجنين خارج الجسم في الحيوانات الثديية، ويكسر البيضة ويخرج منها في الحيوانات التي تضع بيضاً.
стр. 98
٢٨- تركيب الأذن
وتركيب الأذن في الإنسان وفي عدد من الحيوانات الأخرى لا يمكن لأي عاقل أن يتصور حدوثه عن طريق المصادفة، فللأذن طبلة تستقبل الموجات الصوتية فتتذبذب، وهذه الذبذبات تؤثر في ثلاث عظام دقيقة مرتبة ترتيباً رائعاً. والضغط على جانبي الطبلة ينبغي أن يكون متساوياً، ولهذا الغرض تمتد أنبوبة خلف الطبلة توصل إلى تجويف الأنف، ويصل بالجزء الداخلي للأذن عظمة تشبه القوقعة في شكلها، ووظيفتها تحليل الصوت، وتمييز الأنغام المختلفة، كما أنّ من وظيفتها أيضاً إحداث الاتزان، إذ لولاها لما استطعنا أن نخطو خطوة واحدة دون أن نترنح ونسقط.
وتنتقل الذبذبات بعد ذلك عن طريق الأعصاب إلى مركز السمع بالمخ، ليدرك الإنسان أو الحيوان سماع الأصوات المختلفة بعضها عن بعض. هل يمكن أن يحدث كل هذا في وقت واحد عن طريق المصادفة؟ إن نظرية الاحتمالات في العلوم الرياضية تنفي إمكان ذلك نفياً قاطعاً.
٢٩- ديدان الفلاريا
وتحدث في الكائنات الحية أشياء عجيبة، لا تعد ولا تحصى، تدلّ على وجود قوة عليا ترتب وتقدر لاستمرار بقاء الكائنات، أشياء لا يمكن أن تحدث عن طريق المصادفة، منها مثلاً: ما يحدث في دورة حياة الديدان التي تسبب المرض المسمى بمرض الفيل، وهي التي نسميها ديدان (الفيلاريا) .
تغيض هذه الديدان في طورها الكامل في الأوعية اللمفاوية والغدد اللمفاوية للإنسان، وتسد الأوعية اللمفاوية، فتسبب تضخم بعض الأعضاء، وعلى الأخص الساقين أو إحداهما، حيث تصبح ساق الإنسان في حجم ساق الفيل.
وتتزاوج هذه الديدان في أثناء وجودها داخل الأوعية اللمفاوية للإنسان،
стр. 99
وتنتج ديداناً صغيرة تنتقل من الأوعية اللمفاوية إلى الأوعية الدموية، وإذا بقيت هذه الديدان في الأوعية الدموية للإنسان فإنها تعجز أن إتمام دورة حياتها إذ لا بد لها من أن تنتقل إلى جسم بعض أنواع البعوض لكي تتم تلك الدورة، وتصبح قادرة على عدوى الإنسان، فإذا امتصت البعوضة دم إنسان مصاب فإنّها تمتص مع الدّم عدداً من هذه الديدان الصغيرة التي تنمو داخل جسم البعوض حتى يكتمل نموها، وتصبح قادرة على عدوى الإنسان إذا حقنتها البعوضة في دمه في أثناء عملية امتصاصها لدم الإنسان الذي تتغذى عليه.
ولقد حاول العلماء الحصول على هذه الديدان من دم المصابين بهذا المرض ولكن جميع محاولاتهم كانت تبوء بالفشل إلى أن حدث شيء عجيب.
في إحدى الليالي كان أحد العلماء ساهراً في معمله حتى ساعة متأخرة من الليل، فأخذ عينة من دم إنسان مصاب وفحصها تحت الميكروسكوب، وفوجئ بعدد هائل من هذه الديدان في العينة التي أخذها، وفي أثناء النهار في اليوم التالي أخذ عينة من المصاب نفسه فلم يجد للديدان أثراً، احتار في تفسير هذه الظاهرة العجيبة، لماذا توجد هذه الديدان في عينة الدم إذا أخذها من المصاب ليلاً، ولا تظهر إذا أخذها نهاراً؟
واتضح أنّ تلك الديدان الصغيرة تهرب إلى الأوعية الدموية الداخلية في أثناء النهار، ثم تعود إلى الأوعية الدموية القريبة من سطح الجلد في أثناء الليل، والحكمة من ذلك هي أنّ البعوض الذي يتغذى على دم الإنسان في هذه الأماكن لا ينشط إلا في أثناء الليل؛ ولذا فإنّ الديدان تنتقل إلى الأوعية الدموية القريبة من سطح الجلد؛ لكي يتمكن البعوض من امتصاصها مع الدم لتتم دورة حياتها داخل جسم البعوضة، ومن الطبيعي أن هذه الديدان لا تدرك شيئاً ولا تعلم شيئاً عن البعوض التي ستتم دورة حياتها داخل جسمه؛ بل تفعل هذا عن غريزة، أي أنّ هناك قوة عليا تملي عليها هذا التصرف لكي تستمر حياتها.
ومن العجيب أنّه في الأماكن التي تنشط أنواع البعوض التي تمتص الدّم
стр. 100
نهاراً ولا تنشط ليلاً نجد أنّ الديدان تفعل العكس، حيث تبقى في الأوعية الدموية الداخلية ليلاً، وتهاجر إلى الأوعية الدموية نهاراً، ليتمكن البعوض في هذه الحالة أيضاً من امتصاصها مع الدم، فهل من الممكن أن يحدث هذا عن طرق المصادفة؟
٣٠- مغناطيسية الأرض
إذا تركنا تركيب الكائنات الحية وما فيه من إعجاز تتيه فيه العقول، وتأملنا في الكون الرحب وجدنا عجباً، أولى هذه العجائب المغناطيسية الكامنة في الكرة الأرضية، وهي التي تربطنا بالأرض، وتمنعنا من أن نتبعثر في الفضاء في أثناء دورانها.
هذه المغناطيسية تختلف عن المغناطيسية التي نجدها في القضيب المغناطيسي ... ، إننا نعلم أنّ القضيب المغناطيسي قادر على جذب بعض الأشياء، ولكنّه يعجز عن جذب أشياء أخرى كاللحم والورق والزجاج والحجارة والرمل والماء وغيرها....، ولكن مغناطيسية الأرض تجذب كلّ شيء، تجذب أجسامنا، وتجذب الزجاج والرمل والماء والحجارة والورق، إذ لو لم تجذب الأرض إليها هذه الأشياء لما بقي على سطحها شيء.
стр. 101
٣١- أحجام الأجرام السماوية وأبعادها ومداراتها
ولقد ذكر (فردهويل) أستاذ الفلك بجامعة لندن في كتابه (طبيعة الكون) أن من الكواكب ما يبلغ حجماً مذهلاً لا يكاد يتصوره العقل، إذ تبدو الكرة الأرضية بالنسبة لأحد هذه الكواكب العملاقة كحبة الرمل.
يقول العالم الأمريكي الكبير (كريستي موريسون) الرئيس السابق لأكاديمية العلوم بنيويورك: " إنّ وضع الأجرام السماوية ليس مجرد مصادفة عشواء؛ بل هي موضوعة في الفضاء بحسبان؛ إذ إن القمر مثلاً لو كان أقرب إلى الأرض بمقدار ربع المسافة التي تفصلنا عنه لأصبح المد والجزر عنيفين حيث يغرق المد جميع أجزاء اليابسة، فتموت غرقاً جميع حيوانات اليابسة نتيجة لذلك، كما أن محور الأرض لو لم يكن منحرفاً بمقدار نحو ثلاث وعشرين درجة لترتب على ذلك وجود ليل دائم عند القطبين، وتكوّن من بخار ماء المحيطات كميات هائلة من الجليد تضغط على القطبين فيتفرطح خط الاستواء، ويقل هطول الأمطار بدرجة تجعل الحياة مستحيلة على الكرة الأرضية.
وتبلغ سرعة دوران الأرض نحو ألف ميل في الساعة، فلو فرضنا أنها تدور بسرعة مائة ميل في الساعة فقط، لطال كل من الليل والنهار، وترتب على ذلك أن جميع النباتات والحيوانات تحترق نهاراً من شدة الحرارة، وتَتجمد ليلاً من شدة البرد ".
وفي كتاب ضخم للدكتور جود أستاذ الفلسفة بجامعة لندن تناول بالدراسة ضمن ما تناوله شتى احتمالات نشأة الكون، ونشأة الحياة من الوجهة العلمية والفلسفية، وخلص من هذه الدراسة المستفيضة إلى أن الكون لا بد أن يكون نشأ نتيجة لعملية خلق رائعة، وصدق الله إذ يقول: (سنريهم آيَاتِنَا في الأفاق وفي أنفسهم حتَّى يتبيَّن لهم أنَّه الحقُّ) [فصلت: ٥٣] .
стр. 102
التعرف إلى الله من خلال النصوص
(مباحث الصفات والأسماء)
ذكرنا أن السبيل الثاني الذي يعرفنا بالله هو النصوص القرآنية والحديثية التي تتحدث عن الله حديثاً مباشراً مبينة صفاته وأسماءه وأفعاله.
وهذا السبيل سبيل نيّر مأمون العواقب؛ لأن التعرف إلى الله من خلال كلامه وكلام رسوله لا يبقي مجالاً للشك والالتباس.
وقد حرصنا على أن نسوق النصوص ذاتها في أكثر الموضوعات؛ فإنها أقدر على التعبير والتوضيح من نصوص البشر وكلامهم، كما حرصت على ألا أزيف النصوص بالتأويل والتحريف كما فعل كثير من السابقين كي توافق آراء البشر ومقاييسهم، والواجب أن يغير البشر من آرائهم ومقاييسهم كي توافق النصوص.
المطلب الأول
مدى إدراك العقل لصفات الله
صفات الله جاء بها القرآن وتحدثت عنها السنة النبوية قسمان:
الأول: ما لا يستطيع العقل الإنساني التعرف عليه وإدراكه بنفسه، أي من غير طريق النصوص كإثبات اليد والوجه لله.
الثاني: ما يمكن أن يستدلّ عليه بالعقل كاتصافه بالقدرة والحكمة، ونحن لن نستقصي ذكر صفات الله، ولكن سنذكر جملة منها توضح المراد، وتحرر المقصود، وتعطي تصوراً وافياً إن شاء الله تعالى.
стр. 103
المطلب الثاني
جملة من الصفات التي جاءت بها النصوص (الجزء الأول)
١- لله ذات
لله - سبحانه - ذات متصفة بصفات الكمال منزّهة عن صفات النقص، والذي يقرأ حديث القرآن عن الله يعلم علماً قاطعاً بأنّ له ذاتاً (الله لا إله إلاَّ هو الحي القيُّوم لا تأخذه سنةٌ ولا نومُ) [البقرة: ٢٥٥] .
(قل هو الله أحد - الله الصمد - لم يلد ولم يولد - ولم يكن له كفواً أحد) [الإخلاص] ، وعندما أراد الكفار قتل خبيب أنشد (١) :
ولستُ أبالي حين أُقتل مسلماً ××× على أيّ شقٍّ كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ××× يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع
وذات الله لا تشبه ذوات المخلوقين، كما أنّ صفاته لا تشبه شيئاً من صفات المخلوقين، فالله هو الكمال الذي لا كمال بعده، وكلّ مخلوق لا بدّ أن يكون فيه نقص في جانب من الجوانب، أدناها حاجته وفقره إلى غيره.
يقول تعالى نافياً المشابهة بينه وبين خلقه: (ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير) [الشورى: ١١] .
٢- نفسه سبحانه
لله تعالى نفس تليق بكماله وجلاله، لا تشبه نفوس المخلوقات، وقد أخبرنا الله بذلك في محكم كتابه، قال تعالى: (وإذا جاءك الَّذين يؤمنون بِآيَاتِنَا فقل سلامٌ عليكم كتب ربُّكم على نفسه الرَّحمة أنَّه من عمل منكم سوءاً
стр. 104
بجهالةٍ ثمَّ تاب من بعده وأصلح فأنَّه غفورٌ رَّحيمٌ) [الأنعام: ٥٤] .
فقد أخبر - سبحانه - أنّ له نفساً، وأنّه كتب على نفسه الرحمة، ونصّ الله على ذلك في آية أخرى (قل لمن مَّا في السَّماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرَّحمة ليجمعنَّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه) [الأنعام: ١٢] .
وقد فسرّ الرسول ﷺ شيئاً من هذه الكتابة، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (لمّا قضى الله الخلق كتب كتاباً، فهو عنده فوق العرش: إنّ رحمتي تسبق غضبي) وفي رواية (تغلب غضبي) ، متفق عليه (١) ، وإثبات النفس لله منهج الرسل من قبل، فهذا عيسى يقول لرب العزة: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنَّك أنت عَّلامُ الغيوب) [المائدة: ١١٦] ، وقال الله لرسوله موسى: (ثمَّ جئت على قدرٍ يا موسى - واصطنعتك لنفسي) [طه: ٤٠-٤١] .
وقد حذرنا الحقّ نفسه فقال: (ويحذّركم الله نفسه والله رَؤُوفُ بالعباد) [آل عمران: ٣٠] .
والله يذكر عباده في عباده الذين يذكرونه في أنفسهم، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة أنّ الرسول ﷺ قال: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) . (٢)
وذكر الله يرضي نفس ربنا ﵎، ففي حديث مسلم عن ابن عباس عن جويرية: أنّ النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة، فقال: (ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟) . قالت: نعم.
стр. 105
قال النبي ﷺ : (لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشة، ومداد كلماته) . (١)
٣- وجه ربنا سبحانه
لله - سبحانه - وجه لا يشبه وجوه المخلوقين، نصدّق بذلك ونؤمن به؛ لأنّ الله أخبرنا بذلك في كتابه، ونصّ عليه الرسول ﷺ في أحاديثه.
قال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) [الرحمن: ٢٧] ، يقول ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية: و (ذو الجلال والإكرام) من نعت الوجه، فلذلك رفع (ذو) . (٢)
وقد نفى بعض السابقين إثبات الوجه لله تعالى، وزعموا أنّ الوصف بقوله: (ذو الجلال والإكرام) إنمّا هو للرب فالمنعوت بـ (ذو الجلال والإكرام) عندهم الربّ لا الوجه.
وقد ردّ هذا الزعم الإمام ابن خزيمة، فقال: " هذه دعوى يدّعيها جاهل بلغة العرب، لأنّ الله - جلّ وعلا - قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) فذكر الوجه مضموماً في هذا الموضع مرفوعاً، وذكر الرب بخفض الباء بإضافة الوجه، ولو كان قوله: (ذو الجلال والإكرام) مردوداً إلى ذكر الرب في هذا الموضع لكانت القراءة ذي الجلال والإكرام مخفوضاً ... ". (٣)
ومن النصوص التي جاء فيها إثبات الوجه لله قوله تعالى: (كلٌّ شيءٍ هالك إلاَّ وجهه) [القصص: ٨٨] .
стр. 106
أثر الإيمان بوجه الله تعالى
أ- قصد وجه الله بصالح الأعمال
إذا علمنا ما قرره الله فعلينا أن نقصد وجه ربنا بأعمالنا كما أرشد الله إلى ذلك في محكم كتابه، فالعمل الذي لا يقصد به وجهه باطل: (كلٌّ شيءٍ هالك إلاَّ وجهه) [القصص: ٨٨] .
ومن ذلك إنفاق المال ابتغاء وجهه: (وما آتَيْتُم من زَكَاةٍ تريدون وجه الله فأولئِك هم المضعفون) [الروم: ٣٩] .
وقد وصف عباده الصالحين بأنّهم يريدون بعملهم وجهه، ولا شيء غير وجهه (إنَّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) [الإنسان: ٩] ، (وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تجزى - إلاَّ ابتغاء وجه ربه الأعلى) [الليل: ١٩-٢٠] (واصبر نفسك مع الَّذين يدعون ربَّهم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يريدون وجهه) [الكهف: ٢٨] .
وفي الصحيحين من حديث عتبان بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: (فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله) . (١)
стр. 107
ب- الاستعاذة بوجهه سبحانه
وقد فعل ذلك الرسول ﷺ فقد روى جابر بن عبد الله أنَّه ((لما نزلت هذه الآية: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم) [الأنعام: ٦٥] ، قال النبي ﷺ : (أعوذ بوجهك) فقال: (أو من تحت أرجلكم) [الأنعام: ٦٥] ، فقال النبي ﷺ : (أعوذ بوجهك) ، قال: (أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعضٍ) [الأنعام: ٦٥] فقال النبي ﷺ : (هذا أيسر) . (١)
وعن علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ كان يقول عند مضجعه: (اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وبكلماتك التامات من شرّ كل دابة أنت آخذ بناصيتها) . رواه أبو داود (٢)
ج- إجابة من سألك بوجه الله
فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من استعاذ بالله فأعيِذُوهُ، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه) . (٣)
د- الطمع في رؤية وجه الله
عن عمار بن ياسر أن الرسول ﷺ كان يدعو فيقول: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي.
اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة.
وأسألك كلمة الحق والعدل في الغضب والرّضا.
وأسألك القصد في الفقر والغنى.
стр. 108
وأسألك نعيماً لا يبيدُ.
وأسألك قرة عين لا تنقطع.
وأسألك الرضا بعد القضاء.
وأسألك برد العيش بعد الموت.
وأسألك لذة النظر إلى وجهك.
وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.
اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين) . (١)
وقد فسر النبي ﷺ الزيادة المذكورة في قوله تعالى: (للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ) [يونس: ٢٦] بأنها النظر إلى وجه ربنا ، ونقل القول بذلك عن أبي بكر وحذيفة ثم قال: (الآثار في معنى هذا عن الصحابة والتابعين ﵃ كثيرة) . (٢)
وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثمّ تلا هذه الآية: (للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ) [يونس: ٢٦] . (٣)
وقد جاء في الصحيحين أنّ رسول الله ﷺ قال: (جنتان من فضة: آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب: آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن) . (٤)
стр. 109
حجاب وجهه ﵎:
عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل، حِجَابُهُ النور (وفي رواية أبي بكر: النار) لو كشفه لأحرقتْ سبحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) . (١)
وهذا التردد من الراوي في لفظ النّور والنّار لا يضرّ، فإن مثل هذه النّار الصافية التي كلم الله بها موسى يقال لها: نور ونار كما سمّى الله نار المصباح نوراً، بخلاف النّار المظلمة كنار جهنّم فتلك لا تسمى نوراً.
وهذه الحجب تحجب العباد عن الإدراك، كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم الشمس والقمر، فإذا زالت تجلت الشمس والقمر، وليس المراد أنّها تحجب الله عن الرؤية، فهذا لا يقوله مسلم، فإنّ الله لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض، ولكن يحجب أنواره إلى مخلوقاته. كما قال: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فالبصر يدرك الخلق كلهم، وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور أو النّار.
стр. 110
٤- لله سبحانه يدان
ولله يدان تليقان بجلاله وكماله، لا تشبهان شيئاً من أيدي المخلوقين، قال تعالى: (بل يداه مبسوطتان) [المائدة: ٦٤] ، وقال مقرّعاً إبليس حين رفض السجود لآدم: (قال يَا إِبْلِيسُ ما منعك أن تسجد لما خلقت بِيَدَيَّ) [ص: ٧٥] .
تمجيد الله بذكر يديه:
وردت أحاديث عديدة فيها تمجيد الرب ﵎ بذكر يديه، وأن الخير فيهما، فأهل الجنة يناديهم ربهم فيقول لهم: (يا أهل الجنّة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك) . (١)
وينادي ربنا آدم ﵇ يوم القيامة، فيقول آدم مجيباً: (لبيّك وسعديك، والخير كله في يديك) . (٢)
وكان من دعاء الرسول ﷺ إذا قام إلى الصلاة من الليل: (لبيك وسعديك، والخير في يديك) . (٣)
وكان من تلبية ابن عمر: " لبيك وسعديك، والخير في يديك ". (٤)