← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96722

السلفيون وحوار هادئ مع الدكتور علي جمعة

شحاتة صقر

Полный текст (175 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٥ - زعم المفتي (ص١٤٨) أن المالكية ذهبوا إلى بدعية النقاب لأنه من الغلو في الدين، ولا مانع منه إذا وافق عادة النساء. وهذا الادعاء بناه على قولهم بكراهة انتقاب المرأة والرجل في الصلاة، فهل من الأمانة العلمية أن تتحول مسألة تغطية الوجه داخل الصلاة إلى مسألة تغطيته أمام الرجال الأجانب؟!!! وهنا ننقل قول أحد علماء المالكية لتتضح الصورة، قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي ﵀: «وَالْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ؛ بَدَنُهَا وَصَوْتُهَا، فَلَا يَجُوزُ كَشْفُ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ لِحَاجَةٍ، كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا، أَوْ دَاءٍ يَكُونُ بِبَدَنِهَا، أَوْ سُؤَالِهَا عَمَّا يَعِنُّ وَيَعْرِضُ عِنْدَهَا» (١).

стр. 37

اتهامات، ولا دليل صبَّ مفتي الديار المصرية جام غضبه وحنقه على إخوانه في الدين ووصفهم بأشنع الأوصاف والصفات التي لم يقُلْها في أعداء الدين، فيتهمهم بهذه الاتهامات، ولن أعلق على تلك الاتهامات لأنها ليس لها وجود إلا في مخيلة المفتي. فالناس يعيشون مع ملايين السلفيين وبفضل الله لا يجدون فيهم تلك الخصال، ونحن في انتظار أدلة المفتي وبيِّناته وإحصائياته العلمية التي تؤيد تلك الادعاءات، ولْيَذْكُرْ لنا بعض الأمثلة - بالأسماء والعناوين - لعل الله أن يصلحهم على يديه، أما أن يتهم الملايين في العالم الإسلامي بلا دليل فهذا عين الظلم، وعند الله تجتمع الخصوم. قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: ٦٤). وقد قال رسول الله ﵌: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (قال الإمام النووي في الأربعين النووية: «حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا وبعضه في الصحيحين». وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ» (رواه مسلم). من افتراءات المفتي على السلفيين: ١ - آراء أغلب من تسموا بالسلفيين واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة (ص١٢). ٢ - أنهم يتبنون فكرًا صداميًّا (ص١٢). ٣ - لقد أصبح توجه هؤلاء المتشددين عائقًا حقيقيًّا لتقدم المسلمين، وللتنمية الشاملة التي يحتاجها المجتمع الإسلامي عامة ومصر على صفة الخصوص، وهذا التوجه المتعصب أصبح تربة صالحة للفكر المتطرف، وأصلًا للمشرب المتشدد الذي يدعو الأمة إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده

стр. 38

في خياله الذي غالبًا ما يكون مريضًا غير قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس (ص١٣). ٤ - من خصائص هذا الفكر الانعزالي التشدد، فهو يرى أن الحياة خطيئة وأنه يجب علينا أن نتطهر منها (ص١٥). ٥ - عندهم عقلية الانطباع والهوى، وهى عقلية تخالف العقلية العلمية، وتخالف المنطق المعروف (ص١٥). ٦ - متعبون في تلقيهم التفكير المستقيم (ص١٥). ٧ - متمردون منعزلون لا يثقون فى العلماء ولا يثقون إلا في طائفة قليلة تجارىهم في أهوائهم (ص١٥). ٨ - يتميزون بامتلاك عقلية المؤامرة يرون كل ما حولهم وكأنه يحيك ضدهم مؤامرات ويحاول أن يبيدهم من على الأرض، مما يجعلهم متحفزين دائما بأن يكونوا معاندين لمن حولهم (ص١٥). ٩ - يتميزون بالكبر والعجب الذي يحتقرون معه كل رأى سوى رأيهم (ص١٥). ١٠ - يقفون ضد أي إصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار (ص١٦). ١١ - يبتعدون دائمًا عن جوهر الموضوع إلى النظر في مجرد الشكليات (ص١٦). ١٢ - يعظمون غير العلماء، ويحطون من شأن العلماء (ص١٦) (١).

стр. 39

١٣ - يتصدرون بما لا يزيد عن مائة مسألة لتفسيق الناس وتكفيرهم، والدعوة إلى منابذتهم ومحاربتهم (ص١٦). ١٤ - لقد آن الأوان وحان الوقت لأن يكون مقاومة هذا الفكر المتنطع مطلبًا قوميًا (ص١٦). ١٥ - إذا وجدتَ شخصًا يرتدي قميصًا (١) قصيرًا فاعلم أنه من المتشددين، وإن رأيت امرأةً ترتدي النقاب فاعلم أنها متشددة (ص١٣٨).

стр. 40

السلفيون أم المفتي؟ من الذي يتبنى الفكر الصدامي ؟ اتهم المفتي السلفيين (ص١٢ - ١٣) بأنهم يتبنون فكرًا صداميًّا، وأن هذا الفكر الصدامي يفترض أمورًا ثلاثة وهى: أولًا: أن العالم كله يكره المسلمين، وأنهم في حالة حرب دائمة للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة وفى العلن مرات، وأن هناك استنفارًا للقضاء علينا مللنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب. ثانيا: وجوب الصدام مع ذلك العالم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجود الصدام يأخذ صورتين: الأولى: قتل الكفار الملاعين. والثانية: قتل المرتدين الفاسقين. أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين. وأما المرتدون الفاسدون فهم مَن شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله وخالف فكرهم. ثالثًا: أن فكرهم يراد له أن يكون من نمط الفكر الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن تتبع خيوطها بقدر ما يعمل باعتباره فكرًا طليقًا من كل قيد يقتنع به المتلقي له في أي مكان، ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد. وعليه فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى وتنتشر بصورة أعمق». انتهى كلام المفتي.

стр. 41

ومع هذا الكلام وقفات (١): أولًا: إن قول مفتي مصر في الفقرة الأولى مردود، فهل تعامى عن الحقيقة الشرعية والواقعية، فالله يخبرنا عن هذه العداوة قائلًا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠)، وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة:٨٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: ٢١٧). أما الواقع فهو خير شاهد على هذه العداوة قديمًا وحديثًا، فالحروب الصليبية قديمًا، والاحتلال الأجنبي حديثًا، والمجازر التي ارتكبت في البوسنة والهرسك وسراييفو وغيرها، وما يحدث للمسلمين في العراق وأفغانستان وباكستان والشيشان وما يحصل في فلسطين وموقف أمريكا والغرب من اليهود ومساندتهم لهم، هذا بالنسبة للعدو الخارجي أما التيار العلماني والليبرالي فموقفه من التيار الإسلامي واضح للعيان لا ينكره إلا مكابر. ثانيًا: قول المفتي إن السلفيين يرون وجوب الصدام مع ذلك العالم بقتل الكفار وقتل المرتدين، فإنه إنما صاغه بهذه الصورة ليشنع على السلفيين، فهل ينكر المفتي الجهاد، فالجهاد ماض إلى يوم القيامة، ثم إن كان ينكر جهاد الطلب، فهل ينكر جهاد الدَّفْع وحق المسلمين في الدفاع عن بلدانهم المحتلة؟!! ثم إنه من المعلوم أن الكفار أنواع فمنهم محاربون، ومنهم أهل عهد، ومنهم أهل ذمة ولكل واحد حكمه، فتعميمه الكلام عن السلفيين في هذه المسألة بأنهم يرون وجوب الصدام مع جميع الكفار وقتلهم تعميم غير مقبول وفيه من التلبيس ما فيه.

стр. 42

ونطالب المفتي بمصدر معلوماته تلك، في أي كتاب للسلفيين أو في أي محاضرة لهم قرأ المفتي أو سمع أنهم يرون وجوب قتل جميع الكفار؟!! نطالب صاحب الفضيلة بالبيّنة!!! ثالثًا: المرتد حكمه القتل، فقد أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَحَوَّل عَنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ إِلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَل (١) لِقَوْل النَّبِيِّ ﵌: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (رواه البخاري). ولِقَوْله ﵌: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (رواه مسلم). قال الإمام ابن المنذر: «وأجمع أهل العلم على أن شهادة شاهدين يجب قبولها على الارتداد ويقتل المرء بشهادتهما إن لم يرجع إلى الإسلام، وانفرد الحسن فقال: «لا يُقبَل في القتل إلا شهادة أربعة» (٢). وقد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ارْتَدَّ مُسْلِمٌ فَقَدْ أُهْدِرَ دَمُهُ، لَكِنَّ قَتْلَهُ لِلإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَمَنْ قَتَلَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عُزِّرَ فَقَطْ؛ لأَِنَّهُ افْتَاتَ عَلَى حَقِّ الإِْمَامِ؛ لأنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ لَهُ (٣). رابعًا: مسألة الردة والحكم بغير ما أنزل الله فيها تفصيل معروف والحكم فيها يتوقف على توفر الشروط وانتفاء الموانع.

стр. 43

خامسًا: ادعى المفتي أن السلفيين يحكمون بالردة على مخالفيهم، ومرة أخرى نطالب صاحب الفضيلة بالبيّنة!!! سؤال: من الذي يتبنى الفكر الصدامي؟!! اعتبر المفتي (ص١٦) مقاومة الفكر السلفي مطلبًا قوميًا، وجعله (ص١٤) واجبًا على الجميع!!! وإن كان المفتي ينكر على السلفيين بل وعلى جميع المسلمين الصدام مع المحاربين من الكفار، فما رأي القارئ الكريم في تحريض المفتي للمجتمع كله للصدام مع السلفيين المسلمين؟! ونسأله: هل السلفيون عندك مسلمون؟ وإن كانوا مسلمين فهل هم عندك أخطر على المجتمع من اليهود والنصارى والعلمانيين أعداء شريعة الله؟!!! سهام المفتي تصيب الأزهر وعلماءه وطلابه: تلك الافتراءات التي وصف بها المفتي السلفيين لا شك أنها تصيب الكثير من أساتذة جامعة الأزهر الذين ينتهجون المنهج السلفي، وقد ردّ بعضهم على كتاب المفتي على القنوات الفضائية. وكذلك تصيب سهام المفتي الكثير من مدرسي المواد الشرعية في المعاهد الأزهرية، وكثير من أئمة وخطباء وزارة الأوقاف المصرية الذين ينتهجون المنهج السلفي.

стр. 44

تناقضات وقع فيها المفتي في كتابه (١) من الأمور المستقرة عند العلماء أنه ما من إنسان يأتي بقول مخالفٍ للكتاب والسنة إلا وتجد التناقضات في قوله ذاك، فهذه سنة مطردة في كل من خالف الحق. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هؤلاء: «ولستَ تجدُ أحدًا من هؤلاء إلا متناقضًا ... بخلاف ما جاء من عند الله فإنه متفق مؤتلف، فيه صلاح أحوال العباد في المعاش والمعاد؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) (النساء: ٨٢)» (٢). ومن تناقضات المفتي في كتابه: أولًا: قال المفتي (ص١٥٦): «لا حرج أن يختلف المرء مع عالم أو داعية في رأْيٍ أو اجتهاد متى كان أهلًا لذلك، ولكن الحرج في تحول هذا الاختلاف إلى مِعْوَل هدمٍ لمكانة هذا العالم والحطّ من قدْره وازدرائه وسوء الأدب معه». ومع ذلك حوَّلَ اختلافه مع السلفيين في بعض المسائل إلى مِعْوَل هدمٍ لمكانتهم والحط من قدْرهم وازدرائهم وسوء الأدب معهم. ثانيًا: عاب المفتي على السلفيين إنكارهم على الأشاعرة فيما يخالفون فيه منهج النبي ﵌، واعتبر ذلك انتقاصًا للأشاعرة، ومع ذلك أجاز (ص١٧) التعبد بمذهب الشيعة الإمامية الذين لا ينتقصون الأشاعرة فقط بل يكَفِّرُون الأشاعرة وجميع المسلمين

стр. 45

الذين ليسوا على مذهبهم بل يكفِّرون الصحابة وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان، والعشرة المبشرون بالجنة ﵃. ثالثًا: قال المفتي (ص١٦) إن الشيعة ينكرون جميع الصحابة إلا عليًّا وبعضًا قليلًا حوله، ثم أجاز (ص١٧) الأخذ بمذهب الشيعة. فكيف يأخذ المسلم بمذهبٍ يُنكر بل يكفّر جميع الصحابة إلا عليًّا وبعضًا قليلًا حوله؟!!! (١) رابعًا: زعم المفتي (ص ١١٧) عدم كُفْر والدَي النبي ﵌ وأنهما مِن أهل الفترة، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥). ثم عاد وناقض قوله هذا عندما عَلّق على حديث أَنَسٍ ﵁، في صحيح مسلم أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟»، قَالَ: «فِي النَّارِ»، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ». حيث قال المفتي (ص١٢٠) إنه يمكن حَمْلُه على أن النبي ﵌ لم يقصد أباه بل قصد عمه أبا طالب الذي مات بعد بعثته ﵌ ولم يُعلن إسلامه. ولكن قصة احتضار أبي طالب وموته على الشرك تدل على أن أبوي النبي ﵌ بل وجَدُّه عبد المطلب ليسوا من أهل الفترة بل ماتوا على الكفر، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ،

стр. 46

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: «يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟». فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: «هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَمَا وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١)، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢). خامسًا: قال المفتي (ص١٤): «هذا الفكر يريد أن يسحب مسائل الماضي في حاضرنا، وذلك تراه قد حول هذه المسائل إلى قضايا وإلى حدود فاصلة بينه وبين من حوله، وهذه القضايا يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات من طريقة الأكل والشرب إلى قضاء الحاجة واستعمال العطور. وتؤثر هذه الخصيصة التي يستجلب مسائل الماضي وتسحبها وتجرها إلى الحاضر من ناحية، وتحول مجرد المسألة التي كانت في نطاق الماضي لا تعدو مسألة إلى قضية ندافع عنها وننافح من أجلها، وتكون في عقليته معيارًا للتقويم وللقبول والرد، فمن فعلها فهو معه، ومن لم يفعلها فهو ضده، يشمئز منه وينفر ويعاديه». وقال المفتي (ص١٩) تحت عنوان (أهم مسائل المتشددين التي جعلوها أصولا لهم وعنوانًا عليهم): «لقد تمسك المتشددون بمجموعة من المسائل التي لا تمثل هوية

стр. 47

الأمة وكلها مسائل فرعية، وجعلوها معيارًا لتصنيف المسلمين، وامتحانًا لتقسيمهم، ورُوِّج لدى طوائف كثيرة من الناس أنها قطعية لا خلاف فيها، وأن الحق معهم وحدهم، وأن القائل بغير ما يقولونه مارق فاسق منحرف أو على أقل تقدير غير ملتزم ومتساهل، أو يُتَّهم بأنه ليس متبعًا للرسول ﵌ فشغلوا المسلمين بهذه المسائل، التي مذهبهم فيها غالبًا ما يكون ضعيفًا أو شاذًّا ... ونؤكد أنه لا يجوز أن نقع في جَعْل هذه المسائل المعيار الذي نقسم به المسلمين، بل المعيار يجب أن يكون حب الله ورسوله ﵌ وما اتفقت عليه الأمة من أصول، وقد تم اختيار ١٧ مسألة فقط من مسائلهم». هذا ما قاله المفتي، ولكنه ناقض نفسه وخالف كلامه هذا كما يلي، ونحن نحاكمه إلى ما كتبه في كتابه: أ- اتهم المفتي السلفيين بأنهم شغلوا المسلمين بهذه المسائل، وفي هذا اتهام لعلماء المسلمين الذين تكلموا في تلك المسائل، وفيه اتهام للمفتي نفسه الذي أخرج كتابه وشغل المسلمين بتلك المسائل. ب- قال المفتي إن هذه المسائل كلها فرعية، وإن السلفيين جعلوها معيارًا لتصنيف المسلمين، ومع أن هذا خلاف الحقيقة فقد عاد المفتي وجعل تلك المسائل معيارًا لتصنيف المسلمين، فكتاب المفتي يتهم السلفيين بالتشدد لمجرد أنهم خالفوه في تلك المسائل. ج- قال المفتي إن هذه المسائل، مذهب السلفيين فيها غالبًا ما يكون ضعيفًا أو شاذًّا، ومعنى ذلك - عنده – أنه اعترف بأن بعضها أو قليلًا منها مذهب السلفيين فيه صحيح، وهذا ما لم يذكره المفتي في أيٍّ من تلك المسائل. د – اتهم المفتي السلفيين بأنهم يتهمون من يقول بغير ما يقولونه بأنه مارق فاسق منحرف أو على أقل تقدير غير ملتزم ومتساهل، ورغم أن ذلك الاتهام مخالف للحقيقة، عاد المفتي واتهم السلفيين الذين يقولون بغير قوله بأنهم (متشددون وآراء أغلبهم واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة (ص١٢)، وأن عندهم عقلية الانطباع والهوى (ص١٥)، وأنهم متمردون منعزلون لا يثقون فى العلماء

стр. 48

ولا يثقون إلا في طائفة قليلة تجارىهم في أهوائهم (ص١٥)، وأنهم يتميزون بالكبر والعجب الذي يحتقرون معه كل رأى سوى رأيهم (ص١٥). هـ- قال المفتي إنه لا يجوز أن نقع في جَعْل هذه المسائل المعيار الذي نقسم به المسلمين، ولكنه خالف ذلك بأنْ جَعَل كل مسألة بمفردها معيارًا لاتهام السلفيين بالتشدد، فتجد عناوينه لجميع المسائل كالآتي كما جمعها في (ص١٩ - ٢٠)، ثم بنى عليها كتابه: «المتشددون يصفون الله بالمكان، المتشددون ينتقصون الأشاعرة، المتشددون غير مؤهلين للإفتاء ويحدثون فوضى فى المجتمع، المتشددون يعدّون أغلب تصرفات المسلمين بدعًا وضلالات، المتشددون يحرّمون التوسل بالنبي ﵌ ويعدونه شركا بالله، المتشددون يحرّمون الصلاة في المساجد ذات الأضرحة ويصرّحون بوجوب هدمها، المتشددون يعدّون التبرك بآثار النبي ﵌ والصالحين شركًا بالله، المتشددون يحرّمون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ويعدّونه بدعة وضلالة، المتشددون يحرّمون السفر لزيارة قبر النبي ﵌ وقبور الأنبياء والصالحين، المتشددون يتهمون مَن تَرجّى بالنبي ﵌ بالشرك الأصغر، المتشددون يَحْكمون على والدَي المصطفى ﵌ بالنار يوم القيامة، المتشددون ينفون أي إدراك للميت وشعوره بمن يزوره، المتشددون ينكرون ذِكْر الله كثيرا ويمنعون الأوراد، المتشددون أكثرُهم يمنعون استعمال السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة، المتشددون يتمسكون بالظاهر ويتعبدون الله بالثياب (ثوب الشهرة – النقاب)، المتشددون يسعون قبل أن يتعلموا ويخلطوا (١) الوعظ بالعلم» (٢).

стр. 49

ونسأل القارئ الكريم هل المسائل السابقة - كما قال المفتي - يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات من طريقة الأكل والشرب إلى قضاء الحاجة واستعمال العطور؟!! سادسًا: ذكر المفتي (ص٢٩) مذهب الأشاعرة في تأويل الصفات، ورجحه، ثم قال (ص٣٠): «وما أجمل ما قال ابن قدامة المقدسي في لمعة الاعتقاد ... »، ونقل المفتي (ص ٣٠ - ٣٢) عن ابن قدامة ما ينسف مذهب المفتي ومذهب الأشاعرة في تأويل الصفات. وننقل هنا عن ابن قدامة ما نقله المفتي عنه هناك بنصه، وأطلب من القارئ الكريم أن ينتبه لما فوق الخط: قال ابن قدامة ﵀: «وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلَقّيه بالتسليم والقبول، وترك التعرُّض له بالرّدّ والتأويل والتشبيه والتمثيل. وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا، وترك التعرض لمعناه ونرُدّ علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: ٧)، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٧]، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول النبي ﵌: «إنَّ اللهَ يَنْزِلُ إلىَ سَمَاءِ الدُّنْيَا»، أو «إِنَّ اللهَ يُرَى فِي الْقِيَامَةِ»، وما أشبه هذه الأحاديث: «نؤمن بها، ونصدق بها بلا كيف، ولا معنى، ولا نرُدّ شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نَرُدّ على رسول الله ﵌، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا

стр. 50

حد ولا غاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شُنِّعَتْ، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كُنْه ذلك إلا بتصديق الرسول ﵌، وتثبيت القرآن». قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁: «آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله». إلى هنا انتهى ما نقله المفتي من كلام ابن قدامة، وهو كافٍ في الرد على المفتي، ولتأكيد مخالفة ابن قدامة وأئمة الدين لمنهج المفتي والأشاعرة ننقل هنا ما قاله ابن قدامة بعد ذلك مباشرة ولم ينقله المفتي. قال ابن قدامة: «وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعَرُّضٍ لتأويله. وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم، والاهتداء بمنارهم (١) وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﵌: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٢). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفِيتُم». وقال الإمام أبو عمر الأوزاعي ﵁: «عليك بآثار مَن سَلَفَ وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول».

стр. 51

وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: «هل علمها رسول الله ﵌ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أو لم يعلموها؟»، قال: «لم يعلموها»، قال: «فشيء لم يعلمه هؤلاء أعَلِمْتَه أنت؟»، قال الرجل: «فإني أقول: قد عَلِمُوها»، قال: «أفَوَسِعَهُمْ أن لا يتكلموا به، ولا يدعوا الناس إليه، أم لم يَسَعْهم؟»، قال: «بلى وسِعَهُم»، قال: «فشيء وسع رسولَ اللهِ ﵌ وخلفاءه لا يسَعُك أنت؟»، فانقطع الرجل. فقال الخليفة - وكان حاضرا -: «لا وسَّعَ اللهُ على من لم يسَعْهُ ما وَسِعَهم». وهكذا من لم يَسَعْه ما وَسِعَ رسولَ الله ﵌ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها ولإمرارها كما جاءت، فلا وَسَّع الله عليه» اهـ. إن ما نقله المفتي عن ابن قدامة هو عقيدة السلف الصالح وعقيدة أئمة الخلف، وهذا ما يدين به السلفيون المتشددون!!!، فإن في مناهجهم العلمية كتاب لمعة الاعتقاد الذي نقل منه المفتي؛ فهَلّا التزم المفتي بما نقله عن ابن قدامة، وهَلّا رجع عن عقيدة الأشاعرة!!! ووسعه ما وَسِعَ رسولَ الله ﵌ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم.

стр. 52

أسئلة للدكتور علي جمعة تنتظر الإجابة السؤال الأول: سمعناك ورأيناك وأنت تسخر من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (١)، فَهُما - عندك - من رؤوس السلفيين المتشددين، ورغم ذلك رأيناك في كتابك (المتشددون) تستدل بكلامٍ لابن تيمية (ص١١٨، ١١٩، ١٢٦، ١٤١)، وبكلام لابن القيم (ص٥٢، ١٢٦)، بل أطلقْتَ على ابن تيمية (ص١٤١) لقب شيخ الإسلام ابن تيمية، بل لقبته في كتابك (التربية والسلوك ص ٢٠٧) بالإمام ابن تيمية. فلِمَ هذا التناقض العجيب؟!! السؤال الثاني: اتهمت السلفيين (ص١٤٩) بالسعي قبل الوعي والخلط بين الوعظ والعلم، واتهمتهم بأنهم يستخدمون مجالس الوعظ والتذكير بالله للإفتاء مما ينشر الجهل ويفرق المسلمين. ثم رأيناك تستدل بكلامهم: فنقلتَ عن ابن تيمية وابن القيم، وعن الألباني (ص٩٤)، وعن بكر أبي زيد (ص١٥٨)؟ فإن كانوا على جهل فكيف تنقل عنهم، وتستدل بكلامهم؟!! وإن كانوا أهل علم فكيف تتهمهم بالجهل؟!!! السؤال الثالث: ذكرتَ (ص١٣) أن توَجُّه هؤلاء السلفيين المتشددين قد أصبح عائقًا حقيقيًا لتقدم المسلمين ولتجديد خطابهم الديني».

стр. 53

فما المقصود بتجديد الخطاب الديني؟ ومن الذي سيقوم بهذا التجديد؟ وما هي ضوابطه؟ وهل تجديد الخطاب الديني يعني أن نعرض الإسلام على المسلمين أو غير المسلمين من الغربيين وغيرهم بطريقة يفهمونها، مع التمسك بالدين المنزل من عند الله وعدم التبديل فيه كما فعل اليهود والنصارى بدينهم؟ أم أن المقصود بتجديد الخطاب الديني تجديد مضمون الدين نفسه وتمييع أحكام الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: ٩)؟ وهل هذا التجديد يعني أمْرَكَة الخطاب الديني للمسلمين وتقديم نموذج للإسلام العصري العلماني الذي يراه الغرب النموذج الوحيد الصالح الآن لإعماله في البلاد الإسلامية بغرض نقلها من التخلف إلى الحداثة، وإدماجها في العولمة أو النظام العالمي الجديد، وإنقاذها بالطبع من التطرف والإرهاب؟!! السؤال الرابع: اتهمْتَ السلفي (ص١٤) بأنه ينتقل إلى «دور يرى فيه وجوب الانتحار وتفجير نفسه في الناس بالمتفجرات الحقيقية وبالقنابل، ويرى أنه ليس لحياته معنى؛ لأنه يسبح ضد التيار». ونسألك: من هم السلفيون الذين فجروا أنفسهم في الناس بالقنابل والمتفجرات؟ نطالبك بالمستندات وأرقام المحاضر والقضايا يا صاحب الفضيلة!!! أما قولك إن السلفيين يسبحون ضد التيار فهذا محض ادعاء يشهد الواقع بعدم صدقه، فالقاصي والداني يعلم أن التيار يسبح مع السلفيين وأن شعبيتهم في تزايد بفضل الله . السؤال الخامس: ذكرتَ (ص١٤ - ١٥) أن السلفي يرى أنه لابد عليه أن يزيد من نسله وأن يملأ الأرض صياحًا بأطفاله محاولًا بذلك أن يسد ثغرة اختلال الكم، حيث أنه يشعر بأنه وحيد وبأنه قلة، وبأن الكثرة الخبيثة من حوله سوف تقضى عليه وتكتم على أنفاسه، فيحاول أن يفر من ذلك بزيادة النسل، بل ويشيع بين أتباعه وأصحابه هذا المفهوم الذي يحدث معه الانفجار السكاني والتخلف التنموي».

стр. 54

ونسألك: من أين لك تلك التحليلات النفسية؟ ومَن الذين أجريت عليهم تجاربك؟!!! نطالبك يا صاحب الفضيلة بالبينة، نطالبك بالمستندات. ونسألك: مَن قال لك إن السلفيين يشعرون بأنهم قلة، وبأنهم يتهمون الناس بالخبث، وبأن الكثرة الخبيثة من حولهم سوف تقضى عليهم وتكتم على أنفاسهم؟!! إن السلفيين – بفضل الله – يشعرون بحب الناس لهم وثقتهم فيهم، والواقع يشهد بذلك، وما إقبال الناس على مشايخهم وقنواتهم الفضائية منكم ببعيد!!! ولتعلم حب الناس للسلفيين انظر في نتائج انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، وما حصده السلفيون من مقاعد في المرحلتين الأولى والثانية رغم حداثة عملهم السياسي الذي أبهر الأجانب قبل المصريين. السؤال السادس: اتهمت السلفيين (ص١٤ - ١٥) بأنهم يحاولون زيادة النسل، وأنهم يشيعون بين أتباعهم وأصحابهم هذا المفهوم الذي يحدث معه الانفجار السكاني والتخلف التنموي. ونسألك: ما رأيك في حديث النبي ﵌: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكَمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه الإمام أحمد وأبو داود، وصححه الذهبي والألباني). وهل تطبيق حديث النبي ﵌ من الأمر بزيادة النسل، سبب للانفجار السكاني والتخلف التنموي؟!! إن سبب التخلف التنموي هو البعد عن شرع الله وليس زيادة السكان، وإلا فإن هناك بلادًا متقدمة - كاليابان وفرنسا - عدد سكانها أكثر من عدد سكان مصر بينما تقل مساحتها بكثير عن مساحة مصر. ونذكّر المفتي بأن الحد من زيادة نسل المسلمين هدف للغرب يسعون إليه بشتى الطرق. ونذكره أيضًا بأن الحكومة المصرية السابقة كانت مشغولة بمحاربة زيادة النسل بدلًا من التنمية.

стр. 55

السؤال السابع: قلت (ص١٣): «لقد أصبح توجُّه هؤلاء المتشددين عائقًا حقيقيًّا لتقدم المسلمين ... وللتنمية الشاملة التى يحتاجها العالم الإسلامي عامة، ومصر على صفة الخصوص. وهذا التوجه المتعصب أصبح تربة صالحة للفكر المتطرف، وأصلًا للمشرب المتشدد الذي يدعو إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده في خياله الذي غالبًا ما يكون مريضًا غير قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس» انتهى. ونسألك: ألم تعلم يا صاحب الفضيلة - كما يعلم الجميع - أن السلفيين لا يعيشون منعزلين في الصحاري والبراري والجبال بل يشاركون في تنمية المجتمع المصري؟!! فالسلفيون ليسوا في عزلة عن الحياة فإنهم ينتمون إلى جميع التخصصات العلمية والمهنية، فمنهم الطبيب والمهندس والمعلم وأستاذ الجامعة، بل منهم أساتذة في جامعة الأزهر، ومدرسون ووعاظ بالأزهر الشريف، وخطباء ودعاة بوزارة الأوقاف. ونسألك: كيف علمتَ ما يدور في خيال السلفيين؟ وكيف علمتَ أن هذا الخيال غالبًا ما يكون مريضًا؟ السؤال الثامن: قلتَ (ص١٤): «ويتميز هذا الفكر المتشدد بعدة خصائص تؤدى إلى ما ذكرنا، وترسم ذلك الموقف الذي يجب على الجميع الآن – خاصة - أن يقاوموه وأن يعملوا بكل وسيلة على إخراج أولئك من عزلتهم؛ لأنهم لم يعودوا ضارين لأنفسهم فقط، لكن ضررهم قد تعدى إلى مَن حولهم وإلى شباب الأمة ومستقبلها، وإلى المجتمع بأسره».انتهى. ونسألك: ١ - قلت إنه يجب على الجميع الآن - خاصة - أن يقاوموا الفكر السلفي المتشدد، فهل معنى كلامك أن مقاومة السلفيين فرض عَيْن، وليست فرض كفاية؟!!!

стр. 56

٢ - ونسألك أيضًا - بناءً على كلامك -: هل يأثم مَن لم يشارك في مواجهة السلفيين؟!! ٣ - أين يعتزل السلفيون حتى تجعل إخراجهم من عزلتهم واجبًا على الجميع؟!! ٤ - ما هي الأضرار التي أصاب بها السلفيون أنفسهم ومَن حولهم وإلى شباب الأمة ومستقبلها، والمجتمع بأسره؟!! فالواقع يشهد بعكس هذا الكلام. السؤال التاسع: قلتَ (ص١٥): «ومن خصائص هذا الفكر الانعزالي التشدد، فهو يرى أن الحياة خطيئة، وأنه يجب علينا أن نتطهر منها، وأن التطهر منها يكون بالبعد عن مفرداتها، سواء أكانت هذه المفردات هي الفنون أو الآداب أو كانت هذه المفردات هي المشاركة الاجتماعية أو حتى تعلم أساليب اللياقة». ونسألك: ١ - عن أي طائفة منعزلة تتحدث؟ ما هي الطائفة التي ترى أن الحياة خطيئة؟ إن كنت تتحدث عن الصوفية فقد يصدقك الناس، أما السلفيون فإن الواقع يشهد أنهم في منأى عن هذا الوصف، وهو اتهام عارٍ عن الصحة، بعيد عن الواقع. ٢ - ماذا تقصد بالفنون والآداب؟ هل تقصد أن السلفيين يبتعدون عن الغناء والرقص والعري؟ إن كنت تقصد فقد أصبت كبد الحقيقة ولا لوم عليهم في ذلك، بل كان يجب عليك أن تمدحهم بدلًا من أن تذمهم؛ فهم متبعون للشرع في ذلك وليسوا متبعين لهواهم. أما إن كنت تقصد بالفنون والآداب أشياء لم يحرّمها الإسلام كالشِّعر المباح مثلًا، فهاتِ برهانك على أن السلفيين يرون التطهر منها. ٣ - ماذا تقصد بالمشاركة الاجتماعية التي يبتعد عنها السلفيون؟ إن كنت تقصد الحفلات المختلطة مع النساء المتبرجات مثل احتفالك بعيد ميلادك في أحد أندية اللَيُونْز

стр. 57

الماسونية بين الممثلين والمغنين؟ إن كنت تقصد ذلك فحُق للسلفيين أن ينعزلوا عن مثل هذه المشاركات. السؤال العاشر: قلْتَ (ص١٦) إن الأشعرية «هي عقيدة أغلب المسلمين في مجال الاعتقاد» (١). وهذا ادعاء لا دليل عليه. واتهمْتَ السلفيين (ص ١٦) بأنهم يقلدون في العقائد، وأساس الاتهام أنك أشعري وأول واجب عند الأشاعرة هو النظر أو القصد إلى النظر أو أول جزء من النظر أو ... إلى آخر فلسفتهم المختلف فيها بينهم، وعندهم أن الإنسان إذا بلغ سن التكليف وجب عليه النظر ثم الإيمان، واختلفوا فيمن مات قبل النظر أو في أثنائه، أيُحْكمُ له بالإسلام أم بالكفر؟! وينكر الأشاعرة المعرفة الفطرية ويقولون إن من آمن بالله بغير طريق النظر فإنما هو مقلد ورجح بعضهم كفره، واكتفى بعضهم بتَعْصِيَتِه. وقد نقل الحافظ ابن حجر ﵀ أقوالًا كثيرةً في الرد عليهم، وأن لازم قولهم تكفير عوام المسلمين بل تكفير الصدر الأول من الصحابة والتابعين (٢). ونسأل المفتي: أ- ما رأيكم في إيمان الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﵌، قبل أن يولد الأشاعرة وقبل أن يولد المفتي، ولم يُلْزِمهم الرسول ﵌ بما ألزم به الأشاعرة - ومنهم فضيلة المفتي – جموع المسلمين. فهم آمنوا بالله بغير طريقة الأشاعرة. فهل الصحابة ﵃ مقلدون متشددون عند الأشاعرة وعند فضيلة المفتي؟

стр. 58

ب- عامة المسلمين يؤمنون بالله وبرسوله ﵌ بالفطرة وعلى غير طريقة الأشاعرة وتعقيداتهم فهل يتهمهم المفتي بأنهم مقلدون أيضًا؟. وما هو رأي المفتي – بصفته أشعريًا في حكم إيمان المقلد الذي آمن بالله بغير طريق النظر الذي يوجبه هو والأشاعرة، هل المقلد كافرٌ أم عاصٍ؟ إن أول واجب على المكلف هو توحيد الله وعبادته كما تضمنته شهادة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى اليَمَنِ، قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ» (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية للبخاري: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ». وفي رواية للبخاري: «فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ». وفي رواية لمسلم: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ». قال الإمام ابن المنذر ﵀: «وأجمع كل من نحفظ عنه أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ولم يَزِدْ على ذلك شيئًا أنه مسلم» (١).

стр. 59

وننقل هنا أيضًا كلامًا نفيسًا للإمام القرطبي في تفسيره نُهْدِِيه للمفتي لنَرُدّ به اتهامه للسلفيين بأنهم يقلدون في العقائد، قال الإمام القرطبي: «ذَهَبَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِف اللهَ تَعَالَى بِالطُّرُقِ الَّتِي طَرَقُوهَا وَالْأَبْحَاث الَّتِي حَرَّرُوهَا لَمْ يَصِحّ إِيمَانه وَهُوَ كَافِر؛ فَيَلْزَم عَلَى هَذَا تَكْفِير أَكْثَر الْمُسْلِمِينَ , وَأَوَّل مَنْ يَبْدَأ بِتَكْفِيرِهِ آبَاؤُهُ وَأَسْلَافه وَجِيرَانه. وَقَدْ أُورِدَ عَلَى بَعْضهمْ هَذَا فَقَالَ: «لَا تُشَنِّع عَلَيَّ بِكَثْرَةِ أَهْل النَّار». أَوْ كَمَا قَالَ. قُلْت (١): وَهَذَا الْقَوْل لَا يَصْدُر إِلَّا مِنْ جَاهِل بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّة نَبِيّه ﵌ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ رَحْمَة اللهِ الْوَاسِعَة عَلَى شِرْذِمَة يَسِيرَة مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ , وَاقْتَحَمُوا فِي تَكْفِير عَامَّة الْمُسْلِمِينَ. أَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْل الْأَعْرَابِيّ الَّذِي كَشَفَ عَنْ فَرْجه لِيَبُولَ , وَانْتَهَرَهُ أَصْحَاب النَّبِيّ ﵌: «اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَم مَعَنَا أَحَدًا». فَقَالَ النَّبِيّ ﵌: «لَقَدْ حَجَرْت وَاسِعًا». خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَئِمَّة (٢).

стр. 60

أَتُرَى هَذَا الْأَعْرَابِيّ عَرَفَ اللهَ بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَان وَالْحُجَّة وَالْبَيَان؟ وَأَنَّ رَحْمَته وَسِعَتْ كُلّ شَيْء (١) , وَكَمْ مِنْ مِثْله مَحْكُوم لَهُ بِالْإِيمَانِ. بَلْ اِكْتَفَى ﵌ مِنْ كَثِير مِمَّنْ أَسْلَمَ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ , وَحَتَّى إِنَّهُ اِكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ فِي ذَلِكَ. أَلَا تَرَاهُ لَمَّا قَالَ لِلسَّوْدَاءِ: «أَيْنَ اللهُ؟»، قَالَتْ: «فِي السَّمَاء». قَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، قَالَتْ: «أَنْتَ رَسُول اللهِ». قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (٢). وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَظَر وَلَا اِسْتِدْلَال , بَلْ حَكَمَ بِإِيمَانِهِمْ مِنْ أَوَّل وَهْلَة , وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عَنْ النَّظَر وَالْمَعْرِفَة غَفْلَة. وَاَللهُ أَعْلَم» (٣). وبعد كلام الإمام القرطبي نسأل القارئ الكريم: هل أغلب المسلمين آمنوا كما آمن الأعرابي والأمة السوداء التي شهد لها النبي ﵌ بالإيمان، أم آمنوا بِالطُّرُقِ الَّتِي طَرَقهَا الأشاعرة وَالْأَبْحَاث الَّتِي حَرَّرُوهَا؟!! ومن إجابة هذا السؤال تتبين إجابة السؤال التالي: هل صحيح ما قاله المفتي من أن الأشعرية هي عقيدة أغلب المسلمين؟!!!

стр. 61

مناقشة هادئة لبعض مسائل كتاب المفتي المسألة الأولى قوله إن السلفيين يصفون الله بالمكان قال المفتي (ص٢١): «من الأشياء التي يُصِر عليها من يُسمّون أنفسهم بالمتشددين (١) وَصْفُ الله بالجهة والمكان، ويزعمون إثبات الفوقية المكانية له . وهذا الإصرار منهم يتعارض مع ما ينبغي أن يكون عليه تنزيه الله ». الجواب: ادعاؤه أن السلفيين أثبتوا لله المكان، قول باطل، لم يَقُلْه أحدٌ منهم؛ لأنه لم يثبت في القرآن ولا في السنة، وإنما يثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفة العلو وغيرها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ اللهَ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَكَمَا عُلِمَ الْمُبَايَنَةُ وَالْعُلُوُّ بِالْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ الْمُوَافِقِ لِلْمَنْقُولِ الصَّحِيحِ وَكَمَا فَطَرَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ خَلْقَهُ؛ مِنْ إقْرَارِهِمْ بِهِ وَقَصْدِهِمْ إيَّاهُ » (٢).

стр. 62

وقد ذكر الإمام صدر الدين ابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية، وهي عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي (١) أنّ الْأَدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الْقَطْعِيَّةَ عَلَى عُلُوِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ تَزِيدُ عَلَى أَلْفِ دَلِيلٍ (٢). وذكر أن النصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه، وكونه فوق عباده تقرب من عشرين نوعًا (٣). وقسمها إلى ثمانية عشر نوعًا وذكر أدلة كل نوع، ثم قال: «وهذه الأنواع من الأدلة لو بُسِطَتْ أفرادها لَبَلَغَتْ نحو ألف دليل، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله! وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك!» (٤). وكتاب الله به الكثير من النصوص الدالة على علوه بذاته فوق جميع مخلوقاته، ومن ذلك: أولًا: التصريح باستوائه على عرشه جاء ذلك في سبعة مواضع في القرآن العزيز: ١ - قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥). ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف: ٥٤).

стр. 63

٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (يونس:٣). ٤ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الرعد:٢). ٥ - قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ (الفرقان: ٥٨ - ٥٩). ٦ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (السجدة:٤). ٧ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الحديد:٤). ثانيًا: التصريح بلفظ العَلِيّ والأعْلَى، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة:٢٥٥). وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (الحج:٦٢)، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (الأعلى:١). ثالثًا: التصريح بلفظ الفوقية في عدة مواضع، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام:١٨ (، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل:٥٠). رابعًا: التصريح بصعود الأشياء إليه ، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:١٠). وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (آل عمران:٥٥)، وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ

стр. 64

رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء:١٥٧ - ١٥٨)، وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (المعارج:٤). خامسًا: التصريح بنزول الأشياء من عنده ، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الزمر:١). وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ (الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥). ووجه الاستدلال بهذين النوعين الرابع والخامس أنه لا يُعْقَل الصعود والرفع إلا من أسفل إلى أعلى، ولا يعقل النزول والتنزيل إلا من أعلى إلى أسفل. سادسًا: التصريح بأنه في السماء، قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦ - ١٧). وعندما نقول: إن الله في السماء ليس معنى ذلك أن السماء تحيط به، أو كما يعبر هؤلاء بأن الله ساكن السماء! تعالى الله عن ذلك علوً كبيرًا. بل نقول: إن الله في السماء يعني على السماء، وفوق السماء، مستوٍ على عرشه ، كقول الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (النمل:٦٩) أي: على الأرض. ونقل الإمام البيهقي عن الشيخ أبي بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه قوله: «قد تضع العرب (في) بموضع (على)؛ قال الله : ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (التوبة:٢)، وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (طه:٧١)، ومعناه: على الأرض

стр. 65

وعلى النخل، فكذلك قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أي على العرش فوق السماء، كما صحت الأخبار عن النبي ﵌» (١). أما السنة: فهي مليئة بالأحاديث الدالة على علو الله على خلقه منها: أولًا: إخباره ﵌ أن الله في السماء، قال ﵌: «أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً» (رواه البخاري ومسلم). وقال ﵌ للجارية: «أَيْنَ اللهُ؟»، قَالَتْ: «فِي السَّمَاء». قَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، قَالَتْ: «أَنْتَ رَسُول اللهِ». قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (رواه مسلم). وجه الاستدلال من هذا الحديث أن رسول الله ﵌ شهد لها بالإيمان لما قالت إن الله في السماء. وقال أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين في نصيحته لمشايخه من الأشاعرة: «فمَن تكونُ الراعيةُ أعلمَ باللهِ منه لكوْنه لا يعرف وجهة معبوده، فإنَّه لا يزال مظلمَ القلب، لا يستنيرُ بأنوار المعرفة والإيمان» (٢). ثانيًا: لما خطب ﵌ في المجمع العظيم في حجة الوداع «قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثالثًا: من أدلة علو الله تعالى حديث معراج النبي ﵌ وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم (٣) وهو صريح في ذلك؛ لأن جبريل ﵇ كان يصعد بالرسول ﵌

стр. 66

من سماء إلى سماء حتى انتهى إلى السماء السابعة، وتجاوزها إلى سدرة المنتهى، ثم إلى البيت المعمور، وكل ذلك وهو في صعود، وهذا دليل على أن الله ﵎ عالٍ على جميع مخلوقاته بذاته، مستوٍ على عرشه الذي هو أعلى مخلوقاته. أما العقل: فإنه يدل على أن الله في العلو من وجهين: أولًا: إن العلو صفة كمال، والله له صفات الكمال من كل وجه كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم:٢٧)، فوجب ثبوت العلو له . الثاني: أنه إذا انْتَفَتْ صفة العلو ثبتت صفة السفل لتقابلهما، وصفة السفل صفة نقص والله تعالى منزه عن كل نقص. ويقال لِمُنْكِر عُلُوّ الله: إما أن يكون الله موجودًا وإما أن يكون غير موجود - تعالى الله عن ذلك - وعلى كِلَا التقديرَيْن يُلْزَم مُنْكِر العلو ببطلان قولِه؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون الله في العلو أو في السُفل، وكونه في السُفل باطل لأنه يلزم منه أن يكون الله حَالًّا في مخلوقاته وهذا كفر بإجماع السلف، فلم يبْقَ إلا القسم الثاني وهو كَوْنُه في العلو، فيتعين اعتقاد العلو. ويقال أيضًا لِمُنْكِر العلو: لا يخلو الحال من أن يكون اللهُ فوق أو تحت أو يمين أو يسار أو أمام أو خلف فيُنْظَر أي الجهاتِ أشرف فنجد أن العلو هو الأشرف والله مستحق للأشرف، فيتعين كونه في جهة العلو. أما الفطرة: فإن العقلاء جميعهم مفطورون على التوجه إلى العلو عند الدعاء واللّجاء والاضطرار، مما يدل قطعًا على أن الله في العلو، فما من داع أو خائف إلا فزع

стр. 67

إلى ربه نحو السماء لا يلتفت عنه يمنة ولا يسرة، والمسلمون في سجودهم يقول القائل منهم: «سبحان ربي الأعلى» فلا يجد من قلبه إلا الاتجاه نحو السماء. ويشهد لذلك ما جرى بين المُحَدِّثُ أَبُي جَعْفَرٍ الهَمَذَانِيّ وإمام الحرمين أبي المعالي الجويني حيث حضَر المُحَدِّثُ أَبُو جَعْفَرٍ الهَمَذَانِيّ فِي مَجْلِسِ وَعظِ أَبِي المَعَالِي الجويني، فَقَالَ: «كَانَ اللهُ وَلاَ عرش، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ» (١). فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: «أَخْبِرْنَا يَا أسْتَاذ عَنْ هَذِهِ الضَّرُوْرَة الَّتِي نَجدُهَا، مَا قَالَ عَارِفٌ قَطُّ: يَا الله! إِلاَّ وَجَد مِنْ قَلْبِهِ ضَرُوْرَة تَطلب العلوَّ وَلاَ يَلتَفِتُ يَمنَةً وَلاَ يَسرَةً، فَكَيْفَ نَدفَعُ هَذِهِ الضَّرُوْرَة عَنْ أَنْفُسنَا؟»، أَوْ قَالَ: «فَهَلْ عِنْدَك دوَاءٌ لدفعِ هَذِهِ الضَّرُوْرَة الَّتِي نَجدُهَا؟». فَقَالَ: «يَا حَبِيْبِي! مَا ثمَّ إِلاَّ الحَيْرَة». وَلطم عَلَى رَأْسِه، وَنَزَلَ، وَبَقِيَ وَقت عَجِيْب، وَقَالَ فِيمَا بَعْد: «حيَّرنِي الهَمَذَانِيّ» (٢).

стр. 68

أقوال الأئمة الأربعة في مسألة العلو: ١ - قال الإمام أبو حنيفة ﵀: «من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر , وكذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض» (١). ٢ - قال الإمام مالك ﵀: «الله في السماء وعلمه في كل مكان» (٢). ٣ - قال الإمام الشافعي ﵀: «القول في السُّنَّة التي أنا عليها ورأيتُ أصحابَنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم - مثل سفيان ومالك وغيرهما - الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمدًا رسول الله وأن الله تعالى على عرشه في سمائه» (٣). ٤ - قال الإمام أحمد ﵀: «نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حدّ ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد , فصفات الله منه وله وهو كما وصف نفسه لا تدركه الأبصار» (٤). وقال الإمام أبو عمر ابن عبد البر المالكي عن قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ (المجادلة:٧) قال: «عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ حَمَلْتُ عَنْهُمُ

стр. 69

التَّأْوِيلَ فِي الْقُرْآنِ قَالُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ: «هُوَ عَلَى الْعَرْشِ، وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمَا خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ» (١). وممن نقل الإجماع على ذلك الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي حيث قال: «قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سمواته» (٢). وروى البيهقي بإسناد صحيح أن الإمام الأوزاعي قال: «كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله - تعالى ذِكْرُه - فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا» (٣). وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زُرْعَة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك فقالا: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبهم أن الله ﵎ على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﵌ بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» (٤).

стр. 70

وأعتذر عن الإطالة في النقول (١) وما فعلتُ ذلك إلا ليعلم القارئ أين يقف المفتي وأين يقف السلفيون، وليقيس على ذلك بقية المسائل التي سيكون الرد عليها مختصرًا إن شاء الله تعالى. ونسأل المفتي: هل الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء الذين نقلوا إجماع المسلمين على خلاف عقيدة المفتي كلهم متشددون؟!!!

стр. 71

المسألة الثانية المتشددون ينتقصون الأشاعرة قال المفتي (ص٢٤): «من مصائب (١) هذا التيار المتشدد أنهم اتهموا الأشاعرة بأنهم فرقة ضالة، وهنا يتجلى فكر الخوارج الذي لا يعبأ بأن يخرج على جماعة المسلمين وينتقصهم ويزعم أنهم على ضلالة ويدعي الحق لنفسه». الجواب: أولًا: سبحان الله!!! ما المصيبة في إظهار الحق؟ وهل بيان مخالفة الأشاعرة لمنهج النبي ﵌ خروجٌ على جماعة المسلمين واعتناقٌ لفكر الخوارج!!! ثانيًا: من هم الأشاعرة؟ الأشاعرة فرقة تنتسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري ﵀، وقد مر الأشعري بثلاث مراحل، وهي باختصار: مرحلة الاعتزال، ثم متابعة ابن كلاب، ثم موافقة أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل. وقد صرح أبو الحسن الأشعري بهذا الموقف الأخير في كتبه الثلاثة: رسالة إلى أهل الثغر، ومقالات الإسلاميين، والإبانة. فمن تابع الأشعري على هذه المرحلة، فهو موافق لأهل السنة والجماعة في أكثر المقالات، ومن لزم طريقته في المرحلة الثانية، فقد خالف الأشعري نفسه، وخالف أهل السنة في العديد من مقالاتهم (٢).

стр. 72

ثالثًا: تأمل إنصاف السلفيين الذين يتهمهم المفتي بأنهم أصحاب مصائب!!، فقد قال الشيخ ابن باز ﵀: «الفِرَق المخالفة لأهل السنة متفاوتون في أخطائهم , فليس الأشاعرة في خطئهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية بلا شك , ولكن ذلك لا يمنع من بيان خطأ الأشاعرة فيما أخطأوا فيه ومخالفتهم لأهل السنة في ذلك كما قد بُيِّنَ خطأُ غيرهم لإظهار الحق وبيان بطلان ما يخالفه تبليغًا عن الله سبحانه وعن رسوله ﵌ وحذرًا من الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ (البقرة:١٥٩) (١). وجاء في فتوى للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية والتي صدرت بعضوية الشيخ عبد الله بن قعود، والشيخ المصري الأزهري عبد الرزاق عفيفي نائبًا للرئيس (٢)، وبرئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز:

стр. 73

«موقفنا من أبي بكر الباقلاني والبيهقي وأبي الفرج بن الجوزي وأبي زكريا النووي وابن حجر وأمثالهم ممن تأول بعض صفات الله تعالى أو فَوَّضُوا في أصل معناها - أنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم؛ فرحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة ﵃ وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي ﵌ بالخير، وأنهم أخطأوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة ﵏» (١). رابعًا: إن كان من مصائب السلفيين أنهم بيَّنوا أخطاء الأشاعرة، فما رأي المفتي في الحافظ ابن حجر الذي بيّن أخطاء الأشاعرة؟!! أم أنه يعتبره من المتشددين؟!!! فمن المعلوم أن إمام الأشعرية المتأخر الذي ضبط المذهب وقعد أصوله هو الفخر الرازي، ثم خلفه الآمدي والآرموي فنشرا فكره في الشام ومصر واستوفيا بعض القضايا في المذهب. وقد ترجم الحافظ ابن حجر للرازي والآمدي في (لسان الميزان) وقد أورد نقولًا كثيرة موثقة عن ضلالهما وشنائعهما التي لا يقرها أي مسلم فضلًا عمن هو في علم الحافظ وفضله، وذكر طرفًا من شنائع الآرموي ضمن ترجمة الرازي. وقال في آخر ترجمة الرازي: «أوصى بوصية تدل على أنه حسّن اعتقاده». ووصية الرازي التي نقلها السبكي الأشعري نفسه في (طبقات الشافعية الكبرى) صريحة في رجوع الرازي إلى مذهب السلف.

стр. 74

والحافظ ابن حجر في (فتح الباري) قد نقد الأشاعرة باسمهم الصريح وخالفهم فيما هو من خصائص مذهبهم، فمثلًا خالفهم في الإيمان، ونقَدَهم في مسألة المعرفة وأول واجب على المكلف في أول كتابه وآخره (١). كما أنه نقد شيخَ الأشاعرة في التأويل (ابنَ فُورَك) في تأويلاته التي نقلها عنه في شرح كتاب التوحيد في (فتح الباري)، وذمَّ التأويلَ والمنطقَ مرجحًا منهج الثلاثة القرون الأولى، كما أنه يخالفهم في الاحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة وغيرها من الأمور (٢). خامسًا: مع أن المفتي يتهم السلفيين بأنهم خوارج - وهم بريئون من ذلك - فقد أجاز (ص١٧) التعبد بمذهب الإباضية وهم فرقة من الخوارج (٣) يقولون بخلق القرآن كما جاء في كتبهم قديمًا وحديثًا، وقد وافقوا الخوارج في ذلك، ويظهر من خلال كتبهم تعطيل الصفات مثل إنكار رؤية الله في اليوم الآخر وتعطيل الصفات عمومًا، والإباضية تقول بتخليد العاصي في نار جهنم، وهي بذلك تتفق مع بقية الخوارج والمعتزلة في تخليد العصاة في جهنم، لكن الإباضية تحكم عليه في الدنيا بأنه كافر كفر نعمة - أو كفر نفاق. ومن الأمور التي يتفقون عليها إنكار الشفاعة لعصاة الموحدين، لأن العصاة - عندهم - مخلدون في النار، فلا شفاعة لهم حتى يخرجوا من النار، وكل ذلك معارضَةٌ لما تواتر عن النبي ﵌ من الشفاعة لأهل الكبائر (٤).

стр. 75

سادسًا: أنكر المفتي (ص٢٤) على السلفيين الرد على الأشاعرة وسماه انتقاصًا لهم، ومن المعلوم أن الفخر الرازي هو إمام الأشعرية المتأخر الذي ضبط المذهب وقعَّد أصوله، فما رأي المفتي في تشكيك الرازي في روايات الصحابة ﵃ وقوله إنها لا تفيد القطع واليقين؟ (١) فهل هذا من كبير الأشاعرة انتقاص للصحابة ﵃؟ نريد رأي المفتي!! سابعًا: اتهم المفتي السلفيين ظلمًا (ص١٦) بأنهم يفسقون الناس ويكفرونهم، ويَدْعون إلى منابذتهم ومحاربتهم، وهذا الكلام من المفتي يشهد الواقع بأنه منابذ للحقيقة. ونسأل المفتي: ما رأيكم في قول الأشاعرة إن مِن أنواع الشرك قولَ الناس إن النار تحرق، والطعام يُشبِع، والثوب يَستُر، وما رأيكم في قول الأشاعرة إن من قال إن هذه الأشياء بطبعها تفعل فلا خلاف في كفره، وإنّ من قال إن هذه الأشياء تفعل بقوة جعلها الله فيها كان مبتدعًا، وقد اختلف الناس في كفره (٢). ألا يُعدّ هذا القول من الأشاعرة تكفيرًا لمعظم المسلمين!
следующие страницы →