حملة الأوغاد
على خير العباد ﵌
لا يضر السحابَ نبْحُ الكلاب
стр. 2
كلمات ليست عابرة
«حالُ مَن يَسُبُّ النبي ﵌ كالباصق على الشمس ... لن تجاوزَ البصقةُ رأسَه ثم تهوِي على وجهِه، ولا يضرُّ الشمسَ شيءٌ».
(بيير فوجل)
أحد المسلمين الألمان
وأحد الدعاة إلى الإسلام في ألمانيا.
وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ في النَّارِ.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ (الأنعام: ١١٢)، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) (الفرقان: ٣١).
إن الهجمة على النبي ﵌ من بعض الأوغاد لن تنال من قدر النبي ﵌ شيئًا، فقد رفع الله ذكره، وأعطاه الخير الكثير، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ (الشرح: ١ - ٤). وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (الكوثر: ١ - ٣).
стр. 5
إن الذين يحاولون أن ينالوا منه ﵌ مَثَلُهُم كما قال الشاعر:
كناطحٍ صخرةً يومًا لِيُوهِنَها
فلم يَضِرْها وأوْهَى قرنَه الوعِلُ
وكما قيل: «لا يضر السحابَ نبحُ الكلاب، ولن يَضِيرَ السماءَ نقيقُ الضفادع».
يا نَاطِحَ الجَبَلَ العالي ليَكْلِمَه
أَشفِقْ على الرّأسِ لا تُشْفِقْ على الجَبَلِ
فرسول الله ﵌ قمةٌ سامقة وجبلٌ شامخ لن تضره السهام الضعيفة لهؤلاء الأوغاد، ولا نَفْخُ أفواههم الكليلة، وكل المسلمين فداءٌ لرسول الله ﵌.
إمامَ المرسلينَ فِداكَ رُوحي ... وأرواحُ الأئمةِ والدعاةْ ... رسُولَ العالمينَ فِداكَ عِرضِي ... وأعراضُ الأحبةِ والتقاة (١)
стр. 6
جريمة
الاستهزاء بالنبي ﵌ -
هزّت العالمَ الإسلاميَّ أجمع تلك الحملات المشينة التي تهدف إلى الإساءة إلى خير العباد، البشير النذير، رسول الله محمد ﵌، وكم آلمت كل مسلم غيورٍ على دينه بما فيها من استهزاء وسخرية بمعتقدات أمتنا الإسلامية.
هل تطفئ البصقة ضوء الشمس ؟
قال بيير فوجل (أبو حمزة): «حالُ مَن يَسُبُّ النبي ﵌ كالباصق على الشمس ... لن تجاوزَ البصقةُ رأسَه ثم تهوِي على وجهِه، ولا يضرُّ الشمسَ شيءٌ».
و (بيير فوجل) هو أحد المسلمين الألمان، وأحد الدعاة إلى الإسلام في ألمانيا، وكان نصرانيًا بروتستانتيًا، أسلم على يديه في يوم واحد ١٢٥٠ شخصًا بعد محاضرة ألقاها عن الإسلام.
стр. 7
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ (الصف: ٧ - ٩).
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ والحال أنه لا عذر له، وقد انقطعت حجته؛ لأنه ﴿يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾ ويُبَيَّن له ببراهينه وبيناته، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، لا تَرُدُّهم عنه موعظة، ولا يزجرهم بيان ولا برهان، خصوصًا هؤلاء الظلمة القائمين بمقابلة الحق ليردوه، ولينصروا الباطل، ولهذا قال الله عنهم: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة، التي يرُدُّون بها الحق، وهي لا حقيقة لها، بل تزيد البصير معرفة بما هم عليه من الباطل، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أي: قد تكفل الله بنَصْر
стр. 8
دينه، وإتمام الحق الذي أرسل به رسله، وإشاعة نوره على سائر الأقطار، ولو كره الكافرون، وبذلوا بسبب كراهتهم كل سبب يتوصلون به إلى إطفاء نور الله فإنهم مغلوبون.
وصاروا بمنزلة من ينفخ عين الشمس بفمه ليطفئها، فلا على مرادهم حصلوا ولا سَلِمَتْ عقولهم من النقص والقدح فيها. فنور الله لا يمكن أن تطفئه الأفواه، ولا أن تطمسه كذلك النار والحديد، في أيدي العبيد! وإن خُيِّلَ للطغاة الجبارين، وللأبطال المصنوعين على أعين الصليبيين واليهود أنهم بَالِغُو هذا الهدف البعيد!
ثم ذكر سبب الظهور والانتصار للدين الإسلامي، الحسي والمعنوي، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ أي: بالعلم النافع والعمل الصالح. بالعلم الذي يهدي إلى الله وإلى دار كرامته، ويهدي لأحسن الأعمال والأخلاق، ويهدي إلى مصالح الدنيا والآخرة.
стр. 9
﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أي: الدين الذي يُدَانُ به، ويُتَعَبَّد لرب العالمين الذي هو حق وصدق، لا نقص فيه، ولا خلل يعتريه، بل أوامره غذاء القلوب والأرواح وراحة الأبدان، وتَرْكُ نواهيه سلامة من الشر والفساد؛ فما بُعِثَ به النبي ﵌ من الهدى ودين الحق، أكبر دليل وبرهان على صدقه، وهو برهان باقٍ ما بقي الدهر، كلما ازداد العاقل تفكرًا، ازداد به فرحًا وتبصرًا.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليعليه على سائر الأديان، بالحجة والبرهان، ويظهر أهله القائمين به بالسيف والسنان، فأما نفس الدين، فهذا الوصف ملازم له في كل وقت، فلا يمكن أن يغالبه مغالب، أو يخاصمه مخاصم إلا فلجه وبلسه، وصار له الظهور والقهر، وأما المنتسبون إليه، فإنهم إذا قاموا به، واستناروا بنوره، واهتدوا بهديه، في مصالح دينهم ودنياهم، فكذلك لا يقوم لهم أحد، ولابد أن يظهروا على أهل الأديان، وإذا ضيعوه واكتفوا
стр. 10
منه بمجرد الانتساب إليه، لم ينفعهم ذلك، وصار إهمالهم له سبب تسليط الأعداء عليهم، ويعرف هذا، من استقرأ الأحوال ونظر في أول المسلمين وآخرهم.
إنا أعطيناك الكوثر:
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (الكوثر: ١ - ٣).
يقول الله لنبيه محمد ﵌ ممتنا عليه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أي: الخير الكثير، والفضل الغزير، الذي من جملته، ما يعطيه الله لنبيه ﵌ يوم القيامة، من النهر الذي يُقالُ له ﴿الْكَوْثَرَ﴾ ومن الحوض. طوله شهر، وعرضه شهر، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته كنجوم السماء في كثرتها واستنارتها، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
(الميزاب): أنبوبة تُرَكَّبُ فى جانب البيت مِن أعلاه لينْصَرِف منها ماء المطر.
(عمان) هي بلدة بالبلقاء من الشام قال الحازمي قال ابن الأعرابي يجوز أن يكون فعلان من عم يعم فلا ينصرف معرفة وينصرف نكرة قال ويجوز أن يكون فعالا من عمن فينصرف معرفة ونكرة إذا عنى بها البلد هذا كلامه والمعروف في روايات الحديث وغيرها ترك صرفها]
وعَنْ ثَوْبَانَ سدد خطاكم أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِنِّى لَبِعُقْرِ حَوْضِى أَذُودُ النَّاسَ لأَهْلِ الْيَمَنِ أَضْرِبُ بِعَصَاىَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ». فَسُئِلَ عَنْ عَرْضِهِ فَقَالَ: «مِنْ مَقَامِى إِلَى عَمَّانَ». وَسُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ فَقَالَ: «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ».
(عُقْرِ حَوْضِي) هُوَ مَوْقِفُ الْإِبِلِ مِنَ الْحَوْضِ إِذَا وَرَدَتْهُ، وَقِيلَ: مُؤَخَّرُهُ. (أَذُودُ النَّاسَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ أَضْرِبُ بِعَصَايَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ) مَعْنَاهُ أَطْرُدُ النَّاسَ عَنْهُ غَيْرَ
стр. 13
أَهْلِ الْيَمَنِ لِيَرْفَضَّ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَهَذِهِ كَرَامَةٌ لِأَهْلِ الْيَمَنِ فِي تَقْدِيمِهِمْ فِي الشُّرْبِ مِنْهُ مُجَازَاةً لَهُمْ بِحُسْنِ صَنِيعِهِمْ وَتَقَدُّمِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْأَنْصَارُ مِنَ الْيَمَنِ فَيَدْفَعُ غَيْرَهُمْ حَتَّى يَشْرَبُوا كَمَا دَفَعُوا فِي الدُّنْيَا عَنِ النَّبِيِّ ﵌ أَعْدَاءَهُ وَالْمَكْرُوهَاتِ، وَمَعْنَى (يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ) أَيْ يَسِيلُ عَلَيْهِمْ.
(يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ) مَعْنَاهُ يَدْفُقَانِ فِيهِ الْمَاءَ دَفْقًا مُتَتَابِعًا شَدِيدًا، وَقِيلَ: يَصُبَّانِ فِيهِ دَائِمًا صَبًّا شَدِيدًا.
(يَمُدَّانِهِ) أَيْ يَزِيدَانِهِ وَيُكْثِرَانِهِ. الوَرِق: الفِضَّة.
والكوثر صيغة من الكثرة وهو مطلق غير محدود. يشير إلى عكس المعنى الذي أطلقه هؤلاء السفهاء. إنا أعطيناك ما هو كثر فائض غزير. غير ممنوع ولا مبتور. فإذا أراد أحد أن يتتبع هذا الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه فهو واجده حيثما نظر أو تصور.
هو واجِدُه في النبوة. وهو واجده في هذا القرآن الذي نزل عليه. وسورة واحدة منه كوثر لا نهاية لكثرته، وينبوع
стр. 14
لا نهاية لفيضه وغزارته! وهو واجده في الملأ الأعلى الذي يصلي عليه، ويصلي على من يصلي عليه في الأرض، حيث يقترن اسمه باسم الله في الأرض والسماء.
وهو واجده في سنته الممتدة على مدار القرون، في أرجاء الأرض، وفي الملايين بعْدَ الملايين السائرة على أثره، وملايين الملايين من الألسنة والشفاه الهاتفة باسمه، وملايين الملايين من القلوب المحبة لسيرته وذكراه إلى يوم القيامة.
وهو واجِدُه في الخير الذي فاض على البشرية في جميع أجيالها بسببه وعن طريقه. سواء مَن عرفوا هذا الخير فآمنوا به، ومَن لم يعرفوه ولكنه فاض عليهم فيما فَاض!
وهو واجِدُه في مظاهر شتى، محاولة إحصائها ضرب من تقليلها وتصغيرها!
стр. 15
إنه الكوثر، الذي لا نهاية لفيضه، ولا إحصاء لعوارفه، ولا حد لمدلوله. ومِن ثَمَّ ترَكه النص بلا تحديد، يشمل كل ما يكثر من الخير ويزيد.
ولما ذكر الله مِنَّتَه عليه، أمره بشكرها فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ خص هاتين العبادتين بالذكر لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات.
فعلى غير ما أرجف المرجفون وقال الكائدون، وجه الرسول ﵌ إلى شكر النعمة بحقها الأول. حق الإخلاص والتجرد لله في العبادة وفي الاتجاه. في الصلاة وفي ذبح النسك خالصاً لله غير مُلْقٍ بالًا إلى شرك المشركين، وغير مشارك لهم في عبادتهم أو في ذكر غير اسم الله على ذبائحهم.
والصلاة تتضمن الخضوع في القلب والجوارح لله، وتنقلها في أنواع العبودية، وفي النحر تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من الذبائح، وإخراج للمال الذي جبلت النفوس على محبته والشح به.
стр. 16
﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ أي: مبغِضُك وذامُّك ومنتقصك ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي: المقطوع من كل خير، مقطوع العمل، مقطوع الذكر. وأما محمد ﵌، فهو الكامل حقًا، الذي له الكمال الممكن في حق المخلوق، من رَفْع الذكر، وكثرة الأنصار والأتباع ﵌.
في الآية الأولى قرر أنه ليس أبتر بل هو صاحب الكوثر. وفي هذه الآية يرد الكيد على كائديه، ويؤكد أن الأبتر ليس هو محمد ﵌، إنما هم شانئوه وكارهوه.
ولقد صدق فيهم وعيد الله. فقد انقطع ذكرهم وانطوى. بينما امتد ذكر محمد ﵌ وعلا. ونحن نشهد اليوم مصداق هذا القول الكريم، في صورة باهرة واسعة المدى كما لم يشهده سامعوه الأولون!
стр. 17
إن الإيمان والحق والخير لا يمكن أن يكون أبتر. فهو ممتد الفروع عميق الجذور. وإنما الكفر والباطل والشر هو الأبتر مهما ترعرع وزها وتجبر.
إن مقاييس الله غير مقاييس البشر. ولكن البشر ينخدعون ويغترون فيحسبون مقاييسهم هي التي تقرر حقائق الأمور! وأمامنا هذا المثل الناطق الخالد. فأين الذين كانوا يقولون عن محمد ﵌ قولتهم اللئيمة، وينالون بها من قلوب الجماهير، ويحسبون حينئذ أنهم قد قضوا على محمد وقطعوا عليه الطريق؟ أين هم؟ وأين ذِكْراهم، وأين آثارهم؟ إلى جوار الكوثر من كل شيء، ذلك الذي أوتيه من كانوا يقولون عنه: الأبتر؟!
إن الدعوة إلى الله والحق والخير لا يمكن أن تكون بتراء ولا أن يكون صاحبها أبتر، وكيف وهي موصولة بالله الحي القيوم؟ إنما يُبْتَر الكفر والباطل والشر، ويُبْتَرُ أهله، مهما بدا في لحظة من اللحظات أنه طويل ممتد الجذور.
الذين يؤذون رسول الله ﵌ ملعونون في الدنيا والآخرة:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (الأحزاب: ٥٦ - ٥٨).
صلاة الله على النبي ﵌ ذِكْرُه بالثناء في الملأ الأعلى؛ وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله ، وهذا فيه تنبيه على كمال رسول اللهِ ﵌ ورفعة درجته، وعلو منزلته عند اللهِ وعند خلقه، ورفع ذِكْرِه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اقتداءً باللهِ وملائكته، وجزاءً له على بعض حقوقه عليكم، وتكميلًا لإيمانكم، وتعظيمًا له ﵌، ومحبة وإكرامًا، وزيادةً في حسناتكم، وتكفيرًا من سيئاتكم. وأين
стр. 21
تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي ، وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى؛ واقتران صلاة المؤمنين بصلاة الله واقتران تسليمهم بتسليمه فيه تشريف لهم.
وهذا الأمر بالصلاة والسلام عليه ﵌ مشروع في جميع الأوقات، وأوجبه كثير من العلماء في الصلاة. وأفضل هيئات الصلاة عليه ﵌ ما علم به أصحابه: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري). أو «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
стр. 22
ولما أمر الله بتعظيم رسوله ﵌، والصلاة والسلام عليه، نهى عن أذيته، وتوعد عليها فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وهذا يشمل كل أذِيَّة، قولية أو فعلية، مِن سَبٍّ وشَتْمٍ، أو تَنَقّصٍ له، أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى.
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: أبعدهم وطردهم، ومِن لَعْنِهِم في الدنيا أنه يحتِّم قتل من شتم الرسول ﵌ وآذاه.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ جزاءً له على أذاه، أن يؤذَى بالعذاب الأليم، فأذِيَّةُ الرسول ﵌، ليست كأذِيَّةِ غيره، لأنه ﵌ لا يؤمن العبد بالله حتى يؤمن برسوله ﵌، وله من التعظيم، الذي هو من لوازم الإيمان، ما يقتضي ذلك، أن لا يكون مثل غيره، وإن كانت أذية المؤمنين عظيمة، وإثمها عظيمًا، ولهذا قال فيها: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ أي: بغير
стр. 23
جناية منهم موجبة للأذى ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا﴾ على ظهورهم ﴿بُهْتَانًا﴾ حيث آذوهم بغير سبب ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ حيث تَعَدَّوْا عليهم، وانتهكوا حرمة أمر اللهِ باحترامها.
إنا كفيناك المستهزئين:
قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر:٩٥ - ٩٩).
في هذه الآيات أمر الله رسوله ﵌ أن لا يبالي بالمشركين ولا بغيرهم وأن يصدع بما أمَرَ الله ويعلن بذلك لكل أحد ولا يعوقنه عن أمره عائق ولا تصده أقوال المتهوكين، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا تبال بهم واترك مشاتمتهم ومسابتهم مقبلًا على شأنك.
стр. 24
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بك وبما جئت به، وهذا وعد من الله لرسوله ﵌، أن لا يضره المستهزئون، وأن يكفِيَه الله إياهم بما شاء من أنواع العقوبة. وقد فعل فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله ﵌ وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتَلَه شر قتلة.
ثم ذكر وصفهم وأنهم كما يؤذونك يا رسول الله، فإنهم أيضًا يؤذون الله ويجعلُون معه ﴿إِلَهًا آخَرَ﴾ وهو ربهم وخالقهم ومدبرهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ غِبَّ أفعالهم إذا وردوا القيامة، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ لك من التكذيب والاستهزاء، فنحن قادرون على استئصالهم بالعذاب، والتعجيل لهم بما يستحقون، ولكن الله يُمْهِلُهُم ولا يُهْمِلُهم.
فأنت يا محمد ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أي: أكْثِرْ مِنْ ذِكْر الله وتسبيحه وتحميده والصلاة فإن ذلك يوسع الصدر ويشرحه ويعينك على أمورك.
стр. 25
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي: الموت أي: استمر في جميع الأوقات على التقرب إلى الله بأنواع العبادات، فامتثل ﵌ أمر ربه، فلم يَزَل دائبًا في العبادة، حتى أتاه اليقين من ربه ﵌.
نماذج من عقاب الله للمستهزئين برسول الله ﵌:
١ - عن أبي هريرة سدد خطاكم أنه قال: «قال أبو جهل: «هل يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْن أَظهُرِكُم»، فَقِيلَ: «نَعَمْ»، فَقَالَ: «وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيتُهُ يَفعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ»، قَالَ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﵌ وَهُوَ يُصَلِّي - زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ - فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ.
فَقِيلَ لَهُ: «مَا لَكَ؟» فَقَالَ: «إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ، وَهَوْلًا، وَأَجْنِحَةً»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا». (رواه مسلم).
стр. 26
(يَنْكِصُ): يرَجعُ عَلَى عَقِبَيْهِ، يَمْشِي عَلَى وَرَائِهِ. (الهَوْل): فَزَع ورهبة. والجمع أهوال.
٢ - عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال: «كان لهب بن أبي لهب يسب النبي ﵌، فقال النبي ﵌: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ»، فخرج في قافلة يريد الشام فنزل منزلًا فقال: «إني أخاف دعوة محمَّد»، قالوا له: «كلا»، فحَطّوا مَتاعَهم حوله وقعدوا يحرسونه، فجاء الأسد فانتزعه فذهب به» (رواه الحاكم في المستدرك، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر العسقلاني).
٣ - عن أنس سدد خطاكم قال: «كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا، فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﵌، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّىَ لَحِقَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ.
فَكَانَ يَقُولُ: «مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ»، قَالُوا: «هَذَا قَدْ كَانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ»، فَأُعْجِبُوا بِهِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللهُ عُنُقَهُ فِيهِمْ، فَأَمَاتَهُ اللهُ فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ
стр. 27
لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَقَالُوا: «هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ»، فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالُوا: «هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ»، فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الْأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ؛ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذا». (رواه البخاري ومسلم).
فهذا الملعونُ الذي افترى على النبيِّ ﵌ أنه ما كان يدري إلا ما كتب له، قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دُفن مرارًا، وهذا أمرٌ خارجٌ عن العادة، يدلُ كلّ أحدٍ على أن هذا عقوبةً لما قالهُ، وأنه كان كاذبًا، إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا، وأن هذا الجُرمَ أعظمُ من مجرد الارتداد، إذ كان عامةُ المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا، وأن اللهَ منتقمٌ لرسولهِ ﵌ ممن طعن عليه وسَبّهُ، ومُظْهِرٌ لدينه، ولكذب الكاذب إذا لم يمكن للناس أن يقيموا عليه الحد.
стр. 28
٤ - عن ابْنَ عَبَّاسٍ سدد خطاكم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ» قال الزُّهْرِيُّ: «فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله ﵌ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ. (رواه البخاري). (يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ): أَيْ يَتَفَرَّقُوا وَيَتَقَطَّعُوا.
وفي رواية أن عبد الله بن حذافة السهمي قال: ... «فدفَعْتُ إليه كتاب رسول الله ﵌، فَقُرِئَ عليه، ثم أخذه فمزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله ﵌ قال: «اللهم مَزِّقْ مُلْكَهُ». وكتب كسرى إلى باذان - عامِلَه في اليمن - أنِ ابعثْ من عندك رجلين جَلْدَيْن إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فلْيَأتِيَاني بخبره، فبعث باذان قهرمان ورجلًا آخر وكتب معهما كتابًا، فقدما المدينة، فدفعا كتاب باذان إلى النبي ﵌، فتبسم رسول الله ﵌ ودعاهما إلى الإسلام - وفرائصهما ترعد -، وقال: «ارجِعَا عَنّي يومَكُما هذا حتى تأتياني الغد فأخْبِركما بما أريد»، فجاءاه من الغد فقال لهما:
стр. 29
«أبْلِغَا صَاحِبَكُما أنَّ رَبِّي قَدْ قَتَلَ رَبَّهُ كِسْرَى فِي هَذِهِ اللّيْلَة» (رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى وصححه الألباني). وكان هلاك كسرى بأنْ سلط الله عليه ابنه شيرويه فقتله.
٥ - ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) أن بعض أمراء المغول تنَصَّر فحضر عنده جماعة من كبار النصارى والمغول فجعل واحد منهم ينتقص النبي ﵌ وهناك كلب صيد مربوط فلما أكثر من ذلك وثب عليه الكلب فخمشه فخلصوه منه. وقال بعض من حضر: «هذا بكلامك في محمد ﵌».
فقال: «كلا، بل هذا الكلب عزيز النفس، رآني أشير بيدي فظن أني أريد أن أضربه»، ثم عاد إلى ما كان فيه فأطال، فوثب الكلب مرة أخرى فقبض على زرْدِمَتِه فقلعها فمات من حينه، فأسلم بسبب ذلك نحو أربعين ألفًا من المغول.
стр. 30
(زَرْدَمَهُ زَرْدَمَة: أي خَنَقَه. (الزَّرْدَمَةُ): الابتلاعُ. و (الزّرْدَمةُ): موضعُ الازْدِرام في الحَلْق. وقيل: الزَّرْدَمَهُ من الإنسان تحت الحلقوم واللسانُ مركّب فيها.
٦ - أفتى فقهاءَ القيروانِ وأصحابَ سحنُون بقتلِ إبراهيم الفزاري، وكان شاعرًا متفننًا في كثير من العلومِ، وكان يستهزىء باللهِ وأنبيائهِ ونبينا محمد ﵌، فأمر القاضي يحيى بن عمرَ بقَتْلِه وصَلْبه، فطُعن بالسكينِ وصُلب مُنَكّسًا، ثم أُنزل وأُحرق بالنارِ، وحكى بعضُ المؤرخين أنه لما رُفعت خشبته، وزالت عنها الأيدي استدارت وحولته عن القبلةِ فكان آيةً للجميعِ، وكبَّر الناسُ، وجاءَ كلبٌ فولغ في دمهِ.
٧ - في أحد ردوده على أحد الكُتّاب - الَّذِيْ وصف الرَّسول ﵌ بوصفين لا يليقان به - ذكر الشيخ أحمد شاكر ﵀ في كتابه (كلمة الحق) هذه القصة عن والده الشيخ محمد شاكر، وكيل الأزهر في مصر سابقًا، أن خطيبًا
стр. 31
مفوهًا فصيحًا كان يتوافد إليه الناس لسماع خطبه، حضر إليه ذات يوم في خطبته أحد أمراء مصر، فأراد هذا الخطيب مدح هذا الأمير والثناء عليه، وكان هذا الأمير قد أكرم طه حسين الذي كان يطعن في القرآن وفي اللغة العربية، فلما حضر طه حسين والأمير في الخطبة، قام هذا الخطيب المفَوّه يمدح ذلك الأمير قائلًا له: «جاءه الأعمى فما عبس بوجهه وما تولى».
وفي كلامه هذا إساءة إلى النبي ﵌؛ لأن الله قال عن قصته ﵌ مع ابن أم مكتوم سدد خطاكم: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ (عبس: ١ - ٢ (، فلما صلى الخطيب بالناس قام الشيخ محمد شاكر والد الشيخ أحمد شاكر O ، بعد الصلاة يعلن الناس في المسجد أن صلاتهم باطلة , وأمرهم أن يعيدوا صلاة الظهر , فأعادوها، ذلك بأن الخطيب كَفَرَ بما شتم رسول الله ﵌ تعريضًا لا تصريحًا.
стр. 32
فالله سبحانه عتب على رسوله ﵌ حين جاءه ابنُ أم مكتوم الأعمى , وهو يحدث صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام , فأعرض عن الأعمى قليلًا حتى يفرغ من حديثه , فأنزل الله عتاب رسوله ﵌ في سورة كريمة، ثمّ جاء هذا الخطيب الأحمق الجاهل , يريد أن يتملق الأمير، فمدحه بما يوهم السامع أنه يريد إظهار منقبة لعظمته , بالقياس إلى ما عاتب الله عليه رسوله ﵌، فكان صنع الخطيب المسكين تعريضًا برسول الله ﵌ لا يرضى به مسلم.
يعلق الشيخ أحمد شاكر قائلًا: «ولم يَدَع الله لهذا المجرم جُرْمه في الدنيا قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى، فأقْسِمُ بالله لقد رأيته بعينَيْ رأسي بعد بضع سنين، وبعد أن كان عاليًا منتفخًا، مستعزًا بمَن لاذ بهم من العظماء والكبراء، رأيْتُه مَهينًا ذليلًا، خادمًا على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها في ذلة وصغار، حتى لقد خجلتُ أنْ يراني، وأنا أعرفه وهو
стр. 33
يعرفني، لا شفقة عليه؛ فما كان موضعًا للشفقة، ولا شماتة فيه؛ فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، ولكن لما رأيت من عبرة وعظة».
٨ - ذكره الشيخ محمد صالح المنجد أن أحدهم ذهب لنيل شهادة الدكتوراه خارج بلده، فلما أتم دراسته وكانت تتعلق بسيرة النبي ﵌، طلب منه أستاذه النصرانى أن يسجل في رسالته ما فيه انتقاص للنبي ﵌ وتعريض له، فتردد الرجل بين القبول والرفض، واختار في نهاية الأمر دنياه على آخرته، وأجابه إلى ما أراد طمعًا في تلك الشهادة، فما أن عاد إلى بلده حتى فوجئ بهلاك جميع أولاده وأهله في حادث مروع، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى.
٩ - في اليوم الأول من أغسطس ١٩٩٣م، الساعة الثانية ظهرًا، وفي (ركن الخطباء) فى حديقة (هايد بارك) الشهيرة بوسط العاصمة البريطانية (لندن) اعتاد بعض المسلمين الإنجليز المؤهلين لدعوة بنى جلدتهم إلى الاسلام
стр. 34
أن يتواجدوا بصفة أسبوعية فى (ركن الخطباء) بالحديقة المذكورة، ليتناوبوا على الخطابة داعين إلى توحيد الله وموضحين حقائق الإسلام، ومفندين شبهات أعدائه، وفى اليوم المذكور وقف الأخ أبو سفيان داعيًا إلى الله فانْبَرَى له رجل بريطانى نصرانى فأخذ يقاطعه ويشوش عليه، ثم تدني إلى ما هو أشنع من ذلك، فطوَّعَتْ له نفسه أن يلعن ويسب الله ، والرسول ﵌، والاسلام.
فلم يُمْهِلْه الله طرفة عين، وإذا بالخبيث يخِرُّ فى الحال على وجهه صريعًا لليدين وللفم بعد أن بال على نفسه، وأخذت الرغوة الكريهة المقززة تنبعث من فمه، وفشلت كل محاولات إسعافه إذ كان قد نفق فى الحال، وأفضى إلى جبَّار السموات والأرض - جل وعلا -، وكان أحد رجال الشرطة البريطانية المخصصين لحفظ الأمن والنظام يراقب الموقف برمته مع الحاضرين عن كثب، فلما نفضوا أيديهم منه، وأيسوا من حياته أقبل الشرطى نحو أخينا (أبى سفيان) قائلًا له: «هذا ربك قد انتقم منه فى الحال؟»،
стр. 35
فأجابه (أبو سفيان): «نعم هو الله الذى فعل ذلك، فادعوا الروح القدس كي تعيده إلى الحياة إن استطعتم».
الله ينتقمٌ لرسوله ﵌ ممن طعن عليه وسَبَّه:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وإنَّ الله منتقمٌ لرسوله ﵌ ممن طعن عليه وسَبَّه، ومُظْهِرٌ لِدِينِهِ ولِكَذِبِ الكاذب إذا لم يُمْكِن الناس أن يقيموا عليه الحدّ، ونظير هذا ما حَدَّثَنَاه أعدادٌ من المسلمين العُدُول، أهل الفقه والخبرة، عمَّا جربوه مراتٍ متعددةٍ في حَصْرِ الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا.
قالوا: «كنا نحن نَحْصُرُ الحِصْنَ أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنعٌ علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهلُهُ لِسَبِّ رسولِ الله ﵌ والوقيعةِ في عرضِه تَعَجَّلنا فتحه وتيَسَّر، ولم يكد يتأخر إلا يومًا أو يومين أو نحو ذلك، ثم يُفتَح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة
وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: «لما نَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١) أقبلت العوراء أمُّ جميل بنت حرب ولها وَلْوَلَة وفي يدها فِهْر وهي تقول: «مُذّممًا أبَيْنَا، ودِينَهُ قَلَيْنَا، وأمْرَه عصَيْنَا»، والنبي ﵌ جالس في المسجد ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال: «يا رسولَ الله، قد أقبلَتْ، وأنا أخافُ أن تَرَاكَ».
فقال رسول الله ﵌: «إنَّهَا لَنْ تَرَانِي»، وقرأ قرآنًا فاعتصم به كما قال، وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (الإسراء: ٤٥). فوقفَتْ على أبي بكر ولم تَرَ رسول الله ﵌ فقالت: «يا أبا بكر إني أخْبِرْتُ أن صاحبَك هَجَاني»، فقال: «لا، ورَبّ هذا البيت، ما هجاكِ»، فوَلَّتْ وهي تقول: «قد علمَتْ قريش أني بِنتُ سيدِها». (رواه الحاكم في المستدرك، وصححه، ووافقه الذهبي).