السَلَفِيّون
وحوارٌ هادئٌ مع
الدكتور علي جمعة
جمع وترتيب
راجعه وقدَّم له
ا. د/محمد بكر حبيب ... ا. د/محمد النشار
الأستاذ بجامعة الأزهر ... الأستاذ بجامعة الأزهر
قَالَ: «أَفَسَلِمَ مِنْكَ الرُّومُ وَالسِّنْدُ وَالْهِنْدُ وَالتُّرْكُ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْكَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ؟!». قَالَ سفيان: «فَلَمْ أَعُدْ بَعْدَهَا» (١).
العِلمُ قال اللهُ قال رسولُه
قال الصحابةُ ليسَ بالتَمْويه
ما العلمُ نصْبُك للخلافِ سفاهةً
بينَ الرسولِ وبينَ قولِ فَقيه
стр. 5
مقدمة
الأستاذ الدكتور
محمد بكر حبيب
الأستاذ بجامعة الأزهر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد ...
فبارك الله تعالى في الدعوة السلفية (١) ورجالها الربانيين، الذين قَيَّضَهُم الله تعالى لحَمْل الدين على مَرِّ العصور، يَنْفُون عنه تحريف الغَالِين وتأويل المُبْطِلين، ويَذُبُّون عن سنة خاتم المرسلين ﵌، وينشرون منهج الصحابة والتابعين، ولولا أن الله قَيَّضَهم لذلك لَمَا وصل إلينا العلم الشرعي الصحيح، والمنهج النبوي المستقيم، ولَمَا قام دارس، ولا أفتى مُفْتٍ، إذ ذلك أساسه هذا الدين، وتعلم العلم الشرعي الصحيح، فالطّعْنُ فيهم طَعْنٌ في المتكلّم فيهم؛ إذ إنه يطعن في مصدرِ علمِه، وأساسِ فهمِه.
ومما ينبغي مراعاته، كما هو معلومٌ في أصول الفقه؛ مراعاة حال المُسْتَفْتين، ولذا فإن الرسول ﵌ ربما أعطى لكل سائلٍ في مسألة واحدة، جوابًا مختلفًا مراعاةً لحاله، وكان ابن عباس ﵁ يغير فتواه بناءً على حال المُسْتَفْتي، وكذا فعل أئمة الفقه كالشافعي ﵀.
стр. 6
والناظر في أحوال مَن يبنون القباب على القبور، ويقيمون الموالد، ويعظمون غير الله، وغيرها من المسائل، يجد أنهم منغمسون في شتى الموبقات، من الشرك بالله، والزنا، وشرب المسكرات، وغيرها، فهل نزيد ذلك ونقول لهم: إن هذا جائز وهو من الدين؟
كما أن من طرق الاستدلال، كما هو معلومٌ في أصول الفقه، أن الترك فِعْلٌ، فما تركه النبي ﵌ في أمور العبادات، مع قيام المقتضي وانتفاء المانع، فالحَقُّ تَرْكُه، وإلا كان الفاعلُ مُحْدِثًا في الدين، أما تَرْكُه ﵌ في أمور العادات فلا يدل على الحظر أو المنع، إذ تُرَدُّ العادات والمعاملات إلى الأصل، وهو الإباحة، كما قال ﵌:" أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ " (رواه مسلم). فالتَّرْكُ في العبادات يُرَدُّ إلى الأصل فيها وهو الحظر، والتَّرْكُ في المعاملات يُرَدُّ إلى الأصل وهو الإباحة.
وها هو الأستاذ/شحاتة صقر، مِن شباب الدعوة السلفية، يُخْرِج كتاب (السلفيّون وحوار هادئ مع الدكتور على جمعة، مفتي الديار المصرية) وهو جدير بالنشر والقراءة؛ إذ يحاور محاورةً علميةً هادئةً، ناقلًا عن العلماء الربانيين.
فجزاه الله خيرًا، وبارك فيه وفي إخوته من الدعوة السلفية، وفي عامة المسلمين.
وكتبه
محمد بكر إسماعيل حبيب
رئيس قسم أصول الفقه
بكلية الشريعة والقانون - جامعة الأزهر بدمنهور
стр. 7
مقدمة
الأستاذ الدكتور
محمد النشار
الأستاذ بجامعة الأزهر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله مُعِزِّ مَن أطاعه ومُذِلِّ مَن عصاه، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا رب غيره ولا إله سواه، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبده ورسوله خير نبي أرسله وأعَزّ عبدٍ اصطفاه، اللهم صَلّ وسلِّمْ وبارك عليه وعلى جميع أصحابه ومن اهتدى بهداه. وبعد ...
فإن القلب لَيَحْزَن على ما صار إليه حال الأمة الإسلامية من فُرقةٍ واختلاف في وقتٍ هي أحوج ما تكون فيه إلى التقاء الكلمة، ووحدة الصف، وتكاتف الجهود من أجل العمل على الخروج بهذا البلد من الظروف العصيبة التي يمر بها، والوصول بها إلى بر الأمان.
وأهل العلم هم أوْلَى الناس بالعمل على توحيد الصف وجمع الكلمة؛ لأنهم ورثة الأنبياء، وهم الذين يمثلون ضمير الأمة، وقلبها النابض، ومَن بيدهم توجيه أفرادها إلى التزام منهج الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، امتثالًا لقول الله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ (النحل:١٢٥).
كذلك هم أوْلى الناس باتباع منهج الإسلام في البعد عن السخرية من المسلمين وغمزهم ولمزهم لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا
стр. 8
خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ (الحجرات:١١). ويقول تعالى حاكيًا عما لاقاه رسوله الكريم ﵌ وأصحابه من أذى المشركين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ (المطففين: ٢٩ - ٣٦).
وفضيلة الأستاذ الدكتور/علي جمعة مفتي جمهورية مصر العربية من العلماء الذين نُجلّهم ونقدّرهم؛ لأنه على رأس مؤسسة الإفتاء المصرية التي اضطلعت - وما تزال - بمهمة توجيه المسلمين إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وذلك ببيان ما يحل لهم وما يحْرُم عليهم من أمور الدنيا والدين، خرج علينا فضيلته في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير المجيدة بكتاب مطبوع على نفقة وزارة الأوقاف المصرية ومدعوم بأموال المسلمين، أسماه " المتشددون، منهجهم، ومناقشة أهم قضاياهم " صَوَّب فيه سهامه إلى السلفيين، ونال من منهجهم ووصفهم بأحَطّ الصفات من التشدد والضلال، وكالَ لهم التهم جزافًا، وحذّر منهم ومن منهجهم، وبيَّن أنهم أخطر على الأمة من ألّدِّ أعدائها، واستعدى عليهم جميع أفراد الشعب لكي يقفوا صفًا واحدًا في وجه هذا الخطر الداهم، وهذا مسلكٌ غريب، وسلوكٌ مُريب كُنّا نَبْرَأ بفضيلته أن يَسْلُكَه، فضلًا أن يدعوَ إليه.
وقد قام الأخ الفاضل الشيخ شحاتة صقر بمناقشته، والرد على فضيلته، وتفنيد حُجَجِه، ذبًّا عن إخوانه المسلمين الذين أصابتهم سهامه وسياطه، ودفعَ إلَيَّ كتابه للنظر فيه، ففعَلْتُ ولم أجد فيما كتبه شططًا، أو خروجًا على منهج أهل السنة والجماعة مِن طلبِ الدليل والتمسكِ به، فجزاه الله خيرًا.
واللهَ أسألُ أن يجمع هذه الأمة على كلمةٍ سواء، وأن يبرم لها أمر رُشدٍ يُعَزُّ فيه أهل الطاعة، ويُذَلُّ فيه أهل المعصية، ويُؤْمَرُ فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنه
стр. 9
وليُّ ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتبه
ا. د/محمد النشار
دمنهور في ٧/ ١/١٤٣٣هـ.
الموافق ٣/ ١٢/٢٠١١م.
стр. 10
مقدمة
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (آل عمران:١٠٢). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء:١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾. (الأحزاب:٧٠).
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﵌، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِى النَّارِ.
في كتاب طُبِعَ على نفقة وزارة الأوقاف المصرية (١) ومدعَّم من أموال المسلمين ويباع بـ «جنيه واحد» عند بائعي الصحف رغم أن تكلفته قد تتعدى ضعف هذا المبلغ، ليصل إلى أكبر عدد من القراء في مصر- شَنَّ مفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة هجومًا شرسًا ليس على مَن يَصُدُّون عن سبيل الله ويَبْغُونَها عِوَجًا ويحاربون شرع الله جهارًا نهارًا من العالمانيين والليبراليين وغيرهم، بل شن هجومه على السلفيين الذين يطالبون بتطبيق شرع الله في كل صغيرة وكبيرة، ويَدْعون المسلمين إلى العودة إلى منهج النبي ﵌ وأصحابه الكرام ﵃ في العقيدة والشريعة وشتى أمور الحياة.
стр. 11
كنا ننتظر من المفتي أن يقوم بدوره في صد هجوم أعداء الشريعة، ولكنه بدلًا من ذلك حاول تشويه صورة السلفيين الذين ذاع صيتهم وازداد إقبال الناس عليهم، ولم يتوقع أعداؤهم أن يكون لهم ولعلمائهم بعد الثورة هذا الظهور الطاغي على المشهد المصري، واستحواذهم على قلوب الناس وعقولهم، رغم سنين طوال مُورِسَتْ فيها صنوف التشويه والقمع والاضطهاد ضدهم بحجج مختلفة، لو مورست تجاه أي طائفة لكانت نسيًا منسيًّا.
ففي كتابه الأخير (المتشددون ... منهجهم ... ومناقشة أهم قضاياهم) شنّ الدكتور علي جمعة حربًا شعواء ظالمة على جموع السلفيين في مصر والعالم الإسلامي، في محاولة لحجب الأضواء المتزايدة عنهم، وكبح جماح نجمهم الصاعد بقوة في السماء المصرية سياسيًا واجتماعيًّا ودينيًّا وفكريًّا.
وقد كان التيار السلفي - وما زال - غرضًا لكل السهام العلمانية والليبرالية والماركسية والقومية , ولا عجب في خلافهم وعدائهم للمنهج الإسلامي الذي يناصبونه العداء ويدخلون معه في صراع وجود حيث ينتمون لفكر مختلف كليًّا , ولكن العجب من عداء مفتي الديار الذي أخذ يكيل التهم للسلفيين بلا دليل.
بل إنه في تسجيل بالصوت والصورة أخذ ينتقصهم وينتقص كبار علمائهم كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بأسلوب ساخر مع أنهما يتمتعان باحترام وتوقير كبيرين من علماء الأزهر وغيرهم كما سيرى القارئ في صفحات هذا الكتاب.
وقُوبل كتاب المفتي باحتفاءٍ شديد من أصحاب الفكر العلماني والليبرالي نظرًا لكونه يصب في مصالحهم للهجوم على التيار السلفي الذي يقف حجر عثرة في وجه محاولاتهم المستميتة لمسخ هوية الأمة الإسلامية.
ومع هذه الحرب الشعواء من المفتي ضد السلفيين تعجب عندما تجد منه الدعوة إلى التقريب مع الشيعة الذين يقولون بتحريف القرآن ويكفّرون الصحابة، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃.
стр. 12
صدر هذا الكتاب عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف المصرية ليطعن في السلفيين الذين لم ينزلوا على الناس من كوكب المريخ أو زحل، بل هم ملايين من المسلمين لهم بفضل الله قبول واسع عند الناس لتبنّيهم منهج الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.
صدر هذا الكتاب وفي مقدمته كلمة للدكتور محمد الشحات الجندي - الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - يقول فيها: «يتناول هذا الإصدار من إصدارات المجلس - قضايا إسلامية - العديد من القضايا الحياتية، وهي قضايا تستمد جذورها من منابعها الصافية التي أرسى تعاليمها القرآن والسنة والإجماع والمنقول والمصلحة الإسلامية المعتبرة ...
وليس من غرض المجلس من إصداره هذه المطبوعات ومنها هذه السلسلة: قضايا إسلامية، مصادرة الفكر المعارض أو الحَجْر على الرأي الآخر ... ».
ونسأل فضيلة الأمين العام:
* هل قرأتم كتاب المفتي قبل طبعه؟!!
* هل اطلعتم على ما فيه من افتراءات على السلفيين؟!!
* إذا كنتم قد اطلعتم على ما فيه من افتراءات فهل تَثَبَّتُّم من صحة تلك الدعاوى قبل نَشْر الكتاب؟!! مع أن المفتي لم يذكر أدلة لتلك الادعاءات.
* هل الطعن في الملايين من المسلمين يعتبر من وجهة نظركم من القضايا الحياتية، التي تستمد جذورها من منابعها الصافية التي أرسى تعاليمها القرآن والسنة والإجماع والمنقول والمصلحة الإسلامية المعتبرة؟!!!
* ألا يُعَدّ ما في هذا الكتاب مصادرةً لفكر السلفيين وحَجْرًا على رأيهم الذي يعتمد بالأساس على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان؟!!
стр. 13
* ما رأي فضيلة الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية فيما قاله المفتي في هذا الكتاب المطبوع على نفقة المجلس من أن مقاومة الفكر السلفي مطلب قومي؟!!
* أليس في هذا الكلام تحريضًا واستعداءً لأجهزة الدولة المختلفة لمحاربة هؤلاء المسلمين؟!!
* وإذا كان جهاز أمن الدولة البائد الذي كان يحارب هؤلاء السلفيين ويزُجّ بهم في المعتقلات قد ولّى فمن الذين يرشحهم فضيلة المفتي للقيام بهذا المطلب القومي؟!!
ولكننا نذَكّر فضيلة المفتي وفضيلة الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بأن السلفيين رغم التشويه المتعمد لهم من قبل أجهزة الإعلام المختلفة، ورغم التضييق الشديد عليهم مِن قِبَل جهاز أمن الدولة في النظام البائد انتشرت دعوتهم بفضل الله في الآفاق، وقد انبهر كثيرون مسلمون وكافرون بملايينهم المنظمة التي خرجت لنصرة الشريعة في ميدان التحرير في جمعة ٢٩/ ٧/٢٠١١م (١).
ونرجو الله الذي وقانا أكاذيب العلمانيين وبطش وغشم جهاز أمن الدولة السابق أن يقينا ظلم فضيلة المفتي وافتراءاته علينا، وعند الله تجتمع الخصوم.
وأذكّر كل مَن يتمسكُ بمنهج أهل السنة والجماعة بقول الله : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (آل عمران: ١٢٠). فاصبروا واتقوا الله وتمسكوا بكتاب ربكم وسُنّة نبيكم ﵌ وامضوا بعزم وجد في طريق الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتذكروا أن النبي ﵌ قد بشّر بخلافة راشدة على منهاج النبوة تأتي بعد الحكم الجبري.
стр. 14
إن كتاب (المتشددون) ما هو إلا اجترار لشبهات قديمة ذكر معظمها المفتي في كتابه (البيان القويم لتصحيح بعض المفاهيم، مجموعة فتاوى لدحض الشبهات وجمع الشتات) (١)، وهذا الكتاب الذي بين يديك أخي القارئ الكريم ليس ردًّا تفصيليًّا على كتاب (المتشددون)، بل خطوط عريضة، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب الآتية:
١ - الاعتصام للإمام الشاطبي المالكي - صاحب كتاب الموافقات -، وفيه تأصيل شرعي لمسألة البدع.
٢ - الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ ﵀ عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وفيه كذلك تأصيل شرعي لمسألة البدع، وقد كان مقررًا لقسم الوعظ والخطابة بالأزهر الشريف.
٣ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٤ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٤ - التوسل أنواعه وأحكامه للشيخ الألباني.
٥ - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، للشيخ الألباني.
٦ - اعتقاد الأئمة الأربعة، للدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس.
٧ - القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل، للشيخ إسماعيل الأنصاري.
٨ - الأشاعرة عرض ونقد للدكتور سفر الحوالي.
стр. 15
ونحن السلفيين لا ندّعي لأنفسنا ولا لعلمائنا العصمة، ونحن نرحب بكل من ينصحنا سواء أنَصَحَ برفقٍ أو بشدة طالما كان يريد أن يَرُدّنا إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة, وإلا رددناه نحن إلى ذلك؛ فالحق أحق أن يُتَّبَع , وما لم يكن دينًا عند النبي ﵌ وصحابته ﵃ الذين قال الله لهم: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (البقرة:١٣٧)، لا نقبل أن يكون اليوم دينًا.
ونُذَكِّر المفتي وجميع المسلمين بقول الإمام مالك ﵀: «من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خانَ الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة:٣)، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا» (١).
وفي الختام أشكر للأستاذ الدكتور محمد بكر حبيب، وللأستاذ الدكتور محمد النشار ما قاما به من جهد وما انتزعاه من وقتهما الثمين في مراجعة هذا الكتاب؛ فجزاهما الله عني وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأسأل الله أن يبارك لهما في علمهما وعمرهما وأن ينفع بهما الإسلام والمسلمين.
كما أسأله أن ينفع المسلمين بهذه الورقات وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ـ سيدنا محمد ـ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
شحاتة محمد صقر
saqrmhm@gawab.com
saqrmhma@yahoo.com
٥ ذي الحجة ١٤٣٢هـ
١ نوفمبر ٢٠١١ م
стр. 16
دُرَرٌ
من كلام
الإمام الشاطبي المالكي
قال الإمام الشاطبي المالكي ﵀:
* «إن الإحداث في الشريعة إنما يقع إما من جهة الجهل، وإما من جهة تحسين الظن بالعقل، وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق، وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة» (١).
* «لا تجد مبتدعًا ممن ينتسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي، فيُنْزِله على ما وافق عقله وشهوته» (٢).
* «الإنسان لا ينبغي له أن يعتمد على عملِ أحدٍ البتة، حتى يتثبت ويسأل عن حكمه؛ إذ لعل المعتمَد على عمله يعمل على خلاف السُنّة، ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سَلْه يصْدُقْك، وقالوا: ضعف الرويّة أن يكون رأى فلانًا يعمل فيعمل مثله، ولعله فعله ساهيًا» (٣).
* «وقد علم العلماء أنَّ كلَّ دليل فيه اشتباهٌ وإشكالٌ ليس بدليل في الحقيقة؛ حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه، ويشترط في ذلك أن لا يعارضه أصلٌ قطعيٌّ؛ فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك، أو عارضه قطعيٌّ؛ كظهور تشبيه؛ فليس بدليل؛ لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرًا في نفسه، ودالًا على غيره؛ وإلا احتيج إلى دليل عليه؛
стр. 17
فإن دلَّ الدليل على عدم صحته؛ فأحرى أن لا يكون دليلًا» (١).
* «من يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية ولا ينظر بعضها ببعض، فيوشك أن يَزِلّ، وليس هذا من شأن الراسخين وإنما هو من شأن من استعجل طلبًا للمخرج في دعواه» (٢).
* «شأن الراسخين: تصور الشريعة صورة واحدة، يخدم بعضها بعضًا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة، وشأنُ متبعي المتشابهات أخذ دليلٍ مَا أيّ دليل كان عفوًا وأخذًا أوليًا - وإنْ كان ثَمَّ ما يعارضه من كُليٍّ أو جزئي -، فكأن العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكمًا حقيقيًّا، فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا مَن في قلبه زيغ، ما شهد الله به ومن أصدق من الله قيلًا» (٣).
стр. 18
من هم السلفيون ؟ (١)
من حيث المصطلح أصبحت السلفية عَلَمًا على أصحاب منهج الاقتداء بالسلف من الصحابة والتابعين من أهل القرون الثلاثة الأولى وكل من تبعهم من الأئمة كالأئمة الأربعة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن، وشمل شيوخ الإسلام المحافظين على طريقة الأوائل مع تباين العصور وتفجر مشكلات وتحديات جديدة أمثال ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وكذلك أصحاب أغلب الاتجاهات السلفية المعاصرة بالجزيرة العربية والقارة الهندية ومصر وشمال أفريقيا وسوريا وكانت ذات أثر واضح في تنقية مفاهيم الإسلام ودفعه إلى الأمام لمواجهة زيف الحضارة الغربية، وللكشف عن جوهر الثقافة العربية والإسلامية الأصيلة القادرة على الحياة في كل جيل وكل بيئة.
ومن حيث المضمون تعني السلفية في الإسلام التعبير عن منهج المحافظين على مضمونه في ذروته الشامخة وقمته الحضارية، كما تُوَجّهنا إلى النموذج المتحقق في القرون الأولى المفضلة، وفيها تحقق الشكل العلمي والتنفيذ الفعلي ومنه استمدت حضارة المسلمين أصولها ومقوماتها ممثلة في العقيدة خضوعًا للتوحيد وبيانًا لدور الإنسان في هذه الحياة وتنفيذًا لقواعد الشريعة الإلهية بجوانبها المتعددة في الاجتماع والاقتصاد والسياسة وروابط الأسرة وفضائل الأخلاق.
والسلفية كمصطلح تعني أيضًا في مدلولها الخاص الاقتداء بالرسول ﵌ فإن أمتنا تنفرد بمزية لا تشاركها فيها أمة أخرى في الماضي أو الحاضر أو المستقبل تلك هي
стр. 19
تحقق القدوة في شخصه ﵌ إذ حُفِظَتْ سيرتُه كاملةً محققةً بكافة تفاصيلها فنحن نعلم عنه كل شيء وفقًا لما نُقِلَ إلينا في كتب وعلوم مصطلح الحديث بأدق منهج تاريخي علمي عرفه المؤرخون.
وهكذا فإن السيرة النبوية حية في كياننا ونحن نعيشها كل يوم وهي تمثل القمة للسلفيين، وتطبيق الشريعة الإسلامية ممتد على طول الزمن لا يتعلق بعصر دون آخر بل إن كل جيل من المسلمين مطالَبٌ بتنفيذ أصولها النَّصّية مع الاجتهاد فيما لم يَرِدْ فيه نَصٌّ عند مواجهة أحوال الحياة المتغيرة كما هو معروف في أصول الفقه.
وإزاء خطط الغزو الفكري ومظاهر الاشتباك العقلي مع خصوم الإسلام صمد السلفيون للمحافظة على جوهر الإسلام وأصوله إيمانًا بأنه لم يظهر زيف هذه العقائد والنحل إلا بطريقة السلف أنفسهم مهما تغيرت الأزمنة والأعصار لأنها طريقة موضوعية ذات أسس علمية منهجية تعتمد على النصوص الشرعية الموثقة.
فهناك مسائل ثابتة لا تتغير: كفطرة التوحيد ومخاطبة العقول البشرية للبرهنة على النبوات عامة ونبوة رسول الله ﵌ خاصة والرد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في كل ما انحرفوا به عن الشرع المنزل مع دحض شبهات الملحدين والمشركين.
هذا فضلًا عن ثبات الفضائل الأخلاقية وقواعد التحليل والتحريم في المأكل والمشرب والملبس وتنظيم العلاقات الاجتماعية في الأسرة والمجتمع وإقامة العلاقات الدولية مع سائر الأمم وفقًا لأصول الشرع.
فإذا كان المسلمون يتلمسون اليوم طريقًا للنهوض فليس لهم من سبيل إلا وحدة جماعتهم، ووحدة الجماعة ليس لها من سبيل إلا الإسلام الصحيح، والإسلام الصحيح مصدره القرآن والسنة، وهذه خلاصة الاتجاه السلفي: عودة بالإسلام إلى مَعِينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله ﵌.
стр. 20
وفي العصر الحديث يعمل السلفيون على استئناف الحياة الإسلامية على أساس هذا الفهم وطبقًا للنظرة الرَحْبة الفسيحة لكل جوانب الإسلام كمنهج رباني شامل لا يَعْتَوِرُه نقص في أي من مجالات الحياة.
وقد اتفق المسلمون السلفيون على قاعدة اضطراد العلاقة بين تقدم المسلمين واستمساكهم بالإسلام، وعلى العكس، تدهورهم وضعفهم عند الانسلاخ منه فالعلاقة بينهما علاقة المد والجذر مع الإسلام والإيمان.
السلفية والتقدم:
يزعم خصوم الإسلام بعامة والسلفية بخاصة أنها دعوة رجعية، وهو زعم خاطئ من جذوره، فلا تتعارض السلفية مع التقدم؛ لأن التقدم في الإسلام تقدم أخلاقي يمضي قدمًا في تحقيق الرسالة التي نِيطَتْ بهذه الأمة مع الأخذ بأسباب العمران المادي في نواحي الحياة كلها.
والقديم في تاريخ أوربا تعبير يطلق على العصور المظلمة في القرون الوسطى السابقة لعصر النهضة ورفض أوربا لتاريخها القديم موقف عادي يتلاءم مع رغبتها في التقدم لأن الماضي يُعَدُّ سببًا لتخلفها.
وإذا قارَنّا الإسلام بمختلف ديانات العالم عرفنا أن عقائدها منعت معتنقيها من التقدم الحضاري عندما استمسكوا بها، ودارِسُ التاريخ يلاحظ أن أهل أوربا والبوذيين في اليابان على سبيل المثال لما كانوا راسخين في معتقداتهم الدينية كانوا على أسوأ ما يكون من أدوار التخلف، ولمّا أحرزوا لأنفسهم الرقي والتقدم في حياتهم العلمية والعقلية والمادية ما عادوا مؤمنين بمعتقداتهم المسيحية والبوذية إلا اسمًا.
أما المسلمون فعندما كانوا أقوياء في إيمانهم بمعتقداتهم صاروا أكثر أمم الأرض تقدمًا وازدهارًا وقوة ومجدًا، وما أن دَبَّ دبيبُ الضعف في إيمانهم بها حتى تخلفوا في ميادين العلم وضعفوا في صراعهم للرقي الدنيوي وتحكمت فيهم واستولت عليهم أمم أجنبية، وهذا فرق عظيم بين معتقدات الإسلام ومعتقدات الديانات الأخرى في العالم.
стр. 21
فالأمر عكسي بالنسبة لنا تمامًا: فإن تاريخنا يعبر عن تقدم حضاري في كافة المجالات، وإذا نحن طالبنا (بالترقي) إلى مستوى السلف فإننا نعني بذلك التمسك بالمفاهيم الإسلامية الشاملة للعقيدة والعبادة والشريعة وسائر الأنشطة الإنسانية التي منها - بلا شك - الحقل العلمي.
ولكننا في الوقت نفسه لا نزعم - ولا نظن أن عاقلًا يخطر له على بال - أن نضع الأمة الإسلامية في متحف للتاريخ! بمعنى أن نطالب بإرجاعها للأخذ بوسائل العصور السابقة في الحياة العمرانية بأساليبها في الإنتاج والنقل والتعليم والتطبيب وتشييد المدن وتجهيز الجيوش وبناء المدارس والجامعات والمستشفيات .... إلخ.
ويتضح لكل دارس للإسلام أن المفهوم الإسلامي للحضارة أرقى بكثير من التصور الغربي؛ فلا نحن نرضى بتخلف المسلمين الحالي عن تحقيق النموذج الإسلامي، ولا نرضى في الوقت نفسه بتقليد الغرب في فلسفته ومضامينه الفكرية الشاملة.
أما نَبْذُ السلفية بحجة التسابق مع الزمن واللحاق بكل ما هو جديد فمنهج خاطئ قائم على مفاهيم غربية متصلة بفلسفتها؛ فإن ما نراه اليوم جديدًا سيصبح غدًا - وحتمًا - قديمًا فليست الموازنة إذن بين قديم وجديد موازنة صحيحة؛ ولكن ينبغي أن تتم بالمقارنة بين الحق والباطل أيًا كان العصر والزمان لأن القيم لا تتغير ولا تتبدل، فليس الجديد مقدَّمًا بالضرورة عن سلفه؟.
ولعلنا نصدم أصحاب دعوى التجديد المتغرِّبين النابذين للسلفية عندما نضع أمامهم الحديث النبوي: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ
стр. 22
لَهَا دِينَهَا» (١) (رواه أبو داود، وغيره وصححه الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وابن حَجَرٍ العسقلاني والعراقي والألباني).
والتجديد إنما يكون بعد الدُرُوس (٢) فالتجديد ارتقاء وتقدم بالأمة لتسلك طريقها مرة أخرى كلما بعدت عن الصحيح الأصيل المتوارث.
ونحن نرفض تقليد الغرب ونبحث عن الأصالة ولا تأتي الأصالة بترقيع الشخصية بل بالارتباط بالعقيدة التي كانت حجر الزاوية في كيان هذه الأمة، وينبغي
стр. 23
هنا التمييز بين تقليد (مقومات الشخصية والعقائد والتصورات) وبين النتائج العلمية فلا وطن للعلم ولا جنسية للاكتشاف والأبحاث الإنسانية في الميادين المختلفة.
ولكن المشكلة هي اختلافنا الأساسي معهم على قواعد جوهرية تتناول عقيدة التوحيد والإيمان بالله وإفراده بالألوهية والربوبية وماهية الإنسان والغرض مِن خَلْقه وبيان مآله في اليوم الآخر وما هي وسائله لسلوك أحسن السبل الممكنة في الحياة والارتقاء بها؟
وتأتي آفة التقليد عندما ننسى أصالتنا ولذا ينبغي التنبيه إلى الحكمة النبوية في الحديث الذي رواه البخاري: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»، فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟»، فَقَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ؟».
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟» (رواه البخاري ومسلم).
إذا عرفنا كل هذا أصبح هدف السلفية واضحًا أمامنا كضوء الشمس وهو يتلخص في:
تطهير العقيدة من شوائب البدع، وتربية الشخصية الإسلامية، والدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية في كل مجالات الحياة، وفتح الذهن البشري لقبول كل جديد في ميادين العلوم التجريبية، وإحياء العقيدة من منابعها بعيدًا عن المذهبية الضيقة بصورتها الأخيرة أو تطويع العقيدة والشريعة في الإسلام لدعاوي التطوير الخاطئة.
стр. 24
أخطاء
منهجية في كتاب المفتي
أولًا: لم يلتزم الدكتور علي جمعة بآداب الحوار الإسلامي مع السلفيين الذين نظن أنه يعتبرهم من المسلمين قال المفتي (ص٢٤): «مِن مصائب (١) هذا التيار المتشدد أنهم اتهموا الأشاعرة بأنهم فرقة ضالة، وهنا يتجلى فكر الخوارج الذي لا يعبأ بأن يخرج على جماعة المسلمين وينتقصهم ويزعم أنهم على ضلالة ويدعي الحق لنفسه».
وقال (ص٦٩): «مِن طامَّات (٢) هذا التيار المتشدد أنه يحرِّم التوسل بالنبي ﵌ في الدعاء إلى الله».
وقال (ص١٠٢): «يخالف المتشددون أغلب المسلمين في فرحهم بذكرى ميلاد النبي ﵌ ويتهمونهم أنهم على بدعة ضلالة، على الرغم من احتفالهم بذكرى بعض علمائهم وأئمتهم، وهذه مصيبة أخرى من مصائبهم».
ثانيًا: المفتي أشعريٌّ، ويفخر بذلك، والأشاعرة لا يقبلون أحاديث الآحاد في العقائد حتى ولو كانت في صحيحَي البخاري ومسلم، وفي قولهم هذا مخالفة صريحة لمنهج النبي ﵌ فقد أرسل معاذًا ﵁ وحده إلى اليمن ليُعلّم الناس العقيدة والشريعة.
إن المفتي (ص١٢١ - ١٢٢) يرُدّ حديثين في صحيح مسلم بحجة أنهما أحاديث آحاد، ورغم ذلك تجده يستدل (ص١٢٠) بإسرائيليات لا زمام لها ولا خطام تروى بدون إسناد أصلًا.
стр. 25
وتجده يستدل على عقيدته الأشعرية في تأويل الصفات بحديث مكذوب على النبي ﵌، وهو: (وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ)، ونسبه إلى علي بن أبي طالب ﵁، ثم قال المفتي في الهامش في تخريج هذا الأثر: «الفَرْق بين الفِرَق للبغدادي ١/ ٣٢١».
ونسأل المفتي: هل هذا الأثر حديث مرفوع إلى النبي ﵌؟ وهل هو متواتر، أم آحاد؟ هل هو صحيح أم ضعيف؟ لم يبَيّن لنا المفتي؟ وهل الكتاب الذي عزى إليه مصدر معتبر في تخريج الأحاديث؟!! وهل هذا الأثر أصح من أحاديث البخاري ومسلم؟!!
نترك الإجابة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: «(وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ) كَذِبٌ مُفْتَرًى عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْحَدِيثِ لَا كِبَارِهَا وَلَا صِغَارِهَا وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادِ لَا صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا بِإِسْنَادِ مَجْهُولٍ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ: بَعْضُ مُتَأَخِّرِي مُتَكَلِّمَةِ الْجَهْمِيَّة ...
وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ».
وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الْإِلْحَادِيَّةُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: «وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ» قَصَدَ بِهَا الْمُتَكَلِّمَةُ الْمُتَجَهِّمَةُ نَفْيَ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ؛ مِنْ اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ وَنُزُولِهِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَالُوا: كَانَ فِي الْأَزَلِ لَيْسَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْعَرْشِ لِمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ التَّحَوُّلِ وَالتَّغَيُّرِ.
وَيُجِيبُهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْإِثْبَاتِ بِجَوَابَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُتَجَدِّدَ نِسْبَةٌ وَإِضَافَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَرْشِ: بِمَنْزِلَةِ الْمَعِيَّةِ وَيُسَمِّيهَا ابْنُ عَقِيلٍ الْأَحْوَالَ. وَتَجَدُّدُ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ إذْ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ تَغَيُّرًا وَلَا اسْتِحَالَةً.
стр. 26
وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ اقْتَضَى تَحَوُّلًا مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَمِنْ شَأْنٍ إلَى شَأْنٍ فَهُوَ مِثْلُ مَجِيئِهِ وَإِتْيَانِهِ وَنُزُولِهِ وَتَكْلِيمِهِ لِمُوسَى وَإِتْيَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَقَالَ بِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَهُوَ لَازِمٌ لِسَائِرِ الْفِرَقِ» (١).
وقد يقول قائل إن هذا كلام ابن تيمية الذي يعتبره المفتي من السلفيين المتشددين، ولهذا القائل ننقل تأييد الحافظ ابن حجر لكلام ابن تيمية المتشدد وثناءَه عليه، حيث قال: «وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: « ... وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ»، وَهِيَ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ» (٢).
ونسأل المفتي: هل الحافظ ابن حجر من المتشددين؟!!!
ثالثًا: يعارض المفتي الأحاديث الصحيحة بروايات ضعيفة، ومن ذلك أنه (ص٨١ - ٨٢) عارض أحاديث رواها البخاري ومسلم في نهي النبي ﵌ عن اتخاذ القبور مساجد – بقصة بناء أبي جندل ﵁ مسجدًا على قبر أبي بصير ﵁ في عهد النبي ﵌، وهي قصة لا تصح، فليس لها إسناد تقوم به الحجة، وإنما أوردها ابن عبد البر في ترجمة أبي بصير عن الزهري، ورواها موسى بن عقبة بدون إسناد (٣).
رابعًا: أحيانًا يحاول المفتي إقناع القارئ بصحة الأحاديث الضعيفة التي يستدل بها بأن يُكثر من المراجع التي يعزو إليها، مع عدم ذِكْر درجة صحة الحديث، ومن الأمثلة على ذلك أن المفتي بعد أن نقل القصة الضعيفة السابقة (ص٨٢) عزاها في
стр. 27
الهامش لبعض كتب السيرة التي يعلم الجميع أن بها الصحيح والضعيف، بل وما لا أصل له.
ورغم أن موسى بن عقبة روى القصة السابقة بلا إسناد فقد قال المفتي في الهامش: «ورواها أيضًا موسى بن عقبة في (المغازي) وابن إسحق في (السيرة)، ومغازي موسى بن عقبة من أصح كتب السيرة، فكان يقول الإمام مالك عنها: «عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصح المغازي»، وكان يحيى بن معين يقول: «كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب».
وهذا الكلام فيه من التدليس ما فيه، فإن كلام الإمام مالك والإمام يحيى بن معين - إن صح عنهما - فلا يعني أن كل ما في كتاب موسى بن عقبة صحيح؛ بل غاية ما فيه أنه أصح من كتب السّيَر الأخرى، أي أن ما لا يصح فيه أقل مما فيها.
خامسًا: بل إنه استدل (ص٧١) برؤيا، مع أن الرؤى والأحلام ليست من مصادر التشريع.
سادسًا: أحيانًا يعارض المفتي الأحاديث الصحيحة بأقوال العلماء، مع أن الحق في مسألة ما لا يُعرف بكثرة القائلين به، بل يعرف بمدى موافقته للدليل من الكتاب والسنة.
سابعًا: أحيانًا يعارض الأحاديث الصحيحة برأيه، قال المفتي (ص١٢٠): «لا يجوز زيارة قبور المشركين». رغم ورود الحديث الصحيح في صحيح مسلم أن النبي ﵌ زار قبر أمه، وقد اتفق جمهور الفقهاء على أنه يجوز للمسلم أن يزور قبور الكافرين والمشركين، وذلك لأنه يتحصل له من هذه الزيارة تذكر الموت والدار الآخرة والتي
стр. 28
علل بها النبي ﵌ الإذن العام بزيارة القبور، دون تفريق بين قبور المسلمين وقبور الكافرين (١).
ثامنًا: في كتاب المفتي عبارات تحتاج إلى مراجعة ومن ذلك:
أ - في (ص١٦) قال المفتي إن الأشعرية «هي عقيدة أغلب المسلمين في مجال الاعتقاد» (٢). وللقارئ أن يسأل المفتي: ما معنى عقيدة في مجال الاعتقاد؟!!!
ب - في (ص٢١) قال المفتي: «من الأشياء التي يصر عليها من يُسمّون أنفسهم بالمتشددين ... » رغم أنه لا يوجد مَن يسمون أنفسهم بالمتشددين، وأغلب الظن أن السبب في ذلك أن كلمة (المتشددين) في الكتاب كله كانت في الأصل كلمة (السلفيين) ثم استبدلت على الحاسب الآلي بكلمة (المتشددين)، فكانت هذه العبارة في الأصل: «من الأشياء التي يصر عليها من يُسمّون أنفسهم بالسلفيين ... »، فاستُبدِلَت مع أخواتها.
ولعل مما يؤكد أن هذا الأمر تم على الحاسب الآلي أنه قد لفت انتباهي أن المفتي نقل كلامًا لابن القيم (ص١٢٦) وذكر فيه: «والمتشددون مجمعون على هذا».
وتعجبُ إذا وجدت المفتي ينقل عن ابن القيم إجماع المتشددين، وبالرجوع إلى كتاب (الروح) الذي نقل منه المفتي تجد العبارة هكذا: «والسلف مجمعون على هذا».
فتم استبدال كلمة (السلف) بكلمة (المتشددين)!!!
جـ - في (ص٨٢ - ٨٣) تكرار لفقرة تبلغ تسعة أسطر، مع اختلاف في أسلوب أول سطرين في الفقرة الثانية عن الأولى، والسبعة أسطر الباقية مكررة بالنص.
стр. 29
وهذا ما يمنع من القول بأن ذلك خطأٌ طباعي.
د - في (ص ١١٥) تجد عبارة «كما جاء بالسؤال»، وعند البحث لا تجد أية إشارةٍ إلى أسئلة لا قبل العبارة ولا بعدها، بل ولا في الكتاب كله.
تاسعًا: الكتاب في مواطن كثيرة يفتقد الموضوعية ويغلب عليه التعميم، فالمفتي يكيل الاتهامات جزافًا، ولم يدعم اتهاماته بدليل واحد، ومن الأمثلة على ذلك:
أ- في أول سطرين من كتابه (ص٧) تجد هذه العبارة: «سمات منهج المتشددين الذين تسموا بالسلفيين».
فهو قد حكم على ملايين السلفيين في العالم الإسلامي بأنهم متشددون، وكأن هذا أمرٌ قد فُرِغَ منه، وبقى عنده أن يشرح سمات هؤلاء المتشددين.
وإن سألتَ المفتي بصفته حاصلًا على درجة الدكتوراه: «لو أن كتابه هذا نوقش كرسالة جامعية في جامعة الأزهر مثلًا وسأل المناقشون المفتي عن مصدر تلك المعلومات، فماذا ستكون إجابته؟!!.
بالطبع لم يذكر المفتي أي مصدر لتلك المعلومات.
ب- قال (ص١٢): «نرى آراء أغلب من تسموا بالسلفيين واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة».
ونسأل المفتي: ما هي المراكز البحثية العالمية التي قامت بتلك الإحصائيات التي أوصَلَتْك إلى هذا الحكم الجائر على ملايين المسلمين؟ قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: ٦٤).
جـ- يتهم السلفيين (ص ١١٦) بأن مكانة النبي ﵌ في قلوبهم ليست على القدر المطلوب، وأن حبهم للنبي ﵌ لم يصدق.
ونسأل المفتي: هل شققت عن صدور هؤلاء الملايين حتى تدعي هذا الادعاء؟!!
стр. 30
د – قال (ص١٣٨): «إذا وجدتَ شخصًا يرتدي قميصًا (١) قصيرًا فاعلم أنه من المتشددين، وإن رأيت امرأةً ترتدي النقاب فاعلم أنها متشددة».
هكذا عمم المفتي هذا الحكم على كل رجل وكل امرأة ولم يستَثْنِ أحدًا، وإذا سألتَ المفتي عن مصدر تلك الإحصائيات، فماذا ستكون إجابته؟!!
وماذا لو أن ملايين السلفيين قد رفعوا دعاوى قضائية على المفتي يطالبون برفع ظلم المفتي عنهم؛ حيث سبَّهم واتهمهم جميعًا بالتشدد مع أنهم فقط يطبقون أحاديث النبي ﵌ التي تنهى عن إسبال الثياب، وتنتقب نساؤهم أخذًا بمشروعية النقاب عند الأئمة الأربعة، فمنهم من قال إنه واجب ومنهم من قال إنه مستحب، وأخذًا بقول المفتي الدكتور علي جمعة على قناة اقرأ الفضائية: «قضية النقاب يرى فرضيتها الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والإمام أحمد بن حنبل».
حينئذ ماذا ستكون إجابة المفتي أمام القاضي؟
ولو أن كل مسلم يرتدي قميصًا قصيرًا وكل امرأة ترتدي النقاب قد أقامت دعوى ضد فضيلة المفتي فله أن يتخيل عدد المحامين الذين سيوكلهم للدفاع عنه، وكم سينفق من أموال، وماذا سيكون حكم القاضي في ملايين الدعاوى التي سيقيمها هؤلاء؟!!
ولو تخيل المفتي أن هؤلاء سيقاضونه أمام الله الذي لا تخفى عنه خافية ولا يظلم أحدًا ، فماذا سيكون جوابه أمام الله ؟!!
ونحاكم فضيلة المفتي إلى فضيلة المفتي، نحاكمه إلى نفسه، ونقول له: «هل كان الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والإمام أحمد بن حنبل من المتشددين؟».
стр. 31
الدكتور
علي جمعة
والأمانة العلمية (١)
أولًا: ذكر المفتي (ص٧٤ - ٧٥) حديث عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁، أَنَّ رَجُلا ضَرِيرًا أَتَى النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ: «ادْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَنِي»، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ أَخَّرْتَ ذَلِكَ وَهُوَ خَيْرٌ، وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ»، قَالَ: «فَادْعُهُ»، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ، فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ» (٢).
واستدل المفتي بهذا الحديث على جواز التوسل بذات الرسول ﵌ ولكنه حذف منه قول الأعمى في دعائه: «وَشَفِّعْنِي فِيهِ»؛ لأنه دليل على أن الأعمى إنما توسل بدعاء النبي ﵌ وليس بذاته.
أليس من الأمانة العلمية أن يذكر المفتي الحديث بنصه ولا يبتر الجزء الذي هو حجة عليه؟!! فإن قول النبي ﵌ للأعمى أن يقول: «وَشَفِّعْنِي فِيهِ» معناه: اقبل شفاعتي، أي اقبل دعائي في أن تقبل شفاعته ﵌ أي دعاءه وسؤاله لي- في أن ترُدَّ عليَّ بصري، هذا الذي لا يمكن أن يُفهَم من هذه الجملة سواه، ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد؛ لأنها تنسف بنيانهم من القواعد
стр. 32
وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه، ذلك أن شفاعة الرسول ﵌ في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول ﵌ كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة (١).
ثانيًا: نقل المفتي مرتين في فقرتين متتاليتين (ص٨٢، ص٨٣)، عن موطأ مالك (١/ ٢٣١) أن النبي ﵌ عندما انتقل إلى جوار ربه قَالَ نَاسٌ: «يُدْفَنُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ». وَقَالَ آخَرُونَ: «يُدْفَنُ بِالْبَقِيعِ».
ثم استدل بذلك على جواز الدفن في المساجد، حيث قال مرتين في الفقرتين: «ووجه الاستدلال أن أصحاب رسول الله ﵌ اقترحوا أن يُدفن ﵌ عند المنبر، وهو داخل المسجد قطعًا».
وعند الرجوع إلى موطأ مالك تجد أن ما استدل به المفتي رواه الإمام مَالِكٍ بلاغًا بغير إسناد (٢)، والإمام مالك ﵀ وُلد عام ٩٣ هـ أي بعد هذه الحادثة باثنين وثمانين سنة؛ فقد توُفِّيَ النبي ﵌ في ربيع الأول سنة ١١هـ.
وكان الألْيَق بالمفتي - من باب الأمانة العلمية - أن يذكر أن هذه الرواية لا تصح، وبالتالي لا يجوز له أن يَستدل بها أصلًا، وإن كان قد استدل بها وهو لا يعلم أنها ضعيفة فالأمر أعظم؛ فلا يليق به - وهو الأستاذ الجامعي ومفتي الديار المصرية - أن يستدل بأحاديث لا يعلم مدى صحتها، ويَرُدّ بها أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم نهى فيها النبي ﵌ عن اتخاذ القبور مساجد.
ثالثًا: تعليقًا على حديث البخاري: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ، مَاشِيًا وَرَاكِبًا»، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ» نقل المفتي (ص١١٠) عن
стр. 33
الحافظ ابن حجر أنه قال في شرحه لهذا الحديث: «فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ شَدِّ الرِّحَالِ لِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيمِ».
ولكن المفتي لم ينقل قول الحافظ ابن حجر بعد هذا الكلام: «وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَجِيئَهُ ﵌ إِلَى قُبَاءٍ إِنَّمَا كَانَ لِمُوَاصَلَةِ الْأَنْصَارِ وَتَفَقُّدِ حَالِهِمْ وَحَالِ مَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ مَعَهُ؛ وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَخْصِيص ذَلِك بالسبت».
رابعًا: بعد أن اتهم السلفيين (ص١١٦) بأنهم يؤذون رسول الله ﵌ وبعد أن ذكر الآيات التي تمنع ذلك ذكر أن القاضي عياضًا قال: «فنحن لا نقول إلا ما يرضي ربنا، ويرضي رسولنا ﵌، ولا نتجرأ على مقامه الشريف، ونؤذيه ﵌ بالكلام بما لا يُرضيه ﵌».
وإدخال هذا الكلام في هذا السياق يوهم أن القاضي يُنْكِر على من يقول بأن والدي النبي ﵌ في النار.
ونسأل المفتي الذي لم يذكر مصدر هذا الكلام: من أين جئت بهذا الكلام مع أن الإمام النووي قد نقل عن القاضي عياض أن بكاء النبي ﵌ حينما زار قبر أمه كان عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ إِدْرَاكِ أَيَّامِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ (١).
وكلام القاضي عياض هو نفس كلام السلفيين ومِن قبلهم الإمام أبي حنيفة وغيره كما سيأتي إن شاء الله (٢).
خامسًا: قال المفتي (ص١٤٧): «ونَصَّ المالكية على أن انتقاب المرأة مكروه إذا لم تجْرِ عادةُ أهل بلدها بذلك، وذكروا أنه من الغلو في الدين، قال الإمام الدردير في الشرح الكبير: «وانتقاب امرأة» في عطفه على المكروه، قال الدسوقي في حاشيته: «(وَ)
стр. 34
كُرِهَ (انْتِقَابُ امْرَأَةٍ) أَيْ تَغْطِيَةُ وَجْهِهَا بِالنِّقَابِ، وَهُوَ مَا يَصِلُ لِلْعُيُونِ فِي الصَّلَاةِ (١) لِأَنَّهُ مِنْ الْغُلُوِّ وَالرَّجُلُ أَوْلَى مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَوْمٍ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَانْتِقَابُ امْرَأَةٍ) أَيْ سَوَاءً كَانَتْ فِي صَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِهَا كَانَ الِانْتِقَابُ فِيهَا لِأَجْلِهَا أَوْ لَا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ الْغُلُوِّ) أَيْ الزِّيَادَةِ فِي الدِّينِ إذْ لَمْ تَرِدْ بِهِ السُّنَّةُ السَّمْحَةُ.
(قَوْلُهُ: فَالنِّقَابُ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا) أَيْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا لِأَجْلِهَا أَوْ لِغَيْرِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لِعَادَةٍ».
التعليق:
١ - نطلب من القارئ الكريم قراءة كلام الدسوقي مرةً أخرى ولْيَنْتَبِه لما فوق الخط؛ فالكلام عن كراهة الانتقاب وتغطية وجه الرجل أو المرأة في الصلاة، وإلا فما فائدة قوله: «وَالرَّجُلُ أَوْلَى»، فلم يَقُل أحدٌ من العلماء بوجوب أو استحباب النقاب على الرجال حتى يقول المالكية بالكراهة.
ومن الغريب أن المفتي حذف قول الشيخ محمد عرفة الدسوقي: (قَوْلُهُ: وَالرَّجُلُ أَوْلَى) أَيْ مِنْ الْمَرْأَةِ بِالْكَرَاهَةِ».
٢ - يوضح ما سبق ما جاء في كتب المالكية حيث جاء في شرح مختصر خليل للخرشي (٣/ ٢٢٢): «وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ وَأَوْلَى الرَّجُلُ الِانْتِقَابُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ بِالنِّقَابِ، وَاللِّثَامِ تَغْطِيَةُ الشَّفَةِ السُّفْلَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَلَا إعَادَةَ عَلَى فَاعِلِهِ».
٣ - في ضوء ما سبق يُفْهَم قَوْلُهُ: «(فَالنِّقَابُ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا) أَيْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا لِأَجْلِهَا أَوْ لِغَيْرِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لِعَادَةٍ».
стр. 35
فالمعنى أن تغطية وجه المرأة أو الرجُل بالنقاب مكروه في الصلاة سواء لُبِس النقاب أثناء الصلاة أو قبل الصلاة، وسواء كانت تغطية الوجه بالنقاب في الصلاة لأجل الصلاة أو لسبب آخَر.
ويوضح ذلك تكملة كلام الدسوقي الذي لم ينقله المفتي: «مَا لَمْ يَكُنْ لِعَادَةٍ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ فيه خَارِجَهَا بِخِلَافِ تَشْمِيرِ الْكُمِّ وَضَمِّ الشَّعْرِ فإنه إنَّمَا يُكْرَهُ فيها إذَا كان فِعْلُهُ لِأَجْلِهَا، وَأَمَّا فِعْلُهُ خَارِجَهَا أو فيها لَا لِأَجْلِهَا فَلَا كَرَاهَةَ فيه، وَمِثْلُ ذلك تَشْمِيرُ الذَّيْلِ عن السَّاقِ؛ فَإِنْ فَعَلَهُ لِأَجْلِ شُغْلٍ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى وهو كَذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ».
٤ - مما يَرُدّ زَعْمَ المفتي أن المالكية يقولون بكراهة انتقاب المرأة: أن فقهاءهم ومنهم الدسوقي نفسه أجاز للمحرمة بالحج أو العمرة أن تستر وجهها بغير النقاب، فقال: «مَتَى أَرَادَتْ السَّتْرَ عن أَعْيُنِ الرِّجَالِ جَازَ لها ذلك مُطْلَقًا عَلِمَتْ أو ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بها أَمْ لَا، نعم إذَا عَلِمَتْ أو ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بها كان سَتْرُهَا وَاجِبًا» (١).
وقال العبدري المالكي: «الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مَا شَاءَتْ غَيْرَ الْقُفَّازَيْنِ وَالْبُرْقُعِ وَالنِّقَابِ وَلَا تُغَطِّي وَجْهَهَا، وَإِحْرَامُهَا فِي وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَسْدُلَ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا لِتَسْتُرَهُ مِنْ غَيْرِهَا، وَلْتَسْدُلْهُ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا وَلَا تَرْفَعُهُ مِنْ تَحْتِ ذَقَنِهَا وَلَا تَشُدُّهُ عَلَى رَأْسِهَا بِإِبْرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا» (٢).
стр. 36
٥ - زعم المفتي (ص١٤٨) أن المالكية ذهبوا إلى بدعية النقاب لأنه من الغلو في الدين، ولا مانع منه إذا وافق عادة النساء.
وهذا الادعاء بناه على قولهم بكراهة انتقاب المرأة والرجل في الصلاة، فهل من الأمانة العلمية أن تتحول مسألة تغطية الوجه داخل الصلاة إلى مسألة تغطيته أمام الرجال الأجانب؟!!!
وهنا ننقل قول أحد علماء المالكية لتتضح الصورة، قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي ﵀: «وَالْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ؛ بَدَنُهَا وَصَوْتُهَا، فَلَا يَجُوزُ كَشْفُ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ لِحَاجَةٍ، كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا، أَوْ دَاءٍ يَكُونُ بِبَدَنِهَا، أَوْ سُؤَالِهَا عَمَّا يَعِنُّ وَيَعْرِضُ عِنْدَهَا» (١).
стр. 37
اتهامات، ولا دليل
صبَّ مفتي الديار المصرية جام غضبه وحنقه على إخوانه في الدين ووصفهم بأشنع الأوصاف والصفات التي لم يقُلْها في أعداء الدين، فيتهمهم بهذه الاتهامات، ولن أعلق على تلك الاتهامات لأنها ليس لها وجود إلا في مخيلة المفتي.
فالناس يعيشون مع ملايين السلفيين وبفضل الله لا يجدون فيهم تلك الخصال، ونحن في انتظار أدلة المفتي وبيِّناته وإحصائياته العلمية التي تؤيد تلك الادعاءات، ولْيَذْكُرْ لنا بعض الأمثلة - بالأسماء والعناوين - لعل الله أن يصلحهم على يديه، أما أن يتهم الملايين في العالم الإسلامي بلا دليل فهذا عين الظلم، وعند الله تجتمع الخصوم. قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: ٦٤). وقد قال رسول الله ﵌: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (قال الإمام النووي في الأربعين النووية: «حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا وبعضه في الصحيحين».
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ» (رواه مسلم).
من افتراءات المفتي على السلفيين:
١ - آراء أغلب من تسموا بالسلفيين واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة (ص١٢).
٢ - أنهم يتبنون فكرًا صداميًّا (ص١٢).
٣ - لقد أصبح توجه هؤلاء المتشددين عائقًا حقيقيًّا لتقدم المسلمين، وللتنمية الشاملة التي يحتاجها المجتمع الإسلامي عامة ومصر على صفة الخصوص، وهذا التوجه المتعصب أصبح تربة صالحة للفكر المتطرف، وأصلًا للمشرب المتشدد الذي يدعو الأمة إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده
стр. 38
في خياله الذي غالبًا ما يكون مريضًا غير قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس (ص١٣).
٤ - من خصائص هذا الفكر الانعزالي التشدد، فهو يرى أن الحياة خطيئة وأنه يجب علينا أن نتطهر منها (ص١٥).
٥ - عندهم عقلية الانطباع والهوى، وهى عقلية تخالف العقلية العلمية، وتخالف المنطق المعروف (ص١٥).
٦ - متعبون في تلقيهم التفكير المستقيم (ص١٥).
٧ - متمردون منعزلون لا يثقون فى العلماء ولا يثقون إلا في طائفة قليلة تجارىهم في أهوائهم (ص١٥).
٨ - يتميزون بامتلاك عقلية المؤامرة يرون كل ما حولهم وكأنه يحيك ضدهم مؤامرات ويحاول أن يبيدهم من على الأرض، مما يجعلهم متحفزين دائما بأن يكونوا معاندين لمن حولهم (ص١٥).
٩ - يتميزون بالكبر والعجب الذي يحتقرون معه كل رأى سوى رأيهم (ص١٥).
١٠ - يقفون ضد أي إصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار (ص١٦).
١١ - يبتعدون دائمًا عن جوهر الموضوع إلى النظر في مجرد الشكليات (ص١٦).
١٢ - يعظمون غير العلماء، ويحطون من شأن العلماء (ص١٦) (١).
стр. 39
١٣ - يتصدرون بما لا يزيد عن مائة مسألة لتفسيق الناس وتكفيرهم، والدعوة إلى منابذتهم ومحاربتهم (ص١٦).
١٤ - لقد آن الأوان وحان الوقت لأن يكون مقاومة هذا الفكر المتنطع مطلبًا قوميًا (ص١٦).
١٥ - إذا وجدتَ شخصًا يرتدي قميصًا (١) قصيرًا فاعلم أنه من المتشددين، وإن رأيت امرأةً ترتدي النقاب فاعلم أنها متشددة (ص١٣٨).
стр. 40
السلفيون أم المفتي؟
من الذي يتبنى الفكر الصدامي ؟
اتهم المفتي السلفيين (ص١٢ - ١٣) بأنهم يتبنون فكرًا صداميًّا، وأن هذا الفكر الصدامي يفترض أمورًا ثلاثة وهى:
أولًا: أن العالم كله يكره المسلمين، وأنهم في حالة حرب دائمة للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة وفى العلن مرات، وأن هناك استنفارًا للقضاء علينا مللنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب.
ثانيا: وجوب الصدام مع ذلك العالم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجود الصدام يأخذ صورتين:
الأولى: قتل الكفار الملاعين.
والثانية: قتل المرتدين الفاسقين.
أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين.
وأما المرتدون الفاسدون فهم مَن شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله وخالف فكرهم.
ثالثًا: أن فكرهم يراد له أن يكون من نمط الفكر الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن تتبع خيوطها بقدر ما يعمل باعتباره فكرًا طليقًا من كل قيد يقتنع به المتلقي له في أي مكان، ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد. وعليه فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى وتنتشر بصورة أعمق». انتهى كلام المفتي.