← Сира

Сира · id 96721

رحمة للعالمين - سعيد بن وهف

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (452 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبُّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبُّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكِّلين، قال أنس ﵁: «خَدَمْتُ النبي ﷺ عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: لو قُضِيَ لكان، أو: لو قُدِّر لكان» (١) ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام (٢) ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاَّ رعاها (٣) وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة (٤). وله ﷺ أسماء، قال ﷺ : «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا

стр. 37

الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي (١) وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي» (٢). وقال ﷺ : «أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي (٣) والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (٤) وكنيته أبو القاسم (٥) بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق (٦). وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ

стр. 38

وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقال : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ٢]، وقال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال جل وعلا في قول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه (١) قال جرير ﵁: «ما حجبني

стр. 39

رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: اللهم ثبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا» (١) ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثُّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا

стр. 40

اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس (١) قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، «وخدمه أنس ﵁ عشر سنين، قال: فما

стр. 41

قال لي أُفٍّ قط، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكًا قط ولا عطرًا أطيب من عرق النبي ﷺ » (١). ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا (٢) ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه. [كمال الأخلاق ومحاسن الشيم] وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ

стр. 42

ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن (١). فينبغي الاقتداء به ﷺ والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجده واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله ﷺ : "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا (٢) " (٣)؛ ولقوله: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (٤).

стр. 43

المبحث الرابع اجتهاده في عبادته وجهاده ﷺ [كان أسوة لكل مسلم] ١ - كان ﷺ أسوة وقدوة وإمامًا يُقتدى به؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]؛ ولهذا «كان ﷺ يصلي حتى تفطَّرت قدماه وانتفخت وورمت، فقيل له: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا» (١). [صلاته ﷺ ] ٢ - وكان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، وربما صلى ثلاث عشرة ركعة (٢) وكان يصلي الرواتب اثنتي عشرة ركعة (٣) وربما صلاها عشر ركعات (٤) وكان يصلي

стр. 44

الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله (١) وكان يطيل صلاة الليل فربما صلى بما يقرب من خمسة أجزاء في الركعة الواحدة (٢) فكان ورده من الصلاة كل يوم وليلة أكثر من أربعين ركعة منها الفرائض سبع عشر ركعة (٣). [صومه ﷺ ] ٣ - وكان يصوم غير رمضان ثلاثة أيام من كل شهر (٤) ويتحرَّى صيام الاثنين والخميس (٥) وكان يصوم شعبان إلا قليلًا، بل كان يصومه كله (٦) ورغَّب في صيام ست من شوال (٧) وكان ﷺ يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويفطر حتى يُقال: لا يصوم (٨) وما استكمل شهرًا غير رمضان

стр. 45

إلا ما كان منه في شعبان، وكان يصوم يوم عاشوراء (١) وروي عنه صوم تسع ذي الحجة (٢) وكان يواصل الصيام اليومين والثلاثة وينهى عن الوصال، وبيَّن أنه ﷺ ليس كأمته؛ فإنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه (٣) وهذا على الصحيح: ما يجد من لذة العبادة والأنس والراحة وقرة العين بمناجاة الله تعالى؛ ولهذا قال: «يا بلال أرحنا بالصلاة» (٤) وقال: «وجُعِلَتْ قرة عيني في الصلاة» (٥). [صدقته ﷺ ] ٤ - وكان يكثر الصدقة، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة حينما يلقاه جبريل ﵊ (٦)؛ فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة؛ ولهذا أعطى رجلًا غنمًا

стр. 46

بين جبلين فرجع الرجل إلى قومه وقال: يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (١) فكان ﷺ أحسن الناس، وأكرم الناس، وأشجع الناس (٢) وأرحم الناس وأعظمهم تواضعًا، وعدلًا، وصبرًا، ورفقًا، وأناة، وعفوًا، وحلمًا، وحياءً، وثباتًا على الحق. [جهاده ﷺ ] ٥ - وجاهد ﷺ في جميع ميادين الجهاد: جهاد النفس وله أربع مراتب: جهادها على تعلم أمور الدين، والعمل به، والدعوة إليه على بصيرة، والصبر على مشاق الدعوة، وجهاد الشيطان وله مرتبتان: جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات، ودفع ما يلقي من الشهوات، وجهاد الكفار وله أربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، واليد. وجهاد أصحاب الظلم وله ثلاث مراتب: باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب. فهذه ثلاث عشرة مرتبة من

стр. 47

الجهاد، وأكمل الناس فيها محمد ﷺ ؛ لأنه كمَّل مراتب الجهاد كلها، فكانت ساعاته موقوفة على الجهاد: بقلبه، ولسانه، ويده، وماله؛ ولهذا كان أرفع العالمين ذكرًا وأعظمهم عند الله قدرًا (١). وقد دارت المعارك الحربية بينه وبين أعداء التوحيد، فكان عدد غزواته التي قادها بنفسه سبعاًٍ وعشرون غزوة، وقاتل في تسع منها، أما المعارك التي أرسل جيشها ولم يقدها فيقال لها سرايا فقد بلغت ستًا وخمسين سرية (٢). [حسن معاملته ﷺ ] ٦ - وكان ﷺ أحسن الناس معاملة، فإذا استسلف سلفًا قضى خيرًا منه؛ ولهذا «جاء رجل إلى النبي ﷺ يتقاضاه بعيرًا فأغلظ له في القول، فَهَّم به أصحابه فقال النبي ﷺ : دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا، فقالوا: يا رسول الله: لا نجد إلا سنًّا هو خير من سنِّه فقال ﷺ :

стр. 48

أعطوه، فقال الرجل: أوفيتني أوفاك الله، فقال ﷺ : إن خير عباد الله أحسنهم قضاءً» (١). «واشترى من جابر بن عبد الله ﵁ بعيرًا، فلما جاء جابر بالبعير قال له ﷺ : أتراني ماكستك؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: خذ الجمل والثمن» (٢). [خلقه ﷺ ] ٧ - وكان ﷺ أحسن الناس خُلُقًا؛ لأن خُلُقَهُ القرآن، لقول عائشة ﵂: «كان خلقه القرآن» (٣)؛ ولهذا قال ﷺ : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٤). [زهده ﷺ ] ٨ - وكان ﷺ أزهد الناس في الدنيا، فقد ثبت عنه ﷺ «أنه اضطجع على الحصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر ابن الخطاب ﵁، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال رسول الله: لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال ﷺ :

стр. 49

مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (١). «وقال: لو كان لي مثلُ أُحُدٍ ذهبًا ما يَسُرُّني أن لا يمر عليَّ ثلاثٌ وعندي منه شيء، إلا شيءٌ أرصُدُهُ لدين» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض» (٣). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام بلياليها متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبًا كان بسبب قلة الشيء عندهم على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم (٤)؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «خرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير» (٥). وقالت: «ما أكل آل محمد ﷺ أُكلتين في يوم

стр. 50

إلا إحداهما تمر» (١). «وقالت: إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أُوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (٢). والمقصود بالهلال الثالث: وهو يُرى عند انقضاء الشهرين. وعن عائشة ﵂ قالت: «كان فراشُ رسول الله ﷺ من أدَم وحشوُهُ ليفٌ» (٣). ومع هذا كان يقول ﷺ : «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتًا» (٤). [ورعه ﷺ ] ٩ - وكان ﷺ من أورع الناس؛ ولهذا قال: «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي أو في بيتي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون من الصدقة

стр. 51

فَأُلقيها» (١). «وأخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله ﷺ : كَخْ كَخْ ارمِ بها أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة؟» (٢). [توسطه ﷺ ] ١٠ - ومع هذه الأعمال المباركة العظيمة فقد كان ﷺ يقول: «خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا، وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل»، وكان آلُ محمد ﷺ إذا عَمِلُوا عملًا أثبتوه (٣). «وكان ﷺ إذا صلى صلاة داوم عليها» (٤). «وقد تقالَّ عبادة النبي ﷺ نفر من أصحابه ﵃ وقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال بعضهم: أمَّا أنا فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال بعضهم: أنا أصوم ولا

стр. 52

أفطر، وقال بعضهم: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا [وقال بعضهم: لا آكل اللحم] فبلغ ذلك النبي ﷺ فجاء إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١). والمراد بالسنة الهدي والطريقة لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره. ومع هذه الأعمال الجليلة فقد «كان ﷺ يقول: سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل». وفي رواية: «سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيءٌ من الدُّلجة، والقَصْدَ القَصْدَ تبلغوا» (٢).

стр. 53

«وكان يقول: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك» (١). ويقول: «اللهم مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك» (٢). [الدروس والعبر] وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر والعظات في هذا المبحث كثيرة منها: ١ - إن النبي ﷺ قدوة كل مسلم صادق مع الله تعالى في كل أموره؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. ٢ - إن النبي أحسن الناس خَلْقًا، وخُلُقًا ﷺ .

стр. 54

المبحث الخامس النبي الكريم ﷺ رحمة للعالمين أولًا: عموم رحمته ﷺ للإنس والجن، والمؤمنين والكافرين والحيوان: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فالمؤمنون به ﷺ قبلوا هذه الرحمة، وشكروها، وغيرهم كفرها، وبدَّلوا نعمة الله كفرًا، وأبوا رحمة الله ونعمته (١). قال ابن عباس ﵄: (من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف) (٢). قال الإمام الطبري ﵀: (أولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي رُوي عن ابن عباس: وهو أن الله أرسل نبيه محمدًا ﷺ رحمة لجميع العالم: مؤمنهم

стр. 55

وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به وأدخله بالإيمان به وبالعمل بما جاء به من عند الله الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله) (١). ومما يدل على أن رحمة النبي ﷺ عامة للعالم؛ حديث أبي هريرة ﵁ قال: «قيل: يا رسول الله! ادعُ على المشركين، قال: إني لم أُبعث لَعَّانًا وإنما بُعِثْتُ رحمةً» (٢). وحديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أيُّما رجل من أمتي سببته سبةً أو لعنته لعنةً في غضبي؛ فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة» (٣). وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه

стр. 56

قال: «إنما أنا رحمةٌ مهداةٌ» (١). وقد قال ﷺ : «أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (٢). ثانيًا: الأمثلة التطبيقية وأنواعها النوع الأول: رحمته ﷺ لأعدائه: المثال الأول: رحمته ﷺ لأعدائه في الجهاد: وقد شملت رحمته ﷺ الأعداء حتى في قتالهم ومجاهدتهم؛ فإن قوة الجهاد في سبيل الله تعالى في شريعته ﷺ لها ضوابط ينبغي أن يلتزم بها المجاهدون في سبيل الله - تعالى - ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، فيدخل في ذلك ارتكاب

стр. 57

المناهي: من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال، والرُّهبان، والمرضى، والعُمي، وأصحاب الصَّوامع؛ لكن من قاتل من هؤلاء أو استعان الكفَّار برأيه قتل (١). ويدخل في ذلك قتل الحيوان لغير مصلحة، وتحريق الأشجار، وإفساد الزُّروع والثِّمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت (٢) وقد "وُجدت امرأةٌ مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان" (٣)؛ ولهذا كان ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أوسريَّة أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوَّك من المشركين

стр. 58

فادعهم إلى ثلاث خصال. . .» (١) ثم بيَّنها ﷺ كالآتي: (أ) الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين. (ب) فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية. (ج) فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث (٢). المثال الثاني: وفاؤه بالعهد مع أعدائه ﷺ : من أعظم الضوابط في الجهاد الوفاء بالعهد وعدم الخيانة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. فإذا كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز

стр. 59

للمسلمين الغدر حتى ينقضي الأمد، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانةً، بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة، فيحنئذٍ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوي علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك. ودلت الآية على أنه إذا وُجِدَت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن يُنبذ إليهم عهدهم؛ لأنه لم يُخَف منهم بل عُلم ذلك. ودل مفهوم الآية أيضًا أنه إذا لم يُخف منهم خيانة؛ بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته (١). ولهذا قال سليم بن عامر: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى عهدهم

стр. 60

غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَونٍ وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر. فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية ﵁ فسأله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشدُّ عقدة ولا يحلها حتى ينقضيَ أمَدُها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية (١). وهذا كلُّه يدلُّ على أن الهدف والمراد من الجهاد هو إعلاء كلمة الله . المثال الثالث: دفعه ﷺ نزول العذاب على أعدائه: ومن الأمثلة العظيمة على هذه الرحمة التي شملت حتى أعدائه ﷺ قصَّته مع مَلَك الجبال حينما بعثه الله إليه؛ ليأمره بما شاء عندما آذاه المشركون، فجاء ملك الجبال وسلَّم عليه وقال: «يا محمد إن الله قد سمع قول قومك

стр. 61

لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت (١)؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين [والأخشبان جبلان عظيمان في مكة، تقع مكة بينهما]، فقال رسول الله ﷺ لملك الجبال: بل أرجوا أن يخرج اللهُ من أصلابهم من يعبُد الله وحده لا يُشرك به شيئًا» (٢). المثال الرابع: سلامة قلبه ﷺ ، وحُبُّه الخير لليهود وغيرهم: ومن الأمثلة العظيمة لرحمته ﷺ حديث أنس ﵁ قال: «كان غلام يهوديٌّ يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: له أطع أبا القاسم، فأسلم، [وفي رواية النسائي فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله]، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه

стр. 62

من النار» [وفي رواية أبي داود: أنقذه بي من النار] (١). وغير ذلك كثير. النوع الثاني: رحمته للمؤمنين ﷺ : قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فقد بعث الله تعالى النبي ﷺ للناس كافة، وهو من أنفس المؤمنين خاصة، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، وهو في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم، ويشق عليه الأمر الذي يشق عليهم، ويحب لهم الخير، ويسعى جاهدًا في إيصاله إليهم، ويحرص على هدايتهم إلى الإيمان، ويكره لهم الشر، وهو شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من

стр. 63

والديهم؛ ولهذا كان حقُّهُ مُقدَّمًا على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره وتوقيره (١). وقال الله : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، أقرب مال للإنسان نفسه، فالرسول أولى به من نفسه؛ لأنه ﷺ بذل لهم النصح والشفقة والرأفة؛ فلذلك وجب على العبد إذا تعارض مراد نفسه مع مراد الرسول ﷺ أن يُقدِّمَ مُراد الرسول ﷺ ، وأن لا يُعارض قول الرسول ﷺ بقول أحد من الناس، كائنًا من كان، وأن يُقدِّم محبَّته على محبَّة الناس كلهم (٢). وقال : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ

стр. 64

عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقد قال ﷺ : «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (١) وقال ﷺ : «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤُهُ، ومن ترك مالًا فهو لورثته» (٢). النوع الثالث: رحمته ﷺ للناس جميعًا: ١ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لا يَرحَمِ الناس لا يَرحَمُه الله » (٣). ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ

стр. 65

يقول: «لا تُنزعُ الرحمة إلاَّ من شقي» (١). ٣ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء، الرَّحِمُ شُجنةٌ من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله» (٢). النوع الرابع: رحمتهُ ﷺ للصبيان: ١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء شيخٌ يريد النبي ﷺ فأبطأ القوم عنه أن يُوسِّعوا له فقال النبي ﷺ : «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا، ويوقِّرُ كبيرنا» (٣). ٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا،

стр. 66

ويعرف شرف كبيرنا» (١). النوع الخامس: رحمتهُ ﷺ للبنات: ١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يكون لأحد ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان فيتقي الله فيهنَّ ويحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة» (٢). ٢ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن عال بنتين أو ثلاثًا، أو اختين أو ثلاثًا حتى يَبِنَّ (٣) أو يموت عنهن كُنتُ أنا وهو في الجنة كهاتين وأشار بأصبعه الوسطى والتي تليها» (٤).

стр. 67

النوع السادس: رحمتهُ ﷺ للأيتام: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك أحد رواة الحديث بالسبابة والوسطى (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال له: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» (٢). النوع السابع: رحمتهُ ﷺ للمرأة والضعيف: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 68

«اللهم إنِّي أُحَرِّج (١) حقَّ الضعيفين: اليتيم والمرأة» (٢). ٢ - وعن عامر بن الأحوص ﵁ أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، وذَكَّرَ ووعظ ثم قال: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإِنهنَّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنَّ شيئًا غير ذلك» (٣). ٣ - وعن أنس ﵁ قال: إن النبي ﷺ لم يكن يدخل بيتًا بالمدينة غير بيتِ أُمِّ سُليْمٍ إلا على أزواجه، فقيل له. فقال: «إني أرحمها، قُتل أخوها معي» (٤). النوع الثامن: رحمتهُ ﷺ للأرملة والمسكين: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «الساعي

стр. 69

على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار»، ولفظ مسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر» (١). ٢ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يُكثِرُ الذِّكر، ويُقِلُّ اللَّغْوَ، ويُطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين يقضي له الحاجة» (٢). ٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجهِ رسول الله ﷺ على المنبر، فما نزل حتى جيَّش (٣) كل ميزاب بالمدينة، فأذكر قول الشاعر:

стр. 70

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثِمَالُ (١) اليتامى عصمة للأرامل وهو قول أبي طالب» (٢). والأرملة: المرأة التي مات زوجها، والأرمل الرجل الذي ماتت زوجته، وسواء كانا غنيين أو فقيرين، ويُقال لكلِّ واحدٍ من الفريقين على انفراده: أراملُ، وهو بالنساء أخصُّ وأكثر استعمالًا (٣)؛ ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (لئن سلَّمَني اللهُ تعالى لأَدَعَنَّ أرامل العراق لا يحتجن إلى رجلٍ بعدي أبدًا) (٤). فاتضح من الأحاديث آنفة الذكر أن رسول الله ﷺ كان

стр. 71

يرحم الأرامل والمساكين، ويَحُثُّ على العناية بهم، وسدِّ حاجاتهم، فصلوات الله وسلامه عليه. ٤ - عن أمِّ بُجيدٍ ﵂، أنها قالت: «يا رسول الله صلى الله عليك: إن المسكين ليقومُ على بابي فما أجد له شيئًا أُعطيه، فقال لها رسول الله ﷺ : إن لم تجدي له شيئًا تُعطينه إيَّاه إلا ظلفًا مُحرَّقًا فادفعيه إليه في يده» (١) وهذا فيه رحمة النبي ﷺ بالمساكين وحثَّه على إطعامهم، على حسب القدرة والاستطاعة رحمةً بهم، وشفقةً عليهم. النوع التاسع: رحمته ﷺ لطلاب العلم والشفقة عليهم: ١ - عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «سيأتيكم أقوامٌ يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا: مرحبًا مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ ، وأقنوهم» قلت

стр. 72

للحكم: ما أقنوهم؟ قال: علِّموهم (١). ٢ - عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: «أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظنَّ أنَّا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا [وفي رواية: فلما رأى شوقنا إلى أهالينا] سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلِّموهم، ومروهم،. . . وصلُّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدُكم وليؤمُّكم أكبَرُكُم» (٢) وهذا فيه شفقة النبي ﷺ ورحمته لطلاب العلم. النوع العاشر: رحمة النبي ﷺ للأسرى: عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فُكُّوا

стр. 73

العاني - يعني الأسير - وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض» (١) وهذا الحديث فيه رحمة النبي ﷺ للأسرى المسلمين، والأمر بفَكِّهم، والأمر بإطعام الجائع، وعيادة المريض. النوع الحادي عشر: رحمة النبي ﷺ للمرضى والشفقة عليهم: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حقُّ المسلم على المسلم ستٌّ قيل: ما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (٢). ٢ - عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، قيل: يا رسول الله! وما خرفة الجنة؟ قال: جناها» (٣).

стр. 74

٣ - عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يعودُ مسلمًا غدوة إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنة» (١). ٤ - عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «مَن عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلاَّ عافاه الله من ذلك المرض» (٢). وهذه الأحاديث فيها الرحمة الظاهرة من النبي ﷺ بالمرضى، ورغبته العظيمة في نفعهم وشفائهم، وترغيبه لأمته في العناية بالمرضى وإدخال السرور عليهم.

стр. 75

النوع الثاني عشر: رحمتهُ ﷺ للحيوان، والطير، والدواب: ١ - في حديث أبي هريرة «أن رجلًا وجد كلبًا يأكل الثرى من العطش، فسقاه فغفر الله له، قالوا: يا رسول الله! وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كُلِّ كبدٍ رطبة أجر» وفي لفظ للبخاري: «فشكر الله له فأدخله الجنة» (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «غُفِرَ لامرأة مومسةٍ مرَّت بكلبٍ على رأس ركيٍّ كاد يقتله العطش، فنزعت خُفَّها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فغُفر لها بذلك» (٢). ٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «عُذِّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولاسقتها إذ حبستها،
следующие страницы →