خطب الناس بمنى انقلب فذبح كبشين أملحين (١) وهذا غير الهدايا التي نحرها بيده وأشرك عليًّا في الهدي وأمره بنحر الباقي من البدن.
стр. 352
المبحث الثالث والعشرون
توديعه للأحياء والأموات ﷺ
عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وآتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (١). وفي رواية أنه قال ﷺ : «فإن جبريل أتاني. . فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت عائشة: يا رسول الله، كيف أقول لهم؟ قال: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (٢).
وقد ذكر الإمام الأُبِّي رحمه الله تعالى أن خروجه هذا
стр. 353
كان في آخر عمره ﷺ (١) وهذا والله أعلم يدل على توديعه للأموات كما فعل مع شهداء أحد؛ ولهذا والله أعلم كان يخرج في الليل ويقف في البقيع يدعو لهم كما قالت عائشة ﵂: «ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف. . .» (٢).
وعن عقبة بن عامر ﵁ «أن النبي ﷺ خرج يومًا فصلى على قتلى أُحد صلاة الميت (٣) بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع على المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن من مقامي هذا، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح
стр. 354
الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي (١) ولكني أخاف عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها [وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم] قال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ [على المنبر]» (٢).
فتوديعه ﷺ للأحياء ظاهر؛ لأن سياق الأحاديث يشعر أن ذلك كان آخر حياته ﷺ ، وأما توديعه للأموات فباستغفاره لأهل البقيع ودعائه لأهل أحد، وانقطاعه بجسده عن زيارتهم (٣).
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذا المبحث كثيرة، منها:
١ - حرص النبي ﷺ على نفع أمته، والنصح لهم في
стр. 355
الحياة، وبعد الممات؛ ولهذا صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنوات، وزار أهل البقيع ودعا لهم، وأوصى الأحياء ونصحهم، ووعظهم وأمرهم ونهاهم فما ترك خيرًا إلا دلهم عليه، ولا شرًا إلا حذرهم منه.
٢ - التحذير من فتنة زهرة الدنيا لمن فتحت عليه، فينبغي له أن يحذر سوء عاقبتها، ولا يطمئن إلى زخارفها، ولا ينافس غيره فيها، ويستخدم ما عنده منها في طاعة الله تعالى (١).
стр. 356
المبحث الرابع والعشرون
بداية مرضه ﷺ وأمره لأبي بكر أن يصلي بالناس
رجع ﷺ من حجة الوداع في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية الشهر، والمحرم، وصفرًا، وجهز جيش أسامة بن زيد ﵄، فبينما الناس على ذلك ابتدئ رسول الله ﷺ بشكواه في ليال بقين من صفر: قيل في الثاني والعشرين منه، وقيل: في التاسع والعشرين، وقيل: بل في أول شهر ربيع الأول، «وقد صلى على شهداء أحد فدعا لهم كما تقدم، وذهب إلى أهل البقيع وسلم عليهم ودعا لهم مودعًا لهم، ثم رجع مرة من البقيع فوجد عائشة وهي تشتكي من صداع برأسها وهي تقول: وارأساه. فقال: " بل أنا والله يا عائشة وارأساه". قالت عائشة ﵂: ثم قال: " وما ضرك لو متِ قبلي فقمت عليك وكفنتك، وصلَّيت عليك، ودفنتك " قالت: قلت: والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك. قالت:
стр. 357
" فتبسَّم رسول الله ﷺ » (١) وتتام به وجعه حتى استعزبه (٢) وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتي (٣).
وأول ما اشتدَّ برسول الله ﷺ وجعه في بيت ميمونة ﵂ فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة ﵂ (٤) فعن عائشة ﵂ قالت: «لما ثقل رسول الله ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذنَّ له فخرج وهو بين رجلين تخط
стр. 358
رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر» (١) وكانت عائشة ﵂ تحدث «أن رسول الله ﷺ لَمَّا دخل بيتي واشتد به وجعه قال: هَرِيقوا (٢) عليَّ من سبع قرب (٣) لم تُحْلَلْ أوكيتهن لعلي أعهد (٤) إلى الناس، فأجلسناه في مِخضَب (٥) لحفصة زوج النبي ﷺ ثم طفقنا (٦) نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم» (٧).
стр. 359
وعنها ﵂ قالت: «ثقل رسول الله ﷺ فقال: "أصلى الناس؟ " قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله! قال: "ضعوا لي ماء في المخضب" قالت: ففعلنا. فاغتسل فذهب لينوءَ (١) فأُغمي عليه، ثم أفاق فقال ﷺ : "أصلى الناس"؟ قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله! فقال: "ضعوا لي ماء في المخضب" قالت: ففعلنا [فقعد] فاغتسل. ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه. ثم أفاق فقال: "أصلى الناس"؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! فقال: "ضعوا لي ماء في المخضب" ففعلنا [فقعد] فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: "أصلى الناس"؟ فقلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى
стр. 360
أبي بكر؛ ليصلي بالناس، فأتاه الرسول (١) فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس. فقال أبو بكر - وكان رجلًا رقيقًا - يا عمر! صلِّ بالناس. فقال له عمر: أنت أحقُّ بذلك. قالت: فصلَّى بهم أبو بكر تلك الأيام. ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خِفَّة فخرج بين رجلين - أحدهما العباس (٢) - لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر، وقال لهما: "أجلساني إلى جنبه" فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم يأتم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد» (٣).
وهذا صريح في أن هذه الصلاة هي
стр. 361
صلاة الظهر (١). وقد كان ﷺ حريصًا على أن يكون أبو بكر هو الإمام وردد الأمر بذلك مرارًا، فعن عائشة ﵂ قالت: «لما ثَقُل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: "مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف (٢) وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر؟ فقال: "مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" قالت: فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى
стр. 362
يقم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر، فقالت له فقال رسول الله ﷺ : "إنكنَّ لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" فقالت حفصة لعائشة: [ما كنت لأصيب منك خيرًا].
قالت عائشة: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ : "قم مكانك" فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر» (١).
стр. 363
والسبب الذي جعل عائشة ﵂ تراجع النبي ﷺ في إمامة أبي بكر بالصلاة هو ما بيَّنَتْه في رواية أخرى قالت ﵂: «لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا، ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر» (١)؛ ولهذا قال ﷺ لها ولحفصة: «إنكن لأنتن صواحب يوسف» (٢).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (وتقديمه ﷺ لأبي بكر معلوم بالضرورة من دين الإسلام وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة، وأقرؤهم لما ثبت في الصحيح: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. .» (٣) الحديث. نعم قد اجتمعت
стр. 364
في أبي بكر هذه الصفات ﵁. . .) (١).
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها:
١ - استحباب زيارة قبور الشهداء بأحد وقبور أهل البقيع والدعاء لهم بشرط عدم شد الرحال، وعدم إحداث البدع.
٢ - جواز تغسيل الرجل زوجته وتجهيزها والزوجة كذلك.
٣ - جواز استئذان الرجل زوجاته أن يُمرَّض في بيت إحداهن إذا كان الانتقال يشق عليه، وإذا لم يأذنَّ فحينئذ يقرع بينهن.
стр. 365
٤ - جواز المرض والإغماء على الأنبياء بخلاف الجنون فإنه لا يجوز عليهم؛ لأنه نقص، والحكمة من مرض الأنبياء؛ لتكثير أجرهم، ورفع درجاتهم، وتسلية الناس بهم؛ ولئلا يفتتن الناس بهم فيعبدونهم؛ لما يظهر على أيديهم من المعجزات والآيات البينات، وهم مع ذلك لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا إلا ما شاء الله.
٥ - استحباب الغسل من الإغماء؛ لأنه ينشط ويزيل أو يخفف الحرارة.
٦ - إذا تأخر الإمام تأخرًا يسيرًا ينتظر، فإذا شق الانتظار صلى أعلم الحاضرين.
٧ - فضل أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة ﵃، وتنبيهه وتنبيه الناس أنه أحق بالخلافة من غيره؛ لأن الصلاة بالناس للخليفة؛ ولأن الصحابة ﵃ قالوا: (رضينا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا).
стр. 366
٨ - إذا عرض للإمام عارض أو شغل بأمر لا بد منه منعه من حضور الجماعة فإنه يستخلف من يصلي بهم ويكون أفضلهم.
٩ - فضل عمر ﵁؛ لأن أبا بكر وثق به، ولهذا أمره أن يصلي ولم يعدل إلى غيره.
١٠ - جواز الثناء والمدح في الوجه لمن أُمِنَ عليه الإعجاب والفتنة؛ لقول عمر ﵁: (أنت أحق بذلك).
١١ - دفع الفضلاء الأمور العظيمة عن أنفسهم إذا كان هناك من يقوم بها على وجه مقبول.
١٢ - يجوز للمُسْتَخْلَفِ في الصلاة ونحوها أن يستخلف غيره من الثقات لقول أبي بكر: (صلِّ يا عمر).
١٣ - الصلاة من أهم ما يسأل عنه.
١٤ - فضل عائشة ﵂ على جميع أزواج
стр. 367
النبي ﷺ الموجودات ذلك الوقت وهن تسع إحداهن عائشة ﵅.
١٥ - جواز مراجعة ولي الأمر على سبيل العرض والمشاورة والاستشارة بما يظهر أنه مصلحة، لكن بعبارة لطيفة تحمل الحكمة وحسن الأسلوب.
١٦ - جواز وقوف المأموم بجنب الإمام لحاجة أو مصلحة: كإسماع المأمومين التكبير في الجم الغفير الذين لا يسمعون الصوت، أو ضيق المكان، أو علة أخرى كصلاة المرأة بالنساء، أو المنفرد مع الإمام، أو إمام العراة.
١٧ - جواز رفع الصوت بالتكبير فينقل المبلغ للناس صوت الإمام إذا لم يسمع الناس تكبير الإمام.
١٨ - التنبيه على الحرص على حضور الصلاة مع الجماعة إلا عند العجز التام عن ذلك.
١٩ - الأعلم والأفضل أحق بالإمامة من العالم والفاضل.
стр. 368
٢٠ - إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى جالسًا صلَّى الناس جلوسًا، وإذا صلَّى قائمًا صلوا قيامًا.
٢١ - البكاء في الصلاة من خشية الله لا حرج فيه لكن لا يتكلف ذلك ولا يطلبه، فإذا غلبه البكاء في الصلاة بدون اختياره فلا حرج (١).
стр. 369
المبحث الخامس والعشرون
خطبته العظيمة ووصيته للناس ﷺ
خطب ﷺ أصحابه في يوم الخميس قبل أن يموت بخمسة أيام خطبة عظيمة بيَّن فيها فضل الصدِّيق من سائر الصحابة، مع ما قد كان نص عليه أن يؤم الصحابة أجمعين، ولعل خطبته هذه كانت عوضًا عما أراد أن يكتبه في الكتاب، وقد اغتسل ﵊ بين يدي هذه الخطبة العظيمة، فصبوا عليه من سبع قرب لم تُحلل أوكيتهن، وهذا من باب الاستشفاء بعدد السبع كما وردت به الأحاديث (١) والمقصود أنه ﷺ اغتسل ثم خرج وصلى بالناس ثم خطبهم. قال جندب ﵁: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل (٢)؛ فإن الله تعالى قد
стр. 370
اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» (١).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطب النبي ﷺ فقال: «إن الله خيَّر عبدًا بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عند الله"، فبكى أبو بكر ﵁ وقال: فديناك بآبائنا وأُمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبدٍ خيَّرَه الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله ﷺ هو [العبد] المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا. فقال رسول الله ﷺ : " [يا أبا بكر لا تبكي] إن من أمنِّ الناس عليَّ في
стр. 371
صحبته وماله (١) أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخوَّةُ الإسلام، ومودته، لا يَبْقَينَّ في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر» (٢).
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها: ١ - أمر النبي ﷺ بسد الأبواب إلا باب أبي بكر من جملة الإشارات التي تدل على أنه هو الخليفة.
٢ - فضل أبي بكر ﵁ وأنه أعلم الصحابة ﵃، ومن كان أرفع في الفهم استحق أن يطلق عليه أعلم، وأنه أحب الصحابة إلى رسول الله ﷺ .
٣ - الترغيب في اختيار ما في الآخرة على ما في الدنيا، وأن الرغبة في البقاء في الدنيا وقتًا من الزمن إنما هي
стр. 372
للرغبة في رفع الدرجات في الآخرة وذلك بالازدياد من الحسنات لرفع الدرجات.
٤ - شكر المحسن والتنويه بفضله وإحسانه والثناء عليه؛ لأن من لم يشكر الناس لا يشكر الله تعالى.
٥ - التحذير من اتخاذ المساجد على القبور وإدخال القبور في المساجد أو وضع الصور فيها، ولعن من فعل ذلك، وأنه من شرار الخلق عند الله كائنًا من كان (١).
٦ - حب الصحابة لرسول الله ﷺ أكثر من النفس والولد والوالد والناس أجمعين ولهذا يفدونه بآبائهم وأمهاتهم.
стр. 373
المبحث السادس والعشرون
اشتداد مرضه ﷺ ووصيته في تلك الشدة
عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات (١) وينفث فلما اشتد وجعه [الذي توفي فيه] كنت أقرأ [وفي رواية أنفث] عليه بهن وأمسح بيده نفسه رجاء بركتها. قال ابن شهاب: ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه» (٢). وفي صحيح مسلم قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي» (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: «اجتمع نساء النبي ﷺ فلم يغادر منهن امرأة فجاءت
стр. 374
فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله ﷺ . فقال: "مرحبًا بابنتي" فأجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم إنه أسرَّ إليها حديثًا فبكت فاطمة. ثم إنه سارَّها فضحكت أيضًا، فقلتُ لها ما يبكيك؟ فقالت: ما كنتُ لِأُفشي سرَّ رسول الله ﷺ . فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حُزْنٍ، فقلت حين بكت: أخصَّك رسول الله ﷺ بحديثه دوننا ثم تبكين؟ وسألتها عما قال: فقالت: ما كنت لِأُفشي سرَّ رسول الله ﷺ ، فلما توفي رسول الله ﷺ قلت: عزمتُ عليك بما لي من الحق لما حدثتيني ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقالت: أمَّا الآن فنعم: أمَّا حين سارَّني في المرة الأولى "فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن كل عام مرة وإنه عارضه به في العام مرتين ولا أُراني (١)
إلا قد حضر أجلي فاتقي الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك"، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي
стр. 375
سارني الثانية فقال: "يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟ " قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت» (١) وفي رواية: «فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت» (٢).
فكان سبب ضحكها ﵂ أنها سيدة نساء المؤمنين، وأول من يلحق به من أهله، وسبب البكاء أنه أخبرها بموته ﷺ . قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (وروى النسائي في سبب الضحك الأمرين) (٣) أي بشارتها بأنها سيدة نساء هذه الأمة، وكونها أول من يلحق به من أهله. وقد اتفقوا على أن فاطمة ﵂ أول من مات من أهل بيت النبي ﷺ بعده حتى من أزواجه (٤).
وعن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيتُ أحدًا أشدَّ
стр. 376
عليه الوجع (١) من رسول الله ﷺ » (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك (٣) فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكًا شديدًا، فقال رسول الله ﷺ : أجلْ إني أُوعك كما يوعك رَجُلان منكم، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين. فقال رسول الله ﷺ : أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه [شوكة فما فوقها] إلا حط الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها» (٤).
وعن عائشة وعبد الله بن عباس ﵃ قالا:
стр. 377
«لما نُزِلَ (١) برسول الله ﷺ طفق (٢) يطرح خميصة (٣) له على وجهه فإذا اغتم (٤) كشفها عن وجهه وهو كذلك يقول: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يُحذِّرُ ما صنعوا» (٥).
وعن عائشة ﵂ «أنهم تذاكروا عند رسول الله ﷺ في مرضه فذكرت أمُّ سلمة وأمُّ حبيبة كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله ﷺ : إن أولئِكِ إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئِكِ شرار الخلق عند الله
стр. 378
يوم القيامة» (١).
وعن عائشة ﵂ أيضًا قالت: «قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت: فلولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أني أخشى أن يُتخذ مسجدًا» (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٣).
وعن أنس ﵁ قال: «لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه (٤)
стр. 379
فقالت فاطمة ﵂: واكرب أباه (١) فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه (٢). فلما دُفن قالت فاطمة ﵂: يا أنس! أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟» (٣).
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة ومنها:
١ - استحباب الرقية بالقرآن، وبالأذكار، وإنما جاءت الرقية بالمعوذات؛ لأنها جامعة للاستعاذة من كل المكروهات جملة وتفصيلًا، ففيها الاستعاذة من شر ما خلق الله ، فيدخل في ذلك كل شيء، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر السواحر، ومن شر
стр. 380
الحاسدين، ومن شر الوسواس الخناس (١).
٢ - عناية النبي ﷺ ببنته فاطمة ومحبته لها؛ ولهذا قال: "مرحبًا بابنتي" وقد جاءت الأخبار أنها كانت إذا دخلت عليه قام إليها وقبَّلها، وأجلسها في مجلسه، وإذا دخل عليها فعلت ذلك ﵂، فلما مرض دخلت عليه وأكبَّتْ عليه تقبله (٢).
٣ - يؤخذ من قصة فاطمة ﵂ أنه ينبغي العناية بالبنات، والعطف عليهن، والإحسان إليهن، ورحمتهن، وتربيتهن التربية الإسلامية، اقتداء بالنبي ﷺ ، وأن يختار لها الزوج الصالح المناسب.
٤ - عناية الولد بالوالد كما فعلت فاطمة ﵂، فيجب على الولد أن يحسن إلى والديه، ويعتني ببرهما، ولا يعقهما، فيتعرض لعقوبة الله تعالى.
стр. 381
٥ - معجزة النبي ﷺ التي تدل على صدقه وأنه رسول الله ﷺ ، ومن ذلك أنه أخبر أن فاطمة أول من يلحقه من أهله، فكانت أول من مات من أهله بالاتفاق.
٦ - سرور أهل الإيمان بالانتقال إلى الآخرة، وإيثارهم حب الآخرة على الدنيا لحبهم للقاء الله تعالى، ولكنهم لا يتمنون الموت لضر نزل بهم؛ لرغبتهم في الإكثار من الأعمال الصالحة؛ لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث كما بين النبي ﵊.
٧ - المريض إذا قَرُبَ أجله ينبغي له أن يوصي أهله بالصبر؛ لقوله ﷺ لفاطمة: "فاتقي الله واصبري".
٨ - فضل فاطمة ﵂ وأنها سيدة نساء المؤمنين.
٩ - المرض إذا احتسب المسلم ثوابه، فإنه يكفر الخطايا، ويرفع الدرجات، وتزاد به الحسنات، وذلك عام في الأسقام، والأمراض ومصائب الدنيا، وهمومها
стр. 382
وإن قَلَّت مشقتها، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أشد الناس بلاء، ثم الأمثل فالأمثل؛ لأنهم مخصوصون بكمال الصبر والاحتساب، ومعرفة أن ذلك نعمة من الله تعالى ليتم لهم الخير ويضاعف لهم الأجر، ويظهر صبرهم ورضاهم، ويُلحق بالأنبياء الأمثل فالأمثل من أتباعهم؛ لقربهم منهم وإن كانت درجتهم أقل، والسر في ذلك والله أعلم أن البلاء في مقابلة النعمة، فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاؤه أشد؛ ولهذا ضوعف حد الحُرِّ على حد العبد، وقال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] والقوي يُحمَّل ما حمل، والضعيف يرفق به، إلا أنه كلما قويت المعرفة هان البلاء، ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء، وأعلى من ذلك من يرى أن هذا
стр. 383
تصرف المالك في ملكه فَيُسلِّم ويرضى ولا يعترض (١).
١٠ - التحذير من بناء المساجد على القبور ومن إدخال القبور والصور في المساجد، ولعن من فعل ذلك، وأنه من شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة، وهذا من أعظم الوصايا التي أوصى بها رسول الله ﷺ قبل موته بخمسة أيام (٢).
стр. 384
[المبحث السابع والعشرونوصايا النبي صلى الله عليه وسلمعند موته]
[وصايا النبي ﷺ ]
المبحث السابع والعشرون
وصايا النبي ﷺ عند موته
عن ابن عباس ﵄ قال: يوم الخميس وما يوم الخميس (١) «اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي التنازع [فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله،] [فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ﷺ : [قوموا] وفي رواية: دعوني فالذي أنا فيه خير (٢) مما
стр. 385
تدعونني إليه، أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به، (١) وسكت عن الثالثة أو قال: فأنسيتها» (٢)
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وأوصاهم بثلاث" أي في تلك الحالة، وهذا يدل على أن الذي أراد أن يكتبه ﷺ لم يكن أمرًا متحتمًا؛ لأنه لو كان مما أُمر بتبليغه لم يتركه لوقوع اختلافهم ولعاقب الله من حال بينه وبين تبليغه، ولبلَّغه لهم لفظًا كما أوصاهم بإخراج المشركين (٣) وغير ذلك، وقد عاش بعد هذه المقالة أيامًا وحفظوا عنه أشياء لفظًا فيحتمل أن يكون مجموعها ما أراد أن يكتبه والله أعلم (٤).
стр. 386
والوصية الثالثة في هذا الحديث يحتمل أن تكون الوصية بالقرآن، أو الوصية بتنفيذ جيش أسامة ﵁. أو الوصية بالصلاة وما ملكت الأيمان، أو الوصية بأن لا يتخذ قبره ﷺ وثنًا يُعبد من دون الله، وقد ثبتت هذه الوصايا عنه ﷺ (١).
وعن عبد الله بن أبي أوْفَى ﵁ «أنه سُئِلَ هل أوصى رسول الله ﷺ ؟. . . قال: أوصى بكتاب الله » (٢). والمراد بالوصية بكتاب الله: حفظه حسًّا ومعنى، فيكرم ويصان، ويتبع ما فيه: فيعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحو ذلك (٣).
وقد أوصى ﷺ بكتاب الله تعالى في مناسبات كثيرة: منها أنه ﷺ أوصى به في خطبته في عرفات (٤) وفي خطبته
стр. 387
في منى (١) وعندما رجع من مكة في غدير خم قال: «. . . وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، [هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. . .» ثلاث مرات (٢) وأوصى بكتاب الله تعالى عند موته ﷺ (٣).
وأمر ﷺ وأوصى بإنفاذ جيش أسامة ﵁، وقد ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى أنه كان تجهيز جيش أسامة يوم السبت قبل موت النبي ﷺ بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ﷺ ، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة وقال: " سِرْ إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش. . . " فبدأ برسول
стр. 388
الله ﷺ وجعه في اليوم الثالث فعقد لأسامة لواء بيده فأخذه أسامة، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار، ثم اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: "أنفذوا جيش أسامة " فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أمر بها، وقتل قاتل أبيه ورجع الجيش سالمًا وقد غنموا. . " (١).
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «بعث النبي ﷺ بعثًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمارته فقال النبي ﷺ : إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة (٢) وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ، وإنَّ هذا لمن أحبِّ الناس إليَّ بعده» (٣). وقد كان عُمْرُ أسامة ﵁ حين
стр. 389
توفي النبي ﷺ ثمان عشرة سنة (١).
وأوصى ﷺ بالصلاة وما ملكت الأيمان، فعن أنس ﵁ قال: «كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، حتى جعل رسول الله ﷺ يغرغر بها صدره ولا يكاد يفيض بها لسانه» (٢).
وعن علي ﵁ قال: «كان آخر كلام النبي ﷺ : الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» (٣).
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة ومنها:
١ - وجوب إخراج المشركين من جزيرة العرب؛ لأن
стр. 390
النبي ﷺ أوصى بذلك عند موته، وقد أخرجهم عمر ﵁ في بداية خلافته، أما أبو بكر فقد انشغل بحروب الردة.
٢ - إكرام الوفود وإعطاؤهم ضيافتهم كما كان النبي ﷺ يفعل؛ لأن النبي ﷺ أوصى بذلك.
٣ - وجوب العناية بكتاب الله حسًّا ومعنى: فيكرم، ويصان، ويتبع ما فيه، فيعمل بأوامره ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته، وتعلمه وتعليمه ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ أوصى به في عدة مناسبات، فدل ذلك على أهميته أهمية بالغة مع سنة النبي ﷺ .
٤ - أهمية الصلاة؛ لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ ولهذا أوصى بها النبي ﷺ عند موته أثناء الغرغرة.
٥ - القيام بحقوق المماليك والخدم ومن كان تحت الولاية؛ لأن النبي ﷺ أوصى بذلك فقال: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم».