← Сира

Сира · id 96721

رحمة للعالمين - سعيد بن وهف

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (452 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والوصية الثالثة في هذا الحديث يحتمل أن تكون الوصية بالقرآن، أو الوصية بتنفيذ جيش أسامة ﵁. أو الوصية بالصلاة وما ملكت الأيمان، أو الوصية بأن لا يتخذ قبره ﷺ وثنًا يُعبد من دون الله، وقد ثبتت هذه الوصايا عنه ﷺ (١). وعن عبد الله بن أبي أوْفَى ﵁ «أنه سُئِلَ هل أوصى رسول الله ﷺ ؟. . . قال: أوصى بكتاب الله » (٢). والمراد بالوصية بكتاب الله: حفظه حسًّا ومعنى، فيكرم ويصان، ويتبع ما فيه: فيعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحو ذلك (٣). وقد أوصى ﷺ بكتاب الله تعالى في مناسبات كثيرة: منها أنه ﷺ أوصى به في خطبته في عرفات (٤) وفي خطبته

стр. 387

في منى (١) وعندما رجع من مكة في غدير خم قال: «. . . وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، [هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. . .» ثلاث مرات (٢) وأوصى بكتاب الله تعالى عند موته ﷺ (٣). وأمر ﷺ وأوصى بإنفاذ جيش أسامة ﵁، وقد ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى أنه كان تجهيز جيش أسامة يوم السبت قبل موت النبي ﷺ بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ﷺ ، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة وقال: " سِرْ إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش. . . " فبدأ برسول

стр. 388

الله ﷺ وجعه في اليوم الثالث فعقد لأسامة لواء بيده فأخذه أسامة، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار، ثم اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: "أنفذوا جيش أسامة " فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أمر بها، وقتل قاتل أبيه ورجع الجيش سالمًا وقد غنموا. . " (١). عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «بعث النبي ﷺ بعثًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمارته فقال النبي ﷺ : إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة (٢) وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ، وإنَّ هذا لمن أحبِّ الناس إليَّ بعده» (٣). وقد كان عُمْرُ أسامة ﵁ حين

стр. 389

توفي النبي ﷺ ثمان عشرة سنة (١). وأوصى ﷺ بالصلاة وما ملكت الأيمان، فعن أنس ﵁ قال: «كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، حتى جعل رسول الله ﷺ يغرغر بها صدره ولا يكاد يفيض بها لسانه» (٢). وعن علي ﵁ قال: «كان آخر كلام النبي ﷺ : الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» (٣). [الدروس والفوائد والعبر] وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة ومنها: ١ - وجوب إخراج المشركين من جزيرة العرب؛ لأن

стр. 390

النبي ﷺ أوصى بذلك عند موته، وقد أخرجهم عمر ﵁ في بداية خلافته، أما أبو بكر فقد انشغل بحروب الردة. ٢ - إكرام الوفود وإعطاؤهم ضيافتهم كما كان النبي ﷺ يفعل؛ لأن النبي ﷺ أوصى بذلك. ٣ - وجوب العناية بكتاب الله حسًّا ومعنى: فيكرم، ويصان، ويتبع ما فيه، فيعمل بأوامره ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته، وتعلمه وتعليمه ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ أوصى به في عدة مناسبات، فدل ذلك على أهميته أهمية بالغة مع سنة النبي ﷺ . ٤ - أهمية الصلاة؛ لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ ولهذا أوصى بها النبي ﷺ عند موته أثناء الغرغرة. ٥ - القيام بحقوق المماليك والخدم ومن كان تحت الولاية؛ لأن النبي ﷺ أوصى بذلك فقال: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم».

стр. 391

٦ - فضل أسامة بن زيد حيث أمَّره النبي ﷺ على جيش عظيم فيه الكثير من المهاجرين والأنصار، وأوصى بإنفاذ جيشه (١). ٧ - فضل أبي بكر حيث أنفذ وصية رسول الله ﷺ في جيش أسامة فبعثه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].

стр. 392

المبحث الثامن والعشرون اختياره ﷺ الرفيق الأعلى عن عائشة ﵂ قالت: «كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخيَّر بين الدنيا والآخرة، فسمعت النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه وأخذته بُحَّةٌ (١) [شديدة] يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] قالت: فظننته خُيِّر حينئذ» (٢). وفي رواية عنها ﵂ أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يُرى مقعده من الجنة ثم يخيَّر" قالت: فلما نزل برسول الله ﷺ (٣) ورأسه على فخذي غُشِيَ عليه ساعة ثم أفاق

стр. 393

فأشخص بصرهُ إلى السقف ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى" فقلت: إذًا لا يختارنا، وعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح، قالت: فكان آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ : "اللهم الرفيقَ الأعلى» (١). وقالت ﵂: «سمعت النبي ﷺ وهو مسند إليَّ ظهره يقول: اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى» (٢) وكان ﷺ متصل بربه وراغبًا فيما عنده، ومُحبًّا للقائه، ومُحبًّا لما يُحبُّه سبحانه، ومن ذلك السواك؛ لأنه مطهرة للفم مرضاة للرب، فعن عائشة ﵂ قالت: «إن من نعم الله عليَّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري (٣) ونحري (٤) وأن الله جمع

стр. 394

بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليَّ عبد الرحمن [بن أبي بكر] وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ [إلى صدري] (١) فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلتُ أُليِّنه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته [وفي رواية: فقصمته، ثم مضغته (٢) وفي رواية فقضمته ونفضته وطيبته (٣) ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستنَّ به (٤) فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانًا قَطُّ أحسن منه] (٥) وبين يديه ركوة (٦) أو علبة (٧) فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: "لا إله إلا الله إن للموت

стр. 395

سكرات"، ثم نصب يده فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده» (١) ﷺ . وقالت عائشة ﵂: «مات النبي ﷺ وإنه لبين حاقنتي (٢) وذاقنتي (٣) فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي ﷺ » (٤). [الدروس والفوائد والعبر] وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها: ١ - إن الرفيق الأعلى: هم الجماعة المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ

стр. 396

اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فالصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أن المراد بالرفيق الأعلى هم الأنبياء الساكنون أعلى عليين. ولفظة رفيق تطلق على الواحد والجمع؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. (١) ٢ - إن النبي ﷺ اختار الرفيق الأعلى حين خُيِّر حُبًّا للقاء الله تعالى، ثم حُبًّا للرفيق الأعلى، وهو الذي يقول ﷺ : «من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه» (٢). ٣ - فضل عائشة ﵂ حيث نقلت العلم الكثير عنه ﷺ ، وقامت بخدمته حتى مات بين سحرها ونحرها؛ ولهذا قالت: «إن من نعم الله عليَّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري».

стр. 397

٤ - عناية النبي ﷺ بالسواك حتى وهو في أشد سكرات الموت، وهذا يدل على تأكد استحباب السواك؛ لأنه مطهرة للفم مرضاة للرب. ٥ - قول النبي ﷺ في سكرات الموت: «لا إله الله إن للموت سكرات» وهو الذي قد حقق لا إله إلا الله، يدل على تأكُّدِ استحبابها والعناية بها والإكثار من قولها وخاصة في مرض الموت؛ لأن «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». ٦ - حرص النبي ﷺ على مرافقة الأنبياء ودعاؤه بذلك يدل على أن المسلم ينبغي له أن يسأل الله تعالى أن يجمعه بهؤلاء بعد الموت في جنات النعيم، اللهم اجعلنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. ٧ - شدة الموت وسكراته العظيمة للنبي ﷺ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما بالنا بغيره.

стр. 398

المبحث التاسع والعشرون موت النبي ﷺ شهيدًا عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام (١) الذي أكلت بخيبر (٢) فهذا أوان وجدت انقطاع أبْهَري (٣) من ذلك السم» (٤) وقد عاش ﷺ بعد أكله من الشاة المسمومة بخيبر ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي قُبض فيه (٥) وقد ذُكِرَ

стр. 399

أن المرأة التي أعطته الشاة المسمومة أسلمت حينما قالت: من أخبرك؛ فأخبر ﷺ أن الشاة المسمومة أخبرته، وأسلمت وعفى عنها رسول الله ﷺ أولًا ثم قتلها بعد ذلك قصاصًا ببشر بن البراءة بعد أن مات ﵁ (١) وقد ثبت الحديث متصلًا أن سبب موته ﷺ هو السم، فعن أبي سلمة قال: «كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة فأهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية سمَّتها، فأكل رسول الله ﷺ منها وأكل القوم فقال: "ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة" فمات بشر بن البراء ابن معرور الأنصاري، فأرسل إلى اليهودية: "ما حملك على الذي صنعت"؟ قالت: إن كنت نبيًّا لم يضرك الذي صنعت، وإن كنت ملكًا أرحت الناس منك "فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت" ثم قال في وجعه الذي مات فيه: "ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر فهذا أوان

стр. 400

انقطاع أبهري» (١). «وقالت أم بشر للنبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه: ما يتهم بك يا رسول الله؟ فإني لا أتهم بابني إلا الشاة المسمومة التي أكل معك بخيبر: وقال النبي ﷺ : "وأنا لا أتهم بنفسي إلا ذلك فهذا أوان انقطاع أبهري» (٢) وقد جزم ابن كثير رحمه الله تعالى أن النبي ﷺ مات شهيدًا (٣) ونقل: "وإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله ﷺ مات شهيدًا مع ما أكرمه الله به من النبوة" (٤) وقال ابن مسعود ﵁: لئن أحلف تسعًا أن رسول الله ﷺ قتل قتلًا أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل، وذلك؛ لأن الله اتخذه نبيًّا واتخذه شهيدًا (٥).

стр. 401

وعن أنس ﵁: «أن أبا بكر ﵁ كان يصلي بهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف [في صلاة الفجر] ففجأهم النبي ﷺ وقد كشف سِترَ حجرةِ عائشة ﵂ [وهم في صفوف الصلاة] وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف (١) ثم تبسم رسول الله ﷺ يضحك [وهَمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا] [برؤية رسول الله ﷺ ] [فنكص (٢) أبو بكر ﵁ على عقبيه ليصل الصف، وظنَّ أن رسول الله ﷺ خارج إلى الصلاة] فأشار إليهم رسول الله ﷺ [بيده] أن أتموا صلاتكم [ثم دخل رسول الله ﷺ ] [الحجرة] وأرخى الستر فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك،

стр. 402

وفي رواية: [وتوفي من آخر ذلك اليوم] (١) وفي رواية: [لم يخرج النبي ﷺ ثلاثًا] (٢) فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم، فقال نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظرًا كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا، فأومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يُقدر عليه حتى مات» (٣) [الدروس والفوائد والعبر] وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها: ١ - موت النبي ﷺ وانتقاله إلى الرفيق الأعلى شهيدًا؛

стр. 403

لأن الله اتخذه نبيًّا واتخذه شهيدًا ﷺ . ٢ - عداوة اليهود للإسلام وأهله ظاهرة من قديم الزمان فهم أعداء الله ورسله. ٣ - عدم انتقام النبي ﷺ لنفسه، بل يعفو ويصفح؛ ولهذا لم يعاقب من سمَّت الشاة المصلية، ولكنها قُتِلتْ بعد ذلك قصاصًا ببشر ابن البراء بعد أن مات بِصُنعها: ٤ - معجزة من معجزاته ﷺ وهي أن لحم الشاة المصلية نطق وأخبر النبي ﷺ أنه مسموم. ٥ - فضل الله تعالى على عباده أنه لم يقبض نبيهم إلا بعد أن أكمل به الدين وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. ٦ - محبة الصحابة ﵃ لنبيهم ﷺ حتى أنهم فرحوا فرحًا عظيمًا عندما كشف الستر في صباح يوم الاثنين وهو ينظر إليهم وصلاتهم، فأدخل الله بذلك

стр. 404

السرور في قلبه ﷺ ؛ لأنه ناصح لأمته يحب لهم الخير؛ ولهذا ابتسم وهو في شدة المرض فرحًا وسرورًا بعملهم المبارك.

стр. 405

المبحث الثلاثون من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ - وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. مات محمد بن عبد الله أفضل الأنبياء والمرسلين ﷺ «وكان آخر كلمة تكلم بها عند الغرغرة كما قالت عائشة ﵂: أنه كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه ﷺ في الماء فيمسح بها وجهه ويقول:

стр. 406

"لا إله إلا الله إن للموت سكرات" ثم نصب يده فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده» (١) «فكان آخر كلمة تكلم بها: "اللهم في الرفيق الأعلى» (٢). وعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : «أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسُّنح (٣) فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ . قالت: وقال: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنَّه الله فليقطع أيدي رجال وأرجلهم (٤) فجاء أبو بكر رضى الله عنه [على فرسه من مسكنه بالسُّنْح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ فتيمم (٥) رسول الله ﷺ

стр. 407

وهو مغشَّى بثوب حِبرة (١) فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبَّله (٢) [ثم بكى] فقال: بأبي أنت وأمي [يا نبي الله] [طبت حيًّا وميتًا والذي نفسي بيده] [لا يجمع الله عليك موتتين] (٣) [أبدًا] [أما الموتة التي كُتبت عليك قد مُتَّها] [ثم] خرج وعمر رضى الله عنه يكلم الناس فقال: [أيها الحالف على رسلك] [اجلس] [فأبى فقال: اجلس فأبى] [فتشهد أبو بكر] [فلما تكلم أبو بكر جلس عمر] [ومال

стр. 408

إليه الناس وتركوا عمر] [فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه] وقال: [أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] [فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر رضى الله عنه فتلقاها منه الناس كلهم فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها] [وأخبر سعيد بن المسيب] [أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت (١) حتى ما تقلني رجلاي وحتى أهويت إلى

стр. 409

الأرض حين سمعته تلاها علمت أن النبي ﷺ قد مات] [قال: ونشج الناس (١) يبكون، واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا: منَّا أمير ومنكم أمير (٢) فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيَّأت كلامًا قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر. ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل منَّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارًا وأعربهم

стр. 410

أحسابًا (١) فبايعوا عمر أو أبا عبيدة فقال عمر: بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله «(٢). قالت عائشة ﵂: في شأن خطبة أبي بكر وعمر في يوم موت النبي ﷺ : فما كان من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها، فلقد خوَّف عمر الناس وإن فيهم لنفاقًا فردهم الله بذلك، ثم لقد بصَّر أبو بكر الناس الهُدى وعرَّفهم الحق الذي عليهم وخرجوا به يتلون ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. (٣)

стр. 411

وخطب عمر ثم أبو بكر يوم الثلاثاء خطبة عظيمة مفيدة نفع الله بها والحمد لله. قال أنس بن مالك رضى الله عنه: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر، وقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة (١) ما كانت وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عهدها إليَّ رسول الله ﷺ ، ولكني كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا - يقول: يكون آخرنا - وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هدى به رسول الله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر رضى الله عنه البيعة العامة بعد بيعة السقيفة. ثم تكلم أبو بكر، فحمد الله

стр. 412

وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: (أما بعد، أيها الناس فإني وليت عليكم ولست بخيركم (١) فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته (٢) إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله) (٣) ثم استمر الأمر لأبي بكر والحمد لله. وقد بُعِثَ ﷺ فبقي بمكة يدعو إلى التوحيد ثلاث

стр. 413

عشرة سنة يُوحى إليه، ثم هاجر إلى المدينة وبقي بها عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة ﵌ (١). ورجَّح الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى أن آخر صلاة صلاها ﷺ مع أصحابه ﵃ هي صلاة الظهر يوم الخميس، وقد انقطع عنهم ﵊ يوم الجمعة، والسبت، والأحد، وهذه ثلاثة أيام كوامل (٢). وبعد موته ﷺ وخطبة أبي بكر رضى الله عنه دارت مشاورات - كما تقدم - وبايع الصحابة ﵃ أبا بكر في سقيفة بني ساعدة، وانشغل الصحابة ببيعة الصديق بقية يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ثم شرعوا في تجهيز رسول الله ﷺ (٣) وغُسل من أعلى ثيابه، وكفن في ثلاثة أثواب بيض

стр. 414

سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، ثم صلى عليه الناس فرادى لم يؤمهم أحد، وهذا أمر مجمع عليه: صلى عليه الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء، والعبيد والإماء، وتوفي يوم الاثنين على المشهور (١) ودفن ليلة الأربعاء، أُلحد لحدًا ﷺ ونصب عليه اللبن نصبًا (٢) ورُفع قبره من الأرض نحوًا من شبر (٣) وكان قبره ﷺ مسنمًا (٤) وقد تواترت الأخبار أنه دفن في حجرة عائشة ﵂ شرقي مسجده ﷺ في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة، ووسع المسجد النبوي الوليد بن عبد الملك عام ٨٦هـ

стр. 415

وقد كان نائبه بالمدينة عمر بن عبد العزيز فأمره بالتوسعة فوسعه حتى من ناحية الشرق فدخلت الحجرة النبوية فيه (١). [الدروس والفوائد والعبر] وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها: ١ - إن الأنبياء والرسل أحب الخلق إلى الله تعالى وقد ماتوا؛ لأنه لا يبقى على وجه الكون أحد من المخلوقات، وهذا يدل على أن الدنيا متاع زائل، ومتاع الغرور الذي لا يدوم، لا يبقى للإنسان من تعبه وماله إلا ما كان يبتغي به وجه الله تعالى، وما عدا ذلك يكون هباءً منثورًا. ٢ - حرص النبي ﷺ أن يكون مع الرفيق الأعلى؛ ولهذا سأل الله تعالى ذلك مرات متعددة، وهذا يدل على عظم هذه المنازل لأنبيائه وأهل طاعته. ٣ - استحباب تغطية الميت بعد تغميض عينيه، وشد

стр. 416

لحييه؛ ولهذا سجِّي وغطي النبي ﷺ بثوب حبرة. ٤ - الدعاء للميت بعد موته؛ لأن الملائكة يؤمنون على ذلك؛ ولهذا قال أبو بكر رضى الله عنه للنبي ﷺ : (طبت حيًّا وميتاً). ٥ - إذا أصيب المسلم بمصيبة فليقل: (إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها). ٦ - جواز البكاء بالدمع والحزن بالقلب. ٧ - النهي عن النياحة وشق الجيوب وحلق الشعر ونتفه والدعاء بدعوى الجاهلية وكل ذلك معلوم تحريمه بالأدلة الصحيحة. ٨ - إن الرجل وإن كان عظيمًا قد يفوته بعض الشيء ويكون الصواب مع غيره، وقد يخطئ سهوًا ونسيانًا. ٩ - فضل أبي بكر وعلمه وفقهه؛ ولهذا قال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله

стр. 417

فإن الله حي لا يموت. ١٠ - أدب عمر رضى الله عنه وأرضاه وحسن خلقه؛ ولهذا سكت عندما قام أبو بكر يخطب ولم يعارضه بل جلس يستمع مع الصحابة رضي الله عن الجميع. ١١ - حكمة عمر العظيمة في فض النزاع في سقيفة بني ساعدة، وذلك أنه بادر فأخذ بيد أبي بكر فبايعه فانصب الناس وتتابعوا في مبايعة أبي بكر، وانفض النزاع والحمد لله تعالى. ١٢ - بلاغة أبي بكر فقد تكلم في السقيفة فأجاد وأفاد حتى قال عمر عنه: (فتكلم أبلغ الناس). ١٣ - قد نفع الله بخطبة عمر يوم موت النبي ﷺ قبل دخول أبي بكر فخاف المنافقون، ثم نفع الله بخطبة أبي بكر فعرف الناس الحق. ١٤ - ظهرت حكمة أبي بكر وحسن سياسته في خطبته

стр. 418

يوم الثلاثاء بعد الوفاة النبوية، وبيَّن أن الصدق أمانة والكذب خيانة، وأن الضعيف قوي عنده حتى يأخذ له الحق، والقوي ضعيف عنده حتى يأخذ منه الحق، وطالب الناس بالطاعة له إذا أطاع الله ورسوله، فإذا عصى الله ورسوله فلا طاعة لهم عليه. ١٥ - حكمة عمر رضى الله عنه وشجاعته العقلية والقلبية حيث خطب الناس قبل أبي بكر ورجع عن قوله بالأمس واعتذر، وشد من أزر أبي بكر، وبيَّن أن أبا بكر صاحب رسول الله وأحب الناس إليه، وثاني اثنين إذ هما في الغار. ١٦ - استحباب بياض الكفن للميت، وأن يكون ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، وأن يلحد لحدًا، وأن ينصب عليه اللبن نصبًا، وأن يكون مسنمًا بقدر شبر فقط.

стр. 419

المبحث الحادي والثلاثون مصيبة المسلمين بموته ﷺ من المعلوم يقينًا أن محبة النبي ﷺ محبة كاملة من أعظم درجات الإيمان الصادق؛ ولهذا قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين» (١). فإذا فقد الإنسان أهله، أو والده، أو ولده، لا شك أن هذه مصيبة عظيمة من مصائب الدنيا، فكيف إذا فقدهم كلَّهم جميعًا في وقت واحد؟ ولا شك أن مصيبة موت النبي ﷺ أعظم المصائب على المسلمين؛ ولهذا جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك، فعن عائشة ﵂ قالت: «فتح رسول الله ﷺ بابًا بينه وبين الناس، أو كشف سترًا فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر، فحمد الله على ما رآه من حسن حالهم، ورجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم، فقال: يا أيها الناس أيما

стр. 420

أحد من الناس أو من المؤمنين أُصيب بمصيبة فلْيتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحدًا من أُمتي لن يُصاب بمصيبة أشدَّ عليه من مُصيبتي» (١). وعن أنس ﵁ قال: «لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء (٢) فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي (٣) وإنا لفي دفنه (٤) حتى أنكرنا (٥)

стр. 421

قلوبنا» (١). وعن أنس ﵁ قال: «قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أمِّ أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ فما عند الله خير لرسوله ﷺ . قالت: إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها» (٢). وما أحسن ما قال القائل: اصبر لكلِّ مصيبة وتجلَّدِ ... واعلم بأن المرء غير مُخلَّد فإذا ذكرت مصيبة تسلو بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد [الدروس والفوائد والعبر] وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر

стр. 422

المستفادة هذا المبحث كثيرة، ومنها: ١ - موت النبي ﷺ أعظم مصيبة أصيب بها المسلمون. ٢ - إنكار الصحابة قلوبهم بعد موت النبي ﷺ ؛ لفراقهم نزول الوحي وانقطاعه من السماء. ٣ - النبي ﷺ أحب إلى المسلمين من النفس، والولد، والوالد، والناس أجمعين، وقد ظهر ذلك عند موته بين القريب والبعيد من أصحاب النبي ﷺ ، بل وجميع المسلمين. ٤ - محبة الصحابة للاقتداء والتأسي برسول الله ﷺ في كل شيء من أمور الدين حتى في زيارة النساء كبار السن، كما فعل أبو بكر وعمر ﵄.

стр. 423

المبحث الثاني والثلاثون ميراثه ﷺ عن عمرو بن الحارث ﵁ قال: «ما ترك رسول الله ﷺ عند موته: دِرْهمًا، ولا دينارًا، ولا عبدًا، ولا أمَةً، ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء [التي كان يركبها] وسلاحه، [وأرضًا بخيبر] جعلها [لابن السبيل] صدقة» (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا، ولا درهمًا، ولا شاة، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء» (٢) (٣). وقال ﷺ : «لا نورث ما تركنا فهو صدقة» (٤) وذلك

стр. 424

لأنه لم يبعث ﷺ جابيًا للأموال وخازنًا إنما بعث هاديًا، ومبشراًًً، ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، وهذا هو شأن أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام؛ ولهذا قال ﷺ : «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنما وَرَّثُوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر» (١). وقد فَهِمَ الصحابة ﵃ ذلك، فعن سليمان ابن مهران: بينما ابن مسعود ﵁ يومًا معه نفر من أصحابه إذ مرَّ أعرابي فقال: على ما اجتمع هؤلاء؟ قال ابن مسعود ﵁: (على ميراث محمد ﷺ يقسِّمونه) (٢). فميراث النبي ﷺ هو الكتاب والسنة والعلم والاهتداء بهديه ﷺ ؛ ولهذا توفي ﷺ ولم يترك درهمًا، ولا دينارًا، ولا

стр. 425

عبدًا، ولا أمة، ولا بعيرًا، ولا شاة، ولا شيئًا، إلا بغلته وأرضًا جعلها صدقة لابن السبيل. وعن عائشة ﵂ قالت: «توفي النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير» (١). وهذا يبين أن النبي ﷺ كان يتقلل من الدنيا، ويستغني عن الناس؛ ولهذا لم يسأل الصحابة أموالهم أو يقترض منهم؛ لأن الصحابة لا يقبلون رهنه وربما لا يقبضوا منه الثمن، فعدل إلى معاملة اليهودي؛ لئلا يضيِّق على أحد من أصحابه ﷺ (٢). وقد كان ﷺ يصيبه الجوع وهو حي؛ ولهذا يمر ويمضي الشهر والشهران وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار، «قال عروة لعائشة رضي الله عن الجميع: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر
следующие страницы →