← Акыда

Акыда · id 9667

العقيدة في الله

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (228 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أثر الإيمان بوجه الله تعالى أ- قصد وجه الله بصالح الأعمال إذا علمنا ما قرره الله فعلينا أن نقصد وجه ربنا بأعمالنا كما أرشد الله إلى ذلك في محكم كتابه، فالعمل الذي لا يقصد به وجهه باطل: (كلٌّ شيءٍ هالك إلاَّ وجهه) [القصص: ٨٨] . ومن ذلك إنفاق المال ابتغاء وجهه: (وما آتَيْتُم من زَكَاةٍ تريدون وجه الله فأولئِك هم المضعفون) [الروم: ٣٩] . وقد وصف عباده الصالحين بأنّهم يريدون بعملهم وجهه، ولا شيء غير وجهه (إنَّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) [الإنسان: ٩] ، (وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تجزى - إلاَّ ابتغاء وجه ربه الأعلى) [الليل: ١٩-٢٠] (واصبر نفسك مع الَّذين يدعون ربَّهم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يريدون وجهه) [الكهف: ٢٨] . وفي الصحيحين من حديث عتبان بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: (فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله) . (١)

стр. 107

ب- الاستعاذة بوجهه سبحانه وقد فعل ذلك الرسول ﷺ فقد روى جابر بن عبد الله أنَّه ((لما نزلت هذه الآية: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم) [الأنعام: ٦٥] ، قال النبي ﷺ : (أعوذ بوجهك) فقال: (أو من تحت أرجلكم) [الأنعام: ٦٥] ، فقال النبي ﷺ : (أعوذ بوجهك) ، قال: (أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعضٍ) [الأنعام: ٦٥] فقال النبي ﷺ : (هذا أيسر) . (١) وعن علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ كان يقول عند مضجعه: (اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وبكلماتك التامات من شرّ كل دابة أنت آخذ بناصيتها) . رواه أبو داود (٢) ج- إجابة من سألك بوجه الله فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من استعاذ بالله فأعيِذُوهُ، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه) . (٣) د- الطمع في رؤية وجه الله عن عمار بن ياسر أن الرسول ﷺ كان يدعو فيقول: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي. اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة. وأسألك كلمة الحق والعدل في الغضب والرّضا. وأسألك القصد في الفقر والغنى.

стр. 108

وأسألك نعيماً لا يبيدُ. وأسألك قرة عين لا تنقطع. وأسألك الرضا بعد القضاء. وأسألك برد العيش بعد الموت. وأسألك لذة النظر إلى وجهك. وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين) . (١) وقد فسر النبي ﷺ الزيادة المذكورة في قوله تعالى: (للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ) [يونس: ٢٦] بأنها النظر إلى وجه ربنا ، ونقل القول بذلك عن أبي بكر وحذيفة ثم قال: (الآثار في معنى هذا عن الصحابة والتابعين ﵃ كثيرة) . (٢) وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثمّ تلا هذه الآية: (للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ) [يونس: ٢٦] . (٣) وقد جاء في الصحيحين أنّ رسول الله ﷺ قال: (جنتان من فضة: آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب: آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن) . (٤)

стр. 109

حجاب وجهه ﵎: عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل، حِجَابُهُ النور (وفي رواية أبي بكر: النار) لو كشفه لأحرقتْ سبحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) . (١) وهذا التردد من الراوي في لفظ النّور والنّار لا يضرّ، فإن مثل هذه النّار الصافية التي كلم الله بها موسى يقال لها: نور ونار كما سمّى الله نار المصباح نوراً، بخلاف النّار المظلمة كنار جهنّم فتلك لا تسمى نوراً. وهذه الحجب تحجب العباد عن الإدراك، كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم الشمس والقمر، فإذا زالت تجلت الشمس والقمر، وليس المراد أنّها تحجب الله عن الرؤية، فهذا لا يقوله مسلم، فإنّ الله لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض، ولكن يحجب أنواره إلى مخلوقاته. كما قال: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فالبصر يدرك الخلق كلهم، وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور أو النّار.

стр. 110

٤- لله سبحانه يدان ولله يدان تليقان بجلاله وكماله، لا تشبهان شيئاً من أيدي المخلوقين، قال تعالى: (بل يداه مبسوطتان) [المائدة: ٦٤] ، وقال مقرّعاً إبليس حين رفض السجود لآدم: (قال يَا إِبْلِيسُ ما منعك أن تسجد لما خلقت بِيَدَيَّ) [ص: ٧٥] . تمجيد الله بذكر يديه: وردت أحاديث عديدة فيها تمجيد الرب ﵎ بذكر يديه، وأن الخير فيهما، فأهل الجنة يناديهم ربهم فيقول لهم: (يا أهل الجنّة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك) . (١) وينادي ربنا آدم ﵇ يوم القيامة، فيقول آدم مجيباً: (لبيّك وسعديك، والخير كله في يديك) . (٢) وكان من دعاء الرسول ﷺ إذا قام إلى الصلاة من الليل: (لبيك وسعديك، والخير في يديك) . (٣) وكان من تلبية ابن عمر: " لبيك وسعديك، والخير في يديك ". (٤)

стр. 111

بسط الربّ يديه: وهو - سبحانه - كريم يبسط يديه بالعطاء والإنفاق (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) [المائدة: ٦٤] . كما أنّه يبسط يديه بالليل والنّهار ليتوب العباد، ففي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن الله يبسط يده بالليل، ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار، ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) . (١) الأشياء التي خلقها الرحمن بيده: لا يعجز الله شيء، فإذا أراد شيئاً خلقه بكلمة (كن) ، فيكون كما أراد، إلا أنّه خلق بيده أشياء مما يدلّ على تكريمها، ورفع منزلتها، وعناية الله بها، والمخلوقات التي خلقها الله بيده، وذكرها لنا في كتابه أو وردت في سنة رسوله هي: أ- آدم: وفي ذلك يقول تعالى لإبليس: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بِيَدَيَّ) [ص: ٧٥] . وفي حدث الشفاعة الطويل: (فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته) متفق عليه (٢) وفي حديث احتجاج آدم وموسى، قال موسى لآدم: (أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من رُوحه) . (٣) فأخبر الحقّ ﵎ أنه خلق آدم بيده، وأخبر الرسول ﷺ أنّ الناس يستشفعون إلى آدم، ويذكرون أعظم ما فضله الله به، وهو خلق الله

стр. 112

له بيده، وكذلك موسى ﵇ ذكر ما فَضّلَ الله به آدم، وهو خلقه بيده، وذكر هذه الخصوصية تدل على أمر امتاز به آدم عن غيره، وإلا فلو كانت اليد هنا القدرة فأي فضل لآدم على غيره، حتى يمتدح بذلك. ب- كتب التوراة بيده: ورد في بعض روايات حديث المحاجّة بين آدم وموسى، أن آدم قال لموسى: (أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده) (١) . وفي رواية في الصحيحين: (اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده) . (٢) ج- كتب بيده كتاباً موضوعاً عنده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لما قضى الله الخلق كتب كتاباً عنده: غلبت - أو قال: سبقت - رحمتي غضبي، فهو عنده فوق العرش) . وفي رواية: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: أن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش) . (٣) ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ: (كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق: رحمتي سبقت غضبي) . (٤) ورد إثبات كتابة الرحمن الكتاب بيده في كتاب السنة لابن أبي عاصم، ولفظه: (لما قضى الله تعالى الخلق كتب بيده في كتاب عنده: غلبت أو قال: سبقت رحمتي غضبي، فهو عنده فوق العرش) أو كما قال. (٥)

стр. 113

د- غرس جنة عدن بيده: ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (سأل موسى ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال هو رجل يجئ بعدما أدْخل أهل الجنة الجنة، فيُقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب، وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من مُلوك الدنيا؟ فيقول: رضيتُ ربّ، فيقول: لك ذلك، ومِثلهُ ومِثلهُ ومِثلهُ، فقال في الخامسة: رضيت ربّ، فيقولُ: هذا لك، وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك فيقول: رضيت ربّ. قال: ربّ فأعلاهُم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب الله (فلا تعلم نفسٌ مَّا أُخْفِيَ لهم من قُرَّةِ أعينٍ جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٧] (١) . فقد أخبر: أنه غرس جنتهم بيده سبحانه. عظم يدي الرب : جاء في كتاب الله قوله تعالى: (وما قدروا الله حقَّ قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسَّماوات مَطْوِيَّاتٌ بيمينه) [الزمر: ٦٧] . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، وَيَطوي السّماء بيميِنِه ثُمّ يَقُول: أنا الملك، أين مُلوك الأرض) . (٢) وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (يطوِي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين

стр. 114

المُتكبرون؟ ثمّ يطوي الأرضين بشماله، ثم يقولُ: أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون؟) . وفي لفظ قال: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: (يأخُذُ الجبار سمواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله (ويقبض أصابعه ويبسطها) أنا الملك) ، ((حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفلِ شيء منه، حتى إنّي لأقول: أساقطٌ هو برسول الله ﷺ ) . (١) كلتا يديه - سبحانه - يمين: ورد في رواية في صحيح مسلم: (ثم يطوي الأرضين بشماله) وقد ضعف هذه الرواية البيهقي من ناحية الإسناد فقال: " ذكر الشمال فيه، تفرد به عمر بن حمزة عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، لم يذكرا فيه الشمال ". (٢) وضعفها من ناحية المتن فقال: " وكيف يصِحّ ذلك وقد صحّ عن النبي ﷺ أنّهُ سمّى كلتا يديه يَميناً ". (٣) وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المقسطين عند الله على منابر من نُور على يمين الرحمن وَكلتا يديه يمينٌ، الذين يعدِلون في حكمهم وأهليهم وما وُلوا) . (٤)

стр. 115

٥- أصابع الرحمن ولله - سبحانه - أصابع لا تشبه شيئاً من أصابع المخلوقين، وهي تليق بكماله وجلاله ، ففي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: " أن يهودياً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قرأ (وما قدروا الله حقَّ قدره) [الزمر: ٦٧] ". وفي لفظ " فضحك رسول الله ﷺ تعجباً وتصديقاً ". (١) وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ قال: (إن قُلوب بني آدم كُلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرّفه كيف يشاء) ، ثم قال ﵊: (اللهم مُصرف القلوب صرف قُلوبنا إلى طاعتِكَ) . (٢)

стр. 116

٦- ما ذكر في القدم عنون البيهقي بالعنوان السابق في كتابه (الأسماء والصفات: ٣٤٨) وذكر فيه عدة أحاديث: ١- منها الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع فيها ربّ العزّة قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويُزْوَى بعضها إلى بعض) وفي بعض الروايات: (ولا يزال في الجنة فضلٌ حتى يُنْشئ الله لها خلقاً، فيسكنهم فضل الجنة) . (١) ٢- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (تحاجّت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمُتجبرين، وقالت الجنةُ: فما لي لا يدخُلني إلا ضُعفاء النّاس وَسقَطهُمُ وَغرّهُمُ، قال الله للجنّة: أنت رحْمتي أرحم بكِ من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكُلّ واحدةٍ منكما ملؤُها، فأمّا النّار فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله، فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويُزْوَى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأمّا الجنةُ فإنّ الله يُنشئ لها خَلقاً) . (٢) ٣- وعن ابن عباس أنّه قال في الكرسي: (وسع كرسيُّه السَّماوات والأرض) [البقرة: ٢٥٥] : (موضع القدمين) . (٣)

стр. 117

٧- لله سبحانه ساق يجب علينا أن نصدق بذلك ولا نكذّبه، لأنّه - سبحانه - قد أخبرنا بذلك، قال تعالى: (يوم يكشف عن ساقٍ ويدعون إلى السُّجود فلا يستطيعون) [القلم: ٤٢] وقد ورد في الصحيحين ما يفسر هذه الآية ويوضحها، فعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهرُهُ طبقاً واحداً) . (١) وينبغي أن ننبه هنا إلى أن إثبات الساق لله كإثبات اليد والسمع والبصر وغيرها من الصفات، وما ورد عن ابن عباس أنه فسر كشف الساق بمعنى شدة الأمر معارض بما ثبت عن ابن مسعود أن ربنا يكشف عن ساقه. (٢) وما أحسن ما قاله الشوكاني حيث قال: " قد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله، وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً، فليس كمثله شيء ". (٣) وقد أورد ابن جرير الطبري وابن كثير تفسير ابن عباس كما أوردا روايات الحديث المفسر للنص القرآني، ولم يؤولا الحديث بحمله على غير ظاهره مما يدل على أنه لا تعارض عندهما بين الحديث وكلام ابن عباس، فإن الأمر شديد في يوم القيامة، ولا ينافي هذا أن يكشف عن ساقه.

стр. 118

٨- استواؤه على العرش العرش أعظم المخلوقات كلها، وقد نصّ الله في سبعة مواضع من كتابه على استوائه على العرش بقوله: (الرَّحمن على العرش استوى) [طه: ٥] . والدليل على أنّ العرش مخلوق من مخلوقات الله قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانيةٌ) [الحاقة: ١٧] أي في يوم القيامة، وقوله: (الَّذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للَّذين آمنوا) [غافر: ٧] فقد أخبر أنّ للعرش حملة، وأنّهم يستغفرون للمؤمنين، وهذا ينفي قول من يقول إن العرش هو الملك. وفي الحديث الذي يرويه البخاري: (إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنّه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تُفجّرُ أنْهارُ الجنة) . (١) وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تخيّروني على موسى، فإنّ الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانبي العرش، فلا أدري أكان موسى فيمن صعق، فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله) . (٢) وفي رواية في الصحيح عن أبي سعيد الخدري: (فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش) . (٣) فكيف لا يكون العرش خلقاً من خلق الله وهو سقف الفردوس، وكيف يمكن لموسى أن يمسك بقائمة من قوائمه لو كان غير مخلوق!! وقد أخبر الرسول ﷺ : (أن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه أن رحمتي سبقت غضبي) . (٤)

стр. 119

عِظَم العرش: وصف الله العرش بأنه عظيم (وربُّ العرش العظيم) [المؤمنون: ٨٦] . وقد بين الرسول ﷺ عظمة العرش بوجهين من البيان: الأول: بإخباره عن عظم الملائكة الذين يحملون العرش، ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح إلى الرسول ﷺ : (أذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة الله، من حملة العرش: ما بين شحمة أذنِهِ إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) . (١) والوجه الثاني: بين الرسول عِظمَهُ بأن صوّر سعة العرش بالنسبة للسماوات والأرض، وصغرهما بالنسبة إليه، قال ﷺ : (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي، كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) . (٢) تمجيد الله نفسه باستوائه على العرش وأنه ربّ العرش: وقد امتدح الربّ نفسه بأنّه مستو على عرشه، كقوله (طه - ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى - إلاَّ تذكرةً لمن يخشى - تنزيلاً ممَّن خلق الأرض والسَّماوات الْعُلَى - الرَّحمن على العرش استوى) [طه: ١-٥] . وقوله: (هو الَّذي خلق السَّماوات والأرض في ستَّة أيام ثُمَّ استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السَّماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير) [الحديد: ٤] . وامتدح نفسه في أكثر من آية بأنه صاحب العرش (ذو العرش المجيد - فعَّالٌ لما يريد) [البروج: ١٥-١٦] (إذاً لابتغوا إلى ذِي العرش

стр. 120

سبيلاً) [الإسراء: ٤٢] . وامتدح نفسه بأنه رب العرش (عليه توكَّلت وهو ربُّ العرش العظيم) [التوبة: ١٢٩] ، (فسبحان الله ربّ العرش عمَّا يصفون) [الأنبياء: ٢٢] ، (قل من رَّبُّ السَّماوات السَّبع وربُّ العرش العظيم) [المؤمنون: ٨٦] . ومن شعر عبد الله بن رواحة يمجد ربّه : شهدت بأن وعد الله حق ××× وأنّ النّار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ××× وفوق العرش ربّ العالمينا وتحمله ملائكة كرام ××× ملائكة الإله مسوّمينا روى هذا الشعر ابن عبد البر في الاستيعاب، وقال: رويناه من وجوه صحاح. معنى استوائه على العرش: نحن نجهل كيفية استوائه سبحانه، لأننا نجهل كيفية ذاته، ولكنّنا نعرف معنى استوى في لغة العرب، فالعرب عندما يُعدّون استوى بـ ((على)) يقصدون بهذه الكلمة معاني أربعة هي: استقر، وعلا، وارتفع، وصعد، كما حقق ذلك ابن القيم. (١) وقد نقل أبو الحسن الأشعري عن المعتزلة أنهم فسروا (استوى على العرش) بمعنى استولى عليه (٢) ، فالذي يؤول الاستواء هذا التأويل سلفه في هذا المعتزلة، وبئس السلف هم. أما أهل السنة وأصحاب الحديث فإنهم يثبتون استواءه على العرش، ولا

стр. 121

ينفونه، ولا يكيفونه كما نقل ذلك عنهم أبو الحسن الأشعري ﵀. (١) وقد نقل لنا أهل اللغة أن العلماء بالعربية الذين لم تتدنس فطرهم بقاذورات الفلسفات الوافدة أبوا أن يفسروا استوى باستولى. قال داود بن علي الأصبهاني: كنت عند ابن الأعرابي، فأتاه رجل فقال: ما معنى قوله : (الرَّحمن على العرش استوى) [طه: ٥] فقال ابن الأعرابي: هو على عرشه كما أخبر، فقال: يا أبا عبد الله: إنما معناه استولى، فقال ابن الأعرابي: فما يدريك؟ العرب لا تقول استولى على الشيء حتى يكون له مضاد، فأيهما غلب فقد استولى عليه، أما سمعت قول النابغة: إلا لمثلك أو من أنت سابقه ××× سبق الجواد إذا استولى على الأمد (٢) وهذا النهج، وهو معرفة معنى الاستواء وجهل الكيفية والنهي عن البحث فيها هو منهج السلف الصالح، فعندما سئل الإمام مالك: (الرّحمن على العرش استوى) [طه: ٥] كيف استوى؟ أطرق مالك، وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: " الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف؟ وكيف عنه مرفوع، وأنت صاحب بدعة، أخرجوه ". (٣) وفي رواية عن مالك أنه قال: " الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ". (٤) وقوله: " غير مجهول " أي: معلوم، والمعلوم منه معناه، فإن له في لغة العرب معنى تفقهه العرب، وتعيه، ويمكن للعالم أن يفسره، ويترجمه، ولذا فإن كثيراً من الذين حكوا عن الإمام مالك مقالته السابقة ينقلونها عنه

стр. 122

بالمعنى، فيذكرون أنه قال في الرد على الرجل: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " (١) . ولا فرق في الحقيقة بين القول إن الاستواء معلوم، أو أنه غير مجهول، فمعناهما واحد. يقول القرطبي رحمه الله تعالى: " كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد أنه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك: " الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وكذا قالت أم سلمة ﵂. وهذا قدر كاف ". (٢)

стр. 123

٩- أين الله؟ أخبرنا - سبحانه - أنّه في السماء، مستوى على عرشه (أَأَمِنتُم مَّن في السَّماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تَمُورُ - أمّ أَمِنتُم مَّن في السَّماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير) [الملك: ١٦-١٧] . وقد أخبر الرسول ﷺ عن ربّه أنّه في السماء، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله ﷺ قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباح مساء) . (١) وشهد للجارية بالإيمان عندما أخبرته أن الله في السماء، ففي صحيح مسلم وسنن أبي داود: أنّ معاوية بن الحكم السلمي ضرب جارية له لتقصيرها في الحفاظ على أغنامه، ثم ندم فجاء إلى الرسول ﷺ نادماً يستأذنه في إعتاقها، فطلبها الرسول ﷺ وسألها (أين الله؟) قالت: في السماء. قال: (من أنا؟) قالت: أنت رسول الله، قال: (أعتقها فإنها مؤمنة) . (٢) وقد أرشد الرسول ﷺ المريض أن يدعو لنفسه أو يدعو له أخوه بهذا الدعاء - وفيه النص على أنه تعالى في السماء - (ربنا الله الذي في السماء تقدّس اسمك، أمرُك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبينَ، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ) . (٣) وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) . (٤)

стр. 124

معنى كونه في السماء: وليس المراد بأنه في السماء أنّ جرم السماء يحتويه عن ذلك - بل المراد بالسماء العلو والفوقية، فقد وصف نفسه - سبحانه - بأنه الأعلى (سبّح اسم ربّك الأعلى) [الأعلى: ١] ، وبأنه العلي العظيم: (وسع كرسيُّه السَّماوات والأرض ولا يَؤُودُهُ حفظهما وهو الْعَلِيُّ العظيم) [البقرة: ٢٥٥] . وأخبر تعالى أنّه فوق عباده: (يخافون ربَّهم من فوقهم) [النحل: ٥٠] ، (وهو القاهر فوق عباده) [الأنعام: ١٨] وفي تمجيد الرسول ﷺ لربّه في دعائه يقول: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء) . (١) وكانت زينب تفخر على زوجات الرسول ﷺ وتقول: (زوجكن أهاليكن وزوّجني الله من فوق سبع سموات) . (٢) ولا يمكن لمسلم يفقه عقيدته حق الفقه أن يظن أنّ الله في السماء بمعنى أنّ السماء تحويه، وأنّه في جرم السماء، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، كيف والسماوات ليس بشيء بالنسبة إليه سبحانه (والسَّماوات مطويَّات بيمينه) [الزمر: ٦٧] ، (يوم نطوي السَّماء كَطَيِّ السِّجِلِّ للكتب)

стр. 125

[الأنبياء: ١٠٤] . كثرة الأدلة: والأدلة من الكتاب والسنة على أنّه تعالى في السماء فوق عباده ظاهر عليهم كثيرة جداً، ويحتاج استقصاؤها إلى صفحات طويلة، ويمكن أن نصنفها على النحو التالي: ١- الأدلة الدالة على أنّه في السماء، وقد ذكرناها. ٢- الأدلة الدالة على أنّه مستو على العرش، وقد سبقت. ٣- الأدلة الدالة على علوه، وأنه فوق عباده، وقد ذكرنا طرفاً منها. ٤- النصوص الدالة على أن بعض مخلوقاته عنده، كقوله: (إنَّ الَّذين عند ربّك لا يستكبرون عن عبادته) [الأعراف: ٢٠٦] . وقال في الشهداء: (بل أحياء عند ربهم يرزقون) [آل عمران: ١٦٩] . وهي نصوص كثيرة. ٥- النصوص المخبرة برفع بعض الأشياء أو عروجها وصعودها إليه، كالآيات المصرحة برفع عيسى ابن مريم (بل رَّفعه الله إليه) [النساء: ١٥٨] والمخبرة بصعود الأعمال إليه: (إليه يصعد الْكَلِمُ الطيّب والعمل الصَّالح يرفعه) [فاطر: ١٠] ، والنصوص المخبرة بصعود أرواح المؤمنين (إنَّ الَّذين كذَّبوا بِآيَاتِنَا واستكبروا عنها لا تُفَتَّحُ لهم أبواب السَّماء) [الأعراف: ٤٠] . فدل النصّ على أنّ المؤمنين تفتح لهم، وقد جاءت الأحاديث مفسرة ذلك وموضحة له. ومن ذلك عروج الملائكة إليه (تعرج الملائِكة والرُّوح إليه) [المعارج: ٤] .

стр. 126

٦- ومنها إخباره بإنزال الملائكة (ينزّل الملائِكة بالرُّوح من أمره) [النحل: ٢] ، وإخباره بإنزال الكتب (وهذا كتاب أنزلناه مباركٌ) [الأنعام: ٩٢] . ٧- ومنها رفع الأيدي والأبصار إليه، وقد وردت أحاديث كثيرة ذكر فيها رفع الرسول ﷺ يديه في الدعاء، وكلّ منْ حزَبه أمرٌ فإنه يرفع يديه إلى العلو يدعو الله. وكذلك رفع البصر، فإنه ثبت في الدعاء بعد الوضوء. ٨- ومن ذلك إشارته ﷺ بإصبعه إلى العلو كما في حديث حجة الوداع عندما قالوا: نشهد أنّك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعيه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: (اللهم اشهد، اللهم اشهد) . (١) وإن أحببت المزيد من ذكر الأدلة وأقوال سلف الأمة فراجع ما جمعه أهل العلم في مدوناتهم في هذا الموضوع. علوه - سبحانه - لا ينافي قربه: فهو قريب يجب دعوة الداعي إذا دعاه، ويعلم سرّه ونجواه، وهو أقرب إلى داعيه من عنق راحلته، ويعلم ما توسوس به النفوس، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو يعلم السرّ وأخفى، ويعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزلُ من السماء، وما يعرج فيها، وهو مع خلقه بعلمه وقدرته، لا تخفى عليه منهم خافية، وما يعزب عن ربك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فهو - سبحانه - القريب في علوّه، العلي في دنوّه وهو الأول والآخر والظاهر والباطن.

стр. 127

١٠- ضحك ربنا سبحانه وهو - سبحانه - يضحك متى شاء، كيف شاء، نؤمن بذلك ونصدّقه، ولا ندري كيفيته، ولسنا مطالبين بأن ندري. وقد ثبت في ذلك أخبار صحاح منها: ١- عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: (يضحك الله إلى رجُلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة، يُقاتل هذا في سبيل الله فيُقتَلُ، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد) . (١) ٢- عن أبي هريرة ﵁: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه، فلم يجد عندهن شيئاً. فقال رسول الله ﷺ : (ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله) . فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله لا تدخريه شيئاً. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي، فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت. ثمّ غدا على رسول الله ﷺ فقال: (لقد عجب أو ضحك من فلان وفلانة) ، فأنزل الله : (ويؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ) [الحشر: ٩] . (٢) ٣- وفي صحيح البخاري من حديث طويل عن أبي هريرة يرفعه: (ثمّ يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار،

стр. 128

هو آخر أهل النار دخولاً الجنة، فيقول: أي ربّ اصرف وجهي عن النار، فإنّهُ قد قَشَبَنِي ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيدعو الله ما شاء أن يدعوه. ثم يقول الله: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزك، لا أسألك غيره، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء، فيصرف الله وجهه عن النار. فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي ربّ قدّمني إلى باب الجنة، فيقول الله له: ألسْتَ قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيت أبداً، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك. فيقول: أي ربّ ويدعُو الله حتى يقول: هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسْأل غيره؟ فيقول: لا وعزّتك لا أسألك غيره. ويُعْطِي ما شاءَ مِنْ عُهودٍ ومواثيق. فيُقَدّمه إلى بَاب الجَنّةِ، فإذا قَامَ إلى باب الجنة انْفَهَقَتْ لهُ الجنة، فرأى ما فيها من الحَبْرَةِ والسرور، فَيَسْكتُ ما شاء الله أن يسكت، ثمّ يقول: أي ربّ أدْخِلني الجنة، فيقول الله: ألست قد أعطيت عُهُودَكَ ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطِيت. فيقول: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: أي ربِّ لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك الله منه، قال: ادخل الجنة) . (١) وفي رواية عند مسلم في حديث عبد الله بن مسعود: أنّ الله يقول لهذا الرجل: (أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: يا رَبّ أتستهزِئُ مني وأنت ربّ العالمين؟) وضحك رسول الله ﷺ ، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: (من ضحِكِ رَبّ العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت ربّ العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزِئ منك، ولكني على ما أشاء قادر) . (٢)

стр. 129

جملة من الصفات التي جاءت بها النصوص (الجزء الثاني) ١١، ١٢- نزوله - سبحانه - ومجيئه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدّنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعونِي فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) . (١) وقد نصّ القرآن على أنّ الله يأتي يوم القيامة لفصل القضاء (هل ينظرون إلاَّ أن يأتيهم الله في ظُلَلٍ من الْغَمَامِ والملائِكة وقضى الأمر) [البقرة: ٢١٠] ، (كلاَّ إذا دُكَّت الأرض دكّاً دكّاً - وجاء ربُّك والملك صفّاً صفّاً) [الفجر: ٢١-٢٢] . وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزلُ الله في ظُللٍ من الغمامِ من العرش إلى الكُرسي) . (٢) ١٣- كلام الله والله - سبحانه - يتكلم متى شاء كيف يشاء، لا يشبه كلامه كلام المخلوقين، وقد كلم الله بعض خلقه وكلموه، منهم نبي الله موسى (وكلَّم الله موسى تكليماً) [النساء: ١٦٤] ، (ولمَّا جاء موسى لِمِيقَاتِنَا وكلَّمهُ ربُّه) [الأعراف: ١٤٣] . وقد ذكر لنا الله ما دار بينه وبين موسى: (قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل جعله دكّاً وخرَّ موسى صعقاً فلمَّا أفاق قال سُبْحَانَكَ تبت إليك وأنا أول المؤمنين - قال يا موسى إنّي اصطفيتك على النَّاس بِرِسَالاَتِي وبكلامي فخذ ما آتَيْتُكَ

стр. 130

وكن من الشَّاكرين) [الأعراف: ١٤٣-١٤٤] . وكلم الله آدم وحواء (وناداهما ربُّهما ألم أنهكما عن تلكما الشَّجرة وأقل لَّكما إنَّ الشَّيطان لكما عدوٌّ مُّبينٌ) [الأعراف: ٢٢] . ويكلم الله جبريل، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنّ الله ﵎ إذا أحب عبداً نادى جبريل: إنّ الله أحبّ فلاناً فأحبه، فيُحبهُ جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إنّ الله قد أحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض) . (١) وتسمع الملائكة ربهم حين يتكلم، ففي الصحيح عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ ، قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعاناً لقوله، كأنّه سلسلة على صفوان، فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم، قالوا: الحقّ، وهو العلي الكبير) . (٢) وهذا الحديث أورده البخاري تفسيراً لقوله تعالى: (ولا تنفع الشَّفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له حتَّى إذا فُزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربُّكم قالوا الحقَّ وهو العليُّ الكبير) [سبأ: ٢٣] . فقد جعل البخاري هذه الآية باباً، ثم قال: " ولم يقل ماذا خلق ربكم "، وأورد في هذا الباب ما رواه مسروق عن ابن مسعود معلقاً موقوفاً عليه: " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً، فإذا فزع عن قلوبهم، وسكن الصوت، عرفوا أنه الحق، ونادوا: ماذا قال ربكم ". وأورد حديثاً معلقاً يرويه جابر عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الله العباد فيناديهم بصوت، يسمعه من بَعُدَ، كما يسمعه من قَرُبَ: أنا الملك أنا الديان) . (٣)

стр. 131

وقال البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) معلقاً على هذا الحديث: " في هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق؛ لأن صوت الله جلّ ذكره يسمع مِن بُعْدٍ كما يُسمع من قُرْبٍ، وأن الملائكة يصعقون من صوته ". (١) ويتكلم الله - سبحانه - بصوت لا يشبه شيئاً من أصوات الخلق كما في الحديث الذي يرويه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله يا آدمُ، فيقول: لبيك وسعديك، فيُنَادِي بصوت: إنّ الله يأمرك أن تخرج من أمتك بعثاً إلى النار) . (٢) وفي يوم القيامة يكلم الملائكة (ويوم يحشرهم جميعاً ثمَّ يقول للملائِكة أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون - قالوا سبحانك أنت وليُّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجِنَّ أكثرهم بهم مُّومنون) [سبأ: ٤٠-٤١] . ويخاطب الكفرة المكذبين مقرّعاً ومبكتاً (ويوم نحشر من كل أمَّةٍ فوجاً مَّمَّن يكذّبُ بآياتنا فهم يوزعون - حتَّى إذا جَاؤُوا قال أكذَّبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أمَّاذا كنتم تعملون) [النمل: ٨٣-٨٤] . ويخاطب الله أهل الجنة ويكلمهم، فعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنّ الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأيّ شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أحل عليكمُ رضواني، فلا أسخطُ عليكم بعدهُ أبداً) . (٣)

стр. 132

كلام الله لا يحصى ولا يستقصى: قال الله ﵎: (قل لَّو كان البحر مداداً لكلمات ربّي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربّي ولو جئنا بمثله مدداً) [الكهف: ١٠٩] . القرآن كلام الله حقيقة: والقرآن كلام الله حقيقة لا شك في ذلك، قال تعالى: (وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتَّى يسمع كلام الله) [التوبة: ٦] ، وقال تعالى: (سيقول المُخلَّفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتَّبعكم يريدون أن يبدّلوا كلام الله قل لَّن تتَّبعونا كَذَلِكُمْ قال الله من قبل) [الفتح: ١٥] . وقال تعالى: (ولو أنَّما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحر يمدُّه من بعده سبعة أبحرٍ مَّا نفذت كلمات الله) [لقمان: ٢٧] . يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية (١) : " يقول الله تعالى مخبراً عن عظمته، وكبريائه، وجلاله، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما قال سيد البشر: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (٢) فقال تعالى: (ولو أنَّما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ) [لقمان: ٢٧] أي: ولو أنَّ جميع أشجار الأرض جعلت أقلاماً، وجعل البحر مداداً، ومدّه سبعة أبحر معه، فكتبت بها كلمات الله تعالى الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسّرت الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء أمثالها مدداً ". وقال الحسن البصري: " لو جعل شجر الأرض أقلاماً، وجعل البحر مداداً، وقال الله تعالى: إن من أمري كذا، ومن أمري كذا، لنفد ما في البحور، وتكسّرت الأقلام " وصدق الله إذ يقول: (وما أُوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً) [الإسراء: ٨٥] .

стр. 133

١٤- محبة الله جاء في الكتاب والسنة أنّ الله تعالى يحب أفعالاً معينة، كما يحب كلاماً معيناً، ويحبّ بعض خلقه الذين اتصفوا بصفات خاصة بيّنها. وما أخبرنا بذلك إلا لكي نبادر إلى الاتصاف بما يحبّه من الأخلاق، والقيام بالأعمال التي يحبها، والإكثار من ذكر الكلام الذي يحبه، وبذلك يحبنا . والله تعالى يحبّ المتقين: (إنّ الله يحبُّ المتَّقين) [التوبة: ٤] ، ويحب المحسنين: (والله يحبُّ المحسنين) [آل عمران: ١٤٦] ، ويحبّ التوابين والمتطهرين: (إنَّ الله يحبُّ التَّوَّابين ويحبُّ المتطهّرين) [البقرة: ٢٢٢] ، ويحب الصابرين: (والله يحبُّ الصَّابرين) [آل عمران: ١٤٦] ، ويحب العادلين (إنَّ الله يحبُّ المقسطين) [المائدة: ٤٢] ، ويحب المتوكلين (إنَّ الله يحبُّ المتوكلين) [آل عمران: ١٥٩] ، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً: (إنَّ الله يحبُّ الَّذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنَّهم بنيانٌ مَّرصوصٌ) [الصف: ٤] . وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) . (١) وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : (أَحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضُرّك بأيهن بدأت) . (٢) وقال ﷺ لأشج عبد القيس: (إنّ فيك خَصلتين يُحبهما الله: الحلمُ، والأناةُ) . (٣)

стр. 134

وعن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: (من أحبّ لِقاء الله أحبّ الله لقاءهُ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءهُ) . (١) وجماع الأعمال والأخلاق والأقوال التي يحبها الله هو ما جاء به الرسول ﷺ ، وما اتصف به ﵇، ولذا فقد بيّن الله في آية جامعة أن السبيل إلى محبته هو اتباع الرسول ﷺ : (قل إن كنتم تحبُّون الله فاتَّبعوني يحببكم الله) [آل عمران: ٣١] . ١٥-١٦- كراهة الله وبغضه هناك أعمال لا يحبها الله، بل يكرهها ويبغضها، وكراهيته وبغضه - سبحانه - حق على وجه يليق بذاته الكريمة، من هذه الأعمال الفساد (والله لا يحبُّ الفساد) [البقرة: ٢٠٥] ، ولذا فإنّه (لا يحبُّ المفسدين) [المائدة: ٦٤] . وجاء في النصوص أنّه لا يحب: الكافرين، والظالمين، والمسرفين، والمستكبرين، والمعتدين، والخائنين، والفرحين. ولا يحب كل مختال فخور، وكفّار أثيم، وخوّان أثيم. وفي القرآن (ولكن كره الله انبعاثهم فثبَّطهم) [التوبة: ٤٦] . وسبق ذكر الحديث الذي فيه: (ومن كره لِقاء الله كَره الله لقاءهُ) . (٢) وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخَصِمُ) . (٣) وعن البراء بن عازب أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول في الأنصار: (من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله) . (٤)

стр. 135

١٧- رؤية الله لا يُرى الله في الدنيا، وقد طمع موسى في رؤية الله، فأخبره ربّه أنّه لن يراه في الدّنيا، ولا يستطيع ذلك، بل الجبل القويّ الصلد لا يطيق ذلك (ولمَّا جاء موسى لميقاتنا وكلَّمه ربُّه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوق تراني فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل جعله دكّاً وخرَّ موسى صَعِقاً) [الأعراف: ١٤٣] . وقد اختلف العلماء في رؤية الرسول ﷺ ربّه حين عُرج به إلى السماء، والصحيح أنّه لم ير ربّه في المعراج، وقد صحّ عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ومن زعم أنّ محمداً ﷺ رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية) . (١) هذا في الدنيا، أمّا في الآخرة فالأمر مختلف، فإنّ العباد يخلقون خلقاً جديداً، ألا ترى أنّ الشمس تدنو من رؤوس الناس في يوم القيامة حتى لا يكون بينها وبينهم إلا ميل واحد، ومع ذلك فلا يذوبون ولا ينصهرون! ألا ترى أنّ الناس بعد البعث والنشور غير قابلين للموت! بل يدخل الكفار النّار كلما نضجت جلودهم بدّلهم الله جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، أمّا الموت فلا. نعم في يوم القيامة يطيق المؤمنون رؤية ربهم، بل إنّ أعظم نعيم يعطاه العباد في الجنّة هو النظر إلى وجه ربهم العظيم الكريم سبحانه. هذا النعيم العظيم يحرمه الكفار (كلاَّ إنَّهم عن رَّبهم يومئذٍ لَّمحجوبون) [المطففين: ١٥] أما الذين اصطفاهم الله وحسَّن وجوههم فلا يحجبون، (وجوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ) [القيامة: ٢٢] وهؤلاء هم الأبرار (إنَّ الأبرار لفي نعيمٍ - على الأرائِك ينظرون) [المطففين: ٢٢-٢٣] ، وهذا النظر إلى وجهه الكريم هو الزيادة التي وُعد بها المؤمنون (للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ)

стр. 136

[يونس: ٢٦] . وهو المزيد المذكور في هذه الآية: (لهم مَّا يشاءون فيها ولدينا مزيدٌ) [ق: ٣٥] . وقد جاءت الأحاديث المتواترة مصرّحة بذلك غاية التصريح، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أنّ ناساً قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : (هل تُضارّونَ في رؤية القمر ليلة البدر؟) قالوا: لا، يا رسول الله، قال: (هل تُضارّونَ في رؤية الشمس ليس دُونها سحابٌ؟) قالوا: لا، يا رسول الله، قال: (فإنّكُم ترونه كذلك) . (١) وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله ﵁، قال: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: (إنّكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامّون، فإنْ استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا) . (٢) وفي صحيح مسلم عن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهلُ الجنة، يقول الله ﵎: تريدُون شيئاً أزيدكم؟ يقولون: ألم تُبيضْ وُجُوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة وتُنْجِنا مِنَ النّار؟) قال: فيكشفُ الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ، ثمّ تَلا هذه الآية: (للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ) [يونس: ٢٦] . (٣) وفي الصحيحين عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: (جنّتان من فضة آنيتُهُما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدنٍ) . (٤)

стр. 137

١٨- علم الله ونعلم أن الله - سبحانه - متصف بصفة العلم، وقد سمى نفسه - سبحانه - بعدة أسماء تفيد هذه الصفة، منها (العليم) (إنَّه هو السَّميع العليم) [الشعراء: ٢٢٠] ، ومنها: (الخبير) ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون. ومنها (الحكيم) ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف. ومنها: (الشهيد) ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر. ومعناه أنّه لا يغيب عنه شيء. ومنها (الحافظ) ويختص بأنّه لا ينسى ما علم. ومنها (المحصي) ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك عدد أجزاء الحركات في كل ورقة. علمه تعالى شامل للكليات والجزئيات: زعم الفلاسفة أنّ الله يعلم الكليات، ولا يعلم الجزئيات، وكذبوا في قولهم، فعلم الله محيط شامل لا تخفى عليه خافية من الأرض، ولا في السماء، يعلم كل حركة في برّ أو بحر، فما من ورقة تسقط من شجرة، أو حبّة تندثر في الرمال، أو نبتة صغيرة تشق الأرض، أو نبتة تيبس أو تموت إلا وعلم الله محيط بها (ويعلم ما في البرّ والبحر وما تسقط من ورقةٍ إلاَّ يعلمها ولا حبَّةٍ في ظُلُمَاتِ الأرض ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلاَّ في كتاب مُّبينٍ) [الأنعام: ٥٩] . وهذه الأعداد التي لا حصر لها من الدواب لا يخفى على الله منها شيء (وما من دابَّةٍ في الأرض إلاَّ على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كلٌ في كتابٍ مُّبينٍ) [هود: ٦] ، وليس من شيء يصل إلى الأرض، أو يصعد من الأرض إلى السماء إلا وقد أحاط الله به علماً (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السَّماء وما يعرج فيها وهو الرَّحيم الغفور)

стр. 138

[سبأ: ٢] . وهذا الإنسان لا يخفى على الله منه شيء، فعلم الله به محيط يعلم عمله البادي الظاهر، ويعلم ما استكن في أعماق نفسه، (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله) [آل عمران: ٢٩] ، (وهو الله في السَّماوات وفي الأرض يعلم سرَّكم وجهركم) [الأنعام: ٣] ، وهو علم محيط بالجزئيات من أمور الإنسان (وما تكون في شأنٍ وما تتلوا منه من قرآنٍ ولا تعملون من عملٍ إلاَّ كُنَّا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه) [يونس: ٦١] . وانظر إلى هذا العلم الذي لا تفلت منه الذرة الصغيرة (يا بنيَّ إنَّها إن تَكُ مثقال حبَّةٍ من خردلٍ فتكن في صخرةٍ أو في السَّماوات أو في الأرض يأت بها الله إنَّ الله لطيف خبيرٌ) [لقمان: ١٦] . لقد استوى في علم الله السرّ والعلانية، والصغير والكبير، والغيب والشهادة: (الله يعلم ما تحمل كلُّ أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكلُّ شيءٍ عنده بمقدارٍ - عالم الغيب والشَّهادة الكبير المتعال - سواءٌ منكم مَّن أسرَّ القول ومن جهر به ومن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارب بالنَّهار) [الرعد: ٨-١٠] . وصدق الله إذ يقول: (وما يعزب عن رَّبّك من مثقال ذرَّةٍ في الأرض ولا في السَّماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلاَّ في كتابٍ مُّبينٍ) [يونس: ٦١] .

стр. 139

١٩، ٢٠- حياته وقيوميته سبحانه وهو حيّ حياة أزلية (هو الحيُّ لا إله إلاَّ هو) [غافر: ٦٥] وحياته منافية لحياة الأحياء من الخلق فكلهم يموت ويفنى، ولا يبقى إلا الله سبحانه: (كلُّ من عليها فانٍ - ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) [الرحمن: ٢٦-٢٧] . وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول: (أعوذ بعزّتِك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت والجنّ والأنسُ يموتُون) . (١) ومن كان كذلك فهو الذي يستحق أن يعتمد عليه ويتوكل عليه (وتوكَّل على الحيّ الَّذي لا يموت) [الفرقان: ٥٨] . وهو قيوم سبحانه فهو قيوم مقيم لغيره، وجميع المخلوقات مفتقرة إليه، ولا قوام لها بدونه: (ومن آيَاتِهِ أن تقوم السمَّاء والأرض بأمره) [الروم: ٢٥] . جمعه - سبحانه - بين هذين الاسمين: وقد جمع - سبحانه - في أكثر من آية بين هذين الاسمين (الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم) [آل عمران: ٢] . من تمام حياته وقيوميته: ومن تمام حياته وقيوميته - سبحانه - أنّه لا ينام (الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ) [البقرة: ٢٥٥] ، والسنة: أوائل النوم، والسنة والنوم نقص يتنزه الخالق عنهما، ففي صحيح مسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: (إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النّهار قبل عمل الليل) . (٢)

стр. 140

تمجيده تعالى بذكر حياته وقيوميته: وقد مجّد نفسه - سبحانه - بوصف نفسه بالحياة والقيومية، كما سبق في النصوص التي ذكرناها، وقد كان الرسول ﷺ يمجد ربّه بذكر هذه الصفات، فعن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: (اللهمّ لك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمدُ، لَكَ مُلْك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نُور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ... ) . (١) ٢١، ٢٢- سمعه وبصره وهاتان الصفتان ثابتتان لله تعالى بنصّ القرآن (ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير) [الشورى: ١١] ، (ذلك بأنَّ الله يولج الَّليل في النَّهار ويولج النَّهار في الَّليل وأنَّ الله سميع بصيرٌ) [الحج: ٦١] . وقال لموسى وهارون: (إنَّني معكما أسمع وأرى) [طه: ٤٦] . عِظَم سمع الله وبصره: يقول تعالى: (قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السَّماوات والأرض أبصر به وأسمع) [الكهف: ٢٦] ، قال ابن جرير: " وذلك في معنى المبالغة في المدح كأنّه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء ". (٢) وهو يسمع ويرى الصالحين، فيثيبهم (الَّذي يراك حين تقوم - وتقلُّبك في السَّاجدين - إنَّه هو السَّميع العليم)

стр. 141

[الشعراء: ٢١٨-٢٢٠] . وهو - سبحانه - يرى الطالحين فيجزيهم (لَّقد سمع الله قول الَّذين قالوا إنَّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حقٍ ونقول ذوقوا عذاب الحريق) [آل عمران: ١٨١] . تقول عائشة ﵂ مبينة سعة سمع الله: " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات " (١) ، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه في جانب البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله : (قد سمع الله قول الَّتي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إنَّ الله سميع بصير) [المجادلة: ١] . (٢) وفي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنّا مع النبي ﷺ في سفر، فكنّا إذا علونا كبرنا، فقال: (أربِعُوا على أنفُسِكُمْ، فإنّكُم لا تدْعُونَ أصمّ ولا غائِباً، تدعون سميعاً بصيراً قريباً) . (٣) جهل المشركين بنفاذ سمع الله: روى البخاري في صحيحه عن عبد الله ﵁ قال: اجتمع عند البيت (الكعبة) ثقفيان وقرشي، أو قرشيان وثقفي، كثيرةٌ شحم بطونِهم، قليلة فقه قلوبِهم، فقال أحدهم: أترون أنّ الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنّه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أنّ الله لا يعلم كثيراً مّمَّا تعملون)

стр. 142

[فصلت: ٢٢] . (١) المطلب الثالث أسماء الله الحسنى (٢) لله تعالى أسماء كلها حسنى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) [الأعراف: ١٨٠] منها ما ذكره الله في سورة الحشر (هو الله الَّذي لا إله إلاَّ هو عالم الغيب والشَّهادة هو الرَّحمن الرَّحيم - هو الله الَّذي لا إله إلا هو الملك القدُّوس السَّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبَّار المتكبر سُبحان الله عمَّا يشركون - هو الله الخالق البارئُ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السَّماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) [الحشر: ٢٢-٢٤] . ١- عدد أسمائه ورد في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، وإن الله وِتْرٌ يُحبّ الوتْر) . (٣) هذا الحديث يدل على أنّ لله - سبحانه - عدداً محدداً من الأسماء وقد نصّ على أنّها تسعة وتسعون. ولكن يشكل على هذا ما رواه ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أصاب أحداً قط همّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدُك، ابن عبِدك، ابن أمتِك؛ ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمتْهُ أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أنْ تجعل القرآن ربيع قلبي، ونُورَ صدري، وجلاء حُزني وذهاب همي، إلا

стр. 143

أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً) . (١) وجاء في ثناء الرسول على ربه سبحانه (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (٢) . والإشكال في هذا الحديث أنّه يدلّ على أنّ من أسماء الله تعالى أسماء لم ينزلها في كتابه، بل اختص بها بعض عباده، أو اختص بها نفسه، فلم يعرّفها أحداً من خلقه، بينما حديث أبي هريرة يدلّ على أن أسماء الله التسعة والتسعين كلها منزلة معروفة بدلالة قوله (من أحصاها) ، فالإحصاء لها لا يمكن ما لم تكن منزلة معروفة معلومة، ومن هذا ينتج أنّ ما استأثر الله بعلمه أو اختص به بعض خلقه غير التسعة والتسعين. والحق الذي ينبغي أن يصار إليه أنّ عدد الأسماء التي عرّفنا الله إياها في كتابه، أو ذكرها رسوله ﷺ ، تسعة وتسعون لا تزيد، لنصّ الرسول ﷺ على هذا العدد، ولقوله: (مَنْ أحصاها) ، وأنّ ما زاد على هذه التسعة والتسعين فهو مما لا نعرفه، لأنّه من مكنون علم الله أو مما اختص الله به بعض خلقه، وإلا فما فائدة تحديد عدد أسماء الله بتسعة وتسعين؟! ٢- تحديد أسماء الله الحسنى أخبر الرسول ﷺ أنّ أسماء الله تعالى المنزلة التي يمكننا معرفتها وإحصاؤها تسعة وتسعون اسماً. ولم يرد حديث صحيح يسرد هذه الأسماء سرداً لا يترك مجالاً للخلاف في تحديدها، بل وردت هذه الأسماء متفرقة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، تذكر الآية الاسم والاسمين أو أكثر، أو تختم الآية بواحد أو أكثر، وقد تسرد الآيات جملة من هذه الأسماء. وقد عني العلماء بجمع أسماء الله من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما

стр. 144

عنوا بتفسيرها وشرحها. فالقرطبي له كتاب (معاني أسماء الله الحسنى) ، وقد سردها ابن جرير الطبري، وأبو بكر ابن العربي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم. وقد اتفق العلماء في عدّ جملة كبيرة من أسماء الله تعالى، واختلفوا في جملة قليلة، فبعضهم عدّها من أسمائه تعالى، ومنهم من نازع في ذلك. (١) والسبب في هذا الخلاف أن بعض العلماء ظن أنّ كلّ ما أطلقه القرآن على الله - سبحانه - يجوز عده اسماً، ويجوز إطلاقه مجرداً على الله تعالى. فأبو بكر ابن العربي عدّ في أسمائه: رابع ثلاثة، وسادس خمسة، أخذاً من قوله تعالى: (ألم تر أنَّ الله يعلم ما في السَّماوات وما في الأرض ما يكون من نَّجْوَى ثلاثةٍ إلاَّ هو رابعهم ولا خمسةٍ إلاَّ هو سادسهم) [المجادلة: ٧] . كما عدّ في أسمائه الفاعل والزارع أخذاً من قوله: (كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده وعداً علينا إنَّا كنَّا فاعلين) [الأنبياء: ١٠٤] . ومن قوله: (أَفَرَأَيْتُم ما تحرثون - أَأَنتُمْ تزرعونه أمّ نحن الزَّارعون) [الواقعة: ٦٣-٦٤] . والحق أن هذه ليست أسماء لله تعالى، بمعنى أنّه لا يطلق على الله تعالى رابع ثلاثة، وسادس خمسة، والفاعل، والزارع. (٢) وقد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال، ولكن لا يجوز أن يشتق لله تعالى منها أسماء، ولا تطلق عليه في غير ما سبقت فيه من الآيات كقوله: (إنَّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) [النساء: ١٤٢] وقوله: (ومكروا ومكر الله) [آل عمران: ٥٤] وقوله: (نسو الله فنسيهم) [التوبة: ٦٧] ، وقوله: (وإذا لقوا الَّذين آمنوا قالوا آمنَّا

стр. 145

وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنَّا معكم إنَّما نحن مُسْتَهْزِؤُونَ - الله يستهزئ بهم) [البقرة: ١٤-١٥] . فلا يطلق على الله مخادع، ماكر، ناس، مستهزى، ونحو ذلك مما يتعالى الله عنه، ولا يقال: الله يستهزى، ويخادع، ويمكر، وينسى، على سبيل الإطلاق. وقد أخطأ الذين عدوا ذلك من أسمائه الحسنى خطأ كبيراً، لأنّ الخداع والمكر يكون مدحاً ويكون ذماً، فلا يجوز أن يطلق على الله إلا مقيداً بما يزيل الاحتمال المذموم منه كما ورد مقيداً في الآيات. (١) ومن أجل ذلك لم يرد في أسمائه تعالى: المتكلم، المريد، الفاعل، الصانع؛ لأنّ مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم. ولو جاز أن يشتق لله من أفعاله أسماء مثل: الماكر، المخادع، بحجة إطلاق أفعالها في القرآن على الله لجاز أن يجعل من أسمائه: الداعي، والآتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والناسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن ... وغير ذلك من تلك التي أطلق القرآن أفعالها على نفسه. فالله لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، والمجازاة على ذلك تعدّ حسنة من المخلوق فكيف من الخالق؟ . ومن أسماء الله تعالى ما لا يُطلق عليه إلا مقترناً بمقابله، فإنه إذا أطلق وحده أوهم نقصاً، فمن ذلك: المانع، الضار، القابض، المذل، الخافض، فلا تطلق على الله منفردة، بل يجب قرنها بما يقابلها، فيقال: المعطي المانع، الضارّ النافع، القابض الباسط، المعزّ المذل، الخافض الرافع. ومن ذلك المنتقم، لم يأت في القرآن إلا مضافاً إلى: (ذو) كقوله تعالى: (والله عزيزٌ ذو انتقامٍ) [المائدة: ٩٥] أو مقيداً بالمجرمين: (إنَّا من المجرمين منتقمون)
следующие страницы →