← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9675

مباحث في إعجاز القرآن

مصطفى مسلم

Полный текст (302 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الطبعة الثالثة إن الحمد لله أحمده وأستعينه وأسترشده وأصلي وأسلم على نبيه المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه البررة الأطهار ومن تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. وبعد: فقد كان من فضل الله عليّ وإنعامه أن كتب لهذا الكتاب شيئا من القبول والرواج في بعض الجامعات وطلبت بعض الجهات ترجمته إلى بعض اللغات، وطلبت بعض دور النشر إعادة طباعته. ولما كانت تجربتي سابقة مع دار القلم في دقة الطبع وحسن الإخراج والالتزام بطبع الآيات بخط المصحف وغيرها من المزايا، بالإضافة إلى الاستقامة في التعامل المعروف بها صاحبها الأستاذ محمد علي دولة- حفظه الله- رأيت إيثارها على غيرها من دور النشر، دعما لجهودها في خدمة الشريعة الإسلامية عامة وخدمة كتاب الله خاصة. فأسأل الله أن يكلل مساعيها بالنجاح وأن يثبت القائمين عليها على النهج القويم. ولا يفوتني أن أقول: إن هذه الطبعة (الثالثة) قد زيد فيها في مبحث الإعجاز الغيبي بعض القضايا والأمثلة التي رأيت ضرورة إضافتها. والله أسأل أن يوفقنا لخدمة كتابه، وأن يجعل عملنا صالحا لوجهه الكريم، وأن يجعل ما نقول ونكتب حجة لنا لا علينا وأن يفيد به طلاب العلم، وأن لا يحرمنا من دعواتهم الصالحة في ظهر الغيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. المؤلف

стр. 2

مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فإن عودة المسلمين إلى كتاب ربهم في العقود الأخيرة من هذا القرن أصبحت حقيقة واقعة والإقبال على الدراسات القرآنية أصبحت ظاهرة لافتة للنظر، وافتتاح مدارس تحفيظ القرآن وإقامة الحلقات المسجدية لمدارسة القرآن الكريم ونشر علومه عمت بلاد المسلمين. وانطلقت الصحوة الإسلامية في أقطار الأرض تكتسح الجامعات والطبقات الاجتماعية المختلفة وعلى رأسها طبقات الشباب، وأدرك المسلمون أن لا مكان لهم على وجه الأرض ما لم يحددوا هويتهم الحضارية ويثبتوا استقلالهم الفكري ويثبتوا شخصيتهم وذاتهم وأدركوا أن ذلك لا يتم إلا بالعودة إلى المنهل الصافي والمورد العذب إلى الوحي الإلهي من الكتاب والسنّة. ولما كان التطبيق العملي لهدايات القرآن الكريم لا يتم إلا بعد فهم نصوصه والإحاطة بتوجيهاته، كان لزاما على علماء المسلمين عامة وعلى المتخصصين في علوم القرآن الكريم خاصة أن يتناولوا كل ما يتصل بالقرآن الكريم من حيث الشكل والمضمون، ومن حيث الأداء والترتيل، ومن حيث الفهم والاستنباط، فإن ذلك كله مقومات ومقدمات للالتزام والتطبيق. ولئن كانت تلك الدراسات والجهود تتم على مستوى الأفراد والمؤسسات العلمية والأصعدة الشعبية، فإن المستويات الرسمية والدول لا زالت تتوجس خيفة من الالتزام بهدايات القرآن في أنظمة الدولة السياسية

стр. 3

والاقتصادية والاجتماعية في السلم والحرب لا إنكارا وجحودا للهدايات القرآنية وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ولكن خوفا على مصالحهم وعلى مناصبهم وهيئاتهم من المتنفذين في مصير الدول والشعوب من طواغيت الكفر، ولو اطمأن هؤلاء الحكام إلى وعد ربهم وأيقنوا حتمية سننه في مخلوقاته لبادروا إلى التطبيق والالتزام. يقول ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) [المائدة: ٥١ - ٥٦]. ولما كان موضوع إعجاز القرآن من الموضوعات الحيوية المتجددة لتعلقه بصحة الرسالة وصدق الرسول الذي جاء بها، وإقامة الحجة والبرهان في كل عصر وعلى الناس قاطبة في كل مكان، بما يتناسب مع مدارك الناس العلمية ومعطيات الحضارة والتقدم العلمي، فإن التأليف فيه قد كثر وشمل المجالات العامة والتخصصية. ولما نفذت الطبعة الأولى من كتاب (مباحث في إعجاز القرآن) رأيت إعادة طباعته ثانية بعد إعادة النظر في بعض مباحثه وزيادة بعض فقراته واستدراك الأخطاء المطبعية في الطبعة الأولى وذلك مساهمة في الجهود المبذولة لخدمة كتاب الله، وإقامة الحجة على المتقاعسين عن تطبيق هداياته وتسليحا للدعاة إلى الله بسلاح المعرفة القرآنية في معركتهم مع أعداء القرآن

стр. 4

وامتثالا لقول الله تعالى: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) [الفرقان: ٥٢]. وأشكر للقائمين على دار المسلم وعلى رأسهم الأخ الدكتور عمر المديفر اهتمامهم بالكتاب وإخراجه اللائق بمضمونه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الرياض في ١٨ شعبان ١٤١٥ هـ المؤلف

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بين يدي المباحث إن الحمد لله أحمده وأستعينه وأسترشده، وأعوذ بالله من شرور نفسي ومن سيئات عملي. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين الذي جاء بالمحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. ورضي الله عن الآل والأصحاب البررة الذين قاموا بالقرآن آناء الليل وأطراف النهار، وحملوا راية الجهاد لنشر تعاليم القرآن في الآفاق فكانوا جيل الشهادة. وبعد: فلما قرر تدريس مادة (إعجاز القرآن) في قسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، أسند إليّ تدريس هذه المادة، وكانت فقرات المنهج المقرّر قريبة من محتوى رسالتي (إعجاز القرآن) التي تقدمت بها لنيل شهادة الدكتوراة من كلية أصول الدين بالأزهر، قمت بمراجعة المباحث الموجودة في الرسالة وأعدت فيها النظر اختصارا وإضافة لتتناسب وفقرات المنهج المقرر، ثم رأيت نشر هذه المباحث لتعم بها الفائدة إن شاء الله تعالى. أما الرسالة الأم فإني بصدد إعادة النظر في بعض مباحثها وخاصة ما يتعلق منها بالإعجاز العلمي، ولعلها تقدم للنشر قريبا بإذن الله تعالى. المؤلف

стр. 6

مقدمة في مكانة الإنسان بين المخلوقات الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد، فقد خلق الله الإنسان كرّمه على سائر المخلوقات، وتتجلى صور التكريم في: ١ - خلقه: القوام المتناسق في أحسن تقويم: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) [التين: ٤]. يتجلى ذلك في: (انتصاب القامة، الجمجمة، اليدين وتركيب الأصابع، والرجلين، الوجه ..... ). ٢ - خلقه: الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها بمعنى الاستعداد للرقيّ والكمالات الروحية والخلقية، لديه الاستعداد للتسامي ليكون في أعلى عليين، ولديه الاستعداد ليكون في أسفل سافلين من دركات الانحطاط النفسي والخلقي فيكون أخبث الموجودات. إن الإنسان لديه الاستعداد لأن يتصف بالحقد والحسد والغش والكبر والرياء والطمع والبطر والخيلاء والضعف والمداهنة والمكر .. ولديه الاستعداد ليتصف بأضداد هذه الخصال. ويمكنه أن يشغل أكثر من حيز بين هذه الأوصاف أو يخلط بينها. بينما لا يتصف الحيوان في الغالب إلا بصفة من هذه الصفات. ٣ - ملكة البيان: قال تعالى: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) [الرحمن: ١ - ٤].

стр. 7

إن القدرة على التعبير عما في النفس من خصائص الإنسان الكبرى سواء كان المراد التعبير عن الحاجات العضوية من الطعام والشراب، أو عن الأفكار والمبادئ والمعتقدات، أو التعبير عن العواطف والمشاعر. أما الحيوانات فلا تصدر إلا بعض الأصوات للتعبير عن حاجة ما، ومن الصعوبة بمكان تعويده على بعض الأصوات للتعبير عن عادات، أو ربطها ببعض الظروف فتكون رد فعل على بعض التصرفات الموجهة إليه. ولا يقاس هذا بما لدى الإنسان من النطق بحروف الهجاء التي يستطيع بواسطتها من تركيب كلمات وإيجاد ألفاظ ليتحدث بأي لغة من لغات العالم بها. ٤ - علمه: إن الاستعداد الفطري لدى الإنسان لتلقي العلوم واستيعابها ثم تحليلها والاستنتاج منها أو تركيبها وإدراك القوانين المتبعة في سنن الكون والحياة، واستخلاص العبر من أحداث التاريخ ورسم الخطا للمستقبل، وتسخير سنن الله في الكون لمصالحه المادية والمعنوية. كل ذلك يجعله سيد المخلوقات وإطلاق العنان لطاقاته في تسخير الكون لصالحه ولا يزال الإنسان جاهدا في إدراك أسرار هذا الكون في الآفاق والأنفس يقول تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق: ٥]، ويقول : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١]، ويقول عز من قائل: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان: ٢٠]. ٥ - إرادته وطرق الخيار لديه: كلما اتسعت دائرة العلم لدى الكائن الحي اتسع مجال الاختيار عنده ولما كان الإنسان أكثر علما فهو أوسع إرادة لذا فهو يستطيع أن يتصرف أمام الحادث الواحد بأكثر من أسلوب ويستطيع اختيار الطريق الأنسب لمصالحه وتحقيق رغباته. فإذا جوبه بالاعتداء عليه: قد ينتقم أو يعفو، وقد يكظم غيظه أو

стр. 8

يظهره، وقد يداري في وقت ليترك الانتقام إلى الفرصة المؤاتية، وقد يجبن ويتخاذل ويستسلم، وقد يردّ بالمثل أو يطغى، وقد يترفع في الرد أو يسف، إلا أن مواقف الحيوان محدودة ولا يكون في الغالب إلا تصرف واحد تجاه الحادث الذي يتعرض له. يقول تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) [الإنسان: ٣] إن الإنسان الذي خلقه الله بهذه المثابة وأودع فيه هذه الطاقات والقدرات وأكرمه هذا التكريم وجعل له السيادة على مخلوقاته لم يخلقه عبثا ولن يتركه هملا يقول تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) [المؤمنون: ١١٥] ويقول : أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) [القيامة: ٣٦] إن كل ميزة تقابلها مسئولية وتكليف وعلى قدر عظم نعم الخالق على المخلوق تأتي التكاليف بأمور العبودية يقول تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (٧٢) [الأحزاب: ٧٢]. إن الأمانة كما فسرها كثير من المفسرين هي تكاليف العبودية لله : إذن السيادة على الكون، والتكريم بالطاقات والقدرات قوبلت بحمل تكاليف العبودية والاستخلاف في الأرض، وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) [الذاريات: ٥٦] وكلما حقق الإنسان صفة العبودية في نفسه لله ، كان أقرب إلى الوفاء بأداء مستلزمات الأمانة وإيفاء العهد والقيام بالدور المنوط به، وكلما ابتعد عن صفات العبودية لله تعالى كان تقصيره وتقاعسه في أداء دوره الذي خلق من أجله. لهذا نجد الآيات الكريمة تخاطب سيد الأنبياء والمرسلين في مقامات التكريم والقرب بصفة العبودية يقول تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) [الإسراء: ١] ويقول جل شأنه: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى

стр. 9

(٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) [النجم: ٥ - ١٠] وفي معرض الحديث عن رسالته وتكريمه بإنزال القرآن عليه يقول عز شأنه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) [الكهف: ١]. ويقول: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) [البقرة: ٢٣]. ونجد الآيات الكريمة تصم من ترك مستلزمات العبودية وتنكب لأداء الأمانة ونكص على عقبه بأشد النعوت وتخرجهم عن دائرة الإنسان المكرّم وتلحقه بالدواب والعجماوات، يقول تعالى:* إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) [الأنفال: ٢٢]. ويقول جل شأنه: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الأعراف: ١٧٩]. وقال جل شأنه: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) [الجمعة: ٥]. وطريق التعرف على الأمانة التي كلّف الإنسان بها والتعرف على تفاصيل التكاليف المنوطة بالإنسان، والتعرف على أسلوب الأداء لهذه التكاليف على أكمل وجه، كل ذلك يتمثل في الصفوة المختارة من البشر لحمل الأمانة العظمى تمثّلها في سلوكهم وحياتهم الخاصة أولا، ثم تبليغها للآخرين دعوة وتطبيقا عمليا ليكونوا القدوة المثلى، والجهاد في سبيلها لحمل الناس على اعتناقها والالتزام بها، إنهم رسل الله عليهم الصلاة والسلام، الذين يمثلون ذروة الكمال البشري، لأنهم يمثلون ذروة العبودية لله تعالى ويقومون بأعظم مهمة في الوجود وهي مهمة إرشاد الإنسان إلى الطريق الصحيح لتحقيق إنسانيته وللإبقاء على الفطرة الإنسانية سليمة من أدران البهيمية، وللأخذ بأيدي الناس إلى طريق الكمالات البشرية.

стр. 10

من كل ما تقدم تظهر لنا حاجة الإنسانية إلى الرسالة لتتضح أمامها معالم الرشد والهدى وليعرف الناس الحكمة من إيجادهم، وتظهر الهدايات الربانية لحل مشاكل البشرية، كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) [البقرة: ٢١٣]. وبما أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون الرسل بشرا يوحى إليهم، كانت الحاجة إلى آيات ودلائل تبيّن صدقهم فيما يبلّغون عن ربهم، وتقيم الحجة على الناس، لذا كانت المعجزة قرينة الرسالة، ولولا المعجزة لأشكل الأمر على الناس والتبس أمر الصادق بغيره، ولما سلمت الدعوات من مدّعين كاذبين. وتأييد الرسول بآية صدق سنّة إلهية في رسالات الأنبياء جميعا، والقرآن الكريم يوضح هذه السنة ويقررها كما ورد في قصص الأنبياء والأمم السابقة. ولم يؤاخذ الأقوام عند ما طالبوا رسلهم بالآيات الدالة على صدقهم، إنما آخذهم عند ما عطلوا ملكاتهم العقلية ولم يتدبروا أثر الحكمة والتدبير فيما حولهم، أو أصرّوا على نوع معيّن من الآيات من قبل العناد والجمود على العادات الجاهلية الموروثة من الآباء الذين لم يكونوا على هدى من ربهم.

стр. 11

المبحث الأول المعجزة تمهيد: لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة مصطلح المعجزة، وإنما ظهر هذا المصطلح في وقت متأخر بعض الشيء عند ما دوّنت العلوم ومنها علوم العقائد، في أواخر القرن الثاني الهجري وبداية الثالث، لذا نجد أن القرآن الكريم قد استعمل كلمة (الآية) في صدد إعطاء الدلائل للرسل عليهم الصلاة والسلام لمحاجّة الأقوام، يقول تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) [الأنعام: ١٠٩]. كما استعمل القرآن الكريم تارة لفظة (البيّنة) كما في قوله تعالى: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [الأعراف: ٧٣]، والبينة هي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو حسية. وتارة يستخدم القرآن الكريم لفظة (البرهان)، يقول تعالى: فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ [القصص: ٣٢]. والبرهان بيان للحجة وهو أوكد الأدلة ويقتضي الصدق لا محالة (١). كما يأتي التعبير عن المعجزة أحيانا بالسلطان، قال تعالى:

стр. 12

تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [إبراهيم: ١٠] ولعل اختيارهم لهذا المصطلح بدلا من (الآية) والكلمات الأخرى لإزالة الدلالة المشتركة في الآية من القرآن الكريم (١) كما في قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها [البقرة: ١٠٦]، وبين الآية بمعنى العلامة البارزة الدالة على وجود الخالق ووحدانيته كما في قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) [آل عمران: ١٩٠]، وبين الآية بمعنى البناء العالي كما في قوله تعالى: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) [الشعراء: ١٢٨]، وكذلك الخروج من الدلالات المشتركة في الكلمات الأخرى. تعريف المعجزة: في اللغة: من أعجز وعجز وهو ما يقابل القدرة، والهاء فيها للمبالغة. في لسان العرب في مادة عجز: العجز نقيض الحزم، والعجز: الضعف، وعجز (٢) عن الأمر إذا قصر عنه. وفي القرآن الكريم: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ [سبأ: ٥]، قال الزجاج: معناه ظانين أنهم يعجزوننا، لأنهم ظنوا أنهم لا يبعثون وأنه لا جنة ولا نار وقيل معناها معاندين، وهو راجع إلى الأول ومعنى الإعجاز الفوت والسبق، يقال أعجزني فلان أي فاتني. وعرف العلماء المعجزة بقولهم: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدّي سالم من المعارضة يظهره الله على يد رسله (٣). فالمعجزة أمر خارق للسنّة التي أودعها الله في الكون

стр. 13

ولا تخضع للأسباب والمسببات ولا يمكن لأحد أن يصل إليها عن طريق الجهد الشخصي والكسب الذاتي وإنما هي هبة من الله يختار نوعها وزمانها ليبرهن بها على صدق رسول الله الذي أكرمه بالرسالة. والسحر والأعمال الدقيقة التي يمارسها بعض أهل الرياضات البدنية أو الروحية لا يدخل تحت اسم الخارق لأن لكل من تلك الأمور أساليب ووسائل يمكن لأي إنسان أن يتعلمها ويتقنها ويمارسها، فإذا اتبع الأسباب والأساليب المؤدية إلى نتائجها أمكنه بواسطة الجهد الشخصي والمران والممارسة أن يتوصل إلى تلك النتائج. أما الأمور الخارقة فلا تدخل تحت طاقة البشر، ليست لها أسباب تؤدّي إليها. شروط المعجزة: ومن خلال التعريف السابق للمعجزة نستطيع أن نتلمس شروطها: ١ - أن تكون من الأمور الخارقة للعادة: سواء كان هذا الأمر الخارق من قبيل الأقوال: كتسبيح الحصى وحنين الجذع ومثل القرآن الكريم، أو يكون من قبيل الفعل كانفجار الماء من بين أصابع الرسول ﷺ وتكثير الطعام القليل وكفايته للجمع الكثير أو من قبيل الترك: مثل عدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم ﵊ وعدم إغراق الماء لموسى وقومه وعدم سيلانه عليهم. أما إذا كان الأمر من الأمور الاعتيادية للناس ومع ذلك لم يستطع الناس الإتيان بها يكون (المانع) هو الأمر الخارق وليس هذا الأمر المعتاد، فلو قال: معجزتي عدم استطاعتكم وضع أيديكم على رءوسكم فلم يستطيعوا بالفعل لكان هذا المنع في هذه اللحظة هي المعجزة، وليس عملية وضع الأيدي. ٢ - أن يكون الخارق من صنع الله وإنجازه يقول تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ

стр. 14

وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) [غافر: ٧٨]. فالمعجزة هبة من الله لا يستطيع أحد أن يعيّن زمانها ونوعها: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ [الأنعام: ١٠٩]. ٣ - سلامتها من المعارضة: فلو استطاع الخصم أن يأتي بمثل ما جاء به النبي بطلت حجته ولم يسلم له ادعاؤه أن هذه الخارقة أو هذا الأمر دليل على صدقه وأمارة على بعثته من قبل الله . ٤ - أن تقع على مقتضى قول من يدّعيها (وقوعها على مقتضى الدعوى). يشترط في المعجزة أن تكون موافقة لقول مدّعيها غير مخالفة له سواء كان هذا الأمر مطابقا لطلب المعاندين أو مخالفا له، لأن الرسول يبلّغ عن أمر ربه في تحديد نوع المعجزة وزمانها ولا دخل له في هذا التعيين، فإذا جاءت المعجزة على وجه غير الوجه الذي عيّنه الرسول لم تكن دليلا على صدقه، بل تثير عندئذ الشكوك حول ادعائه. ومن هذا القبيل ما وقع لبعضهم مما يطلق عليه العلماء (اسم الإهانة)؛ فإذا مسح على المريض ليشفى فمات، أو بصق في البئر لتكثير مائه فغار كما ذكرت بعض الروايات في شأن مسيلمة الكذاب، فلا تكون معجزة إنما هي إهانة له ودليل على كذبه. ٥ - التحدّي بها: وهذا شرط أساس في المعجزة لإثبات عجز الجاحدين وإقامة الحجة عليهم فإن عدم التحدّي لمعجزة لا يبرزها كدليل وبرهان، لكي لا يقول قائل فيما بعد: إنه لو تحدّي بالمعجزة القوم لتمكّنوا من الإتيان بها. والتحدّي يكون بالقول الصريح بأن يقول الرسول: دليل صدقي وصحة ما جئت به هو عجزكم عن الإتيان بمثل هذا الأمر الذي أفعله.

стр. 15

وهذا هو الغالب في معجزات الرسل عليهم الصلاة والسلام، وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) [آل عمران: ٤٩]. كما يكون التحدّي (بالقوة) حيث لا يكون هنالك تحدّ ظاهر لأن المقام لا يستدعيه ولكن لو وجد تحدّ لأفحم المتحدّى به، ومن هذا القبيل الخوارق التي وقعت على يد رسول الله ﷺ وهو بين أصحابه وهم مؤمنون به، فمثلا نبع الماء بين أصابع رسول الله ﷺ لم يكن في مضمار تحدّ لإثبات رسالة، ومثل ذلك تسبيح الحصى في يده، وحنين الجذع إليه فقد وقعت هذه الخوارق في جو إيماني وفي مجتمع إسلاميّ. وقد فرّق بعض العلماء بين الخارقة التي يتحدّى بها الرسول القوم ويجعلها آية صدقه وبرهان صحة رسالته، وبين الخارقة التي لا تقترن بالتحدّي وتقع بين المؤمنين برسالة الرسول؛ فأطلقوا على النوع الأول اسم (المعجزات)، وأطلقوا على النوع الثاني اسم (دلائل النبوة). يقول ابن حجر في فتح الباري في شرح (باب علامات النبوة): العلامات جمع علامة وعبّر عنها المصنف لكون ما يورده من ذلك أعم من المعجزة والكرامة، والفرق بينها أن المعجزة أخص، لأنه يشترط فيها أن يتحدّى النبي من يكذبه. ٦ - أن يستشهد بها مدّعي الرسالة على الله : أي يجعلها الرسول دليل صدق رسالته لإثباتها وينسب هذا الأمر إلى الله فيقول مثلا: آيتي أن يقلب الله هذه العصا ثعبانا، أو أن يحيي الله هذا الميت عند قولي له (قم). ٧ - تأخّر الأمر المعجز عن دعوى الرسالة: لأنه بمثابة الشاهد، ولا

стр. 16

يقوم الشاهد إلا بعد قيام الدعوى، أما إذا تقدم على دعوى الرسالة، فيكون من قبيل (الإرهاص). وهي الأمور التي تتقدم على الرسالة وتمهد لها كتظليل السحابة لرسول الله ﷺ وهو في سفره إلى الشام قبل البعثة. إمكان وقوع المعجزة: إن النواميس الطبيعية التي يسير عليها الكون والتي يخضع لها الإنسان في أغلب شئونه وحياته المعاشية هي من صنع خالق الكون ومبدعه وواضع نظمه وأسسه. فالله له القدرة المطلقة والسلطان الذي لا يحدّ في إبقاء السنن أو تغييرها. إن الذي أوجد الماء من العدم المطلق لا يعجز أن يجعله ينبع من بين أصابع الإنسان، والذي خلق الجاذبية في الكون والكواكب وجعل الأجسام الثقيلة تسقط باتجاه مركزها، لا يستغرب منه أن يرفع تأثير هذه الجاذبية عن بعض الأجسام لتتخلص من نفوذها وتصعد إلى السماء، فيكون في هذه الحالة وتلك معجزة لأحد أصفيائه من البشر، ودليل صدق على رسالته. إن العقل السليم الذي يؤدي بصاحبه إلى الإيمان بالله ذي القوة المطلقة الخالق المدبر المهيمن على الكون بأسره لا يستبعد حدوث الأمور الخارقة لهذه الأسباب والسنن ما دامت الحياة والإنسان والكون خاضعا لإرادة الذي إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. ولا ينكر الأمور الخارقة للعادة عامة ومعجزات الأنبياء خاصة إلا أحد اثنين: - إنسان ملحد ينكر كل ما غاب عن الحواس فهو كافر بالغيب، ويقول إنما نحيا ونموت وما يهلكنا إلا الدهر، فمثل هذا يحتاج إلى عملية فكرية جذرية للإيمان بخالق الكون والحياة والإنسان ... - أو إنسان يؤمن بإله محدود القدرة عاجز عن التصرف في الكون

стр. 17

والمخلوقات حسب إرادته، ومن هذه النوعية كل من اتخذ من دون الله أربابا وأوثانا وآلهة ابتدعوها، وأملتها عليهم شهواتهم وأهواؤهم، هؤلاء يحتاجون إلى معرفة الألوهية الحقة ومستلزماتها من صفات الكمال المطلق، والتنزّه عن النقص والعجز الذي لا يليق بخصائص الألوهية. إن الموجة العقلية المنبثقة عن مناهج الفلاسفة الماديّين قد أثّرت على تفكير كثير من علماء المسلمين المعاصرين الذين حاولوا تفسير الخوارق التي ظهرت على يد الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، والتي نقلت إلينا نقلا لا يتطرّق إليه أدنى شك، حاولوا تفسير تلك الخوارق تفسيرا ماديا خاضعا للأسباب والسنن الكونية مما يفرغها عن مضمونها ويعطل دلالتها التي ترد هذه الخارقة من أجل إثباتها ألا وهي إثبات صدق الرسول في دعوى الرسالة وتلقي الوحي من الملأ الأعلى. إن من يفسّر فلق البحر لموسى ﵇ بالمد والجزر، والطير الأبابيل بجراثيم الطاعون أو الأمراض المعدية الوبائية .. وغير ذلك من الخوارق، إن هؤلاء يسيئون إلى قضية الإيمان بالغيب وبخالق الكون وبرسل الله المصطفين، وكذلك يسيئون إلى تفكيرهم وإيمانهم وعقيدتهم، وإلا فما المانع عقلا من وقوع المعجزات على يد أناس لهم صلة بالله ذي القوة غير المحدودة؟ أناس اصطفاهم الله للقيام بدور السفارة بينه وبين خلقه لتبليغهم أحكام دينه الحنيف وشرعه القويم وقد أيدهم بكل ما يسهل عليهم مهمتهم من الحجج والبراهين ويظهرهم على خصومهم المعاندين. وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول: ليس المقصود بالمعجزة إثبات العجز للخلق لذاته من غير ترتّب مطلب على هذا العجز، بل المقصود لازم هذا العجز. وهو إقامة الحجة على أن هذا الادّعاء حق وأن الرسول الذي جاء به رسول صدق. فإعجاز القرآن الناس أن يأتوا بمثله يراد من وراء ذلك إقامة الحجة

стр. 18

على الخلق كافة، إن هذا الكلام كلام رب العالمين، وإن الرسول الذي أرسل به يبلّغ عن ربه، وإن الأوامر والنواهي التي يحملها هي سبيل النجاة. وكذلك الشأن في جميع معجزات الأنبياء السابقين، هو إبراز صدق من ظهرت على يديه، ليؤمن بهم الناس ويتبعوهم، وذلك لأن بعثة النبي لا تصح من غير أن يؤتى دلالة ويؤيّد بآية، لأنه لا يتميز من الكاذب بصورته، ولا بقول نفسه ولا بشيء آخر، سوى البرهان الذي يظهر على يديه فيستدلّ به على صدقه، وأنه مبلّغ عن الله (١) وإصدار الله لها عند ذلك يعدّ تأييدا منه له في تلك الدعوى، ومن المحال على الله أن يؤيد الكاذب. فإن تأييد الكاذب تصديق له، وتصديق الكاذب كذب، وهو محال على الله ، فمتى ظهرت المعجزة وهي مما لا يقدر عليه البشر، وقارن ظهورها دعوى النبوة، علم بالضرورة أن الله ما أظهرها إلا تصديقا لمن ظهرت على يديه، وإن كان هذا العلم قد يقارنه الإنكار مكابرة (٢)، ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) [آل عمران: ٧٩، ٨٠].

стр. 19

المبحث الثاني معجزات الأنبياء السابقين ومعجزات خاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ذكرنا في السابق أن المعجزة قرينة الرسالة، وذلك لأن الرسول لا يتميز عن سائر الناس بجسمه ولا بكلامه، فكان لا بدّ من أمارة تدل على صدقه في سفارته هذه بين الخالق وبين خلقه. وقد يعطى الرسول الآية (المعجزة) عند تبليغه الوحي أول مرة من غير سؤال وتطلّع، كما حدث لموسى ﵇: فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) [النمل: ٨ - ١٢]. وقد يعطاها الرسول بعد تكذيب القوم له ومطالبتهم بالآية، كما حدث لأغلب الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه: قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) [هود: ٥٣]، قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ... (١٥٥) [الشعراء: ١٥٣ - ١٥٩]. وعلى كلتا الحالتين فإنها هبة من الله سبحانه لرسله، فهو المعطي

стр. 20

وهو الذي يختار نوعها وزمانها ومكانها، ودور الرسول فيها أنها تتجلى على يده. وليس بالضرورة أن تكون نفس الخارقة التي طلبها القوم، فإن مدلول الخارقة والإيمان والتصديق لصدق الرسول يتحقق بوجود المعجزة مطلقا ولا يتوقّف على نوع خاص من المعجزات. بل إن سنّة الله تقضي بتعجيل عذاب الاستئصال للذين لم يذعنوا للآية الخاصة التي سألوها: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) [الأنعام: ٨]. سنة الله في معجزات الأنبياء: باستعراض معجزات الأنبياء السابقين ومعجزات خاتمهم عليهم الصلاة والسلام أجمعين نلاحظ أن المعجزة تختار من بيئة القوم الذين يرسل الرسول إليهم ومن نوع المشهور في عصرهم مما يتلاءم مع مستواهم الفكري ورقيّهم الحضاري، لتكون الحجة أقوى. أ- الأنبياء الذين عاشوا في البلاد العربية كانت معجزاتهم مناسبة لبيئة العرب الصحراوية، فمعجزة صالح ﵇ كانت ناقة غريبة المنشأ والمولد بين نوق أهل البادية قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) [الشعراء: ١٥٣ - ١٥٦]. ب- وكان السحر منتشرا بين المصريين عامتهم وخاصتهم استرهبهم فرعون وجنوده به، فجاءت معجزات موسى ﵇ من جنس المشهور بين قومه فمن معجزاته الرئيسية: العصا: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) [الشعراء: ٣٢]. واليد: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) [النمل: ١٢]. فظاهر هاتين المعجزتين لا يختلف عما كان متداولا بين سحرة

стр. 21

فرعون (١)، ولكن أهل الدراية بالسحر كانوا يميّزون بين السحر، وبين ما هو خارج قوى السحرة، بل من صنع الله، لذا كانوا أول المؤمنين به. ج- وبعد عصر موسى ﵇ انتشرت الفلسفة الأيونية وهي أساس الفلسفة اليونانية فيما بعد، وكانت تقوم على الأخذ بالأسباب والمسبّبات وتولّد المعلول من العلة في انتظام قائم لا يتخلف، فجاءت معجزات أنبياء بني إسرائيل في هذا العصر خارقة للأسباب والمسبّبات، لتثبت أن الكون كله بإرادة مريد مختار، لا يفعل إلا ما يريد ولا يصدر عنه بغير إرادته الثابتة شيء (٢). فمعجزات سليمان ﵇ مثلا جاءت مناهضة لتلك النظرية التي تقول إن المخلوقات نشأت عن الموجد الأول نشوء العلة من المعلول، فكانت حياة نبي الله سليمان في ملكه تجري على هدم هذا النظر، فمن معجزاته: - تسخير الجن والطير له. - تعليمه منطق الطير والحيوان وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ... (٢٠) [النمل: ١٦ - ٢٢]. - تسخير الريح له: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ [سبأ: ١٢]. د- وفي عصر اليونان ازدهر الطب والفلسفة المبنية على الأسباب

стр. 22

أيضا، فكانت معجزات عيسى ﵇ من جنس ما اشتهر في هذا العصر: - فكانت ولادته إبطالا صارخا لهذه النظرية، فإن المعتاد في حياة الكائنات الحية أن المولود يولد من أبوين، فجاء عيسى ﵇ من غير أب فكان ذلك خرقا للأسباب الطبيعية الجارية ... فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) [مريم: ١٧ - ٢٢]. وتحدّثه في المهد حديث الحكماء ... قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) [مريم: ٢٩ - ٣٣]. - وتصويره من الطين كهيئة الطير ثم نفخه فيه فيكون طيرا بإذن الله، وإحياؤه الموتى بإذن الله، وإبراؤه الأكمة والأبرص بإذن الله ... وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) [آل عمران: ٤٩]. هـ- وقبل بعثة خاتم النبيين بلغت الفصاحة والبلاغة وفنون القول شأوا بعيدا، وأخذت الكلمة مكانا في نفوس العرب من التقديس والتعظيم لم يبلغه شيء آخر، مما حدا بهم أن يعلّقوا المعلّقات السبع في جوف الكعبة، وإذا علمنا أن الكعبة كانت تعتبر أقدس مكان عند العرب في جاهليتهم أدركنا مكانة الكلمة في نفوسهم.

стр. 23

كانت القصيدة تفعل فعلها في القبائل وربما نزلت منزلة قبيلة إلى الحضيض لأن شاعرا أقذع في هجائها. وربما ارتفعت مكانتها لأن شاعرا قد أجاد في تمجيد مآثرها. (وحادث بني أنف الناقة) (١)، وما جرى بين الحطيئة (والزّبرقان) (٢) يدلنا على مدى ترك الكلمة أثرا في نفوس القوم .. فكانت معجزة خاتم النبيين في الكلمة والقول. والحكمة الإلهية في اختيار المعجزة من جنس ما اشتهر بين القوم هي أن الإنسان إذا أوتي من قبل ما يعتبره مفخرته ومجال إجادته واعتزازه تكون الحجة عليه أقوى والمعجز أكثر فعلا وأثرا. ولتكون معجزة النبي الخاتم أشدّ لمعانا وأسطع برهانا فقد جعل الله معجزته كتابا متلوّا معجزا، وهو الإنسان الأمي الذي لم يخطّ بيده كتابا ولم يتلقّ من أحد من البشر معرفة. مزايا معجزة رسول الله ﷺ العظمى (القرآن الكريم): لقد جعل الله معجزة رسوله ﷺ من نوع خاص، إلى جانب تحقيق سنته في معجزات الأنبياء. جعلها القرآن الكريم لحكم جليلة. ندرك من هذه الحكم ما يلي:

стр. 24

أ- مواءمة طبيعة الرسالة: لقد كان الرسول في السابق يرسل إلى قوم مخصوصين أو إلى قبيلة خاصة ولفترة زمنية محددة أحيانا، فكان التحديد زمانا ومكانا وقوما يحدّد مهمة الرسول. أما الرسالة الخاتمة فقد امتازت عن الرسالات السابقة بشمولها وعمومها وعالميتها زمانا ومكانا ومكلّفين يقول تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) [الأعراف: ١٥٨] « .. وكان النبي يرسل إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود» (١). فكانت معجزات الأنبياء ملائمة لطبيعة رسالاتهم، وكانت المعجزة تنتهي بوفاة الرسول ولا يبقى إلا الحديث عنها والأخبار التي يتناقلها أتباع الدين جيلا عن جيل. ولا تنفك المعجزة عن شخص الرسول فلا تبقى بمنأى عنه في الزمان والمكان. أما الرسالة المحمدية فهي مستمرة إلى يوم القيامة، ولا بدّ من معجزة مستمرة تقيم الحجّة على الأجيال اللاحقة بصدق الرسول ﷺ وربانية رسالته. ولا تؤدّي المعجزة المادية هذا الدور وهذه المهمة، فكان الاختيار الرباني أن تكون المعجزة وحيا. روى الشيخان من حديث الليث بن سعد عن رسول الله ﷺ قال: «ما من الأنبياء نبيّ إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (٢). ب- كون القرآن الكريم المعجزة الخالدة: فمن المعجزة تستنبط أحكام الشريعة فآية تصديق الرسالة في الرسالة نفسها، وليس في معجزات

стр. 25

الأنبياء السابقين ما يستنبط منها حكم تشريعي. وهذه ميزة فريدة لمعجزة رسول الله ﷺ دلالتها على مصدرها الرباني كامن فيها نفسها. فالرسالة هي المعجزة والمعجزة هي الرسالة. وبهذه المزايا الفريدة لم تكن هذه المعجزة دليل صدق رسول الله ﷺ فحسب بل كانت شاهد الصدق على رسالات الأنبياء السابقين وتبليغهم رسالات ربهم لأممهم. وبهذه المزايا أصبحت أمة محمد ﷺ جديرة بالاستشهاد على الأمم الأخرى يوم يقع التناكر والجحود بين الأقوام ورسلهم، تزعم الأمم أن رسلها لم يبلّغوا الرسالات، عندئذ تدعى أمة محمد ﷺ لتشهد على تبليغ الأنبياء أقوامهم رسالات ربهم، وما شهادتهم للأنبياء إلا على إخبار القرآن الكريم وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣]. الحكمة في الصرف عن المطالبة بالمعجزات المادية إلى معجزة القرآن الكريم: ولعلنا لا نستغرب عند ما نجد القرآن الكريم يصرف أنظار قريش المطالبين بالآيات المادية وغيرها من المقترحات يلفت أنظارهم إلى ما هو الأجدى والأليق والأرحم: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (٩٣) [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]. وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ

стр. 26

نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) [الحجر: ٦ - ١٥]. وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]. وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [الرعد: ٣١]. إن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن السهل الميسّر الهيّن عليه أن يلبّي جميع المطالب، ولكن لم يشأ ذلك لحكم: الحكمة الأولى: لأنهم غير جادّين بهذه المطالب ولو لبّيت لهم لما آمنوا لأن قصدهم هو التعجيز كما أشارت الآية الكريمة السابقة وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) [الحجر: ١٥]. فمن العبث عندئذ اتبع أهوائهم ورغباتهم ولو اتّبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض. روى ابن هشام في السيرة النبوية قال: (اجتمع أشراف قريش بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلّموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلّموك، فأتهم فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلّمهم فيه بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا له: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرّقت الجماعة فما بقي أمر

стр. 27

قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ... فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئت به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكنّ الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» .. قالوا يا محمد: فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا، ولا أقل ماء، ولا أشد عيشا منا، فسل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسيّر عنا هذه الجبال التي ضيّقت علينا، ويبسط لنا في بلادنا، ويفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصيّ بن كلاب فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول أحقّ هو أم باطل؟ فإن صدقوك، وصنعت ما سألناك، صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولا كما تقول، فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: «ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلّغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم»، قالوا: فإذا لم تفعل لنا فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم، فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما أنا بفاعل وما أنا الذي يسأل ربه هذا» .. قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربّك إن شاء فعل .. فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال رسول الله ﷺ : «ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل ... ».

стр. 28

فلما قام رسول الله ﷺ قام معه ابن عمته عبد الله بن أبي أمية، قال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ... فو الله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ سلّما إلى السماء ثم ترقى فيه، وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك. ثم انصرف رسول الله ﷺ » (١). إن المراء والعناد واضح في مطالبهم، ولو أن هذه الخوارق وقعت كما اقترحوا ما كانت بالتي تقنعهم، فإن الله يضل من يشاء فلا يؤمن ولو أجيب إلى ما يقترحه من الآيات، ويهدي إليه من أناب فيؤمن بغير اقتراح آيات. إن مطالبهم كانت بقصد التعجيز ولو لبيّت لانتقلوا إلى غيرها، ومواقفهم العنادية كانت تحتاج إلى تبرير للاستمرار عليها يقول تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) [المؤمنون: ٧١]. إن كون القرآن بلسانهم وأسلوبهم فيه رفع لمقامهم وإعلاء لمكانتهم بين الناس ولكنهم يعرضون عن هذه المزية لعدم إدراكهم لقيمتها وحقيقتها. الحكمة الثانية في هذا الصرف عن المعجزات المادية: إظهار مكانة القرآن الكريم، وأن المعجزات المادية تتضاءل بجانب معجزته فهو المعجزة الباقية الخالدة إلى يوم القيامة. والرسالة الشاملة الباقية لا بدّ لها من معجزة توائم خلودها وشمولها، فكان في هذا الالتفات والصرف عن المعجزات المادية إلى المعجزة الفكرية رفع لشأن الأمة من جهة وإبراز لميزات القرآن العظيم وبيان مكانته الرفيعة من جهة أخرى. لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) [الحشر: ٢١]،

стр. 29

وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) [يونس: ٣٧ - ٣٩]. الحكمة الثالثة: كان في هذا الصرف رحمة بهم، فقد جرت سنّة الله في رسالاته إلى الناس أن القوم إن أجيبوا إلى مطالبهم من المعجزات المادية الباهرة القاهرة ثم نكصوا على أعقابهم فكفروا بعد ذلك، جرت سنّة الله أن يكون العذاب المستأصل حظّهم في الدنيا والعذاب المهين مصيرهم في الأخرى. وهذا ما يتجلى في الآيات التي تحكي مصائر الأمم والشعوب: - وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) [الأعراف: ٧٣]. - وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) [القمر: ٤١ - ٤٢]. - إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥) [المائدة: ١١٢ - ١١٥].

стр. 30

يقول السهيلي في الروض الأنف: ( ... إن التكذيب بالآيات من نحو ما سألوه من إزالة الجبال عنهم، وإنزال الملائكة، يوجب في حكم الله ألا يلبث الكافرين بها وأن يعاجلهم بالنقمة كما فعل بقوم صالح وبآل فرعون، فلو أعطيت قريش ما سألوه من الآيات وجاءهم بما اقترحوا ثم كذّبوا لم يلبثوا، ولكن الله أكرم محمدا ﷺ في الأمة التي أرسله إليهم، إذ قد سبق في علمه أن يكذّب به من يكذب ويصدّق من يصدّق، وابتعثه رحمة للعالمين برّ وفاجر، أما البرّ فرحمته إياهم في الدنيا والآخرة، وأما الفاجر فإنهم أمنوا من الخسف والغرق وإرسال حاصب عليهم من السماء كذلك قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء: ١٠٧] (١). وإلى هذه الحكمة تشير الآية الكريمة عند صرف القوم عن المعجزات المادية إلى معجزة القرآن الكريم في قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]. إن في هذا الصرف رحمة الله بهم ليدخل بعضهم في الإسلام أو يخرج من أصلابهم من تتفتّح بصيرته لنور الحق والهداية. مراحل التحدي والقدر المعجز من القرآن: قبل ذكر أقوال العلماء في القدر المعجز من القرآن لا بد من نظرة سريعة على مراحل التحدّي بالقرآن والتدرج فيه، لكي نصل من خلال هذا التدرج إلى المطلوب من البحث. فبعد أن صدع رسول الله ﷺ بدعوته في بطحاء مكة، ودعا الناس

стр. 31

إلى عبادة خالق الكون ومبدعه، ونبذ عبادة الأصنام، طالبه المشركون بالدليل على صدقه، قال: دليل صدقي هو هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهو يحمل في طياته برهان صدقه، لأنه لا يتأتّى لأحد من المخلوقين أن يفتري على الله أو يأتي بشيء من هذا القبيل وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) [يونس: ٣٧]. وبيّن لهم أنهم يدركون العجز من أنفسهم أن يأتوا بمثل القرآن، كما يعرفون عجز محمد ﷺ أيضا لأنه نشأ بينهم أمّيا لم يتلق العلم على أحد من البشر فإذا كانوا وهم أصحاب البلاغة وفرسان الفصاحة ولهم القصيد العجيب والرجز الفاخر والخطب الطوال وغيرها من أفانين القول، إذا كانوا يعجزون عن الإتيان بمثل القرآن فكيف يتهمون محمدا الأمي بأنه تقوّله أو افتراه من عند نفسه؟! قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) [يونس: ١٦]، أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) [الطور: ٣٠ - ٣٤]. لقد شعروا بعجزهم في قرارة أنفسهم عند ما دعوا إلى معارضة القرآن والإتيان بمثله، ولكنهم عاندوا واستكبروا ولم يستجيبوا لنداء العقل وأحاسيس الفطرة التي يستشعرونها في داخلهم، وقالوا عند سماع آيات القرآن تقرع مسامعهم وتتحداهم وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) [الأنفال: ٣١]. ولم يتركهم القرآن الكريم يقولون قولتهم وينصرفون، بل لاحقهم بقوارع تنبيهاته وألهب مشاعرهم بأعنف الكلمات وسجّل كذبهم وافتراءهم في مزاعمهم وعجزهم المطلق في هذا الصدد قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: ٨٨].

стр. 32

وعند ما ضاقت عليهم الحيلة وسدّت في وجوههم السبل طرقوا كل باب في الادعاء والافتراء والبهتان لشدة حرصهم على إبطال شأن القرآن والتشكيك في ربانية مصدره فقالوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) [الفرقان: ٥]. ولكي يلقوا ظلالا من الشكوك على افترائهم لعلها تكون مستساغة عند الجاهلين بواقع الأمور قالوا إن الذي يعلّمه ليس من قريش وإنما هو رجل لديه علم لم تعلمه قريش، ولكن أنّى لأعجمي أن يأتي ببيان معجز للعرب الفصحاء؟!: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) [النحل: ١٠٣]. لم يكتف القرآن الكريم بتسجيل العجز مجتمعين، بل أثارهم فرادى وسجل على زعمائهم الخزي والعار. واقرأ ما ورد في شأن الوليد بن المغيرة: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) ... [المدثر: ١١ - ٢٦]. ومثل ذلك ما أنزل في شأن أبي جهل: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) [العلق: ٩ - ١٨]. وكذلك قوله تعالى: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) [الدخان: ٤٧ - ٥٠]. وكذلك ما نزل في ثالث الأشقياء أبي لهب: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... (١) [المسد: ١].

стр. 33

إن هذا التحدّي الخاص بعد ذاك التحدّي العام كان من شأنه أن يثير هؤلاء الزعماء، فلا يرون لذة للعيش، ولا تذوق أجفانهم طعم النوم حتى يستفرغوا جهودهم، وجهود من يلوذون بهم في الشدائد للرد على القرآن ولم يبق للمشركين أرض يقفون عليها ولا حجة يستندون إليها، فقالوا إن هذه العلوم والأمور الغيبية والهدايات الواردة في القرآن لا عهد لنا بها، وهذا سبب عجزنا عن معارضة القرآن. قالوا ذلك وهم لا يدرون أنّ هذا حجة عليهم لأن محمدا ﷺ ما هو إلا رجل منهم عاش بين أظهرهم ولم يزد في العلوم الاكتسابية عليهم بشيء. فأرخى القرآن الكريم لهم العنان وتنازل معهم في المحاورة إلى مجال يتوهمون إحراز قصب السبق فيه، ولم يطالبهم بشيء من حقائق الكون والتاريخ ومن قصص الأنبياء الغابرين وشأن الألوهية وكمالاتها وأمهات الأخلاق ومقومات الحضارات ورقيّ المجتمعات، وإنما عليهم أن يأتوا بمثل عشر سور من سور القرآن وليفتروا موضوعاتها كما يشاءون على أن تكون في فصاحة القرآن وبلاغته أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) [هود: ١٣ - ١٤]. فإن عجزتم مع آلهتكم ومع من تلوذون بهم في الشدائد فعليكم أن تعترفوا بالحقيقة وتستسلموا لمنزّل القرآن الذي يعلم السرّ في السماوات والأرض، وآمنوا برسوله الذي أرسله إليكم وكفّوا عن الجهالات والضلالات المتوارثة التي ألجأتكم إلى أضعف المواقف وأضيق السبل، فإن ذلك لا يليق بعاقل يحترم نفسه وعقله. وفي خاتمة المطاف رضي منهم بأقل من ذلك فاكتفى بسورة مثل أيّ سورة من سور القرآن الكريم، ولم يحدّد لهم نوعية السورة بل تركها لرغبتهم، فإن شاءوا من السور الطويلة كان بها، أو من السور القصيرة فلهم ذلك، وسواء جاءوا بها منفردين أو مجتمعين. أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 34

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) [يونس: ٣٨ - ٣٩]. ولقطع دابر وساوس الشيطان ونزغات أهل الباطل المرجفين، ولكي لا يقال إن محمدا تحدّى أهل مكة، والأمية فاشية فيهم، ولا علم لهم بعلوم الأديان وبالأنبياء والكتب، ولو أنه تحدّى غيرهم لأمكنهم أن يأتوا بمثل قرآنه، كرّر في المرحلة المدنية وبين ظهراني أهل الكتاب وسجل العجز المطلق لكل المخلوقين إلى يوم القيامة. ولا زالت أصداء هذا التحدّي مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وستبقى أصداؤه في أذن الزمن على مر العصور ليبرهن على خلود الرسالة وصدق صاحبها: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) [البقرة: ٢٣ - ٢٤]. من هذا العرض الموجز لمراحل التحدّي نجد أن التحدّي استقر على تحديهم بأن يأتوا بمثل سورة من القرآن الكريم. وبما أن السورة جاءت بلفظ نكرة (بسورة) فهي تشمل كل سورة في القرآن طويلة أو قصيرة، فيكون القدر المعجز من القرآن هو السورة من القرآن الكريم طويلة أو قصيرة. هذا هو رأي جمهور العلماء إلا أن بعضهم زاد على ذلك: أن مقدار السورة القصيرة وهي ثلاث آيات معجز أيضا. ونقل عن بعض المعتزلة قولهم: إن الإعجاز يتعلق بجميع القرآن لا ببعضه. وهذا الرأي مصادم لآيات التحدّي التي تدرّجت في التحدّي بكل القرآن إلى التحدّي بعشر سور إلى التحدي بسورة واحدة. وذهبت طائفة أخرى إلى أن الإعجاز في القليل والكثير من القرآن دون تقييد بسورة. واستدلوا بظاهر قوله تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور: ٣٤]. وقالوا المقصود بالحديث: أيّ كلام يفيد معنى سواء كان آية أو أكثر أو أقل.

стр. 35

ورأي الجمهور هنا هو الذي يظاهره ويؤيده ظاهر مراحل التحدّي فيه إلا أنّ لنا ملاحظة على القياس الذي زاده بعضهم وهو (مقدار السورة الواحدة) فالمقرر لدى الجمهور أنّ السورة جاءت منكّرة فشمل السور الطويلة والقصيرة. وأقصر سورة في القرآن الكريم مقدارها ثلاث آيات، فهل كل ثلاث آيات في السور الطوال- أو التي تزيد آياتها على ثلاث- هي معجزة بغضّ النظر عن ارتباط هذه الآيات ببعضها، أو وحدة موضوعها وهدفها؟. إننا نجد كثيرا من الآيات المفردة في القرآن تزيد على كثير من السور القرآنية القصيرة، وإننا نلاحظ أن للسورة القرآنية شخصية وذاتية مستقلة تختلف من حيث الأداء والمقاطع والمفاصل عن غيرها من السور، وإن كانت متشابهة في الموضوع والهدف. ولعل هذا دفع بعض العلماء إلى تعريف السورة بقولهم: «السورة: قرآن يشتمل على آي، ذي فاتحة وخاتمة، وأقلّها ثلاث آيات) (١). وهذه الفاتحة والخاتمة ووحدة الشخصية واستقلالها لا نجدها في الآية الواحدة، أو حتى في الآيات المتعددة أحيانا. وهذه الميزات بارزة في السور القصيرة أكثر من غيرها لو تدبّرناها لوجدنا أنها تضاهي الطوال رباطا ونظاما، فإن دقة العلاقة ولطافة الرباط في آيات القصار مثل ما هي في الطوال. والسورة القصيرة قد تضمنت في الغالب أصول الدين ونبهت على أسس العقيدة، لذا نجد في بعض الآثار وصف بعضها بأنها تعدل ثلث القرآن أو نصفه أو ربعه وما ذلك إلا لأن ألفاظها القليلة تضمنت حقائق ضخمة عامة. والحكمة في تضمّن هذه السور مثل هذه الأمور العظام- والله أعلم- هي أن أصول الدين وأسس العقيدة تشتدّ الحاجة إلى حضورها في القلوب وسيطرتها على الأفكار، فأودعت في كلمات مختصرة تامة لتكون

стр. 36

كالأمثال السائرة الخفيفة على اللسان الغزيرة في الجنان، فلو عوّل في تعليمها على كلام طويل لضاعت في مطاويه، ولما تمكّنت الأذهان من استيعابه من بين جزئيّات الأحكام والهدايات الأخرى. لذا نقول: يجب التفريق بين أمرين: الأول: ما وقع به التحدي، فالتحدي لم يقع على أقل من سورة، والسورة تطلق على القصيرة والطويلة، والسورة بشخصيتها المستقلة هي المقصودة في آيات التحدي والإتيان بمثلها خارج عن طوق الإنس والجن وإن قصرت كسورة الكوثر. الأمر الثاني: القدر الدال على كون القرآن كلام الله، أي معرفة مصدر القرآن وكونه وحيا منزلا من الله وهذا لا يتقيد فيه بمقدار معين، فقد يدرك ذلك من خلال سورة أو من خلال آية واحدة أو بعض آية أو كلمة واحدة، فورود بعض الكلمات في سياق الحقائق الكونية أو الحقائق العلمية في النفس الإنسانية يدل على أن ذلك لا يدخل في نطاق العلم البشري كما في قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) [المرسلات: ٢٥، ٢٦] وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) [الفرقان: ٤٥، ٤٦]، وقوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: ٦]. فهذه الحقائق لم تكن في مقدور أحد من البشر أن يحيط بها علما عند نزول القرآن الكريم، فدل ذلك على أن الذي يعلم السر في السماوات والأرض هو منزل القرآن الكريم وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) [الفرقان: ٤ - ٦].

стр. 37

القسم الأوّل في الجانب التّاريخيّ لإعجاز القرآن

стр. 38

إعجاز القرآن في دراسات العلماء نشأة مصطلح إعجاز القرآن: لقد كانت روعة القرآن الكريم وسحر بيانه مستوليا على القلوب والأفكار، وكان يحس المؤمنون به بنشوة بالغة وهم يتمعّنون آيات الذكر الحكيم. وكان الكافرون المعاندون يحسّون في قرارة أنفسهم أن هذا الكلام ليس من كلام البشر وكانوا يحسون بحلاوة عباراته وطلاوة أسلوبه والمعاني الثرّة المغدقة في موضوعاته وأنه يعلو ولا يعلى عليه، كما قالها الوليد بن المغيرة في لحظة صدق مع نفسه عند ما طلب منه قومه أن يقول في القرآن قولا لتجتمع كلمتهم عليه ولا يظهرون الاختلاف أمام وفود العرب في الموسم. فبعد أن اعترف أنه ليس من كلام الشعراء لأنه لا ينسجم على أقرائه، وليس من كلام الكهنة لأنه لا يشبه زمزمتهم، وليس بخنق الجنون وهوسه، قال: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمغدق أسفله مثمر أعلاه، وإنه يعلو ولا يعلى عليه ما يقول هذا بشر. ولكنه أعلن أمام الملأ مكابرة وعنادا فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) [المدثر: ٢٤ - ٢٥]. لقد كان الذوق العربي السليم يساعد أصحابه على إدراك الأساليب القرآنية في مخاطباته، وكانت قدسية القرآن وعظمته مسيطرة على نفوسهم وكان الإقرار بالعجز عن الارتفاع إلى مستواه كامنا في النفوس. وبقي هذا الأمر بعد عصر النبوة والخلفاء الراشدين وردحا من الزمن في الدولة الأموية، إلا أن صفاء السليقة العربية بدأت تفقد صفاءها وبدأت

стр. 39

الثقافات الفارسية واليونانية تأخذ طريقها إلى المجتمع الإسلامي على يد أبناء الأقطار التي فتحها المسلمون، وبدأ الناس يفكّرون بطريقة عقلية مجرّدة عن التذوّق الجمالي وإدراك المعاني بالسليقة الصافية. في هذه البيئة المختلطة بالتيارات الثقافية المتباينة، برز الحديث عن وجه إعجاز القرآن، وعن سبب عجز العرب عن الإتيان بمثل سورة من القرآن. ولعل الفكرة أول ما نشأت في مجالس بعض القوم في البصرة في القرن الثاني الهجري، حيث كانت البصرة تموج بالتيارات الفكرية المختلفة من فقهاء ومحدثين ولغويين وأدباء وفلاسفة متكلمين، ودعاة إلى مذاهب خارجة عن الإسلام كالثنوية والمانوية والسّمنية والدهرية والزرادشتية وغيرها مما حملته التيارات الفكرية الوافدة من الشرق. ولم يلتفت جمهور العلماء إلى البحث عن وجه الإعجاز والمعجزة القرآنية- بل لم يبرز مصطلح إعجاز القرآن على الساحة- إلا بعد أن نقل عن واصل بن عطاء المتوفى سنة ١٣١ هـ شيخ المعتزلة في البصرة قول غريب وهو: أن إعجاز القرآن ليس بشيء ذاتي فيه، وإنما هو بصرف الله تفكير الناس عن معارضته، وهو القول الذي تبنّاه فيما بعد إبراهيم بن سيّار النّظّام المتوفى سنة ٢٣١ هـ أحد شيوخ المعتزلة في البصرة، وعرف هذا القول فيما بعد (بالصرفة). عند ذلك بدأ العلماء يتعرضون في ثنايا كتبهم لوجه الإعجاز ويتحدثون عن إعجاز القرآن، ولعل أول من تولى الرد على القول بالصرفة هو الجاحظ (١) تلميذ النظام، فإلى جانب تناوله موضوع إعجاز القرآن في إشارات مقتضبة في بعض كتبه الأدبية ك «الحيوان» و «البيان والتبيين»، فقد ألف كتابا سماه «نظم القرآن» ليتعرّف القارئ من خلال بيان المعاني الغزيرة في الآيات القرآنية ذات الكلمات القليلة على نظم القرآن الكريم وتفرّده بنمط معيّن لا يتوفّر في كلام غيره، وهذا النظم

стр. 40

هو سرّ الإعجاز فيه. فمثلا يقول: في التعليق على قوله تعالى: في وصف خمر أهل الجنة لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ: (هاتان الكلمتان جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا)، وقوله حين ذكر فاكهة أهل الجنة لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ: (جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني). إلا أن كتاب الجاحظ «نظم القرآن» لم يصل إلينا وإنما بقيت الإشارة إليه من خلال كتاباته، وكتابات غيره من الأدباء. ونهج الأدباء الذين جاءوا بعد الجاحظ نهجه في الكشف عن المعاني الدقيقة والإشارات اللطيفة في آيات القرآن الكريم، وألفوا رسائل في نظم القرآن. فمن هؤلاء الذين ألفوا على غرار الجاحظ أبو بكر عبد الله بن أبي داود السّجستاني المتوفى سنة ٣١٦ هـ حيث ألّف كتابا وسماه «نظم القرآن». وكذلك أبو زيد البلخي أحمد بن سليمان المتوفى سنة ٣٢٢ هـ وسمى كتابه «نظم القرآن» أيضا. كذلك أبو بكر أحمد بن علي المعروف بابن الإخشيد المعتزلي المتوفى سنة ٣٢٦ هـ وسمى كتابه أيضا «نظم القرآن». وقد تعرض العلماء إلى وجوه إعجاز القرآن من خلال كتبهم المختلفة حول الدراسات القرآنية، فنجد الإمام أبا محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوري المتوفى سنة ٢٧٦ هـ قد تصدى للطاعنين في القرآن بشكل عام والمنكرين لإعجازه بشكل خاص في كتابه الجليل «تأويل مشكل القرآن» ففنّد مزاعمهم. وكان يمثل إمامة أهل السنّة والجماعة في طبقة الأدباء كما كان يمثل الجاحظ طبقة الأدباء من المعتزلة. يقول ابن قتيبة في أول كتابه «تأويل مشكل القرآن»: الحمد لله الذي نهج لنا سبل الرشاد وهدانا بنور القرآن ولم يجعل له عوجا، بل نزله قيّما مفصّلا بيّنا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ... وقطع بمعجز التأليف أطماع الكائدين وأبانه بعجيب النظم عن حيل المتكلمين، وجعله متلوّا لا يملّ على طول التلاوة، ومسموعا لا تمجّه الآذان، وغضّا لا يخلق على كثرة الترداد، وعجيبا لا تنقضي عجائبه،
следующие страницы →