كالأمثال السائرة الخفيفة على اللسان الغزيرة في الجنان، فلو عوّل في تعليمها على كلام طويل لضاعت في مطاويه، ولما تمكّنت الأذهان من استيعابه من بين جزئيّات الأحكام والهدايات الأخرى.
لذا نقول: يجب التفريق بين أمرين:
الأول: ما وقع به التحدي، فالتحدي لم يقع على أقل من سورة، والسورة تطلق على القصيرة والطويلة، والسورة بشخصيتها المستقلة هي المقصودة في آيات التحدي والإتيان بمثلها خارج عن طوق الإنس والجن وإن قصرت كسورة الكوثر.
الأمر الثاني: القدر الدال على كون القرآن كلام الله، أي معرفة مصدر القرآن وكونه وحيا منزلا من الله وهذا لا يتقيد فيه بمقدار معين، فقد يدرك ذلك من خلال سورة أو من خلال آية واحدة أو بعض آية أو كلمة واحدة، فورود بعض الكلمات في سياق الحقائق الكونية أو الحقائق العلمية في النفس الإنسانية يدل على أن ذلك لا يدخل في نطاق العلم البشري كما في قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) [المرسلات:
٢٥، ٢٦] وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) [الفرقان: ٤٥، ٤٦]، وقوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: ٦].
فهذه الحقائق لم تكن في مقدور أحد من البشر أن يحيط بها علما عند نزول القرآن الكريم، فدل ذلك على أن الذي يعلم السر في السماوات والأرض هو منزل القرآن الكريم وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) [الفرقان: ٤ - ٦].
стр. 37
القسم الأوّل في الجانب التّاريخيّ لإعجاز القرآن
стр. 38
إعجاز القرآن في دراسات العلماء
نشأة مصطلح إعجاز القرآن:
لقد كانت روعة القرآن الكريم وسحر بيانه مستوليا على القلوب والأفكار، وكان يحس المؤمنون به بنشوة بالغة وهم يتمعّنون آيات الذكر الحكيم. وكان الكافرون المعاندون يحسّون في قرارة أنفسهم أن هذا الكلام ليس من كلام البشر وكانوا يحسون بحلاوة عباراته وطلاوة أسلوبه والمعاني الثرّة المغدقة في موضوعاته وأنه يعلو ولا يعلى عليه، كما قالها الوليد بن المغيرة في لحظة صدق مع نفسه عند ما طلب منه قومه أن يقول في القرآن قولا لتجتمع كلمتهم عليه ولا يظهرون الاختلاف أمام وفود العرب في الموسم. فبعد أن اعترف أنه ليس من كلام الشعراء لأنه لا ينسجم على أقرائه، وليس من كلام الكهنة لأنه لا يشبه زمزمتهم، وليس بخنق الجنون وهوسه، قال: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمغدق أسفله مثمر أعلاه، وإنه يعلو ولا يعلى عليه ما يقول هذا بشر. ولكنه أعلن أمام الملأ مكابرة وعنادا فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) [المدثر: ٢٤ - ٢٥].
لقد كان الذوق العربي السليم يساعد أصحابه على إدراك الأساليب القرآنية في مخاطباته، وكانت قدسية القرآن وعظمته مسيطرة على نفوسهم وكان الإقرار بالعجز عن الارتفاع إلى مستواه كامنا في النفوس.
وبقي هذا الأمر بعد عصر النبوة والخلفاء الراشدين وردحا من الزمن في الدولة الأموية، إلا أن صفاء السليقة العربية بدأت تفقد صفاءها وبدأت
стр. 39
الثقافات الفارسية واليونانية تأخذ طريقها إلى المجتمع الإسلامي على يد أبناء الأقطار التي فتحها المسلمون، وبدأ الناس يفكّرون بطريقة عقلية مجرّدة عن التذوّق الجمالي وإدراك المعاني بالسليقة الصافية.
في هذه البيئة المختلطة بالتيارات الثقافية المتباينة، برز الحديث عن وجه إعجاز القرآن، وعن سبب عجز العرب عن الإتيان بمثل سورة من القرآن. ولعل الفكرة أول ما نشأت في مجالس بعض القوم في البصرة في القرن الثاني الهجري، حيث كانت البصرة تموج بالتيارات الفكرية المختلفة من فقهاء ومحدثين ولغويين وأدباء وفلاسفة متكلمين، ودعاة إلى مذاهب خارجة عن الإسلام كالثنوية والمانوية والسّمنية والدهرية والزرادشتية وغيرها مما حملته التيارات الفكرية الوافدة من الشرق.
ولم يلتفت جمهور العلماء إلى البحث عن وجه الإعجاز والمعجزة القرآنية- بل لم يبرز مصطلح إعجاز القرآن على الساحة- إلا بعد أن نقل عن واصل بن عطاء المتوفى سنة ١٣١ هـ شيخ المعتزلة في البصرة قول غريب وهو: أن إعجاز القرآن ليس بشيء ذاتي فيه، وإنما هو بصرف الله تفكير الناس عن معارضته، وهو القول الذي تبنّاه فيما بعد
إبراهيم بن سيّار النّظّام المتوفى سنة ٢٣١ هـ أحد شيوخ المعتزلة في البصرة، وعرف هذا القول فيما بعد (بالصرفة). عند ذلك بدأ العلماء يتعرضون في ثنايا كتبهم لوجه الإعجاز ويتحدثون عن إعجاز القرآن، ولعل أول من تولى الرد على القول بالصرفة هو الجاحظ (١) تلميذ النظام، فإلى جانب تناوله موضوع إعجاز القرآن في إشارات مقتضبة في بعض كتبه الأدبية ك «الحيوان» و «البيان والتبيين»، فقد ألف كتابا سماه «نظم القرآن» ليتعرّف القارئ من خلال بيان المعاني الغزيرة في الآيات القرآنية ذات الكلمات القليلة على نظم القرآن الكريم وتفرّده بنمط معيّن لا يتوفّر في كلام غيره، وهذا النظم
стр. 40
هو سرّ الإعجاز فيه. فمثلا يقول: في التعليق على قوله تعالى: في وصف خمر أهل الجنة لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ: (هاتان الكلمتان جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا)، وقوله حين ذكر فاكهة أهل الجنة لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ: (جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني).
إلا أن كتاب الجاحظ «نظم القرآن» لم يصل إلينا وإنما بقيت الإشارة إليه من خلال كتاباته، وكتابات غيره من الأدباء.
ونهج الأدباء الذين جاءوا بعد الجاحظ نهجه في الكشف عن المعاني الدقيقة والإشارات اللطيفة في آيات القرآن الكريم، وألفوا رسائل في نظم القرآن. فمن هؤلاء الذين ألفوا على غرار الجاحظ أبو بكر عبد الله بن أبي داود السّجستاني المتوفى سنة ٣١٦ هـ حيث ألّف كتابا وسماه «نظم القرآن».
وكذلك أبو زيد البلخي أحمد بن سليمان المتوفى سنة ٣٢٢ هـ وسمى كتابه «نظم القرآن» أيضا. كذلك أبو بكر أحمد بن علي المعروف بابن الإخشيد المعتزلي المتوفى سنة ٣٢٦ هـ وسمى كتابه أيضا «نظم القرآن».
وقد تعرض العلماء إلى وجوه إعجاز القرآن من خلال كتبهم المختلفة حول الدراسات القرآنية، فنجد الإمام أبا محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوري المتوفى سنة ٢٧٦ هـ قد تصدى للطاعنين في القرآن بشكل عام والمنكرين لإعجازه بشكل خاص في كتابه الجليل «تأويل مشكل القرآن» ففنّد مزاعمهم. وكان يمثل إمامة أهل السنّة والجماعة في طبقة الأدباء كما كان يمثل الجاحظ طبقة الأدباء من المعتزلة.
يقول ابن قتيبة في أول كتابه «تأويل مشكل القرآن»: الحمد لله الذي نهج لنا سبل الرشاد وهدانا بنور القرآن ولم يجعل له عوجا، بل نزله قيّما مفصّلا بيّنا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ... وقطع بمعجز التأليف أطماع الكائدين وأبانه بعجيب النظم عن حيل المتكلمين، وجعله متلوّا لا يملّ على طول التلاوة، ومسموعا لا تمجّه الآذان، وغضّا لا يخلق على كثرة الترداد، وعجيبا لا تنقضي عجائبه،
стр. 41
ومفيدا لا تنقطع فوائده، ونسخ به سالف الكتب، وجمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه ... ) (١).
كما تولى المفسرون بيان مزايا الأسلوب القرآني وبلاغته ووجوه إعجازه من خلال تفاسيرهم، فنجد شيخ المفسرين في زمانه الإمام ابن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ يقول في مقدمة تفسيره: ( ... من أشرف تلك المعاني التي فضل بها كتابنا سائر الكتب قبله نظمه العجيب، ووصفه الغريب، وتأليفه البديع الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سوره الخطباء، وكلّت عن وصف شكله البلغاء، وتحيّرت في تأليفه الشعراء).
وعلى إثر ذلك اتسعت دائرة الكتابة في علوم البلاغة بعامة وفي إعجاز القرآن بشكل خاص. ولعل أول من ألف كتابا مستقلا تحت هذا العنوان هو أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي المتوفى سنة (٣٠٦) هـ، وسماه «إعجاز القرآن البياني». إلا أننا لم نظفر بكتاب الواسطي، وتذكر كتب التراجم أن عبد القاهر الجرجاني شرح كتاب الواسطي بكتابين- أحدهما صغير، والثاني كبير وسماه «المعتضد» - وذلك قبل تأليفه كتاب «دلائل الإعجاز» إلا أن شرحي كتاب الواسطي لم يصلا إلينا.
ولننظر بشيء من التفصيل ما كتب في إعجاز القرآن عند علماء المعتزلة فهم الذين بدءوا بالرد على بعض علمائهم الذين قالوا بالصرفة ثم نجيل النظر في كتب أهل السنّة والجماعة في إعجاز القرآن.
стр. 42
الفصل الأول
الإعجاز في كتب المعتزلة
لقد أسلفنا القول إن مقالة بعض المعتزلة في نفي الإعجاز الذاتي عن القرآن وإن إعجازه كان بصرف الناس عن معارضته، كانت الدافع للكتابة في بيان إعجاز القرآن وأن إعجازه ذاتي في النظم والفصاحة والبلاغة.
وذكرنا أن أول المتصدّين لرد هذا القول كان الجاحظ، وهو رأس فرقة منهم، إلا أن كتابه «نظم القرآن» لم يصل إلينا، وإن كانت كتبه الأدبية مثل «البيان والتبيين» و «الحيوان» تعطي نماذج جيدة عن فكرته في نظم القرآن.
ولعل أول رسالة خاصة بإعجاز القرآن وصلتنا من أحد متكلمي المعتزلة وأدبائهم هي رسالة «النّكت في إعجاز القرآن» لأبي الحسن علي بن عيسى الرّمّاني المتوفى سنة (٣٨٤) هـ. وفيما يلي تعريف بالرماني وبرسالته بإيجاز:
الرّمّاني: هو أبو الحسن علي بن عيسى الرّمّاني، نسبة إلى الرمان وبيعه أو إلى قصر الرمان، وهو قصر بواسط. ولد سنة ست وتسعين ومائتين من الهجرة بمدينة سامراء أو ببغداد. أخذ اللغة والنحو على جماعة من شيوخ العلم مثل أبي بكر السراج، والزجاج، وابن الإخشيد المعتزلي.
كان محبا للعلم واسع الاطلاع متقنا للأدب وعلوم اللغة والنحو، وبرع في علوم القرآن والتفسير وألف فيها. وتوفي بعد حياة حافلة سنة ٣٨٤ هـ.
أما كتابه فهو «النّكت في إعجاز القرآن» ويظهر من مقدمته للكتاب أنه
стр. 43
كان جوابا لسؤال وجّه للرماني، حيث يقول: (سألت وفّقك الله عن ذكر النكت في إعجاز القرآن دون التطويل بالحجاج، وأنا أجتهد في بلوغ محبتك والله الموفق للصواب بمنّه ورحمته، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه).
ثم يبدأ في سرد وجوه الإعجاز .. وفيما يلي مقتطفات من كتابه تبيّن رأي الرماني في إعجاز القرآن:
يقول الرماني: (وجوه إعجاز القرآن تظهر من سبع جهات:
١ - ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة.
٢ - والتحدّي للكافة.
٣ - والصرفة.
٤ - والبلاغة.
٥ - والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة.
٦ - ونقض العادة.
٧ - وقياسه بكل معجزة) (١).
وقدّم الرماني الحديث عن البلاغة لأهمية الوجه عنده، أما الوجوه الثلاثة قبلها والوجوه الثلاثة بعدها، فقد أرجأ الحديث عنها إلى آخر الرسالة ليتكلم عنها بإيجاز.
ويقول: (فأما البلاغة فهي على ثلاث طبقات:
١ - منها ما هو في أعلى طبقة.
٢ - ومنها ما هو في أدنى طبقة.
٣ - ومنها ما هو في الوسائط، بين أعلى طبقة وأدنى طبقة.
стр. 44
فما كان في أعلاها طبقة فهو معجز، وهو بلاغة القرآن. وما كان منها دون تلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس.
وليس البلاغة إفهام المعنى، لأنه قد يفهم المعنى متكلّمان أحدهما بليغ والآخر عييّ، ولا البلاغة أيضا بتحقيق اللفظ على المعنى، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غث مستكره ونافر متكلّف، وإنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ ... فأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن، وأعلى طبقات البلاغة للقرآن خاصة، وأعلى طبقات البلاغة معجز للعرب والعجم كإعجاز الشعر المفحم، فهذا معجز للمفحم خاصة كما أن ذلك معجز للكافة) (١).
ويقسم الرماني بعد ذلك البلاغة إلى عشرة أقسام هي: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.
ثم يفسر كل قسم منها، فيعرف الموضوع ثم يقسمه إلى نواحيه ويستشهد لكل ناحية بالآيات القرآنية، ويسوق أحيانا بعض الأبيات من الشعر، أو كلام منقول عن العرب للمقارنة والموازنة. ويستغرق حديثه عن هذا الوجه من ص ٧٦ - ١٠٩. ثم يتحدث عن الوجوه الستة التي ذكرها في أول الرسالة، حديثا موجزا، حيث استغرق الكلام عنها من ص ١٠٩ - ١١٣.
والمأخذ الذي أخذ على الرماني في كتابه أنه جعل الصرفة وجها من وجوه الإعجاز. وعلى الرغم من أنه لم يدافع عن هذا الوجه ولم يشرحه، إلا أن مجرد ذكره من بين وجوه الإعجاز وتأييده بقوله: (وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر منها للعقول) وهو في واقع الأمر يتناقض مع ما ذهب إليه في وجه البلاغة، كما سنبيّنه عند الحديث عن الصرفة.
كما أن حجج الرماني على القول بنفي السجع من القرآن لم تكن
стр. 45
بالمستوى الذي يحمل المرء على الاقتناع بها وترك المحسوس المشاهد من وجوده في الآيات الكثيرة والسور المتعددة. يقول الرماني عن ذلك:
(الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني.
والفواصل بلاغة والأسجاع عيب. وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها، وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة .. ) (١).
وقد تناول العلماء هذا الموضوع- وجود السجع في القرآن- وأشبعوه بحثا ولا مجال هنا لإيراد أقوالهم (٢).
стр. 46
الإعجاز عند مفسري المعتزلة
يتّسم علماء المعتزلة إلى جانب قدراتهم في علم الكلام، بسمة الفصاحة والبيان، والاطلاع الواسع على فنون البلاغة، ومن يستعرض الجزء السادس عشر من كتاب «المغني» للقاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى سنة ٤١٥ هـ، والذي خصص هذا الجزء للحديث عن إعجاز القرآن، يلحظ المسالك الدقيقة التي سلكها لإبراز نظم القرآن المعجز. إلا أن الذي حاز قصب السبق في هذا المضمار، وجعل كتابه تطبيقا عمليا لآرائه في الإعجاز البياني للقرآن الكريم هو الإمام الزمخشري من أبرز علماء المعتزلة.
ولا بدّ من وقفة متأنية مع الزمخشري وتفسيره لمعرفة أسلوبه في الحديث عن إعجاز القرآن، باعتبار كتابه نموذجا من كتب تفسير المعتزلة.
جار الله الزمخشري:
هو محمود بن عمر الزمخشري، لقّب ب (جار الله) لمجاورته الحرم المكي فترة من الزمن. وألف كتابه في التفسير وهو مجاور لبيت الله الحرام، ويقول إنه أتم تأليفه في زمن يقدره بمدة خلافة أبي بكر ﵁، وهي سنتان وبضعة أشهر (١).
يعتبر الزمخشري من رءوس المعتزلة، ويعد من أئمة النحو واللغة والأدب، وله في كل ذلك مؤلفات من أشهرها: «أساس البلاغة» في اللغة، «المفصّل» في النحو، كتاب «الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل».
стр. 47
لم يؤلف الزمخشري مؤلّفا خاصّا بالإعجاز، إلا أنه سلك في تفسيره مسلكا دقيقا أبرز فيه وجوه إعجاز القرآن من خلال الأساليب البلاغية التي نبّه عليها وهو يفسر الآيات القرآنية. وعلى الرغم من أنه لم يقف عند كل كلمة، إلا أنه يطيل الوقوف عند الآيات التي تكشف له وجوها من روائع البيان وعجيب النظم في تقديم كلمة على كلمة أو اختيار كلمة بدل كلمة أو حرف مكان حرف، ويتحدث عن كل ذلك بأسلوب الأديب الضليع والبلاغي الذوّاقة الذي يتذوّق جمال الكلام وأفانين القول.
ولولا أن الزمخشري شوّه جمال تفسيره بمنازع المعتزلة أحيانا في تأويل بعض الآيات حسب أصولهم، لتبوّء تفسيره القمّة بين التفاسير البيانية.
وفيما يلي مقتطفات من تفسير الكشاف لمعرفة أسلوبه في عرض قضايا الإعجاز من خلال تفسير آيات القرآن الكريم.
يقول الزمخشري في مقدمة تفسيره:
( ... قرآنا عربيا غير ذي عوج، مفتاحا للمنافع الدينية والدنيوية، مصدقا لما بين يديه من الكتب السماوية، معجزا باقيا دون كل معجز على وجه كل زمان، دائرا من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان، أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العربان، وأبكم به من تحدّى به من مصاقع الخطباء، فلم يتصدّ للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض لمقدار أقصر سورة منه ناهض من بلغائهم، على أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، وأوفر عددا من رمال الدهناء ... ) (١).
ويبين أنه لا ينبغي أن يتصدى لعلم التفسير إلا من كان على قدر كبير من معرفة علم المعاني والبيان. يقول في مقدمة تفسيره: (ثم إن أملأ العلوم
стр. 48
بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح، من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق مسبكها: علم التفسير، الذي لا يقوم لتعاطيه وإجالة النظر فيه، كل ذي علم، كما ذكر الجاحظ في كتاب «نظم القرآن» .. فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من «ابن القرية» أحفظ، والواعظ وإن كان من «الحسن البصري» أوعظ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه، لا يتصدّى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما: علم المعاني، وعلم البيان ..... وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانّهما همّة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله- ﷺ ، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقّادها، يقظان النفس داركا للمحة وإن لطف شأنها، منتهيا على الرمزة وإن خفي مكانها) (١).
ويقول- في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) [الفرقان: ٢٢]: يَوْمَ يَرَوْنَ منصوب بأحد شيئين: إما بما دل
عليه لا بشرى، أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى أو يعدمونها ويومئذ للتكرير، وإما بإضمار اذكر: أي اذكر يوم يرون الملائكة)، ثم قال: لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ (وقوله للمجرمين إما ظاهر في موضع ضمير، وإما لأنه عام فقد تناولهم بعمومه حِجْراً مَحْجُوراً ذكره سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها، نحو معاذ الله وقصدك الله، وعمرك الله، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوّ موتور أو هجوم نازلة أو نحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه: ويقول الرجل للرجل أتفعل كذا وكذا فيقول: حجرا وهي:
стр. 49
حجره إذا منعه، لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه، فكان المعنى: أسأل الله أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا، ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد كما كان قصدك وعمرك كذلك، وأنشدت لبعض الرجاز:
قالت وفيها حيدة وذعر ... عوذ بربي منكم وحجر
فإن قلت: فإذا ثبت أنه من باب المصادر فما معنى وصفه ب «محجورا»، قلت: جاءت هذه الصفة لتأييد معنى الحجر، كما قالوا ذيل ذائل والذيل الهوان، وموت مائت. والمعنى في الآية أنهم يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه، وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون، وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو الموتور وشدة النازلة.
وقيل هو من قول الملائكة، ومعناه حراما محرّما عليكم الغفران والجنة والبشرى، أي جعل الله ذلك حراما عليكم) (١).
وفي قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) [الشعراء: ٧ - ٩]، يقول الزمخشري: (وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم، والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، ويقال وجه كريم إذا رضي في حسنه وجماله، وكتاب كريم مرضي في معانيه وفوائده. وقال: حتى يشق الصفوف من كرمه أي من كونه مرضيّا في شجاعته وبأسه، والنبات الكريم المرضي فيما يتعلق به من المنافع. إِنَّ فِي ذلِكَ إنبات تلك الأصناف لَآيَةً على أن منبتها قادر على إحياء الموتى، وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم غير مرجّو إيمانهم. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في انتقامه من الكفرة الرَّحِيمُ لمن تاب وآمن وعمل صالحا.
стр. 50
فإن قلت: ما معنى الجمع بين «كم»، و «كل»، ولو قيل كم أنبتنا فيها من زوج كريم؟ قلت: قد دل «كلّ» على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و «كم» على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما وبه نبّه على كمال قدرته ...
فإن قلت: فما معنى وصف الزوج بالكريم؟ قلت: يحتمل معنيين:
أحدهما أن النبات على نوعين نافع وضار، فذكر كثرة ما أنبت في الأرض، من جميع أصناف النبات النافع، وخلى ذكر الضار. والثاني أن يعم جميع النباتات نافعة وضارة ويصفهما جميعا بالكرم، وينبه على أنه ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة لأن الحكيم لا يفعل فعلا إلا لغرض صحيح ولحكمة بالغة وإن غفل عنها الغافلون ولم يتوصّل إلى معرفتها العاقلون.
فإن قلت: فحين ذكر الأزواج ودل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب: كيف قال إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً، وهلّا قال آيات؟ قلت: فيه وجهان. أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر أنبتنا فكأنه قال: إن في الإنبات لآية أيّ آية، وأن يراد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية) (١).
стр. 51
الصرفة
رافق القول بالصرفة القول بإعجاز القرآن، بل كان هذا القول الباعث الأول للبحث في وجوه إعجاز القرآن، ومن ثم نشوء علم البلاغة عامة.
مصدر القول بالصرفة:
عرف العرب في قرارة نفوسهم أن عجزهم عن أن يأتوا بمثل القرآن نابع من ذاتية القرآن. يتضح ذلك من أقوالهم المرويّة عنهم. وبقي الأمر كذلك إلى صدر العصر العباسي، حيث أولع الناس بالفلسفة الدخيلة واطّلعوا على فلسفة الهند والفرس واليونان، وصارت الطبقة المثقفة من غير علماء الدين شعارها الإغراب في الأقوال والأفكار، لما وصلوا إليه من ترف عقلي. واطلع بعض المتفلسفين من علماء المسلمين على أقوال البراهمة في كتابهم «الفيدا» (١)، وهو الذي يشتمل على مجموعة من الأشعار ليس في كلام الناس ما يماثلها- في زعمهم-، ويقول جمهور علمائهم إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثلها لأن براهما صرفهم عن أن يأتوا بمثلها، ولكن خاصتهم يقولون
إن في مقدورهم أن يأتوا بمثلها ولكنهم ممنوعون من ذلك احتراما لها.
وعند ما دخلت الأفكار الهندية في عهد أبي جعفر المنصور ومن والاه
стр. 52
من حكام بني العباس، تلقف الذين يحبون كل وافد من الأفكار ويركنون إلى الإغراب في أقوالهم فدفعتهم الفلسفة إلى أن يعتنقوا ذلك القول ويطبقوه على القرآن- وإن كان لا ينطبق- فقال قائلهم: إن العرب إذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه ومعانيه ونسجه ونظمه، بل كان، لأن الله تعالى صرفهم عن أن يأتوا بمثله.
إن رواج فكرة الصرفة يؤدّي إلى أن القرآن الكريم ليس في درجة من الفصاحة والبلاغة تمنع محاكاته، وتعجز القدر البشرية على أن يأتوا بمثله.
فالإعجاز عند القائلين بالصرفة ليس من صفات القرآن الذاتية، وبالتالي ما دام أن بلاغة القرآن لا تزيد على بلاغة سائر الناس فمؤدّى كلامهم أن يكون القرآن من جنس كلام البشر.
القائلون بالصرفة:
١ - النّظّام: أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظام البصري:
اقترن اسم الصرفة باسم النظام، واشتهر أنه أول المنادين بها والمظهرين لهذا القول. كان النظام من الموالي، وهو ابن أخت أبي الهذيل العلّاف- أحد كبار المعتزلة-. وقيل له النظام، لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة. تتلمذ للعلاف في الاعتزال ثم انفرد عنه وكوّن له مذهبا خاصا، وعاشره في بغداد حينا ومات وهو شاب في نحو السادسة والثلاثين من عمره سنة ٢٣١ هـ. وكان أستاذ الجاحظ.
ترجم له الإمام أبو منصور البغداديّ في كتابه «الفرق بين الفرق» عند ذكره الفرقة النّظّامية فقال: (عاشر- أي النّظام- في شبابه قوما من الثنوية وقوما من السّمنيّة القائلين بتكافؤ الأدلة، وخالط بعد كبره قوما من ملاحدة الفلاسفة، ثم دوّن مذاهب الثنوية وبدع الفلاسفة وشبه الملاحدة في دين الإسلام، وأعجب بقول البراهمة بإبطال النبوات، ولم يجسر على إظهار هذا القول خوفا من السيف، فأنكر إعجاز القرآن في نظمه، وأنكر ما روي في معجزات نبينا ﷺ من انشقاق القمر وتسبيح الحصى في يده، ونبع الماء
стр. 53
من بين أصابعه، ليتوصل بإنكار معجزات نبينا ﵇ إلى إنكار نبوته، ثم إنه استثقل أحكام شريعة الإسلام في فروعها، ولم يجسر على إظهار رفعها فأبطل الطرق الدالة عليها، فأنكر لأجل ذلك حجية الإجماع، وحجية القياس في الفروع الشرعية، وأنكر الحجة من الأخبار التي لا توجب العلم الضروري. ثم إنه علم إجماع الصحابة على الاجتهاد في الفروع الشرعية فذكرهم بما يقرؤها غدا في صحيفة مخازيه، وطعن في فتاوى أعلام الصحابة ﵃، وجميع فرق الأمة من فريقي الرأي والحديث) (١).
وتدل سيرة النظام على أنه كان على جانب كبير من الذكاء، يروي عن الجاحظ قوله: (كان الأوائل يقولون في كل ألف سنة رجل لا نظير له فإن كان ذلك صحيحا فهو النظام) (٢). ولكنه لم يستعمل ذكاءه هذا في خدمة الشريعة والبحث فيها لإبراز أسرارها ولكشف حكمها ومكنوناتها، بل كان مسيئا إليها مستخفا بأوامر الدين غير متمسك بالأحكام شديد الجرأة على المحدثين، قليل الإيمان بصحة الحديث، ولا يرى غضاضة في ردّ الحديث والطعن في راويه ولو كان صحابيا، لأنه لم يوافق عقله أو بالأحرى هواه. ويقال إنه ألف كتابا سماه «كتاب النكت» انتصر فيه لكون الإجماع ليس بحجة، فاضطره ذلك إلى أن يذكر عيوب الصحابة ويوجّه إلى كل واحد منهم طعنا.
يقول عنه ابن قتيبة (٣): (وجدنا النظام شاطرا من الشطار يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها ويدخل في الأدناس ويرتكب الفواحش والشائنات، وهو القائل:
ما زلت آخذ روح الزقّ في لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح
стр. 54
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزقّ مطّرح جسم بل روح
وفرقة النظامية التي تنسب إليه بالإضافة إلى ما تقدم من مخالفات لجماعة المسلمين فقد تبنّوا آراء شاذة في العقائد منها: أن الله لا يقدر أن يفعل بعباده في الدنيا ما لا صلاح فيه، ولا أن يزيد وينقص من عقاب وثواب، وكونه مريدا لفعله كونه خالقا ولفعل العبد كونه أمر به، والإنسان هو الروح والبدن، والأعراض والأجسام لا تبقى،
والجسم مؤلف من الأعراض، والعلم والجهل المركب مثلان، والإيمان والكفر كذلك ..
والتواتر يحتمل الكذب، وأوجبوا النص على الإمام، وثبوته لعليّ لكن عمر كتمه (١) ...
ولهذه الآراء الشاذة والمعتقدات الباطلة نص الكثير من العلماء على تكفير النظام وفرقته، حتى من المعتزلة أنفسهم ومنهم أبو الهذيل- خاله- وألف كتابا في الرد عليه عرف باسم «الرد على النظام»، ومنهم الجبّائي كفّر النظام في مسائل ذكرها أبو منصور البغدادي، ومنهم الإسكافي وله كتاب في الرد على النظام كفّره في أكثر مذاهبه.
أما أهل السنّة والجماعة فقد ضمن أكثرهم تكفير النظام مصنفاتهم، ويقال إن للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة كتب في الرد على النظام يكفره فيها. وللقلانسي في الرد عليه كتب ورسائل. وللقاضي أبي بكر الباقلاني كتاب كبير في بعض أصول النظّام، وقد أشار إلى ضلالاته في كتاب (إكفار المتأولين).
٢ - وممن نسب إليه القول بالصرفة: الشريف المرتضى من الشيعة.
جاء في ترجمته عند الزركلي في «الأعلام»:
علي بن الحسين بن موسى بن محمد، من أحفاد الحسين بن
стр. 55
علي بن أبي طالب، نقيب الطالبيّين، أحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر. يقول بالاعتزال. مولده ووفاته ببغداد. وله تصانيف كثيرة أشهرها:
أمالي المرتضى، وديوان شعره. قال الذهبي: وهو المتّهم بوضع نهج البلاغة، ومن طالعه جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين. ت ٤٣٦.
ولكنه فسّر الصرفة بأن الله سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في معارضة القرآن والإتيان بمثله. ومؤدّى كلامه أنهم أوتوا القدرة على المعارضة بما كانوا عليه من بيان وبلاغة وفصاحة فهم قادرون على النظم والعبارات، ولكنهم عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن بسبب أنهم سلبوا العلم الذي يستطيعون به محاكاة القرآن في معناه.
٣ - وممن قال بالصرفة: الفقيه الظاهري ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة ٤٥٦ هـ.
جاء في كتاب «الأعلام» للزركلي في ترجمة ابن حزم:
عالم الأندلس في عصره. كان في الأندلس خلق كثير ينتسبون إلى مذهبه يقال لهم الحزمية. ولد بقرطبة، وكانت له ولأبيه من قبله رئاسة الوزراء وتدبير المملكة، فزهدها وانصرف إلى العلم والتأليف ... انتقد كثيرا من العلماء والفقهاء، فتمالئوا على بغضه وأجمعوا على تضليله وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنوّ منه فأقصته الملوك وطاردته، كان يقال لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان.
أشهر مصنفاته: «الفصل في الملل والأهواء والنّحل»، و «المحلى» في الفقه الظاهري، و «جمهرة الأنساب»، و «الإحكام في أصول الأحكام». وغيرها من المؤلفات.
فقد قال في كتابه «الفصل» في سبب الإعجاز: لم يقل أحد إن كلام غير الله معجز، لكن لمّا قاله الله تعالى، وجعله كلاما له، أصاره معجزا،
стр. 56
ومنع من مماثلته .. ثم قال: وهذا برهان كان لا يحتاج إلى غيره (١).
يقول الشيخ محمد أبو زهرة تعليقا على كلام ابن حزم هذا: (ولئن كان كل من النّظّام والمرتضى متهما بنوع من التهمة في عقيدته، فالنظام قد اتّهم بالإلحاد والزندقة، والمرتضى اتّهم باطّلاعه على فلسفة المعتزلة وكلامهم، فإن ابن حزم لم يتّهم بشيء من ذلك، وإنما يفسر قوله بالصرفة تمشيا مع مبدئه في عدم جواز تعليل كلام الله وشرعه، فقد ألزم نفسه بالأخذ بظاهر النصوص من غير تعليل، فالاتجاه إلى تعليل الإعجاز الوارد في قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا وغيرها من الآيات بأن السبب فيه بلاغته التي علت عن طاقة العرب والتي جعلتهم يخرّون صاغرين بين يديه من غير مراء ولا جدال، يعدّ هذا تعليلا، وهو من باب الرأي الذي ينفيه) (١).
٤ - وممن عرف بالقول بالصرفة ابن سنان الخفاجي المتوفى سنة (٤٦٦) هـ. يقول في كتابه «سر الفصاحة»: وإذا عدنا إلى التحقيق وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته، بأن سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكّنون من المعارضة في وقت مرامهم ذلك ... ومتى رجع الإنسان إلى نفسه، وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار وجد في كلام العرب ما يضاهي القرآن في تأليفه) (٢).
حقيقة القول بالصرفة:
قالوا: (لقد عرف العرب منذ جاهليتهم بفصاحة الكلم، فلهم القصيد الطويل والنثر البديع والرجز اللطيف والسجع الغريب، ولهم المعلقات، وقد كانت ندواتهم ومحافلهم تقام لمعرفة ما استجد من أفانين القول، فكيف يعجزون عن الإتيان بمثل أقصر سور القرآن بمثل سطر واحد لا تتجاوز كلماته العشرة، فإن ثبت عجزهم فليس ذاك إلا أن صارفا صرفهم عن
стр. 57
الاتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه بأن سلب منهم العلوم التي تمكنهم معارضة القرآن بواسطتها، أو صرفهم عن الاهتمام بالمعارضة، ولولا ذلك لأمكنهم الإتيان بمثل القرآن).
مما تقدم من أقوال القائلين بالصرفة نتعرف على مذهبين لهم:
١ - النظام ومن تبعه: ذهبوا إلى أن العرب صرفوا عن المعارضة أصلا ولم يتوجّهوا إليها، ولو توجّهوا لقدروا على الاتيان بمثل القرآن.
٢ - والمذهب الثاني- وقال به الشريف المرتضى وابن سنان الخفاجي ومن تابعهما-: ذهبوا إلى أن الله سلب من العرب علومهم التي يحتاج إليها في معارضة القرآن والاتيان بمثله، ولو توجّهوا لما استطاعوا أن يأتوا بمثل القرآن.
وكلا القولين مردود بأدلة نقلية وعقلية:
أما الأدلة النقلية:
١ - فقد أجمعت الأمة قبل ظهور القول بالصرفة على أن إعجاز القرآن ذاتي (١) لاشتماله على ميزات جعلته يفضل كلام البشر. والقول بالصرفة يسلب عن القرآن إعجازه الذاتي، ويجعل المعجزة لهذا الصرف والمنع الذي حال بينهم وبين الاتيان بمثله.
٢ - وصف الله القرآن بأوصاف ذاتية تجعله في منزلة لا تصل إليها المعجزات الأخرى، وبيّن أن وجود القرآن بينهم يتلى عليهم كافيا ومغنيا عن كل معجزة مادية أخرى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].
стр. 58
فهذه الأوصاف والمزايا توجب أن يكون إعجازه ذاتيا وقد قال : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [الرعد: ٣١]. أي لو كان من شأن كتاب أن يظهر له أثر في مثل هذه الأشياء لكان هذا القرآن أولى من كل كتاب بذلك.
ويقول جلّ شأنه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) [الزمر: ٢٣].
فالقول بالصرفة يسلب هذه الصفات الذاتية عن القرآن الكريم ويجعل الإعجاز في المنع الذي حال بينهم وبين الإتيان بمثله.
وأما الأدلة العقلية:
١ - إن قول النظام ومن تبعه: إن الله صرفهم بصرف الدواعي عن الاهتمام بالمعارضة يكذبه الواقع التاريخي، كيف يقال إنهم لم يهتموا بأمر القرآن والتوجّه لمعارضته وهم الذين لم يدّخروا وسعا في سبيل القضاء على القرآن والتخلص ممن أنزل عليه.
- هل يقال إن دواعيهم كانت مصروفة عن المعارضة ولم يهتموا بشأن القرآن وهم الذين أوفدوا عتبة بن ربيعة ليفاوض محمدا ﷺ على ترك سب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وله مقابل ذلك الملك والمال والجاه والنساء وكل ما يرغب؟!.
- أيقال إن دواعيهم كانت مصروفة عن القرآن وهم الذين وجهوا أشرافهم إلى عم النبي ﷺ أبي طالب لكي يسلمهم محمدا يقتلوه ويعطوه بدله أنهد فتى في قريش، عمارة بن الوليد بن المغيرة؟!.
- كيف يقال إن دواعيهم لم تتوجّه إلى معارضة القرآن وهم الذين لمّا يئسوا من المفاوضات قرروا إرسال فتى من كل قبيلة لاغتيال محمد ﷺ في بيته لكي يتفرّق دمه في القبائل فلا يستطيع بنو هاشم حرب
стр. 59
العرب جميعا فيضطرون إلى قبول ديته؟! ولما أنجاه الله منهم جمعوا الجيوش تلو الجيوش لخوض المعارك الضارية وهم يقدمون وقودا لها أبناءهم وفلذات أكبادهم في سبيل إطفاء نور الله والقضاء على دعوة محمد ﷺ .
كل هذا وكان يكفيهم مؤنة ذلك ويبطل دعوة محمد ﷺ الإتيان بمثل أقصر سورة من سور القرآن، وكيف يبذل الإنسان حياته وما يملك في سبيل شيء بينما تحقيق غرضه يتم بشيء هو من مألوفات حياته اليومية العادية ومن أخص خصائصه التي اشتهر بها ونسبت إليه.
إن ترك المعارضة بالحرف واللسان واللجوء إلى الضرب والطعن بالسنان من قريش- ذؤابة العرب وأهل الحجا والنّهى فيهم- لدليل على إحساسهم بالعجز المطلق أمام آيات الله البينات.
بل كان هذا العقل الراجح يمنعهم من ارتكاب حماقات مثل حماقات مسيلمة في زعمه الإتيان بمثل سور القرآن فأصبح أضحوكة الأجيال والأزمان. إن من يعرف عادات العرب في الجاهلية وقريش خاصة في الحفاظ على احترام الآباء وتقديس العادات والمفاخرة بالأمجاد، يدرك مدى هول ما نزل بهم عند ما تحدّاهم القرآن وأبطل
عاداتهم وتقاليدهم الموروثة من الآباء والأجداد وسفّه أحلامهم، ثم طلب منهم إن أرادوا النصرة لأنفسهم أن يأتوا بمثل سورة من القرآن، ثم سجل عليهم الخزي والهزيمة بقوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) [البقرة: ٢٤].
٢ - وعن قول المرتضى ومن شايعه: أن الله سلب من العرب العلوم التي يحتاجون في معارضة القرآن، نقول:
- وهل انحطت علومهم وعقولهم بعد التحدّي عما كانت عليه قبل التحدّي؟! إننا إذا قارنّا بين أساليبهم في الكلام قبل بعثة محمد ﷺ وبعد البعثة لم نجد تفاوتا بين أساليبهم، وعلى هذا الزعم كان ينبغي أن تسف
стр. 60
أساليبهم بعد التحدّي. ولو أن العلوم سلبت منهم فلماذا لم يلجئوا إلى كلام فصحائهم من القدماء الذين لم يحضروا عصر التنزيل ولم تسلب منهم العلوم، فيأتوا بقطعة شعرية أو خطبة محفلية فيعارضوا بها القرآن؟ ولماذا لم ينطقوا بهذا السلب ويشيعوا بأنهم سلبوا علومهم فلا يقدرون على معارضة القرآن؟.
ولا يقال إن ذلك سيكون حجة عليهم ملزمة لهم لتصديقه، لأن باب الافتراء كان مفتوحا عندهم، فكانوا يستطيعون أن يدّعوا أن علومهم سلبت بطريق السحر كما افتروا إن تأثير القرآن على الأنفس إنما هو من قبيل السحر.
إن الذين ادعوا أن إعجاز القرآن كان بسلب العلوم، يثبتون للعرب قدرة هم لم يدعوها لأنفسهم، بل جاء على لسان أهل البيان منهم ما ظهر الحق عليه من غير إرادة منه (ما يقول هذا بشر).
وإن كان القرآن غير معجز بشيء ذاتي فيه، وإنما لم يعارضه العرب لصرف دواعيهم عن المعارضة أو لسلب العلوم منهم، فهل أحس النّظّام والمرتضى بما وصفوا العرب به من صرف وسلب؟ فلماذا لم يأتيا بمعارضة للقرآن، وكان النّظّام من الأذكياء الماهرين كما يشهد له تلميذه الجاحظ، والمرتضى مشهود له أنه كان من فرسان البلاغة والبيان؟.
إننا نقول إن تحدّي القرآن وإثبات العجز للناس ليس مقتصرا على عهد النبوة فقط بل هذا التحدّي قائم، وهذا العجز من البشر ثابت إلى قيام الساعة. فمن قال بالصرفة فليحاول هو، وهل يحسّ بشيء من الصرف أو السلب في نفسه؟.
إن استعظام العرب لفصاحة القرآن وبلاغته وتعجبهم من ذلك لهو دليل على بطلان الصرفة، فلو كانوا مصروفين عن المعارضة بنوع من الصرف لكان تعجبهم للصرف لا للبيان المعجز. ولو كان هنالك سلب علومهم لكان الفرق بين كلامهم بعد التحدّي وكلامهم قبله كالفرق بين
стр. 61
كلامهم بعد التحدّي وبين القرآن، ولما لم يكن كذلك بطل القول بالصرفة (١).
والعرب لم تفقد عقولها بعد التحدّي، فإن سلب العلوم ونسيانها في هذه المدة اليسيرة دليل على زوال العقل، ومعلوم بقاء العقول بعد التحدّي كما كانت، بل من تغلب على نزغات الشيطان وترك اتباع الهوى في نفسه وترفع عن الحسد والبغضاء وآمن بدعوة الحق ازداد عقله رجاحة وصفاء.
سئل عمرو بن العاص بعد إسلامه عن سبب تأخره في الاستجابة لدعوة الإسلام قال: لقد كان الأمر والتدبير لغيرنا سابقا، فكنا نسمع رأيهم ونطيع أمرهم، فلما آل الأمر إلينا رأينا أن الأمر أظهر من أن يحتاج إلى برهان.
ولا شك أن القول بالصرفة كان نتيجة للتفكير الفلسفي المجرد عن نور الهداية، حيث نظر القائلون بها إلى أن القرآن مؤلف من كلمات عربية معروفة باستطاعة البلغاء أن يأتوا بمثلها، فإذا عرفت المفردات أمكن التوصل إلى تركيبها، وإذا عرفت التراكيب أمكن تأليفها (٢)، وفاتهم أن المفردات والتراكيب تحتاج إلى الصبغة الإلهية واللمسة الربانية حتى تضفي عليها الإشراق والحياة فيسري فيها الروح فتكون معجزة وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
إن مثل هؤلاء كمثل الطبيعيين اليوم ينظرون إلى الكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان ويحاولون تحليلها إلى المواد الأولية التي تتكوّن منها.
يحاولون بواسطة هذه التحليلات معرفة سر الحياة وإيجاد إنسان أو حيوان أو نبات في المعمل. لقد فات هؤلاء أيضا أن النفخة الإلهية هي سر الحياة، فلولا هذه النفخة الإلهية لما تكوّنت الحياة في المواد الأولية، ولولا الصبغة الربانية لما كانت الكلمات العربية معجزة.
стр. 62
الفصل الثاني
الإعجاز عند علماء أهل السنة والجماعة
تصدّى علماء أهل السنّة والجماعة للرد على القائلين بالصرفة النافين للإعجاز الذاتي عن القرآن الكريم، وكان أسلوبهم في هذا الرد مشابها لأساليب علماء المعتزلة الذين تولّوا الردّ على النظام وأتباعه حيث كان الطابع العام في هذه الردود بشكل عام:
١ - هو التوجه إلى بيان أساليب العرب في الكلام في شعرهم وخطبهم وكلامهم المنثور، ثم أخذ نماذج من هذا الكلام ودراسته وبيان وجوه البلاغة فيه واستنباط ألوان من المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية والسجع والتضمين وغير ذلك من أفانين القول فيه.
ثم مقارنة كل ذلك بما ورد في القرآن الكريم من ألوان بلاغته وإبراز مزايا ما ورد في القرآن الكريم على سائر الكلام، وأن المستوى الرفيع المذكور خارج عن طوق البشر معجز لقدرات المخلوقين.
٢ - دراسة نماذج من الآيات الكريمة وبيان طريقة نظم الألفاظ واختيار الكلمات للدلالة على المعاني الجليلة التي لا عهد للبشر في طرقها والتعرض لها، فهي هدايات قرآنية جليلة اختص القرآن الكريم بها.
نلحظ هذا الاتجاه في المناقشة والرد من خلال مؤلفات علماء اللغة وعلم الكلام والأدب والفقه والتفسير. فانظر مثلا في كلام ابن قتيبة في كتابه «تأويل مشكل القرآن»، وكذلك في كلام الخطّابي في رسالته «بيان إعجاز القرآن» فهم يبدءون بالحديث عن البلاغة وعلومها وضرب الأمثلة
стр. 63
من كلام العرب على ذلك ثم يصلون إلى إعجاز القرآن من خلال المقارنة.
إلا أن هذا اللون في البحث اختلف مساره على يد الإمام الباقلّاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ حيث قصد إلى بحث إعجاز القرآن ابتداء فجعل البحث في وجوهه نقطة البدء.
الإعجاز في كتب متكلمي أهل السنّة والجماعة:
ثم جاء بعد ذلك الخطابي وهو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطّابي المتوفى سنة ٣٨٨ هـ. ويعدّ الخطابي من علماء أهل السنّة والجماعة البارزين، وعرف بمؤلفاته الجليلة مثل «غريب الحديث»، و «معالم السنن» في شرح سنن أبي داود، و «أعلام السنن» في شرح البخاري، و «بيان إعجاز القرآن».
وقد تعرض في كتابه لآراء العلماء الذين سبقوه بالحديث عن إعجاز القرآن وبلاغته، مما يدل على أنه استفاد من الذين ألفوا قبله في هذا الموضوع. وطريقته شبيهة بطريقة الرماني في عرض الكلام البليغ والأساليب البليغة والاستشهاد على ذلك من كلام العرب ثم الانتهاء إلى بلاغة القرآن، والمقارنة بين أسلوب القرآن وغيره من الأساليب.
وجه الإعجاز عند الخطابي:
لقد اطّلع الخطابي على ما كتبه السابقون عن إعجاز القرآن كالجاحظ وابن قتيبة والرماني. وكان موضوع النظم القرآني هو ميدان البحث في كتابات المتصدّين لبيان وجه الإعجاز، إلا أن حديث الخطابي عن النظم القرآني يختلف بعض الاختلاف عن حديث الجاحظ وعن حديث ابن قتيبة والرماني. فبينما اهتم السابقون ببيان وجوه المجاز والاستعارات والتشبيهات، واستخدام الألفاظ المختارة للدلالة على الأغراض المعيّنة،
стр. 64
وقارنوا كل ذلك بما ورد عن العرب في أشعارهم وخطبهم وفصيح كلامهم في محافلهم، وأبرزوا مزايا القرآن الكريم على كل ذلك، نجد الخطابي يضيف بعدا جديدا إلى مفهوم النظم حيث يقول:
(وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم. وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه، وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها) (١).
والخطابي عند ما يطلق هذه الأوصاف العامة في النظم القرآني وألفاظه الفصيحة الجزلة ونظمه المتآلف المتلائم ومعانيه الفاضلة، لم يسق أمثلة تطبيقية من خلال نصوص آي الذكر الحكيم ليلمسنا هذه الجوانب لمس اليد ويضع أصابعنا على هذه الجوانب من النظم القرآني كما فعل الجرجاني الذي جاء بعده.
ولعل جانبا آخر تميّزت به نظرية الخطابي في الإعجاز وهو مزيتا القرآن الكريم التي قال عنها الخطابي: (صفتا الفخامة والعذوبة) يقول في ذلك:
( ... فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة (٢)، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادّين لأن العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام
стр. 65
تعالجان نوعا من الوعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبوّ كل واحد منهما على الآخر فضيلة خصّ بها القرآن، يسرّها الله بلطيف قدرته من أمره، ليكون آية بينة لنبيه، ودلالة على صحة ما دعا إليه من أمر دينه) (١).
فهذه المزايا في نظم القرآن الكريم هي التي أعجزت العرب عن الإتيان بمثله أو بمثل أقصر سورة منه، (لذا انقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في
شكله. ثم صار المعاندون له ممن كفر به وأنكره يقولون مرة إنه شعر لما رأوه كلاما منظوما، ومرة سحر إذ رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب وقرعا في النفوس يريبهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، ولذلك قال قائلهم إن له حلاوة وإن عليه طلاوة .. ) (٢).
وهكذا نجد الخطابي قد استوعب ما قاله سابقوه في وجه الإعجاز وعمّق مفهوم النظم القرآني بهذه التقسيمات.
بالإضافة إلى ما تعرض له في كتابه في الرد على الصرفة والقائلين بها، وما أورده من وجوه أخرى في الإعجاز وإن لم يرتضها كالقول بالإعجاز الغيبي لأن جميع سور القرآن لا تشتمل على إخبار بالغيب، وقد جعل كل سورة من القرآن معجزة قائمة بذاتها.
ثم يذكر من وجوه الإعجاز ما قال عنه: (إن الناس قد ذهبوا عنه فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم وهو صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما أو منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب- من اللذة والحلاوة في الحال، ومن الروعة والمهابة في أخرى- ما يخلص من القرآن إليه، تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة، وقد عراها الوجيب والقلق وتغشاها
стр. 66
الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود وتنزعج له القلوب .. ) (١).
وهذا الكلام الأخير للخطابي بمثابة الشرح والتفصيل لما جعله الوصفين المتميزين للقرآن الكريم (الفخامة والعذوبة).
فنتيجة الفخامة أن يشعر التالي للقرآن بالروعة والمهابة ويدخل قلبه الوجيب والقلق من قوارعه وزواجره ووعيده وإنذاره. ونتيجة العذوبة هي تلك الحلاوة واللذة التي يتلمسها القارئ من خلال سطوره.
وهكذا نجد الخطابي قد عمق مفهوم النظم القرآني بإضافات جديدة ومعاني لطيفة سديدة.
الباقلاني وكتابه «إعجاز القرآن»:
الباقلاني: هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم المعروف بالباقلاني أو ابن الباقلاني. ولد بالبصرة ولم يحدد عام ولادته. وتلقى العلم على أعلامها ثم استوطن بغداد وأخذ من علمائها، وقضى نحبه فيها عام ٤٠٣ هـ.
من أشهر مؤلفاته:
- «إعجاز القرآن».
- كتاب «التمهيد»، وقد ألفه لابن عضد الدولة. وهو من أهم الكتب الكلامية التي تعلق بها أهل السنّة والجماعة، لاشتماله على أدلة المذهب في قضايا علم الكلام والعقائد وأدلة الجدل التي تعضد مذهبهم. وقد طبع الكتاب عام ١٣٦٦ هـ.
- كتاب «هداية المسترشدين والمقنع في معرفة أصول الدين».
- وكتاب «الانتصار لصحة نقل القرآن والرد على من نحله الفساد بزيادة أو نقصان».
стр. 67
وغيرها من الكتب المفيدة إلا أنها ناقصة الأجزاء ولم يطبع منها شيء للآن. وأغلبها كتب تتعلق بأصول الدين والعقائد والذب عن القرآن الكريم وعن مذهب أهل السنّة والجماعة.
كتاب «إعجاز «القرآن»:
يعتبر كتاب الباقلاني «إعجاز القرآن» من أوسع الكتب التي ألّفت لبيان إعجاز القرآن. وقصد إلى البحث مواجهة، وذكر كل قول يحتمل أو يرد على الإعجاز. وأكثر من الفصول التي تعرض فيها لآراء السابقين ومناقشتها والرد عليها- إن خالف رأيه آراءهم- وذكر أهمية البحث في إعجاز القرآن لأن نبوة محمد ﷺ مبنية على دلالة معجزة القرآن.
وأفاض القول في إبطال الصرفة وذكر جملة من وجوه إعجاز القرآن أجملها في ثلاثة وجوه:
١ - الإخبار عن الغيوب، ٢ - والإنباء عن قصص الأولين وسير المتقدمين، ٣ - وبراعة النظم والتأليف والرصف، ثم فصل هذا الإجمال بضرب الأمثلة الكثيرة على كل وجه من الوجوه التي ذكرها.
وأغلب الوجوه التي ذكرها- كما نجد من خلال الفصل الذي سنختاره من كتابه- تتعلق بالإعجاز البياني. ولعل الجديد الذي أضافه على وجوه الإعجاز التي ذكرها من تقدّمه هو هذا التفصيل والردود المطولة التي ناقش فيها الآخرين، انظر مثلا الفصل الذي عقده في نفي الشعر عن القرآن والآخر في نفي السجع عن القرآن.
وقد أكثر الباقلاني من ذكر نصوص من خطب النبي ﷺ وخطب أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.
وكان قصده من سوق هذه النصوص الطويلة ليتدبرها العاقل (ويتأملها
стр. 68
بسكون طائر وخفض جناح وتفريغ لب وجمع عقل، حتى يقع له الفصل بين كلام الآدميين وبين كلام رب العالمين، ويعلم أن نظم القرآن يخالف نظمهم، ويتبين الحد الذي يتفاوت بين كلام البليغين والخطيبين والشاعرين؛ وبين نظم القرآن جملة).
كما اختار نماذج من الشعر المشهود له بالجودة من شعر امرئ القيس وشعر البحتري. ومن خلال نقده لقصيدة امرئ القيس وقصيدة البحتري ذكر بعض الآيات وأبرز وجوه الإعجاز فيها.
ثم تعرض لبيان القدر المعجز من القرآن وأقوال العلماء في ذلك ثم عقد فصلا عن حقيقة المعجزة، وخصص فصلا للرد على بعض الشبهات التي أثارها الملاحدة، ثم ختم كتابه بذكر مزايا للقرآن الكريم.
وهكذا نجد أن كتاب الباقلاني قد استوفى الجوانب التي تطرق لها في إعجاز القرآن بأسلوب مشرق، وحجة قوية بيّنة، وحماس منقطع النظير.
ولا يزال كتابه المرجع الأكبر بين يدي الباحثين في إعجاز القرآن الكريم ونختار من كتاب الباقلاني الفصل الذي خصّصه لذكر وجوه إعجاز القرآن الكريم إجمالا.
فصل (في جملة وجوه إعجاز القرآن) (١)
ذكر أصحابنا وغيرهم في ذلك ثلاثة أوجه من الإعجاز:
أحدها: يتضمن الإخبار عن الغيوب، وذلك مما لا يقدر عليه البشر ولا سبيل لهم إليه. فمن ذلك ما وعد الله تعالى نبيه ﵇، أنه سيظهر دينه على الأديان، بقوله : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)(٢)، ففعل ذلك.
стр. 69
وكان أبو بكر الصديق، ﵁، إذا أغزى جيوشه عرّفهم ما وعدهم الله، من إظهار دينه، ليثقوا بالنصر ويستيقنوا بالنجح.
وكان عمر بن الخطاب، ﵁، يفعل كذلك في أيامه، حتى وقف أصحاب جيوشه عليه، فكان سعد بن أبي وقاص، ﵀، وغيره من أمراء الجيوش، من جهته، يذكر ذلك لأصحابه، ويحرّضهم به، ويوثق لهم؛ وكانوا يلقّون الظفر في متوجّهاتهم، حتى فتح إلى آخر أيام عمر، ﵁، إلى بلخ، وبلاد الهند، وفتح في أيامه مرو الشاهجان، ومروالرّوذ، ومنعهم من العبور إلى جيحون، وكذلك فتح في أيامه فارس إلى إصطخر، وكرمان، ومكران، وسجستان، وجميع ما كان من مملكة كسرى، وكل ما كان يملكه ملوك فارس، بين البحرين من الفرات إلى جيحون، وأزال ملك ملوك الفرس، فلم يعد إلى اليوم ولا يعود أبدا، إن شاء الله تعالى، ثم إلى حدود إرمينية، وإلى باب الأبواب. وفتح أيضا ناحية الشام، والأردنّ، وفلسطين، وفسطاط مصر، وأزال ملك قيصر عنها، وذلك من الفرات إلى بحر مصر، وهو ملك قيصر. وغزت الخيول في أيامه إلى عمّورية، فأخذ الضواحي كلها، ولم يبق منها إلا ما حجز دونه بحر، أو حال عنه جبل منيع، أو أرض خشنة، أو بادية غير مسلوكة.
وقال الله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) [آل عمران: ١٢]، فصدق فيه.
وقال في أهل بدر: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [الأنفال: ٧]، ووفى لهم بما وعد.
وجميع الآيات التي يتضمنها القرآن، من الإخبار عن الغيوب، يكثر جدّا، وإنما أردنا أن ننبه بالبعض على الكل.
والوجه الثاني: أنه كان معلوما من حال النبي ﷺ ، أنه كان أميّا لا يكتب، ولا يحسن أن يقرأ.
стр. 70
وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين، وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم. ثم أتى بجمل ما وقع وحدث، من عظيمات الأمور ومهمات السير، من حين خلق الله آدم ﵇، إلى حين مبعثه، فذكر في الكتاب، الذي جاء به معجزة له: قصة آدم ﵇، وابتداء خلقه، وما صار أمره إليه من الخروج من الجنة، ثم جملا من أمر ولده وأحواله وتوبته، ثم ذكر قصة نوح ﵇، وما كان بينه وبين قومه، وما انتهى إليه أمرهم؛ وكذلك أمر إبراهيم ﵇، إلى ذكر سائر الأنبياء المذكورين في القرآن، والملوك والفراعنة الذين كانوا في أيام الأنبياء، صلوات الله عليهم.
ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه، إلا عن تعلم؛ وإذ كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار، ولا مترددا إلى التعلم منهم، ولا كان ممن يقرأ، فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه، علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي. ولذلك قال : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) [العنكبوت: ٤٨]، وقال: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ [الأنعام: ١٠٥]. وقد بينا أن من كان يختلف إلى تعلم علم، ويشتغل بملابسة أهل صنعة، لم يخف على الناس أمره، ولم يشتبه عندهم مذهبه، وقد كان يعرف فيهم من يحسن هذا العلم، وإن كان نادرا، وكذلك كان يعرف من يختلف إليه للتّعلّم، وليس يخفى في العرف عالم كل صنعة ومتعلمها، فلو كان منهم لم يخف أمره.
والوجه الثالث: أنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه. والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة، ونحن نفصل ذلك بعض التفصيل ونكشف الجملة التي أطلقوها.
فالذي يشتمل عليه بديع نظمه، المتضمن للإعجاز وجوه:
١ - منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف
стр. 71
وجوهه، وتباين مذاهبه، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد. وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم، تنقسم إلى أعاريض الشعر، على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالا، فتطلب فيه الإصابة والإفادة، وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع، وترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلا في وزنه، وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل [فيه]، ولا يتصنع له. وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه، ومباين لهذه الطرق.
ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من باب السجع، ولا فيه شيء منه، وكذلك ليس من قبيل الشعر، لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجع، ومنهم من يدعي فيه شعرا كثيرا، والكلام عليهم يذكر بعد هذا الموضع.
فهذا إذا تأمله المتأمل تبين- بخروجه عن أصناف كلامهم، وأساليب خطابهم- أنه خارج عن العادة، وأنه معجز، وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن، وتميّز حاصل في جميعه.
٢ - ومنها أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة، والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا الطول، وعلى هذا القدر. وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة، يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوّز والتعسف. وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة، على ما وصفه الله تعالى به، فقال عزّ من قائل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣]، وقوله: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢]. فأخبر سبحانه أن كلام
стр. 72
الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت، وبان عليه الاختلال. وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره، فتأمله تعرف الفصل.
٣ - وفي ذلك معنى ثالث: وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها. ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع، يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور.
فمن الشعراء من يجوّد في المدح دون الهجو.
ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح.
ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين.
ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ.
ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل، أو سير الليل، أو وصف الحرب، أو وصف الروض، أو وصف الخمر، أو الغزل، أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله الكلام، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وبزهير إذا رغب. ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام.
ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ، رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه، ووقف دونه، وبان الاختلاف على شعره؛ ولذلك ضرب المثل بالذين سميتهم، لأنه لا خلاف في تقدّمهم في صنعة الشعر، ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم. فإذا كان الاختلال يتأتى في شعرهم، لاختلاف ما يتصرفون فيه، استغنينا عن ذكر من هو دونهم، وكذلك يستغنى به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها. ثم نجد من الشعراء
стр. 73
من يجوّد في الرجز، ولا يمكنه نظم القصيد أصلا، ومنهم من ينظم القصيد، ولكن يقصر [تقصيرا عجيبا، ويقع ذلك من رجزه موقعا بعيدا.
ومنهم من يبلغ في القصيدة الرتبة العالية، ولا ينظم الرجز، أو يقصر] فيه مهما تكلفه أو تعمله.
ومن الناس من يجود في الكلام المرسل، فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانا بيّنا، ومنهم من يوجد بضد ذلك.
وقد تأملنا نظم القرآن، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدّمنا ذكرها، على حدّ واحد، في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه، ولا انحطاط عن المنزلة العليا، ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا، وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب، من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز في جميعها على حدّ واحد لا يختلف. وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة [تفاوتا بيّنا، ويختلف اختلافا كبيرا. ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة] فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت، بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر، لأن الذي يقدرون عليه قد بيّنا فيه التفاوت الكثير، عند التكرار وعند تباين الوجوه، واختلاف الأسباب التي يتضمن.
٤ - ومعنى رابع: وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بيّنا في الفصل والوصل، والعلوّ والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع.
ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره، والخروج من باب إلى سواه. حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري، مع جودة نظمه، وحسن وصفه- في الخروج من النسيب إلى المديح. وأطبقوا على أنه لا يحسنه، ولا يأتي فيه بشيء، وإنما اتفق له- في مواضع معدودة- خروج يرتضى، وتنقل يستحسن.
وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء، والتحوّل
стр. 74
من باب إلى باب. ونحن نفصل بعد هذا ونفسر هذه الجملة، ونبين أن القرآن- على اختلاف [فنونه و] ما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة- يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد، وهذا أمر عجيب، تبين به الفصاحة، وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن حد العادة، ويتجاوز العرف.
٥ - ومعنى خامس: وهو أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة كلام [الجن، كما يخرج عن عادة كلام الإنس]. فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا. وقد قال الله :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: ٨٨].
فإن قيل: هذه دعوى منكم، وذلك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن [الإتيان] بمثله، وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله، وإن كنا عاجزين، كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة، وأسباب غامضة دقيقة، لا نقدر نحن عليها، ولا سبيل لنا للطفها إليها، وإذا كان كذلك، لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل.
قيل: قد يمكن أن نعرف ذلك بخبر الله ، وقد يمكن أن يقال إن هذا الكلام خرج على ما كانت العرب تعتقده من مخاطبة الجن، وما يروون لهم من الشعر، ويحكون عنهم من الكلام، وقد علمنا أن ذلك محفوظ عندهم منقول عنهم. والقدر الذي نقلوه [من ذلك] قد تأملناه، فهو في الفصاحة لا يتجاوز حد فصاحة الإنس؛ ولعله يقصر عنها، ولا يمنع أن يسمع الناس كلامهم، ويقع بينهم وبينهم محاورات في عهد الأنبياء، صلوات الله عليهم، وذلك الزمان مما لا يمتنع فيه وجود ما ينقض العادات. على أن القوم إلى الآن يعتقدون مخاطبة الغيلان، ولهم أشعار محفوظة مدونة في دواوينهم. قال تأبط شرّا (١):
стр. 75
وأدهم قد جبت جلبابه ... كما اجتابت الكاعب الخيعلا (١)
إلى أن حدا الصبح أثناءه ... ومزّق جلبابه الأليلا (٢)
على شيم نار تنوّرتها ... فبتّ لها مدبرا مقبلا (٣)
فأصبحت والغول لي جارة ... فيا جارتا أنت ما أهولا
وطالبتها بضعها، فالتوت ... بوجه تهوّل واستغولا (٤)
فمن سال أين ثوت جارتي ... فإن لها باللوي منزلا
وكنت إذا ما هممت اعتزمت ... وأخر إذا قلت أن أفعلا
وقال آخر (٥):
عشوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما
فقلت إلى الطعام فقال منهم ... زعيم يحسد الإنس الطعاما
ويذكرون لإمرئ القيس قصيدة مع عمر والجني، وأشعارا لهما، كرهنا نقلها. وقال عبيد بن أيوب:
فلله درّ الغول أي رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقفّر
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليّ نيرانا تلوح وتزهر
وقال ذو الرمة (٦) بعد قوله: