стр. 1
← Адаб следующие страницы →
Адаб · id 967
العصا - ضمن نوادر المخطوطات
أسامة بن منقذ
Полный текст (41 стр.). Показаны 1–40.
стр. 2
مقدمة
أسامة بن منقذ (١):
في قلعة شيزر، على بعد خمسة عشر ميلا من الشمال الغربى لحماة، ولد الأمير أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكلبي الشيزرى، الملقب مؤيد الدولة مجد الدين، وذلك في يوم الأحد ٢٨ من جمادى الآخرة سنة ٤٨٨، وهذا العام هو الذي ألقى فيه البابا (أوربانوس الثاني) خطابه محرضا المسيحيين على انتزاع بيت المقدس من أيدي المسلمين. وعاش أسامة حياته الطويلة المعمرة معاصرا للحروب الصليبية إلى أن نال صلاح الدين الأيوبي انتصاراته الفاصلة في تلك الحروب، ثم قضى أسامة نحبه في ليلة الثلاثاء ٢٣ من رمضان سنة ٥٨٤.
نشأ أسامة في كنف أبويه وعمه وجدته في أسرة جل رحالها فرسان محاربون فشب على الفروسية والجرأة النادرة وممارسة الصيد، وملاقاة الأسود، وعنى أبوه بتثقيفه، فكان يحضر له كبار الشيوخ يقبس هو وإخوته منهم العلم، فكان شيخه في الحديث أبا الحسن علي بن سالم السنبسى، وفي الأدب أبا عبد اللّه محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة، كما قرأ النحو عشر سنين على سيبويه زمانه أبى عبد اللّه الطليطلى النحوي. وسمع منه الحافظ أبو سعد السمعاني صاحب كتاب الأنساب (٥٠٦ - ٥٦٢) والحافظ ابن عساكر (٤٩٩ - ٥٧١) والعماد الأصبهاني (٥١٩ - ٥٩٧) والحافظ عبد الغنى المقدسي (٥٤١ - ٦٠٠).
وخرج أسامة من شيزر سنة ٥٣٢ فأقام بدمشق نحوا من ثماني سنين في رعاية صديقه معين الدين أنر، وزير شهاب الدين محمود، حتى نبت به دمشق
_________
(١) ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق والسمعاني في الأنساب في رسم (الشيزرى) وابن خلكان في الوفيات، وأبو شامة في الروضتين، وابن الأثير، وصاحب النجوم الزاهرة والذهبي في تاريخ الإسلام، وياقوت في إرشاد الأريب، والعماد الأصبهاني في الخريدة، كما ترجم هو لنفسه في كتاب الاعتبار. وانظر دائرة المعارف الإسلامية، ومقدمة الأستاذ الكبير الشيخ أحمد شاكر للباب الآداب، والدكتور فيليب حتى لكتاب الاعتبار. وقد اختصه صديقنا الأستاذ محمد حسين مراقب الفهارس بدار الكتب المصرية بدراسة شاملة تعد أوسع وأغزر ما كتب في أسامة.
стр. 3
فسار إلى مصر فدخلها يوم الحميس في الثاني من جمادى الآخرة سنة ٥٣٩ فلقى فيها إكراما من الخليفة الفاطمي الحافظ لدين اللّه عبد المجيد بن المنتصر العلوي. ثم ولى الخلافة ابنه الأصغر الظافر بأمر اللّه أبو منصور إسماعيل من سنة ٥٤٤ - ٥٤٩ وكان وزيره علي بن السلار الملقب بالملك العادل. وهذا أرسل أسامة في سفارة حربية سياسية إلى الملك العادل نور الدين بن زنكى.
وبعد حروب ووقائع استدعاه علي بن السلار إلى مصر فمكث بها إلى سنة ٥٤٩، ثم غادرها مكرها بعد اغتيال الخليفة الفاطمي الظافر الذي حدثت في عهد خلافته أحداث وفتن قتل في أثنائها الخليفة ووزيره، وذهب المؤرخون أن لأسامة يدا في قتلهما. وأما أسامة فإنه يحاول تبرئة نفسه من ذلك (١).
ورجع أسامة من مصر إلى دمشق فأقام بها ردحا من الزمن، ثم رحل بأهله وولده إلى حصن كيفا وأقام بها إلى أن استولى صلاح الدين الأيوبي على دمشق سنة ٥٧٠. وكان لأسامة ولد يدعى «أبا الفوارس مرهف بن أسامة» وكان ذا منزلة عالية عند صلاح الدين، فظل يصنع لأبيه عند السلطان حتى استدعاه إلى دمشق وهو شيخ قد تخطى الثمانين، فحاز إعجاب صلاح الدين وتقديره وجعله من خاصته بمنزلة المؤامر المستشار. وظل أسامة في دمشق حتى وافته منيته.
مؤلفاته:
ألف أسامة في ضروب شتى من العلم، وأشهر كتبه كتاب (الاعتبار) ألفه وهو ابن تسعين، وقد نشر مرتين إحداهما بتحقيق درنبورغ، والأخرى بتحقيق الدكتور فيليب حتى. وكتاب (لباب الآداب) ألفه وهو ابن إحدى وتسعين، وأول ناشر له هو الصديق الجليل الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر. و (البديع) في نقد الشعر. و (الشيب والشباب) عارض به الشريف المرتضى، قال فيه أسامة:
«فمن وقف عليه من الفضلاء عرف ما بينه وبين كتاب الشهاب في ذكر الشيب والشباب تأليف المرتضى رضى اللّه عنه، وعلم أن الفضل للمقدم في البيان لا في التقدم
_________
(١) الاعتبار ٦ - ٢٩.
стр. 4
في الزمان (١)». و (ديوان أسامة) وقد صنعه بنفسه كما نص في كتاب العصا.
ومنه نسخة قديمة تاريخ كتابتها سنة ٦٨٨ دخلت في خزانة دار الكتب المصرية في ديسمبر سنة ١٩٤٧ برقم ١٦٨٧٧ ز، وصورت منها صورتان شمسيتان اعتمدت على إحداهما في معارضة شعر أسامة.
كتاب العصا:
على أن الذي يعنينا الآن من مؤلفات أسامة هو كتاب العصا. وليس هذا العنوان من ابتداع أسامة، فإنه يذكر لنا في مقدمة كتابه هذا، الباعث له على هذا التأليف، وهو قصة قصها عليه والده جاء فيها على لسان أبى يوسف القزويني مخاطبا أبا الحسن بن بوين حين أمسك من كتبه كتابا يسمى «العصا» لمؤلف ضاع اسمه. «ما أحوجك أن يكون ما في يدك فوقها». قال أسامة (٢): «ولي منذ سمعت هذا نحو من ستين سنة أتطلب كتاب العصا بالشام ومصر والعراق والحجاز والجزيرة وديار بكر فلا أجد من يعرفه. وكلما تعذر وجوده ازددت حرصاً على طلبه، إلى أن حداني اليأس منه على أن جمعت هذا الكتاب وترجمته بكتاب العصا، ولا أدرى أكان ذلك الكتاب على هذا الوضع أم على وضع غيره … ولا أرتاب أن مؤلف ذلك الكتاب وقع له معنى فأجاد في تنميقه وتأليفه، وأنا فاتنى مطلوب ففزعت إلى تجويزه وتلفيقه». ويدور في خلدى أن ذلك الكتاب الذي ظل أسامة يبحث عنه دهرا إنما هو «كتاب العصا» للجاحظ، وهو من مشتملات كتاب البيان والتبيين وأن أسامة إنما التبس عليه الأمر فظن ذلك الكتاب الذي دار حوله الحديث كتابا مستقلا لمؤلف آخر غير الجاحظ، على حين عرف هو كتاب العصا للجاحظ، وقرأه واقتبس منه كثيرا في كتابه هذا.
وهذا الكتاب الذي ضمنه الجاحظ الجزء الثالث من البيان والتبيين إنما كان محوره مزاعم الشعوبية الذين ذكروا في مثالب العرب أنهم يعتمدون في خطبهم على العصا ويتكئون على القوس، «وليس بين الكلام والعصا سبب»
_________
(١) لباب الآداب ٣٧٧.
(٢) في مقدمته لكتاب العصا.
стр. 5
ولا بينه وبين القوس نسب، وهما إلى أن يشغلا العقل ويصرفا الخواطر ويعترضا على الذهن أشبه، وليس في حملهما ما يشحذ الذهن، ولا في الإشارة بهما ما يجلب اللفظ … وحمل العصا بأخلاق الفدادين أشبه، وهو بجفاء العرب وعنجهية أهل أهل البدر، ومزاولة إقامة الإبل على الطرق أشكل، وبه أشبه (١)».
وقد انبرى الجاحظ لهم في إسهاب جميل معلنا مزية العصا ومحاسنها، فهو يسوق الأخبار والأشعار، ويزجى الأمثال واللغات، والبراهين والحجج على عظم شأن العصا وكريم فضلها، وشدة الحاجة إليها، وقيامها مقام سائر السلاح في القتال.
وقد نهج أسامة في صدر كتابه هذا منهجا مقاربا لمنهج الجاحظ، ولكن تآليف أسامة تأبى إلا أن تحمل طابع تأليفه، وهو العناية الظاهرة بسرد ما يعرض له في حياته من أحداث وما يتلقفه من أخبار، ولا سيما أخبار الصالحين والزهاد (٢)، وكذا أخبار الإفرنج وإبداء رأيه في أخلاقهم وسياستهم.
وهو لا ينسى أن يوشع تأليفه هذا بعرض طائفة من أشعاره. كما صنع في كتابه الاعتبار، وكتاب لباب الآداب.
ومما هو بالذكر جدير أن كتاب العصا قد أدى إلينا من شعر أسامة ثروة لا يستهان بها، وهي تسعون بيتا زائدا على شعر ديوانه الذي سبقت الإشارة إليه، كما أدى إلينا نصا نادرا لأبى العلاء المعرى، هو نموذج من كتاب (القائف) الذي طوته أحداث الزمان.
نسخة كتاب العصا:
هذه النسخة هي إحدى نسخ ثلاث معروفة:
الأولى نسخة ليدن رقم ٣٧٠ وعليها تاريخ ١٠٩٤. ومن هذه النسخة نشر درنبورغ Derenbourg مقتطفات منها مع أخرى من ديوان أسامة بعنوان (
Anthologie de textes Arades inedits par Ousama et sur Ousama
) وذلك في باريس سنة ١٨٩٣.
_________
(١) البيان ٣: ١٢.
(٢) انظر قصة جرار، وقصة حسن الزاهد.
стр. 6
والثانية نسخة الأمبروزيانا بميلان، ورقمها ١٢٥ وتاريخ نسخها سنة ١٠٦٧.
والثالثة نسختنا هذه، وربما كانت تمت بسبب إلى إحدى النسختين السابقتين فإنها مكتوبة بخط حديث في كراسة حديثة أكل الفأر بعض أطرافها.
وقد أمكنني عند التحقيق سد تلك الثغرات والإشارة إليها في مواضعها، وهي ثغرات قليلة (١).
وهذه النسخة هي التي تفضل الأستاذ الكبير (الدكتور أحمد أمين بك) فأشار على أن أقوم بتحقيقها ونشرها، وثنى بإرسالها إلى في صحبة رسول كريم، فكان ذلك إسهاما كريما في (نوادر المخطوطات). فإليه أزجى أجل الشكر وصادق الثناء.
وبدا لي بعد ما استنسخت صورة من هذا الكتاب وعارضتها بالأصل أن أقترح على حضرته إهداء الأصل إلى دار الكتب المصرية في عهد مديرها الكاتب الكبير (الأستاذ توفيق بك الحكيم) صاحب (العصا)، فوافق هذا الاقتراح منه مناسبة أدبية موفقة. وقد حفظت هذه النسخة بدار الكتب برقم ٩٨١٣ ز.
العصا لا القضا:
وكان صديقي العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في مقدمته لكتاب (لباب الآداب) لأسامة قد أشار إلى كتاب العصا، واستظهر أن يكون صوابه «القضا» لا العصا، وبعد فترة من الزمن حين وقعت نسخة كتاب العصا إلى الأستاذ الكبير أحمد أمين بك كتب مقالا في مجلة الثقافة (٢) يقطع الشك باليقين في تسمية هذا الكتاب، ويعين أن اسمه «العصا» لا القضا، وعرف بالكتاب تعريفا في مقاله هذا، وعرض طائفة من مشتملاته، وقد أخبرني - حفظه اللّه - في لقاء قريب، أن نسخته هذه وقعت إليه منذ نحو ثماني سنوات في أوراق وكتب اشتراها من مكتبة المرحوم (السيد محمد أمين الخانجي (٣)).
وإليك نص كتاب العصا:
_________
(١) أشير إلى ذلك بوضعه بين علامتي التكملة [].
(٢) نشر أيضا في فيض الخاطر ٤: ١٤٣ - ١٤٧.
(٣) هذا ما ذكره لي المغفور له الأستاذ أحمد أمين، وحين اطلع على هذا الأخ السيد محمد نجيب أمين الخانجي أخبرني أن شراء هذه المخطوطة كان منه لا من والده الذي توفى سنة ١٣٥٨ هـ.
стр. 7
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه البررة المتقين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، صلاة دائمة إلى يوم الدين.
وبعد فإن النفس ترتاح لما سمعت، وتلح في الطلب إذا منعت. وكان الوالد السعيد مجد الدين أبو سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵁، حدثني أنه لما توجه إلى خدمة السلطان ملكشاه (١) ﵀، وهو إذ ذاك بأصفهان قصد القاضي الإمام الصدر العالم أبا يوسف القزويني ﵀، عائداً ومسلماً، بمعرفة قديمة كانت بينهما، ويد كانت عنده للجد سديد الملك ذي المناقب أبي الحسن علي بن مقلد ﵀. وذاك أن القاضي المذكور سافر إلى مصر في أيام الحاكم صاحب مصر، فأحسن إليه وأكرمه ووصله بصلات سنية، فاستعفى منها وسأله أن يجعل صلته كتباً يقترحها من خزانة الكتب، فأجابه إلى ذلك، فدخل الخزانة واختار منها ما أراده من الكتب، ثم ركب في مركب وتلك الكتب معه، يريد بلاد الإسلام التي في الساحل، فتغير عليه الهواء فرمى بالمركب إلى مدينة اللاذقية وفيها الروم، فبعل بأمره (٢) وخاف على نفسه وعلى ما معه من الكتب، فكتب إلى جدى سديد الملك رحمه الله تعالى كتاباً يقول فيه: «قد حصلت بمدينة (٣) اللّاذقية بين الروم، ومعي كتب
стр. 8
الإسلام، وقد وقعت لك رخيصاً فهل أجدك حريصاً». فسير إليه من يومه ولده عمى عز الدولة أبا الم [رهف (١)] نصراً ﵀، وسبّر معه خيلا كثيراً من غلمانه وجنده، وظهراً لركوبه وحمل أثقاله، فأتاه وحمله وما معه فأقام عند جدى ﵀ مدة طويلة، وكانت له بالوالد ﵀ عناية وإلف، فلما اجتاز ببغداد قصده ليجدد به عهدا، فحدثني ﵀ قال:
دخلت عليه ومعي الشيخ أبو الحسن علي بن البوين الشاعر، وهو كاتب كان لجدى ﵀، فوجدته قد بلغ من العمر إلى ما غير ما كنت أعرفه فيه، ونسي كثيراً مما كان يذكره، فلما رآني عرفني بعد السؤال، لأنه فارقني وأنا صبي ورآني وأنا رجل، فاستخبرني عن طريقي، فعرفته توجهي إلى دركاه السلطان (٢)، فقال: تبلغ خواجا بزرك نظام الدين (٣) سلامي، وتعرفه إن الجزء الأول من التفسير الذي قد جمعته قد ضاع، وهو تفسير «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» واسأله أن يأمر باستنساخه من النسخة التي في خزانته وينفذه لي. وكان جمع تفسير القرآن في مائة مجلد، وكان لضعفه وكبره مستنداً بين الجالس والمستلقي على فراش له، وحوله كتب كثيرة، وهو يكتب، فسلم عليه الشيخ أبو الحسن بن البوين كاتب الأمير سديد الملك. قال: البوين أي شيء هو؟ لعن الله البوين! ثم فكر هنيهة وقال: أنت الشاعر النحوي الكاتب؟ قال: نعم. فأنشد:
قالوا السُّلاميُّ فقلت اطبقي … ذا محلبانُ الضَّرع لبّانُ (٤)
ثم عاد إلى حديثه معي فلمح الشيخ أبا الحسن وقد أخذ كتابا من تلك
стр. 9
الكتب التي حول فراشه فقال: يدخل الإنسان وينبسط ويقرأ ما عنده (١) من الكتب، أي إني من أهل العلم، ما أحوجك أن يكون ما في يدك فوقها! فألقاه من يده، وكان الكتاب كتاب العصا.
ولي منذ سمعت هذا نحو من ستين سنة أتطلب كتاب العصا بالشام ومصر والعراق والحجاز والجزيرة وديار بكر فلا أجد من يعرفه، وكلما تعذّره وجوده ازددت حرصاً على طلبه، إلى أن حداني اليأس منه على أن جمعت هذا الكتاب وترجمته بكتاب العصا. ولا أدري أكان ذلك الكتاب على هذا الوضع أم على وضع غيره. على أني قد بلغت النفس مناها، وكانت حاجة في نفس يعقوب قضاها. ولا أرتاب في أن مؤلف ذلك الكتاب وقع له معنى فأجاد في تأليفه وتنميقه، وأنا فاتني مطلوب ففرغت إلى تجويزه وتلفيقه (٢). وكتابي هذا وإن كان خالياً من العلوم التي يتجمل [أصحاب (٣)] التصانيف بها، ويرغب أولو الفضل في طلبها، فما يخلو من أخبار وأشعار تميل النفوس إليها، ويحسن موقعها ممن وقف عليها. وقد افتتحته بذكر عصا موسى ﵇، ثم ذكر عصا سليمان بن داود ﵇، ثم أفضت في ذكر الأخبار والأشعار التي يأتي فيها ذكر العصا. ولا أدّعي أنى أنيت على ذكر العصا فيما جمعته، وإنما أدرت منه ما حفظته وسمعته.
وبالله أعو [ذ] وأعتصم، من أن تكتب يدي ما يؤثم وبصم (٤). ومن رحمته تعالى أطلب الصفح والغفران، عن اشتغالي بالترهات عن تلاوة القرآن، وهو سبحانه أقرب م [دعوّ]، وأكرم مرجوّ.
стр. 10
فصل في تسمية العصا
قال أبو بكر محمد بن دريد ﵀ (١): إنما سميت العصا عصا لصلابتها، مأخوذ من قولهم عصَّ الشئ وعصا وعسا (٢)، إذا صلب. واعتصت النواة، إذا اشتدت. فإنما العصا مثل يضرب للجماعة. يقال شق فلان عصا المسلمين والجماعة.
وفي الحديث عن النبي ﷺ : «إياك وقتيل العصا (٣)» يريد المفارق للجماعة فيقتل. وألقى الرجل عصاه، إذا اطمأن مكانه. ويقال عصا وعصوان، والجمع العصي (٤)، وأعصى الكرم، إذا خرج عيدانه (٥). وفي الحديث عن النبي ﷺ : «لا ترفع عصاك عن أهلك» يراد به الأدب. ويقال لعظام الجناح عصي. وعصوت الجرح، إذا داويته (٦). والعصيان: خلاف الطاعة. قال دريد بن الصمة:
فلما عصوني كنتُ منهمْ وقد أرى … غوايتهم وأنني غير مهتدِ (٧)
وقد سميت الهراوة، وجمعها (٨) هراوى. قال ابن فارس في كتاب مجمل اللغة:
هروته بالهراوة، إذا ضربته بها.
قال العباس بن مرداس السّلمى أبياتا ذكر فيها الهراوة أنا ذاكرها وموردها لحسنها وجزالتها، وهي من مختار الشعر. وقد اختارها أبو تمام حبيب ابن أوس الطائي في حماسته في باب الأدب (٩)، وهي:
стр. 11
ترى الرجل النحيف فتزدريه … وفي أثوابه أسد مزيرُ (١)
ويعجبك الطَّرير فتبتليه … فيخلف ظنَّك الرجلُ الطريرُ (٢)
فما عظمُ الرِّجالِ لهم بفخرٍ … ولكن فخرهم كرم وخيرُ (٣)
ضعافُ الطير أطولها جسوما … ولم تطل البزاة ولا الصُّقورُ (٤)
بغاث الطَّير أكثرها فراخاً … وأمُّ الصقر مقلاتٌ نزورُ
- بغاث الطير: صغارها، وفيها ثلاث لغات: ضم الباء وفتحها وكسرها.
والمقلات: التي لا يعيش لها ولد -
لقد عظم البعيرُ بغير لبٍّ … فلم يستغنِ بالعظم البعيرُ
يصرّفه الصبيّ بكلِّ وجهٍ … ويحبسه على الخسف الجرير (٥)
- الجرير: حبل يكون في رأس البعير -
وتضربه الوليدةَ بالهراوى … فلا غيرٌ لديه ولا نكيرُ
فإن أك في شراركم قليلاً … فإنِّي في خياركم كثير
ذكر أبو هلال العسكري اللغوي ﵀ في كتاب الأوائل قال: أول من خطب على العصا وعلى الراحلة قس بن ساعدة الإيادي، فمما ورد عنه من خطبه قوله (٦):
أيها الناس: اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال
стр. 12
مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة. ما بال الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم تركوا فناموا. يقسم قس بالله قسماً لا إثم فيه: إن لله ديناً هو أرضى وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه. إنكم لتأتون من الأمر منكرا.
ثم أنشأ يقول:
في الذاهبين الأول … ين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً … للقوم ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها … يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إل … يَّ ولا من الباقين غابر
أيقنت أنِّي لا محا … لة حيث صار القوم صائر
قال المؤلف - أطال الله بقاءه - العرب تقول: فلان ممن قرعت له العصا، إذا كان يرجع إلى الصواب، وينقاد إلى الحق، ويستقيم عند زيغه (١) إذا نبه.
وتقول: فلان صلب العصا، إذا كان ذا نجدة وحزامة. وتقول إذا تفرقت الخلطاء واختلفت آراء العشيرة ومرج الأمر: انشقت العصا. وتقول للمسافر إذا آب واستقرت به داره. ألقي عصا التسيار، «فألقت عصاها».
قرع العصا
قال النبي ﷺ : «[ما] قرعت عصاً على عصا إلا فرح لها قوم وحزن آخرون».
قال الحجاج بن يوسف الثقفي في بعض خطبه (٢): «والله لأعصبنكم عصب السلمة، وألحونكم لحو العصا، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. يا أهل العراق،
стр. 13
يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوي الأخلاق. إني والله سمعت لكم تكبيراً ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترغيب، ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب.
يا عبيد العصا وأشباه الإماء (١)، إنما مثلي ومثلكم ما قاله ابن برّاقة الهمداني (٢):
وكنت إذا قومٌ غزوني غزوتهم … فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم (٣)
متى تجمع القلبَ الذكيَّ وصارماً … وأنفاً حميّاً تجتنبك المظالم
والله لا تقرع عصاً على عصا إلا جعلتها (٤) كأمس الدابر.
وقال وعلة بن الحارث بن ربيعة (٥):
وزعمتَ أنَّا لا حلومَ لنا … إن العصا قرعت لذي الحلم (٦)
أقتلتَ سادتنا بغير دمٍ … إلا لتوهنَ آمن العصم (٧)
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
وقد قرع الواشون فيها لك العصا … وإن العصا كانت لذي الحلم تقرعُ
ذو الحلم: عامر بن الظرب العدواني (٨)، وكان حكماً للعرب يرجع إلى حكمه ورأيه، فكبر وأفناه الكبر والدهر وتغيرت أحواله، فأنكر عليه الثاني من ولده أمراً من حكمه فقال له: إنك ربما أخطأت في الحكم ويحمل عنك.
فقال: اجعلوا لي أمارة أعرفها، فإذا أخطأت وقرعت لي العصا رجعت إلى الحكم.
فكان يجلس أمام بيته يحكم ويجلس ابنه في البيت ومعه العصا، فإذا زلّ وهفا
стр. 14
قرع له الجفنة بالعصا. وإياه عني المتلمس بقوله:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا … وما علِّم الإنسانُ إلا ليعلما
(صلب العصا) يقال فلان صلب العصا، إذا كان جلداً قويا على السفر والسير. قال الراعي يصف راعياً:
صلب العصا بضربهِ دمّاها (١) … إذا أراد رشداً أغواها (٢)
قوله بضربه أي بسيره. قال الله ﵎: «وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ»:
سافرتم. وقوله «دمّاها» أي تركها كالدمى، واحدتها دمية، وهي الصور [في] المحاريب. وقوله «أغواها» أي رعاها الغواء (٣)، وهو نبت تسمن عليه ا [لإبل].
وقال [أبو (٤)] المجشر الضبي:
فإن تكُ مدلولاً علي فإنني … كريمك لا غمرٌ ولا أنا فانِ (٥)
وقد عجمتني العاجماتُ فأسارت … صليب العصا جلدا على الحدثان (٦)
صبورا على عضِّ الخطوب وضرسها … إذا قلَّصتْ عن الفم الشفتان (٧)
стр. 15
(انشقت العصا) العرب تقول: فلان يشق العصا، إذا كان لا يدخل تحت حكم ولا طاعة مخالفاً لأمر الآمرين. ويستعمل شق العصا فيمن يتفرق عنه أحبابه، ويظعن عنه أصحابه فيظهر مكنون سره، ويبوح مخفي أمره (١)، لضرورة البين الداعية إلى ذلك.
قال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في كتابه المسمى بالقائف (٢):
«مر ركب بشجرة مورية (٣)، فاقتضب إنسان منهم عصا ثم شقها، ثم جعل يقتدح قريباً من الشجرة فأورى الزند فقالت الشجرة: يا هذا ما أسرع ما ظهر سرك، وسوف ترغب الركب في اتخاذ زناد مني، فأحور عيداناً في أيدي القوم. فقال: لا تلمني، المغرورة، أظهرت سري ضرورة».
وقال قيس بن ذريح:
إلى الله أشكو نيةً شقّت العصا … هي اليوم شتَّى وهي أمسِ جميعُ (٤)
مضى زمنٌ والناس يستشفعون بي … فهل لي إلى لبني الغداة شفيع
وأول هذه القصيدة:
سقى طللَ الدارِ الذي أنتم بها … حناتم وبل صيّف وربيع (٥)
стр. 16
قال المؤلف أطال الله علاه: وقد صرعت هذه الأبيات جميعاً وأثبتها في ديوان شعري، وأنا ذاكر تصريع هذين البيتين لما فيهما من ذكر العصا.
قال غفر الله له:
أيرجو لي اللاحي من الحبِّ مخلصا (١) … وقلبي إذا ما رضته بالأسى عصا
ولو أن ما بي بالحصى فلق الحصى … إلى الله أشكو نيةً شقّت العصا
هي اليوم شتَّى وهي أمسِ جميع
أطاعت بنا لبنى افتراءَ التكذّب … وصدّ التجنّى غير صدّ التجنّب (٢)
فيا لك من دهرٍ كثيرِ التقلب … مضى زمنٌ والناس يستشفعون بي
فهل لي إلى لبني الغداة شفيع
وقال المؤلف أطال الله بقاءه أيضاً أبياتاً في ذكر العصا، وهي:
رمتنا الليالي بافتراقٍ مشتِّتٍ … أشتَّ وأنأى من فراق المحصَّبِ (٣)
تخالفت الأهواءُ وانشقَّت العصا … وشعَّبنا وشكُ النوى كلَّ مشعب (٤)
وقد نثر التوديعُ من كلِّ مقلةٍ … على كل خدٍّ لؤلؤاً لم يثقّبِ
المصراع الثاني من البيت الأول من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي واسمه حندج (٥)، والحندجة: الرملة الصغيرة (٦). وأول القصيدة:
стр. 17
خليلي مرَّا بي على أمّ جندبِ … نقضِّ لباناتِ الفؤادِ المعذَّب
ومنها البيت:
فلله عينا من رأى من تفرقٍ … أشتَّ وأنأى من فراق المحصَّب (١)
وقال أبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي، من جملة قصيدة له:
ما قصرت يدُ الزَّمان شدَّ ما … تطول في نقصي وفي نقضِ مرر (٢)
عصاً شظايا ومشيب رائعٌ … ومنزل ناءٍ وأحباب غدر (٣)
وصاحبٌ كالداء إن أخفيته … غوّر وهو قاتل إذا استتر (٤)
وقال المؤلف أطال الله بقاءه:
زدني جوىً يا حبَّهم وأضلَّني … يا مرشدي عن منهج السُّلوانِ
لا تنهني عنهم فإنَّ صبابتي … لا تستطيع تطيع من ينهاني (٥)
أحببتهم أزمانَ غصني ناضرٌ … حتَّى عسا وعصى بنانَ الحاني (٦)
فارجع بيأسك لستَ أول آمرٍ … شقَّ الغرامُ عصاه بالعصيان (٧)
стр. 18
وقال أيضاً:
كم ذا التجني وكثرةُ العلل … لا تأمنوا من حوادث المللِ
ولا تقولوا صبٌّ بنا كلفٌ … فأوّلُ اليأس آخر الأملِ
ولستُ ممن يريد شقَّ عصاً … الذَّنبِ ذنبي والحب شفِّع لي (١)
هبوني أخطأت عامداً فهبوا … خجلةَ عذري ما كان من زللي (٢)
وقال امرؤ القيس بن حجر الكندي:
إذا ما لم تكنْ إبلٌ فمعزي … كأنَّ قرون جلتها العصيُّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمناً … وحسبك من غنًى شبعٌ وريُّ
أي كفاك. وكذلك حسبك الله، أي كفاك.
العرب تقول: «طارت عصا بني فلان شفقا». وقال الأسدي:
عصيُّ الشملِ من أسدٍ أراها … قد انصدعت كما انصدع الزُّجاجُ
ويقال: «فلان شقَّ عصا المسلمين»، ولا يقال شق ثوباً ولا غير ذلك مما يقع عليه اسم الشق (٣).
(ألقى العصا) يقال ألقى عصا التسيار، إذا أقام وترك السفر. وكأن العرب عنت بقولها «ألقى عصاه» أي وصل إلى بغيته ومراده، أو وطنه ومراده، وراحته، ومظنة استراحته. قال الأصمعي - واسمه عبد الملك بن قريب - قصيدة مدح بها جعفر بن يحيى البرمكي ورحل إليه فمات قبل أن يصل إليه، وذكر فيها العصا، وهي قصيدة طولى أنا مورد منها نبذة لأجل العصا، وهي:
فخطَّت إليها مناقيلها … وألقت عصا السّفر السّفر (٤)
стр. 19
وقال راشد بن عبد الله (١):
وخبَّرها الرُّوَّادُ أن ليس بينها … وبين قرى نجران والدرب كافر (٢)
فألقت عصاها واستقرت بها النوى … كما قرَّ عيناً بالإياب المسافرُ (٣)
وقال آخر (٤):
فألقت عصا التَّسيار عنها وخيَّمتْ … بأجباءِ عذبِ الماء بيضٍ محافره (٥)
الجبا: ما حول البئر، مفتوح الجيم مقصور، وجمعه أجباء ممدود. وقوله «بيض محافره» يريد أنه [لم] (٦) يحفر في أرض سوداء، ولا من دمن، بل هي أرض صلبة.
وقوله: «خيمت»، أي اتخذت [خيمة] (٧) فأقامت.
روي أن قتيبة بن مسلم (٨) لما تسنم منبر خراسان سقط القضيب من يده فتطير له صديقه، وتشاءم (٩) عدوه، فعرف ذلك قتيبة، فحمد الله تعالى عليه ثم قال:
ليس كما سر العدو وساء الصديق، بل كما قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرَّ بها النَّوى … كما قر عيناً بالإياب المسافرُ
قال المؤلف أطال الله بقاءه: قال جدى الأمير سديد الملك والمناقب أبو الحسن
стр. 20
علي بن مقلد ﵀، يخاطب بعض ولاة حلب:
خيّمت في حلب العواصم بعد ما … قلّدتَ خوفك نازحَ الأقطارِ
لا ترضها دار الثَّواء ولا تقلْ … في مثلها تلقى عصا التَّسيارِ
استحي من أجداث قومك أن ترى … عرض البسيطة وهي دارُ قرارِ
قال المؤلف أطال الله بقاءه: حدثني من أثق به في شوال سنة سبع وستين (١) وخمسمائة بحصن كيفا (٢) قال: كان في خدمة الأمير نجم الدولة مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر (٣) رجل عواد يقال له أبو الفرج حدثني قال: كنت يوماً في مجلس الأمير نجم الدولة وهو يشرب إلى [أن (٤)] سكر، وانصرفت إلى منزلي، فما كان أكثر من مضي ساعتين من الليل إذ وافاني رسوله فقال: الأمير يستدعيك.
فقلت: ما نزلت حتى سكر! قال: هو أمرني بإحضارك. فمضيت معه فرأيت الأمير جالسا، فقال: يا أبا الفرج، بعد انصرافكم نمت فرأيت إنساناً يغنيني صوتاً حفظته ثم أنسيته، وأريد أن تذكره لي. فقلت: يا مولاي، اذكر لي منه كلمة. فقال: ما أذكر منه شيئاً ولكن اعرض علي ما يحضرك. فعرضت عليه أصواتاً كثيرة وهو يقول: ما هذا الصوت الذي أربته (٥)! ثم قال: انصرف وأفكر لعلك تذكره. فانصرفت وأصبحت من بكرة طلعت إلى خدمته فقال:
يا أبا الفرج، أي شيء كان من الصوت؟ قلت: يا مولاي، لا يعلم الغيب إلا الله . قال: والله لئن لم تذكره لأخرجنك من القلعة. فقلت:
والله يا مولاي ما أدري، ما أذكر (٦) من صوت ما سمعته ولا ذكرت لي منه كلمة واحدة؟! فقال خذوه وأخرجوه. فأخرجوني إلى «البليل (٧)» فأقمت فيه يوما
стр. 21
ثمّ ردّنى وعدت في الخدمة كما كنت. فأنا يوماً في المجلس أغني إذ قال لي بعض الفراشين: على الباب رجل يطلبك. فخرجت إليه فرأيت رجلاً عليه عمامة مطلسة كعمائم المغاربة، فسلم علي وقال: قد قصدتك لتتوصل لي في الحضور بمجلس الأمير فأنا رجل مغن. فدخلت وأعلمته به فقلت: يا مولاي، إن كان مجيداً سمعته واستخدمته، وإلا وهبته شيئاً وانصرف. فأذن له فدخل فسلم وجلس فشد عوده وغنى:
وخبرها الرواد أن ليس بينها … وبين قرى نجران والدرب كافر
فألقت عصاها واستقرت بها النوى … كما قرَّ عيناَ بالإياب المسافر
فقال الأمير: لا إله إلا الله، هذا والله الصوت الذي رأيته في منامي وطلبته منك. فعجبت أنا ومن حضر لهذا الاتفاق
(عصا الأعرج). وقال المؤلف أطال الله بقاءه في أعرج بيتين على سبيل الرياضة ذكرهما وإن لم يكن فيها ذكر العصا:
عابوا هوى شادنٍ في رجله قصرٌ … من سكر ألحاظه في مشيه ثملُ (١)
وما هوى خوط بانٍ ماسَ من هيفٍ … عيبٌ، وإنْ كان عيباً فهو محتمل
فصل
قال المؤلف أطال الله بقاءه: زرت المقدس في سنة اثنتين وث [لاثين] (٢) وخمسمائة، وكان معي من أهله من يعرفني المواضع التي يصلي فيها ويتبرك [بها (٢)]، فدخل بي إلى بيت جانب قبة الصخرة فيه قناديل وستور، فقال لي: هذا بيت السلسلة. فاستخبرته عن السلسلة فقال لي: هذا بيت كانت فيه على عهد بني إسرائيل سلسلة، إذا كان بين اثنين من بني إسرائيل محاكمة ووجبت اليمين على أحدهما دخلا هذا البيت، فوقفا تحت السلسلة، واستحلف المدّعى عليه، ثم يمد يده
стр. 22
فإن كان صادقا أمسك السلسلة، وإن كان كاذباً طالت عن يده فلا يصل إليها.
فأودع رجل من بني إسرائيل جوهراً عند رجل، ثم طلبه منه فقال: أعطيتك إياه.
فقال: تحاكمني إلى السلسلة. فمضى المستودع فأخذ عصاً فشقها وحفر فيها للجوهر وتركه فيها، ثم ألصقها عليه ودهنها، وأخذها في يده ودخل مع خصمه بيت السلسلة فقال للخصم: أمسك عني هذه العصا. فمسكها ثم حلف له أنه سلم الجوهرة إليه ومد يده فأمسك السلسلة ثم عاد أخذ العصا وخرجا، فارتفعت السلسلة من ذلك اليوم.
ولم أر هذا الحديث مسطوراً، وإنما أوردته كما سمعته.
قال المؤلف أطال الله بقاءه: كان عندنا بشيزر رجل زاهد من خيار المسلمين، اسمه جرار (١)، ﵀، وكان منقطعاً على مسجد على جبل جريجس لا يخرج منه إلا على صلاة الجمعة، وكنت أزوره فيه وأتبرك به. فحدثني بعض من كان يخالطه أنه قال: أردت زيارة الشيخ يس ﵀ وأظنه كان بمنبج - فخرجت أنا ورفقة لي، وفي نفسي أن أطلب منه عصاً، فلما صرنا بالقرب من منبج ومعنا فضلة من زادنا فتحنا رحم حجارة (٢) ودفنّها فيه ثم رددنا عليه الحجارة، ودخلنا على الشيخ ﵀ فأقمنا عنده ما أقمنا، ثم ودعناه وعزمنا على المسير، فأحضر لنا زاداً وقال: احملوا هذا فإن زادكم أكله الثعلب. وأحضر عصاً وأخرج من تحت عمامته طاقية (٣) وقال لي: خذ هذه العصا وهذه الطاقية. فودعنا وانصرفنا وأنا مسرور بالعصا والطاقية، ونحن
стр. 23
نعجب من قوله عن الزاد. فلما صرنا إلى الموضع الذي فيه الزاد طلبناه فلم نجده، وإذا الوحش قد أكلته، فسرنا ثم افترقنا وركب كل (١) منا قصده، فوصلت إلى أرض شيزر، وإذا الفرنج قد أغاروا على البلد، وهم منتشرون فيما بيني وبين قصدي، فوقع في نفسي أن أخرجت الطاقية من تحت عمامتي ووضعتها على رأس العصا ومشيت على الطريق، والفرنج عن يميني وشمالي وبين يدي والعصا في يدي وعليها الطاقية، فلا والله ما عارضني منهم أحد، كأن الله أعمى أبصارهم عني، فما نالني منهم سوء حتى وصلت إلى مأمني.
قال المؤلف أطال الله بقاءه: ولعل من يقف على هذا الحديث يدفعه ويكذبه. وقد جرى بشيزر ما هو أعجب من هذا، وأنا حاضر نزل الفرنج علينا في بعض السنين، وكان الماء بيننا وبينهم، وهو إذ ذاك زائد لا يمكن خوضه، فما كان لنا إليهم سبيل ولا لهم إلينا، فلما تبينوا ذلك انتشروا في الأرض ودخلوا في البساتين يرعون خيلهم، فجاء نفر منهم إلى بستان على جانب الماء ومعهم خيلهم، فتركوها ترعى في قصيل من البستان (٢) وناموا، فتجرد رجال من أصحابنا وسبحوا إليهم ومعهم سيوفهم، فقتلوا منهم وجرحوا بعضهم، وانتشر الصياح في الفرنج وهم في خيمهم ففزعوا وجاءوا مثل السيل، كل من ظفروا به قتلوه، وانتهى بعضهم إلى مسجد مما يليهم يعرف بمسجد أبي المجد بن سمية، ونحن نراهم ولا سبيل لنا إليهم، وفي المسجد [رجل (٣)] يعرف بحسن الزاهد ﵀، واقف يصلي على سطحه وعليه ثياب سود صوفاً، وباب المسجد مفتوح، فجاء الفرنج وترجلوا ودخلوا المسجد، ونحن نقول: الساعة يقتلون الشّيخ.
стр. 24
فلا والله ما قطع صلاته ولا تحرك من مصلاه، ونحن نظن أنهم يرونه كما نراه، إلا أن الله أعمى أبصارهم عنه، وحماه من كيدهم، وخرجوا من المسجد بأجمعهم وانصرفوا، والشيخ ﵀ في مصلاه كما كان. وما العيان كالإخبار والسماع.
قال المؤلف أطال الله بقاءه: حضرت بدمشق وقد وقع بين العميان وبين رجل كان يتولّى وقفهم يعرف بابن البعلبكّيّ خلف، فلقوا فيه صاحب دمشق شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري ﵀ (١) عدة مرار، فقال للأمير مجاهد الدين بوزان (٢) بن ما مين: أي مجاهد الدين، بالله (٣) خلصني منهم، واجمعهم وأحضر نائبهم في الوقف وافصل حالهم. فقال: السمع والطاعة. وقال لي مجاهد الدين: تفضل واحضر معنا. فاجتمعنا في إيوان كبير في دار، وحضر النائب ابن البعلبكي ونائب كان قبله يقال له ابن الفراش، وحضر العميان في نحو من ثلاثمائة رجل، فحملوا أقدمهم (٤) ودخلوا الإيوان، كل واحد وعصاه معه في يده وضعها إلى جنبه، ثم تجاروا الحديث (٥)، فكان بعضهم هواه مع النائب الأول ابن الفراش، وبعضهم هواه مع ابن البعلبكي. فتنازعوا وتخاصموا ساعة ولا يتدخل بينهم لعلو أصواتهم وكثرتهم، ثم تواثبوا فارتفع في الإيوان نحو من ثلاثمائة عصا في أيدي عميان (٦) لا يدرون من يضربون. وعلا الضجيج والصياح حتى ندمت على حضوري. فتلطفنا الأمر حتى سكنت الفتنة بينهم، ومشينا (٧) أمرهم على ما أرادوا، وما صدّقنا أنهم ينصرفون.
стр. 25
العصا فرس جذيمة الأبرش (١)
قال المؤلف أطال الله بقاءه: ومع ما أوردته فيه من قول أصحاب السير وأشعار الشعراء فلا يحقق ذلك (٢) من مارس الحروب وعرف مكايدها، واتقاء الرجال التغرير، والتخوف من سوء عواقب الحيلة وضعف المكيدة. والحزم في الحرب أبلغ من الإقدام. وقد حاربت الفرنج في مواقف ومواطن لا أحصي عددها كثرة فما رأيتهم قط كسرونا فلجوا في طلبنا، ولا يزيدون خيلهم عن الخبب والنقل، خوفاً من مكيدة تتم عليهم. فكيف يحكم من في رأسه لب على نفسه حتى يدخل في غرارة مشدودة عليه (٣) أو في تابوت (٤)، وكيف يخفى الرجل إذا ربطت عليه غرارة.
وخطر لي أن قلت عند انتهائي إلى هذا الموضع أبياتاً أنا ذاكرها، وهي:
لو سرتَ في عرض البسيطة طالباً … رجلاً خبيراً بالحروب مجرَّبا (٥)
عانى الحروب مجاهراً ومخاتلاً … طفلاً إلى أن عاد همّاً أشيبا
قتل الأسودَ ونازل الأبطالَ في ال … هيجاء واقتاد الكمىّ المحربا (٦)
стр. 26
لم تلقَ مثلي من يكاد يريه حس … نُ الرأيِ ما قد كان عنه مغيَّبا
وأرى مسير الألفِ تطلب وترها … ضمنَ الغرائر فرية وتكذُّبا (١)
فصل
قال الفرزدق في قصيدة مدح بها هشام بن عبد الملك (٢):
رأيت بني مروان جلَّت سيوفهم … عشاً كان في الأبصار تحت العمائم (٣)
عصا الدين والعودين والخاتم الذي … به الله يعطي ملكه كلَّ قائم
- عصا الدين: السيف. والعودان: العصا والمنبر -
رأيت الغشاواتِ انجلتْ حين أعطيتْ … هشاماً عصا الدين الذي لم يخاصم (٤)
فصل
قال معن بن أوس المزني:
إذا اجتمع القبائل كنتَ ردفاً … أمام الماسحين لك السبالا (٥)
فلا تعطى عصا الخطباءِ فيهم … وقد تكفي المقادةَ والمقالا
وقال آخر في عصا الخطابة:
إذا اقتسم الناسُ فضلَ الفخارِ … أطلنا إلى الأرض ميل العصا (٦)
стр. 27
تقول العرب (١): ما تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة فعند ذلك يفضحك أو يمدحك. نقول: إذا قام الخطيب والقناة بيده فقد قام المقام الذي يخرج منه (٢) مذموماً أو محمودا.
وقال جرير بن عطية:
من للقفاة إذا ما عيَّ قائلها … أم للأعنَّة يا عمرو بن عمار (٣)
عن عبد الله بن رؤبة بن العجاج قال: سأل رجل رؤبة عن أخطب بني تميم، فقال: خداش بن لبيد بن بيبة بن خالد. يعنى البعيث الشاعر. وإنما قيل له البعيث لقوله:
تبعَّث مني ما تبعَّث بعد ما … أمرَّتْ حبالي كلَّ مرَّتها شزرا (٤)
قال أبو اليقظان: كانوا يقولون: أخطب بني تميم البعيث إذا أخذ القناة فهزها ثم اعتمد بها على الأرض ثم رفعها. يريد بالقناة العصا.
قال يونس: لئن كان مغلبا في الشعر لقد غلب في الخطب (٥).
العرب تقول: اعتصى بالسيف، إذا جعل السيف عصاً. وقال عمرو بن الإطنابة:
وفتًى يضرب الكتيبةَ بالسَّي … فِ إذا كانت السيوفُ عصيا (٦)
وقال [عمرو بن (٧)] محرز:
نزلوا إليهم والسيوفُ عصيُّهم … وتذكّروا دمناً (٨) لهم وذحولا
стр. 28
فصل جامع
قال عمرو بن بحر الجاحظ: الدليل على أن [أخذ] (١) العصا مأخوذ من أصل كريم، ومعدن شريف، اتخاذ سليمان بن داود ﵉ العصا لخطبته وموعظته، ومقاماته، وطول صلواته وتلاوته وانتصابه، فجعلها لتلك الخصال [جامعة (٢)].
وقول الله : (فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ). والمنسأة هي العصا. وقال أبو طالب حين قام بذم الرجل (٣) الذي ضرب أبا نبقة (٤) (وفي نسخة أبا نيقة) واسمه علقمة (٥)، حين تخاصما:
أمن أجل حبلٍ ذي زمامٍ ضربته … بمنسأةٍ قد جاء حبل وأحبلُ (٦)
و (المحجنة (٧)): العصا المعوجة. وفي الحديث المرفوع أنه ﷺ طاف بالبيت يستلم الأركان بمحجنه (٨). وفي الحديث أن أبا بكر ﵁ أفاض من جمع وهو يخرش بعيره بمحجنه (٩).
والعرب تقول: «لو كان في العصا سير» للمقل والضعيف. قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
стр. 29
يا لك من همَّةٍ ورأى … لو أنه في عصاك سيرُ (١)
ربَّ قليل أجدى كثيراً … كم مطرٍ بدؤه مطيرُ
صبراً على الحادثات صبراً … ما فعل الله فهو خيرُ
وتقول العرب: قد أقبل فلان و [لانت (٢)] عصاه، إذا أصابه السواف - وهو ذهاب المال وموته - فرجع وليس معه إلا العصا، فإنه لا يفارقها إن كان معه إبل أولا. قال حميد بن ثور (٣):
واليوم ينتزعُ العصا من ربِّها … ويلوك ثنيَ لسانهِ المنطيقُ (٤)
قيل: كانت العرب تقاتل بالعصي، فلهذا قال الأعشى ميمون بن قيس ابن جندل:
لسنا نضارب بالعص … ي ولا نقاذف بالحجاره (٥)
إلا بكلِّ مهندٍ … عضب من البيض الذِّكاره (٦)
قضم المضاربِ باترٍ … يشفي النفوسَ من الحراره (٧)
وقال جندلٌ الطهوي:
حتَّى إذا دارت عصانا تجرى (٨) … صاحت عصيُّ من قناً وسدرِ (٩)
تقول العرب: «العصا من العصية والأفعى من الحية». تريد أن الأمر الكبير يحدث من الصغير (١٠).
стр. 30
والعرب تسمي الصغير الرأس: رأس العصا. وكان عمر بن هبيرة (١) صغير الرأس، فقال فيه سويد بن الحارث:
[من مبلغٌ رأسَ العصا أن بيننا … ضغائن لا تنسى وإن قدم الدهرُ
وقال آخر (٢)]:
[من مبلغٌ رأسَ العصا أن بيننا … ضغائن لا تنسى وإن هي سلَّتِ
رضيتَ لقيسٍ بالقليل ولم تكن … أخاً راضياً إنْ صدر نعلك زلَّت
أي لم تكن قيس ترضى لك بالقليل.
وقال أبو العتاهية في والبة بن الحباب وقومه وكانت رؤوسهم صغارا:
رؤوس عصيٍّ كن في عود أثلةٍ … لها قادحٌ يفري وآخر مخربُ (٣)
وفي حديث زواجِ رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد (٤) ﵂ وقد تكلم أبو طالب وذكر رغبته فيها فقال قائل منهم (٥): «ابن أخيك الفحل لا يقرع بالعصا أنفه». وذلك أن الفحل اللئيم إذا أراد الضراب في الإبل ضربوا أنفه بالعصا.
وفي خطبة الحجاج: «والله لأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل». وذلك أن الأشجار تعصب أغصانها لتجتمع، ثم تخبط بالعصا ليسقط ورقها وهشيم العيدان لتأكله الماشية.
стр. 31
قال المؤلف أطال الله بقاءه: زرت قبر يحيى بن زكريا ﵉ بقرية يقال لها سبسطية (١) من أعمال نابلس، فلما صليت خرجت إلى ساحة بين يدي الموضع الذي فيه القبر محوط عليها، وإذا باب مردود ففتحته ودخلت، وإذا كنيسة فيها نحو من عشرة شيوخ رؤوسهم مكشوفة كأنها القطن المندوف، وقد استقبلوا الشرق وفي صدورهم عصي في رءوسها عوارض معوجة على قدر صدر رجل، وهم معتمدون عليها، وشيخ بين يديهم يقرأ (٢)، فرأيت منظراً يرق له القلب، وساءني وآسفني إذ لم أر في المسلمين من هو على مثل اجتهادهم. فمضت على ذلك مدة فقال لي يوماً معين الدين أنر (٣) ﵀ وأنا وهو نسير عند دار الطواويس: اشتهى أنزل أزور المشايخ. قلت: الأمر كذلك. فنزلنا ومشينا إلى منزل عرضي (٤) طويل، فدخلناه وأنا أظن أن ما فيه أحد، وإذا فيه نحو من مائة سجادة وعلى كل سجادة رجل من الصوفية عليهم السكينة، والخشوع عليهم ظاهر. فسرني ما رأيت منهم، وحمدت الله ، إذ رأيت في المسلمين من هو أكثر اجتهاداً من أولئك القسوس، ولم أكن قبل ذلك رأيت الصوفية في دارهم، ولا عرفت طريقهم.
ويقال «يوم أطول من ظل القناة، وأحر من دمع المقلات» قال عبد اللّه ابن الدمينة (٥):
ويوم كظلِّ الرمح قصَّر طوله … دمُ الزّقّ عنا واصطفاق المزاهر (٦)
стр. 32
ويقال رجل كالقناة، وفرس كالقناة. قال عروة بن الورد (١):
متى ما يجيءْ يوماً إلى المال وارثي … يجدُ جمعً كفٍّ غيرِ ملأى ولا صفرِ (٢)
يجد فرساً مثل القناةِ وصارماً … حساما إذا ما هزّ لم يرض بالهبر (٣)
ويقال للرجل إذا لم يكن معه عصا: باهل؛ وناقة باهل إذا كانت بغير صرار (٤).
فصل
في بديع ما جاء في عصا الكبر:
وقال المولى مؤيد الدولة مؤلف هذا الكتاب أطال الله بقاءه في المعنى:
أسفي على عصر الشباب تصرَّمت … أيامه لا بل على أيامي (٥)
لم أبكه أسفاً على مرح الصِّبا … ووصالِ غانيةٍ وشربِ مدام
لكن على جلدي وخوضي معركاً … يرتاع فيه الموتُ من إقدامي
بيدي حسامٌ كلّما جرّدته … يومَ الوغى أغمدته في الهام
ولصدرِ معتدلِ الكعوب حطمته … في صدر كبشِ كتيبةٍ قمقام (٦)
ونزال فرسان الهياج وكلّهم … فرقٌ لهول تقحُّمي ومقامي (٧)
ولقتليَ الأسدَ الضَّواريَ نحطها … كالرّعد قعقع في متون غمام (٨)
تلقى إذا لاقيتها أسداً له … بأسٌ يبيح به حمى الأجسام (٩)
стр. 33
لو أنَّ عينَ أبي زبيدٍ عاينتْ … فتكاتهِ لأقرَّ بالإحجام (١)
فحملتُ من بعد الثَّمانينَ العصا … متيقِّنا إنذارها لحمامي
وقال أيضاً أطال الله بقاءه في المعنى:
مع الثمانينَ عاثَ الضَّعفُ في جلدي … وساءني ضعفُ رجلي واضطرابُ يدي (٢)
إذا كتبت فخطِّي جدُّ مضطربٍ … كخطِّ مرتعشِ الكفينِ مرتعدِ (٣)
وإن مشيت وفي كفِّي العصا ثقلت … رجلي كأني أخوض الوحل في الجلد (٤)
فاعجبْ لضعف يدي عن حملها قلماً … من بعد حطم القنا في لبَّة الأسد
فقلْ لمن يتمنّى طولَ مدّته … هذي عواقبُ طول العمر والمددِ
قال المؤلف أطال الله بقاءه: دخل علي بالموصل سنة ست وعشرين وخمسمائة رجل من أهل الموصل نصراني يعرف بابن تدرس (٥)، وهو شيخ كبير يمشي على عصا ليسلم علي، وأنشدني والعصا بيده قبل السلام:
أحمدُ الله إذْ سلمتُ إلى أن … صرت أمشي وفي يدي عكَّازة
نعمةٌ ليتني بقيت عليها … حذراً أن أشال فوق جنازة (٦)
وقال آخر:
عصيت العصا أيّام شرخ شبيبتي … فلما انقضى شرخ الشباب أطعتها
أحمِّلها ثقلي ويحسب كلُّ من … رآها بكفّي أنني قد حملتها
стр. 34
وقال المؤلف ﵀ (١):
حملتْ ثقليَ في السهل العصا … ونبتْ بي حين حاولت الحزونا (٢)
وإذا رجليَ خانتني فلا … لوم عندي للعصا في أن تخونا (٣)
قال المؤلف: وأنشدني العميد أبو الحسن علي بن أبي الآمال بالموصل في سنة ست وعشرين وخمسمائة، ولم يسم القائل:
ما زلت أركب شاكلاتِ الربرب … حتَّى مشيت على العصا كالأحدب (٤)
وتزلُّ رجلي كلَّما ثبَّتها … فكأنني أمشي الوحي في الطّحلب (٥)
أأزبد ثالثة وأنقص عن مدى … مشى اثنتين لقد أتيتُ بمعجب
والليثُ لو بلغت سنوه سنَّي أو … قاربنها، أمسى فريسةَ ثعلب (٦)
قال: وأنشدني القاضي الرشيد أحمد بن الزبير بمصر سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، للشاعر المعروف بابن المكر بل (٧):
تقوَّس بعد طول العمر ظهري … وداستني الليالي أيَّ دوسِ
فأمشي والعصا تمشي أمامي … كأن قوامها وترٌ لقوس
قال المؤلف ﵀: أنشدني الخطيب مجد الدين أبو عمران موسى ابن الخطيب قدوة الشريعة يحيى الحصكفي (٨) ﵀، بظاهر ميافارقين في شعبان سنة إحدى وستين وخمسمائة:
стр. 35
كبرتُ إلى أن صرتُ أمشي على العصا … لتجبر ما أعرى الزَّمان من الوهن (١)
يقولون ما تشكي وهل من شكاية … أشدَّ على الإنسانِ من كبر السنِّ (٢)
قال: وأنشدني أيضاً لبعضهم:
[حملتُ العصا لا الضَّعف أوجب حملها … عليَّ ولا أنِّي تحنَّيتُ منْ كبرْ]
ولكنني ألزمت نفسيَ حملها … لأعلمها أن المقيم على سفرْ
قال: وأنشدني بها الموفق نصر بن سلطان لبعضهم:
كل أمرٍ إذا تفكرت فيه … وتأملته تراه طريفا
كنت أمشي على اثنتين قويا … صرت أمشي على ثلاث ضعيفا
قال المؤلف ﵀:
إذا تقوّس ظهر المرء من كبر … فعاد كالقوس يمشي والعصا وترُ (٣)
فالموت أروح شيء يستريح به … والعيش فيه له التعذيب والضرر (٤)
وقال أيضاً في المعنى (٥):
إذا عاد ظهر المرء كالقوس والعصا … له حين يمشي وهي تقدمه وترْ
وملّ تكاليف الحياة وطولها … وأضعفه من بعد قوّته الكبر
فإن له في الموت أعظمَ راحةٍ … وأمناً من الموت الذي كان ينتظر
وقال المؤلف ﵀:
حنانى الدهر وأفن … تنى الليالي والغيرْ
فصرتُ كالقوس ومن … عصاي للقوس وتر
стр. 36
أهدج في مشيى وفي … خطوي فتورٌ وقصر
كأننّي مقيدٌ … وإنما القيدُ الكبر
والعمر مثل الماء، في … آخره يأتي الكدرْ
وأنشدني الأمير السيد شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن شهاب الدين العلوي الحسيني، بالموصل في شوال سنة خمس وستين وخمسمائة، لبعض المغاربة:
ولي عصاً في طريق السَّير أحمدها … بها أقدِّم في تأخيرها قدمي
كأنها وهي في كفِّي أهشُّ بها … على ثمانين عاماً لا على غنمي
كأنني قوسُ رامٍ وهي لي وترٌ … أرمي عليها رماء الشَّيب والهرم
قال المصنف ﵀: وحدثني الشريف الإمام شمس الدين أبو المجد علي ابن علي بن الناصر (١) للحق الحسيني الحنفي بالموصل، في شهر رمضان سنة خمس وستين وخمسمائة قال: خرج خواجا بزرك (٢) وفي يده عصا، وهو ينشد هذين البيتين:
بعد الثمانين ليس قوه … لهفى على قوّة الصُّبوَّه (٣)
كأنني والعصا بكفِّي … موسى ولكن بلا نبوّه
قال: وأنشدني أيضاً قال: أنشدني والدي أبو الحسن علي قال: أنشدني والدي أبو طالب يحيى قال: أنشدني والدي الأمير أبو شجاع وقد علت سنه وحمل العصا:
أهدى ليِ الدهرُ رجلاً منه ثالثةً … ما كان أحسنني أمشي بثنتينِ
أمشي بها وهي تمشي بي معاونة … ما كان أحسننى أمشى بلا عون
стр. 37
هديَّة كنت آباها فصيَّرها … إليَّ بالرغم مني قرَّةَ العينِ
بانَ الشباب وجاء الشَّيب يصحبه … يا ليتها صحبة تبقى بلا بينِ
وقال المؤلف ﵀:
ويحَ السِّنينَ ومرّها … ما ذا بنا هي فاعله
جعلت عصايَ ولم تكن … شغلي لكفِّيَ شاغله
محمولة هي في المجا … ز وفي الحقيقة حامله
والعمرُ ألجأني إلي … ها والقوى المتخاذله
والنَّفس عما سوف تل … قى حين تسلمُ غافله
وجميعُ مكروهاتها … في العيشة المتطاولهْ
قال المؤلف ﵀ (١).
قصّر خطوي وحنى صعدتي … مزورُّ دهرٍ خائن خابلِ (٢)
وصار كفّي مالكاً للعصا … من بعد حمل الأسمر الذابل
أمشي بضعفٍ وانحناء على … عصايَ مشى الصائد الخاتل
كأنَّني لم أمش يوم الوغى … إلى نزال البطل الباسل
ولم أشقَّ الجيش لا أختشي … من الردى كالقدرِ النازل
فانظرْ إلى ما فعل العمرُ بي … من طوله لم أحظ بالطَّائل
يا حسرتا إنِّي غداً ميّت … على فراشي ميتة الخامل
هلّا أتاني الموتُ يومَ الوغى … بين القنا والأسلِ الناهلِ
وقال أيضاً (٣):
نظرتْ إلى ذي شيبة متهدِّمٍ … أفناهُ ما أفنى من الأعوام (٤)
يمشي وتقدمه العصا وقد انحنى … فكأنها وتر لقوس الرامي
стр. 38
ورأتْ سماتِ الأريحيَّة والنَّدى … ودلائلَ المعروف والإقدام
واستخبرت عنّى فقلت لها امرؤ … نائي المواطن من كرام الشَّام
نبت الديارُ به وضاق فسيحها … عنه ففارقها بغير ملام
قالت من أيِّ الناسِ أنت فقلت من … أولاد منقذَ في ذرًى وسنام
من معشر أبداً تروح رماحهم … بدم العدى مخضوبة الأعلام
تحمي البلادَ سيوفهم وتبيح ما … تحميه دونهم سيوفُ الحامي
النازلين بكلِّ ثغر خائف … والآمنين معرَّةَ الجرَّام (١)
وإذا أناخ السائلون بجوِّهم … عادوا ثقالَ الظَّهر بالإنعام (٢)
كم فيهم عند الحقوق إذا عرتْ … من باذلٍ متبرِّع بسَّام (٣)
تغني يداه إذا هما همتا ندًى … في المحل عن صوب الغمام الهامي
يتهلَّلون طلاقةً ويخافهم … لسطاهمُ الآسادُ في الآجام (٤)
قالت فأين همُ فقلتُ أبادهمْ … دهرٌ وهل باقٍ على الأيام
ووددت لو ناهلتّهم كأسَ الردى … ووردتُ قبلهمُ حياض حمامي
فحياةُ مثلي بعد عزّ باذخ … ومعاشرٍ غلبٍ ومالٍ نام
ونفاذِ أمر لا يردّ، يطيعه … فيما قضى العاصي من الأقوام (٥)
لأشدُّ من غصص الحمام وراحتي … بالموت غايةُ منيتي ومرامي (٦)
فبكت بزفرة موجع لو صادفت … حجراً لذاب من الزَّفير الحامي
وقال أيضاً:
حمَّلتُ ثقلي بعد ما شبتُ العصا … فتحملته تحمّل المتكاره
стр. 39
ومشت به مشيَ الحسير بوقره … لا يستقل مقيَّدا بعثاره (١)
ما آدها ثقلي ولكن ثقل ما … أبقى الشباب عليَّ من أوزاره (٢)
ورجايَ معقودٌ بمن أعطى أخا … السَّبعين عهدة عنقه من ثاره
وقال أيضاً (٣):
غرضتُ من الحياة فكلُّ عمري … تصرَّم بالحوادث والخطوب (٤)
فما ظفرت يدي بسرورِ يومٍ … بغير همومِ حادثةٍ مشوبِ
صباً كالسُّكر أعقبه شباب … تقضّي بالوقائع والحروب
ووافى بعده شيبٌ بغيض … فلا سقياً لأيام المشيبِ
أراني طيب لذّاتي ولهوى … يعدُّ من الجهالة والعيوبِ
وأدّاني إلى كبرٍ وضعف … وأدواء خفينَ على الطبيب (٥)
إذا رمتُ النُّهوض ظننتُ أنّي … حملت ذرى الشّناخب من عسيب (٦)
فإن أنا قمت بعد الجهد أمشى … فمشيى حين أعجل كالدَّبيب
تسيِّرني العصا هوناً وخلفي … مسيرُ الموت كالرِّيح الهبوب
وأفنى الموتُ إخواني وقومي … وأترابي فها أنا كالغريبِ
وفيما قد لقيت ردًى وموتٌ … ولكن ليس قلبي كالقلوب
стр. 40
وقال أيضاً:
إنْ ضعفتْ عن حمل ثقلي رجلي … ورابني عثارها في السهل (١)
أمشي كما يمشي الوجي في الوحلِ … مشيَ الأسير موثقاً بالكبل
فللعصا عنديَ عذرُ المبلي (٢) … إن عجزت أو ضعفت عن حملي
وقال أيضاً وكتب بها في كتاب إلى ولده الأمير عضد الدين أبي الفوارس مرهف إلى مصر يطلب منه عصاً من آبنوس (٣):
أريد عصاً من آبنوسٍ تقلُّني … فإن الثّمانين استعادت قوى رجلي
ولو بعصا موسى اتَّقيتُ لآدها … على ما بها من قوَّةٍ حملها ثقلي
ولكن تمنَّينا الرّجاءَ بباطلٍ … وكم قدرُ ما ترخي المنايا وكم تملي (٤)
إذا بلغَ المرءُ الثمانين فالرّدى … يناد به بالتَّرحال من جانب الرَّحلِ
وقال أيضاً (٥):
لما بلغت من الحياة إلى مدى … قد كنت أهواهُ تمنَّيت الرّدى
لم يبقِ طولُ العمر مني منَّةً … ألقي بها صرفَ الزّمانِ إذا اعتدى
ضعفت قوايَ وخانني الثِّقتانِ من … بصري وسمعي حين شارفت المدى
فإذا نهضتُ حسبت أنِّي حاملٌ … جبلاً وأمشي إن مشيت مقيَّداً
وأدبُّ في كفِّي العصا وعهدتها … في الحرب تحمل أسمراً ومهنَّدا
وأبيت في لين المهاد مسهَّداً … قلقاً كأنّنيَ افترشت الجلمدا
والمرءُ ينكس في الحياةِ وبينما … بلغ الكمالَ وتمَّ عاد كما بدا
وقال أيضاً (٦):
ألوم الرَّدى كم خضته متعرِّضا … له وهو عنِّي معرضٌ متجنِّبُ