← Сира

Сира · id 96721

رحمة للعالمين - سعيد بن وهف

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (452 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلاَّ وُضِعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللَّبنةُ، وأنا خاتم النبيين» (١). وعموم رسالته ﷺ لجميع الإنس والجن في كل زمان ومكان من بعثته إلى يوم القيامة، وكونها خاتمة الرسالات، يقضي ويدلُّ دلالة قاطعة على أن النبوة قد انقطعت بانقطاع الوحي بعده، وأنه لا مصدر للتشريع والتعبد إلا كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله ﷺ ، وهذا يقتضي وجوب الإيمان بعموم رسالته واتباع ما جاء به، فقد قال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٢).

стр. 317

وبعون الله - تعالى - فقد قامت الحجة وثبتت رسالة النبي ﷺ وعمومها وشمولها لجميع الثقلين: الإنس والجن، في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤]، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. . . الآية.

стр. 318

المبحث العشرون اعتراف المنصفين من علماء اليهود والنصارى برسالته ﷺ أولًا: اعتراف المنصفين من علماء اليهود: لاشك أن من حكمة القول مع أهل الكتاب في دعوتهم إلى الله الاستشهاد عليهم بشهادة علماء أهل الكتاب المنصفين، الذين وفقهم الله - تعالى - وقبلوا الحق، وبيَّنوه ولم يكتموه، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]. وأذكر على سبيل المثال من هؤلاء العلماء الذين يعترف اليهود بأنهم كانوا منهم فأقروا بالإسلام وأنه الدين الحق ما يلي: ١ - عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه: لو لم يسلم من اليهود في زمن النبي ﷺ إلا سيد اليهود على الإطلاق وابن سيدهم، وعالمهم وابن عالمهم، وخيرهم وابن خيرهم، باعترافهم وشهادتهم، لكان في

стр. 319

مقابلة كل يهودي على وجه الأرض، فكيف وقد تابعه من الأحبار والرُّهبان من لا يُحصي عددهم إلا الله (١). وقد آمن هذا الرجل بالله وبرسوله ﷺ ، فعن أنس ﵁ قال: «بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي ﷺ المدينة فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيٌّ، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ : "خبَّرني بهنَّ آنفًا جبريلُ" قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله ﷺ : "أما أول أشرط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ (٢) وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان

стр. 320

الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها"، [قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله] قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتُوني عندك، فادعهم [فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي]، [فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا]، فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله ﷺ :، قالوا: ما نعلمه - قالوا للنبي ﷺ ، قالها ثلاثًا مرارًا - فقال رسول الله ﷺ : "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، وأخبرنا وابن أخبرنا، [خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا]، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك، حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "يا ابن سلام اخرج عليهم"،

стр. 321

[فخرج عليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله]، [يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت]، [شرُّنا وابن شرِّنا، ووقعوا فيه]، [فأخرجهم رسولُ الله ﷺ ]» (١). وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: «لما قدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَلَهُ، وقيل: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ ، قَدِمَ رسولُ الله ﷺ ، قَدِمَ رسولُ الله ﷺ ثلاثًا، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبيَّنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال:

стр. 322

يا أيها الناس، أفشُوا السلام، وأطعِمُوا الطعامَ، وصِلُوا الأرحامَ، وصلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ، تدخُلُوا الجنَّةَ بسلام» (١). وقد أثنى الله على هذا العالم الرباني، فعن سعد بن أبي وقاص قال: «ما سمعت النبي ﷺ يمشي (٢) على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية» (٣) ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠].

стр. 323

٢ - زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود ﵁: قال ﵁: «ما من علامات النبوة شيءٌ إلا وقد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، وقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وأشهدك أن شطر مالي - فإني أكثرها مالًا - صدقة على أمة محمد ﷺ . قال عمر: أو على بعضهم، فإنك لا تسعهم. قلت: أو على بعضهم. فخرج عمر وزيد إلى رسول الله ﷺ ، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وآمن به، وصدَّقه، وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة، ثم توفي في غزوة تبوك مُقبلًا غير مدبر» (١) ﵁ ورحمه.

стр. 324

٣ - من أسلم عند الموت: «أتى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يُعزِّي بها نفسه على ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ : "أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟ " فقال برأسه هكذا، أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: "أقيموا اليهودي عن أخيكم"، ثم وَلِيَ كفنَه، وحنَّطهُ، وصلَّى عليه ﷺ » (١). هذه ثلاثة أمثلة لاعترافات أحبار اليهود بأن محمدًا ﷺ حقًّا، وأن صفته موجودة في التوراة، ويعرفه اليهود كما يعرفون أبناءهم ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ

стр. 325

فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وممن أسلم من اليهود عند الموت ما جاء في حديث أنس ﵁ قال: «إن غلامٌ يهوديٌّ يخدم النبيَّ ﷺ ، فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه، فقال له: "أسلم"، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، [وفي رواية النسائي، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله]، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» (١). ثانيًا: اعتراف المنصفين من علماء النصارى: من حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى الله الاستشهاد عليهم بشهادة المنصفين من علماء النصارى، ومن وفقه الله منهم للإسلام، فإن هذا من باب ﴿وَشَهِدَ

стр. 326

شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي: ١ - النجاشي ملك الحبشة ﵀ ورضي عنه: عندما قرأ جعفر بن أبي طالب ﵁ على النجاشي (١) صدرًا من سورة مريم، بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكى أساقفته حين سمعوا ما تُلي عليهم، وقال النجاشي للوفد: (ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟) فقال جعفر ﵁: يقول فيه قول الله: (هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر. . .) فتناول النجاشي عودًا فرفعه، فقال: (يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم

стр. 327

ما تزن هذه، وقال للوفد: مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشَّر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله. . .) (١). ٢ - سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه: قصة سلمان مشهورة عجيبة (٢) فقد عاش مع مجموعة من علماء النصارى، وعندما كان مع آخر عالم من هؤلاء بعمورية بالروم حضرته الوفاةُ، فأوصى إلى سلمان الفارسي وقال: (قد أظلَّكَ زمان نبي يُبعثُ من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه). وسافر سلمان ووجد العلامات التي وصفت

стр. 328

له، فأسلم ﵁ (١). ٣ - هرقل عظيم الروم: قال هرقل لأبي سفيان في آخر حديثه: «. . . وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. . .» (٢). ثم قال للروم بعد ذلك: يا معشر الروم هل لكم في

стр. 329

الفلاح والرشد، وأن يثبت مُلككم فتبايعوا لهذا النبي؟ (١) ولكن رغب في ملكه وضنَّ به، فلم يسلم! وهذا مما يبيِّن أن عدول أهل الكتاب ومنصفيهم قد شهدوا لرسول الله ﷺ وأنه رسول الله حقًّا، فلا يقدح قدح المكذبين بعد ذلك (٢). وقد أسلم الجمُّ الغفير من علماء النصارى وشهدوا بأن محمدًا ﷺ رسولُ الله إلى الناس أجمعين، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]. فحريٌّ بجميع النصارى أن يسيروا على طريق علمائهم المنصفين، ويسلموا لله رب العالمين.

стр. 330

المبحث الحادي والعشرون خير أعماله خواتمها ﷺ [المداومة على الأعمال] كان ﷺ إذا عمل عملًا أثبته وداوم عليه؛ ولهذا قال: «إن أحب الأعمال إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه وإن قل» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يومًا، وكان يُعرَضُ عليه القرآن في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه عرض القرآن مرتين» (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: "سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك". قالت: قلت: يا رسول الله، ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: "جُعلت لي علامةٌ في أمتي إذا رأيتها قلتها

стр. 331

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]». (١) وقد قال ابن عباس ﵄ لعمر عن هذه السورة: «﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إنها أجل رسول الله ﷺ أعلمه إياه، فقال: ما أعلم منها إلا ما تعلم» (٢). وقيل: نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] يوم النحر والنبي ﷺ في منى بحجة الوداع (٣) وقيل: نزلت أيام التشريق (٤) وعند الطبراني أنها لما نزلت هذه السورة أخذ رسول الله ﷺ أشدَّ ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة (٥)؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر

стр. 332

لي" يتأول القرآن» (١). ومعنى ذلك أنه يفعل ما أمر به فيه وهو قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] (٢). [الدروس والفوائد والعبر] وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذا المبحث كثيرة، ومنها: ١ - الحث على المداومة على العمل الصالح، وأن قليلًا دائمًا خير من كثير منقطع؛ لأن بدوام العمل الصالح القليل تدوم الطاعة والذكر، والمراقبة، والنية، والإخلاص، والإقبال على الخالق، والقليل الدائم يثمر؛ لأنه يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة (٣). ٢ - من أجهد نفسه في شيء من العبادات لا يطيق

стр. 333

العمل به خُشِيَ عليه أن يمل فيفضي ذلك إلى تركه (١). ٣ - الإنسان المسلم كلما تقدم في العمر اجتهد في العمل على حسب القدرة والطاقة؛ ليلقى الله على خير أحواله؛ ولأن الأعمال بالخواتيم، وخير الأعمال الصالحة خواتيمها (٢).

стр. 334

المبحث الثاني والعشرون وداعه لأمته ووصاياه ﷺ ١ - أذانه في الناس بالحج: وبعد أن بلَّغ ﷺ البلاغ المبين وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، أعلن في الناس وأذَّن فيهم وأعلمهم أنه حاج في السنة العاشرة - بعد أن مكث في المدينة تسع سنين كلها معمورة بالجهاد والدعوة والتعليم - وبعد هذا النداء العظيم الذي قصد به ﷺ إبلاغ الناس فريضة الحج؛ ليتعلموا المناسك منه ﷺ ؛ وليشهدوا أقواله، وأفعاله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب، وتشيع دعوة الإسلام، وتبلغ الرسالة القريب والبعيد (١). قال جابر ﵁: «إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاجٌّ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم

стр. 335

برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله. . . وساق الحديث وفيه: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء (١) نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك (٢) ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله وما عمل به من شيء عملنا به. . . وساق الحديث وقال: حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضُرِبت له بنمرة فنزل بها». ٢ - وداعه ووصيته لأمته في عرفات: قال جابر ﵁: «حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: "إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر

стр. 336

الجاهلية تحت قدمي موضوع (١) ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دمٍ أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله (٢) فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله (٣) ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم (٤) أحدًا تكرهونه فإن فعلن ذلك

стр. 337

فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح (١) ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله (٢) وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون"؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت. فقال بإصبعه السبَّابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشهد" ثلاث مرات» (٣).

стр. 338

وقد كان في الموقف جمٌّ غفير لا يُحصي عددهم إلا الله تعالى (١). وأُنزل على النبي ﷺ في يوم عرفة يوم الجمعة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وهذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم ﷺ ؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الجن والإنس فلا حلال إلا ما أحلَّه، ولا حرام إلا ما حرَّمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]

стр. 339

أي صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل الله لهم الدين تمت عليهم النعمة (١). وقد ذُكر أن عمر بكى عندما نزلت هذه الآية في يوم عرفة، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أُكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص (٢) وكأنه ﵁ توقع موت النبي ﷺ قريبًا. ٣ - وداعه ووصيته لأمته عند الجمرات: قال جابر ﵁: «رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلِّي لا أحُجُّ بعد حجتي هذه» (٣). وعن أم الحصين ﵂ قالت: «حججت مع

стр. 340

رسول الله ﷺ فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة. . . فقال رسول الله ﷺ قولًا كثيرًا ثم سمعته يقول: إن أُمِّر عليكم عبد مجدَّع أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا» (١). ٤ - وصيته ووداعه لأمته يوم النحر: عن أبي بكرة ﵁ «أن النبي ﷺ قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه - أو بزمامه - وخطب الناس فقال: "أتدرون أيُّ يوم هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم [فسكت] حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: "أليس بيوم النحر؟ " قلنا: بلى يا رسول الله! قال: "فأي شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم [فسكت] حتى ظننا أنه سيسمه بغير اسمه، فقال: "أليس بذي الحجة؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "فأي بلد هذا؟ " قلنا الله ورسوله أعلم [فسكت] حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال:

стр. 341

"أليست البلدة الحرام؟ " قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا [وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفارًا] [أو ضُلاَّلًا] يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد [منكم] الغائب [فَرُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع] ألا هل بلَّغت [ثم انكفأ (١) إلى كبشين أملحين فذبحهما. .» (٢) قال ابن عباس ﵄: «فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب» (٣). وسكوته ﷺ بعد كل سؤال من هذه الأسئلة الثلاثة كان لاستحضار فهومهم؛ وليقبلوا عليه بكليتهم؛

стр. 342

وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: «وقف النبي ﷺ يوم النحر بين الجمرات. . . وقال: "هذا يوم الحج الأكبر" وطَفِق (٢) النبي يقول: "اللهم اشهد" وودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع» (٣). وقد فتح الله أسماع جميع الحجاج بمنى حتى سمعوا خطبة النبي ﷺ يوم النحر، وهذا من معجزاته أن بارك في أسماعهم وقوَّاها حتى سمعها القاصي والداني حتى كانوا يسمعون وهم في منازلهم (٤). فعن عبد الرحمن بن معاذ التيمي ﵁ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى فَفُتِحت أسماعُنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا.» (٥).

стр. 343

٥ - وصيته ﷺ لأمته في أوسط أيام التشريق: وخطب ﷺ الناس في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة وهو ثاني أيام التشريق ويقال له: يوم الرؤوس؛ لأن أهل مكة يسمونه بذلك؛ لأكلهم رؤوس الأضاحي فيه، وهو أوسط أيام التشريق (١) فعن أبي نجيح عن رجلين من أصحاب النبي ﷺ ، وهما من بني بكر، قالا: «رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول الله ﷺ التي خطب (٢) بمنى» (٣) وعن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة النبي ﷺ وسْطَ أيام التشريق فقال: «يا أيها الناس إن ربكم واحد،

стр. 344

وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلغت؟ " قالوا: بلَّغ رسول الله ﷺ . ثم قال: "أي يوم هذا؟ " قالوا: يوم حرام. ثم قال: "أيُّ شهر هذا؟ " قالوا: شهر حرام. ثم قال: "أي بلد هذا؟ " قالوا: بلد حرام. قال: "فإن الله قد حرَّم بينكم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، أبلغت؟ " قالوا بلَّغ رسول الله ﷺ . قال: "ليبلغ الشاهد الغائب» (١). وهناك جُمَلٌ من خطبه ﷺ في حجة الوداع في الأماكن المقدسة منها حديث ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: إن

стр. 345

الشيطان قد يئس أن يُعبد بأرضكم ولكن رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتاب الله وسنة نبيه. . .» الحديث (١). وحديث أبي أمامة ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو يخطب الناس على ناقته الجدعاء في حجة الوداع يقول: يا أيها الناس أطيعوا ربكم، وصلُّوا خمسكم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» (٢). [الدروس والفوائد والعبر] وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذا المبحث كثيرة، ومنها:

стр. 346

١ - إن كل من قدم المدينة إجابة لأذان النبي ﷺ بالحج فقد حج مع النبي ﷺ ؛ لقول جابر ﵁: «فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله» (١). ٢ - استحباب نزول الحاج إلى عرفات بعد زوال الشمس إن تيسر ذلك. ٣ - استحباب خطبة الإمام بالحجاج بعرفات، يبين فيها للناس ما يحتاجون إليه، ويعتني ببيان التوحيد، وأصول الدين، ويحذر فيها من الشرك والبدع والمعاصي، ويوصي الناس بالعمل بالكتاب والسنة. وقد ثبت أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع ثلاث خطب: خطبة يوم عرفة، والخطبة الثانية يوم النحر في منى، والخطبة الثالثة في منى يوم الثاني عشر من ذي

стр. 347

الحجة. ومذهب الشافعي أن الإمام يخطب يوم السابع من ذي الحجة كذلك (١) ويُعلِّم الإمام الناس في كل خطبة ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى. ٤ - تأكيد غلظ تحريم الدماء، والأعراض، والأموال، والأبشار الجلدية. ٥ - استخدام ضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير؛ لقوله ﷺ : «كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». ٦ - إبطال أفعال الجاهلية، وربا الجاهلية، وأنه لا قصاص في قتلى الجاهلية. ٧ - إن الإمام ومن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يجب أن يبدأ بنفسه وأهله؛ لأنه أقرب لقبول قوله، وطيب نفس من قرب عهده بالإسلام. ٨ - الموضوع من الربا هو الزائد على رأس المال،

стр. 348

أما رأس المال فلصاحبه. ٩ - مراعاة حق النساء، ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة بذلك جمعها النووي أو معظمها في رياض الصالحين. ١٠ - وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وجواز تأديبها إذا أتت بما يقتضي التأديب لكن بالشروط والضوابط التي جاءت بالكتاب والسنة، وأن لا يحصل منكر من أجل ذلك التأديب. ١١ - الوصية بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ . ١٢ - قوله: «لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» ففي ذلك لام الأمر، والمعنى خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال، والأفعال، والهيئات هي أمور الحج وصفته

стр. 349

وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها، واحفظوها واعملوا بها، وعلموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، فهو كقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١). ١٣ - وفي قوله ﷺ : «لَعَلِّي لا أحج بعد حجتي هذه» إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ ، وحثهم على الأخذ عنه، وانتهاز الفرصة وملازمته، وبهذا سميت حجة الوداع. ١٤ - الحث على تبليغ العلم ونشره، وأن الفهم ليس شرطًا في الأداء، وأنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدم ولكن بقلة، وأن الأفضل أن يكون الخطيب على مكان مرتفع؛ ليكون أبلغ في سماع الناس ورؤيتهم له. ١٥ - استخدام السؤال ثم السكوت والتفسير يدل

стр. 350

على التفخيم، والتقرير والتنبيه. ١٦ - الأمر بطاعة ولي الأمر مادام يقود الناس بكتاب الله تعالى، وإذا ظهرت منه بعض المعاصي والمنكرات، وُعِظَ وَذُكِّر بالله وخُوِّف به لكن بالحكمة والأسلوب الحسن. ١٧ - الوصية بطاعة الله، والصلاة، والزكاة، والصيام، وأنه لا فرق بين أصناف الناس إلا بالتقوى. ١٨ - معجزة النبي ﷺ الظاهرة الدالة على صدقه، وذلك بسماع الناس لخطبته يوم النحر وهم في منازلهم (١) فقد فتح الله أسماعهم كلهم لها. ١٩ - الضحية سنه مؤكدة على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهي في حق الحاج وغير الحاج فلا يجزئ عنها الهدي، وإنما هي سنة مستقلة؛ لأنه ﷺ بعد أن

стр. 351

خطب الناس بمنى انقلب فذبح كبشين أملحين (١) وهذا غير الهدايا التي نحرها بيده وأشرك عليًّا في الهدي وأمره بنحر الباقي من البدن.

стр. 352

المبحث الثالث والعشرون توديعه للأحياء والأموات ﷺ عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وآتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (١). وفي رواية أنه قال ﷺ : «فإن جبريل أتاني. . فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت عائشة: يا رسول الله، كيف أقول لهم؟ قال: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (٢). وقد ذكر الإمام الأُبِّي رحمه الله تعالى أن خروجه هذا

стр. 353

كان في آخر عمره ﷺ (١) وهذا والله أعلم يدل على توديعه للأموات كما فعل مع شهداء أحد؛ ولهذا والله أعلم كان يخرج في الليل ويقف في البقيع يدعو لهم كما قالت عائشة ﵂: «ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف. . .» (٢). وعن عقبة بن عامر ﵁ «أن النبي ﷺ خرج يومًا فصلى على قتلى أُحد صلاة الميت (٣) بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع على المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن من مقامي هذا، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح

стр. 354

الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي (١) ولكني أخاف عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها [وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم] قال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ [على المنبر]» (٢). فتوديعه ﷺ للأحياء ظاهر؛ لأن سياق الأحاديث يشعر أن ذلك كان آخر حياته ﷺ ، وأما توديعه للأموات فباستغفاره لأهل البقيع ودعائه لأهل أحد، وانقطاعه بجسده عن زيارتهم (٣). [الدروس والفوائد والعبر] وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذا المبحث كثيرة، منها: ١ - حرص النبي ﷺ على نفع أمته، والنصح لهم في

стр. 355

الحياة، وبعد الممات؛ ولهذا صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنوات، وزار أهل البقيع ودعا لهم، وأوصى الأحياء ونصحهم، ووعظهم وأمرهم ونهاهم فما ترك خيرًا إلا دلهم عليه، ولا شرًا إلا حذرهم منه. ٢ - التحذير من فتنة زهرة الدنيا لمن فتحت عليه، فينبغي له أن يحذر سوء عاقبتها، ولا يطمئن إلى زخارفها، ولا ينافس غيره فيها، ويستخدم ما عنده منها في طاعة الله تعالى (١).
следующие страницы →