← Сира

Сира · id 96721

رحمة للعالمين - سعيد بن وهف

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (452 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عطاءً لا يخشى الفاقة» (١) والخامس يقول: «والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ» (٢))، والسادس يقول: بعد عفو النبي ﷺ عنه (٣) «جئتكم من عند خير الناس»، ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير (٤). وهناك أمثلة كثيرة جدًا. ٨ - الخلق الحسن هو أمنية كل مسلم وكل داعية مخلص خاصة؛ لأنه بذلك ينجو ويفوز وينجح في جميع أموره الخاصة والعامة؛ ولهذه الأهمية كان ﷺ يدعو ربه أن يهديه للخلق الحسن، فكان ﷺ يقول في استفتاحه لصلاة الليل: «واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. . .» (٥) وكان يقول: «اللهم كما أحسنت

стр. 107

خَلْقي فحسِّن خُلُقي» (١). ٩ - الخلق الحسن يُحبب صاحبه إلى الناس جميعًا حتى أعدائه، ويتمكن بذلك من إرضاء الناس على اختلاف طبقاتهم، وكل من جالسه أو خالطه أحبه، وبهذا يسهل على الداعية إدراك مطالبه السامية بإذن الله تعالى؛ لأن الدعاة إلى الله لا يسعون الناس بأموالهم ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق. ١٠ - إن من لم يتخلق بالخلق الحسن من الدعاة ينفر الناس من دعوته، ولا يستفيدون من علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم أو يبدو منه احتقارهم، واستصغارهم، ولو كان ما يقوله حقًا. قال للنبي الكريم ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا

стр. 108

مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وقال مُمْتَنًّا على عباده: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآية، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ

стр. 109

رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا - وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧]، ولا شك أنه يتعين على كل داعية أن يتخذه ﵊ قدوة وإمامًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. ١١ - إن صلاح الأمة وهدايتها والنهوض بها لا يكون سليمًا نقيًا إلا بالأخذ من المنبع الصافي، والبعد عن الأفكار الهدامة المنحرفة، والتزام الدعاة إلى الله تعالى بالخلق الحسن ودعوة الناس إليه هو من هذا المنبع، وتطبيق ذلك على أنفسهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 110

آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]؛ ولهذا أمر الله بالعلم قبل العمل، وبالعمل قبل الدعوة إليه، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] الآية، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] فقدم العمل قبل الدعوة إلى الحق. ١٢ - الخلق الحسن في الدعوة يجعل الداعية مستنير القلب، ويفتح مداركه، فيتبصر به مواطن الحق، ويهتدي به إلى الوسائل والأساليب الصحيحة في دعوة الناس الملائمة للظروف والأحوال، والأشخاص ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 111

الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] الآية. ١٣ - الخلق الحسن في الدعوة من أعظم الأسباب التي تنجي من النار وتورث الفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم وهذا هو غاية كل مسلم بعد رضى الله ، ولهذا عندما سأل ﷺ رجلًا فقال له: «ما تقول في الصلاة؟ " قال: أتشهَّد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار. أما والله! ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ. فقال ﷺ "حولها نُدَنْدِنُ» (١) وهذا يدل أن جميع الأقوال والدعوات والأعمال؛ إنما هو من أجل الفوز بالجنة والنجاة من النار بعد رضى الله . وقد تكفل ﷺ ببيت في أعْلى الجنة لمن حسَّن خلقه فقال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن

стр. 112

كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه» (١). ١٤ - الخلق الحسن من أكثر الأعمال التي يدخل بها المسلم الجنة، «فقد سُئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: "تقوى الله وحسن الخلق» (٢) ويبين ﷺ : أن النار تحرم على كل قريب هَيِّنٍ سهل. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أُخبركم بمن يحرم على النار - أو بمن تَحرُمُ عليه النار -؟! على كُلِّ قريبٍ هيِّنٍ لَيِّنٍ» (٣).

стр. 113

ثانيًا: عمله بالأخلاق الحسنة ﷺ الخلق الحسن موضوع واسع جدًا يشمل: الحلم، والأناة، والجود والكرم، والعفو والصفح، والرفق واللين، والصبر، والعزيمة، والثبات، والعدل والإنصاف، والصدق، والبرَّ، والوفاء بالعهد، والإيثار، والرحمة، والعفة، والتواضع، والزهد، والكيس، والنشاط، والسماحة، والمروءة، والشجاعة، والأمانة، والإخلاص. . . وهذا هو الخلق الحسن في الدعوة إلى الله تعالى وما يتفرع منه. أما الخلق العظيم الذي مدح الله به النبي ﷺ فهو الدين كله، والخلق الحسن جزء منه كما ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى (١) وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في مدارج السالكين: (حسن الخلق يقوم على

стр. 114

أربعة أركان، لا يتصور قيام ساقِه إلا عليها: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل. ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة) (١). وهذه الأخلاق الحسنة العظيمة قد عمل بها النبي ﷺ .

стр. 115

المبحث الثامن جوده وكرمه ﷺ [مراتب الجود والكرم] الجود والكرم خُلقٌ عظيم وهو على عشر مراتب على النحو الآتي: ١ - الجود بالنفس وهو أَعْلى مراتب الجود. ٢ - الجود بالرياسة، فيحمل الجواد جوده على الجود برياسته والإيثار في قضاء حاجات الناس. ٣ - الجود براحته، فيجود بها تعبًا في مصلحة غيره. ٤ - الجود بالعلم وبذله وهو من أعلى مراتب الجود، وهو أفضل من المال. ٥ - الجود بالنفع بالجاه كالشفاعة وغيرها. ٦ - الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه، فكل يوم تعدل فيه بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فترفع متاعه عليها أو تحمله عليها صدقة،

стр. 116

والكلمة الطيبة صدقة. ٧ - الجود بالعرض، كمن يعفو عمن اغتابه، أو سبه، ونال من عرضه، كما فعل أبو ضمضم. ٨ - الجود بالصبر، والاحتمال، وكظم الغيظ، وهذا أنفع من الجود بالمال. ٩ - الجود بالخلق الحسن، والبشاشة، والبسطة، وهو فوق الجود بالصبر. ١٠ - الجود بترك ما في أيدي الناس عليهم فلا يلتفت إليه. ولكل مرتبة من الجود مزيد وتأثير خاص في القلب، والله سبحانه قد ضمن المزيد للجواد والإتلاف للممسك، والله المستعان (١). وكل أنواع الجود والكرم قد اتصف بها رسول الله ﷺ ،

стр. 117

ومن الأمثلة العظيمة لتطبيق الجود والكرم بالمال ما فعله رسول الله ﷺ في الأمثلة الآتية: المثال الأول: وصف أنس ﵁ لكرمه ﷺ : عن أنس ﵁ قال: «ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة» (١). وهذا الموقف الحكيم العظيم يدل على عظم سخاء النبي ﷺ ، وغزارة جوده (٢).

стр. 118

وكان ﷺ يعطي العطاء ابتغاء مرضاة الله وترغيبًا للناس في الإسلام، وتأليفًا لقلوبهم، وقد يُظهر الرجل إسلامه أولًا للدنيا ثم - بفضل الله تعالى، ثم بفضل النبي ﷺ ونور الإسلام - لا يلبث إلا قليلًا حتى ينشرح صدره للإسلام بحقيقة الإيمان، ويتمكن من قلبه، فيكون حينئذٍ أحب إليه من الدنيا وما فيها (١). المثال الثاني: وصف صفوان ﵁ لكرمه ﷺ : روى مسلم في صحيحه «أن النبي ﷺ غزا غزوة الفتح - فتح مكة - ثم خرج ﷺ بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة. قال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني

стр. 119

وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ» (١). وقال أنس ﵁: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل ﷺ شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه (٢). وإذا رأى ﷺ الرجل ضعيف الإيمان، فقد كان ﷺ يجزل له في العطاء، قال ﷺ : «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه» (٣) ولذلك

стр. 120

كان ﷺ «يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل» (١). المثال الثالث: ما فعله ﷺ مع المرأة المشركة: من كرمه وأخلاقه العظيمة في ذلك ما فعله ﷺ مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين، «فإنه ﷺ بعد أن أسقى أصحابه من مزادتيها، ورجعت المزادتان أشد ملاءةً منها حين ابتدأ فيها قال لأصحابه "اجمعوا لها"، فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيقة وسويقة - حتى جمعوا لها طعامًا كثيرًا وجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها: "اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين والله ما رزأناك (٢) من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا». وفي القصة أنها رجعت إلى قومها فقالت: «لقيت أسحر

стр. 121

الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذلك الصرم (١) بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا» (٢). وفي رواية: «فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون ذلك الصرم الذي هي فيه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام» (٣). وقد كان سبب إسلام هذه المرأة أمران: الأمر الأول: ما رأته من أخذ النبي ﷺ وأصحابه من مزادتيها ولم ينقص ذلك من مائها شيئًا، وهذا من

стр. 122

معجزات النبي ﷺ التي تدل على صدق رسالته. الأمر الثاني: كرم النبي ﷺ حينما أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعامًا كثيرًا. أما قومها، فقد أسلموا على يديها؛ لأن المسلمين صاروا يراعون قومها بإقرار النبي ﷺ على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سببًا لإسلامهم (١). وهذه الأمثلة التي سقتها ما هي إلا قطرة من بحر من كرم النبي ﷺ ، فما أحوجنا إلى الاقتداء بالنبي ﷺ والاقتباس من نوره وهديه في دعوته وفي أموره كلها، والله المستعان.

стр. 123

المبحث التاسع عدله ﷺ [ترغيب النبي ﷺ في العدل] وقد رغَّب النبي ﷺ في العدل، ومن ذلك أنه قال: «سبعة يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلِّ إلا ظِلُّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله. . .» الحديث (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المقسطين عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن وكِلتَا يديه يمينٌ، الذين يعدلون في حُكمِهم، وأهليهم، وَمَا وَلُوا» (٢). العدل له مجالات كثيرة لا تحصر منها: العدل في الولاية، والعدل في القضاء، والعدل في تطبيق الحدود، والعدل في المعاملات بين الناس، والعدل في الإصلاح بين الناس، والعدل مع الأعداء، والعدل مع الأولاد، والعدل بين الزوجات. . . وغير ذلك.

стр. 124

ومن الأمثلة العظيمة في تطبيق النبي ﷺ العدل الأمثلة الآتية: المثال الأول: مع المرأة المخزوميَّة التي سرقت: قد كان النبي ﷺ أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول ﷺ لم يحابِ في ذلك، ولم يقبل الشفاعة في حد من حدود الله تعالى. فعن عائشة ﵂ «أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يُكلِّم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله ﷺ فأُتيَ بها رسول الله ﷺ ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله! فلما كان العشي

стр. 125

قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، فقال: "أما بعد، أيها الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ (١). إن العدل خلاف الجور، وقد أمر الله به في القول والحكم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ

стр. 126

كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. ولاشك أن هذا الخلق العظيم وغيره من أخلاقه ﷺ مما يوجب على المسلم تطبيقها أسوة به ﷺ (١). المثال الثاني: مع النعمان بن بشير وابنه ﵄: وعن النعمان بن بشير ﵄ قال وهو على المنبر: «أعطاني أبي عطيَّةً، فقالت عمرة بنتُ رواحة: لا أرضَ حتى تُشهِدَ رسول الله ﷺ ، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحة عطيَّةً فأمرتني أن أُشهدكَ يا رسولَ الله، قال: "أعطيت سائر

стр. 127

ولدك مثل هذا؟ " قال: لا. قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» قال: فرجع فردَّ عطيته. وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: «ألك ولدٌ سواه؟ " قال: نعم، قال: فأراه قال: "لا تُشهدني على جور» وفي لفظ: «لا أشهد على جور» وفي لفظ: «إني نحلتُ ابني هذا غلامًا، فقال: "أَكُلَّ ولدك نحلتَه مثلَهُ؟ " قال: لا. قال: "فأرجعه» وفي لفظ لمسلم: «أليس تريد منهم البر مثل ما تريد من ذا؟ " قال: بلى، قال: "فإني لا أشهد» (١). والنحلة: العطية بغير عوض (٢) وفي هذا الحديث حرص النبي ﷺ على العدل بين الأولاد، ووصيته ﷺ بالتقوى، وبالعدل بين الأولاد وغيرهم، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ يقول: (وهذا واضح أنه لا يجوز تخصيص بعض الأولاد بشيء؛ لأن

стр. 128

هذا يسبب الشحناء بين الأولاد والعداوة، وللذكر مثل حظ الأنثيين كالميراث على الصحيح، ويعدل بين الطائعين والعصاة، ويُوجِّه العصاة وينصحون) (١). المثال الثالث: عدله مع أهله ﷺ : عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملكُ فلا تلُمني فيما تَمْلِكُ ولا أَمْلِكُ» (٢). وقد قسم النبي ﷺ فعدل بين نسائه، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: قوله: "فلا تلمني فيما تملك" يعني القلب، وما يتعلق به؛ فإن المحبة والمودة شيء في القلب، لا يستطيع الزوج أَنْ يسوِّيَ بينهنَّ فيه، وله أسباب تحبب المرأة إلى زوجها: من دينها، وشبابها، وغير

стр. 129

ذلك، وإنما يملك العبد القسم بينهن بالسوية في الليل والنهار، والنفقة وإحسان العشرة، وطيب الكلام، أما الشيء الذي يتعلق بالقلب والشهوة فهذا لا يملكه) (١). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من كانت له امرأتان فمال إلى إِحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّهُ مائل» (٢). وهذا الحديث يدل على تحريم الميل الذي يستطيعه الإنسان، أما الميل الذي لا يستطيعه فالله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ

стр. 130

فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وفي هذا الحديث الوعيد لمن تعمَّد الجور والظلم، وأنه يأتي يوم القيامة وشقه مائل، وهذه عقوبة ظاهرة (١). ومن سنته ﷺ أن من تزوَّج بكرًا أقام عندها سبع ليالٍ ثم قسم بين زوجاته إذا كان له أكثر من واحدة؛ لحديث أنس ﵁ قال: «من السُّنَّة إذا تزوَّج الرجل البكر على الثيِّب أقام عندها سبعًا ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم» (٢). وعن أم سلمة ﵂ «أن النبي ﷺ لما تزوَّجها أقام عندها ثلاثًا، وقال: "إنه ليس بك على أهلك هوان (٣) إن شئت سبَّعتُ لَكِ، وإن سبَّعتُ لَكِ سبَّعْتُ لنسائي» (٤).

стр. 131

وعن عائشة ﵂: «أن سودة بنتُ زَمْعةَ وَهبت يومها لعائشة، وكان النبيُّ ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ لا يُفضِّل بعضنا على بعضٍ في القَسْمِ من مكثه عندنا، وكان قلَّ يومٍ إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنتُ زَمعة حين أسنت (٢) وفَرِقت (٣) أن يفارقها رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها، قالت: نقول في ذلك: أنزل الله تعالى وفي أشباهها - أُرَاه قال - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]» (٤).

стр. 132

وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: تزوج النبي ﷺ سودة بعد خديجة وَقَبْلَ عائشة وطالت حياتها معه فلما أسنت وخافت أن يطلقها قالت: «يا رسول الله: يومي لعائشة». رواه أبو داود وإسناده جيد، وهذا يدل على أنه لا بأس أن تتنازل المرأة عن يومها لإحدى ضرَّاتها إذا رضي الزوج، فيكون للموهوبة يومان ولغيرها يوم (١). وقد كان هذا الوقت المشترك بعد العصر؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى العصر دار على نسائه ثم يدنو منهن. . .» (٢) وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: وهذا يدل على حسن عشرته ﷺ ، فقد كان خير الناس لأهله، فكان يطوف عليهن كل عصر يتفقد أحوالهنَّ وحاجاتهنَّ وذلك من

стр. 133

غير جماع، وربما طاف بهنَّ وجامعهن كما في حديث أنس، بغسل واحد، ولعل هذا نادر والجمع بين حديث عائشة هذا وحديث أنس أنه في الغالب من غير مسيس وربما جامع، فالمثبت مقدم على النافي (١). ولفظ حديث أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة قال الراوي لأنس: أَوَكان يُطيقه؟ قال: كُنَّا نتحدَّثُ أنه أُعطي قوَّة ثلاثين»، وقال سعيد عن قتادة أن أنسًا حدثهم (تسع نسوة) (٢) وقد حمل الحافظ ابن حجر أنه ضمَّ مارية، وريحانة: جاريتيه إلى زوجاته التسع، وأطلق عليهن (نسائه) تغليبًا (٣) وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: (هذه قوة عظيمة عنده تسع نسوة،

стр. 134

وجاريتان: ريحانة، ومارية) (١) (وهذا يدل على أن الرجل له أن يجامع زوجاته [في الوقت المشترك بينهن] تأسيًا به ﷺ ، وهذا من خلقه الكريم)، وفي حديث أنس قال: «كان للنبي ﷺ تسع نسوة فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع فَكُنَّ يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها. . .» (٢). وسمعت شيخنا ابن باز يقول: (وهذا عِلاوة على طوافه عليهن كل عصر، وهذا يكسبهن تعارفًا وإبعادًا عن الوحشة؛ فإن بين الضرات وحشة، فاجتماعهن كل ليلة يسبب التآلف) (٣). ومن عدله ﷺ بين نسائه أنه كان إذا أراد سفرًا أقرع بينهن، قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها

стр. 135

خرج بها معه» (١). ومن عدله وكرم أخلاقه ﷺ ما قاله أنس ﵁، قال: «كان النبي ﷺ عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين صحفةً فيها طعام، فضربت التي النبيُّ ﷺ في بيتها يدَ الخادم فسقطت الصحفةُ فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: "غارت أُمُّكم" ثم حبس الخادم حتى أُتِيَ بصحفةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرَتْ صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كُسِرَت فيه» (٢). هذه الأحاديث تدل على عِظَمِ النبيِّ ﷺ وعلى عدله مع نسائه، وحسن خلقه معهن، وملاطفتهن، والقيام بحقوقهن ﷺ .

стр. 136

المبحث العاشر تواضعه ﷺ [معنى التواضع وتكريم الله للمتواضعين] يقال: تواضع: تذلل وتخاشع (١) والمراد بالتواضع: إظهار التنزل لمن يراد تعظيمه، وقيل: تعظيم من فوقه لفضله (٢). والتواضع صفة عظيمة وخلق كريم؛ ولهذا مدح الله المتواضعين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، أي يمشون في سكينة ووقار متواضعين غير أشرين ولا متكبرين، ولا مرحين، فهم علماء، حلماء، وأصحاب وقار وعفة (٣). والمسلم إذا تواضع رفعه الله في الدنيا والآخرة؛ لقوله

стр. 137

صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، ومن تواضع لله رفعه» (١). وهذا ما يفتح الله به للمسلم قلوب الناس؛ فإن الله يرفعه في الدنيا والآخرة، ويثبت له بتواضعه في قلوب الناس منزلة ويرفعه عندهم ويجلُّ مكانه (٢) أما من تكبر على الناس فقد توعده الله بالذل والهوان في الدنيا والآخرة؛ لحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداءه فمن ينازعني عذبته» (٣). [أمثلة تطبيقية لتواضع النبي ﷺ ] وقد كان النبي ﷺ أعظم الناس تواضعًا، ومن تواضعه الأمثلة الآتية:

стр. 138

المثال الأول: قصة الناقة العضباء: عن أنس ﵁ قال: «كانت ناقة لرسول الله ﷺ تُسمَّى العضباء وكانت لا تُسْبَقُ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا سُبِقَتِ العضباء، فقال رسول الله ﷺ : إن حقًا على الله أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه» (١). ورسول الله ﷺ هو الأسوة الحسنة فقد كان متواضعًا في دعوته للناس. المثال الثاني: وصف أبي مسعود لتواضعه ﷺ : عن أبي مسعود ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ رجل فكلَّمه فجعل ترعُد فرائصُهُ فقال له: هوِّن عليك نفسك فإني لستُ بِمَلِكٍ، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد» وزاد الحاكم في روايته عن جرير بن عبد الله: ". . . في هذه

стр. 139

البطحاء"، ثم تلى جرير ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] (١). فعلى جميع الناس أن يقتدوا برسول الله ﷺ فقد كان متواضعًا في دعوته مع الناس، فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، وتأخذه بيده الأمة فتنطلق به حيث شاءت، وكان في بيته في خدمة أهله، ولم يكن ينتقم لنفسه قط، وكان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء، فكان متواضعًا من غير ذلة، جوادًا من غير سرف، رقيق القلب رحيمًا بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم (٢) ﷺ .

стр. 140

المثال الثالث: تفضيله ﷺ للأنبياء على نفسه: «وقال له رجل: يا خير البرية! فقال النبي ﷺ : ذاك إبراهيم ﵇» (١) وقال ﷺ : «ما ينبغي لأَحدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متَّى» (٢). ولاشك أنه ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين، وسيد الناس أجمعين؛ لقوله ﷺ : «أنا سيد الناس يوم القيامة» (٣) وقال ﷺ : (٤). ومن تواضعه ﷺ : أنه لم يكن له بوَّابٌ يحجبه عن الناس (٥) وكان يرقي المرضى ويدعو لهم، ويمسح رأس الصبي ويدعو له (٦) وكان يشفع لأصحابه، ويقول: «اشفعوا

стр. 141

تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» (١) وقال لأنس ﵁: يا بُنَيَّ على سبيل الملاطفة والتواضع (٢). ومن تواضعه ﷺ : «أن رجلًا كان يَقمُّ المسجد أو امرأة سوداء، فماتت أو مات ليلًا، فدفنه الصحابة، ففقدها النبي ﷺ أو فقده، فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: "أفلا كنتم آذنتموني" فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره، فقال: "دلُّوني على قبرها" فدلوه فصلى عليها ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم» (٣). وقال أنس بن مالك ﵁: «خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي أفٍّ قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقًا. . .» (٤).

стр. 142

المبحث الحادي عشر حلمه وعفوه ﷺ بلغ النبيُّ ﷺ في حلمه، وعفوه في دعوته إلى الله - تعالى - الغاية المثالية، والدلائل على ذلك كثيرة جدًّا، منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي: المثال الأول: مع من قال: هذه قسمة ما عُدِلَ فيها: عن ابن مسعود ﵁ قال: «لما كان يوم حنينٍ آثر النبيُّ ﷺ أُناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عُيَينة مثل ذلك، وأعطى أُناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُدِلَ فيها، وما أُريدَ بها وجه الله، فقلت: والله لأُخْبَرِنَّ النبيَّ ﷺ . فأتيته فأخبرته، فقال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (١).

стр. 143

وهذا من أعظم مظاهر الحلم في الدعوة إلى الله - تعالى - وقد اقتضت حكمة النبي ﷺ أن يقسم تلك الغنائم بين هؤلاء المؤلَّفة قلوبهم، ويُوكِلَ من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه (١). المثال الثاني: مع من قال: كُنَّا أَحَقَّ بهذا: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول الله من اليمن بذهيبة (٢) في أديم مقروظ (٣) لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر (٤) وأقرع بن حابس، وزيد الخيل (٥) والرابع إما علقمة (٦) وإما عامر بن الطفيل،

стр. 144

فقال رجل من أصحابه: كُنَّا نحن أحقُّ بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء؟ " قال: فقام رجل غائر العينين، مُشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مُشمِّر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، قال: "ويلك، أولستُ أحقُّ أهل الأرض أن يتقي الله؟ " قال: ثم ولى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا، لعله أن يكون يصلي" فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول الله ﷺ : "إني لم أُومر أن أَنقُب قلوب الناس ولا أشقَّ بطونهم". قال: ثم نظر إليه وهو مُقَفٍّ فقال: "إنه يخرج من ضئضيء هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (١).

стр. 145

وهذا من مظاهر حلم النبي ﷺ ، فقد أخذ بالظاهر ولم يؤمر أن ينقب قلوب الناس، ولا أن يشق بطونهم، والرجل قد استحق القتل واستوجبه؛ ولكن النبي ﷺ لم يقتله؛ لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه ولاسيما من صلَّى (١). المثال الثالث: مع الطفيل بن عمرو ﵁: من مواقف الحلم ما فعله رسول الله ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁، فقد أسلم الطفيل ﵁ قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه وعشيرته إلى الله فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول الله ﷺ وذكر له أن دوسًا هلكت وكفرت وعصت وأبت.
следующие страницы →