← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96720

حملة الأوغاد على خير العباد

شحاتة صقر

Полный текст (58 стр.). Показаны 36–58 · переход к 41.

стр. 36

عظيمة»، قالوا: «حتى إن كنا لَنَتَبَاشَرُ بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظًا عليهم بما قالوا فيه». (الصارم المسلول على شاتم الرسول ﵌، ص١١٦ - ١١٧). يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؛ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ». (رواه البخاري). كَانَ الْكُفَّارُ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ شِدَّةِ كَرَاهَتِهِمْ للنَّبِيِّ ﵌ لَا يُسَمُّونَهُ بِاسْمِهِ الدَّالِّ عَلَى الْمَدْحِ فَيَعْدِلُونَ إِلَى ضِدِّهِ فَيَقُولُونَ: «مُذَمَّمٌ»، وَإِذَا ذَكَرُوهُ بِسُوءٍ قَالُوا: «فَعَلَ اللهُ بِمُذَمَّمٍ»، وَمُذَمَّمٌ لَيْسَ هُوَ اسْمُهُ، وَلَا يُعْرَفُ بِهِ؛ فَكَانَ الَّذِي يَقَعُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَصْرُوفًا إِلَى غَيْرِهِ.

стр. 37

وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: «لما نَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١) أقبلت العوراء أمُّ جميل بنت حرب ولها وَلْوَلَة وفي يدها فِهْر وهي تقول: «مُذّممًا أبَيْنَا، ودِينَهُ قَلَيْنَا، وأمْرَه عصَيْنَا»، والنبي ﵌ جالس في المسجد ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال: «يا رسولَ الله، قد أقبلَتْ، وأنا أخافُ أن تَرَاكَ». فقال رسول الله ﵌: «إنَّهَا لَنْ تَرَانِي»، وقرأ قرآنًا فاعتصم به كما قال، وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (الإسراء: ٤٥). فوقفَتْ على أبي بكر ولم تَرَ رسول الله ﵌ فقالت: «يا أبا بكر إني أخْبِرْتُ أن صاحبَك هَجَاني»، فقال: «لا، ورَبّ هذا البيت، ما هجاكِ»، فوَلَّتْ وهي تقول: «قد علمَتْ قريش أني بِنتُ سيدِها». (رواه الحاكم في المستدرك، وصححه، ووافقه الذهبي).

стр. 38

(وَلْوَلَة) وَلْوَلَت المرأَةُ: دَعَتْ بالوَيْل، ورفعت صوتها بالبكاء والصِّياح (الفِهْرُ): الحَجَر قدر ما يكسر به جَوْزٌ، أو يُدَقُّ به شيءٌ. أتباع النبي ﵌ ينصرون حبيبهم ﵌ -: ١ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سدد خطاكم أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: «يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟»، قُلْتُ: «نَعَمْ، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي». قَالَ: «أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ ﵌، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا». فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ فَقُلْتُ: «أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ». فَابْتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَأَخْبَرَاهُ

стр. 39

فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ»، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: «أَنَا قَتَلْتُ»، فَقَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟»، قَالَا: «لَا»، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَالرَّجُلَانِ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ» (رواه مسلم). (تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَع مِنْهُمَا) مَعْنَى أَضْلَعَ: أَقْوَى. (لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ) أَيْ شَخْصِي شَخْصَهُ. (حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا) أَيْ لَا أُفَارِقُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُنَا وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَجَلًا. (فَلَمْ أَنْشَبْ) مَعْنَاهُ لَمْ أَلْبَثْ. ٢ - عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ»، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ»، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا»، قَالَ: «قُلْ»، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا، وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ

стр. 40

أَسْتَسْلِفُكَ»، قَالَ: «وَأَيْضًا وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ»، قَالَ: «إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ». فَقَالَ: «نَعَمِ، ارْهَنُونِي». قَالُوا: «أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟»، قَالَ: «ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ»، قَالُوا: «كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ»، قَالَ: «فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ»، قَالُوا: «كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ، هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ - يَعْنِي السِّلَاحَ -». فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ - وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ - فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: «أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟». ِفَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ». قَالَتْ: «أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ»، قَالَ: «إِنَّمَا هُوَ

стр. 41

أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ». قَالَ: «وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ: «إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ». وَقَالَ مَرَّةً: «ثُمَّ أُشِمُّكُمْ»، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: «مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا» - أَيْ أَطْيَبَ - قَالَ: «عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ»، فَقَالَ: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ؟»، قَالَ: «نَعَمْ»، فَشَمَّهُ، ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَتَأْذَنُ لِي»، قَالَ: «نَعَمْ»، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: «دُونَكُمْ»، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ ﵌ فَأَخْبَرُوهُ. (رواه البخاري ومسلم). (كَعْب بْنِ الْأَشْرَفِ) أَيِ الْيَهُودِيّ. وكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ ﵌ وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفَّارَ قُرَيْشٌ.

стр. 42

(فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا) كَأَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أَنْ يَفْتَعِلَ شَيْئًا يَحْتَالُ بِهِ، وَقد ظهر من السِيَاق أَنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوا أَنْ يَشْكُوا مِنْهُ وَيَعِيبُوا رَأْيَهُ. (إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ) يَعْنِي النَّبِيّ ﵌. (قَدْ عَنَّانَا) مِنَ الْعَنَاءِ وَهُوَ التَّعَبُ. (قَالَ: وَأَيْضًا) أَيْ وَزِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ) مِنَ الْمَلَالِ. (ارْهَنُونِي) أَيِ ادْفَعُوا لِي شَيْئًا يَكُونُ رَهْنًا عَلَى التَّمْرِ الَّذِي تُرِيدُونَهُ. (وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ) لَعَلَّهُمْ قَالُوا لَهُ ذَلِكَ تَهَكُّمًا، وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ كَانَ جَمِيلًا. (وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ) قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي السِّلَاحَ كَذَا قَالَ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: اللَّأْمَةُ الدِّرْعُ، فَعَلَى هَذَا إِطْلَاقُ السِّلَاحِ عَلَيْهَا مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ. وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِئَلَّا يُنْكِرَ مَجِيئَهُمْ إِلَيْهِ بِالسِّلَاحِ.

стр. 43

(وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) يَعْنِي كَانَ أَبُو نَائِلَةَ أَخَا كَعْبٍ بن الأشرف. (فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعْرِهِ فَأَشُمُّهُ) وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ. (وَقَالَ مَرَّةً: فَأُشِمُّكُمْ) أَيْ أُمَكِّنُكُمْ مِنَ الشَّمِّ. وفي الحديث جواز الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَفِيهِ جَوَازُ قَتْلِ الْمُشْرِكِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ الْعَامَّةُ قَدْ بَلَغَتْهُ، وَفِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْحَرْبِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ قَائِلُهُ إِلَى حَقِيقَتِهِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى قُوَّةِ فِطْنَةِ امْرَأَته الْمَذْكُورَة وَصِحَّة حَدِيثهَا وَبَلَاغَتِهَا فِي إِطْلَاقِهَا أَنَّ الصَّوْتَ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّم. ٣ - عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ سدد خطاكم قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكٍ وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﵌ وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ، فَقَالَ عَبْدُ

стр. 44

اللهِ لِأَصْحَابِهِ: «اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ». فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنْ الْبَابِ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: «يَا عَبْدَ اللهِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ، فَادْخُلْ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ». فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ ثُمَّ عَلَّقَ الْأَغَالِيقَ عَلَى وَتَدٍ. فَقُمْتُ إِلَى الْأَقَالِيدِ فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ الْبَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِي عَلَالِيَّ لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ. قُلْتُ: «إِنْ الْقَوْمُ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ»، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنْ الْبَيْتِ. فَقُلْتُ: «يَا أَبَا رَافِعٍ»، قَالَ: «مَنْ هَذَا؟»، فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ ِالصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ، فَمَا أَغْنَيْتُ

стр. 45

شَيْئًا وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنْ الْبَيْتِ فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: «مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ»، فَقَالَ: «لِأُمِّكَ الْوَيْلُ؛ إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ». فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ظُبَّةَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ؛ فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي، وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدْ انْتَهَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ، فَقُلْتُ: «لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ». فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ فَقَالَ: «أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ»، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ: «النَّجَاءَ فَقَدْ قَتَلَ اللهُ أَبَا رَافِعٍ»، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: «ابْسُطْ رِجْلَكَ»، فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ. (رواه البخاري).

стр. 46

(وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ) أَيْ رَجَعُوا بِمَوَاشِيهِمُ الَّتِي تَرْعَى. (تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ) أَيْ تَغَطَّى بِهِ لِيُخْفِيَ شَخْصَهُ لِئَلَّا يُعْرَفَ. (فَهَتَفَ بِهِ) أَيْ نَادَاهُ. (فَكَمَنْتُ) أَيِ اخْتَبَأْتُ. (ثُمَّ عَلَّقَ الْأَغَالِيقَ) الْأَغَالِيقُ جَمْعُ غَلَقٍ: مَا يُغْلَقُ بِهِ الْبَابُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَفَاتِيحُ، كَأَنَّهُ كَانَ يَغْلِقُ بِهَا وَيَفْتَحُ بِهَا. (يُسْمَرُ عِنْدَهُ) أَيْ يَتَحَدَّثُونَ لَيْلًا. (فِي عَلَالِيٍّ لَهُ) جَمْعُ عَلِيَّةٍ، وَهِيَ الْغُرْفَةُ. (نَذِرُوا بِي) أَي علمُوا وأصْلُهُ مِنَ الْإِنْذَارِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُحْذَرُ مِنْهُ. (فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ) أَيْ قَصَدْتُ نَحْوَ صَاحِبِ الصَّوْتِ. (وَأَنَا دَهِشٌ) مُتَحَيِّرٌ مَدْهُوشٌ. (فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا) أَيْ لَمْ أَقْتُلْهُ. (هَدَأتْ الْأَصْوَات) أَي سَكَنَتْ. (فَأَضْرِبُهُ) ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً لِاسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ مَضَى. (فَلَمْ يُغْنِ) أَيْ لَمْ يَنْفَعْ. (ظُبَّةُ السَّيْف) حَرْفُ حَدّ السَّيْفِ. (فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ.

стр. 47

(أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ) النَّعْيُ خَبَرُ الْمَوْتِ، وَالِاسْمُ النَّاعِي. (فَقُلْتُ النَّجَاء) أَيْ أَسْرِعُوا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ اغْتِيَالِ الْمُشْرِكِ الَّذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَأَصَرَّ، وَقَتْلُ مَنْ أَعَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ بِيَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ لِسَانِهِ، وَجَوَازُ التَّجسِيسِ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ وَتَطَلُّبُ غِرَّتِهِمْ، وَالْأَخْذُ بِالشِّدَّةِ فِي مُحَارَبَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَجَوَازُ إِبْهَامِ الْقَوْلِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَتَعَرُّضِ الْقَلِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلْكَثِيرِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْحكم بِالدَّلِيلِ والعلامة لاستدلال بن عَتِيكٍ عَلَى أَبِي رَافِعٍ بِصَوْتِهِ، وَاعْتِمَادِهِ عَلَى صَوت الناعي بِمَوْتِهِ. ٤ - عن ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﵌ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﵌ وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ،

стр. 48

فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَنْشُدُ اللهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ»، فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا» فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (أُمُّ وَلَدٍ) أَيْ غَيْرُ مسلمة ولذلك كانت تجترىء عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الشَّنِيعِ. والجَارِيَةُ إِذَا وَلَدَتِ لِسَيِّدِهَا اسْتَحَقَّتِ الْعِتْقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا بِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَتُسَمَّى حِينَئِذٍ (أُمَّ وَلَدٍ) وَلاَ يَمْنَعُ

стр. 49

ذَلِكَ مِنَ اسْتِمْرَارِ تَسَرِّي سَيِّدِهَا بِهَا إِلَى أَنْ يَمُوتَ أَحَدُهُمَا، وَلاَ تُبَاعُ، وَلَهَا أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ. (وَتَقَعُ فِيهِ) يُقَالُ وَقَعَ فِيهِ إِذَا عَابَهُ وَذَمَّهُ (وَيَزْجُرُهَا) أَيْ يَمْنَعُهَا (فَلَا تَنْزَجِرُ) أَيْ فَلَا تَمْتَنِعُ (فَأَخَذَ) أَيِ الْأَعْمَى (الْمِغْوَلَ) مِثْلَ سَيْفٍ قَصِيرٍ يَشْتَمِلُ بِهِ الرَّجُلُ تَحْتَ ثِيَابِهِ فَيُغَطِّيهِ، وَقِيلَ حَدِيدَةٌ دَقِيقَةٌ لَهَا حَدٌّ مَاضٍ، وَقِيلَ هُوَ سَوْطٌ فِي جَوْفِهِ سَيْفٌ دَقِيقٌ يَشُدُّهُ الْفَاتِكُ عَلَى وَسَطَهِ لِيَغْتَالَ بِهِ النَّاسَ. (وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا) أَيْ تَحَامَلَ عَلَيْهَا (فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ) لَعَلَّهُ كَانَ وَلَدًا لَهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. (فَلَطَّخَتْ) أَيْ لَوَّثَتْ (مَا هُنَاكَ) مِنَ الْفِرَاشِ. (فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ) أَيِ الْقَتْلُ. (فَقَالَ: أَنْشُدُ اللهَ رَجُلًا) أَيْ أَسْأَلُهُ بِاللَّهِ وَأُقْسِمُ عَلَيْهِ. (فَعَلَ مَا فَعَلَ) مَا مَوْصُولَةٌ، أي فَعَلَ الذي فَعَلَ. (لِي عَلَيْهِ حَقٌّ) أَيْ مُسْلِمًا يَجِبُ عَلَيْهِ طَاعَتِي وَإِجَابَةُ دَعْوَتِي. (يَتَزَلْزَلُ) أَيْ يَتَحَرَّكُ. (بَيْنَ يَدَي النَّبِيّ) أَيْ قُدَّامَهُ ﵌.

стр. 50

(مِثْلَ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ) أَيْ فِي الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ وَصَفَاءِ اللَّوْنِ. (أَلَا) بِالتَّخْفِيفِ (إِنَّ دَمَهَا هَدَرٌ) لَعَلَّهُ ﵌ عَلِمَ بِالْوَحْيِ صِدْقَ قَوْلِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا لَمْ يَكُفَّ لِسَانَهُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﵌ فَلَا ذِمَّةَ لَهُ فَيَحِلُّ قَتْلُهُ. وفِيهِ أَنَّ سَابَّ رَسُولِ اللهِ ﵌ يُقْتَلُ. ٥ - عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قُالُ: «كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: «يَالَلْمُهَاجِرِينَ»، وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: «يَالَلْأَنْصَارِ» فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﵌ فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»، قَالُوا: «رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، فَسَمِعَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولٍ، فَقَالَ: «أَوَقَدْ فَعَلُوهَا، وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ»، فَقَالَ عُمَرُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ

стр. 51

هَذَا الْمُنَافِقِ»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «دَعْهُ؛ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «وَاللهِ لَا تَنْقَلِبُ حَتَّى تُقِرَّ أَنَّكَ الذَّلِيلُ وَرَسُولُ اللهِ ﵌ الْعَزِيزُ»، فَفَعَلَ. (رواه الترمذي، وصححه الألباني). (فَكَسَعَ) كَسَعَهُ: ضَرَبَ دُبُرَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِصَدْرِ قَدَمِهِ. (يَا لَلْمُهَاجِرِينَ) أَيْ أَغِيثُونِي، وَكَذَا قَوْلُ الْآخَرِ (يَا لَلْأَنْصَارِ). (مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ مَا شَأْنُهَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إِنْكَارٌ وَمَنْعٌ عَنْ قَوْلِ يَا لَفُلَانٍ وَنَحْوِهِ. (دَعُوهَا) أَيِ اتْرُكُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، وَهِيَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ (فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) مِنَ النَّتِنِ أَيْ أَنَّهَا كَلِمَةٌ قَبِيحَةٌ خَبِيثَةٌ. (أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) أَيْ أَتْبَاعَهُ. (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ. (لَا تَنْقَلِبُ) أَيْ لَا تَرْجِعُ.

стр. 52

(حَتَّى تُقِرَّ) مِنَ الْإِقْرَارِ أَيْ حَتَّى تَعْتَرِفَ. (فَفَعَلَ) أَيْ فَأَقَرَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بِأَنَّهُ الذَّلِيلُ وَرَسُولَ اللهِ ﵌ الْعَزِيزُ. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ (١): قدَّر الله بحكمته أن يجعل من قلوب بعض بني آدم قلوب شياطين بدلًا من القلب الإنساني تبغض مَن فطر الله قلوب الخلق على محبته من الأنبياء والأولياء، وفي مقدمتهم خاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين، وخير البرية أجمعين: محمد ﵌ ليتحقق من وراء ذالك مصالح عظيمة لا تخطر ببال الكفار المجرمين منها: ١ - أن يستخرج الله من قلوب المؤمنين والمسلمين في الأرض ما تُكِنُّه لرسول الله ﵌ مِن حُبٍّ وتعظيم،

стр. 53

واستعداد لفدائه بالأبدان والأرواح، والأولاد، والأموال؛ فهو أحب لديهم من أنفسهم وأهليهم وأولادهم. ٢ - أن يُظْهِر الله آيات قدرته في قطع شأن من أبغض النبي ﵌، وهذا من دلائل نبوته، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (الكوثر: ١ - ٣). (الأَبْتَرُ) أي: المقطوع. فلا بد أن يُذِلَّ اللهُ ويُصَغِّرَ مَن أبغض النبي ﵌. ٣ - أن يَظهر لكل عاقل ومنصف عجز الكافرين عن مواجهة الحجة بالحجة، فلا يجدون سبيلًا إلا الكذب والبهتان، والبذاءة والسب، فيعلم كل واحد أن الذين كفروا حُجتهم داحضة عند ربهم، وهذا من دلائل نبوته ﵌، وأسباب دخول الكافرين في ملته. ٤ - أن يجد المؤمنون الأسوة الحسنة لهم فيما يجدون مِن ألمٍ وطعن، حتى أكرم الخلق عند الله يتعرضون

стр. 54

للظلم والطغيان، والكذب عليهم ومحاولة تنفير الناس عنهم، وكل ذالك مآله إلى اضمحلال، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (فاطر:١٠). ٥ - حصول الخير الذي ذكره الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ (النور:١١)، فهو زيادة في رَفْع الدرجات عند الله، ومزيد الحسنات منه . ٦ - أن يخيف الله الكافرين والمنافقين، ويُلقي الرعب في قلوبهم عند رؤيتهم غَضبة المسلمين لنبيهم، وانتشار أن حكم السب والطعن في النبي ﵌ وعرضه وأذيته هو القتل، فيعذب الله هؤلاء المجرمين بالخوف والرعب، والهم والغم، وكراهية الناس لهم - حتى بَنِي ملتهم - بما جرُّوا عليهم من المخاطر وأنواع الفساد، ثم جعل الله ما

стр. 55

أنفقوا من الأموال حسرة في قلوبهم؛ مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ (الأنفال:٣٦). ولعل المسلمين في كل مكان أن يستغلوا هذه الفرصة في الدعوة إلى الله ، وبيان دلائل نبوته ﵌ للناس: مؤمنهم، وكافرهم، ونشر سنته وسيرته، فالقلوب مفتوحة الآن أكثر مما مضى لذلك. ولكن لا بد هنا من وقفة؛ للتنبيه على أن غضبة المسلمين في كل مكان يجب أن تكون ملتزمة بالشرع حتى في هذا المقام؛ فلا يجوز قتل أو تدمير لمن لم يشارك أو يُقِرّ أو يرضَى أو يمتدح مثل هذا الفعل الإجرامي. وقَتْل رسل الكفار عمومًا ولو كانوا مرتدين محرم، قال النبي ﵌ لرسُولَيْ مسيلمة الكذاب وهما على دينه:

стр. 56

«أَمَا وَاللهِ لَوْلا أَنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني). فالدبلوماسيون الأجانب اليوم مثل رسل الكفار قديمًا، وقَتْلُهم غير جائز شرعًا، ولا يجوز أن تتحول صور الاحتجاج إلى معارك بين المحتجين الغاضبين وبين قوات الأمن الوطنية المكلفة بحراسة السفارات، فالدولة لا تملك الآن غير حمايتها وفقًا للمعاهدات التي تلتزم الوفاء بها. ولعل في هذه الحادثة ما يجمع قلوب المسلمين على حب النبي ﵌ وتعظيمه بعد ما فرقتهم أسباب الدنيا. قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ١٩). أيها المسلمون: الزموا دين الله وسنة نبيّه المصطفى ﵌، كفاكم لهوًا وغفلة وتخاذلًا، سيروا مع علمائكم ودعاتكم للخير والزموه، قدموا أموالكم ووقتكم وأرواحكم فداء

стр. 57

لهذا الدين العظيم، عيشوا بالإسلام وللإسلام، وإياكم أن تفضلوا الدنيا الفانية وزينتها على الآخرة الباقية ونعيمها الخالد، قاطعوا منتجات من يُؤذون رسول الله ﵌ ويحاربون هذا الدين إذا دعاكم علماؤكم. ابذلوا وقدّموا وأعينوا بكل ما تستطيعون، عوّضوا عن أيام سباتكم السابق بهِمَّةٍ ربما تحيي أمة، كونوا كسلفكم الصالح أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد، تعلموا دينكم، وعلموا أبناءكم، أنشئوهم على تقوى الله وحب الله والعيش لله، كونوا معهم عبادًا لله منيبين مستغفرين طائعين ملبين، وستجدون كيف أن الدنيا كل الدنيا ستقف تحت أقدامكم خاضعة ذليلة. اقهروا شهواتكم بلذة الطاعة، أذيبوا الشحناء من قلوبكم ببركة الأخوة الإسلامية، أزيلوا الظلام بنور القرآن وهَدْي السنة بسلوككم الذي يتمثل بهما عسى الله تعالى أن يكتب لنا وقفة صادقة مع نبيه ودينه، وأن يستخدمنا في نشر

стр. 58

الخير والدعوة للخير والذود عن الخير، إنه ولي ذلك والقادر عليه. هدية لجميع الكفار بالعالم: موقف يدل على نبوة وصدق الصادق الأمين محمد ﵌ -: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ - أحد أبناء النبي ﵌ - فَقَالَ النَّاسُ: «انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ» فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ». (رواه البخاري). فلو أن ساحرًا أو كذابًا أو مشعوذًا حدث معه هذا الموقف لاستغله واعتبره دليلًا على صدقه، ولكن المعصوم ﵌ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.