← Сира

Сира · id 96721

رحمة للعالمين - سعيد بن وهف

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (452 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يرحم الأرامل والمساكين، ويَحُثُّ على العناية بهم، وسدِّ حاجاتهم، فصلوات الله وسلامه عليه. ٤ - عن أمِّ بُجيدٍ ﵂، أنها قالت: «يا رسول الله صلى الله عليك: إن المسكين ليقومُ على بابي فما أجد له شيئًا أُعطيه، فقال لها رسول الله ﷺ : إن لم تجدي له شيئًا تُعطينه إيَّاه إلا ظلفًا مُحرَّقًا فادفعيه إليه في يده» (١) وهذا فيه رحمة النبي ﷺ بالمساكين وحثَّه على إطعامهم، على حسب القدرة والاستطاعة رحمةً بهم، وشفقةً عليهم. النوع التاسع: رحمته ﷺ لطلاب العلم والشفقة عليهم: ١ - عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «سيأتيكم أقوامٌ يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا: مرحبًا مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ ، وأقنوهم» قلت

стр. 72

للحكم: ما أقنوهم؟ قال: علِّموهم (١). ٢ - عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: «أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظنَّ أنَّا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا [وفي رواية: فلما رأى شوقنا إلى أهالينا] سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلِّموهم، ومروهم،. . . وصلُّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدُكم وليؤمُّكم أكبَرُكُم» (٢) وهذا فيه شفقة النبي ﷺ ورحمته لطلاب العلم. النوع العاشر: رحمة النبي ﷺ للأسرى: عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فُكُّوا

стр. 73

العاني - يعني الأسير - وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض» (١) وهذا الحديث فيه رحمة النبي ﷺ للأسرى المسلمين، والأمر بفَكِّهم، والأمر بإطعام الجائع، وعيادة المريض. النوع الحادي عشر: رحمة النبي ﷺ للمرضى والشفقة عليهم: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حقُّ المسلم على المسلم ستٌّ قيل: ما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (٢). ٢ - عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، قيل: يا رسول الله! وما خرفة الجنة؟ قال: جناها» (٣).

стр. 74

٣ - عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يعودُ مسلمًا غدوة إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنة» (١). ٤ - عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «مَن عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلاَّ عافاه الله من ذلك المرض» (٢). وهذه الأحاديث فيها الرحمة الظاهرة من النبي ﷺ بالمرضى، ورغبته العظيمة في نفعهم وشفائهم، وترغيبه لأمته في العناية بالمرضى وإدخال السرور عليهم.

стр. 75

النوع الثاني عشر: رحمتهُ ﷺ للحيوان، والطير، والدواب: ١ - في حديث أبي هريرة «أن رجلًا وجد كلبًا يأكل الثرى من العطش، فسقاه فغفر الله له، قالوا: يا رسول الله! وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كُلِّ كبدٍ رطبة أجر» وفي لفظ للبخاري: «فشكر الله له فأدخله الجنة» (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «غُفِرَ لامرأة مومسةٍ مرَّت بكلبٍ على رأس ركيٍّ كاد يقتله العطش، فنزعت خُفَّها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فغُفر لها بذلك» (٢). ٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «عُذِّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولاسقتها إذ حبستها،

стр. 76

ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (١). ٤ - عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو زرعًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة» (٢). ٥ - عن ابن عباس ﵄: «أن رجلًا أضجع شاةً وهو يحدُّ شفرته، فقال النبي ﷺ : أَتُريدُ أن تُميتَها موتاتٍ هَلاَّ أحددتَ شفرتك قبل أن تُضْجِعَهَا؟» (٣). ٦ - وعن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبْحَةَ، وليُحِدَّ

стр. 77

أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (١). ٧ - وعن ابن عمر ﵄ يرفعه قال: «من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقِّها [إلا سأله] الله عنها يوم القيامة قيل: يا رسول الله فما حقُّها؟ قال: أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فَيُرمى بها» (٢) وسمعت سماحة شيخنا ابن باز ﵀ يقول: (قتل العصفور لا يجوز إذا كان للتلاعب، أما من قتله؛ لأكله أو الصدقة به فلا بأس) (٣). ٨ - وعن ابن عمر ﵄: «أنه مرَّ بصبيانٍ من قريش قد نصبوا طيرًا أو دجاجةً يترامونها، وقد جعلوا لصاحب الطير كلَّ خاطئةٍ من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرَّقَوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل

стр. 78

هذا؛ إن رسول الله ﷺ : لعن من اتخذ شيئًا فيه الروحُ غرضًا» (١) (٢). ٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فانطلق لحاجته فرأينا حُمَّرةً (٣) معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تَفرش [أي تُرَفرِفُ بجناحيها وتقرب من الأرض] فجاء النبي ﷺ فقال: من فَجعَ هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها ورأى قرية نملٍ (٤) قد حرَّقناها فقال: مَن حرَّق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يُعَذِّب بالنار إلا ربُّ النار» (٥). ١٠ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ «أن النبي

стр. 79

صلى الله عليه وسلم مَرَّ على حمارٍ قد وُسِمَ في وجهِهِ فقال: لعن الله الذي وسمه» (١) [الوسم الكي بحديدة]. ١١ - وعنه ﵁: «نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجهِ، وعن الوسم في الوجه» (٢). ١٢ - وعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: «أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه، وفيه: فدخل رسول الله ﷺ حائطًا لرجلٍ من الأنصار فإذا جملٌ فلمَّا رأى النبيَّ ﷺ حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفراه (٣) فسكت، فقال: من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتىً من الأنصارِ فقال: لي يا رسول الله، فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمةِ التي ملَّكَكَ الله

стр. 80

إيَّاها؛ فإنه شكا إليَّ أنَّك تُجيعه وتُدئبُهُ» (١). (٢) وهذه نماذج يسيرة من أنواع رحمة النبي ﷺ ؛ لأعدائه، وأحبابه، والمسلم، والكافر، والذكر والأنثى، والصغير، والكبير، والإنس، والحيوان، والطير، والنمل، وغير ذلك كثير لا يحصر في مثل هذا المقام. فصلوات الله وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار. النوع الثالث عشر: رقة قلبه ﷺ وبُكاؤه في مواطن كثيرة: لم يكن النبي ﷺ يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله

стр. 81

تعالى، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ (١). ومن الحالات التي بكى فيها النبي ﷺ ما يأتي: ١ - بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل، فقال بلال: «يا رسول الله لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]». (٢) ٢ - بكاء النبي ﷺ في الصلاة من خشية الله تعالى،

стр. 82

فعن عبد الله بن الشخِّير قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المِرجل من البكاءِ» (١). ٣ - بكاء النبي ﷺ عند سماع القرآن، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ عليَّ القرآن" فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك؛ وعليك أُنزل؟ فقال: "نعم، فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري" قال ابن مسعود: فافتتحتُ سورة النساء فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، فإذا عيناه تذرفان» (٢). ٤ - بكاء النبي ﷺ عند فقد الأحبة، «بكى النبي ﷺ عند موت ابنه إبراهيم، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له

стр. 83

عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف! إنها رحمة. . . إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (١). ٥ - بكاء النبي ﷺ عند وفاة إحدى بناته، قيل: هي أُمُّ كلثوم زوجة عثمان بن عفان رضي الله عن الجميع، فعن أنس ﵁ قال: «شهدنا بنتًا للنبي ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: "هل فيكم أحد لم يُقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا، قال: "فانزل في قبرها" قال: فنزل في قبرها فقَبَرها» (٢). ٦ - وبكى ﷺ عند موت ابنة له أيضًا، فعن ابن عباس ﵄ قال: «أخذ رسول الله ﷺ ابنة له تقضي (٣)

стр. 84

فاحتضنها فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه، فصاحت أُمُّ أيمن، فقال: يعني رسول الله ﷺ : "أتبكين عند رسول الله؟ " فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: إني لست أبكي إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كلِّ حال، إنَّ نفسه تُنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله » (١). ٧ - وبكى ﷺ عند وفاة أحد أحفاده، فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: «أرسلَتْ بنتُ النبيِّ ﷺ (٢) إنَّ ابني قد احتُضِرَ فاشْهَدنا، فأرسل يُقرِئُ السلام ويقول: "إنَّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمًّى، فلتصبر ولتحتسب" فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينَّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال ﵃، فرُفِعَ إلى النبي ﷺ الصبيُّ، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع،

стр. 85

قال: كأنها شَنٌّ، وفي رواية: تقعقع (١) كأنها في شنٍّ (٢) ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسولَ الله ما هذا؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" وفي رواية: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب مَن شاء من عباده، إنما يرحم الله من عباده الرُّحماءُ» (٣). ٨ - بكى النبي ﷺ عند موت عثمان بن مظعون، فعن عائشة ﵂ قالت: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبِّل عثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ حتى رأيت الدموع تسيل». ولفظ الترمذي: «أن النبي ﷺ قَبَّل عثمانَ بن مظعون، وهو ميِّتٌ وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان» (٤). ٩ - بكى ﷺ على شهداء مؤتة، فعن أنسٍ ﵁ «أن النبي

стр. 86

صلى الله عليه وسلم نعى زيدًا وجعفرًا للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الرَّايةَ زيدٌ فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فُتِح عليهم» (١). ١٠ - بكى عند زيارة قبر أمه، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أَزورَ قبرها فَأذِنَ لي، فزورُوا القبور فإنها تذكركم الموت» (٢). ١١ - بكى ﷺ عند سعد بن عبادة وهو مريض، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود رضي

стр. 87

الله عنهم، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله (١) فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بَكَوْا، فقال: ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذب بهذا (٢) - وأشار إلى لسانه - أو يرحم. . .» (٣) الحديث (٤). ١٢ - بكى ﷺ عند القبر، فعن البراء بن عازب ﵄ قال: «كُنَّا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بَلَّ الثَّرى ثم قال: يا إخواني! لِمِثْلِ هذا فأعِدُّوا» (٥). ١٣ - بكى ﷺ في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربه

стр. 88

ويدعوه حتى أصبح، فعن علي بن أبي طالب ﵁، قال: «ما كان فينا فارس يوم بدرٍ غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرةٍ يُصلِّي ويبكي حتى أصبح» (١). ١٤ - بكى ﷺ في صلاة الكسوف، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «انكسفتِ الشمس يومًا على عهد رسول الله ﷺ ، فقام رسول الله ﷺ يُصلِّي، ثم سجد فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي، وذكر الحديث، وقال: فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "عُرِضَتْ عليَّ النار فجعلت أنفخها، فخفت أن تغشاكم" وفيه: ربِّ ألم تعدني ألا تُعذَّبهم» (٢). ١٥ - بكى ﷺ لقبوله الفداء في أسرى معركة بدر،

стр. 89

ففي حديث عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب ﵃: «. . . فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنوا العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم، فتُمكِّن عليًا من عقيلٍ فيضربُ عُنقه، وتُمكِّنِّي من فلانٍ - نسيبًا لعمر - فأضربَ عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوِيَ رسولُ الله ﷺ ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، ولَمَّا كان مِنَ الغَدِ جئتُ فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أيِّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدتُ بُكاءً بكيت، وإن لم أجد بُكاءً تباكيتُ لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ :

стр. 90

"أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة" شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله ﷺ ، وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ (١) فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فأحلَّ الله الغنيمة لهم» (٢). ١٦ - بكى النبيُّ ﷺ شفقة على أمته، فعن عبد الله بن عمرو ﵄: «أنَّ النبيَّ ﷺ تلا قول الله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية، وقال عيسى ﵇:

стр. 91

﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] الآية، فرفع يديه وقال: "اللهم أُمَّتي أُمَّتي" وبكى، فقال الله : "يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل ﵊ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنَّا سَنُرضيك في أُمَّتك ولا نسوءك» (١).

стр. 92

المبحث السادس تلطفه ﷺ بالأطفال وإدخال السرور عليهم وَصَلَ النبيُّ ﷺ إلى الدرجة العليا في الكمال البشري في جميع المجالات، ومن هذه الأخلاق العظيمة أخلاقه مع الأطفال التي ضرب فيها المثل الأعلى، ولا يصل إلى درجته أحد من خلق الله تعالى، لا علماء النفس، ولا غيرهم؛ ولكن مع ذلك المسلم يُلْزِمُ نفسه على حسب قدرته بالاقتداء بالنبي ﷺ ، ومن هذا تلطفه ومداعبته الكريمة للأطفال، ومن ذلك على سبيل المثال والإيجاز ما يأتي: المثال الأول: مداعبته ﷺ محمود بن الرُّبيع: قال محمود ﵁: «عَقلتُ من النبي ﷺ مَجَّةً مجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلوٍ» (١) وقوله ﵁: عقلت: أي حفظت، ومجةً: المجُّ هو إرسال الماء من الفَمِ، ولا يُسمَّى مجًّا إلا إذا كان عن بُعدٍ، وفعل ذلك ﷺ إمَّا مداعبةً أو ليُبارك عليه كما كان ذلك شأنه مع أولاد

стр. 93

الصحابة (١) قال شيخنا ابن باز ﵀: وهذا من باب المداعبة وحسن الخلق (٢). المثال الثاني: ملاطفته ومداعبته ﷺ لجملة من الأطفال: عن جابر بن سَمُرة ﵁، قال: «صليتُ مع رسول الله ﷺ صلاة الأُولى ثم خرج إلى أهله وخرجتُ معه، فاستقبلهُ وِلدانٌ فجعل يمسح خدَّيْ أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدَّيَّ فوجدت لِيَدِهِ بردًا أو ريحًا، كأنما أخرجها من جؤنة عطَّار» (٣) والجؤنة: السفط الذي فيه متاع العطار. المثال الثالث: ملاطفته ﷺ الحسن والحسين في مواقف كثيرة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «قبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن عليٍّ وعنده الأقرع بن حابسٍ التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظر

стр. 94

إليه رسول الله ﷺ ثم قال: من لا يَرْحم لا يُرحم» (١). ٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: «جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ فقال: تُقَبِّلون صبيانكم فما نُقَبِّلُهُم، فقال النبيُّ ﷺ : أَوَأَمْلِكُ لَكَ أن نَزَعَ اللهُ من قلبك الرحمة» (٢) والمعنى: لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلبك بعد أن نزعها الله منه (٣). ٣ - والحسن والحسين ﵄ من أحب الناس إلى النبي ﷺ ، فعن ابن عمر ﵄ قال:. . . وسمعتُ النبي ﷺ يقول: «هُمَا ريحانتاي من الدنيا» (٤) والمعنى: أنهما مما أكرمني الله وحباني به؛ لأن الأولاد يُشمَّون ويُقبَّلون، فكأنهم من جملة الرياحين، وقوله "من

стр. 95

الدنيا" أي نصيبي من الريحان الدنيوي (١). ٤ - وعن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعلَّ الله أن يُصلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٢). وقد أصلح الله به بين معاوية ومن معه وأتباع علي بن أبي طالب ومن معه فتنازل عن الخلافة لمعاوية فحقن الله تعالى به دماء المسلمين (٣). ٥ - وعن البراء ﵁ قال: «رأيتُ النبيَّ ﷺ والحسن بن عليٍّ على عاتقه يقول: اللهم إني أُحِبُّه فأَحِبَّه» (٤). المثال الرابع: ركوب الصبي على ظهره ﷺ وهو ساجد: وعن شدَّادٍ ﵁ قال: «خرج النبي ﷺ إلى الناس؛ ليصلي

стр. 96

بهم إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا فتقدَّم رسول الله ﷺ فوضعه، ثم كبر للصلاة، فصلَّى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أَبِي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ ، وهو ساجد، فرجعتُ إلى سجودي، فلمَّا قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظنَنَّا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، قال: "كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعَجِّلَهُ حتى يقضي حاجته» (١). المثال الخامس: محبته ﷺ لأُسامة: عن أسامة بن زيد ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يأخذني فَيُقْعِدُني على فخذه ويُقعد الحسن بن علي على فخذه الآخر ثُمَّ يضمُّهما ثم يقول: "اللهم ارحمهما فإني

стр. 97

أرحمهما» وفي رواية: «اللهم إني أُحبُّهما فأَحبَّهما» (١). المثال السادس: حَمْلُهُ ﷺ بنت زينب وهو يصلي: فعن أبي قتادة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حاملٌ أمامة بنت زينب، بنت رسول الله ﷺ بنت أبي العاص، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها» (٢). المثال السابع: مداعبة أم خالد باللغة الحبشية: فعن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: «أتيت رسول الله ﷺ مع أبي وعليَّ قميص أصفر، قال رسول الله ﷺ : "سَنَه سَنَه" قال عبد الله الراوي: وهي بالحبشية: حسنة، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي (٣) قال رسول الله ﷺ : "دعها" ثم قال: "أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي» قال عبد الله فبقيت حتى

стр. 98

ذكر (١) والمعنى فبقيت حتى ذكر الراوي من بقائها أمدًا طويلًا، وقيل: لم تعش امرأة مثلما عاشت أم خالد (٢). المثال الثامن: تخفيفه ﷺ الصلاة عند بكاء الصبي: كان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي رحمة لأمه وشفقة عليها وعليه، ﷺ ، فعن أبي قتادة، عن أبيه ﵄، عن النبي ﷺ قال: «إِنِّي لأقوم في الصلاة أُريد أن أُطوِّل فيها فأسمع بكاء الصَّبيِّ؛ فأتجوَّز في صلاتي كراهية أن أشقَّ على أُمِّه» (٣). المثال التاسع: سلامه ﷺ على الصبيان: فعن أنس بن مالك ﵁ «أنه مرَّ على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي ﷺ يفعله» (٤).

стр. 99

المثال العاشر: مداعبته ﷺ لأبي عُميرٍ: فعن أنس ﵁، قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس خُلقًا، وكان لي أخٌ يُقال له: أبو عُمير - أحسبه فَطِيمًا - وكان إذا جاء ﷺ قال: "يا أبا عُمير ما فعل النُّغير؟» (١) نُغرٌ كان يلعبُ به، أي طير صغير كان يلعب به أبو عمير، فمات النُّغير، فرآه النبي ﷺ حزينًا على النغير، فداعبه ﷺ (٢). المثال الحادي عشر: إعطاؤه ﷺ الصبي قبل الأشياخ؛ لأنه عن يمينه: أعطى ﷺ الشراب لغلام صغير عن يمينه قبل الأشياخ، فعن سهل بن سعد ﵁ قال: «أُتِيَ النبي ﷺ بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلامٌ أصغر القوم، والأشياخ عن يساره فقال: "يا غلام أَتَأْذَنُ لِي أَن أُعطيه الأشياخ؟ " قال: ما كنت لأوثر بفضلي منكَ أحدًا يا رسول الله! فأعطاه إياه». وفي رواية: «أَتَأْذَنُ لي أن أُعطِيَ

стр. 100

هؤلاء؟ " فقال الغلامُ: لا واللهِ يا رسول الله، لا أُوثِرُ بنصيبي منك أحدًا، قال: فَتَلَّهُ رسولُ الله ﷺ في يده» (١). المثال الثاني عشر: بول الصبيان في حجره ﷺ : فعن أمِّ قيس بنت مِحصنٍ «أنها أتت بابنٍ لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فنضحه ولم يغسله» (٢). وغير هذه المواقف كثيرةٌ جدًا.

стр. 101

المبحث السابع حسن خلقه ﷺ أولًا: ترغيبه ﷺ في حسن الخلق لا يُحصَى من دخل في الإسلام بسبب خلق النبي الكريم ﵊ سواء كان ذلك الخلق الحسن من: جوده أو كرمه، أو عفوه أو صفحه، أو حلمه أو أناته، أو رفقه أو صبره، أو تواضعه أو عدله، أو رحمته أو منِّه، أو شجاعته وقوته. . وقد رغَّب النبي ﷺ في حسن الخلق في مجالات عديدة منها ما يأتي: ١ - الخلق الحسن في حياة المسلم عامة، وفي حياة الدعاة إلى الله تعالى خاصة من أعظم روابط الإيمان وأعلى درجاته، لقوله ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» (١). ٢ - الخلق الحسن ضرورة اجتماعية لجميع المجتمعات،

стр. 102

وهو من أعظم المهمات التي تتعين على جميع الدعاة إلى الله تعالى؛ لأن من تخلَّق به كان من أحب الناس إلى النبي ﷺ وأقربهم منه مجلسًا يوم القيامة، قال ﷺ : «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» (١). ٣ - الخلق الحسن يجعل المسلم من أحسن الناس، ومن خيارهم مطلقًا، ولا يكون كذلك إلا بالتخلق بهذا الخلق العظيم، قال ﷺ : «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» (٢). وقد أحسن الشاعر إذ يقول: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا ٤ - الخلق الحسن من أعظم القربات وأجلِّ العطايا والهبات، والداعية إلى الله تعالى هو من أحق الناس بهذا الخير العظيم؛ ليطبقه على نفسه، ويدعو الناس إليه؛

стр. 103

ليحصل على الثواب الجزيل، ولهذا قال ﷺ : «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن» (١) وقال ﷺ : «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (٢) وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو: «أربع إذا كن فيك فما عليك ما فاتك من الدنيا: حفظُ أمانةٍ، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» (٣) وبهذا يحصل المسلم على جوامع الخيرات والبركات، قال ﷺ : «البر حسن الخلق» (٤). ٥ - الخلق الحسن هو وصية رسول الله ﷺ إلى جميع المسلمين، وخاصة الدعاة، فقد أوصى به ﷺ معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن واليًا، وقاضيًا، وداعيًا إلى الله

стр. 104

فقال له: «. . . وخالق الناس بخلق حسن» (١). ٦ - الخلق الحسن ذو أهمية بالغة؛ لأن الله أمر به نبيه الكريم، وأثنى عليه به، وعظم شأنه الرسول الأمين ﷺ . قال : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال ﵊: «إنما بعثتُ لِأُتمِّمَ مكارم الأخلاق» (٢) وسئلت عائشة ﵂ عن خلقه ﷺ فقالت: «. . . فإن خلق نبيكم ﷺ كان القرآن» (٣). ٧ - الخلق الحسن من أعظم الأساليب التي تجذب

стр. 105

الناس إلى الإسلام، والهداية، والاستقامة؛ ولهذا من تتبع سيرة المصطفى ﵊ وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله وخاصة في دعوته إلى الله تعالى، فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا بفضل الله تعالى ثم بفضل حسن خلقه ﷺ ، فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم، فهذا يسلم ويقول: «والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ» (١) وذاك يقول: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا» (٢) تأثر بعفو النبي ﷺ ولم يتركه على تحجيره رحمة الله التي وسعت كل شيء، بل قال له: «لقد تحجرت واسعًا»، والآخر يقول: «فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه» (٣) والرابع يقول: «يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي

стр. 106

عطاءً لا يخشى الفاقة» (١) والخامس يقول: «والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ» (٢))، والسادس يقول: بعد عفو النبي ﷺ عنه (٣) «جئتكم من عند خير الناس»، ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير (٤). وهناك أمثلة كثيرة جدًا. ٨ - الخلق الحسن هو أمنية كل مسلم وكل داعية مخلص خاصة؛ لأنه بذلك ينجو ويفوز وينجح في جميع أموره الخاصة والعامة؛ ولهذه الأهمية كان ﷺ يدعو ربه أن يهديه للخلق الحسن، فكان ﷺ يقول في استفتاحه لصلاة الليل: «واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. . .» (٥) وكان يقول: «اللهم كما أحسنت

стр. 107

خَلْقي فحسِّن خُلُقي» (١). ٩ - الخلق الحسن يُحبب صاحبه إلى الناس جميعًا حتى أعدائه، ويتمكن بذلك من إرضاء الناس على اختلاف طبقاتهم، وكل من جالسه أو خالطه أحبه، وبهذا يسهل على الداعية إدراك مطالبه السامية بإذن الله تعالى؛ لأن الدعاة إلى الله لا يسعون الناس بأموالهم ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق. ١٠ - إن من لم يتخلق بالخلق الحسن من الدعاة ينفر الناس من دعوته، ولا يستفيدون من علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم أو يبدو منه احتقارهم، واستصغارهم، ولو كان ما يقوله حقًا. قال للنبي الكريم ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا

стр. 108

مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وقال مُمْتَنًّا على عباده: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآية، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ

стр. 109

رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا - وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧]، ولا شك أنه يتعين على كل داعية أن يتخذه ﵊ قدوة وإمامًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. ١١ - إن صلاح الأمة وهدايتها والنهوض بها لا يكون سليمًا نقيًا إلا بالأخذ من المنبع الصافي، والبعد عن الأفكار الهدامة المنحرفة، والتزام الدعاة إلى الله تعالى بالخلق الحسن ودعوة الناس إليه هو من هذا المنبع، وتطبيق ذلك على أنفسهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 110

آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]؛ ولهذا أمر الله بالعلم قبل العمل، وبالعمل قبل الدعوة إليه، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] الآية، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] فقدم العمل قبل الدعوة إلى الحق. ١٢ - الخلق الحسن في الدعوة يجعل الداعية مستنير القلب، ويفتح مداركه، فيتبصر به مواطن الحق، ويهتدي به إلى الوسائل والأساليب الصحيحة في دعوة الناس الملائمة للظروف والأحوال، والأشخاص ﴿يَاأَيُّهَا
следующие страницы →