← Сира

Сира · id 96721

رحمة للعالمين - سعيد بن وهف

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (452 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المقدمة] المقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلَّم تسليمًا كثيرًا، أَمَّا بعد: فلقد أرسل الله مُحَمَّدًا ﷺ رحمةً للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فهو رحمة للإنس، والجن، مؤمنهم وكافرهم؛ يدعوهم إلى الله؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور، قال الله تعالى له: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا

стр. 2

بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، فهو ﷺ رحمة للعالمين وحجة على خلقه أجمعين، وهو مِنَّةٌ من الله تعالى على المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وعن أبي نضرة قال: «حدثني من سمع خطبة النبي ﷺ وسط أيام التشريق فقال: يا أيها الناس إنَّ ربَّكُم واحد، وإنَّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود،

стр. 3

ولا لأسود على أحمر إلا بالتَّقوى» (١). وهذا فيه الدلالة الواضحة على أنه لا فرق بين الناس إلا بالتقوى، فكلما كان الإنسان لله أتقى فهو أفضل، من أي الأجناس أو الألوان كان. وقد مَنَّ الله تعالى على هذا النبي الكريم بمكارم الأخلاق كلِّها؛ فإنه لا يُحصى من دخل في الإسلام بسبب خُلُقه الكريم ﷺ سواء كان ذلك الخُلُق الحسن الكريم: من جوده، أو كرمِهِ، أو عفوهِ، أو صفحِهِ، أو حلمِهِ، أو أناتِهِ، أو رفقِهِ، أو صبرِهِ، أو تواضُعِهِ، أو عدلِهِ، أو رحمتِهِ، أو منِّهِ، أو شجاعته وقوَّتِهِ، أو غير ذلك من مكارم الأخلاق. ومن تتبَّع سيرة النبي ﷺ وجد أنه كان يلازم الخُلُق الحسن في سائر أحواله، فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا، بفضل الله ثم بفضل حُسْنِ خُلُقِهِ ﷺ ، فكم دخل في الإسلام بسبب حُسْنِ خُلُقِهِ ﷺ .

стр. 4

فهذا ثُمامةُ بن أُثال يُسلِمُ بسبب عفو النبي ﷺ ، ويقول: (والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهِكَ، فقد أصبح وجهُك أحب الوجوه كلها إليَّ، والله ما كان على وجه الأرض دين أبغض إليَّ من دينك، وقد أصبحَ دينُك أحبَّ الأديانِ كلِّها إليَّ، والله ما كان على وجه الأرض بلادٌ أبغض إليَّ من بلادك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد كلِّها إليَّ) (١). وهذا أعرابي يقول: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا؛ لأنه تأثر بعفو النبي ﷺ عندما بال هذا الأعرابي في المسجد، ولم يتركه على تحجيرهِ رحمة الله التي وسعت كل شيء؛ بل قال له ناصحًا ومُعلِّمًا ﷺ : «لقد حجَّرتَ واسعًا» (٢). وذاك معاوية بن الحكم يرفق به النبي ﷺ في تعليمه، فيقول: (فبأبي هو وأمي ما رأيتُ مُعلِّمًا قبله ولا بعده أحسن

стр. 5

تعليمًا منه، والله ما كهرني، ولا ضربني ولا شتمني) (١) «وأعطى ﷺ رجلًا غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قومي أسلموا؛ فإن محمدًا يُعطي عطاءً لا يخشى الفاقة» (٢). «وهذا صفوان ابن أمية من صناديد قريش الكفرة يعطيه النبي ﷺ مائة من الغنم ثم مائة، ثم مائة، فيقول صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما بَرِحَ يُعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ». وهذا سبب إسلام صفوان (٣). ومُشركٌ كافرٌ آخرُ يُريدُ قتل النبي ﷺ بالسيف فيعصم الله رسوله ﷺ منه ويعفو عنه النبي ﷺ (٤) فيرجع إلى قومه ويُسلم، ويدعوهم إلى الإسلام فأسلم

стр. 6

من قومه على يديه خَلْقٌ كثير (١). «وهذا عبد الله بن سلام اليهودي الحبر العالم من علماء اليهود يأتي إلى النبي ﷺ عند قدومه إلى المدينة يقول عبد الله ﵁: فجئتُ في الناس لأنظر، فلما تبيَّنْتُ وجهَهُ عَرفْتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أوَّل شيء سمعته يقول: يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعِمُوا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام» (٢). وهذا زيد بن سعية اليهودي يختبر النبي ﷺ فيعفو عنه النبي ﷺ ويأمر عمر أن يعطيه عطاءً، فيقول زيد اليهودي الحبر: " ما من علامات النبوة شيءٌ إلا وقد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرتُ إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمُهُ جهله، ولا تزيده شدَّةُ الجهل إلا حلمًا، وقد اختبرتهما فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا

стр. 7

وبمحمد نبيًّا، وأشهدك أنَّ شطر مالي صدقة على أمة محمدٍ ﷺ " (١). وهذا يهودي آخر يقول عند الموت: والذي أنزل التوراة إنَّا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله (٢). وهذا ملك النصارى النجاشي في الحبشة عندما سمع دعوة النبي ﷺ وقوله: إن عيسى عبد الله ورسوله فقال لوفد النبي ﷺ : مرحبًا بكم، وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بَشَّرَ به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أُقَبِّلَ نعله (٣). وهذا هرقل عظيم الروم النصراني، يقول لأبي سفيان حينما قال له: «إن النبي ﷺ لا يغدر، وأنه يأمر بعبادة الله وحده، وعدم الشرك به، وينهى عن عبادة الأوثان، ويأمر بالصلاة، والصدق، والعفاف، قال هرقل لأبي سفيان: فإن

стр. 8

كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كُنتُ أعلم أنه خارج لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشَّمْتُ لقاءَهُ، ولو كُنتُ عنده لغسلت عن قدمه» (١). وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وصدق النبي الكريم إذ يقول: «إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّم مكارم الأخلاق» (٢). «وسُئِلَتْ عائشةُ ﵂ عن خُلُق النبيِّ ﷺ ؟ فقالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن» (٣). ولأهمية معرفة النبي الكريم ﷺ ، التي هي الأصل الثاني من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلُّمها والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره، كتبت هذا المختصر، وسَمَّيتُهُ: (رحمةٌ للعالمين: محمد رسول الله ﷺ وبيَّنت فيه: نسبه ﷺ ، ونشأته، وأخلاقه، وصفاته: الخَلْقِيَّة؛

стр. 9

والخُلُقيَّة، ومُعجزاته، وعموم رسالته، ووصاياه لأمته، وحقوقه على أمته ﷺ ، وقد قسَّمت البحث إلى المباحث الآتية: المبحث الأول: خيار من خيار "نسبه ﷺ ". المبحث الثاني: نشأته ﷺ . المبحث الثالث: صفاته: الخَلْقيَّة، والخُلُقيَّة ﷺ . المبحث الرابع: اجتهاده في عبادته وجهاده ﷺ . المبحث الخامس: النبي الكريم ﷺ رحمة للعالمين. المبحث السادس: تلطفه ﷺ مع الأطفال ومداعبتهم وإدخال السرور عليهم. المبحث السابع: حسن خلقه ﷺ . المبحث الثامن: جوده وكرمه ﷺ . المبحث التاسع: عدله ﷺ . المبحث العاشر: تواضعه ﷺ . المبحث الحادي عشر: حلمه وعفوه ﷺ . المبحث الثاني عشر: أناته وتثبته ﷺ . المبحث الثالث عشر: رفقه ولينه ﷺ . المبحث الرابع عشر: صبره الجميل ﷺ .

стр. 10

المبحث الخامس عشر: شجاعته ﷺ . المبحث السادس عشر: حكمته ﷺ في الإصلاح وجمع القلوب. المبحث السابع عشر: بلاغته ﷺ . المبحث الثامن عشر: معجزاته ودلائل نبوَّته ﷺ . المبحث التاسع عشر: عموم رسالته ﷺ إلى الجن والإنس. المبحث العشرون: اعتراف المنصفين من اليهود والنصارى برسالته ﷺ . المبحث الحادي والعشرون: خير أعماله خواتمها ﷺ . المبحث الثاني والعشرون: وداعه ﷺ لأمته ووصاياه في حجة الوداع. المبحث الثالث والعشرون: توديعه ﷺ للأحياء والأموات. المبحث الرابع والعشرون: بداية مرضه ﷺ وأمره لأبي بكر أن يُصلي بالناس. المبحث الخامس والعشرون: خطبته العظيمة ﷺ ووصاياه للناس. المبحث السادس والعشرون: اشتداد مرضه ﷺ ووداعه ووصيته في تلك الشدة. المبحث السابع والعشرون: وصاياه ﷺ عند وفاته. المبحث الثامن والعشرون: اختياره ﷺ للرفيق الأعلى. المبحث التاسع والعشرون: موته ﷺ شهيدًا. المبحث الثلاثون: مَن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت.

стр. 11

المبحث الحادي والثلاثون: مصيبة المسلمين بموته ﷺ . المبحث الثاني والثلاثون: ميراثه ﷺ . المبحث الثالث والثلاثون: حقوقه ﷺ على أمته. واللهَ تعالى أسألُ أن يجعل هذا العمل القليل مُباركًا نافعًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه أحسن مسؤول وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أبو عبد الرحمن حرر ضحى الثلاثاء الموافق ٢٩/ ١ / ١٤٢٧هـ

стр. 12

المبحث الأول خيار من خيار "نسبه ﷺ " هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كِلاَب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كِنانة ابن خزيمة بن مُدْرِكَة بن إلياس بن مُضر بن نزار ابن معدِّ بن عدنان (١) فهو خيار من خيار، كما قال ﷺ عن نسبه: «إن الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٢). فهو ﷺ من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام (٣).

стр. 13

[مولده ﷺ ] ولد ﷺ عام الفيل بمكة في شهر ربيع الأول (١) يوم الاثنين (٢) الموافق ٥٧١م (٣). [وفاته ﷺ ] وتوفي ﷺ وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها: أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًّا رسولًا، نُبِّئَ بإقرأ، وأُرسل بالمدثر، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثَهُ الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد، أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد،

стр. 14

وبعد العشر عُرج به إلى السماء، وفُرِضَت عليه الصلوات الخمس، وصلَّى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أُمِر بالهجرة إلى المدينة، فلما استقر بالمدينة (١) أُمِر ببقية شرائع الإسلام مثل: الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين وبعدها توفي ﷺ ، ودينه باقٍ وهذا دينه، لا خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شر إلا حذَّرها منه، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي بعده، وقد بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طاعته على الجن والإنس، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار (٢). [الدروس والفوائد والعبر والعظات] وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر

стр. 15

والعظات في هذا المبحث كثيرة منها: ١ - إن النبي ﷺ خيار من خيار من خيار، فهو أحسن الناس وخيرهم نسبًا، وأرجح العالمين عقلًا، وأفضل الخلق منزلة في الدنيا والآخرة، وأرفع الناس ذكرًا، وأكثر الأنبياء أتباعًا يوم القيامة. ٢ - إن إقامة الاحتفالات بمولد النبي ﷺ كل عام في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول بدعة منكرة؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك في حياته، ولم يفعله الصحابة من بعده ﵃، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، ومع ذلك فإن تحديد ميلاد النبي ﷺ باليوم الثاني عشر من ربيع الأول لم يُجْزَم به، وإنما فيه خلاف وحتى ولو ثبت فالاحتفال به بدعة لما تقدم؛ ولقوله ﷺ : «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١). وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه

стр. 16

أمرنا فهو رد» (١). ٣ - إن وظيفة النبي ﷺ هي الدعوة إلى التوحيد، وإنقاذ الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمات المعاصي والسيئات إلى نور الطاعات والأعمال الصالحات، ومن الجهل إلى المعرفة والعلم، فلا خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شر إلا حذَّرها منه ﷺ .

стр. 17

المبحث الثاني نشأته ﷺ نشأ النبي ﷺ يتيمًا فآواه الله تعالى، وعائلًا فأغناه الله، فقد تُوفِّي والده عبد الله وهو ﷺ حملٌ في بطن أمه، وأرضعته ثُويْبَةُ أيَّامًا (١) وهي مولاة لأبي لهبٍ، ثم أرضعته حليمة السعدية في البريَّة، وأقام عندها في بني سعدٍ نحوًا من أربع سنين، وَشُقَّ عن فُؤاده هناك وهو يلعب مع الغلمان، فعن أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقةً فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طستٍ (٢) من ذهب بماء زمزم ثم لامَهُ (٣) ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون

стр. 18

إلى أمه (يعني ظئره) (١) فقالوا: إن محمدًا قد قُتِلَ، فاستقبلوه وهو مُنتقع اللَّون (٢) قال أنسٌ: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره» (٣) وعند هذه الحادثة العظيمة خافت عليه حليمة السعدية ﵂، فردَّته إلى أمه آمنة بنت وهب، فخرجت به أمه إلى المدينة، تزور أخواله، ثم رجعت متجهة إلى مكة فماتت في الطريق بالأبواء، بين مكة والمدينة، وعمره ﷺ ست سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام (٤) ولما ماتت أمه كفله جده عبد المطلب، فلما بلغ ثماني سنين توفي جده وأوصى به إلى عمه أبي طالب؛ لأنه كان شقيق عبد الله بن عبد المطلب

стр. 19

فكفله، وأحاطه أتمَّ حياطة، ونصره حين بعثه الله، أعزَّ نصرٍ، مع أنه كان مستمرًا على شركه إلى أن مات، فخفَّفَ الله بذلك من عذابه بشفاعة النبي ﷺ ، قال ﷺ : «هو في ضحْضاحٍ من النار، ولولا أنا لكان في الدَّرْكِ الأسفلِ من النار». وفي لفظٍ: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامةِ فيُجعلُ في ضحْضاحٍ من النارِ يبلغ كعبَيه، يغلي منه دِمَاغُه» (١). [خروجه ﷺ للتجارة] وخرج مع عمِّه أبي طالب إلى الشام في تجارةٍ، وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وذلك من تمام لطفه به؛ لعدم من يقوم به إذا تركه بمكة، فَرَأَى عبد المطلب وأصحابه ممن خرج معه إلى الشام من الآيات فيه ﷺ ما زاد عمَّه في الوصاة بِهِ، والحرص عليه، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخٍ من قريشٍ، فلما أشرفوا على الراهب هبطُوا فحلُّوا

стр. 20

رحالهم، فخرج إليهم الرَّاهبُ، وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرج إليهم، ولا يلتفتُ، قال: فهم يحلُّون رِحالهم فجعل يتخلَّلهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ ، قال: "هذا سيدُ العالَمِين، هذا رسولُ ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمةً للعالمين، فقال له أشياخٌ من قريش ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإنِّي أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروفِ كتفهِ مثل التُّفَّاحة. . .» الحديث، وفيه: «أن النبي ﷺ أظلته غمامةٌ ومالت الشجرة بظلها عليه» (١) وأمر الراهب أبا طالب بالرجوع به إلى مكة؛ لئلا يراه اليهود؛ فيحصل له منهم سوء، فأرسل به عمه إلى مكة، ثم أرسلت به خديجة بنت

стр. 21

خويلد في تجارةٍ لها إلى الشام مع غلامها ميسرة، فربحت تجارة خديجة ﵂، فرأى ميسرة ما بهره من شأنه، فرجع فأخبر سيدته بما رأى، فرغبت إلى النبي ﷺ أن يتزوجها، لِمَا رجَتْ في ذلك من الخير الذي جمعه الله لها، وفوق ما يخطر بِبَالِ بشر، فتزوجها رسول الله ﷺ ، وله من العمر خمس وعشرون سنة، وكان عمرُ خديجة أربعون سنة (١). [حماية الله تعالى له ﷺ من دنس الجاهلية] وقد حماه الله تعالى من صغره من دنس الجاهلية، ومن كلِّ عيب، فلم يُعظِّم لهم صنمًا في عمره قط، ولم يحضر مشهدا ًمن مشاهد كفرهم، وكانوا يطلبونه بذلك فيمتنع، ويعصمه الله من ذلك، وما شرب خمرًا قط، وما عمل فاحشة قط، وكان يعلم بأنهم على باطل، ولم يشرك بالله قطٌّ، ولم يحضر مجلس لهوٍ (٢) ولم

стр. 22

يعمل شيئًا مما كان يعمله قومه من الفواحش والمنكرات، فقد نشأ في مجتمعٍ كَثُرت فيه المفاسد وعمت فيه الرذائل، فالشرك بالله تعالى، ودعاء غيره معه، وقتل الأنفس بغير حق، والظلم، والبغاء، والاستبضاع، والزنى الجماعي، والأفرادي، ونكاح أسبق الرجال ممن مات زوجها، والاعتداء على الأعراض، والأموال، والدماء، كل ذلك كان شائعًا في قومه قبل الإسلام، لا ينكره أحد، ولا تحاربه جماعة، بالإضافة إلى وَأْدِ البناتِ، وقتل الأولاد خشية الفقر، أو العار، ولعب الميسر، وشرب الخمر، أمور تعدُّ في الجاهلية من المفاخر، والتباهي، وليس من شرط أن يكون المجتمع كلُّه يرتكب هذه الجرائم، وإنما عدم إنكارها هو دليل على الرضى بها، والنبي ﷺ لم يعمل أي عمل أو يباشر أيَّ خُلقٍ من هذه الأخلاق الرذيلة، وقد أدَّبه ربُّهُ فأحسن تأديبه (١) وهذه الأخلاق

стр. 23

التي اتصف بها قد عرفها قومه منه؛ ولهذا لُقِّب بين قومه " بمحمدٍ الأمين" (١). وقد بنت قريش الكعبة في سنة خمس وثلاثين من عمر النبي ﷺ ، وعندما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا، واشتجروا فيمن يضع الحجر الأسود موضعه، فقالت كلُّ قبيلةٍ: نحن نضعه، ثم اتفقوا على أن يضعه أَوَّلُ داخلٍ عليهم، فكان أول من دخل عليهم رسول الله ﷺ ، ففرِحوا به كثيرًا، فقالوا: جاء الأمين، فرضوا به أن يكون حكمًا بينهم؛ ليحلَّ النزاع ويقف القتال الذي كاد أن يحصل، فأمر ﷺ بثوبٍ فَوُضِعَ الحجر في وسطه، وأمر كلَّ قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب، ثم أخذ

стр. 24

الحجر فوضعه بيديه في موضعه ﷺ (١). [تعبده ﷺ بغار حراء] وبعد ذلك حبب الله إليه الخلوة والانعزال عن الناس؛ لكي يتعبد لله تعالى، وكان يخلو بغار حراء يتعبد لله تعالى على ملة إبراهيم ﷺ ، ولما كمَّل الأربعين أكرمه الله تعالى بالنبوَّة، ولا خلاف أن مبعثه كان يوم الإثنين، وقيل بأن الشهر كان ربيع الأول سنة إحدى وأربعين لثمانٍ خلون منه، من عام الفيل وهذا قول الأكثرين (٢). [نزول الوحي] «وجاءه جبريل في غار حراء، فقال له: اقرأ، فقال: "لست بقارئ"، قال: اقرأ، قال: "لست بقارئ"، فغتَّه (٣) حتى بلغ منه الجهد، فقال له: اقرأ، فقال: "لست بقارئ" فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ

стр. 25

مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]، وبهذه السورة كان ﷺ نبيًّا، ثم رجع ﷺ إلى خديجة ﵂ يرجفُ فؤادُهُ فدخل عليها وقال: "زملوني زمِّلوني"، فزمَّلوه (١) حتى ذهب عنه الرَّوعُ، فأخبر خديجة الخبر، فقالت خديجة ﵂: كلا واللهِ ما يُخزيك اللهُ أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمِل الكلَّ، وتكسِب المعدوم، وتقري الضيف، وتعينُ على نوائب الحق. . .» الحديث (٢) ثم أرسله الله تعالى بسورة المدثر إلى الإنس والجن، قال ﷺ : «بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعتُ بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرُعبْتُ منه، فرجعت فقلت

стр. 26

زمِّلوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢] إلى قوله ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] فحميَ الوحيُ وتتابع» (١) وبهذه السورة كان رسولًا ﷺ . [الدعوة إلى الإسلام] بدأ ﷺ بالدعوة إلى الله تعالى سرًا، فأسلم على يديه: السابقون الأولون، وكان أول من أسلم خديجة ﵂، ثم علي ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر ﵃، ثم دخل الناس في دين الله واحد بعد واحد، حتى فشى الإسلام في مكة، «ثم أمر الله تعالى نبيه ﷺ بأن يجهر بالدعوة فقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ - وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٦]، فدعاهم إلى الله، وصعد على الصفا وقال: يا بني فهر، يا بني عدي لبطون قريش، حتى

стр. 27

اجتمعوا، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج عليكم بسفح هذا الوادي أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم ما جرَّبنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد» (١) وقد ناصبه صناديد قريش ومن معهم العداء، ولكن مع ذلك لم يستطع أحد منهم أن يتهمه بصفة الكذب أو صفة غير لائقة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، ولو عرفوا خُلُقًا ذميمًا - وقد عاش بينهم أربعين عامًا -؛ لأراحهم من التنقيب عن خصلة غير حميدة يتهمونه بها أمام الناس، ووجدوا أن كلمة (ساحر) و (كاهن) هي أنسب الصفات التي يطلقونها عليه؛ حيث يفرق بدعوته إلى الله بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والزوجة وزوجها، واتهموه بالجنون؛ لأنه خالف

стр. 28

شركهم ودعا إلى عبادة الله وحده، وتابع دعوته إلى الله في المواسم، والأسواق، وخرج إلى الطائف، وأسلم الجن في طريقه عند رجوعه من الطائف، وحصل له من الأذى الكثير فصبر واحتسب. [الإسراء والمعراج] ثم أُسريَ به إلى بيت المقدس ليلًا وعُرِج به إلى السماوات العُلى، وقبل الإسراء جاء جبريلُ ففرج صدره ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدره، ثم أطبقه، ثم أخذ بيده فَعُرِج به (١) وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن النبي ﷺ شُقَّ صدره ثلاث مرات، الأولى في بني سعد وهو صغير، والثانية عند البعثة فقال: (وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوَّة، فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس: «فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك»، وكان هذا في زمن الطفولية فنشأ على أكمل الأحوال، من

стр. 29

العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه؛ ليتلقى ما يُوحى إليه بقلبٍ قويٍّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند العروج إلى السماء؛ ليتأهب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه ﷺ (١). وصل ليلة الإسراء والمعراج إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام فوق السماء السابعة، وفرضت عليه الصلاة، وصلى بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ركعتين، ورجع قبل أن يصبح إلى مكة، واستمر في دعوته إلى التوحيد، وصلَّى في مكة قبل الهجرة ثلاث سنين، ولما اشتد الأذى من قريش، وأكمل ثلاثة عشر عامًا في دعوته قومه إلى التوحيد، أَذِنَ الله له بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، وفرضت عليه فيها بقية شرائع الإسلام خلال

стр. 30

عشر سنواتٍ، كما تقدم، وسيأتي إتمام الكلام في صبره ﷺ على أذى قومه، وفي غزواته، وجهاده، وحجِّه حجة الوداع، ورجوعه إلى المدينة، ثم موته بعد أن كمَّل الله به الدين ﷺ (١).

стр. 31

المبحث الثالث صفاته الخَلْقيَّة والخُلُقيَّة ﷺ [من صفاته الخَلْقيَّة ﷺ ] كان النبي ﷺ أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية (١) وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمُّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من

стр. 32

الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه (١). وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة. [من صفاته الخَلْقيَّة ﷺ ] وكان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن (٢) ولا

стр. 33

بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق (١) ولا بالأدم (٢) ولا بالجعد القطط (٣) ولا بالسَّبط (٤) ﷺ (٥) وكان ضخم القدمين حسن الوجه (٦) أبيض مليح الوجه (٧) وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين (٨) ضخم الرأس، ضخم الكراديس (٩) طويل المَسْربة (١٠) إذ مشى تكفَّأَ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ (١١) لم يُرَ قبله

стр. 34

ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدَّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرِّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: «عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر» (١). وقال: «إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر» (٢) وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: «شيَّبتني هود وأخواتها»، وفي لفظ: «شيَّبتني: هود، والواقعة،

стр. 35

والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت» (١) وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبُّ لبس القميص، والحَبِرَة (٢) وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه (٣) وكان يحب الطيب، ويقول: «طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه» (٤). [من سيرته ﷺ ] وكان ﷺ يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبُّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك (٥) وكان يُحِبُّ السِّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة

стр. 36

الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبُّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبُّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكِّلين، قال أنس ﵁: «خَدَمْتُ النبي ﷺ عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: لو قُضِيَ لكان، أو: لو قُدِّر لكان» (١) ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام (٢) ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاَّ رعاها (٣) وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة (٤). وله ﷺ أسماء، قال ﷺ : «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا

стр. 37

الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي (١) وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي» (٢). وقال ﷺ : «أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي (٣) والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (٤) وكنيته أبو القاسم (٥) بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق (٦). وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ

стр. 38

وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقال : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ٢]، وقال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال جل وعلا في قول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه (١) قال جرير ﵁: «ما حجبني

стр. 39

رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: اللهم ثبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا» (١) ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثُّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا

стр. 40

اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس (١) قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، «وخدمه أنس ﵁ عشر سنين، قال: فما
следующие страницы →